Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ باب ٦ / ح ٥٦٥٢ كتاب المرضى قوله في الطَّريق الأُخرى: ((حدَّثْني محمَّد)) هو ابن سَلَام، وصَرَّحَ به في ((الأدب المفرد)) (٥٠٦)، ومَلَد: هو ابن یزید. قوله: ((أنَّه رَأْى أمّ زُفَرِ)) بضمِّ الزّاي وفتح الفاء. قوله: ((تلك المرأة (١) في رواية الكُشْمِيهنيّ: تلك امرأة. قوله: ((على سِتْر الكَعْبة)) بكسر المهمَلة، أي: جالسة عليها مُعتَمِدة، ويجوز أن يَتَعلَّق بقولِه: رأى. ثمَّ وجَدتُ الحديث في ((الأدب المفرد)) (٥٠٦) للبخاريّ، وقد أخرجه بهذا السَّنَد المذكور هنا بعينه، وقال: على سُلَّم الكعبة. فالله أعلم. وعند البزَّار (٥٠٧٣) من وجه آخر عن ابن عبّاس في نحو هذه القصَّة أنَّها قالت: إنّي أخافُ الخبيثَ أن يُجرِّدني، فدَعَا لها، فكانت إذا خَشيَت أن يأتيَها تأتي أستار الكعبة تَتَعلَّقُ بها))(٢). وقد أخرج عبد الرَّزّاق(٣) عن ابن جُرَيج هذا الحديث مُطوَّلاً، وأخرجه ابن عبد البَرِّ في ((الاستيعاب))(٤) من طريق حَجّاج بن محمَّد عن ابن جُرَيج عن الحسن بن مسلم: أنَّه سمعَ طاووساً يقول: كان النبيّ ◌َّهِ يُؤْتَى بالمجانينِ فَيَضرِب صَدر أحدهم فيَبرأ، فأُتيَ بمجنونةٍ يقال لها: أمّ زُفَر، فضَرَبَ صَدرها فلم تَبرأ. قال ابن جُرَيج: وأخبرني عطاء، فذکر کالذي هنا. وأخرجه ابن مَندَهْ في ((المعرفة)) من طريق حَنظَلة بن أبي سفيان عن طاووسٍ، فزاد: وكان يُثني عليها خيراً. وزاد في آخره: فقال: ((إِن يَتَبَعْها في الدُّنيا فلَها في الآخرة خيرٌ)». وعُرِفَ مَمَّ أوردته أنَّ اسمها سُعَيرة، وهي بمُهمَلتَينِ مُصغَّر، ووَقَعَ في رواية ابن مَندَهْ: (١) هذا لفظ رواية حماد بن شاكر عن البخاري، كما يظهر من إسناد البيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٥٧/٦، حيث روى هذا الخبر من طريقه. ولفظ الباقين: تلك امرأة. (٢) إسناده ضعيف. (٣) لم نقف عليه عند عبد الرزاق، وقد أعاد الحافظُ ذِكْرَه في ((الإصابة)) ٢١٠/٨، فلعله في غير ((المصنف)) و((التفسير))، والله أعلم. (٤) لم يُسنده ابنُ عبد البر في ((الاستيعاب))، وإنما علّقه عن حجاج وغيره بالإسناد المذكور. ٣٨٢ باب ٧ / ح ٥٦٥٣ فتح الباري بشرح البخاري بقافٍ بَدَل العین، وفي أُخرى للمُستَغفِريّ: بالكاف. وذكر ابن سعد وعبد الغني في «المبهَمات)) (٦٦) من طريق الزُّبَير: أنَّ هذه المرأة هي ماشطة خديجة التي كانت تَتَعاهَد النبيّ ◌َێ( بالزيارة، كما سيأتي ذِكْرها في كتاب الأدب (٦٠٠٤) إن شاء الله تعالى. وقد يُؤخَذ من الطُّرق التي أورَدْتُها أنَّ الذي كان بأُمّ زُفَر كان من صَرع الجِنّ لا من صَرع الخَلْط. وقد أخرج البزَّار (٧٩٨٠)، وابن حِبّان (٢٩٠٩) من حديث أبي هريرة شبيهاً بقِصَّتِها، ولفظه: جاءت امرأة بها لَمَمٍّ إلى رسول الله وََّ فقالت: ادعُ اللهَ، فقال: ((إن شِئتِ دَعَوتُ الله فشَفاك، وإن شِئتِ صَبَرْتٍ ولا حِساب عليك)) قالت: بل أصبِرُ ولا حِسابَ عليّ. وفي الحديث فضل مَن يُصرَع، وأنَّ الصَّبر على بَلايا الدُّنيا يُورِث الجنَّة. وأنَّ الأخذ بالشِّدّة أفضل من الأخذ بالرُّخصة لمن علم من نفسه الطاقةَ، ولم يَضعُّف عن التِزام الشِّدّة. وفيه دليل على جواز تَرك التَّداوي. وفيه أنَّ عِلاج الأمراض كلّها بالدُّعاءِ والالتجاء إلى الله أنجَع وأنفَع من العلاج بالعقاقير، وأنَّ تأثير ذلك وانفِعال البَدَن عنه أعظَم من تأثير الأدوية البَدَنَّة، ولكن إنَّما يَنجَع بأمرَينِ: أحدهما من جهة العَليل، وهو صِدق القصْد، والآخر من جهة المداوي، وهو قوّة تَوجُّهه وقوّة قلبه بالتَّقوى والتَّوكُّل، والله أعلم. ٧- بابُ فضلِ مَنْ ذهب بصرُه ٥٦٥٣ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني ابنُ الهادٍ، عن عَمرٍو مولى المطَّلِبٍ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ ، قال: سمعتُ النبيَّوَّهَ، يقول: ((إنَّ اللهَ قال: إذا ابْتَلَيتُ عبدي بحبِبَّهِ ثُمَّ صَبَرَ عَوَّضْتُه منهما الجنَّةَ)). يُرِيدُ عينيه. تابَعَه أشعَثُ بنُ جابٍ وأبو ظِلالِ بن هِلال، عن أنسٍ، عن النبيِّ ◌ِّ. قوله: ((باب فضل مَن ذهب بَصَره)) سَقَطَت هذه التَّرجمة، وحديثها من