Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ باب ١٧ / ح ٥٧٠٥م كتاب الطب قوله: ((سمعت جابرً)) في رواية الإسماعيليّ من طريق محمَّد بن خَلّاد عن أبي الوليد بسندِه: أتانا جابر في بیتنا فحدّثنا. قوله: ((ففي شَرْطة مِحْجَم، أو لَذْعة بنارٍ)) كذا اقتَصَرَ في هذه الطَّريق على شيئين، وحَذَفَ الثّالث وهو العَسَل، وثَبَتَ ذِكْره في رواية أبي نُعَيم من طريق أبي مسعود عن أبي الوليد، وكذا عند الإسماعيليّ لكن لم يَسُق لفظه، بل أحالَ به على رواية أبي نُعَيم عن ابن الغَسيل، وقد تقدَّم (٥٦٨٣) عن أبي نُعَيم تامّاً في ((باب الدَّواء بالعَسَلِ))، واختَصَرَ من هذه الطَّريق أيضاً قوله: ((توافِق الدّاء))، وقد تقدَّم بيانها هناك. قوله: ((عِمْران بن مَيسَرة)) بفتح الميم وسكون التَّحتانيَّة بعدها مُهمَلة. قوله: ((حُصَينٌ)) بالتَّصغير: هو ابن عبد الرَّحمن الواسطيّ، وعامر: هو الشَّعْبِيّ. قوله: ((عن عِمْران بن خُصَينٍ قال: لا رُقْية إلّا من عين أو مُمة)) كذا رواه محمَّد بن فُضَيلِ عن حُصَينٍ موقوفاً، ووافَقَه هُشَيم وشُعْبة عن حُصَينٍ على وقفه، ورواية هُشَيم عند أحمد (٢٤٤٨)، ومسلم (٢٢٠/ ٣٧٤)، ورواية شُعْبة عند التِّرمِذيّ تعليقاً(١)، ووصَلَها ابنا أبي شَيْبة، ولكن قالا: عن بُرَيدة بَدَل: عمران بن حُصَينٍ. وخالَفَ الجميع مالك بن مِغْوَل عن حُصَينٍ فرواه مرفوعاً، وقال: عن عمران بن حُصَينٍ. أخرجه أحمد (١٩٩٠٨)، وأبو داود (٣٨٨٤). وكذا قال ابن عُيَينةَ عن حُصَينٍ. أخرجه التِّرمِذيّ (٢٠٥٧)، وكذا قال إسحاق بن سليمان [عن أبي جعفر الرازي] (٢) عن حُصَينٍ. أخرجه ابن ماجَهْ (٣٥١٣)(٣). (١) وقع في بعض النسخ المطبوعة من ((جامع الترمذي)) إضافة ذكر النبي ◌َّر في هذه الطريق، وهو خطأ لیس في النسخ المتقنة منه. وقد رواه عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة، فجعله عن عمران بن حصین ورفعه. أخرج هذه الرواية المحاملي في ((أماليه)) رواية عبد الله بن عبيد الله ابن البيِّع (٣٨٨)، وخيثمة الأطرابلسي في ((منتقى حديثه)) (٤٢)، والطبراني في «الأوسط)) (١٤٤٩). (٢) سقط من الأصلين و(س) ذكر أبي جعفر الرازي، واستدركناه من النسخ المتقنة، وهو في ((تحفة الأشراف)) (١٩٤٥). (٣) نعم روايته مرفوعة لکن من حديث بريدة لا عمران. ٤٦٢ باب ١٧ / ح ٥٧٠٥م فتح الباري بشرح البخاري واختُلِفَ فيه على الشَّعْبيّ اختلافاً آخر: فأخرجه أبو داود (٣٨٨٩) من طريق العبّاس ابن ذَريح، بمُعجَمةٍ وراء وآخره مُهمَلة وزن عظيم، فقال: عن الشَّعْبيّ، عن أنس، ورَفَعَه، وشَذَّ العبّاس بذلك(١)، والمحفوظ رواية حُصَينٍ مع الاختلاف عليه في رفعه ووقفه، وهل هو عن عِمران أو بُرَيدة، والتَّحقيق أنَّه عنده عن عِمران وعن بُرَيدة جميعاً (٢). ووَقَعَ لبعضِ الرُّواة عن البخاريّ قال: حديثَ الشَّعْبيّ مُرسَل، والمسنَد حديث ابن عبّاس، فأشارَ بذلك إلى أنَّه أورَدَ حديثَ الشَّعْبيّ استطراداً ولم يَقصِد إلى تصحيحه، ولعلَّ هذا هو السِّرّ في حذف الحُميديّ له من ((الجمع بين الصحيحين))، فإنَّه لم يَذكُرُه أصلاً. ثمَّ وجَدت في نُسخة الصَّغَانيّ: قال أبو عبد الله - هو المصنِّف -: إنَّما أردنا من هذا حديثَ ابن عبَّاس، والشَّعْبيّ عن عِمران مُرسَل. وهذا يُؤيِّد ما ذكرته. قوله: ((لا رُقْية إلّا من عَيْن أو مُمة)) بضمِّ المهمَلة وتخفيف الميم، قال ثَعلَب وغيره: هي سَمّ العَقرَب، وقال القَزّاز: قيل: هي شركة العَقرَب، وكذا قال ابن سِيْدَه: إنَّها الإبرة التي تَضِرِب بها العَقرَب والزُّنبور. وقال الخطَّبيُّ: الحُمة كلّ هامة ذات سَمّ من حَيَّة أو عَقرَب. وقد أخرج أبو داود (٣٨٨٨) من حديث سهل بن حُنَيف مرفوعاً: ((لا رُقية إلّا من نَفْس، أو حُمة، أو لَدغة)) فغايرَ بينهما، فيحتمل أن يُخرَّج على أنَّ الحُمة خاصّة بالعَقرَب، فيكون ذِكْر اللَّدغة بعدها من العامّ بعد الخاصّ. وسيأتي بيان حُكم الرُّقية في ((باب رُقية الحيّة والعَقرَب))(٣) بعد أبواب، وكذلك ذِكْر حُكم العين في باب مُفرَد(٤). قوله: ((فَذَكَرْته لسعيدِ بن جُبَير)) القائل ذلك حُصَينُ بن عبد الرَّحمن، وقد بيَّن ذلك هُشَیم (١) راويه عن العباس هو شريك بن عبد الله النخعي، وهو سيء الحفظ، فالأولى أن يُعَدَّ هذا الوهم من جهته لا من جهة العباس، إذ هو ثقة، والله أعلم. (٢) رجَّح الحافظ المزي في ((تحفة الأشراف)) (٩٣٩) و(١٩٤٥) حديث عمران على غيره. وعدَّ الدارقطني في «العلل» (٢٤٩٠) ذلك الاختلاف اضطراباً في الحدیث. (٣) باب رقم (٣٧). (٤) باب رقم (٣٥). ٤٦٣ باب ١٨ / ح ٥٧٠٦ كتاب الطب عن حُصَينٍ بن عبد الرّحمن قال: كنت عند سعيد بن جُبير فقال: حدثني ابن عبّاس، وسيأتي ذلك في كتاب الرِّقاق (٦٥٤١). وأخرجه أحمد (٢٤٤٨) عن هُشَيم، ومسلم (٢٢٠/ ٣٧٤) من وجه آخر عنه بزيادة قصَّة، قال: كنت عند سعيد بن جُبیر فقال: أێکم رأى الكوكب الذي انقَضَّ البارحة؟ قلتُ: أنا. ثمَّ قلتُ: أما إنّ لم أكُن في صلاة، ولكن لُدِغت. قال: وكيف فعَلت؟/ قلتُ: استَرقَيت. قال: وما حَمَلَك على ذلك؟ قلتُ: حديثٌ حدَّثناه الشَّعْبيّ ١٥٧/١٠ عن بُرَيدة أنَّه قال: لا رُقية إلّا من عين أو حُمة. فقال سعيد: قد أحسنَ مَن انتهى إلى ما سمعَ، ثمّ قال: حدّثنا ابن عبّاس، فذكر الحديث. قوله: عُرِضَت عليَّ الأُمَم)) سيأتي شرحه في كتاب الرِّقاق (٦٥٤١). وقوله في هذه الرِّواية: ((حتَّى وَقَعَ في سواد)» كذا للأكثرِ بواوٍ وقاف، ويلفظ: ((في)»، وللكُشْمِيهنيّ: ((حتَّى رُفِعَ)) براءٍ وفاء، وبلفظ ((لي)) وهو المحفوظ في جميع طرق هذا الحدیث. قوله: ((فقال: هم الذينَ لا يَستَرْقونَ ولا يَتَطَيَّرونَ)) سيأتي الكلام على الرُّقية بعد قليل(١)، وكذلك يأتي القول في الطِّيَرة(٢) بعد ذلك إن شاء الله تعالى. ١٨ - باب الإثمِد والكُحل من الرَّمَد فيه عن أمِّ عَطِيَّةً. ٥٧٠٦- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، قال: حدَّثني مُميدُ بنُ نافعٍ، عن زينبَ، عن أمّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: أنَّ امرأةً تُوقِّيَ زَوْجُها، فاشتَكَت عينَها، فَذَكَروها للنبِّ وَّ، وذَكَروا له الكُحْلَ، وأَنَّه يُخافُ على عينِها، فقال: ((لقد كانت إحداكُنَّ تَمْكُثُ في بيتِها في شَرِّ أحلاسِها- أو في أحلاسِها في شَرِّ بيتِها - فإذا مرَّ كلبٌ رَمَت بَعْرةً، فلا، ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ [البقرة: ٢٣٤])). (١) باب رقم (٣٥) رقية العين، وباب رقم (٣٨) رقية النبي ◌َّ. (٢) باب رقم (٤٣). ٤٦٤ باب ١٨ / ح ٥٧٠٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((بابُ الإِثْمِد والكُحْل من الرَّمَد)) أي: بسبب الرَّمَد، والرَّمَد بفتح الرَّاء والميم: ورَم حارّ يَعرِض في الطَّبقة الملتَحِمة من العين، وهو بياضها الظّاهر، وسببه انصِباب أحد الأخلاط أو أبخِرة تَصعَد من المعدة إلى الدِّماغ، فإن اندَفَعَ إلى الخياشيم أحدَثَ الزُّكام، أو إلى العين أحدَثَ الرَّمَد، أو إلى اللَّهاة والمَنخِرَينِ أحدَثَ الخُنان، بالخاءِ المعجمة والنّون، أو إلى الصَّدر أحدث النَّزلة، أو إلى القلب أحدَثَ الشَّوصة، وإن لم يَنحَدِر وطلب نَفاذاً فلم يَجِدِ أحدَثَ الصُّداع كما تقدَّمَ. قوله: (فيه عن أمّ عَطيَّةٌ)) يشير إلى حديث أمّ عَطيَّةٌ مرفوعاً: ((لا يَحِلّ لامرأةٍ تُؤمِن بالله واليوم الآخِرِ تُحِدّ فوق ثلاثٍ إلّا على زوج، فإنّها لا تَكتَحِل)) وقد تقدَّم في أبواب العِدّة (٥٣٤٢)، لكن لم أرَ في شيء من طرقه ذِكْر الإثمِد، فكأنَّه ذكره لكَونِ العرب غالباً إِنَّمَا تَكتَحِل به، وقد ورَدَ الَّصيص عليه في حديث ابن عبّاس رَفَعَه: ((اكتَحِلوا بالإثمِد، فإنَّه يَجلو البَصَرِ ويُنِت الشَّعر)». أخرجه التِّرمِذيّ (١٧٥٧) وحَسَّنَه واللَّفظ له، وابن ماجَهْ (١) (٣٤٩٧)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٥٤٢٣)، وأخرجه التِّرمِذيّ من وجه آخر عن ابن عبّاس في ((الشَّمائل)) (٥١). وفي الباب عن جابر عند التِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) (٥٠)، وابن ماجَهْ (٣٤٩٦)، وابن عَديّ (١٩٥/٣ و٣٠٤) من ثلاث طرق عن ابن المنكَدِر عنه بلفظ: ((عليكم بالإثمِد، فإنَّه يَجِلو البَصَر ويُنبِتِ الشَّعر))، وعن عليّ عند ابن أبي عاصم (٢) والطبرانيّ (١٨٣) ولفظه: ((عليكم بالإثمِدِ فإنَّه مَنبتة للشَّعر، مَذْهَبة للقَذَى، مَصفاة للبَصَرِ)) وسنده حسن، وعن ابن عمر بنحوِه عند التِّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) (٥٢). وعن أنس في ((غريب مالك)) للدّارَقُطْنيّ بلفظ: كان يأمرنا بالإثمِدِ. وعن معبد(٣) بن هَوذة عند أحمد (١٥٩٠٦) بلفظ: ((اكتَحِلوا بالإثمِدِ فإنَّه)) الحديث، (١) رواية ابن ماجه وابن حبان ليست من الطريق نفسها التي خرَّجها الترمذي في ((الجامع))، وإنما هو عندهما من الطريق التي خرَّجها الترمذي في ((الشمائل)) (٥١)، وهو أيضاً من هذه الطريق عند أبي داود (٣٨٧٨) و(٤٠٦١)، والنسائي (٥١١٣). (٢) لم نقف عليه في شيء من كتب ابن أبي عاصم المطبوعة، ولعلَّه في كتاب ((الخضاب)) له، فهو أحد كتبه التي سمعها الحافظ كما في «فهرسته)» (١٧٦). (٣) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: سعيد. ٤٦٥ باب ١٨ / ح ٥٧٠٦ كتاب الطب وهو عند أبي داود (٢٣٧٧) من حديثه بلفظ: أنَّه أمَرَ بالإثمِدِ المَرَوَّح عند النَّوم)»(١). وعن أبي هريرة بلفظ: ((خيرُ أكحالِكم الإثمِد فإنَّه)) الحديث. أخرجه البزَّار (٣٠٣١) وفي سنده مَقالٌ، وعن أبي رافع: أنَّ النبيَّ ◌َّ كان يَكتَحِل بالإثمِدِ. أخرجه البيهقيُّ (٤/ ٢٦٢) وفي سنده مَقالٌ. وعن عائشة: كان لرسولِ اللهِ وَّهِ إِنمِد يَكتَحِل به عند مَنامه في كلّ عينٍ ثلاثاً. أخرجه أبو الشَّيخ في كتاب «أخلاق النبيّ وَّ)) (ص١٦٩) بسندٍ ضعيف. والإثمِد بكسر الهمزة والميم بينهما ثاء مُثلَّثة ساكنة، وحُكيَ فيه ضَمّ / الهمزة: حجر ١٥٨/١٠ معروف أسود يَضرِب إلى الحُمرة، يكون في بلاد الحجاز، وأجوده يُؤتَی به من أصبهان، واختُلِفَ هل هو اسم الحَجر الذي يُتَّخَذ منه الكُحل، أو هو نفس الكُحل؟ ذكره ابن سِيْدَه، وأشار إليه الجوهريّ. وفي هذه الأحاديث استحباب الاكتحال بالإثمد. ووَقَعَ الأمر بالاكتِحال وتراً من حديث أبي هريرة في ((سُنَن أبي داود)» (٣٥). ووَقَعَ في بعض الأحاديث التي أشرت إليها كيفية الاكتحال، وحاصله ثلاثاً في كلّ عين، فيكون الوِتر في كلّ واحدة على حِدة، أو اثنتَينٍ في كلّ عين وواحدة بينهما، أو في اليمين ثلاثاً وفي اليُسرَى ثِنتَين، فيكون الوتر بالنّسبة لهما جميعاً وأرجَحها الأوَّل، والله أعلم .. ثمّ ذكر المصنّف حديث أمّ سَلَمة من رواية زينب وهي بنتها عنها: أنَّ امرأة تُوُلِّي زوجها فاشتَكَت عينَها، فَذَكَروها للنبيِّ وَِّ وَذَكَروا له الكُحل، وأنَّه يُخاف على عينها، الحديث، وقد مرَّت مباحثه في أبواب الإحداد (٥٣٣٤). وأمّا قوله في آخره: «فلا ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾)) كذا للأكثر، وعند الكُشْمِيهنيّ: ((فَلًا أربعة أشهر وعشراً)) وهي واضحة، وأمَّا الاقتصار على حرف النَّهي فالمنهيُّ(٢) مُقدَّر، كأنَّه قال: فلا تَكتَحِل، ثمَّ قال: تَمَكُث أربعة أشهر