Indexed OCR Text
Pages 561-580
٥٦١ باب ٣٧ / ح ٥٧٤١ كتاب الطب من النُّشْرة النافعة، وأنَّ العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حَسَدٍ، ولو من الرجل المحِبّ، ومن الرجل الصالح، وأنَّ الذي يُعجِبه الشَّيُ ينبغي أن يُبادِرِ إلى الدُّعاء للَّذِي يُعجِبِه بالبَرَ كة، ويكون ذلك رُقْية منه، وأنَّ الماء المستَعمَل طاهر، وفيه جواز الاغتسال بالفَضاء، وأنَّ الإصابة بالعين قد تَقتُل، وقد اختُلِفَ في جَرَيان القِصاص بذلك، فقال القُرطُبيّ: لو أتلَفَ العائنُ شيئاً ضَمِنَه، ولو قَتَل فعليه القِصاصُ أو الدّيَة إذا تَكَرَّرَ ذلك منه بحيثُ يصير عادة، وهو في ذلك کالساحر عند مَن لا يَقتُله كفراً. انتهى. ولم يَتعرَّض الشافعيّة للقِصاص في ذلك، بل مَنَعوه وقالوا: إنَّه لا يقتل غالباً ولا يُعَدّ مُهلِكاً، وقال النَّوويّ في ((الرَّوضة)): ولا دية فيه ولا كفَّارة، لأنَّ الحُكم إنَّما يَتَرَّب على مُنضَبِطٍ عامٍّ دونَ ما يَخْتَصّ ببعضِ الناس في بعض الأحوال ممَّا لا انضِباط له، كيف ولم يقع منه فِعلٌ أصلاً؟ وإنَّما غايتُهُ حسد وتَنٌّ لزوال نعمة. وأيضاً فالذي يَنشَأ عن الإصابة بالعين حصولُ مكروه لذلك الشَّخص، ولا يَتَعيَّن ذلك المكروه في زوال الحياة، فقد تَحِصُل له مكروه بغير ذلك من أثر العين. انتهى، ولا يُعكّر على ذلك إلّا الحكمُ بقتل الساحر، فإنَّه في معناه، والفرق بينهما فیه مُسْر. ونَقَلَ ابن بَطّل عن بعض أهل العلم: أنه ينبغي للإمام مَنعُ العائن إذا عُرِفَ بذلك من مُداخَلة الناس وأن يَلزَمَ بيته، فإن كان فقيراً رَزَقَه ما يقوم به، فإنَّ ضَرَره أشدُّ من ضَرَر المجذوم الذي أمَرَ عمر ◌ُ بمَنعِه من ◌ُخَالَطة الناس كما تقدَّم واضحاً في بابه (٥٧٠٧)، وأشدّ من ضَرَر الثُّوم الذي مَنَعَ الشّارع آكِلَه من حضور الجماعة، قال النَّوويّ: وهذا القول صحیح مُتَعِّن لا يُعرَف عن غيره تصریح بخلافه. ٣٧- باب رُقْية الحيّة والعَقْرب ٥٧٤١- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا سليمانُ الشَّيبانيُّ، حدّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ الأسوَدِ، عن أبيه، قال: سألتُ عائشةَ عن الرُّقْيَةِ مِنَ الحُمَةِ، فقالت: رَخَّصَ النبيُّ ◌َِّ الرُّقْيَةَ من كلِّ ذي حُمَةٍ. ٥٦٢ باب ٣٨ / ح ٥٧٤٢ فتح الباري بشرح البخاري ٢٠٦/١٠ قوله: ((باب رُقْية الحيّة والعَقْرَب)) أي: مشروعيَّة ذلك، وأشارَ بالتَّرجمة إلى ما وَرَدَ في بعض طرق حديث الباب على ما سأذكره. قوله: ((عبد الواحد)) هو ابن زياد، وبذلك جَزَمَ أبو نُعَيم، حيثُ أخرج الحديث من طريق محمَّد بن عُبيد بن حسَّان عنه. قوله: ((سليمان الشَّيبانيُ)) هو أبو إسحاق، مشهور بكُنْتِه أكثر من اسمه. قوله: ((رَخَّصَ)) فيه إشارة إلى أنَّ النَّهي عن الزُّقَى كان مُتَقَدِّماً، وقد بيَّنْتُ ذلك في الباب الأوَّل(١). قوله: ((من كلّ ذِي حُمَّة)) بضمِّ المهمَلة وتخفيف الميم، تقدَّم بيانها في ((باب ذات الجَنْب))(٢)، وأنَّ المراد بها ذوات السُّموم، ووَقَعَ في رواية أبي الأحوص(٣) عن الشَّيبانيِّ بسنِدِه: رََخَّصَ في الرُّقية من الحيّة والعقرب. ٣٨- باب رُقْية النبيّ وَله ٥٧٤٢- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن عبدِ العزيز، قال: دَخَلْتُ أنا وثابتٌ على أنسٍٍ ابن مالكٍ، فقال ثابتٌ: يا أبا حمزةَ، اشتكَيتُ، فقال أنسُ: أَلَا أَرقِيكَ بُرُقْيةِ رسولِ الله وَلِ؟ قال: بَلَى، قال: ((اللهمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ البَاس، اشفِ أنتَ الشّافي، لا شافيَ إلّا أنتَ، شِفاءً لا يُغادِرُ سُفْم)). قوله: «باب رُقْية النبيّ پڼ» أي: التي کان یرقي بها. ذکر فیه ثلاثة أحاديث: الأول: حديث أنس. قوله: ((عبد الوارث)) هو ابن سعيد، وعبد العزيز: هو ابن صُهَيب، والإسناد بصريّونَ. قوله: ((فقال ثابت)) هو البُنانيُ («یا أبا حمزة)» هي گُنية أنس. (١) أي في باب (٣٢): الرقى بالقرآن والمعوذات. (٢) باب رقم (٢٦). (٣) أخرجها من طريقه ابن ماجه (٣٥١٧). ٥٦٣ باب ٣٨ / ح ٥٧٤٣ كتاب الطب قوله: ((اشتكَيتُ)) بضمِّ التاء، أي: مَرِضتُ، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ: إنّي اشتَكَيت. قوله: ((أَلَا)) بتخفيفِ اللّام للعَرْض، و((أَرقيك)) بفتح الهمزة. ٢٠٧/١٠ قوله: ((مُذْهِبَ الباس)) بغير همز للمُؤاخاة، فإنَّ أصله الهمزة. قوله: ((أنتَ الشّافي)) يُؤْخَذ منه جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن بشرطَينِ: أحدهما: أن لا يكون في ذلك ما يُوهِم نقصاً، والثّاني: أن يكون له أصل في القرآن، وهذا من ذاكَ، فإنَّ في القرآن: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]. قوله: ((لا شافيَ إلّا أنتَ)) إشارة إلى أنَّ كلّ ما يقع من الدَّواء والتَّداوي إن لم يُصادِف تقدیرَ الله تعالى، وإلا فلا یَنجَع. قوله: ((شِفاءَ) مصدر منصوب بقولِه: «اشْفٍ))، ويجوز الرَّفع على أنَّه خبرُ مُبتَدَأ، أي: هو. قوله: ((لا يُغادِرِ)) بالغَينِ المعجَمة، أي: لا يَترُك، وقد تقدَّم بيانُه والحكمة فيه في أواخر كتاب المرضَى (٥٦٧٥). وقوله: ((سُقْماً) بضمٌّ ثمَّ سكون، وبفتحَتَينِ أيضاً. ويُؤخَذ من هذا الحديث أنَّ الإضافة في التَّرجمة للفاعل، وقد وَرَدَ ما يدلّ على أنَّها للمفعول، وذلك فيما أخرجه مسلم (٢١٨٦) من حديث أبي سعيد: ((أَنَّ جِبْرِيل أتى النبيَّ ◌َّهِ فقال: يا محمَّد، اشتَكَيتَ؟ قال: نعم، قال: باسْمِ الله أَرقيك، من كلّ شيء يُؤذيك، من شَرّ كلِّ نفسٍ أو عينِ حاسد، اللهُ يَشِفِيك))، وله شاهد عنده بمعناه من حديث عائشة (٢١٨٥). الحديث الثاني: ٥٧٤٣- حدَّثْنَا عَمْرو بنُ عليٌّ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا سفيانُ، حذَّثني سليمانُ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان يُعوِّذُ بعضَ أهلِهِ، يَمْسَحُ بَيَدِه الْيُمْنَى ويقول: ((اللهمَّ رَبَّ النَّاس، أذْهِبِ البَاس، واشفِهِ وأنتَ الشّافي، لا شِفاءَ إلّا شِفاؤُكَ، شِفاءً لا یُغادِرُ سُقْماً)). ٥٦٤ باب ٣٨ / ح ٥٧٤٤ فتح الباري بشرح البخاري قال سفيانُ: حَدَّثتُ به منصوراً، فحدَّثني عن إبراهيمَ، عن مسروقٍ، عن عائشةً ... نحوَه. ٥٧٤٤- حدَّثني أحمدُ بنُ أبي رَجَاءٍ، حدَّثنا النَّضْرُ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، قال: أخبرني أَبي، عن عائشةَ: أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّرِ كان يَرْقِي يقول: ((امسَحِ البَاس، رَبَّ النَّاسِ، بَيَدِكَ الشِّفاءُ، لا كاشفَ له إلّا أنتَ». قوله: ((يجبى)) هو القَطّان، وسفيان: هو الثَّوْريّ، وسليمان: هو الأعمَش، ومسلم: هو أبو الضُّحَى مشهور بكُنْتِه أكثر من اسمه، وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ أن يكون مسلم بن عِمران لكُونِه يروي عن مسروق ويروي الأعمَشُ عنه، وهو تجويز عقليّ مَضِّ يَمُجّه سمعُ المحدِّث، على أنَّني لم أرَ لمسلم بن عِمران البَطِين روايةً عن مسروق وإن كانت تُمكِّنة، وهذا الحديث إنَّما هو من رواية الأعمش عن أبي الضُّحَى عن مسروق، وقد أخرجه مسلم (٢١٩١) من رواية جَرِير عن الأعمَش عن أبي الضُّحَى عن مسروق به، ثمَّ أخرجه (٢١٩١) من رواية هُشَيمٍ ومن رواية شُعْبةٍ ومن رواية يحيى القَطّان عن الثَّوْريّ، كلُّهم عن الأعمَش، قال: بإسنادٍ جَرِير، فَوَضَحَ أنَّ مسلماً المذكور في رواية البخاريّ هو أبو الضُّحَى، فإِنَّه أخرجه من رواية يحيى القَطّان، وغايته أنَّ بعض الزُّواة عن يحيى سَمّاه وبعضهم کَنّاه، والله أعلم. قوله: ((كان بعوِّذ بعضَ أهله)) لم أقِفْ على تعيينه. قوله: ((يَمْسَحُ بَيَدِهِ الْيُمْنَى)) أي: على الوَجَع، قال الطَّبَرَيُّ: هو على طريق التَّاؤُل لَزَوَال ذلك الوَ جَع. قوله: ((واشفِه، وأنتَ الشّافي)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ بحذفِ الواو، والضَّمير في ((اشِفِه)» للعَلِيل، أو هي هاء السَّكت. قوله: ((لا شِفاءَ)) بالمدِّ مَبنيُّ على الفتح، والخبر محذوف، والتَّقدير: لنا أو له. قوله: ((إلّا شِفاؤُك)) بالرَّفع على أنَّه بدلٌ من موضع ((لا شِفاء)». قوله: «قال سفيان» هو موصول بالإسناد المذكور. ٥٦٥ باب ٣٨ / ح ٥٧٤٥- ٥٧٤٦ كتاب الطب قوله: ((حَدَّثتُ به منصوراً) هو ابن المعتمِر، وصارَ بذلك في هذا الحديث إلى مسروق طريقان، وإذا ضُمَّ الطَّريق الذي بعده إليه صارَ إلى عائشة طريقان، وإذا ضُمَّ إلى حديث أنس صارَ إلى النبيّ ◌َ ﴾ فيه طريقان. قوله: ((نحوه)) تقدَّم سياقه في أواخر كتاب المرضَى (٥٦٧٥) مع بيان الاختلاف على الأعمَش ومنصور في الواسطة بينهما وبين مسروق، ومَن أفرَدَ ومَن جَمَعَ، وتحرير ذلك واضحاً. قوله في الطريق الأُخرى: ((النَّضْر)) هو ابن شُمَيلٍ. قوله: ((كان يَرْقِي)) بكسر القاف، وهو بمعنى قوله في الرِّواية التي قبلها: ((كان يعوِّذ)» ولعلَّ هذا هو السِّ أيضاً في إيراد طريق عُرْوة، وإن كان سياق مسروق أتمَّ، لكن عُرْوة صَلىالله صَرَّحَ بَكَونِ ذلك رُقيةً، فيوافق حديثَ أنس في أنَّها رُقية النبيَّ قوله: ((امْسَحْ)) هو بمعنى قوله في الرّواية الأُخرى: ((أذهِب)) والمراد: الإزالة. قوله: ((بَيَدِك الشِّفاء، لا كاشفَ له)) أي: المرض («إلّا أنتَ)) وهو بمعنى قوله: ((اشفِ أنتَ الشّافي، لا شافيَ إلّا أنتَ)). الحديث الثالث: ٥٧٤٥- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: حذَّثني عبدُ رَبِّه بنُ سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان يقول للمريضِ: ((باسمِ الله، تُرْبةُ أرضِنا، بِرِيقَةِ بعضِنا، يُشْفَى سَقِيمُنا، بإذْنِ رَبِّنا». [طرفه في: ٥٧٤٦] ٥٧٤٦- حدَّثَني صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا ابنُ عُبَينَةَ، عن عبدِ رَبِّه بنِ سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: كان النبيُّ ◌ََّ يقول في الرُّقْيةِ: ((تُرْبةُ أرضِنا، ورِيقَةُ بعضِنا، يُشْفَى سَقِيمُنا، باذْنِ رَبِّنا». ٥٦٦ باب ٣٨ / ح ٥٧٤٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((سُفْيان)) هو ابن عُبَينَةَ كما صَرَّحَ به في الطَّريق الثّانية، وقَدَّمَ الأُولى لتصريح سفيان بالتَّحديث، وصَدَقةُ شيخه في الثّانية: هو ابن الفضل المروزيّ. قوله: ((عبد رَبّه بن سعيد)) هو الأنصاريّ أخو يحيى بن سعيد، وهو ثقة، ويحيى أشهَرُ ٢٠٨/١٠ منه وأكثر حديثاً./ قوله: ((كان يقول للمريضِ: باسْمِ الله)) في رواية صَدَقة: كان يقول في الرُّقية، وفي رواية مسلم (٢١٩٤) عن ابن أبي عمر عن سفيان زيادة في أوَّله ولفظه: كان إذا اشتَكَى الإنسان أو كانت به قُرْحة أو جُرح، قال النبيّ ◌َِّ بِإصبَعِه هكذا - ووَضَعَ سفيان سَبّابتَه بالأرضِ ثُمَّ رَفَعَها -: باسمِ الله)). قوله: ((تُزْبةُ أرضِنا)) هو خبر مُبتَدَأ محذوف، أي: هذه