رواية النَّسَفيّ، وقد جاء بلفظ التَّرجمة حديثٌ أخرجه البزَّار (٤٣٤٢) عن زيد بن أرقَم بلفظ: ((ما ابتُليَ عبدٌ ١١٦/١٠ ٣٨٣ باب ٧ / ح ٥٦٥٣ كتاب المرضى بعد ذهاب دينه بأشدّ من ذهاب بَصَره، ومَن ابتُليَ بِبَصَره فصَبَرَ حتَّى يَلقَى الله لَقِيَ الله تعالى ولا حِساب عليه))، وأصله عند أحمد (١٩٣٤٨) بغير لفظه بسندٍ جيِّد، وللطََّرانيّ(١) من حديث ابن عمر بلفظ: «مَن أذهَبَ الله بَصَره)) فذكر نحوه. قوله: ((حدَّثني ابن الهادِ)) في رواية المصنِّف في ((الأدب المفرد)) (٥٣٤) عن عبد الله بن صالح عن اللَّيث: حدَّثني يزيد بن الهادٍ. وهو يزيد بن عبد الله بن أُسامة. قوله: ((عن عَمْرو)) أي: ابن أبي عَمْرو مَيسَرة ((مَوْلَى المطَّلِب)) أي: ابن عبد الله بن حَنْطَبٍ. قوله: ((إذا ابْتَلَيتُ عبدي بحبيبَه)) بالتَّثنية، وقد فسَرَّهما آخرَ الحديث بقولِه: يريد عينيه. ولم يُصرَّح بالذي فَسَّرَهما، والمراد بالحبيبتَینِ المحبوبتان، لأنَّهما أحَبّ أعضاء الإنسان إليه، لمَا يَحَصُل له بفَقْدِهما من الأسَف على فَواتِ رُؤية ما يريد رُؤيته من خيرٍ فیُسَرُّ به، أو شَرِّ فيَجتَنِبُه. قوله: (ثُمَّ صَبَ)) زاد التِّرمِذيّ (٢٤٠٠) في روايته عن أنس: ((واحتَسَبَ))(٢). وكذا لابنِ حِبّان (٢٩٣٢)، والتِّرمِذيّ (٢٤٠١) من حديث أبي هريرة. ولابنِ حِبّان (٢٩٣٠) من حديث ابن عبّاس أيضاً. والمراد أنَّه يَصبِرِ مُستَحضِراً ما وعَدَ الله به الصّابِر من الثَّواب، لا أن يَصبِرِ مُجرَّداً عن ذلك، لأنَّ الأعمالَ بالنّات، وابتلاءُ الله عبدَه في الدُّنيا ليس من سُخْطٍ عليه، بل إمّا لدفْع مكروهٍ، أو لكفَّارة ذُنوبٍ، أو لرفْع مَنِزِلةٍ، فإذا تَلقَّى ذلك بالرِّضائَمَّ له المراد، وإلّا يصير كما جاء في حديث سلمان: إنَّ مَرَض المؤمن يجعلُه الله له كفَّارةً ومُستَعْتَباً (٣)، وإنَّ مرض الفاجِرِ كالبعير عَقَّلَه(٤) أهلُه ثمَّ أرسَلُوه، فلا يَدري لمَ عُقِلَ ولمَ أُرسِلَ. أخرجه (١) في ((الأوسط)) (٢٢٠٢). (٢) لم يقع ذكر الصبر ولا الاحتساب في رواية الترمذي عن أنس، لكن وقعا عنده في حديث أبي هريرة التالي لحديث أنس، فانتقل نظر الحافظ رحمه الله إليه، ومما يؤيد حصول ذلك أنَّ الحافظ سيذكر لفظ الترمذي قريباً ولا يذكر فيه الصبر والاحتساب، على أنه قد ورد ذكر الاحتساب في حديث أنس عند أحمد (١٤٠٢١)، فلعلَّ الحافظ أراده، والله أعلم. (٣) الاستعتاب: الرجوع عن الإساءة وتطلُّب الرِّضا. (٤) أي: شدُّوهُ وفَيَّدوهُ. ٣٨٤ باب ٧ / ح ٥٦٥٣ فتح الباري بشرح البخاري البخاريّ في ((الأدب المفرَد)» (٤٩٣) موقوفاً. قوله: ((عَوَّضْته منهما الجنَّة)) وهذا أعظَم العِوض، لأنَّ الالتِذاذ بالبَصَرِ يَفنَى بفَناءِ الدُّنيا، والالتِذاذ بالجنَّة باقٍ ببقائها، وهو شامل لكلِّ مَن وَقَعَ له ذلك بشرطِ المذكور. ووَقَعَ في حديث أبي أمامةَ فيه قَيدٌ آخرُ أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)» (٥٣٥) بلفظ: ((إذا أخذت كريمَتَيك فصَبَّرْت عند الصَّدْمة واحتَسَبتَ. فأشارَ إلى أنَّ الصَّبر النافع هو ما يكون في أوَّل وقوع البلاء فيُقوِّض ويُسَلِّم، وإلّا فمَتَى تَضَجَّرَ وقَلِقَ في أَوَّل وهْلةٍ، ثمَّ يَئِسَ فصَبَرَ لا يكون حَصَّلَ المقصودَ. وقد مَضَى حديث أنس في الجنائز (١٢٨٣): ((إنَّما الصَّبر عند الصَّدمة الأولى)). وقد وَقَعَ في حدیث العِرباض فیما صَحَّحه ابن حِبّان (٢٩٣١) فيه شرطٌ آخر ولفظه: ((إذا سَلَبت من عبدي كريمَتَه، وهو بهما ضَنين، لم أرْضَ له ثواباً دونَ الجنَّة إذا هو حَدَني عليهما)) ولم أرَ هذه الزيادة في غير هذه الطَّريق، وإذا كان ثوابُ مَن وَقَعَ له ذلك الجنَّة فالذي له أعمال صالحة أُخرى يُزاد في رَفَعَ الدَّرَجات. قوله: ((تابَعَه أشعَث بن جابر وأبو ظِلال بن هلال، عن أنس)) أمَّا مُتَابَعة أشعَث بن جابر - وهو ابن عبد الله بن جابر، نُسِبَ إلى جَدّه، وهو أبو عبد الله الأعمَى البصريّ الحُدّانيّ، بضمِّ الحاء وتشديد الدّال المهمَلتَين، وحُدّان بطنٌ من الأزْد، ولهذا يقال له: الأزديّ، وهو الحُمْليّ، بضمِّ المهمَلة وسكون الميم، وهو مُتَلَف فيه، وقال الدّارَقُطنُّ: يُعتَدّ به، وليس له في البخاريّ إلّا هذا الموضع - فأخرجها أحمد (١٤٠٢١) بلفظ: ((قال رَبّكم: مَن أذهَبتُ كريمَتَه ثمَّ صَبَرَ واحتَسَبَ كان ثوابُه الجنَّة». وأمَّا مُتابعة أبي ظلال فأخرجها عبد بن ◌ُیدٍ (١٢٢٧) عن یزید بن هارون عنه، قال: ١١٧/١٠ دَخَلتُ على أنس، فقال لي: / اذْنُه، متى ذهب بَصَرُك؟ قلت: وأنا صغير، قال: ألّا أُبَشِّرك؟ قلت: بَلَى، فذكر الحديث، بلفظ: ((ما لِمَنْ أخذتُ كريمَتَه عندي جزاء إلّا الجنَّة)). وأخرجه التِّرمِذيّ (٢٤٠٠) من وجه آخر عن أبي ظِلال بلفظ: ((إذا أخذتُ كريمَتَي عبدي في الدُّنيا لم يكن له جزاءٌ عندي إلّ الجنَّة». ٣٨٥ باب ٨ / ح ٥٦٥٤ كتاب المرضى تنبيه: أبو ظِلال، بكسر الظّاء المشالة المعجَمة والتَّخفيف، اسمه هلال، والذي وَقَعَ في الأصل: أبو ظِلال بن هلال، صوابه إمّا أبو ظِلالٍ هلالٌ بحذفٍ ((ابن))، وإمّا أبو ظِلال بن أبي هلال بزيادة «أبي»، واختُلِفَ في اسم أبيه، فقيل ميمون، وقيل: سويد، وقيل: یزید، وقيل: زيد، وهو ضعيف عند الجميع، إلّا أنَّ البخاريّ قال: إنَّه مُقارِب الحديث، وليس له في («صحيحه)) غير هذه المتابعة. وذكر المِّيّ في ترجمته أنَّ ابن حِبّان ذكره في ((الثِّقات))، وليس بجيِّدٍ، لأنَّ ابن حِبّان ذكره في ((الضُّعَفاء)) فقال: لا يجوز الاحتجاج به، وإنَّما ذكر في ((الثِّقات)): هلال بن أبي هلال آخر، روى عنه يحيى بن المتوكّل، وقد فرَّقَ البخاريّ بينهما، ولهم شيخ ثالث يقال له: هلال بن أبي هلال، تابعيّ أيضاً، روى عنه ابنه محمَّد، وهو أصلَح حالاً في الحدیث منهما، والله أعلم. ٨- باب عيادةِ النّساءِ الرّجالَ وعادَتْ أمُّ الدَّرْداءِ رجلاً من أهلِ المسجدِ مِنَ الأنصار. ٥٦٥٤- حدَّثنا قُتَيبةُ، عن مالكِ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ أنَّها قالت: لَّا قَدِمَ رسولُ الله ◌َّهِ المدينةَ، وُعِكَ أبو بكرٍ وبلالٌّ رضي الله عنهما، قالت: فدَخَلْتُ عليهما، قلتُ: يا أبتِ، كيفَ تَجِدُكَ! ويا بلالُ كيفَ تَجِدُكَ؟ قالت: وكان أبو بكرٍ إذا أخَذَتْه الحُمَّى يقول(١): كلَّ امرِىءٍ مُصَبَّحٌ في أهلِهِ والموتُ أدْنَى من شِراك نَعْلِهِ و کان بلالٌ إذا أقلَعَتْ عنه يقول: بِوادٍ وحَوْلِي إِذْخِرٌ وجَلِيلٌ ألا لَيتَ شِعْري هل أبِيتَنَّ لیلةٌ وَهَل أرِدَنْ يوماً مِياهَ تَجِنَّةٍ وَهَل تَبدُوَنْ لي شامَةٌ وطَفِيلُ (١) قال قاسم بن ثابت في ((الدلائل)) ٣/ ١١٢١: الرجز الذي تمثَّل به أبو بكر يقوله حكيم النَّهْشَلي يومَ الوَقِيط. ٣٨٦ باب ٨ / ح ٥٦٥٤ فتح الباري بشرح البخاري قالت عائشةُ: فجِئْتُ إلى رسولِ الله وَّرَ فأخبَرْتُه، فقال: ((اللهمَّ حَبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنًا مَكّةَ أو أشَدَّ، اللهمَّ وصَحِّحْها، وبارِكْ لنا في مُدِّها وصاعِها، وانقُل ◌ُّاها فاجْعَلْها بالجُحْفةِ)). قوله: ((باب عيادة النِّساء الرِّجال)) أي: ولو كانوا أجانب بالشَّرْطِ المعتَبَرَ. قوله: ((وعادت أمّ الدَّرْداء رجلاً من أهل المسجد من الأنصار)) قال الکِرْمانيُّ: لأبي الدَّرداء زوجتان كلّ واحدة منهما أمّ الدَّرداء، فالكُبرَى اسمها خَيْرة، بالخاءِ المعجمة المفتوحة بعدها تحتانيَّة ساكنة، صحابيَّة، والصُّغرَى اسمها هُجَيمة، بالجيم والتَّصغير، وهي تابعيّة، والظّاهر أنَّ المراد هنا الكُبرَى، والمسجد مسجدُ الرَّسول وَّل بالمدينة. قلت: وما اذَّعَى أَنَّه الظّاهر ليس كذلك، بل هي الصُّغَرَى، لأنَّ الأثر المذكور أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد)» (٥٣٠) من طريق الحارث بن عُبيد الله، وهو شاميّ تابعيّ صغير لم يَلحَق أمّ الدَّرداء الكُبرَى، فإنَّها ماتت في خِلَافة عثمان قبل موت أبي الدَّرداء، قال: رأيت أمّ الدَّرداء على رِحَالةٍ(١) أعوادٍ ليس لها غِشاء تعود رجلاً من الأنصار في المسجد. وقد ١١٨/١٠ تقدَّم في الصلاة(٢): أنَّ أمّ الدَّرداء كانت تَجلِس في الصلاة/ جِلسة الرجل، وكانت فقيهةً، وبيَّنْتُ هناك أنَّها الصُّغَرَى، والصُّغَرَى عاشت إلى أواخر خِلَافة عبد الملك بن مروان، وماتت في سنة إحدَى وثمانينَ بعد الكُبرَى بنحوِ خمسين سنة. ثم ذكر المصنف حديث عائشة قالت: لمَّا قَدِمَ رسول الله وَ لِّ المدينة وُعِكَ أبو بكر وبلال، قالت: فَدَخَلت عليهما، الحديث. وقد اعتُرِضَ عليه بأنَّ ذلك قبل الحِجاب قطْعاً. وقد تقدَّم أنَّ في بعض طرقه: وذلك قبل الحِجاب(٣). وأُجيبَ بأنَّ ذلك لا يَضُرّه فيما تَرجَمَ له من عيادة المرأة الرجل، فإنَّه يجوز بشرْطِ التَّسَتُُّ، والذي يجمع بين الأمرَينِ ما قبل الحجاب وما بعده الأمن من الفتنة، وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَوفَّى في أبواب الهجرة (٣٩٢٦) من أوائل المغازي. (١) الرِّحالة، بالكسر: مركب يوضع على البعير. (٢) قبل الحديث (٨٢٧). (٣) هذه رواية ابن إسحاق كما في ((سيرة ابن هشام)) ٥٨٨/١. وإسنادها حسن. ٣٨٧ باب ٩ - ١٠ / ح ٥٦٥٥ - ٥٦٥٦ كتاب المرضى وقوله في البيت الذي أوَّله: ((ألا لَيتَ شِعري هل أبيتَنَّ ليلةً بوادٍ)) كذا هو بالتَّنكير والإبهام، والمراد به وادي مَكّة. وذكر الجَوْهريّ في ((الصِّحاح)) ما يقتضى أنَّ الشِّعر المذكور ليس لبِلالٍ، فإنَّه قال: كان بلال يَتَمثَّل به، وأورَدَه بلفظ: هل أبِيتَنَّ ليلة بمَكّة حولي. وقوله: ((شامة وطَفِيل)) هما جبلان عند الجمهور، وصَوَّبَ الخطَّبيُّ أنَّهما عينان. وقوله: ((كيف تَجِدك؟)) أي: تَجِد نفسك، والمراد به الإحساس، أي: كيف تعلمُ حالَ نفسك؟ ٩- بابُ عيادةِ الصّبیان ٥٦٥٥- حذَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عاصمٌ، قال: سمعت أبا عُثْمانَ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ رضي الله عنهما: أنَّ ابنةً للنبيِّ وَّهَ أرسَلَت إليه وهو معَ النبيِّ ◌َِّلـ وسَعْدٌ وأُبيِّ: نَحْسِبُ أنَّ ابنَتَي قد حُضِرَت فاشهَدْنا، فأرسَلَ إليها السَّلامَ، ويقول: ((إنَّ لله ما أخَذَ وما أعطَى، وكلُّ شيءٍ عندَه مُسَمَّى، فلْتحتَسِبْ ولْتَصْبِرْ))، فأرسَلَتْ تُقْسِمُ عليه، فقامَ النبيُّ نَ ◌ّهِ وَقُّمْنا، فَرُفِعَ الصَّبِيُّ فِي حَجْرِ النبيِّ وَّلُونَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، ففاضَتْ عينا النبيِّ ◌َِّ، فقال له سَعْدٌ: ما هذا يا رسولَ الله؟ قال: «هَذِهِ الرَّحْمةُ وضَعَها الله في قلوبٍ مَنْ شاءَ من عِبادِه، ولا يرحمُ الله من عِبادِهِ إلَّ الرُّحَمَاءَ)). قوله: ((باب عيادة الصِّبْيان)) ذكر فيه حديث أسامة بن زيد في قصَّة ولد بنت النبيّ ◌َّ. وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في أوائل كتاب الجنائزِ (١٢٨٤). وقوله في هذه الطَّريق: ((أنَّ ابنة)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: أنَّ بنتاً. وقوله: «فاشهَدْنا)) كذا للأكثر، وعند الكُشْمِيهنيّ: فاشهَدْها، والمراد به الحضور. وقوله: ((هذه الرّحمة)) في رواية الكُشْمِيهنيّ أيضاً: هذه رحمة، بالتّنكيرِ. ١٠ - بابُ عيادةِ الأعراب ٥٦٥٦- حدَّثنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مُخْتَارٍ، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ دَخَلَ على أعراٌّ يعودُه، قال: وكان النبيُّ ◌َّو إذا دَخَلَ على مَرِيضٍ يعودُه قال له: ((لا بَأسَ، طَهورٌ إن شاء الله)) قال: قلتَ: طَهُورٌ؟ كَلَّا بل هي ٣٨٨ باب ١٠ / ح ٥٦٥٦ فتح الباري بشرح البخاري حُمَّى تَفُورُ - أو تَثُورُ - على شيخ كَبِيرٍ، تُزِيرُه القُبُورَ، فقال النبيُّ ◌َيّ: ((فنعم إذا)). ١١٩/١٠ قوله: ((باب عيادة الأعْراب)) بفتح الهمزة: هم سُكّان البَوادي. قوله: ((خالد)) هو الحَذّاء. قوله: ((عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس)) قال الإسماعيليّ: رواه وُهَيب بن خالد عن خالد الحَذّاء عن ◌ِكْرمة، فأرسَلَه. قلت: قد وَصَلَه أيضاً عبد العزيز بن مُختار كما تقدَّم قريباً هنا، وتقدَّم أيضاً في علامات النُّة (٣٦١٦)، ووَصَلَه أيضاً الثَّقفيّ كما سيأتي في الثَّوحيد (٧٤٧٠)، فإذا وَصَلَه ثلاثة لم يَضُرّه إرسالُ واحدٍ (١). قوله: ((دَخَلَ على أعْرابيّ)) تقدَّم في علامات النُّبوّة بيان اسمه. قوله: («لا بأس)) أي: إنَّ المرض يُكفِّر الخطايا، فإن حَصَلَتِ العافية فقد حَصَلَتِ الفائدتان، وإلّ حَصَلَ رِبْح التكفير. وقوله: (طَهور)) هو خبرُ مُبْتَدَأ محذوفٍ، أي: هو طَهور لك من ذُنوبك، أي: مَطَهَرة، ويُستَفاد منه أنَّ لفظ طَهور ليس بمعنى الطاهر فقط. وقوله: ((إنَّ شاءَ الله)) يدلّ على أنَّ قوله: طَهور، دعاءٌ لا خَبِرٌّ. قوله: ((قلت)) بفتح التاء على المخاطَبة، وهو استفهام إنکارٍ. قوله: (بَل هي)) أي: الحُمَّى، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: بل هو، أي: المرض. قوله: ((تَفور - أو تَثور_)) شَكٍّ من الراوي هل قالها بالفاءِ أو بالمثلَّثة؟ وهما بمعنَّى. قوله: («تُزِيره) بضمٍّ أوَّله من أزارَه: إذا حَمَلَه على الزيارة بغير اختياره. قوله: ((فنعم إذاً) الفاء فيه مُعَقِّبة لمحذوفِ تقديره: إذا أبَيتَ فنعم، أي: كان كما ظَنَنتَ، قال ابن التِّين: يحتمل أن يكون ذلك دعاءً عليه، ويحتمل أن يكون خَبَرَاً عمَّا يؤول إليه (١) سياق كلام الحافظ رحمه الله تعالى يدل على أنه ليس محله هنا، وإنما محله عند شرح رواية الحديث الآتية قريباً برقم (٥٦٦٢)، وهي من طريق خالد بن عبد الله الواسطي عن خالد الحذاء، وبذلك يصحُّ القول: إنَّ عبد العزيز بن مختار وصله قريباً، يعني في رواية الباب هنا، ويظهر عندئذٍ ذِكرُ الثلاثة الذين وصلوه. ٣٨٩ باب ١١ / ح ٥٦٥٧ كتاب المرضى أمرُه. وقال غيره: يحتمل أن يكون النبيّ وَِّ علم أنَّه سَيمُوتُ من ذلك المرض، فدَعَا له بأن تكون الحُمَّى له طُهرةً لذُنوبِهِ. ويحتمل أن يكون أُعلمَ بذلك لمَّا أجابَه الأعرابيّ بما أجابَه، وقد تقدَّم في علامات النُّبّة أنَّ عند الطبرانيّ (٧٢١٣) من حديث شُرَحبيل والد عبد الرَّحمن: أنَّ الأعرابيّ المذكور أصبَحَ ميِّاً. وأخرجه الدّولابيّ في ((الكُنَى)) (٤٤٣) وابن السَّكَن في ((الصحابة))، ولفظه: فقال النبيّ ◌َّ. («ما قَضَى اللهُ فهو كائن)) فأصبَحَ الأعرابيّ ميِّئاً. وأخرج عبد الرَّزاق (٢٠٣٠٩) عن مَعمَر عن زيد بن أسلمَ مُرسَلاً نحوه. قال المهلَّب: فائدة هذا الحديث أنَّه لا نَقَصَ على الإمام في عيادة مريض من رَعيَّته ولو كان أعرابيّاً جافِياً. ولا على العالم في عيادة الجاهل لَيُعلِّمه ويُذكِّرِه بما يَنفَعه، ويأمره بالصَّبِ لئلّا يَسْخَطَ قَدَرَ الله فيَسخَط عليه، ويُسَلّيه عن ألَه، بل يَغِطه بسَقَمِه، إلى غير ذلك مِن جَبْر خاطِرِه وخاطِرِ أهله. وفيه أنَّه ينبغي للمريضِ أن يَتَلَقَّى الموعِظة بالقَبُول، وُحسِن جواب مَن يُذكِّره بذلك. ١١ - باب عِيادةِ المشرك ٥٦٥٧- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّدُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسِ ﴾: أنَّ غلاماً ليهودَ كَان يَخْدُمُ النبيَّ ◌َّهِ فِمَرِضَ، فَأَتَاه النبيُّ ◌ٍَّ يعودُه، فقال: ((أسلِمْ))، فأسلَمَ. وقال سعيدُ بنُ المسيّبِ، عن أبيه: لمَّا حُضِرَ أبو طالبٍ جاءه النبيُّ ◌َِّ. قوله: ((باب عيادة المشرك)) قال ابن بَطّال: إنَّما تُشرَع عيادته إذا رُجيَ أن يُجيب إلى الدُّخول في الإسلام، فأمَّا إذا لم يُطمَع في ذلك فلا. انتهى، والذي يظهر أنَّ ذلك يختلف باختلاف المقاصد، فقد يقع بعيادَتِهِ مَصلَحة أُخرى. قال الماوَرْديّ: عيادة الذُّمّيّ جائزة، والقُربة موقوفة على نوع ◌ُرْمة تَقْتَرِن بها من جِوار أو قَرابة. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث أنس في قصَّة الغلام اليهوديّ، وتقدَّم شرحها مُستَوفّ في كتاب الجنائز (١٣٥٦)، وذِكر قول مَن زَعَمَ أنَّ اسمه عبدُ القُدّوس. ٣٩٠ باب ١٢ - ١٣ / ح ٥٦٥٨ - ٥٦٦٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال سعيد بن المسيّب، عن أبيه)) تقدَّم موصولاً في تفسير سورة القَصَص (٤٧٧٢)، وفي الجنائز (١٣٦٠) أيضاً، وتقدَّم شرحُه مُستَوقَى في الجنائز. ١٢ - باب إذا عاد مريضاً فحضَرَتِ الصّلاةُ فصَلَّى بهم جماعةً ١٢٠/١٠ ٥٦٥٨- حذَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا هشامٌ، قال: أخبرني أبي، عن عائشةً رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ ◌َّهَ دَخَلَ عليه ناسٌ بِعُودُونَه في مرضِه، فصَلَّى بهم جالساً، فَجَعَلُوا يُصَلّونَ قِياماً، فأشارَ إليهم اجْلِسوا، فلمَّا فَرَغَ قال: «إنَّ الإمامَ لَيُؤْتَمُّ به، فإذا رَكَعَ فاركَعوا، وإذا رَفَعَ فارفَعوا، وإن صَلَّى جالساً فصَلّوا جُلوساً)). قال أبو عبد الله: قال