وعشراً. (١) وقال أبو داود عقبه: قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر. (٢) في (أ) و(س): فالمنفي، والمثبت من (ع) هو الصواب، لأنَّ ما يلي حرف النهي منهيٌّ لا منفيّ. ٤٦٦ باب ١٩ / ح ٥٧٠٧ فتح الباري بشرح البخاري ١٩ - باب الجذام ٥٧٠٧- وقال عَفّانُ: حدَّثنا سَلِيمُ بنُ حَيّانَ، حدَّثنا سعيدُ بنُ مِيناءَ، قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ ولا هامةَ ولا صَفَرَ، وفِرَّ منَ المَجْذومِ كما تَفِرُّ منَ الأسَدِ)». [أطرافه في: ٥٧١٧، ٥٧٥٧، ٥٧٧٠، ٥٧٧٣، ٥٧٧٥] قوله: ((باب الجُذام)) بضمِّ الجيم وتخفيف المعجَمة: هو عِلّة رديئة تَحدُث من انتشار المِرّة السَّوداء في البَدَن كلّه، فتُفسِد مِزاج الأعضاء، ورُبَّما أفسَدَ في آخره اتّصالها حتَّى تتآكل. قال ابن ◌ِيْدَه: سُمّيَ بذلك لتَجَذُّمِ الأصابع وتَقَطُّعها. قوله: ((وقال عَفّان)) هو ابن مسلم الصَّفّار، وهو من شيوخ البخاريّ لكن أكثر ما يخرج عنه بواسطةٍ، وهو من المعلّقات التي لم يَصِلها في موضع آخر، وقد جَزَمَ أبو نُعَيم أنَّه أخرجه عنه بلا رواية، وعلى طريقة ابن الصَّلاح يكون موصولاً. وقد وَصَلَه أبو نُعَيم من طريق أبي داود الطَّيالسيّ وأبي قُتَيبة مسلم بن قُتَيبة، كلاهما عن سَليم بن حَيّان شيخ عَفّان فيه، وأخرجه أيضاً من طريق عَمْرو بن مرزوق عن سَليم لكن موقوفاً، ولم يَستَخرِجه الإسماعيليّ. وقد وَصَلَه ابن خُزيمةَ أيضاً. وسليم بفتح أوَّله وكسر ثانيه، وحَيّان بمُهمَلةٍ ثمَّ تحتانيَّة ثقيلة. قوله: ((لا عَدْوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صَفَر)) كذا جمع الأربعة في هذه الرِّواية، ويأتي مِثله سواءً بعد عِدّة أبواب (٥٧٥٧) في ((باب لا هامة)) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة، ويأتي بعد خمسة أبواب (٥٧١٧) من طريق أبي سَلَمة عن أبي هريرة مِثله، لكن بدون قوله: ((ولا طِيَرة)) وأعادَه بعد أبواب كثيرة (٥٧٧٠) بزيادة قصَّة، وبعد عِدّة أبواب (٥٧٥٤) في ((باب لا طِيَرة)) من طريق عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن أبي هريرة: ((لا طِيَرة)) حَسبُ، وفي ((باب لا عَدوى)) (٥٧٧٥) من طريق سِنان بن أبي سِنان عن أبي هريرة بلفظ: «لا عدوی)) حَسبُ. ٤٦٧ باب ١٩ / ح ٥٧٠٧ كتاب الطب ولمسلم (١١٣/٢٢٢٣) من طريق محمَّد بن سِيرِين عن أبي هريرة بلفظ: ((لا عَدوى، ولا هامة، ولا طِيَرة)). وأخرج مسلم (١٠٦/٢٢٢٠) من طريق العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبي هريرة، مِثْل رواية أبي سَلَمة، وزاد: ((ولا نَوء). ويأتي في ((باب لا عدوى)) من حديث ابن عمر (٥٧٧٢)، ومن حديث أنس (٥٧٧٦): ((لا عدوى ولا طِيَرَة))، ولمسلم (١٠٩/٢٢٢٢) وابن حِبّان (٦١٢٨) من طريق ابن جُرَيج أخبرني أبو الزُّبَير أنَّه سمعَ جابراً بلفظ: ((لا عَدوى، ولا صَفَر، ولا غُول))، وأخرج ابن / حِبّان (٦١١٧) من طريق سماك عن عِكْرمة عن ابن عبّاس، مِثل رواية سعيد بن مِيناء ١٥٩/١٠ وأبي صالح عن أبي هريرة، وزاد فيه القصّة التي في رواية أبي سَلَمة عن أبي هريرة، وهو في ابن ماجة (٣٥٣٩) باختصارٍ. فالحاصل من ذلك ستّة أشياء: العَدوى والطَّرة والهامة والصَّفَر والغُول والنَّوء، والأربعة الأُوَل قد أفرَدَ البخاريّ لكلِّ واحد منها ترجمة، فنذكر شَرَحَها فيه. وأمَّا الغول فقال الجمهور: كانت العرب تَزِعُم أنَّ الغِيلان في الفَلَوات، وهي چِنسٌ من الشَّياطين تَتَراءَى للنّاسِ، وتَتَغَوَّل لهم تَغَوُّلاً، أي: تَتَلَوَّن تَلَوُّناً فتُضِلُّهم عن الطَّريق فتُهلِكهم، وقد كَثُرَ في كلامهم: غالَتْه الغُول، أي: أهلَكَته أو أضَلَّته، فأبطَلَ وَّ ذلك. وقيل: ليس المراد إيطالَ وجودِ الغِيلان، وإنَّما معناه إبطال ما كانت العربُ تَزْعُمه من تَلَوُّن الغول بالصّورِ المختَلِفة، قالوا: والمعنى لا يستطيع الغُول أن يُضِلّ أحداً. ويُؤيِّده حديث: ((إذا تَغَوَّلَتِ الغِيلان فنادوا بالأذان))(١)، أي: ادفَعُوا شَرَّها بِذِكْر الله. وفي حديث أبي أيوب عند قوله: كانت لي سَهْوةٌ(٢) فيها تَمر، فكانت الغُول ◌َجيء فتأكُل مِنه، الحديث(٣). وأمَّا النَّوء فقد تقدَّم القول فيه في كتاب الاستسقاء (١٠٣٨)، وكانوا يقولون: مُطِرِنا بنَوءِ (١) أخرجه أحمد (١٤٢٧٧) والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٧٢٥) من حديث جابر، وفي إسناده انقطاع، وانظر تتمة تخريجه في ((المسند)). (٢) السَّهْوة: الصُّفَة تكون بين يدي البيت، أو شبيه بالرفّ والطاق يوضع فيه الشيء. (٣) حديث أبي أيوب أخرجه الترمذي (٢٨٨٠)، والحاكم ٤٥٩/٣، وحسَّنه الترمذي. ٤٦٨ باب ١٩ / ح ٥٧٠٧ فتح الباري بشرح البخاري كذا، فأبطَلَ وَِّ ذلك بأنَّ المطر إنَّما يقع بإذنِ الله لا يفِعلِ الكوكب، وإن كانت العادة جَرَت بوقوع المطر في ذلك الوقت، لكن بإرادة الله تعالى وتقديره، لا صُنع للكوكب في ذلك، والله أعلم. قوله: ((وفِرَّ من المَجْذوم كما تَفِرّ من الأسَد)» لم أقِفْ عليه من حديث أبي هريرة إلّا من هذا الوجه، ومن وجه آخر عند أبي نُعَيم في ((الطِّبّ)) (٢٨٧) (١) لكنَّه معلول. وأخرج ابن خُزيمةَ في كتاب ((التَّوكُّل)) له شاهداً من حديث عائشة، ولفظه: ((لا عَدوى، وإذا رأيت المجذوم فِفِرَّ منه كما تَفِرّ من الأسَد)»، وأخرج مسلم (٢٢٣١) من حديث عَمْرو بن الشَّريد الفَّقفيّ عن أبيه قال: كان في وفد ثَقيف رجلٌ مجزوم، فأرسَلَ إليه رسول الله وَّ: ((إنّا قد بایعناك، فارجع». قال عِيَاض: اختَلَفَتِ الآثار في المجذوم، فجاء ما تقدَّم عن جابر: أنَّ النبيَّمَ﴿ أُكَلَ مع مجزوم، وقال: ((ثقةً