Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
باب ٨ / ح ٥٦٨٩ - ٥٦٩٠
كتاب الطب
الأسود، ويقال له أيضاً: الكَمُّون الهنديّ. ونَقَلَ إبراهيم الحَرْبيّ في ((غريب الحديث)) عن
الحسن البصريّ: أنَّهَا الْخَرْدَل، وحكى أبو عُبيد الَرَويُّ في ((الغريبينِ): أنَّهَا ثَمَرة البُطْم،
بضمِّ الموحَّدة وسكون المهمَلة، واسم شَجَرَتها الضِّرْو، بكسر المعجَمة وسكون الرّاء. وقال
الجَوْهريّ: هو صَمْغِ شَجَرة تُدعَى الكَمْكام تُجلَب من اليمن. ورائحَتها طيِّية، وتُستَعمَل
في البخور.
قلت: وليستِ المرادَ هنا جَزْماً. وقال القُرطُبيّ: تفسيرها بالشُّونِيزِ أولى من وجهَينِ:
أحدهما: أنَّه قول الأكثر، والثّاني: كَثْرة منافعها، بخِلَاف الخَرْدَل والبُطْم.
٨- بابُ التَلبِينة للمريض
٥٦٨٩- حدَّثني حِبّانُ بنُ موسى، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا يونسُ بنُ يزيدَ، عن عُقَيل، عن
ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّها كانت تَأْمُرُ بالتّلْبِينِ للمريضِ والْمَحْزونِ
على الهالكِ، وكانت تقولُ: إنّي سمعتُ رسولَ الله وَّهِ يقول: ((إنَّ التَّلْبِينَةَ تَجُمُّ فُؤَادَ المَرِيضِ،
وتَذهَبُ ببعضِ الحُزْنِ)».
٥٦٩٠- حدّثنا فَرْوةُ بنُ أبي المَغْراءِ، حدَّثنا عليُّ بنُ مُسْهِرٍ، حدّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن
عائشةَ: أنَّها كانت تَأْمُرُ بالتَّلْبِينةِ، وتقولُ: هو البَغِيضُ النافع.
قوله: ((باب التَّلْبينة للمريضِ)) هي بفتح المثنّاة وسكون اللّام وكسر الموحَّدة بعدها ١٤٦/١٠
تحتانيَّة ثمَّ نون ثمَّ هاء، وقد تقال: بلا هاء. قال الأصمَعيّ: هي حَساء يُعمَل من دقيق أو
نُخالة ويُجُعَل فيه عَسَل. قال غيره: أو لَبَن. سُمّيَت تَلبينةً تشبيهاً لها باللَّبَنِ في بياضها
ورِقَّتْها. وقال ابن قُتَيبة: وعلى قول مَن قال: يُحْلَط فيها لَبَن، سُمّيَت بذلك لِمُخالطةِ اللَّبَن
لها. وقال أبو نُعَيم في ((الطِّبّ)): هي دَقيقٌ بَحْتٌ. وقال قوم: فيه شَحْم. وقال الدَّاوُوديّ:
يُؤْخَذ العجين غيرَ خَميرٍ فيُخرَج ماؤُه فيُجعَل حَسُوَّاً فيكون لا يُخالطه شيء، فلذلك كَثُرَ
نَفعه. وقال الموقّق البغداديّ: التَّلبينة: الحَساء ويكون في قوام اللَّبَن، وهو الدَّقيق النَّضیج
لا الغَليظ النِّيء.

٤٤٢
باب ٨ / ح ٥٦٩٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عبد الله)) هو ابن المبارك.
قوله: ((حدَّثنا يونس بن يزيد، عن عُقَيل)) هو من رواية الأقران. وذكر النَّسائيُّ فيما رواه
أبو علي الأسيوطيّ عنه: أنَّ عُقَيلاً تفرَّد به عن الزُّهْرِيّ. وَقَعَ في التِّرمِذيّ (٢٠٣٩) عَقِب
حديث محمّد بن السائب بن بَرَكة عن أمّه عن عائشة في التَّلبينة: وقد رواه الزُّهْريّ عن عُرْوة
عن عائشة. حدَّثنا بذلك الحسين بن محمَّد، حدَّثنا أبو إسحاق الطالْقانيّ، حدَّثنا ابن المبارك،
عن يونس، عن الزُّهْريّ. قال المِّيّ: كذا في النُّسَخ ليس فيه عُقَيل.
قلت: وكذا أخرجه الإسماعيليّ من رواية نُعَیم بن حمّاد ومن رواية عبد الله بن سنان،
كلاهما عن ابن المبارك ليس فيه عُقَيل. وأخرجه أيضاً من رواية عليّ بن الحسن بن شَقِيق
عن ابن المبارك بإثباته، وهذا هو المحفوظ، وكأنَّ مَن لم يَذكُر فيه عُقَيلاً جَرَى على الجادّة،
لأنَّ يونس مُكثِر عن الزُّهْريّ، وقد رواه عن عُقَيل أيضاً اللَّيتُ بن سعد، وتقدّم حديثه في
كتاب الأطعمة (٥٤١٧).
قوله: ((أنَّها كانت تَأْمُر بالتَّلْبِينِ)) في رواية الإسماعيليّ: بالتَّلْبينة. بزيادة الهاء.
قوله: (للمريضِ وللمَحْزونِ)) أي: بصُنْعِه لكلٍّ منهما، وتقدَّم في رواية اللَّيث عن عُقَيل:
أنَّ عائشة كانت إذا ماتَ الميّت من أهلها ثمَّ اجتَمَعَ لذلك النِّساء، ثمَّ تَفرَّقنَ أمَرَت بِبُرْمة
تَلبينةٍ فطُبِخَت، ثمَّ قالت: كُلوا(١) منها.
قوله: ((عليكم (٢) بالتَّلْبينة)) أي: كُلوها.
قوله: ((فإنَّهَا تَجُمّ)) بفتح المثنّاة وضمَّ الجيم، وبضمٌ أوَّله وكسر ثانيه، وهما بمعنَى، ووَقَعَ
في رواية اللَّيث: ((فإِنَها مَجَمّة)) بفتح الميم والجيم وتشديد الميم الثّانية، هذا هو المشهور،
ورُويَ بضمٌّ أوَّله وكسر ثانيه، وهما بمعنّى، يقال: جَمَّ وأجَمّ، والمعنى أنَّها تُريح فُؤادَه وتُزيل
(١) كذا في الأصلين و(س): كلوا، بواو الجماعة، والذي في اليونينية دون حكاية خلاف: كلن، بنون النسوة،
وكذلك في النسخة التي بأيدينا برواية أبي ذرّ الهروي.
(٢) كذا في الأصلين و(س)، وإنما الرواية حسب ما في اليونينية دون حكاية خلاف: ((إنَّ التلبينة تجمّ .... ))،
وهذا اللفظ الذي ذكره الحافظ هو لفظ رواية أم كلثوم التي سيذكرها قريباً.