تُربة. وقوله: ((برِيقَة بعضنا)) يدلّ على أنَّه كان يَتَفُل عند الرُّقية، قال النَّوويّ: معنى الحديث: أنَّه أخَذَ من ريق نفسه على إصبَعِهِ السَّبّابة ثمَّ وَضَعَها على التُّرابِ، فَعَلِقَ به شيء منه، ثمَّ مَسَحَ به الموضع العليل أو الجريح قائلاً الكلامَ المذكور في حالة المسح. قال القُرطُبيّ: فيه دلالة على جواز الرُّقَى من كلّ الآلام، وأنَّ ذلك كان أمراً فاشياً معلوماً بينهم، قال: ووضعُ النبيِّ وَّ سَبّابتَه بالأرضِ ووضعُها عليه يدلّ على استحباب ذلك عند الرُّقية، ثمَّ قال: وزَعَمَ بعض علمائنا أنَّ السِّ فيه أنَّ تراب الأرض لبُرُودَتِه ويُبسِه يُيرِئ الموضعَ الذي به الألم، ويَمنَع انصِبابَ الموادّ إليه ليُبِه، مع مَنفَعَته في تجفيف الجِراح واندِمالها، قال: وقال في الرِّيق: إنَّه يَخْتَصّ بالتَّحليلِ والإنضاج وإبراء الجُرح والوَرَم، لا سيَّما من الصّائم الجائع، وتَعقَّبَه القُرطُبيّ: أنَّ ذلك إنَّما يَتِمّ إذا وَقَعَتِ المعالجة على قوانينها من مُراعاة مِقدار التُراب والرّيق، ومُلازَمة ذلك في أوقاته، وإلّا فالنَّفْثُ ووضعُ السَّابة على الأرض إنَّما يَتَعلَّق بها ما ليس له بالٌ ولا أثر، وإنَّما هذا من باب التبرُّك بأسماءِ الله تعالى وآثار رسوله، وأمَّا وضعُ الإصبَع بالأرضِ فلعلَّه لخاصّيَّةٍ في ذلك، أو لِحِكْمة إخفاء آثار القُدْرة بمُباشَرة الأسباب المعتادة. ٥٦٧ باب ٣٩ / ح ٥٧٤٧ كتاب الطب وقال البَيْضاويّ: قد شَهِدَت المباحثُ الطِّبِّيّة على أنَّ للرّيق مُدخَلاً في النُّضج وتعديل المزاج، وترابُ الوطن له تأثير في حِفظ المزاج ودفع الضَّرَر، فقد ذَكَروا أنَّه ينبغي للمُسافِرِ أن يَستصحِب ترابَ أرضه إن عَجَزَ عن استصحاب مائها، حتَّى إذا وَرَدَ المياه المختَلِفِة جَعَلَ شيئاً منه في سِقائه ليأمَن مَضَرّة ذلك. ثمّ إنَّ الرُّقَى والعَزائم لها آثار عجيبة تتقاعَد العقول عن الوصول إلى كُنْهها. وقال التُّورِبِشتيُّ: كأنَّ المراد بالتُّربة: الإشارة إلى فِطْرة آدم، والرِّيقة: الإشارة إلى النُّطفة، كأنَّه تَضَرَّع بلسان الحال: أنَّك اختَرَعتَ الأصل من التُّراب ثمَّ أبدعتَه منه من ماء مَهِين، فهَيِّن عليك أن تَشفيَ مِن كانت هذه نَشاتُه. وقال النَّوويّ: قيل: المراد بأرضِنا: أرض المدينة خاصّةً لبَرَكَتِها، وببعضنا: رسول الله وَّل لشَرَفِ رِیقه، فیکون ذلك مخصوصاً. وفيه نظرٌ. قوله: ((يُشْفَى سَقيمُنا)) ضُبِطَ بالوجهَينِ: بضمٍّ أوَّله على البناء للمجهول، و((سَقيمُنا)) بالرَّفع، وبفتح أوَّله على أنَّ الفاعلِ مُقدَّر، و((سَقيمَنا)) بالنَّصبِ على المفعوليَّة. تنبيه: أخرج أبو داود (٣٨٨٥) والنَّسائيُّ (ك١٠٨١٢) ما يُفسَّر به الشّخص المرقيّ، وذلك في حديث عائشة: أنَّ النبيَّ وَّهِ دَخَلَ على ثابت بن قيس بن شَمّاس وهو مريض، فقال: ((اكشِف الباس، رَبَّ الناس)) ثمَّ أَخَذَ تراباً من بُطْحانَ فجعله في قَدَح، ثمَّ نَفَثَ علیه، ثمَّ صَبَّه علیه(١). ٣٩- باب النّفثِ في الرُّقية ٥٧٤٧- حدَّثْنا خالدُ بنُ مَخَلَدٍ، حدَّثنا سليمانُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: سمعتُ أبا سَلَمَةَ، قال: سمعتُ أبا قَتَادةَ يقول: سمعتُ النبيَّ وَّل يقول: ((الرُّؤْيا منَ الله، والحُلُمُ منَ الشَّيطان، فإذا رَأى أحدُكم شيئاً يَكْرَهُه فلْيَتِفِثْ حينَ يَستَيقِظُ ثلاثَ مَرَّاتٍ، وَيَتَعَوَّذْ من شَرِّها، فإنَّها لا تَضُرُّه». (١) إسناده ضعيف لجهالة أحد رواته. ٥٦٨ باب ٣٩ / ح ٥٧٤٨ -٥٧٤٩ فتح الباري بشرح البخاري وقال أبو سَلَمةَ: فإن كنتُ لأَرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عليَّ منَ الجبلِ، فما هو إلّا أن سمعتُ هذا الحديثَ فما أُبالِيها. ٥٧٤٨- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله الأُوَيسِيُّ، حدَّثنا سليمانُ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان رسولُ الله وَلِّ إذا أوَى إلى فِراشِه نَفَثَ في كَفَّيه بـ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ وبالمعوِّذتَينِ جميعاً، ثمَّ يَمْسَحُ بهما وجهَه، وما بَلَغَت يَداهُ من جَسَدِهِ. قالت عائشةُ: فلمَّا اشتَكَى كان يأمرُني أن أُفعَلَ ذلك به. قال یونسُ: كنتُ أَرَی ابنَ شِهابٍ يَصْنَعُ ذلك إذا أتى إلى فِراشِه. ٥٧٤٩ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي بِشْرِ، عن أبي المتوكّلِ، عن أبي سعيدٍ: أنَّ رَهْطاً من أصحاب رسولِ الله وَّةِ انطَلَقوا في سَفْرةٍ سافَروها، حتَّى نَزَلوا بحَيٍّ من أحياءِ العربِ فاستَضافُوهم، فأَبُوْا أن يُضَيِّفوهم، فلُدِغَ سيِّدُ ذلك الحيِّ، فسَعَوْا له بكلِّ شيءٍ، لا يَنْفَعُه شيءٌ، فقال بعضُهم: لو أتيتُم هؤلاءِ الرَّهْطَ الذينَ قد نَزَلوا بكم لعلَّه أن يكونَ عندَ بعضِهم شيءٌ، فأَتَوْهم فقالوا: يا أيُّها الرَّهْطُ، إنَّ سَيِّدَنا لُدِغَ فسَعَيْنا له بكلِّ شيءٍ، لا يَنفَعُه شيءٌ، فهل عندَ أحدٍ منكم شيءٌ؟ فقال بعضُهم: نعم، والله إنّي لَرَاقٍ، ولكنْ والله لقد استَضَفْناكم فلم تُضَيِّفونا، فما أنا برَاقٍ لكم حتَّى تجعلوا لنا جُعْلاً، فصالحَوهم على قَطِيعِ منَ الغنمِ، فانطَلَقَ فَجَعَلَ يَتَفُلُ ويَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ حتَّى لكَأَنَّا نُشِطَ من عِقَالٍ، فانطَلَقَ يَمْشي ما به قَلَةٌ، قال: فَأَوْفَوْهم جُعْلَهمُ الذي صالَوهم عليه، فقال بعضُهم: اقسِمُوا، فقال الذي رَفَى: لا تَفْعَلوا حتَّى نأتيَ رسولَ الله وَّهِ فَتَذْكُرَ له الذي كان، فتَنظُرَّ ما يأمرُنا، فقَدِموا على رسولِ الله وَّهِ فَذَكَّرُوا له، فقال: ((وما يُدْرِيكَ أنَّهَا رُقْيةٌ؟! أصَبتُم، اقسِمُوا واضْرِبوالي مَعَكم بسَهْمٍ)). ٢٠٩/١٠ قوله: ((باب النَّفْث)) بفتح النُّون وسكون الفاء بعدها مُثلَّئة ((في الرُّقْية)»، في هذه التَّرجمة إشارة إلى الردّ على مَن كَرِهَ النَّفْث مُطلَقاً كالأسودِ بن يزيد - أحد التابعين - تَمَسُّكاً بقولِه تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّقَّشَتِ فِى الْعُقَدِ﴾ [الغلق: ٤]، وعلى مَن كَرِهَ النَّفْث عند قراءة ٥٦٩ باب ٣٩ / ح ٥٧٤٩ كتاب الطب القرآن خاصّةً كَإِبراهيم النَّخَعَيّ، أخرج ذلك ابن أبي شَيْبة وغيره، فأمَّ الأسود فلا حُجّة له في ذلك، لأنَّ المذموم ما كان من نَفْث السَّحَرة وأهل الباطل، ولا يَلزَم منه ذَمُّ النَّفْث مُطلَقاً، ولا سيّما بعد ثبوته في الأحاديث الصَّحيحة، وأمَّا النَّخَعيُّ فالحُجّة عليه ما ثَبَتَ في حديث أبي سعيد الخُذْريِّ ثالث أحاديث الباب، فقد قَصُّوا على النبيّ وَِّ القصّة وفيها: أنَّه قرأ بفاتحة الكتاب وتَفَلَ، ولم يُنكِرْ ذلك ◌َّ، فكان ذلك حُجّة، وكذا الحديث الثّاني فهو واضح من فعله(١) وَ لَّ، وقد تقدَّم بيان النَّفْث مِراراً، ومَن قال: إنَّه لا ريقَ فيه، وتصويب أنَّ فيه رِيقاً خفيفاً. وذکر فیه ثلاثة أحاديث. قوله: ((سليمان)) هو ابن بلال، ويحيى بن سعيد: هو الأنصاريّ، والإسناد كلُّه مدنيّونَ. قوله: ((الرُّؤْيا من الله)) يأتي شرحه مُستَوَى في كتاب التَّعبير (٦٩٨٤) إن شاء الله تعالى. وقوله: ((فلْيَتِفِث)) هو المراد من الحديث المذكور في هذه التَّرجمة، لأنَّه دَلَّ على جَدْواه. قوله: «وقال أبو سلمة» هو موصول بالإسناد المذكور. و قوله: (فإن کنتُ)) في رواية الگُشْمِیھنيِّ بدون الفاء. وقوله: ((أثقَلَ عليّ من الجبل)) أي: لمَا كان يتوقَّع من شَرّها. الحديث الثاني: قوله: ((سلیمان)) هو ابن بلال أيضاً، ویونس: هو ابن یزید. ٢١٠/١٠ قوله: ((إذا أَوى إلى فِراشِه نَفَثَ في كَفّه بـ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ وبالمعوِّدتَينِ)) أي: يقرؤُها ويَنْفِث حالةَ القراءة، وقد تقدَّم بيان ذلك في الوفاة النبويَّة (٤٤٣٩). قوله: ((ثُمَّ يَمْسَحُ بهما وَجهَه وما بَلَغَت يَداهُ من جَسَده)) في رواية المفضَّل بن فَضَالة عن عُقَيل (٢): ثمَّ يَمسَحُ بهما ما استَطاعَ من جسده، يَبدَأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبَلَ من (١) تحرَّف في (س) إلى: قوله. (٢) سلفت عند البخاري برقم (٥٠١٧). ٥٧٠ باب ٤٠ / ح ٥٧٥٠ فتح الباري بشرح البخاري جسده، يفعل ذلك ثلاث مرّات. قوله: «فلما اشتگی کان یأمرني أن أُفعَلَ ذلك به)) وهذا ممّا تفرَّد به سلیمان بن بلال عن يونس، وقد تقدَّم في الوفاة النبويَّة (٤٤٣٩) من رواية عبد الله بن المبارك عن يونس بلفظ: فلمَّا اشْتَكَى وَجَعَه الذي تُوُقِّ فيه طَفِقتُ أنِفِثُ عليه، وأخرجه مسلم (٢١٩٢/ ٥١) من رواية ابن وهب عن یونس فلم یذكرها. قوله: «قال يونس: کنت أرَی ابنَ شِھاب یَصْنَع ذلك إذا أَوی إلی فِراشِه» وَقَعَ نحو ذلك في رواية عُقَيل عن ابن شِهاب عند عبد بن حُميدٍ (١٤٨٤)، وفيه إشارة إلى الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ هذه الرواية شاذة، وأنَّ المحفوظ أنَّه ێ کان یفعل ذلك إذا اشتگی، کما في روایة مالك وغيره(١)، فدَلَّت هذه الزيادةُ على أنَّه كان يفعل ذلك إذا أَوى إلى فِراشه، وكان يفعله إذا اشتَكَى شيئاً من جسده، فلا مُنافاةَ بين الرُّوايتَينِ. وقد تقدَّم في فضائل القرآن (٥٠١٦ و٥٠١٧) قولُ من قال: إنَّهما حديثان عن الزُّهْرِيِّ بسندٍ واحد. الحديث الثالث: حديث أبي سعيد في قصَّة اللَّديغ الذي رَقَاه بفاتحة الكتاب، وتقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الإجارة (٢٢٧٦)، وتقدَّمَتِ الإشارة إليه قريباً (٥٧٣٦). ووَقَعَ في هذه الرِّواية: ((فجَعَلَ يَتَفُل ويقرأ)) وقد قَدَّمتُ أنَّ النَّفث دونَ النَّفْل، وإذا جازَ التَّقْلُ جازَ النَّفْتُ بطريق الأَولى. وفيها: «ما به قَلَبة)) بفتح اللام بعدها موحّدة، أي: ما به ألم يُقلَّب لأجلِه على الفراش، وقيل: أصله من القُلَاب بضمِّ القاف: وهو داء يأخذ البعيرَ فُمسِك على قلبه فيموت من يومه. ٤٠- باب مَسْح الرَّاقي الوجعَ بيده الیمنی ٥٧٥٠ - حذَّثني عبدُ الله بنُ أبي شَيْبةَ، حذَّثنا يحيى، عن سفيانَ، عن الأعمَشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان النبيُّ ◌َّ﴿ يُعوِّذُ بعضَهم يَمْسَحُه بيمينِهِ: (١) رواية مالك في ((الموطأ)) ٢/ ٩٤٢، وقد سلفت عند البخاري برقم (٥٠١٦)، وسلف عنده أيضاً نحوَها روایة یونس بن یزید برقم (٤٤٣٩). ٥٧١ باب ٤١-٤٢ / ح ٥٧٥١- ٥٧٥٢ كتاب الطب (أُذْهِبِ الباسَ رَبَّ الناسِ، واشفِ أنتَ الشّافي، لا شِفاءَ إلّا شِفاؤُكَ، شِفاءً لا يُغادِرُ سُقْماً)). فَذَكَرْتُه لمنصورٍ، فحدَّثني عن إبراهيمَ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ ... بنحوِه. قوله: (باب مَسْح الرَّاقي الوجعَ بيدِه اليُّمْنى)) ذكر فيه حديث عائشة في ذلك، وقد تقدَّم شرحه قريباً (٥٧٤٣)، والقائل: ((فذكرته لمنصورٍ)) هو سفيان الثَّوْريّ كما تقدَّم التَّصريح به في ((باب رُقية النبيّ ◌َّ)). ٤١ - باب المرأة تَرْقي الرّجل ٥٧٥١- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ الجُعْفيُّ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ وَلِّ كان يَنْفِثُ على نفسِه في مرضِه الذي قُبِضَ فيه بالمعوِّذاتِ، فلمَّا تَقُلَ كنتُ أنا أَنِفِثُ عليه بِنَّ، فأمسَحُ بَيَدِ نفسِه لِبَرَ كَتِها. فَسألتُ ابنَ شِهابٍ: كيفَ كان يَنْفِث؟ قال: يَنْفِئُ على يَدَیه، ثمَّ يَمْسَحُ بهما وجهَه. قوله: ((باب المرأة تَرْقي الرجل)) ذكر فيه حديث عائشة، وفيه قولها: ((كان يَنفِث على ٢١١/١٠ نفسه في مرضه الذي قُبِضَ فيه بالمعوِّذات، فلمَّا تَقُلَ كنت أنا أَنْفِث عليه))، وقد تقدَّم قبلُ بباب (٥٧٤٨) من رواية يونس عن ابن شهاب: أنَّه ◌ِِّ أمَرَها بذلك، وزاد في رواية مَعمَر هنا کیفیّة ذلك فقال: يَنِفِث على يَدَیه، ثمَّ یَمسَحُ بهما وجهَه. ٤٢ - باب من لم يَرْقِ ٥٧٥٢ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حُصَينُ بنُ نُمَير، عن حُصَينِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: خَرَجَ علينا النبيُّ ◌َّه يوماً، فقال: ((عُرِضَت عليَّ الأُمَمُ، فجَعَلَ يَمُرُّ النبيُّ معه الرجلُ، والنبيُّ معه الرجلانِ، والنبيُّ معه الرَّهْطُ، والنبيُّ ليس معه أحدٌ، ورأيتُ سواداً كثيراً سَدَّ الأَفْقَ فَرَجَوْتُ أن تكونَ أمَّتي، فقِيلَ: هذا موسى وقومُه، ثمّ قيل لي: انظُرْ، فرأيتُ سواداً كثيراً سَدَّ الأُفْقَ، فقِيلَ لي: انظُرُ هكذا وهكذا، فرأيتُ سواداً كثيراً سَدَّ الأُفْقَ، فِقِيلَ: هَؤُلاءِ أَمَّتُكَ، ومعَ هؤُلاءِ سبعون ألفاً يَدخُلونَ الجنَّةَ بغيرِ حِسابٍ)). فَتَفَرَّقَ الناسُ ولم يُبيِّنْ لهم، فتَذَاكَرَ أصحابُ النبيِّ وَّه، فقالوا: أمَّا نحنُ فوُلِدْنا في الشِّرْكِ ولكنّا ٥٧٢ باب ٤٢ / ح ٥٧٥٢ فتح الباري بشرح البخاري آمَنّا بالله ورسوله، ولكن هؤلاءِ هم أبناؤُنا، فَبَلَغَ النبيَّ ◌َّرِ فقال: «همُ الذينَ لا يَتَطَيَّرُونَ ولا يَسْتَرْقونَ ولا يَكْتَوونَ، وعلى رَبِّهم يَتَوَكَّلون)) فقامَ عُّاشةُ بنُ مِحْصَنٍ فقال: أمِنْهُم أنا يا رسولَ الله؟ قال: ((نعم)) فقامَ آخَرُ فقال: أُمِنْهُم أنا؟ فقال: ((سَبَقَكَ بها عُكّاشةُ)). قوله: ((باب مَن لم يَرْقِ)) هو بفتح أوَّله وكسر القاف مَبنيّاً للفاعل، وبضمٍّ أوَّله وفتح القاف مَبنيّاً للمفعولِ. قوله: ((حُصَيْنُ بن نُمَير)) بنونٍ مُصغَّرٌ: هو الواسطيّ، ما له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وقد تقدَّم بهذا الإسناد في أحاديث الأنبياء (٣٤١٠) لكن باختصارٍ، وتقدَّم الحديث بعينِه من وجه آخر عن حُصَينٍ بن عبد الرَّحمن في «باب مَن اکتَوی)) (٥٧٠٥) وذکرتُ مَن زاد في أوَّله قصَّة، وأنَّ شرحه سيأتي في كتاب الرقاق (٦٤٢٧ و٦٥٤١). والغرض منه هنا قوله: ((هم الذينَ لا يَتَطَيَّرونَ ولا يَستَرَقُونَ ولا يَكتَوونَ)) فأمَّا الطِّيَرة فسيأتي ذِكْرها بعد هذا، وأمَّا الكَيّ فتقدَّم ذكر ما فيه هناك، وأمَّا الرُّقية فتَمسَّكَ بهذا الحديث مَن كَرِهَ الرُّقَى والكَيّ من بين سائر الأدوية، وزَعَمَ أنَّهما قادحان في التَّوكُّل دونَ غيرهما، وأجابَ العلماء عن ذلك بأجوبةٍ: أحدها: قاله الطَّبَرِيُّ والمازَرِيّ وطائفة: أنَّه محمول على مَن جانَبَ اعتقاد الطَّبائعيّينَ في أنَّ الأدوية تَنفَع بطَبعِها، كما كان أهل الجاهليّة يَعْتَقِدونَ. وقال غيره: الرُّقَى التي يُحمَد تَركُها: ما كان من كلام الجاهليَّ ومِن الذي لا يُعقَل معناه؛ لاحتمال أن يكون كفراً، بخِلَاف الرُّقَى بالذِّكرِ ونحوه. وتَعقَّبَه عِيَاض وغيره: بأنَّ الحديث يدلّ على أنَّ للسَّبعينَ ألفاً مَزِيَّةً على غيرهم، وفضيلةً انفَرَدوا بها عمَّن شارَكَهم في أصل الفضل والدِّيانة، ومَن كان يَعتَقِد أنَّ الأدوية تُؤَثِّر بطَبعِها، أو يَستَعمِل الرُّقَى الجاهليَّة ونحوها فليس مسلماً، فلم يُسلَّم هذا الجواب. ثانيها: قال الدَّاوُوديُّ وطائفة: إنَّ المراد بالحديث: الذينَ يَجِتَنِبونَ فِعلَ ذلك في الصِّحّة خَشْية وقوع الدّاء، وأمَّا مَن يَستَعمِل الدَّواء بعد وقوع الدّاء به فلا، وقد قَدَّمتُ هذا عن ابن ٥٧٣ باب ٤٢ / ح ٥٧٥٢ كتاب الطب قُتَيبة وغيره في ((باب مَن اكتَوى))، وهذا اختيار ابن عبد البَرّ، غير أنَّه مُعتَرَض بما قَدَّمتُه من تُبوت الاستعاذة قبل وقوع الدّاء. ثالثها: قال الحَلِيميّ: يحتمل أن يكون المراد / بهؤلاءِ المذكورينَ في الحديث مَن غَفَلَ عن ٢١٢/١٠ أحوال الدُّنيا وما فيها من الأسباب المعَدّة لدفع العوارض، فهم لا يَعرِفونَ الاكتِواء ولا الاسترقاء، وليس لهم مَلجَأ فيما يَعتَريهم إلّا الدُّعاء والاعتصام بالله، والرِّضا بقضائه، فهم غافلونَ عن طِبّ الأطبّاء ورُقَى الرّقاة، ولا يُحسِنونَ من ذلك شيئاً، والله أعلم. رابعها: أنَّ المراد بتَركِ الرُّقَى والكَيّ الاعتمادُ على الله في دفع الدّاء والرِّضا بقَدَره، لا القَدحُ في جواز ذلك، لتُبُوتٍ وقوعه في الأحاديث الصَّحيحة وعن السَّلَّف الصالح، لكن مقام الرِّضا والتَّسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نَحَا الخطّابُّ ومَن تَبِعَه، قال ابن الأثير: هذا من صِفَة الأولياء المعرضينَ عن الدُّنيا وأسبابها وعَلائقها، وهؤلاءِ هم خَواصُّ الأولياء. ولا يَرِدُ على هذا وقوعُ ذلك من النبيّ وَلَ فِعلاً وأمراً، لأنَّه كان في