بالله وتَوكَّلاً عليه)(٢)، قال: فذهب عمر وجماعة من السَّلَف إلى الأكل معه، ورأوا أنَّ الأمر باجتنابِه منسوخ. وثمَّن قال بذلك عيسى بن دينار من المالكيَّة، قال: والصَّحيح الذي عليه الأكثر ويَتَعيَّن المصير إليه أن لا نَسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحَمل الأمرِ باجتنابِه والفِرار منه على الاستحباب والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز. انتهى. هكذا اقتَصَرَ القاضي ومَن تَبِعَه على حكاية هذَينِ القولَين، وحكى غيرُه قولاً ثالثاً: وهو التَّرجيح، وقد سَلَكَه فريقان: أحدهما: سَلَكَ ترجيح الأخبار الدّالّة على نفي العَدوى، وتَزييف الأخبار الدّالَّة على عكس ذلك، مِثل حديث الباب فأعَلّوه بالشُّذوذ، وبأنَّ عائشة أنكَرَتْ ذلك، فأخرج الطََّريُّ(٣) عنها: أنَّ امرأة سألَتها عنه، فقالت: ما قال ذلك، (١) وهو أيضاً عند البخاري في ((التاريخ الكبير)) ١٣٩/١ من الطريق نفسها التي خرَّجها أبو نعيم، وأشار البخاري إلى الاختلاف في إسناده. (٢) أخرجه أبو داود (٣٩٢٥)، وابن ماجه (٣٥٤٢)، والترمذي (١٨١٧)، وابن حبان (٦١٢٠)، وسنده ضعيف. (٣) في ((تهذيب الآثار - مسند علي)) ص ٣٠. ٤٦٩ باب ١٩ / ح ٥٧٠٧ كتاب الطب ولكنَّه قال: ((لا عَدوى)) وقال: ((فمَن أعدَى الأوَّل؟)) قالت: وكان لي مَولَى به هذا الدّاء، فكان يأكل في صِحافي، ويشرب في أقداحي، وينام على فِراشي، وبأنَّ أبا هريرة تَرَدَّدَ في هذا الحُكم كما سيأتي بيانه، فيُؤخَذ الحُكم من رواية غيره، وبأنَّ الأخبار الواردة من رواية غيره في نفي العَدوى كثيرة شهيرة بخلاف الأخبار المرَخِّصة في ذلك، ومثل حديث: ((لا تُديموا النَّظَر إلى المجذومينَ))، وقد أخرجه ابن ماجَهْ (٣٥٤٣) وسنده ضعيف، ومثل حديث عبد الله بن أبي أوفَ رَفَعَه: ((كَلِّم المجذوم وبينك وبينه قِيدَ رُحَينٍ)) أخرجه أبو نُعَيم في ((الطِّبّ)) (٢٩٢) بسندٍ واهٍ، ومثل ما أخرجه الطَّبَريّ(١) من طريق مَعمَر عن الزُّهْريّ: أنَّ عمر قال لُعَيقيب: اجلِس منِّي قِيد رُمح. ومن طريق خارجة بن زيد كان عمر يقول نحوه (٢). وهما أثران مُنقَطِعان. وأمَّا حديث الشَّريد الذي أخرجه مسلم فليس صريحاً في أنَّ ذلك بسببِ الجُذام، والجواب عن ذلك أنَّ طريق التَّرجيح لا يُصار إليها إلّا مع تَعذَّر الجمع، وهو يُمكِن، فهو أولی. الفريق الثّاني: سَلَكوا في التَّرجيح عكس هذا/ المسلَك، فَرَدّوا حديث: ((لا عَدوى)) ١٦٠/١٠ بأنَّ أبا هريرة رَجَعَ عنه إمّا لشَكِّه فیه، وإمّا لثبوتٍ عکسه عنده، كما سيأتي إيضاحه في ((باب لا عَدوى))(٣). قالوا: والأخبار الدّالَّة على الاجتناب أكثر مَارِجَ وأكثر طُرُّقاً، فالمصير إليها أولى. قالوا: وأمَّا حديث جابر: أنَّ النبيَّ نَ ◌ّهِ أَخَذَ بَيَدٍ مجذوم فوضَعَها في القَصعة، وقال: ((كُلْ ثقةً بالله وتَوكُّلاً عليه)) ففيه نظر، وقد أخرجه التِّرمِذيّ (١٨١٧) وبيَّن الاختلاف فيه على راويه، ورَجَّحَ وقْفه على عمر، وعلى تقدير ثُبُوته فليس فيه أنَّهِ﴿ أكَلَ معه، وإنَّما فيه أنَّه وضَعَ يده في القَصعة. قاله الكلاباذيّ في ((معاني الأخبار)). والجواب أنَّ طريق الجمع أولى كما تقدَّمَ، وأيضاً فحديث: ((لا عَدوى)) ثَبَتَ من غير طريق (١) في ((تهذيب الآثار - مسند علي)» ص٣٢. (٢) وهو أيضاً عند ابن سعد في ((الطبقات)). (٣) الحديث (٥٧٧١). ٤٧٠ باب ١٩ / ح ٥٧٠٧ فتح الباري بشرح البخاري أبي هريرة، فصَحَّ عن عائشة وابن عمر وسعد بن أبي وقّاص وجابر وغيرهم(١)، فلا معنى لدَعوی کَونه معلولاً، والله أعلم. وفي طريق الجمع مَسالكُ أُخرى: أحدها: نفي العَدوى جملةً، وحَمْل الأمر بالفِرار مِن المجذُوم على رِعاية خاطر المجذوم، لأنَّه إذا رأى الصَّحيح البَدَنِ السَّليمَ من الآفة تَعظُم مُصيبَته وتَزداد حَسرَتُه، ونحوه حديث: ((لا تُديموا النَّظَر إلى المجذومينَ)) فإنَّه محمول على هذا المعنى. ثانيها: حَمَل الخِطاب بالنَّفي والإثبات على حالتَينِ مُخْتَلِفَتَين، فحيثُ جاء: ((لا عَدوى)) كان المخاطَب بذلك مَن قويَ يقينُهُ وصَحَّ تَوُّله بحيثُ يستطيع أن يَدفَع عن نفسه اعتقاد العَدوى، كما يستطيع أن يَدِفَع التطَيُّر الذي يقع في نفس كلّ أحد، لكن القويّ اليقينِ لا يَتأثَّر به، وهذا مِثل ما تَدفَع قوّةُ الطَّبيعة العِلّةَ فتُبطِلها. وعلى هذا يُحمَل حديث جابر في أكل المجذوم من القَصعة وسائر ما ورَدَ من جِنسه، وحيثُ جاء: ((فِرَّ من المجذوم)) كان المخاطَب بذلك مَن ضَعُفَ يقينُه، ولم يتمگَّن من تمام التَّوُّل فلا يكون له قوّة على دفع اعتقاد العَدوى، فأُريدَ بذلك سَدُّ باب اعتقاد العَدوى عنه، بأن لا يُباشر ما يكون سبباً لإثباتها. وقريب من هذا كراهيتُه ◌َ ل﴿ الكَيّ مع إذنه، فيه كما تقدَّم تقريره (٢)، وقد فعل هو وَل كلَّ من الأمرَينِ ليَتَأسَى به كلٌّ من الطائفَتَينِ. ثالث المسالك: قال القاضي أبو بكر الباقلانيّ: إثباتُ العَدوى في الجُذام ونحوه مخصوصٌ من عُموم نفي العَدوى، قال: فيكون مَعَنى قوله: ((لا عَدوى)) أي: إلّا من الجُدام والبَرَص والجَرَب مثلاً، قال: فكأنَّه قال: لا يُعدي شيءٌ شيئاً إلّا ما تقدَّم تبييني له (١) أما حديث عائشة فقد عزاه الحافظ قريباً لابن خزيمة في ((التوكل)) وللطبري، وحديث ابن عمر سيأتي قريباً برقم (٥٧٥٣)، وحديث سعد أخرجه أحمد (١٥٠٢) وانظر تتمة تخريجه فيه، وحديث جابر أخرجه مسلم (٢٢٢٢). ونزيد عليه حديث أنس سيأتي برقم (٥٧٥٦)، وحديث السائب عند مسلم بإثر (٢٢٢٠) (١٠٣). (٢) في باب رقم (١٧) من اكتوى أو كوى غيره. ٤٧١ باب ١٩ / ح ٥٧٠٧ كتاب الطب أنَّ فيه العَدوى. وقد حكى