٤٤٣
باب ٨ / ح ٥٦٩٠
كتاب الطب
عنه الهَمّ وتُنَشِّطه، والجامُّ بالتَّشديدِ: المستَريح، والمصدَر الجَمام والإجمام، ويقال: جَمَّ الفرسُ
وأَجَمَّ: إذا أُريح فلم يُركَب، فيكون أدعَى لنَشاطِهِ. وحكى ابن بَطّال أنَّه رويَ: تَخُمّ، بخاءٍ
مُعجَمة، قال: والمِخَمّة: المِكْنَسة.
قوله في الطريق الثانية: ((حدَّثنا فَرْوة)) بفتح الفاء ((ابن أبي المَغْراء)) بفتح الميم وسكون
المعجَمة وبالمدِّ: هو الكِنْديّ الكوفيّ، واسم أبي المغراء: مَعْدي كَرِبَ، وكُنية فروة أبو القاسم،
من الطّبقة الوُسطَى من شيوخ البخاريّ، ولم يُكثِر عنه.
قوله: ((أنَّها كانت / تَأْمُرُ بالتَّلْبينة، وتقول: هو البغيض النافع)) كذا فيه موقوفاً، وقد ١٤٧/١٠
حَذَفَ الإسماعيليّ هذه الطَّريق، وضاقَت على أبي نُعَيم فأخرجها من طريق البخاريّ هذه
عن فروة، ووَقَعَ عند أحمد (٢٥٠٦٦) وابن ماجَهْ (٣٤٤٦) من طريق كَلْثَم عن عائشة
مرفوعاً: ((عليكم بالبَغيضِ النافع الثَّلبينة)) يعني: الحَسَاء. وأخرجه النَّسائيُّ (ك٧٥٣١) من
وجه آخر (١) عن عائشة، وزادَ: ((والذي نفس محمَّد بيَدِه إنَّا لَتَغْسِل بطنَ أحدكم كما يَغْسِل
أحدُكم الوسَخِ عن وجهه بالماءِ»، وله (ك٧٥٢٩) وهو عند أحمد (٢٤٠٣٥) والتِّرمِذيّ
(٢٠٣٩) من طريق محمَّد بن السائب بن بَرَكة عن أمّه عن عائشة قالت: كان رسول الله
وَلَّه إذا أخَذَ أهلَه الوعْكُ أمر بالْحَساءِ فصُنِعَ، ثمَّ أمَرَهم فحَسَوا منه، ثمَّ قال: ((إنَّه يَرْتُو فُؤَادَ
الحزين، ويَسْرُو عن فُؤادِ السَّقيم، كما تَسْرُو إحداكُنَّ الوسَخَ عن وجهها بالماءِ)). ويَرتُّو:
يفتح أوَّله وسكون الرَّاء وضمِّ المثنّة، ويَسْرُو وزنه: بسينٍ مُهمَلة ثمَّ راءٍ، ومعنى يَرتو:
يُقوِّي، ومعنى يَسرو: يَكشِف، والبَغيضُ بوزنِ عظيم من البُغض، أي: يُبغِضه المريضُ مع
كَونه يَنفَعه كَسائرِ الأدوية. وحكى عِيَاض أنَّه وَقَعَ في رواية أبي زيد المروزيِّ بالنّونِ بَدَل
الموحّدة، قال: ولا معنى له هنا.
قال الموفَّق البغداديّ: إذا شِئت معرفة منافع التَّلبينة فاعرِف منافعَ ماء الشَّعير ولا
سيَّما إذا كان نُخالةً، فإنَّه يَجلو ويَنْفُذ بسُرعةٍ ويُغَذّي غِذاء لطيفاً، وإذا شُرِبَ حارّاً كان أجلَى
(١) هو من طريق كلثم نفسها.

٤٤٤
باب ٩ / ح ٥٦٩١
فتح الباري بشرح البخاري
وأقوى نُفوذاً وأنمَى للحَرارة الغريزيَّة. قال: والمراد بالفُؤادِ في الحديث رأس المعِدة، فإنَّ
فُؤاد الحزين يَضعُف باستيلاءِ اليُيس على أعضائه وعلى مَعِدَته خاصّة لتَقليلِ الغِذاء، والحَساء
يُرَطِّبها ويُغَذّيها ويُقوِّيها، ويفعل مِثل ذلك بفُؤادِ المريض، لكن المريض كثيراً ما يجتمع في مَعِدَته
خِلْط مَراريّ أو بَلغَميّ أو صَديديّ، وهذا الحَساء يجلو ذلك عن المعِدة.
قال: وسَمّه البَغيضَ النافع لأنَّ المريض يَعافُهُ وهو نافعٌ له، قال: ولا شيء أَنفَع من
الحَساء لمن يَغْلِب عليه في غِذائه الشَّعير، وأمَّا مَن يَغلِب على غذائه الحنطة فالأولى به في مرضه
حَساء الشَّعير.
وقال صاحب ((الهَدْي)): التَّلبينة أنفَع من الحَساء، لأنَّها تُطبَخ مَطحونة فَتَخرُج
خاصيّة الشَّعير بالطّحن، وهي أكثر تَغذيةً وأقوى فِعلاً وأكثر جَلاء، وإنَّما اختارَ الأطباء
النَّضيج لأنَّه أرَقّ وألطَف فلا يَتْقُل على طبيعة المريض. وينبغي أن يختلف الانتفاع بذلك
بحَسَبِ اختلاف العادة في البلاد، ولعلَّ اللّائق بالمريضِ ماءُ الشَّعير إذا طُبِخَ صحيحاً،
وبالحزينِ إذا طُبِخَ مَطحوناً، لمَا تقدَّمَتِ الإشارة من الفَرق بينهما في الخاصّيَّة، والله
أعلم.
٩ - باب السَّعوط
٥٦٩١- حذَّثنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا وُهَيبُ، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما، عن النبيِّ وََّ: احتَجَمَ وأعطَى الحَجّامَ أَجْرَه، واسْتَعَطَ.
قوله: ((باب السَّعوط)) بمُهمَلتَينِ: ما يُعَل في الأنف ممّا يُتَداوَى به.
قوله: ((واستَعَطَ)) أي: استعملَ السَّعوط، وهو أن يَستَلقيَ على ظَهره ويجعل بين كَتِفَيه
ما يَرفَعهما ليَنحَدِر رأسه ويُقطَر في أنفه ماءٌ أو دُهنٌ فيه دَواء مُفرَد أو مُرگَّب، لیتمكَّن
بذلك من الوصول إلى دِماغه لاستخراج ما فيه من الدّاء بالعُطاس، وسيأتي ذِكْر ما يُستَعَطُ
به في الباب الذي يليه. وأخرج التِّرمِذيّ (٢٠٤٧) من وجه آخر عن ابن عبّاس رَفَعَه: «إنَّ
خير ما تَداويتُم به السَّعوط)).

٤٤٥
باب ١٠ / ح ٥٦٩٢ - ٥٦٩٣
كتاب الطب
١٤٨/١٠
١٠ - بابُ السَّعوط بالقُسْطِ الهِنديّ والبَخْريّ، وهو الكُسْت، مثل الكافُور
والقافُور، ومثل: ﴿كُشِطَتْ﴾ وقُشِطت: نُزِعت
وقرأ عبدُ الله: قُشِطَتْ.
٥٦٩٢- حدَّثنا صَدَقةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا ابنُ عُبَينَةَ، قال: سمعتُ الزُّهْريَّ، عن عُبيدِ الله،
عن أمّ قيسٍ بنت مِحْصَنٍ، قالت: سمعتُ النبيَّ وََّ يقول: ((عليكم بهذا العُودِ الهِنْدِيِّ، فإنَّ فيه
سبعةَ أشفِيةٍ: يُسْتَعَطُ به منَ العُذْرةِ، ويُلَدُّ به من ذات الجَنْبِ)).
[أطرافه في: ٥٧١٣، ٥٧١٥، ٥٧١٨]
٥٦٩٣ - ودَخَلْتُ على النبيِّ وَّ بابنِ لي لم يأكلِ الطَّعامَ، فبالَ عليه، فَدَعَا بماءٍ فَرَشَ عليه.
قوله: ((باب السَّعوط بالقُسْطِ الهِنْدِيّ والبَحْريّ» قال أبو بكر بن العربيّ: القُسط نوعان:
هنديّ وهو أسود، وبحريّ وهو أبيض، والهِنديّ أشدّهما حَرارة.
قوله: ((وهو الكُسْت)) يعني: أنَّه يقال: بالقاف وبالكاف، ويقال: بالطاءِ وبالمثنّاة، وذلك
لقُربٍ كلّ من المخرَجَينِ بالآخر، وعلى هذا يجوز أيضاً مع القاف بالمثنّة ومع الكاف بالطاء،
وقد تقدَّم في حديث أمّ عَطيَّةٌ (٣١٣) عند الطُّهر من الحيض: نُبذة من كُسْت، وفي رواية عنها:
من قُسط، ومَضَى للمصنّف في ذلك كلام في (باب القُسْط للحادّة))(١).
قوله: ((مِثْل الكافور والقافور)) تقدَّم هذا في ((باب القُسط للحادّة)).
قوله: ((ومِثْل كُشِطَت وقُشِطَت، وقرأ عبد الله: قُشِطَتْ)) زاد النَّسَفيّ: أي: نُزِعَت(٢).
يريد أنَّ عبد الله بن مسعود قرأ: ((وإذَا السَّمَاءُ قُشِطَت)) [التكوير: ١١] بالقاف ولم تَشتَهِر هذه
القراءة، وقد وجَدتُ سَلَف البخاريّ في هذا، فقرأت في كتاب ((معاني القرآن» للفَرّاءِ في
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا السَّمَءُ كُتِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] قال: يعني: نُزِعَت، وفي قراءة عبد الله: قُشِطَت،
(١) بعد الحديث (٥٣٤١).
(٢) كذا ذكر الحافظ رحمه الله أنَّ هذه الزيادة وقعت للنسفي وحده! وإنما وقعت لجميع رواة البخاري كما
جاء في اليونينية، وكذا هي ثابتة في الأصل الذي عندنا برواية أبي ذر الهروي.