أعلى مقامات العِرفان ودَرَجات التَّوكُّل، فكان ذلك منه للتَّشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا يَنقُص ذلك من تَوُّله، لأنَّه كان كامل التَّوكُّل يقيناً، فلا يُؤثِّر فيه تعاطي الأسباب شيئاً، بخِلَاف غيره ولو كان كثيرَ التَّوكُّل، لكن مَن تَرَكَ الأسباب وفَوَّضَ وأخلَصَ في ذلك، كان أرفَعَ مقاماً. قال الطَّبَرَيُّ: قيل: لا يَسْتَحِقّ اسم(١) التَّوُّل إلّا مَن لم يُخالِطْ قلبَه خوفٌ من شيء البَّةَ، حتَّى السَّبُعِ الضّاري والعدوّ العادي، ولا مَن يَسعَى(٢) في طلب رزق ولا في مُداواة ألَ، والحقّ أنَّ مَن وَثِقَ بالله وأيقَنَ أنَّ قضاءَه عليه ماضٍ، لم يَقدَخْ في تَوكُّله تعاطيه الأسبابَ اتِّباعاً لسُنَّتِّهِ وسُنّة رسوله، فقد ظاهَرَ بَّه في الحرب بين دِرعَين، ولَبِسَ على رأسه الِغِفَر، (١) لفظ ((اسم)) سقط من (س). (٢) في (س): ((من لم يسع)) على النفي، وهو خطأ. ٥٧٤ باب ٤٣ / ح ٥٧٥٣ - ٥٧٥٤ فتح الباري بشرح البخاري وأقعَدَ الزُّماة على فم الشِّعْب، وخندق حول المدينة، وأذِنَ في الهجرة إلى الحَبَشة وإلى المدينة، وهاجَرَ هو، وتَعاطَى أسباب الأكل والشُّرب، وادَّخَرَ لأهلِه قُوتَهم ولم يَنْتَظِر أن يُنَزَّل عليه من السماء، وهو كان أحقّ الخلق أن يَحَصُل له ذلك، وقال للذي سألَه: أعقِلُ ناقتي أو أدَعُها؟ قال: ((اعقِلْها وتَوَّلْ))(١)، فأشارَ إلى أنَّ الاحتراز لا يَدِفَع التَّوكُّل، والله أعلم. ٤٣- باب الطِّيرَة ٥٧٥٣ - حذَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ عمرَ، حذَّثنا يونسُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: «لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ، والشُّؤْمُ في ثلاثٍ: في المرأةِ، والدّارِ، والذَّابّةِ)). ٥٧٥٤- حدَّثْنا أبو اليَمَانِ، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبةَ، أنَّ أبا هريرةَ، قال: سمعتُ رسولَ الله وَلَه يقول: ((لا طِيَرَةَ، وخيرُها الفَأْلُ)) قالوا: وما الفَأْلُ؟ قال: ((الكلمةُ الصالحةُ يَسْمَعُها أحدُكُم)). [طرفه في: ٥٧٥٥] قوله: ((باب الطِّيَرة) بكسر المهملة وفتح التَّحتانيَّة وقد تُسكّن: هي التَّشاؤم، بالِّين، وهو مصدَر تَطَيَّرَ، مِثل: تَّخَيَّر خِيرَةً، قال بعض أهل اللُّغة: لم يَجِىء من المصادِر هكذا غير هاتَين، وتُعقِّبَ بأنَّه سُمعَ طِيَبة، وأورَدَ بعضهم: التِّوَلة، وفيه نظر. وأصل التطيُِّ: أنَّهم كانوا في الجاهليَّة يَعتَمِدونَ على الطَّير، فإذا خَرَجَ أحدهم لأمرٍ فإن رأى الطَّير طارَ يَمنةَ تَيمَّنَ به واستَمرَّ، وإن رآه طارَ يَسْرَةً تشاءَمَ به ورَجَعَ، ورُبَّما كان أحدهم يَهِيج الطَّرَ، ليطيرَ فيَعتَمِدَها، فجاء الشَّرع بالنَّهي عن ذلك، وكانوا يُسَمّونَه السانحَ بمُهمَلٍ ثمَّ نون ثمَّ حاء مُهمَلة، والبارحَ بموخَّدةٍ وآخره مُهمَلة، (١) حديث حسنٌ أخرجه الترمذي (٢٥١٧) من حديث أنس، وأخرجه ابن أبي عاصم في ((الآحاد والمثاني)) (٩٧٠) و(٩٧١)، وابن حبان (٧٣١)، والحاكم ٦٢٣/٣ من حديث عمرو بن أمية. ٥٧٥ باب ٤٣ / ح ٥٧٥٤ كتاب الطب فالسانح: ما / ولّاك مَيامنَه بأن يَمُرّ عن يسارك إلى يمينك، والبارح بالعكس، وكانوا يَتَمَّنونَ ٢١٣/١٠ بالسانحِ ويَتْشاءَمونَ بالبارحِ، لأَنَّه لا يُمكِنِ رَمُه إلّا بأن يَنحَرِف إليه، وليس في شيء من سُنوح الطَّيرِ وبُروحِها ما يقتضي ما اعتَقَدوه، وإنَّما هو تكلَّف بتعاطي ما لا أصل له، إذ لا نُطْقَ للطَّير ولا تمييزَ فَيُستَدَلّ بفعلِه على مضمون معنًى فيه، وطلب العلم من غير مَظانّه جهل من فاعله، وقد كان بعض عُقَلاء الجاهليّة يُنكِرِ التطُّر ويَتَمَدَّح بتَركِه، قال شاعر منهم(١): ولقد غَدَوتُ وكنتُ لا أَغْدُو على واقٍ وحاتِمْ فإذا الأشائمُ كالأيا مِنِ والأيامِنُ كالأشائِمْ وقال آخر: الزَّجْر والطَّيْرِ والكُهَان كلُّهُمُ مُضَلَّلون ودونَ الغَيْبِ أقْفالُ وقال آخر(٢): وما عاجِلاتُ الطَِّرِ تُذْني من الفَتَى نَجاحاً ولا عن رَيْثِهِنَّ قُصورٌ وقال آخر(٣): لَعِمْرُكَ ما تدري الطَّوارِقُ بالحَصَى ولا زاجِرَاتُ الطَّيرِ ما اللهُ صانعُ وقال آخر (٤): تَخَبَّرَ طِيرةً فيها زيادٌ لتُخبِرَه وما فيها خَبيرُ تعلَّمْ أَنَّه لا طَيرَ إلّا على مُتَطيِرٍ وهو الُورُ بَلَى شيءٌ يوافقُ بعضَ شيءٍ أحاييناً وباطِلُه كثيرُ (١) هو المرقِّش السَّدُوسي كما في ((الصحاح)) (حتم)، وقيل: هما لخُزَرَة بن لَوْذان كما في («اللسان» (حتم). والواقُ: هو الصُّرَد، نوع من الغِربان، والحاتم: الغراب الأسود. (٢) هو ضابئ بن الحارث البُرُي، قاله مع أبیات أخرى وهو محبوس بالمدنية في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه، لكن في الرواية في آخر هذا البيت : - يخيبُ، بدل: قصور، انظر ((خزانة الأدب)» للبغدادي ٣٢٠/١٠. (٣) هو لبيد بن ربيعة، انظر ((الصحاح)) (طرق). (٤) هو رَبّان بن سيّار الفزاري، انظر (البيان والتبيين)) للجاحظ ٣٠٤/٣-٣٠٥. ٥٧٦ باب ٤٣ / ح ٥٧٥٤ فتح الباري بشرح البخاري وكان أكثرهم يَتَطَيَّرُونَ ويَعتَمِدونَ على ذلك، ويَصِحّ معهم غالباً لتَزيينِ الشَّيطان ذلك، وبَقِيَت من ذلك بقايا في كثير من المسلمينَ، وقد أخرج ابن حِبّان في «صحيحه» (٦١٢٣) من حديث أنس رَفَعَه: ((لا طِيَرَة، والطِّيَرَة على مَن تَطَيَّرَ))، وأخرج عبد الرَّزّاق (١٩٥٠٤) عن مَعمَر عن إسماعيل بن أُميَّة عن النبيّ وَّ: ((ثلاثة لا يَسلمُ مِنْهُنَّ أحد: الطِّيَرَة، والظَّنّ، والحَسَد، فإذا تَطَيَّرتَ فلا تَرجِعْ، وإذا حَسَدتَ فلا تَبغ، وإذا ظَنَنتَ فلا تَحقَّقْ))، وهذا مُرسَل أو مُعضَل، لكن له شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (١١٧٣) (١) . وأخرج ابن عَديّ (٣١٤/٤) بسندٍ لَيِّن عن أبي هريرة رَفَعَه: ((إذا تَطيَّرتُم فامضُوا، وعلى الله فَتَوَّلوا))، وأخرج الطبرانيُ (٢) عن أبي الدَّرداء رَفَعَه: ((لن يَنالَ الدَّرَجاتِ العُلامَن تَكَهَّنَ، أو استَقْسَمَ، أو رَجَعَ من سَفَر تَطيُّراً) ورجاله ثقات، إلّا أنَّني أظنّ أنَّ فيه انقطاعاً، وله شاهد عن عمران بن حُصَينٍ وأخرجه البزَّار (٣٥٧٨) في أثناء حديث بسندٍ جيّد. وأخرج أبو داود (٣٩١٠) والتِّرمِذيّ (١٦١٤) وصَخَّحَه هو وابن حِبّان (٦١٢٢) عن ابن مسعود رَفَعَه: ((الطِّيَرَة شِرك، وما مِنّا إلّا، ولكنَّ الله يُذْهِبِه بالتَّوكُّلِ))، وقوله: ((وما مِنّا إلّا)) من كلام ابن مسعود أُدرِجَ في الخبر، وقد بيَّنْه سليمان بن حَرْب شيخ البخاريّ فيما حكاه الثِّرمِذيّ عن البخاريّ عنه، وإنَّما جَعَلَ ذلك شركاً لاعتقادِهم أنَّ ذلك يَجِلِب نَفعاً أو يَدفَع ضُرّاً، فكأنَّهم أشر كوه مع الله تعالى. وقوله: ((ولكنَّ الله يُذهِبِه بالتَّوكُّل)) إشارة إلى أنَّ مَن وَقَعَ له فسَلَّمَ لله ولم يَعِبَأْ بِالطّرة، أنَّه لا يُؤْاخَذ بما عَرَضَ له من ذلك. وأخرج البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) (١١٨٠) من حديث عبد الله بن عَمْرو موقوفاً: مَن عَرَضَ له من هذه الطِّيَرَة شيء فليقُل: اللهمَّ لا طيرَ إلّا طَيِرُك، ولا خيرَ إلّا خيرُك، ولا إله غیرُك. (١) وفي إسناده لينٌ. (٢) وهو في ((الأوسط)) له (٢٦٦٣) من رواية رجاء بن حيوة عن أبي الدرداء، ورجاء لم يسمع أبا الدرداء، فهو منقطع. ٥٧٧ باب ٤٤ / ح ٥٧٥٥ -٥٧٥٦ كتاب الطب قوله: ((لا عَدْوى ولا طِيرَة، والشُّؤْم في ثلاث)) قد تقدَّم شرح هذا الحديث وبيان اختلاف الرُّواة في سياقه في كتاب الجهاد (٢٨٥٨)، والتطُّر والتَّشاؤم بمعنَّى واحد، فنَفَى أوَّلاً بطريق العُموم كما نَفَى العَدْوى، ثمَّ أَثبَتَ الشُّؤم في الثلاثة المذكورة، وقد ذكرتُ ما قيل في ذلك هناك. وقد وَقَعَ في حديث سعد بن أبي وقّاص عند أبي داود (٣٩٢١) بلفظ: ((وإن كانت الطَّرةُ في شيء)) الحديث. قوله في الحديث: ((لا طِيَرة، وخيرُها / الفَأْل)) يأتي شرحه في الباب الذي بعده، وكأنَّه ٢١٤/١٠ أشارَ بذلك إلى أنَّ النَّفي في الطّيَرة على ظاهره لكن في الشرّ، ويُستَثَنَى من ذلك ما يقع فيه من الخير كما سأذكره. ٤٤ - باب الفَأْل ٥٧٥٥ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، أخبرنا هشامٌ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُبيدِ الله ابن عبدِ الله، عن أبي هريرةَ عُ، قال: قال النبيُّ ◌َ: ((لا طِيَرَةَ، وخيرُها الفَأْلُ)) قال: وما الفَأْلُ يا رسولَ الله؟ قال: ((الكلمةُ الصالحةُ يَسْمَعُها أحدُثُم». ٥٧٥٦ - حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هشامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ ﴾، عن النبيِّ ◌َلـ قال: ((لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ، ويُعْجِبُني الفَأْلُ الصالحُ: الكلمةُ الحَسَنُ)). [طرفه في: ٥٧٧٦] قوله: ((باب الفَأْل)» بفاءِ ثمَّ همزة وقد تُسَهَّل، والجمع: فُؤول بالهمزة جَزماً. قوله: ((عن عُبيد الله بن عبد الله)) أي: ابن عُتبةَ بن مسعود، وقد صَرَّحَ في رواية شُعَيب التي قبل هذه (٥٧٥٤) فيه بالإخبار. قوله: ((قال: وما الفَأْلُ؟» كذا للأكثرِ بالإفراد، وللكُشْمِيهنيٌّ: قالوا، كرواية شُعَيب. قوله: ((الكلمة الصالحة يَسْمَعها أحدُكم)) وقال في حديث أنس ثاني حديثَي الباب: ((ويُعجِبني الفَالُ الصالح، الكلمةُ الحسنة)). ٥٧٨ باب ٤٤ / ح ٥٧٥٦ فتح الباري بشرح البخاري وفي حديث عُرْوة بن عامر الذي أخرجه أبو داود (٣٩١٩) قال: ((ذُكِرت الطِّيَرة عند رسول الله وَ لهفقال: ((خيرُها الفَال، ولا تَرُدّ مسلماً، فإذا رأى أحدُكم ما يكره فليَقُل: اللهمَّ لا يأتي بالحسنات إلّا أنتَ، ولا يَدِفَعُ السَّيِّئَات إلّا أنتَ، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله). وقوله: ((وخيرها الفَأْل)) قال الكِرْمانيُّ تَبَعاً لغيره: هذه الإضافة تُشعِر بأنَّ الفأل من جملة الطَِّرة، وليس كذلك بل هي إضافة توضيح، ثمَّ قال: وأيضاً فإنَّ من جملة الطّرة - كما تقدَّم تقريره - التَّيَامُن، فبيّن بهذا الحديث أنَّه ليس كلّ التَيامُن مردوداً كالتَّشاؤُم، بل بعض التَّيَامُن مقبول. قلت: وفي الجواب الأوَّل دفعٌ في صدر السُّؤال، وفي الثّاني تسلیم السُّؤال ودعوى التَّخصيص، وهو أقرَبُ، وقد أخرج ابن ماجَهْ (٣٥٣٦) بسندٍ حسن عن أبي هريرة رَفَعَه: ((كان يُعجِبِه الفأل، ويكره الطِّيَرة))، وأخرج التُّرمِذيّ من حديث حابِس التَّميميّ: أنَّه سمعَ النبيّ ◌َّه يقول: ((العين حَقّ، وأصدَقُ الطَّيْرِ الفَأْلُ))(١)، ففي هذا التَّصريحُ أنَّ الفألَ من جملة الطّرة لكنَّه مُستَئِنّى. وقال الطِّييُّ: الضَّمير المؤنَّث في قوله: ((وخيرها)) راجع إلى الطِّيَرة، وقد عُلمَ أنَّ الطّرة كلَّها لا خير فيها، فهو كقوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وهو مَبنيّ على زَعمِهم، وهو من إرخاء العَنان في المخادعة بأن