الحُمَيديُّ: هذا الحديثُ منسوخٌ، لأنَّ النبيَّ ◌َهِ آخِرَ ما صَلَّى صَلَّى قاعداً، والناسُ خَلْفَه قِيامٌ. قوله: ((باب إذا عادَ مريضاً فحَضَرَتِ الصلاة فصَلَّى)) أي: المريض (بهم)) أي: بمَن عادَه. قوله: ((يحيى)) هو القَطّان، وهشام: هو ابن عُرْوة. قوله: ((أنَّ النبيّ ◌َّهِ دَخَلَ عليه ناسٌ يعُودُونَه)) تقدَّم شرحه في أبواب الإمامة (٦٨٨) من كتاب الصلاة، وكذا قول الحميديّ المذكور في آخره. ١٣ - باب وَضْع البدِ على المريض ٥٦٥٩- حدَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا الجُعَيدُ، عن عائشةَ بنت سعدٍ، أنَّ أباها قال: تَشَكَّيتُ بمَكّةَ شَكْوى شديدةً، فجاءني النبيُّ ◌َّهِ يعودُني، فقلتُ: يا نبيَّ الله، إنّي أَتْرُكُ مالاً، وإنّي لم آتْرُك إلّ ابنةً واحدةً، فَأُوْصِي بِثُلُثَي مالي وأتْرُكُ الثُّثَ؟ فقال: ((لا))، قلتُ: فأُوصِي بالنِّصْفِ وأتُرُكُ النَّصْفَ؟ قال: ((لا))، قلتُ: فَأُوْصِي بالثُّلثِ وآتْرُكُ لها الثُّلَيْنِ؟ قال: ((الثُّلثُ، والثُّثُ كَثِيرٌ)). ثمَّ وضَعَ بِدَه على جَبْهَتِهِ، ثمَّ مَسَحَ يدَه على وجهي ويَطْني، ثمَّ قال: ((اللهمَّ اشفِ سَعْداً، وأثِّمْ له هِجْرَتَه»، فما زِلْتُ أجِدُ بَرْدَهُ على كَبِدي فيما يُخالُ إليَّ حتَّى الساعةِ. ٥٦٦٠- حدَّثنا قُتَبِيةُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن الحارثِ بنِ سُوَيدٍ، قال: قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ: دَخَلْتُ على رسولِ الله وَلِّ وهو يُوعَكُ وَعْكاً شديداً، ٣٩١ باب ١٣ / ح ٥٦٥٩ - ٥٦٦٠ كتاب المرضى فمَسِسْتُهُ بَيَدِي، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إِنَّكَ تَوعَكُ وَعْكاً شديداً؟ فقال رسولُ الله ◌َّتِ: ((أجَل، إِتِي أُوعَكُ كما يوعَكُ رجلان مِنْكُمْ))، فقلتُ: ذلك أنَّ لكَ أجْرَينٍ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((أجَل))، ثمّ قال رسولُ الله ◌ِوَّةِ: ((ما من مسلم يُصِيبُهُ أذّى مِنْ مَرَضٍ فما سواه، إلّا حَطَّ اللهُ له سَيِّاته كما تَّخُطُّ الشَّجَرةُ ورَقَها». قوله: ((بابُ وضْع اليد على المريض)) قال ابن بَطّال: في وضع اليد على المريض تأنيسٌ له وتَعرُّف لِشِدّة مرضه، ليَدعُو له بالعافية على حَسَب ما يَبْدُو له منه، ورُبَّما رَقَاهُ بَدِه ومَسَحَ على ألَمِه بما يَنتَفِعِ به العليلُ إذا كان العائد صالحاً. قلت: وقد يكون العائدُ عارفاً بالعِلاجِ فيَعرِفُ العِلّة فيَصِفُ له ما يناسبه. ثمّ ذكر المصنف في الباب حديثين تقدَّما: أحدهما: حديث سعد بن أبي وقّاص، وقد تقدَّم شرحه في الوصايا (٢٧٤٢)، وأورَدَه ١٢١/١٠ هنا عالياً من طريق الجُعَيد: وهو ابن عبد الَّحمن. وقوله فيه: ((تَشَكَّيت بِمَكّة شَكوى شديدةً)) في رواية المُستَمْلي: شديداً، بالتَّذكير على إرادة المرض(١). والشَّكوى بالقصرِ: المرض. وقوله: ((وأترُك لها الثُّلثَينِ)) قال الدَّاوُوديّ: إن كانت هذه الزّيادة محفوظة فلعلَّ ذلك كان قبل نزول الفرائض. وقال غيره: قد يكون من جهة الردّ. وفيه نظر، لأنَّ سعداً كان له حينئذٍ عَصَباتٌ وزوجاتٌ فِيَتَعيَّن تأويله، أو يكون فيه حذف تقديره: وأترُك لها الثُّلْثَين، أي: ولغيرها من الورَثة. وخَصَّها بالذِّكرِ لتَقَدُّمِها عنده. وأمَّا قوله: ((ولا يَرِثني إلّا ابنةٌ لي))(٢) فتقدَّم أنَّ معناه من الأولاد، ولم يُرِدْ ظاهرَ الحَصْر. (١) رواية المستملي والسرخسي: شَكْواً شديداً، بتنوين لفظة ((شكْوا)) فإذا أُريد المصدر كان قوله: شديداً، صفة مصدر مذگَّر. (٢) هذا لفظ الرواية المتقدمة برقم (٣٩٣٦) و(٤٤٠٩)، والآتية برقم (٥٦٦٨) و(٦٣٧٣)، ورواية الباب هنا: لم أترك إلّ ابنةً واحدةً. وهذه أظهر في أنَّ المراد بالحصر أنه لم يترك من الولد إلّا ابنة. ٣٩٢ باب ١٤ / ح ٥٦٦١ -٥٦٦٢ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: (ثُمَّ وضَعَ يده على جَبهَته)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((على جَبهَتِي)»، وبها يَتَبَّن أنَّ في الأوَّل تجريداً. وقوله: ((فما زِلتُ أجِد بَرْدَه)) أي: بَرْد يده، وذُكِّرَ باعتبار العُضو أو الكَفّ أو المسح. وقوله: ((فيما