٤٤٦
باب ١٠ / ح ٥٦٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
بالقاف، والمعنى واحد، والعرب تقول: الكافور والقافور، والقسط والكُسط(١)، وإذا تَقارَبَ
الحرفان في المخرَج تَعاقَبًا في المخرَج، هكذا رأيته في نسخة جيِّدة مِنه: ((الكُسط)) بالكاف
والطاء، والله أعلم.
قوله: ((عن عُبيدِ الله)) سيأتي (٥٧١٥) بلفظ: أخبرني عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة.
قوله: ((عن أمّ قيس بنت مِحْصَنٍ)) وَقَعَ عند مسلم (٢٢١٤) التَّصريح بسماعِه له منها،
وسيأتي (٥٧١٥) أيضاً قريباً.
قوله: ((عليكم بهذا العُود الهِنْديّ)) كذا وَقَعَ هنا مختصراً، ويأتي بعد أبواب (٥٧١٥) في
أوَّله قصَّة: أتيت النبيّ ◌َّ بابنٍ لي وقد أعلَقتْ عليه من العُذرة، فقال: ((عليكُنَّ بهذا العُود
الهنديّ)). وأخرج أحمد وأصحاب السُّنَن(٢) من حديث جابر مرفوعاً: ((أيما امرأةٍ أصاب
ولدَها عُذرةٌ أو وجَعٌ في رأسه، فلتأخُذ قُسطاً هنديّاً فَتَحُكّه بماءٍ، ثمَّ تُسعِطه إيّاه)). وفي
حديث أنس الآتي بعد بابينِ (٥٦٩٦): ((إنَّ أمثَل ما تَداويتُم به الحجامة والقُسط البحريّ))
وهو محمول على أنَّه وَصَف لكلِّ ما يُلائمه، فحيثُ وُصِفَ الهنديّ كان لاحتياجٍ في المعالجَةِ
إلى دَواء شديد الحرارة، وحيثُ وُصِفَ البحريّ كان دونَ ذلك في الحرارة، لأنَّ الهنديّ كما تقدَّم
أشدّ حَرارة من البحريّ. وقال ابن سِينا: القُسط حارّ في الثّالثة يابِس في الثّانية.
قوله: ((فإنَّ فيه سبعة أشفية)) جمع شَفاء كَدَواءٍ وأدوية.
قوله: ((يُسْتَعَطُ به من العُذْرة، ويُلَدّ به من ذات الجَنْب)) كذا وَقَعَ الاقتصار في الحديث
من السَّبعة على اثنين، فإمّا أن يكون ذكرَ السَّبعة فاختَصَرَه الراوي، أو اقتَصَرَ على الاثْنَينِ
لوجودِهما حينئذٍ دونَ غيرهما، وسيأتي ما يُقوِّي الاحتمال الثّاني.
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله تعالى، والذي عندنا في الطبعة المحققة من ((معاني القرآن)) ٢٤١/٣: ((القَفُّ
والگَفُّ. فالله تعالى أعلم.
(٢) الحديث أخرجه أحمد (١٤٣٨٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٥٤٠) و(٧٥٤١) بنحو اللفظ الذي ذكره
الحافظ هنا، لكن ليس فيه عندهما ذكر وجع الرأس، وهذا اللفظ الذي ذكره هو عند أبي يعلى (١٩١٢)
و(٢٢٨٠) وغيره.

٤٤٧
باب ١٠ / ح ٥٦٩٣
كتاب الطب
وقد ذكر الأطباء من منافع القُسط: أنَّه يُدِرّ الطَّمْث والبَول، ويَقتُل ديدان الأمعاء، ويَدفَع
السَّمّ وحُمَّى الرِّبْع والورد (١)، ويُسَخِّن المعدة، ويُحرِّك شَهوة الجِماع، ويُذهِب الكَلَف طِلاءً.
فَذَكَروا أكثر من سبعة، وأجابَ بعض الشُّرّاح بأنَّ السَّبعة عُلمَت بالوحي، وما زاد عليها
بالتَّجرِبة،/ فاقتَصَرَ على ما هو بالوحي لتَحقَّقِه. وقيل: ذكر ما يُحتاج إليه دونَ غيرِه لأنَّه لم ١٤٩/١٠
يُبعث بتفاصيل ذلك.
قلت: ويحتمل أن تكون السَّبعة أُصولَ صِفَة التَّداوي بها، لأنَّها إمّا طِلاء أو شُرب أو
تَكميد أو تَنطيل(٢) أو تَبخير أو سَعُوط أو لَدُود. فالطِّلاء يَدخُل في المراهم ويُحَلُّ بالزّيتِ
ويُلَطَخ، وكذا التَّكميد، والشُّرب يُسحَق ويُجُعَل في عَسَل أو ماء أو غيرهما، وكذا التَّنطيل،
والسَّعوط يُسحَق في زَيت ويُقطَر في الأنف، وكذا الدُّهن، والتَّبخير واضح، وتحت كلّ واحدة
من السَّبعة منافع الأدواءٍ مُتَلِفة، ولا يُسْتَغْرَب ذلك ممَّن أُوتيَ جَوامع الكَلم.
وأمَّا العُذرة، فهي بضمِّ المهمَلة وسكون المعجَمة: وجَعٌ في الحَلْقِ يَعتَري الصِّبيان
غالباً. وقيل: هي قُرحة تَخْرُج بين الأُذُن والحَلْق، أو في الخُرْم الذي بين الأنف والحَلْق، قيل:
سُمَّت بذلك لأنَّها تَخرُج غالباً عند طُلوع العُذرة، وهي خمسة كَواكِب تحت الشِّعرَى العَبور،
ويقال لها أيضاً: العَذارَى، وطُلوعها يقع في وسَط الحَرّ.
وقد استشكِلَ مُعالَجَتها بالقُسطِ مع كونه حارّاً، والعُذرة إنَّا تَعرِض في زمن الحرّ بالصِّبيان
وأمزِ جَتهم حارّة، ولا سيَّما وقُطر الحِجاز حارّ. وأُجيبَ بأنَّ مادّة العُذرة دَم يَغْلِب عليه البَلغَم،
وفي القُسط تخفيف للرُّطوبة، وقد يكون نَفعه في هذا الداء(٣) بالخاصّيَّة، وأيضاً فالأدوية
الحارّة قد تَنفَع في الأمراض الحارّة بالعَرضِ كثيراً، بل وبالذّات أيضاً.
(١) قال الثعالبي في ((فقه اللغة)) ص١٠٣: إذا كانت الحُمَّى لا تدورُ، بل تكون نوبةً واحدة فهي حمی یوم،
فإذا كانت نائبةً كلَّ يوم، فهي الوِرْدُ، فإذا كات تنوبُ يوماً ويوماً لا فهي الغِبُّ، فإذا كانت تنوبُ يوماً
ويومين لا، ثم تعود في الرابع فهي الرِّبْع، وهذه الأسماء مستعارة من أوراد الإبل.
(٢) هو أن يُصَبَّ الماء المطبوخ بالأدوية في كُوز ثم يصب على العليل قليلاً قليلاً.
(٣) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: الدواء.