يجري الكلامُ على زَعْم الخَصْم حتَّى لا يَشْمَئِّزْ عن التفكّر فيه، فإذا تَفَكَّرَ فأنصَفَ من نفسه قَبِل الحقّ، فقوله: ((خيرها الفال)» إطماع للسامع في الاستماع والقَبُول، لا أنَّ في الطّرة خيراً حقيقة، أو هو من نحو قولهم: ((الصَّيف أحَرّ من الشِّتاء)) أي: الفَأل في بابه أبلَغُ من الطّيَرة في بابها. والحاصل: أنَّ أفعَلَ التَّفضيل في ذلك إنَّما هو بين القَدْرِ المسْتَرَك بين الشَّيئين، والقَدْرُ المشتَرَك بين الطّيَرة والفأل تأثير كلٍّ منهما فيما هو فيه، والفَأل في ذلك أبلغ، قال الخطّابيُّ: (١) بهذا اللفظ أخرجه أحمد (١٦٦٢٧) والبخاري في ((الأدب المفرد)) برقم (٩١٤)، أما الترمذي (٢٠٦١) فليس عنده قوله: ((وأصدق الطير الفأل)). ٥٧٩ باب ٤٤ / ح ٥٧٥٦ كتاب الطب وإنَّما كان ذلك لأنَّ مصدر الفأل عن نُطْقٍ وبيان، فكأنَّه خبر جاء عن غَيْب، بخلاف غيره، فإنَّه مُستَنِد إلى حركة الطائر أو نُطقه وليس فيه بيان أصلاً، وإنَّما هو تكلّف ممَّن/ يَتَعاطاه. وقد ٢١٥/١٠ أخرج الطَّرُّ عن عكرمة قال: كنت عند ابن عبّاس فمرَّ طائر فصاحَ، فقال رجل: خیر خیر، فقال ابن عبّاس: ما عند هذا لا خير ولا شَرّ. وقال أيضاً: الفرقُ بين الفأل والطّرة: أنَّ الفأل من طريق حُسْن الظَّنّ بالله، والطّرة لا تكون إلّا في السّوء فلذلك كُرِهَت. وقال النَّوويّ: الفَأل يُستَعمَل فيما يَسُوء وفيما يَسُرّ، وأكثره في السُّرور، والطّرة لا تكون إلّا في الشُّؤْم، وقد تُستَعمَل مجازاً في السُّرور. انتهى، وكأنَّ ذلك بحَسَبِ الواقع، وأمَّا الشَّرع فخَصَّ الطّيَرة بما يَسُوء والفَأْلَ بما يَسُرّ، ومن شرطه أن لا يُقصَد إليه فيصير من الطِّرة. قال ابن بَطّال: جَعَلَ الله في فِطَر الناس محبّة الكلمة الطيِّية والأُنْس بها، كما جَعَلَ فيهم الارتياح بالمنظَرِ الأَفيق، والماء الصّافي، وإن كان لا يَملِكه ولا يشربه. وأخرج التُّرمِذيّ (١٦١٦) وصَخَّحَه من حديث أنس: أنَّ النبيَّ وََّ كان إذا خَرَجَ لحاجته يُعجِبه أن يسمع: يا نَجِيح يا راشد، وأخرج أبو داود (٣٩٢٠) بسندٍ حسن عن بُرَيدة: أنَّ النبيَّ ◌َِّ كان لا يَتَطَيَّر من شيء، وكان إذا بَعَثَ عاملاً يسأل عن اسمه، فإذا أعجَبَه فَرِحَ به، وإن کَرِه اسمه رُِيَ کراهةُ ذلك في وجهه. وذكر البيهقيُّ في ((الشُّعَب)) عن الحَلِيميّ ما مُلخَّصه: كان التطيُر في الجاهليّة في العرب إزعاجَ الطَّير عند إرادة الخروج للحاجة، فذكر نحو ما تقدَّم، ثمَّ قال: وهكذا كانوا يَتَطَّرونَ بصوتِ الغُراب وبمُرورِ الظِّاء، فسَمَّوا الكلَّ تَطُّراً، لأنَّ أصله الأوَّل. وقال: وكان التَّشاؤم في العَجَم إذا رأى الصبيَّ ذاهباً إلى المعلِّم تشاءَمَ، أو راجِعاً تَيمَّنَ، وكذا إذا رأى الجَمَل مُوقَراً حملاً تشاءَمَ، فإن رآه واضعاً حملَه تَيمَّنَ، ونحو ذلك، فجاء الشَّرع برفع ذلك كلّه، وقال: ((مَن تَكَهَّنَ، أو رَدَّه عن سَفَرِ تَطُّر، فليس مِنّ))(١)، ونحو ذلك من الأحاديث، (١) سلف تخريجه في أواخر الباب السابق. ٥٨٠ باب ٤٥-٤٦ / ح ٥٧٥٧ فتح الباري بشرح البخاري وذلك إذا اعتَقَدَ أنَّ الذي يشاهده من حال الطَّير مُوجِباً ما ظنَّه ولم يُضِف التَّدبير إلى الله تعالى، فأمَّا إن علم أنَّ الله هو المدبِّر ولكنَّه أشفَقَ من الشّ، لأنَّ التَّجارِبَ قَضَت بأنَّ صوتاً من أصواتها معلوماً أو حالاً من أحوالها معلومةً يُردِفها مكروه، فإن وَطَّنَ نفسه على ذلك أساءَ، وإن سألَ اللهَ الخير واستَعاذَ به من الشرّ ومَضَى مُتَوكِّلاً، لم يَضُرَّه ما وَجَدَ في نفسه من ذلك، وإلّا فُؤاخذ به، ورُبَّما وَقَعَ به ذلك المكروه بعینِه الذي اعتَقَدَه عقوبةً لە کما کان یقع كثيراً لأهلِ الجاهليّة، والله أعلم. قال الحَلِيمَيّ: وإِنَّا كان ◌َّهِ يُعجِبِه الفَأْلُ لأنَّ التَّشاؤم سوءُ ظنّ بالله تعالى بغير سبب ◌ُحقَّق، والتَّفاؤل حُسْن ظنِّ به، والمؤمن مأمور بحُسنِ الظَّنّ بالله تعالى على كلّ حال. وقال الطَّييُّ: معنى التَّخُص في الفأل والمنع من الطّيرة، هو أنَّ الشَّخص لو رأى شيئاً فظنَّه حسناً مُحرِّضاً على طلب حاجته، فليفعل ذلك، وإن رآه بضِدٌّ ذلك فلا يَقبله بل يمضي لسبيله، فلو قَبِلَ وانتهى عن المُضِيِّ، فهو الطِّيَرة التي اختَصَّت بأن تُستَعمَل في الشُّؤْم، والله أعلم. ٤٥ - بابٌ لا هامَةَ ٥٧٥٧- حدَّثنا محمَّدُ بنُ الحَگم، حدثنا النَُّ، أخبرنا إسرائیلُ، أخبرنا أبو خَصِینٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ عُه، عن النبيِّ وََّ، قال: ((لا عَذْوَى ولا طِيَرَةَ، ولا هامةً ولا صَفَرَ)). قوله: ((بابٌ لا هامة)) كذا للجميع، وذكر فيه حديث أبي هريرة: «لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صَفَرَ)) ثمَّ تَرجَمَ بعد سبعة أبواب: ((باب لا هامة))، وذكر فيه الحديث المذكور (٥٧٧٠) مُطوَّلاً، وليس فيه: ((ولا طيرة))، وهذا من تَوارُد ما اتَّفَقَ له أن يُتَرجِم للحديثِ في موضعينٍ بلفظٍ واحد، وسأذكر شرحَ الهامة في الموضع الثّاني إن شاء الله تعالى، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه أشارَ بتكرار هذه التّرجمة إلى الخلاف في تفسیر الهامة كما سيأتي بيانه. ٢١٦/١٠ ٤٦ - باب الکَھَانة قوله: ((باب الكَهَانة)) وَقَعَ في ابن بَطّال هنا: والسِّحر، وليس هو في نُسَخ ((الصَّحيح)) فيما وَقَفْتُ عليه، بل ترجمة ((السِّحر)) في باب مُفرَد عَقِبَ هذه.