يُخال إليَّ)) قال ابن الِّين: صوابه فيما يُيَّل إليَّ، بالتَّشديدِ، لأنَّه من التَّخَيُّل، قال الله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾ [طه: ٦٦]. قلت: وأقَرَّه الَّركَشِيّ، وهو عجيب. فإِنَّ الكلمة صواب، وهو بمعنى يُيَّل، قال في ((المحكم)): خالَ الشَّيءَ تَخَالُهُ: يَظُنّه، وتَخَيَّلَه: ظنَّه، وساقَ الكلامَ على المادّة. الحديث الثاني: حديثُ ابن مسعود، وقد تقدَّم شرحه في أوائل كفَّارة المرضَى (٥٦٤٧). وقوله: ((فمَسِسْتُه بيدي)) بكسر السّين الأولى، وهي موضع التَرجمة. وجاء عن عائشة قالت: كان رسول الله ﴿ إذا عادَ مريضاً يَضَعِ يدَه على المكان الذي يأَلَمُ، ثمَّ يقول: ((باسمِ الله ... ))(١) أخرجه أبو يَعْلى (٤٤٥٩) بسندٍ حسن. وأخرج التُّرمِذيّ (٢٧٣١) من حديث أبي أُمامةَ بسندٍ لَيِّن رَفَعَه: ((تمامُ عِيادة المريض أن يَضَعَ أحدُکم یَدَه علی جَبھَته، فیسألَه کیف هو))، وأخرجه ابن السُّنِّيّ (٥٣٦) ولفظه: ((فتقول: كيف أصبَحتَ، أو كيف أمسَيتَ؟». ١٤ - باب ما يُقال للمريض، وما يُجيب ٥٦٦١- حدَّثْنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن الحارثِ بنِ سُوَيدٍ، عن عبدِ الله ◌ُه، قال: أتيتُ النبيَّ ◌َّه في مرضِه فمَسِسْتُهُ وهو يُوعَكُ وَعْكاً شديداً، فقلتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكاً شديداً، وذلك أنَّ لكَ أجْرَينٍ؟ قال: ((أجَل، وما من مسلمٍ يُصِيبُه أذِّى إلّا حانَّتْ عنه خَطاياه، كما تَحَاتٌّ وَرَقُ الشَّجَرِ)). ٥٦٦٢- حدَّثني إسحاقُ، حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ الله، عن خالدٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِ هِ دَخَلَ على رجلٍ يعودُه، فقال: ((لا بَأْسَ، طَهورٌ إن شاء الله)) (١) تمام الدعاء الوارد في الحديث: ((لا بأس لا بأس، أذهِب البأسَ ربّ الناس، واشْفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سَقَاً)». ٣٩٣ باب ١٥ / ح ٥٦٦٣ كتاب المرضى فقال: كَلّا، بل حُمَّى تَفُورُ، على شيخ كَبِيرٍ كَيما تُزِيرَه القُبُورَ، قال النبيُّ وَّ: ((فنعمْ إذا)). قوله: «باب ما يُقال للمریضِ وما ◌ُجیب» ذکر فیه حديث ابن مسعود المذکور في الباب قبلَه، وحديث ابن عبّاس في قصَّة الأعرابيّ الذي قال: حُمَّى تَفُور، وقد تقدَّم (٥٦٥٦) أيضاً قريباً، وفيه بيان ما ينبغي أن يقال عند المريض وفائدة ذلك. وأخرج ابن ماجَهْ (١٤٣٨) والتِّرمِذيّ (٢٠٨٧) من حديث أبي سعيد رَفَعَه: ((إذا دَخَلْتُم على المريض فنَفِّسوا له في الأجَل، فإنَّ ذلك لا يَرُدّ شيئاً، وهو يُطيِّب نفسَ المريضِ)) وفي سنده لِيْن(١). وقوله: (نَفِّسوا)) أي: أطَمِعُوه في الحياة، ففي ذلك تنفيس لما هو فيه من الكَرْب/ ١٢٢/١٠ وطُمأنينةٌ لقلْبِهِ، قال النَّوويّ: هو معنى قوله في حديث ابن عبَّاس للأعرابيّ: لا بأس. وأخرج ابن ماجَهْ (١٤٤١) أيضاً بسندٍ حسن(٢) لكن فيه انقطاع عن عمر رَفَعَه: ((إذا دَخَلتَ على مريض فمُره يَدعُو لك، فإنَّ دعاءَه كَدعاءِ الملائكة)). وقد تَرجَمَ المصنّف في ((الأدب المفرَد)) ((ما يُجِيب به المريض)) وأورَدَ (٥٢٨) قولَ ابن عمر للحَجّاج لمَّا قال له: مَن أصابك؟ قال: ((أصابني مَن أمَرَ بحَمْلِ السِّلاح في يوم لا يَحِلَّ فيه حَمْلُه)). وقد تقدَّم هذا في العيدَينِ (٩٦٦ و٩٦٧). ١٥ - بابُ عيادةِ المريضِ راكباً وماشياً، ورِدْفاً على الحمار ٥٦٦٣- حدَّثني يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ، أنَّ أسامةَ بنَ زيدٍ أخبَرَه: أنَّ النبيَّ وَّهِ رَكِبَ على حِمارٍ، على إكافٍ على قَطِيفةٍ فَذَكِيَّةٍ، وأردَفَ أسامةَ وراءَه يعودُ سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ قبلَ وَقْعةٍ بَدْرٍ، فسارَ حتَّى مَرَّ بمَجْلِسٍ فيه عبدُ الله بنُ أُبيِّ ابنُ (١) بل إسناده ضعيف جداً، وقد أعلَّه البخاري وأبو حاتم والبيهقي وابن الجوزس وغيرهم. (٢) كذا قال الحافظُ رحمه اللهُ هنا، وهو تساهُل منه، وقد حرَّر القولَ فيه أكثر ودقّقَه في ((نتائج الأفكار)» ٢٤٣/٤ في ردّه على قول النووي: إسناده صحيح أو حسن، لكن ميمون لم يدرك عمر. فقال الحافظ: فلا یکون صحیحاً، ولو