٤٤٨
باب ١١ / ح ٥٦٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقد ذكر ابن سينا في مُعالَجَة سَعُوط اللَّهاة القُسْطَ مع الشَّبِّ الْيَمَانيّ وغيره. على أنَّنا لو لم
نَجِد شيئاً من التَّوجيهات لكان أمرُ المعجزة خارجاً عن القواعد الطَّيَّة. وسيأتي بیان ذات
الجنب في ((باب اللَّدود))(١)، وفيه شرح بقيَّة حديث أمّ قيس هذا.
وقولها: ((ودَخَّلت على النبيّ وَلِّ بابنِ لي)» تقدَّم مُطوَّلاً في الطّهارة (٢٢٣)، وهو حديث
آخر لأُمّ قيس وَقَعَ ذِكْره هنا استطراداً، والله أعلم.
١١ - بابٌ أيَّةَ ساعةٍ يحتجم؟
واحتجم أبو موسی لیلاً.
٥٦٩٤- حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا أيوبُ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ،
قال: احْتَجَمَ النبيُّ ◌َِّ وهو صائمٌ.
قوله: ((باب أيَّةَ ساعة يَحتَجِم؟)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: أيّ ساعة، بلا هاء، والمراد بالساعة
في التَّرجمة: مُطلَق الزّمان لا خُصوص الساعة المتعارَفة.
قوله: ((واحتَجَمَ أبو موسى ليلاً)) تقدَّم موصولاً في كتاب الصيام(٢)، وفيه أنَّ امتناعه من
الحجامة نهاراً كان بسببِ الصيام لئلا يَدخُله خَلَل، وإلى ذلك ذهب مالك، فكرة الحجامة
للصّائِمِ لئلّا يُغَرِّر(٣) بصومِه، لا لكَونِ الحِجامة تُفطِّر الصّائم. وقد تقدَّم البحث في
حديث: ((أفطَرَ الحاجِم والمحجوم)) هناك. وورَدَ في الأوقات اللّائقة بالحجامة أحاديث
ليس فيها شيء على شرطه، فكأنَّه أشارَ إلى أنَّها تُصنَع عند الاحتياج، ولا يُتَقَيَّد بوقتٍ دونَ
وقت، لأنّه ذكر الاحتجام ليلاً.
وذكر حديث ابن عبّاس: أنَّ النبيَّ ◌ََّاحتَجَمَ وهو صائم. وهو يقتضي كَون ذلك وَقَعَ منه
(١) بل سيأتي بيانه في باب ذات الجنب. وهو الباب رقم (٢٦)، وأما بقية حديث أم قيس فسيأتي شرحه في
باب العذرة وهو الباب رقم (٢٣).
(٢) علقه البخاري في باب الحجامة والقيء للصائم، ووصله الحافظ هناك قبل شرح الحديث (١٩٣٨).
(٣) أي: يُخاطِر.
٧

٤٤٩
باب ١١ / ح ٥٦٩٤
كتاب الطب
تَهاراً، وعند الأطباء أنَّ أَنفَع الحجامة ما يقع في الساعة الثّانية أو الثّالثة، وأن لا يقع عَقِب
استفراغ عن جماع أو حَّام أو غيرهما، ولا عَقِب شِبَع ولا جوع.
وقد ورد في تعیین الأيام للحجامة حديث لابنِ عمر عند ابن ماجة (٣٤٨٧ و٣٤٨٨)
رَفَعَه في أثناء حديث وفيه: ((فاحتَجِموا على بَرَكة الله يوم الخميس، واحتَجِموا يوم الاثنينِ
والثُّلاثاء، واجتَنِبوا الحجامة يوم الأربعاء والجمعة والسَّبت والأحد)). أخرجه من طريقَينِ
ضعيفَين. وله طريق ثالثة ضعيفة أيضاً عند الدّارَقُطنيّ في ((الأفراد)). وأخرجه بسندٍ جيّد
عن ابن عمر موقوفاً.
ونَقَلَ الخَلّال عن أحمد: أنَّ كَرِهَ الحِجامة في الأيام المذكورة، وإن كان الحديث لم
يَثْبت، وحكى أنَّ رجلاً احتَجَمَ يوم الأربعاء فأصابه بَرَص لِكَونِهِ/ تَهَاونَ بالحديث، ١٥٠/١٠
وأخرج أبو داود (٣٨٦٢) من حديث أبي بكرة: أنَّه كان يكره الحِجامة يوم الثلاثاء، وقال:
إِنَّ رسول اله ◌َّه قال: ((يوم الثَّلاثاء يوم الدَّم، وفيه ساعة لا يَرقَاً فيها))(١).
وورد في عدد من الشّهر أحادیث، منها: ما أخرجه أبو داود (٣٨٦١) من حديث أبي
هريرة رَفَعَهُ: ((مَن احتَجَمَ لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرينَ كان شِفاء من كلّ
داء)) وهو من رواية سعيد بن عبد الرّحمن الجُمَحِيِّ عن سُهَيل بن أبي صالح، وسعيد وثَّقه
الأكثر وليّنه بعضهم من قبل حفظه.
وله شاهد من حديث ابن عبّاس عند أحمد (٣٣١٦)، والتِّرمِذيّ (٢٠٥٣)، ورجاله
ثقات، لكنَّه معلول.
وشاهد آخر من حديث أنس عند ابن ماجَهْ (٣٤٨٦)، وسنده ضعيف. وهو عند التِّرمِذيّ
(٢٠٥١) من وجه آخر عن أنس لكن من فِعله وَلات.
ولِكَونِ هذه الأحاديث لم يَصِحّ منها شيء قال حَنبَل بن إسحاق: كان أحمد يَحتَجِم أيَّ
وقت هاجَ به الدَّم، وأيّ ساعة كانت.
(١) إسناده ضعيف.

٤٥٠
باب ١٢ - ١٣ / ح ٥٦٩٥ - ٥٦٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
وقد اتَّفَقَ الأطباء على أنَّ الِحِجامة في النِّصف الثّاني من الشَّهر ثمَّ في الرُّبع الثّالث من
أرباعه أنفَع من الحجامة في أوَّله وآخره، قال الموفَّق البغداديّ: وذلك أنَّ الأخلاط في أوَّل
الشَّهر تَهيج وفي آخره تَسكُن، فأولَى ما يكون الاستفراغ في أثنائه، والله أعلم.
١٢ - باب الحَجْم في السّفر والإحرام
قاله ابن بُحَينَةَ، عن النبيِّ ◌َّد.
٥٦٩٥- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو، عن عَطاءٍ وطاووسٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ
قال: احْتَجَمَ النبيُّ وَّ وهو مُحِمٌ.
قوله: ((باب الحَجْم في السَّفَر والإحرام، قاله ابن بُحَينة عن النبيّ ◌َّ﴿)) كأنَّه یشیر إلى ما
أورَدَه في الباب الذي يليه (٥٦٩٨) موصولاً عن عَبد الله ابن بُحَينة: أنَّ النبيَّ وَّهِاحْتَجَمَ
في طريق مَكّة. وقد تَبيَّن في حديث ابن عبّاس أنَّه كان حينئذٍ مُرِماً، فانتُزِعَتِ التَّرجمة من
الحديثَينِ معاً، على أنَّ حديث ابن عبّاس وحده كافٍ في ذلك، لأنَّ مِن لازِم كَونه ◌َّ كان مُحرِماً
أن يكون مُسافراً، لأنَّه لم يُحرِم قَطُّ وهو مُقيم. وقد تقدَّم الكلام على ما يَتَعلَّق بحِجامة
المحرِم في كتاب الحجّ(١)، وأمَّا الحِجامة للمُسافِرِ فعلى ما تقدَّم أنَّها تُفْعَل عند الاحتياج إليها
من هَيَجان الدَّم ونحو ذلك، فلا يَخْتَصّ ذلك بحالةٍ دونَ حالة، والله أعلم.
١٣ - بابُ الحجامة من الدّاء
٥٦٩٦ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مُميدٌ الطَّوِيلُ، عن أنسٍ ﴾: أنَّه
سُئلَ عن أجْرِ الحَجّامِ، فقال: احتَجَمَ رسولُ اللهِ وََّ، حَجَمَه أبو طَيبةَ، وأعطاهُ صاعينٍ من
طعامٍ، وكَلَّمَ مَوالِيَه فخَفَّفوا عنه، وقال: ((إنَّ أمثَلَ ما تَداوَيتُم به الحِجامةُ والقُسْطُ البحرِيّ».
وقال: ((لا تُعَذِّبُوا صِبْياتكم بالغَمْزِ منَ العُذْرةِ، وعليكم بالقُسْطِ».
٥٦٩٧ - حدَّثنا سعيدُ بنُ تَلِيدٍ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: أخبرني عَمْرٌو وغيرُه، أنَّ
بُكَيراً حدَّثه، أنَّ عاصمَ بنَ عمرَ بنِ قَتَادةَ حدَّثه: أنَّ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما عادَ المقَنَّعَ،
(١) في باب (١٠) الحجامة للمحرم.