ذلك ابن بَطّال أيضاً. رابعها: أنَّ الأمر بالفِرار من المجذوم ليس من باب العَدوى في شيء، بل هو لأمرٍ طَبيعيّ، وهو انتقال الدّاء من جسد لجسدٍ بواسطة الملامَسة والمخالطة وشَمِّ الرَّائحة، ولذلك يقع في كثير من الأمراض في العادة انتقال الدّاء من المريض إلى الصَّحيح بكَثْرة المخالطة، وهذه طريقة ابن قُتَيبة، فقال: المجذومِ تَشتَّ رائحته حتَّى يَسقم مَن أطالَ مُجَالَسَته ومحادَثَته ومُضاجَعَته، وكذا يقع كثيراً بالمرأة من الرجل وعكسه، ويَنزِع الولد إليه، ولهذا يأمر الأطبّاء بتَركِ مُخَالَطة المجذوم لا على طريق العَدوى، بل على طريق التَّأَثُّر بالرَّائحة، لأنَّها تُسقِم مَن واظَبَ اشتِمامها، قال: ومن ذلك قوله وَّهِ: ((لا يُورِدُ مُرِضٌ على مُصِحّ))(١)، لأنَّ الجَرَب الرَّطب قد يكون بالبعير، فإذا خالَطَ الإبل أو حَكَّكَها، وأوى إلى مَباركها وصل إليها بالماءِ الذي يسيلُ منه، وكذا بالنَّطَفِ (٢) نحو ما به. قال: وأمَّا قوله: ((لا عَدوى)) فله معنًى آخر، وهو أن يقع المرض بمكانٍ كالطاعونِ فيَفِرّ منه مخافة أن يُصيبه، لأنَّ فيه نوعاً من الفِرار من قَدَر الله. المسلَك الخامس: أنَّ المراد بنفي العَدوى أنَّ شيئاً لا يُعدي بطَبعِه نفياً لما كانت الجاهليّة تَعتَقِده أنَّ الأمراض تُعدِي بطَبعِها من غير إضافة إلى الله، فأبطَّلَ النبيُّ ◌َلّ اعتقادهم ذلك، وأكَلَ مع المجذوم، ليُبيِّنَ لهم أنَّ الله هو الذي يُمِرِض ويَشفي، وتَهاهم عن الدُّنّ منه ليُبيِّنَ لهم أنَّ هذا من الأسباب التي أجرَى الله العادة بأنَّها تُفضي إلى مُسَبَّباتها، ففي نَهيه إثبات الأسباب، وفي فِعله إشارةٌ إلى أنَّها لا تَستَقِلّ، بل الله هو الذي إن شاءَ سَلَبَها قُواها فلا تُؤَثِّر شيئاً، وإن شاءً/ أبقاها فأثّرَت. ويحتمل أيضاً أن يكون أكلُه وَّر مع المجذوم أنَّه كان به أمر ١٦١/١٠ يسير لا يُعدي مِثْلُه في العادة، إذ ليس الجَذْمَى كلّهم سواءً، ولا تَحصُل العدوی من جمیعهم، (١) سيأتي (٥٧٧١). (٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: بالنظر، والنَّطَف: مِن نَطِفَ الشيء نطفاً: إذا فَسَدَ، ونطِفَ الحيوان: أصابته غُدّةٌ في بطنه. ٤٧٢ باب ١٩ / ح ٥٧٠٧ فتح الباري بشرح البخاري بل لا يَحَصُل منه في العادة عَدوى أصلاً(١)، كالذي أصابه شيء من ذلك ووقَفَ، فلم يُعْدِ بقيّة چسمه فلا يُعدي. وعلى الاحتمال الأوَّل جَرَى أكثرُ الشافعيّة، قال البيهقيُّ بعد أن أورَدَ قول الشافعيّ ما نَصُّه: الْجُذام والبَرَص يَزعُم أهل العلم بالطِّبِّ والتَّجارِب أنَّه يُعدي الزَّوج كثيراً، وهو داء مانعٌ للجِماع، لا تكاد نفسُ أحدٍ تَطيب بمُجامَعة مَن هو به، ولا نفسُ امرأة أن يُجامعها مَن هو به، وأمَّا الولد فبيَّن أنَّه إذا كان مَن ولَدَه أجذَمَ أو أبرَصَ أنَّه قَلَّما يَسلَم، وإن سَلمَ أدرَكَ نَسلَه. قال البيهقيُّ: وأمَّا ما ثَبَتَ عن النبيّ وَِّ أنَّه قال: ((لا عَدوى)) فهو على الوجه الذي كانوا يَعتَقِدونَه في الجاهليّة من إضافة الفِعل إلى غير الله تعالى. وقد يجعل الله بمَشيئتِهِ مُخَالَطة الصَّحيح مَن به شيء من هذه العُيوب سبباً لحدوثِ ذلك، ولهذا قال وَّ: ((فِرَّ من المجذوم فِرارك من الأسَد)»، وقال: ((لا يُورِد مُرِضٌ على مُصِحّ))(٢)، وقال في الطاعون: ((مَن سمِعَ به بأرضٍ فلا يَقْدَم عليه))(٣)، وكلّ ذلك بتقدير الله تعالى. وتَبِعَه على ذلك ابنُ الصَّلاحِ في الجمع بين الحديثَينِ ومَن بعده وطائفة ممَّن قبله. المسلَك السادس: العَمَل بنفي العَدوى أصلاً ورأساً، وحَمل الأمر بالمجانَبة على حَسم المادّة وسَدّ الذَّريعة، لئلا يَحدُث للمُخالِطِ شيءٌ من ذلك، فَيَظُنَّ أنَّه بسببِ المخالطة، فيُئِتُ العَدوى التي نَفاها الشّارع، وإلى هذا القول ذهب أبو عُبيد وتَبِعَه جماعة، فقال أبو عُبيد: ليس في قوله: ((لا يُورِد مُرِضٌ على مُصِحّ)) إثبات العَدوى، بل لأنَّ الصِّحاح لو مَرِضَت (١) كذا جاءت العبارة في الأصلين و(س) بنفي حصول العدوى بالجذام عادةً، وهذا بخلاف ما جاء في «زاد المعاد)) لابن القيم ٤ / ١٤٠ حيث ذكر الحافظ هنا معظم كلامه من غير أن يشير إليه، فقد جاء في ((زاد المعاد)) ما نصه: بل منهم من لا تضرُّ مخالطتُه ولا تُعدى، وهو من أصابه من ذلك شيء يسير، ثم وقف واستمر على حاله، ولم يُعْدِ بقية جسمه. قلنا: فلعلَّ الحافظ أراد أن يقول: بل لا يحصل من بعضه في العادة، فسبق قلمُه، والله أعلم. (٢) سيأتي برقم (٥٧٧٠). (٣) سیأتي برقم (٥٧٢٨). ٤٧٣ باب ١٩ / ح ٥٧٠٧ كتاب الطب بتقدير الله تعالى رُبَّما وَقَعَ في نفس صاحبها أنَّ ذلك من العَدوى فيُقْتَتَن ويَتَشَكَّك في ذلك، فَأَمَرَ باجتنابِه. قال: وكان بعضُ الناس يذهب إلى أنَّ الأمر بالاجتنابِ إنَّما هو للمَخافة على الصَّحيح من ذوات العاهة، قال: وهذا شَرّ ما حُلَ عليه الحديث، لأنَّ فيه إثباتَ العَدوى التي نَفاها الشّارع، ولكن وجه الحديث عندي ما ذكرته. وأطنَبَ ابن خُزَيمةَ في هذا في كتاب ((التَّوكُّل)) فإنَّه أورَدَ حديث: ((لا عَدوى)) عن عِدّة من الصحابة، وحديث: ((لا يُورِد ◌ُرِض على مُصِحّ)) من حديث أبي هريرة، وتَرجَمَ للأوَّل: ((التَّوكُّل على الله في نفي العَدوى))، وللثّاني: «ذِكْرِ خَيَرٍ غَلِطَ في معناه بعض العلماء، وأثبَتَ العَدوى التي نَفاها النبيّ وَّه))، ثمّ تَرجَمَ: ((الدَّليل على أنَّ النبيَّ ◌َلّه لم يُرِد إثبات العَدوى بهذا القول)) فساقَ حديث أبي هريرة: ((لا عَدوى)) فقال أعرابيّ: فما بال الإبل يُخالطها الأجرَبُ فتَجرَبَ؟ قال: ((فمَن أعدَى الأوَّل؟)). ثمَّ ذكر طُرقه عن أبي هريرة، ثمَّ أخرجه من حديث ابن مسعود، ثمَّ تَرجَمَ: (ذِكْرُ خَيَرِ رُويَ في الأمر بالفِرار من المجذومِ، قد يَخْطُر لبعضِ الناس أنَّ فيه إثباتَ العَدوى، وليس كذلك))، وساقَ حديث: ((فِرَّ من المجذوم فِرارَك من الأسَد)) من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة، وحديث عَمْرو بن الشَّريد عن أبيه في أمر المجذوم بالرُّجوع، وحديث ابن عبّاس: ((لا تُديموا النَّظَر إلى المجذومینَ)). ثمّ قال: إنَّما أمَرَهم ◌َّه بالفِرار من المجذوم كما نَهاهم أن يُورِد الممرِض على المصِحّ شَفَقةً عليهم، وخَشْبةَ أن يُصيب بعضَ مَن يُخالطه المجذومُ الجُذامُ، والصَّحيحَ من الماشية الجَرَبُ، فَيَسِقَ إلى بعض المسلمينَ أنَّ ذلك مِن العَدوى، فيُثبِتِ العَدوى التي نَفاها وَّ، فأمَرَهم بتَجنُّبِ ذلك شَفَقةً منه ورحمةً، ليَسلَموا من التَّصديق بإثبات العَدوى، وبيَّن لهم أنَّه لا يُعدي شيء شيئاً. قال: ویُؤيِّد هذا أكلُه پ مع المجذوم ثقةً بالله وتوگُّلاً علیه، وساقَ حديث جابر في ذلك. ثمَّ قال: وأمَّا نَهيه عن إدامة النَّظَر إلى المجذوم فيحتمل أن يكون لأنَّ/ المجذوم يَغْتَمّ ١٦٢/١٠ ٤٧٤ باب ١٩ / ح ٥٧٠٧ فتح الباري بشرح البخاري ويكره إدمانَ الصَّحيح نظرَه إليه، لأنَّه قَلَّ مَن يكون به داء إلّا وهو يكره أن يُطَّلَع عليه. انتهى، وهذا الذي ذكره احتمالاً سَبَقَه إليه مالك، فإنَّه سُئلَ عن هذا الحديث فقال: ما سمعتُ فيه بكراهيةٍ، وما أَرَى ما جاء من ذلك إلّا تَحافة أن يقع في نفس المؤمن شيء. وقال الطَّبَريُّ: الصَّواب عندنا القول بما صَحَّ به الخبر، وأن لا عدوى، وأنَّه لا يُصيب نفساً إلّا ما كُتِبَ عليها، وأمَّا دُنوّ عليلٍ من صحيحٍ فغير مُوجِبٍ انتقالَ العِلّة للصَّحيح، إلّا أنَّه لا ينبغي لذي صِحّة الدُّنُّ من صاحب العاهة التي يكرهُها الناس، لا لتحريمِ ذلك، بل خَشْية أن يَظُنّ الصَّحيح أنَّه لو نزلَ به ذلك الدّاء أنَّه من جهة دُنوّه من العليل، فيقع فيما أبطَلَه النبيُّ ◌َّه من العَدوى. قال: وليس في أمره بالفِرار من المجذوم مُعارَضةٌ لأكلِه معه، لأنَّه كان يأمر بالأمرِ على سبيل الإرشاد أحياناً، وعلى سبيل الإباحة أُخرى، وإن كان أكثر الأوامر على الإلزام، وإنَّما كان يفعلُ ما نَهَى عنه أحياناً لبيان الجواز(١) وأنَّ ذلك ليس حراماً. وقد سَلَكَ الطَّحَاويُّ في ((معاني الآثار)) مَسلَك ابن خُزَيمةَ فيما ذكره، فأورَدَ (٣٠٧/٤) حديث: ((لا يُورِد ◌ُرِض على مُصِحّ)). ثمّ قال: معناه أنَّ المصِحّ قد يُصيبه ذلك المرض، فيقول الذي أورَدَه: لو أنّي ما أورَدتُه عليه لم يُصِبْه من هذا المرض شيءٌ، والواقع أنَّه لو لم يورِدِه لَأصابه لكَونِ الله تعالى قَدَّرَه، فنُهي عن إيراده لهذه العِلّة التي لا يُؤْمَن غالباً من وقوعها في قلب المرء، ثمَّ ساقَ الأحاديث في ذلك فأطنَبَ، وَمَعَ بينها بنحوِ ما ◌َعَ به ابن خُزَيمةَ. وكذلك قال القُرطُبيّ في ((المفهم)): إنَّما تَهَى رسول الله وَّهِ عن إيراد الممرض على المصِحّ تَخَافة الوقوع فيما وَقَعَ فيه أهل الجاهليّة من اعتقاد العَدوى، أو تَخَافة تَشويش النُّفُوس وتأثير الأوهام، وهو نحو قوله: ((فِرَّ من المجذوم فِرارك من الأسَد))، وإن كنَّا نَعتَقِد أنَّ الجُذام لا يُعدي، لكنّا نَجِد في أنفسنا نُفرةً وكراهيةً لمُخالَطَتِهِ، حتَّى لو أكره إنسان نفسَه على القُرب (١) في (أ) و(س): لبيان أنَّ ذلك ليس حراماً، والمثبت من (ع). ٤٧٥ باب ١٩ / ح ٥٧٠٧ كتاب الطب منه وعلى مجالَسَته لَتَأْذَّت نفسه بذلك، فحينئذٍ فالأَولى للمؤمنِ أن لا يَتعرَّض إلى ما يحتاج فيه إلى مُجاهَدة، فيَجتَنِبُ طُرق الأوهام، ويُباعِد أسباب الآلام، مع أنَّه يَعتَقِد أنَّه لا يُنجِي حَذَرٌ من قَدَرٍ، والله أعلم. قال الشَّيخ أبو محمَّد بن أبي جَمْرة: الأمر بالفِرار من الأسَد ليس للوجوب، بل لِلشَّفَقة، لأَنَّهِ وَِّ كان يَنْهَى أمَّته عن كلّ ما فيه ضَرَرٌ بأيِّ وجهٍ كان، ويدهُّم على كلّ ما فيه خير. وقد ذكر بعض أهل الطِّبّ أنَّ الرَّوائح تُحدِث في الأبدان خَلَلاً فكان هذا وجه الأمر بالمجانَبة، وقد أكَلَ هو مع المجذوم، فلو كان الأمر بمُجانَبَتِه على الوجوب لَمَا فعَلَه. قال: ويُمكِن الجمع بين فِعله وقوله: بأنَّ القولَ هو المشروع من أجل ضَعْف المخاطَبينَ، وفِعْلَه حقيقةُ الإيمان، فمَن فعَل الأوَّلَ أصاب السُّنّة، وهي أثر الحكمة، ومَن فعل الثّاني كان أقوى يقيناً، لأنَّ الأشياء كلّها لا تأثير لها إلّا بمُقتَضَى إرادة الله تعالى وتقديره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] فمَن كان قويَّ اليقين فله أن يُتَابِعِهِ وَُّ فِي فِعْلِهِ ولا يَضُرّه شيء، ومَن وجَدَ في نفسه ضعفاً فليَتَّبع أمرَه في الفِرار لئلّا يَدخُل بفِعلِه في إلقاء نفسه إلى التَّهلُكة. فالحاصل أنَّ الأُمور التي يُتوقَّع منها الضَّرَر قد (١) أباحَتِ الحكمة الرَّبّانيَّة الحَذَرَ منها، فلا ينبغي للضُّعَفاءِ أن يَقرَبُوها، وأمَّا أصحاب الصِّدق واليقين فهم في ذلك بالخِیار. قال: وفي الحديث أنَّ الحُكم للأكثرِ، لأنَّ الغالب من الناس هو الضَّعف، فجاء الأمر بالفِرار بحَسَبٍ ذلك. واستُدِلَّ بالأمرِ بالفِرار من المجذوم لإثبات الخيار للَّوجَينِ في فسخ النِّكاح إذا وَجَدَه أحدهما بالآخر، وهو قول ◌ُهور العلماء. وأجابَ فيه مَن لم يَقُل بالفَسخِ: بأنَّه لو أُخِذَ بِعُمومِه لَثَبَتَ الفَسخ إذا حَدَثَ الْجُدام ولا قائل به، ورُدَّبأنَّ الِخِلَاف ثابت، بل هو الرَّاجح عند الشافعيَّة، وقد تقدَّم في النِّكاح الإلمامُ بشيءٍ من هذا. (١) في (س): وقد، بإقحام الواو. ٤٧٦ باب ٢٠ / ح ٥٧٠٨ فتح الباري بشرح البخاري ١٦٣/١٠ واختُلِفَ في أَمَة الأجذَم: هل يجوز لها أن تَمنَع نفسها من استمتاعه إذا أرادَها؟ واختَلَفَ/ العلماء في المجذومينَ إذا كَثُروا هل يُمنَعونَ من المساجِد والمجامع؟ وهل يُتَّخَذ لهم مكان مُنْفَرِد عن الأصِحّاء؟ ولم يختلفوا في النادِرِ أنَّه لا يُمنَع ولا في شُهود الجمعة. ٢٠ - بابٌ المنُّ شِفاءٌ للعَين ٥٧٠٨- حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الملِكِ، سمعتُ عَمْرَو بنَ حُرَيثٍ قال: سمعتُ سعيدَ بنَ زيدٍ قال: سمعتُ النبيَّ ◌َِّ يقول: ((الكَمْأَةُ منَ المنِّ، وماؤُها شِفاءٌ للْعينِ)). وقال شُعْبةُ: وأخبرني الحَكَمُ، عن الحسنِ العُرَفيِّ، عن عَمْرِو بنِ حُرَيثٍ، عن سعيدِ بنِ زيدٍ، عن النبيِّ ێ. قال شُعْبةُ: لمَّا حدَّثني به الحَكَمُ لم أُنكِرْه من حديثِ عبدِ الملِكِ. قوله: ((بابِّ المنُّ شِفاء للعَينِ)) كذا للأكثر، وفي رواية الأَصِيليّ: ((شِفاءٌ من العین)»، وعليها شرح ابن بَطّال، ويأتي توجيهها. وفي هذه التَّرجمة إشارةٌ إلى ترجيح القول الصّائر إلى أنَّ المراد بالمنِّ في حديث الباب الصِّنف المخصوصُ من المأكول، لا المصدرُ الذي بمعنى الامتنان، وإنَّما أُطلِقَ على المنّ شِفاءٌ لأنَّ الخبر ورَدَ أنَّ الكَمْأة منه، وفيها شِفاء، فإذا ثَبَتَ الوصف للفَرْعِ كان ثُبوته للأصلِ أولى. قوله: ((عن عبد المَلِك)» هو ابن عُمَير، وصَرَّحَ به أحمد (١٦٣٥) في روايته عن محمّد بن جعفرٍ غُندَرٍ. وعَمْرو بن حُرَيث: هو المخزوميّ، له صُحْبة. قوله: ((سمعت سعيد بن زيد)) أي: ابن عَمْرو بن نُفَيل العَدَويّ أحد العشرة، وعمر بن الخطّاب بن نُفَيل ابن عمّ أبيه. كذا قال عبد الملك بن عُمَير ومَن تابَعَه. وخالفهم عطاءُ بن السائب من رواية عبد الوارث عنه، فقال: عن عمرو بن حُرَيث، عن أبيه. أخرجه مُسدّد في (( مُسنَدَ)(١)، وابن السَّكَن في ((الصحابة))، والدّارَ قُطنيّ في ((الأفراد))، وقال في ((العِلَل)»: (١) ومن طريقه أخرجه الطبراني (٣٤٧٠)، وهو أيضاً في ((مسند أحمد)) برقم (١٦٢٧) عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه. ٤٧٧ باب ٢٠ / ح ٥٧٠٨ كتاب الطب الصَّواب رواية عبد الملك. وقال ابن السَّكَن: أظن عبدَ الوارث أخطأ فيه(١). وقيل: كان سعيد بن زيد تزوَّجَ أمّ عَمْرو بن حُرَيث، فكأنَّه قال: حدَّثني أبي، وأراد زوجَ أمّه مَجازاً، فظنَّه الراوي أباه حقيقةً. قوله: ((الكَمْأة)) بفتح الكاف وسكون الميم بعدها همزة مفتوحة، قال الخطّابيُّ: وفي العامّة مَن لا يَهَمِزه، واحدة الكَمء، بفتحِ ثمَّ سكون ثمَّ همزة، مِثل تمرة وتَر، وعَكَسَ ابن الأعرابيّ فقال: الكَمْأة الجمع، والكَمء الواحد على غير قياس، قال: ولم يقع في كلامهم نَظیرُ هذا سوى جِبَأَة وجَبْء. وقيل: الكَمْأة قد تُطلَق على الواحد وعلى الجمع، وقد جَعوها على أکمُؤ، قال الشّاعر: ولقد جَنَّتُك أكْمُؤْاً وعَساقِلاً والعَساقِلُ بمُهمَلتَينِ وقاف ولام: السَّرَاب، وكأنَّه أشارَ إلى أنَّ الأكمُؤْ مَحَلّ وِجْدانها الفَلَواتُ. والكَمْأة: نَبات لا ورَق لها ولا ساقَ، توجَد في الأرض من غير أن تُزرَع. قيل: سُمّيَت بذلك لاستتارها، يقال: كَمَأ الشَّهادة: إذا كَتَمَها. ومادّة الكَمْأة من جوهر أرضيّ بُخاريّ يَحَتَقِن نحو سطح الأرض ببَردِ الشِّتاء ويُنَمّيهِ مَطَرِ الرَّبيع، فيَتَوَلَّد ويَندَفِعِ مُتَجَسِّداً، ولذلك كان بعض العرب يُسَمّيها جُدَريَّ الأرض تشبيهاً لها بالجُدَريِّ مادّةً وصورةً، لأنَّ مادَته رُطوبة دَمَويَّة تَندَفِع غالباً عند التَّرَعُرُع، وفي ابتداء استيلاء الحرارة ونَماء القوّة، ومُشابهتها له في الصّورة ظاهر. وأخرج التِّرمِذيّ (٢٠٦٨) (٢) من حديث أبي هريرة: أنَّ ناساً من أصحاب رسول الله وَ ل﴿ قالوا: الكَمْأة جُدَريّ الأرض، فقال النبيّ وَّ: ((الكَمْأة من المنّ)) الحديث. وللطَّبَريّ (٣) من طريق ابن المنكَدِر عن جابر قال: كَثُرَتِ الكَمْأة على عهد رسول الله وَّ، (١) قد بيّنّا في ((المسند)) أن الخطأ فيه من عطاء بن السائب، فإنه كان قد اختلط، ورواية عبد الوارث عنه بعد اختلاطه. (٢) وهو أيضاً عند ابن ماجه (٣٤٥٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٦٣٦). (٣) لم نقف عليه فيما طبع من كتب الطبري، وهو أيضاً عند الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٥٦٨٥). ٤٧٨ باب ٢٠ / ح ٥٧٠٨ فتح الباري بشرح البخاري ١٦٤/١٠ فامتَنَعَ قومٌ من أكلها، وقالوا: هي جُدَريّ الأرض، فبَلَغَه ذلك فقال: ((إنَّ الكَمْأة ليست من جُدَري الأرض، ألا إنَّ الكَمْأة من المنّ)). والعرب تُسمّي الكَمْأة أيضاً: بناتِ الرَّعد، لأنَّها تَكثُرُ بكَثَرَتِه ثمَّ تَنْفَطِر عنها الأرض، وهي كثيرة بأرضِ العرب، وتوجَد بالشّام ومِصر، فأجودها ما كانت أرضه رَمْلةً قليلةً الماءِ، ومنها صِنف قَتّال يَضرِب لونه إلى الحُمرة. وهي باردة رَطبة في الثّانية رديئة للمَعِدة بَطيئة الهضم، وإدمان أكلها يُورِث القولَنج والسَّكنة والفالج وعُسر البول، والرَّطب منها أقلّ ضَرَراً من اليابِس، وإذا دُفِنَت في الطّن الرَّطب ثمَّ سُلِقَت بالماءِ والمِلِحِ والسَّعتَر وأُكِلَت بالزَّيتِ والتَّوابِل الحارّة قَلَّ ضَرَرها، ومع ذلك ففيها جوهرٌ مائيّ لطيف بدليلٍ خِفتها، فلذلك كان ماؤُها شِفاءً للعينِ. قوله: ((من المنّ)) قيل في المراد بالمنِّ ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّ المراد أنَّها من المنّ الذي أُنزِلَ على بني إسرائيل، وهو الطَّلّ الذي يَسقُط