٤٥١
باب ١٣ / ح ٥٦٩٧
كتاب الطب
ثُمَّ قال: لا أبرَحُ حتَّى تحتَجِمَ، فإنّي سمعتُ رسولَ اللهَوَّه يقول: ((إنَّ فيه ◌ِشِفاءً)».
قوله: ((بابُ الحِجامة من الدّاء)) أي: بسببِ الدّاء. قال الموفَّق البغداديّ: الحِجامة تُنَقّي ١٥١/١٠
سَطح البَدَن أكثر من الفَصد، والفَصد لأعماق البَدَن، والحجامة للصِّبيان وفي البلاد الحارّة
أولى من الفَصْد وآمَنُ غائلة، وقد تُغني عن كثير من الأدوية، ولهذا ورَدَتِ الأحاديث
بذِكْرِها دونَ الفَصد، ولأنَّ العرب غالباً ما كانت تَعرِف إلّ الحجامة. وقال صاحب
(الهديٍ)): التَّحقيق في أمر الفَصد والحِجامة أنَّهما يختلفان باختلاف الزَّمان والمكان والمزاج،
فالحجامة في الأزمان الحارّة والأمكنة الحارّة والأبدان الحارّة التي دَم أصحابها في غاية
النُّضج أنفَع، والفَصد بالعكس، ولهذا كانت الحِجامة أنفَع للصِّبيان ولمن لا يقوى على
الفَصْد.
قوله: ((عبد الله)) هو ابنُ المبارَك.
قوله: ((عن أنس)) في رواية شُعْبة عن حُميدٍ: سمعت أنساً. وقد تقدَّمَتِ الإشارة إليه في
الإجارة (٢٢٨١).
قوله: ((عن أجْرِ الحَجّام)) في رواية أحمد (١٢٨٨٣) عن يحيى القَطّان عن حُميدٍ: كَسْب
الحجّام.
قوله: ((حَجَمِه أبو طَيْية)) بفتح المهملة وسكون التَّحتانيَّة بعدها موحّدة، تقدَّم في
الإجارة (٢٢٨١) ذِكْر تسميته وتعيين مَواليه، وكذا جِنس ما أعطيَ من الأَجرة، وأنَّه تَمر،
وحُكم گسبه، فأغنى عن إعادته.
قوله: ((وقال: إنَّ أمثَل ما تَداويتُم به الحجامة)) هو موصول بالإسناد المذكور، وقد أخرجه
النَّسائيُّ (ك٧٥٥٠) مُفرَداً من طريق زياد بن سعد وغيره عن حُميدٍ عن أنس بلفظ: ((خير ما
تَداويتُم به الحجامة))، و(ك٧٥٣٧) من طريق مُعتَمِر عن حُميدٍ بلفظ: ((أفضل)). قال أهل المعرفة:
الخِطاب بذلك لأهلِ الحِجاز ومَن كان في معناهم من أهل البلاد الحارّة، لأنَّ دِماءَهم رَقيقة
وتَميل إلى ظاهر الأبدان لجذبِ الحرارة الخارجة لها إلى سطح البَدَن.

٤٥٢
باب ١٣ / ح ٥٦٩٧
فتح الباري بشرح البخاري
ويُؤخَذ من هذا أنَّ الخِطاب أيضاً لغير الشُّيوخ لِقِلّة الحرارة في أبدانهم. وقد أخرج
الطَّبَريُّ بسندٍ صحيح عن ابن سِيرِين قال: إذا بَلَغَ الرجل أربعينَ سنة لم يَحَتَجِم. قال
الطَّبَريّ: وذلك أنَّه يصير من حينئذٍ في انتقاص من عمره وانحِلال من قُوَى جسده، فلا
ينبغي أن يزيده وهْياً بإخراج الدَّم. انتهى، وهو محمول على مَن لم تَتَعيَّن حاجته إليه، وعلى
مَن لم یعتَدْ به، وقد قال ابن سينا في أُرِجُوزَته:
ومن يَكُنْ تَعَوَّدَ الفِصادَهْ فلا يَكُنْ يَقطَعُ تلك العادةْ
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّه يُقَلِّل ذلك بالتَّدريجِ إلى أن يَنقَطِع جملة في عَشْرِ الثَّانِينَ.
قوله: ((وقال: لا تُعَذِّبوا صِبْيانكم بالغَمْزِ من العُذْرة، وعليكم بالقُسْطِ)) هو موصول
أيضاً بالإسناد المذكور إلى حُميدٍ عن أنس مرفوعاً. وقد أورَدَه النَّسائيُّ (ك٧٥٣٨) من طريق
يزيد بن زُرَيع عن حُميدٍ به، مضموماً إلى حديث: ((خيرُ ما تَداویتُم به الحجامة».
وقد اشتَمَلَ هذا الحديث على مشروعيّة الحجامة والتَّرغيب في المداواة بها، ولا سيَّما لمن
احتاجَ إليها، وعلى حُكم كَسب الحجّام، وقد تقدَّم في الإجارة (٢٢٨١)، وعلى التَّداوي
بالقُسط، وقد تقدَّم قريباً (٥٦٩٢)، وسيأتي الكلام على الإعلاق في العُذرة والغَمْزة في
((باب اللَّدود)»(١).
قوله: «حدّثنا سعید بن تلید» بمثنّاةٍ ولام وزن سعید: وهو سعید بن عیسی بن تَلید
نُسِبَ لجَدِّه، وهو مِصريّ، وثَّقه ابن يونس، وقال: كان فقيهاً ثَبتاً في الحديث، وكان
يَكتُب للقُضاة.
قوله: ((أخبَرني عَمْرو وغيره)) أمَّا عَمْرو: فهو ابن الحارث، وأمَّا غيره، فما عَرَفته، ويَغلِب
على ظنّ أنَّه ابن لَهِيعةَ، وقد أخرج الحديثَ أحمد (١٤٥٩٨)، ومسلم (٢٢٠٥)، والنَّسائيُّ
(ك٧٥٤٩) وأبو عَوَانة، والطَّحَاويّ، والإسماعيليّ، وابن حِبّان (٦٠٧٦) من طرق عن ابن
وهب عن عَمْرو بن الحارث وحده، لم يَقُل أحد في الإسناد: وغيره، والله أعلم.
(١) باب رقم (٢١).

٤٥٣
باب ١٤ / ح ٥٦٩٨ - ٥٦٩٩
كتاب الطب
قوله: ((أنَّ بُكَيراً حدَّثه)) هكذا أفردَ الضَّمیر لواحدٍ بعد أن قَدَّمَ ذِكْر اثنین، وبُگیر: هو ابن
عبد الله بن الأشَجّ، ورُبَّمَا نُسِبَ لَدِّه، مدنيّ سَكَنَ مِصر، والإسناد إليه مِصريّونَ.
قوله: ((عادَ المقَنَّع)) بِقافٍ ونون/ ثقيلة مفتوحة: هو ابن سِنان، تابعيّ، لا أعرفه إلّا في ١٥٢/١٠
هذا الحدیث.
قوله: ((إنَّ فيه شِفاء)) كذا ذكره بُكَير بن الأشَجّ مختصراً، ومَضَى في ((باب الدَّواء بالعَسَلِ))
(٥٦٨٣) من طريق عبد الرَّحمن بن الغَسيل عن عاصم بن عمر مُطوَّلاً، وسيأتي أيضاً عن
قُرب (٥٧٠٢ و ٥٧٠٤).
١٤ - بابُ الحجامةِ على الرّأس
٥٦٩٨- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني سليمانُ، عن عَلْقمةَ، أَنَّه سمعَ عبد الَّحمنِ الأعْرَجَ،
أنَّه سمعَ عبد الله ابنَ بُحَينَ يُحدِّثُ: أنَّ رسولَ اللهِ وَّهَ احتَجَمَ بِلَحْبَي جملٍ من طريقِ مَكّةَ،
وهو مُحِرِمٌ فِي وَسَطِ رأسِه.
٥٦٩٩- وقال الأنصاريُّ: حدّثنا هشامُ بنُ حسَّانَ، حدَّثنا عِكْرمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله
عنهما: أنَّ رسولَ الله ێ احتجم في رأسِه.
قوله: ((بابُ الحِجامة على الرَّأس)) ورَدَ في فضل الحجامة في الرّأس حديث ضعيف
أخرجه ابن عَديّ (٥١/٥) من طريق عمر بن رِيَاح عن عبد الله بن طاووسٍ عن أبيه عن
ابن عبّاس رَفَعَه: «الحجامةُ في الرَّأس تَنفَع من سبعٍ: من الجنون، والجُذام، والبَرَص،
والنُّعاس، والصُّداع، ووجَع الفِّرس، والعين)). وعمر متروكٌ رَماه الفَلّاس وغيره بالكذب.
ولكن قال الأطبّاء: إنَّ الِحِجامة في وسَط الرَّأس نافعة جدّاً، وقد ثَبَتَ أَنَّه وَّهِ فِعَلَها كما في
أوَّل حديثَي الباب، وآخرُهما وإن كان مُطلَقاً فهو مُقِيَّد بأَوَّلِما، وورَدَ أنَّه وَلِّ احتَجَمَ أيضاً
في الأخدَعينِ والكاهل. أخرجه التِّرمِذيّ (٢٠٥١) وحَسَّنَه، وأبو داود (٣٨٦٠)، وابن ماجَهْ
(٣٤٨٣) وصَحَّحَه الحاكم (٢١٠/٤).
قال أهل العلم بالطّبِّ: فَصْد الباسِلِيقِ يَنفَع حرارة الكَبِد والطِّحال والرِّئة، ومن الشَّوْصة

٤٥٤
باب ١٤ / ح ٥٦٩٩
فتح الباري بشرح البخاري
وذات الجنْب، وسائر الأمراض الدَّمَويَّة العارضة من أسفَل الرُّكبة إلى الوَرِك.
وفَصْد الأكحَل يَنْفَع الامتلاء العارِض في جميع البَدَن إذا كان دَمَويّاً، ولا سيَّما إن كان فسَدَ.
وفَصْد القِيفال يَنفَع من عِلَل الرَّأس والرّقَبة إذا كَثُرَ الدَّم أو فسَدَ.
وفَصْد الوَدَجَينِ لوجَع الطِّحال والرَّبو والبَهَق(١) ووجَع الجنبين.
والحِجامة على الكاهل تَنفَع من وجَع المَنْكِب والحَلْق وتَنوب عن فصْد الباسِلِيقِ.
والحِجامة على الأخدَعينِ تَنفَع من أمراض الرَّأس والوجه كالأُذُنِينِ والعينَينِ والأسنان
والأنف والحلق، وتَنوب عن فصد القِيفال.
والحجامة تحت الذَّقَن تَنفَع من وجَع الأسنان والوجه والحُلقوم وتُنَقّي الرَّأس.
والحِجامة على ظَهر القَدَم تَنوب عن فصد الصّافِن، وهو عِرق عند الكعب، وتَنفَع من
قُروح الفَخِذَينِ والساقَينِ وانقطاع الطَّمْت والحِكّة العارضة في الأُنثَين.
والحِجامة على أسفَل الصَّدر نافعة من دَماميل الفَخِذ وجَرَبه وبُثُوره، ومن النِّقْرِس
والبواسير وداء الفيل وحِكّة الظَّهر، ومحلّ ذلك كلّه إذا كان عن دَمِ هائجٍ وصادَفَه وقت
الاحتیاج إليه.
والحِجامة على المقعَدة تَنفَع الأمعاء وفساد الحيض.
قوله: ((حدَّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أويس، وسليمان: هو ابن بلال، وعَلْقمة: هو ابن أبي
عَلْقمة، والسَّنَد كلّه مدنيّونَ، وقد تقدَّم بيان حاله في أبواب المحصَر في الحجّ (١٨٣٦).
قوله: ((احتَجَمَ بلَحْبَي ◌َل)) كذا وَقَعَ بالنَّنية، وتقدَّم (١٨٣٦) بلفظ الإفراد، واللّام مفتوحة
ويجوز كسرها، وَل بفتح الجيم والميم، قال ابن وضّاح: هي بُقعة معروفة، وهي عَقَبَة الْجُحْفة
على سبعة أميال من السُّقيا. وزَعَمَ بعضهم أنَّه الآلة التي احتَجَمَ بها، أي: احتَجَمَ بعَظمٍ جَل،
والأوَّل المعتمَد، وسأذكر في حديث ابن عبَّاس التَّصريح بقضية ذلك.
(١) لفظ ((والبهق)) زيادة من (ع) وحدها. وانظر ((الحاوي)) للرازي ٧/ ٤٨٠، و((القانون)) لابن سينا ٢٩٨/١.

٤٥٥
باب ١٥ / ح ٢٧٠٠ - ٥٧٠٢
كتاب الطب
قوله: ((في وَسَط رأسه)) بفتح السّين المهملة ويجوز تسكينها، وتقدّم بيانه في/ كتاب الحجّ، ١٥٣/١٠
وقول مَن فرَّقَ بينهما (١).
قوله: ((وقال الأنصاريّ)) وَصَلَه الإسماعيليّ قال: حدَّثنا الحسن بن سفيان، حدَّثنا
عُبيد الله بن فَضالة، حدَّثنا محمّد بن عبد الله الأنصاريّ، فذكره بلفظ: احتَجَمَ احتجامةً في
رأسه. ووَصَلَه البيهقيُّ (٣٣٩/٩) من طريق أبي حاتم الرَّازيِّ حدَّثنا الأنصاريّ، بلفظ:
احتَجَمَ وهو مُحُرِم من صُداعٍ كان به أو داء، واحتَجَمَ في ماء يقال له: لَيُّ ◌َمَل. وهكذا
أخرجه أحمد (٢٣٥٥) عن الأنصاريّ. وسيأتي في الباب الذي بعده في حديث ابن عبّاس بلفظ:
بماء يقال له: لحيُ جَمَل.
١٥ - بابُ الحجامة من الشَّقيقة والصُّداع
٥٧٠٠- حذَّثني محمَّدُ بنُ بشَّارٍ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن هشامٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ
عبَّاسٍ: احتَجَمَ النبيُّ بِّ في رأسِه وهو مُحرِمٌ من وجَعٍ كان به، بماءٍ يقال له: لَحْتَيْ جَمَلٍ.
٥٧٠١ - وقال محمَّدُ بنُ سَواءٍ: أخبرنا هشامٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسِ: أنَّ رسولَ الله وَله
احتَجَمَ وهو مُحٌِ في رأسِه من شَقِیقةٍ كانت به.
٥٧٠٢ - حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبانَ، حدَّثنا ابنُ الغَسِيلِ، قال: حدَّثني عاصمُ بنُ عمَرَ، عن
جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: سمعتُ النبيَّ ◌َ ◌ّ يقول: ((إن كان في شيءٍ من أدْوِيَتِكم خيرٌ، ففي شَرْبةٍ
عَسَلٍ، أو شَرْطةٍ مِحْجَمٍ، أو لَذْعةٍ من نارٍ، وما أُحِبُّ أن أكتَوِيَ)).
قوله: ((باب الحجامة من الشَّقيقة والصُّداع)) أي: بسببهما، وقد سَقَطَت هذه التَّرجمة من
رواية النَّسَفيّ، وأورَدَ ما فيها في الذي قبله، وهو مُتَّجِه. والشَّقيقة، بشينٍ مُعجَمة وقافَينِ،
وزن عظيمة: وجَع يأخُذ في أحد جانبي الرَّأس أو في مُقدَّمِه.
وذكر أهل الطِّبّ أنَّه من الأمراض المزمنة، وسببه أبخرة مُرتَفِعة أو أخلاط حارّة أو باردة
(١) لم يذكر الحافظ في الحج تفريقاً بينهما، وإنما اقتصر على ضبط السين بالفتح، وفسَّر المراد، لكنه فَرَّق بينهما
في کتاب الغسل عند شرح الحدیث (٢٥٨).