على الشَّجَر فيُجمَع ويُؤكَل حُلواً، ومنه التَّرَنْجَبين، فكأنَّه شَبَّهَ به الكَمْأَةَ بجامِع ما بينَهما من وجود كلّ منهما عَفْواً بغير عِلاج. قلت: وقد تقدَّم بيان ذلك واضحاً في تفسير سورة البقرة (٤٤٧٨)، وذكرت مَن زاد في متن هذا الحديث: ((الكَمْأة من المنّ الذي أُنزِلَ على بني إسرائيل)». والثّاني: أنَّ المعنى أنَّها من المنّ الذي امتَنَّ الله به على عباده عَفْواً بغير عِلاج، قاله أبو عُبيد وجماعة، وقال الخطَّبيُّ: ليس المراد أنَّها نوع من المنّ الذي أُنزِلَ على بني إسرائيل، فإنَّ الذي أُنزِلَ على بني إسرائيل كان كالتََّنْجَيِين الذي يَسقُط على الشَّجَر، وإنَّما المعنى أنَّ الكَمْأة شيءٍ يَنْبُت من غير تكلُّ بَذْرٍ ولا سَقْي، فهو من قَبِيل المنّ الذي كان يَنزِل على بني إسرائيل فيقع على الشَّجَر فيَتناولونَه. ثمَّ أشارَ إلى أنَّه يحتمل أن يكون الذي أُنزِلَ على بني إسرائيل كان أنواعاً، منها ما يَسقُط على الشَّجَر، ومنها ما يَخْرُج من الأرض فتكون الكَمْأة منه، وهذا هو القول الثّالث، وبه ٤٧٩ باب ٢٠ / ح ٥٧٠٨ كتاب الطب جَزَمَ الموفَّق عبدُ اللَّطيف البغداديّ ومَن تَبِعَه، فقالوا: إنَّ المنّ الذي أُنزِلَ على بني إسرائيل ليس هو ما يَسقُط على الشَّجَر فقط، بل كان أنواعاً مَنَّ الله عليهم بها من النَّبَات الذي يُوجَد عَفْواً، ومن الطَّيرِ التي تَسقُط عليهم بغير اصطياد، ومن الطَّلّ الذي يَسقُط على الشَّجَر. والمنّ مصدر بمعنى المفعول، أي: منون به، فلمَّا لم يكن للعبد فيه شائبةُ كَسبٍ كان مَنّاً ◌َحَضاً، وإن كانت جميع نِعَم الله تعالى على عَبيده مَنّاً منه عليهم، لكن خُصَّ هذا باسم المنّ الكَونِه لا صُنع فيه لأحدٍ. فجَعَلَ سبحانه وتعالى قُوْتَهم في التِّيه الكَمْأَةَ، وهي تقوم مقام الخبز، وأُدُمَهم السَّلوى وهي تقوم مقام اللَّحم، وحَلْواهم الطَّلَّ الذي يَنزِل على الشَّجَر، فَكَمَّلَ بذلك عَيشَهم. ويشير إلى ذلك قوله وَّةِ: ((من المنّ) فأشارَ إلى أنَّها فرد من أفراده، فالتََّنجَبين كذلك فرد من أفراد المنّ، وإن غَلَبَ استعمال المنّ علیه عُرفاً. انتهى، ولا يُعگِّر على هذا قولهم: ﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١] لأنَّ المراد بالوحدة: دَوام الأشياء المذكورة من غير تبدُّل، وذلك يَصدُق على ما إذا كان المطعوم أصنافاً لكنَّها لا تَتبدَّل أعیامُها. قوله: ((وماؤُها شِفاء للعينِ)) كذا للأكثر، وكذا عند مسلم (٢٠٤٩). وفي رواية المُستَمْلي: ((من العين)) أي: شِفاء من داء العين، قال الخطّابِيُّ: إنَّما اختُصَّتِ الكَمْأة بهذه الفضيلة لأنَّها من الحلال المحض الذي ليس في اكتسابه شُبهة، ويُستَنْبَط منه أنَّ استعمال الحلال المحض يجلو البَصَر، والعكس بالعكس. قال ابن الجوزيّ: في المراد بكونها شِفاء للعينِ قولان: أحدهما: أنَّه ماؤُها حقيقة، إلّا أنَّ أصحاب هذا القول اتَّفَقوا على أنَّه لا يُستَعمَلِ صِرْفاً في العين، لكن اختَلَفوا كيف يُصنَع به على رأيينِ: أحدهما: أنَّه يُخْلَط في الأدوية التي يُكتَحَل بها. حكاه أبو عُبيد. قال: ويُصدِّق هذا الذي حكاه أبو عُبيد أنَّ بعض الأطبّاء قالوا: أكل الكَمْأة يَجلو البَصَر. ٤٨٠ باب ٢٠ / ح ٥٧٠٨ فتح الباري بشرح البخاري ثانيهما: أن تُؤْخَذ فتُشَقّ وتوضَع على الجمر حتَّى يَغلي ماؤها، ثمَّ يُؤخَذ الميل فيُجعَل في ذلك الشِّقّ وهو فاتر فيُكتَحَل بمائها، لأنَّ النار تُلَطِّفه وتُذهِب فضَلاته الرَّديئة ويَبقَى النافع ١٦٥/١٠ منه، ولا يُجُعَل المِيل في مائها وهي / باردة يابِسة فلا يَنجَع. وقد حكى إبراهيم الحَرْبيّ عن صالح وعبد الله ابنَي أحمد بن حَنبَل أنَّهما اشتَكَت أعيُنُهما فأخَذا كَمْأةً وعَصَراها واكتَحَلا بمائها فهاجَت أعيُنُهما ورَمِدا. قال ابن الجَوْزيّ: وحكى شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي أنَّ بعض الناس عَصَرَ ماء گمأة فاکتَحَلَ به فذهبت عينه. والقول الثّاني: أنَّ المراد ماؤُها الذي تَنْبُت به، فإنَّه أوَّل مَطَر يقع في الأرض فتُرْبَى به الأكحالُ، حكاه ابن الجَوْزيّ عن أبي بكر بن عبد الباقي أيضاً، فتكون الإضافة إضافةً الكلّ لا إضافة جُزء. قال ابن القَيِّم: وهذا أضعَف الوجوه. قلت: وفيما ادَّعاه ابن الجَوْزيّ من الاتّفاق على أنَّها لا تُستَعمَل صِرْفاً نظر، فقد حكى عِيَاض عن بعض أهل الطِّبّ في التَّداوي بماءِ الكَمْأة تفصيلاً، وهو إن كان لتبريدِ ما يكون بالعين من الحرارة فتُستَعمَل مُفرَدةً، وإن كان لغير ذلك فتُستَعمَل مُركَّبة. وبهذا جَزَمَ ابن العربيّ فقال: الصَّحيح أنَّه يَنفَعِ بصورتِه في حالٍ، وبإضافَتِه في أُخرى، وقد ◌ُرِّبَ ذلك فُوُجِدَ صحيحاً. نعم جَزَمَ الخطَّبيُّ بما قال ابن الجَوْزيّ فقال: تُرْبَى بها التُّوتِياء وغيرها من الأكحال، قال: ولا تُستَعمَل صِرْفاً فإنَّ ذلك يُؤذي العين. وقال الغافقيّ في ((المفرَدات)): ماء الكَمْأة أصلَح الأدوية للعينِ إذا عُجِنَ به الإثمِد واكتُحِلَ به، فإنَّه يُقَوِّي الجَفْن، ويزيد الرّوح الباصِرِ حِدّةً وقوّةً، ويَدِفَع عنها النَّوازِل. وقال النَّوويّ: الصَّواب أنَّ ماءَها شِفاء للعينِ مُطلَقاً، فيُعصَر ماؤُها ويُجُعَل في العين منه، قال: وقد رأيتُ أنا وغيري في زماننا مَن كان عَميَ وذهب بَصَره حقيقة فكَحَلَ عينه بماءِ الكَمْأة مُجرَّداً فشَفِيَ وعادَ إليه بَصَره، وهو الشَّيخ العَدْل الأمين الكمال بن عبدِ الدِّمَشقيّ صاحب صلاح ورواية في الحديث، وكان استعماله لماءِ الكَمْأة اعتقاداً في الحديث وتَبَرُّكاً به، فنَفَعَه الله به.