٤٥٦
باب ١٥ / ح ٥٧٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
تَرتَفِع إلى الدِّماغ، فإن لم تَجِد مَنفَذاً أحدث الصُّداعِ، فإن مالَ إلى أحد شِقَّي الرَّأس
أحدَثَ الشَّقيقة، وإن مَلَكَ قِمّة الرَّأس أحدث داء البَيْضة. وذِكْر الصُّداع بعده من العامّ
بعد الخاصّ.
وأسباب الصُّداع كثيرة جدّاً: منها ما تقدَّمَ، ومنها ما يكون عن ورَم في المعدة أو في
عُروقها، أو ريح غليظة فيها أو لامتلائها، ومنها ما يكون من الحركة العَنيفة كالجماع
والقَيء والاستفراغ أو السَّهَر أو كَثْرة الكلام، ومنها ما تَحَدُث عن الأعراض النَّفسانيَّة
كالهَمِّ والغَمّ والحُزن والجوع والحُمَّى، ومنها ما تَحَدُث عن حادثٍ في الرَّأس كَضربةٍ
تُصيبه، أو ورَم في صِفاق الدِّماغ، أو ◌َل شيء ثقيل يَضغَط الرّأس، أو تَسخينه بلبسٍ شيء
خارج عن الاعتدال، أو تَبريده بمُلاقاة الهواء أو الماء في البرد.
وأمَّا الشَّقيقة بخُصوصِها فهي في شَرايين الرّأس وحدها، وتَخْتَصّ بالموضع الأضعف
من الرّأس، وعلاجها بشَدِّ العِصابة، وقد أخرج أحمد(١) من حديث بُرَيدة: أنَّه وَّل كان
رُبَّمَا أَخَذَته الشَّقيقة، فيَمكُث اليوم واليومينِ لا يَخرُج، الحديث. وتقدَّم في الوفاة النبويَّةِ(٢)
حديثُ ابن عبّاس: خَطَبنا رسول اللهِ له وقد عَصَبَ رأسه.
قوله في الطريق الأولى: ((عن هشام)) هو ابن حسَّان.
وقوله: (من وجع کان به)) قد بيَّنه في الرِّواية التي بعده.
قوله: ((وقال محمَّد بن سَواء» بمُهمَلٍ ومَدّ: هو السَّدُوسيّ، واسم جَدّه: عَنبَرَ، بمُهمَلةٍ ونون
١٥٤/١٠ وموحّدة، بصريّ يُكْنى أبا الخطّاب، ما له في البخاريّ سوى/ حديث موصول مَضَى في المناقب
(٣٦٨٦)، وآخر يأتي في الأدب (٦٠٣٢) وهذا المعلَّق، وقد وَصَلَه الإسماعيليّ قال: حدَّثنا
أبو يَعْلى، حدَّثنا محمَّد بن عبد الله الأزديّ، حدَّثنا محمَّد بن سواء، فذكره سواءً.
(١) لم نقف عليه في ((المسند))، ولا عزاه إليه الحافظ في ((إتحاف المهرة)) (٢٢٩٩)، وإنما عزاهُ للحاكم، وهو في
((مستدرك الحاكم)» ٣٧/٣.
(٢) لم يتقدم حديث ابن عباس في الوفاة النبوية من المغازي، وإنما تقدم في كتاب الجمعة برقم (٩٢٧)، وفي
كتاب المناقب برقم (٣٦٢٨)، وفي كتاب مناقب الأنصار برقم (٣٨٠٠).

٤٥٧
باب ١٥ / ح ٥٧٠٢
كتاب الطب
وقد اتَّفَقَت هذه الطّرق عن ابن عبّاس أنَّه احْتَجَمَ رَِّ وهو مُحُرِم في رأسه، ووافَقَها
حديث ابن بُحَينة(١). وخالَفَ ذلك حديثُ أنس: فأخرج أبو داود (١٨٣٧)، والتِّرمِذيّ في
((الشَّمائل)) (٣٥٨)، والنَّسائيُّ (٢٨٤٩) وصَخَّحَه ابن خُزَيمةَ (٢٦٥٩)، وابن حِبّان
(٣٩٥٢) من طريق مَعمَر عن قَتَادة عنه قال: احتَجَمَ النبيّ ◌َّ وهو مُحِم على ظَهر
القَدَم من وجَع كان به. ورجاله رجال الصَّحيح، إلّا أنَّ أبا داود حكى عن أحمد أنَّ
سعيد بن أبي عَرُوبة رواه عن قَتَادة فأرسَلَه. وسعيدٌ أحفظ من مَعمَر، وليست هذه
بعِّةٍ قادحة، والجمع بين حديثَي ابن عبّاس وأنس واضح بالحَملِ على التعدُّد، أشارَ إلى
ذلك الطََّريّ(٢).
وفي الحديث أيضاً جواز الحجامة للمُحرِمِ، وأنَّ إخراجَه الدَّمَ لا يَقدَح في إحرامه،
وقد تقدَّم بيان ذلك في كتاب الحجّ (١٨٣٦). وحاصله أنَّ المحرِم إن احتَجَمَ وسَط رأسه
لعُذْرٍ جازَ مُطلَقاً، فإن قَطَعَ الشَّعر وَجَبَت عليه الفِذْية، فإن احتَجَمَ لغير عُذر وقَطَعَ حَرُمَ،
والله أعلم.
قوله: ((حدّثنا إسماعيل بن أبان)) هو الورّاق الأزديّ الكوفيّ أبو إسحاق - أو أبو إبراهيم
- من كِبار شيوخ البخاريّ، وهو صَدوق، تَكلَّمَ فيه الجُوزَجانيُّ لأجلِ التَّشَيُّع، قال ابن
عَديّ: وهو مع ذلك صَدوق. وفي عَصره إسماعيل بن أبان آخرُ يقال له: الغَنَويّ، قال ابن
مَعِين: الغَنَويّ كذّابٌ والورّاقُ ثقة. وقال ابن المَدِينيّ: الورّاق لا بأس به، والغَنَوِىّ كَتَبت
عنه وتَرَكته، وضَعَّفَه جدّاً. وكذا فرَّقَ بينهما أحمد وعثمان بن أبي شَيْبة وجماعة، وغَفَلَ مَن
خَلطَهما. وكانت وفاة الغَنَويّ قبل الورّاق بستٌّ سنين، والله أعلم.
قوله: ((حدَّثنا ابن الغَسيل)) هو عبد الرَّحمن بن سليمان، تقدَّم شرح حاله قريباً
(٥٦٨٣).
(١) المتقدم برقم (٥٦٩٨).
(٢) وكذلك ابن خزيمة بإثر الحديث (٢٦٦٠).

٤٥٨
باب ١٦ - ١٧ / ح ٥٧٠٣ - ٥٧٠٥م
فتح الباري بشرح البخاري
١٦ - بابُ الحَلْقِ مِن الأذى
٥٧٠٣ - حدَّثْنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن أيوبَ، قال: سمعتُ مجاهداً، عن ابنِ أبي ليلى،
عن كَعْبٍ - هو ابنُ عُجْرَةَ - قال: أتى عليَّ النبيُّنَّهِ زَمَنَ الْحُدَيسِيةِ وأنا أوقِدُ تحتَ بُرْمَةٍ، والقَمْلُ
يَتَنَاثَرُ على رأسي، فقال: ((أَيُؤْذِيكَ هَوامُّكَ؟)) قلتُ: نعم، قال: ((فاحلِقِ، وصُم ثلاثةَ أيامٍ، أو
أطْعِمِ سِتّةً، أو انسُك نَسِيكةً)).
قال أيوبُ: لا أدري بأيَتِهِنَّ بَدَأ.
قوله: ((بابُ الحَلْق من الأذَى)) أي: حَلْق شعر الرّأس وغيره.
ذكر فيه حديث كعب بن عُجرة في حَلْق رأسه وهو مُحِم بسببٍ كَثْرة القَمْل، وقد مَضَی
شرحه مُستَوفَّى في كتاب الحجّ (١٨١٤ -١٨١٨)، وكأنَّه أورَدَه عَقِب حديث الحِجامة وسط
الرَّأس للإشارة إلى أنَّ جواز حَلْق الشَّعر للمُحرِمِ لأجلِ الحِجامة عند الحاجة إليها يُستَنْبَط
من جواز حَلق جميع الرَّأس للمُحرِمِ عند الحاجة.
١٧ - بابُ من اکتوی أو کوی غیره، وفضلٍ مَن لم یکْتِ
٥٧٠٤- حدَّثنا أبو الوليدِ هشامُ بنُ عبدِ الملِكِ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ سليمانَ ابنِ
الغَسِيلِ، حدَّثنا عاصمُ بنُ عمرَ بنِ قَتَادةَ، قال: سمعتُ جابراً، عن النبيِّ وَ ◌ّ قال: ((إن كان في
شيءٍ من أدْوِيَتِكم شِفاءٌ ففي شَرْطةٍ مِحْجَمٍ، أو لَذْعةٍ بنارٍ، وما أُحِبُّ أن أكتَوِيَ)).
٥٧٠٥- حدَّثنا عِمْرانُ بنُ مَيسَرةَ، حدَّثنا ابنُ فُضَيلٍ، حدَّثنا حُصَينٌ، عن عامٍ، عن
عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ رضي الله عنهما قال: لا رُقْيَةَ إلّا من عينٍ أو مُمٍ.
٥٧٠٥/ ٢- فَذَكَرْتُه لسعيدِ بنِ جُبَير، فقال: حدَّثنا ابنُ عبَّاسٍ، قال رسولُ الله ◌ِّ:
((عُرِضَت عليَّ الأَمَمُ، فَجَعَلَ النبيُّ والنبيّانِ يَمُرّونَ معهمُ الرَّهْطُ، والنبيُّ ليس معه أحدٌ،
حتَّى وقع في سوادٍ عظيمٍ، قلتُ: ما هذا؟ أمَّتي هذه؟ قيل: هذا موسى وقومُه، قيل: انظُر
إلى الأَفُقِ، فإذا سوادٌ يَمْلَأُ الأُفْقَ، ثمَّ قيل لي: انظُر هاهُنا وهاهنا في آفاق السماءِ، فإذا سوادٌ
قد مَلأ الأُفْقَ. قيل: هذه أمَّتُكَ، ويَدخُلُ الجنَّةَ من هؤلاءِ سبعونَ ألفاً بغيرِ حِسابٍ)) ثمَّ

٤٥٩
باب ١٧ / ح ٥٧٠٥م
كتاب الطب
دَخَلَ ولم يُبيِّن لهم، فأفاضَ القومُ وقالوا: نحنُ الذينَ آمَنّا بالله واتَّبَعْنا رسولَه فنحنُ هم، أو
أوْلادُنا الذينَ وُلِدوا في الإسلامِ، فإنّا وُلِدْنا في الجاهليَّةِ؟ فَبَلَغَ النبيَّ ◌َّهِ، فَخَرَجَ فقال: ((همُ
الذينَ لا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطَّرونَ، ولا يَكْتَوونَ، وعلى رَبِّهِم يَتَوكَّلونَ)). فقال عُكّاشةُ بنُ
مِحْصَنٍ: أمِنْهم أنا يا رسولَ الله؟ قال: ((نعم)) فقامَ آخَرُ فقال: أمِنْهم أنا؟ قال: ((سَبَقَكَ بها
عُگّاشة)).
قوله: ((بابُ مَن اكْتَوى أو كَوى غيره، وفَضْل مَن لم يَكْتَوِ)» كأنَّه أراد أنَّ الگيّ جائز للحاجة، ١٥٥/١٠
وأنَّ الأَولِى تَركُه إذا لم يَتَعيَّن، وأنَّه إذا جازَ كان أعَمَّ من أن يُباشر الشَّخصُ ذلك بنفسِه أو
بغيره لنفسه أو لغيره، وعُموم الجواز مأخوذ من نسبة الشِّفاء إليه في أوَّل حديثَي الباب،
وفضلُ تَركه من قوله: ((وما أُحِبّ أن أكتَوي)).
وقد أخرج مسلم (٢٢٠٨) من طريق أبي الزُّبَير عن جابر قال: رُميَ سعدُ بن مُعاذ على
أكحَله، فحَسَمَه رسول الله وَّهِ. و(٧٣/٢٢٠٧) من طريق أبي سفيان عن جابر: أنَّ النبيَّ ◌ِّ
بَعَثَ إلى أُبِيّ بن كعب طَبِيباً، فقطَعَ منه عِرقاً، ثمَّ كَواه. وروى الطَّحَاوِيُّ (٣٢١/٤)،
وصَحَّحَه الحاكم (٤١٧/٤) عن أنس قال: كَواني أبو طلحة في زمن النبيّ وَّ. وأصله في
البخاريّ (٥٧١٩)، وأنَّ كُوِيَ من ذات الجنْب، وسيأتي قريباً.
وعند التِّرمِذيّ (٢٠٥٠) عن أنس: أنَّ النبيَّ ◌َلِ كَوى أسعد بن زرارةَ من الشَّوكة.
ولمسلم (١٢٢٦/ ١٦٧) عن عمران بن حُصَينٍ: كان يُسَلَّم عليَّ حتَّى اكتَويت، فتُرِكتُ(١)،
ثُمَّ تَرَكت الكَيّ فعادَ. وله عنه(٢) من وجه آخر: إنَّ الذي كان انقَطَعَ عنِّي رَجَعَ إليّ. يعني
تسليم الملائكة. كذا في الأصل، وفي لفظ أنَّه: كان يُسَلَّم عليَّ، فلمَّا اكتَويتُ أمسَكَ عنِّي،
فلمَّا تَرَكته عادَ إليَّ.
وأخرج أحمد (١٩٨٣١)، وأبو داود (٣٨٦٥)، والتُّرمِذيّ (٢٠٤٩) عن عمران: نَهَى
(١) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: فترك.
(٢) لم يَسُق مسلم اللفظين، وقد أفصح عنهما أبو نعيم في (المستخرج على صحيح مسلم)) (٢٨٤٤)
و(٢٨٤٩).

٤٦٠
باب ١٧ / ح ٥٧٠٥م
فتح الباري بشرح البخاري
رسول الله ◌َ﴿ عن الكَيّ فاكتَوينا، فما أفلَحْنا ولا أنجَحْنا. وفي لفظ (١) فلم يُفْلِحِنَ ولم
يُنجِحْنَ. وسنده قويّ. والنَّهي فيه محمول على الكراهة، أو على خِلاف الأَولى لمَا يقتضيه
مجموع الأحاديث. وقيل: إنَّه خاصٍّ بعِمران لأنَّه كان به الباسُور، وكان موضعُه خَطِراً،
فنهاه عن گیّه، فلمّا اشتدَّ علیە کَوَاه فلم ينجحْ.
وقال ابن قُتَيبة: الكَيّ نوعان: كَيّ الصَّحيح لئلا يَعتَلّ، فهذا الذي قيل فيه: (لم يَتَوَّل
مَن اكتَوى)) (٢)، لأَنَّه يريد أن يَدِفَع القَدَرَ والقَدَرُ لا يُدافَعِ، والثّاني: كَيّ الْجُرح إذا نَغِلَ، أي:
فسَدَ، والعُضو إذا قُطِعَ فهو الذي يُشرَع التَّداوي به، فإن كان الكَيّ لأمرٍ مُحْتَمَل فهو خِلَاف
الأَولى، لما فيه من تعجيل التَّعذيب بالنار لأمرٍ غير مُحقَّق.
وحاصل الجمع أنَّ الفِعل يدلّ على الجواز، وعَدَم الفِعل لا يدلّ على المنع، بل يدلّ على
أنَّ تَركه أرجح من فِعله، وكذا النَّناء على تاركه.
وأمَّا النَّهي عنه فإمّا على سبيل الاختيار والتَّنزيه، وإمّا عمَّا لا يَتَعيَّن طريقاً إلى
١٥٦/١٠ الشِّفاء، / والله أعلم. وقد تقدَّم شيء من هذا في ((باب الشِّفاء في ثلاث))(٣). ولم أرَ في أثر
صحيح أنَّ النبيَّ وَّهَ اكَتَوى، إلّا أنَّ القُرطُبيّ نَسَبَ إلى كتاب ((أدب النُّفُوس)) للطَّبَريّ:
أنَّ النبيَّ ◌َ﴿ اكتَوى، وذكره الحَلِيميّ بلفظ: رُويَ أنَّه اكتَوى للجُرحِ الذي أصابه
بأُحُدٍ.
قلت: والثّابِت في الصَّحيح كما تقدَّم (٤٠٧٥) في غزوة أُحُد: أنَّ فاطمة أحرَقَت
حَصيراً، فحَشَت به جُرحَه. وليس هذا الكِيّ المعهود، وجَزَمَ ابن التِّين بأنَّه اكتَوى، وعَكَسَه
ابن القَيِّم في ((الهدٍْ)).
قوله: ((حدَّثنا أبو الوليد هشام بن عبد المَلِك)) هو الطَّيالسيّ.
(١) عند أحمد (١٩٩٨٩).
(٢) هذا لفظ حديث أخرجه أحمد (١٨٢٠٠)، وغيره عن المغيرة بن شعبة. وإسناده حسن.
(٣) باب رقم (٣).