اعتضد لكان حسناً، لكن لم نجد له شاهداً يصلح للاعتبار، فقد جاء من حديث أنس ومن حديث أبي أمامة، ومن حديث جابر، وفي سند كلٍّ منها من نُسِبَ إلى الكذب. ثم ذكر الحافظ علةً قادحة تمنع القول بصحة حديث عمر أو حُسنه غير الانقطاع، وهو أنه روي الحديث عند ابن السني من طريقٍ أصحّ من طريق ابن ماجه، بزيادة رجلٍ في إسناده ضعيفٍ جداً نَسَبُوه إلى الوضع. ٣٩٤ باب ١٥ / ح ٥٦٦٤ فتح الباري بشرح البخاري سَأُولَ، وذلك قبلَ أن يُسلمَ عبدُ الله، وفي المَجْلِسِ أخلاطٌ منَ المسلمينَ والمشركينَ عَبَدةِ الأوْثان واليهودِ، وفي المَجْلِسِ عبدُ الله بنُ رَواحةَ، فلمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ عَجاجةُ الدَّابّةِ ◌ََّ عبدُ الله ابنُ أُبيِّ أنفَه بِرِدائه، قال: لا تُغَبِّوا علينا، فسَلَّمَ النبيُّ نَ ◌ّهُ وَوَقَفَ ونزلَ، فدعاهم إلى الله، فقرأ عليهمُ القرآنَ، فقال له عبدُ الله بنُ أُبيِّ: يا أيُّها المَرْءُ، إِنَّه لا أحسَنَ مَّا تقولُ إن كان حَقّاً، فلا تُؤْذِنا به في مجالِنا، وارجِع إلى رَحْلِكَ فمَن جاءكَ فاقصُص عليه، قال ابنُ رَواحةً: بلى يا رسولَ الله، فاغْشَنا به في مجالسِنا، فإنّا نُحِبُّ ذلك، فاستَبَّ المسلمونَ والمشركونَ واليهودُ، حتَّى كادوا يَاوَرونَ، فلم يَزَلِ رسولُ اللهِ وَ(١) حَتَّى سَكَنوا، فَرَكِبَ النبيُّ ◌َهـ دابَّتَهَ حتَّى دَخَلَ على سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ، فقال له: ((أَيْ سَعْدُ، ألم تَسْمَع ما قال أبو حُبَابٍ؟)) يُرِيدُ عبدَ الله بنَ أيٍّ، قال سَعْدٌ: يا رسولَ الله، اعْفُ عنه واصْفَحْ، فلقد أعطاكَ الله ما أعطاكَ، ولَقَدِ اجْتَمَعَ أهلُ هذه البحرةِ أن يُوِّجُوه فيُعَصِّبُوه، فلمَّا رَدَّ ذلك بالحقِّ الذي أعطاكَ شَرِقَ بذلك، فذلك الذي فَعَل به ما رأيتَ. ٥٦٦٤- حدَّثني عَمْرو بنُ عبَّاسٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، حدَّثنا سفيانُ، عن محمَّدٍ - هو ابنُ المنْكَدِرِ - عن جابرٍ ◌َُه، قال: جاءني النبيُّ وَ﴿ يَعُودُني ليس براكبٍ بَغْلٍ ولا بِرْذَوْنٍ. قوله: ((باب عيادة المريض راكباً وماشياً، ورِذفاً على الحمار)) ذكر فيه حديث أُسامة بن زيد: أنَّ النبيَّ وَّهِ رَكِبَ على الحمار. وفيه أنَّه أردَفَه يعودُ سعدَ بن عُبَادة، وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَوفَّى في أواخر تفسير آل عمران (٤٥٦٦). وقوله: ((على حمارٍ، على إكافٍ على قَطيفةٍ)) ((على)) الثّالثة بَدَل من الثّانية، وهي بَدَل من الأولى. والحاصل أنَّ الإكافَ يلي الحمار، والقَطيفة فوق الإكاف، والرَّاكِب فوق القَطيفة. والإكاف، بكسر الهمزة وتخفيف الكاف: ما يوضَع على الدَّابّة كالبَرْذَعة، والقَطيفة: كِساء. وقوله: ((فَدَكيَّة)) بفتح الفاء والدّال وكسر الكاف: نسبة إلى فَدَك القرية المشهورة، كأنّها ١٢٣/١٠ صُنِعَت فيها، وحكى بعضُهم أنَّ في رواية: فرَكِبَه، بفتح الَّاء والموحّدة الخفيفة، من الرُّكوب،/ والضَّمير للحِمار، وهو تصحيف بَيِّن. (١) جاء في الرواية المتقدمة برقم (٤٥٦٦) من طريق شعيب عن الزهري: فلم يَزّلِ النبيِّهِ يُّفِضُهم. ٣٩٥ باب ١٦ كتاب المرضى وقوله في حديث جابر: ((جاءني النبيُّ ◌َِّ يعُودُني ليس براكبٍ بَغْلٍ ولا بِرِذَونٍ)) هذا القَدْر أَفَرَدَه المِّيّ في ((الأطراف))، وجعله الحميديّ من جملة الحديث الذي أوَّله: مَرِضت فأتاني رسول الله وَل* يعودني وأبو بكر وهما ماشيان(١) وأظنّ الذي صَنَعَه هو الصَّواب. ١٦ - باب ما رُخّصَ للمريض أن يقولَ: إنّ وَجِعٌ، أو وارأْساهْ، أو اشتدّ بيَ الوَجَعُ وقولِ أيوبَ عليه السلامُ: ﴿مَسََِّ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] قوله: ((باب ما رُخِّصَ للمريضِ أن يقول: إنّ وَجِعٌ، أو وارَأْساهْ، أو اشتَدَّ بي الوَجَعُ، وقول أيوب عليه السلام: ﴿مَسََِّ الضُُّّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾)) أمَّا قوله: إنّي وجِعٌ، فَتَرجَمَ به في كتاب ((الأدب المفرَد))، وأورَدَه فيه (٥٠٩) من طريق هشام/ بن عُرْوة عن أبيه ١٢٤/١٠ قال: دَخَلت أنا وعبد الله بن الزُّبَير على أسماء - يعني بنت أبي بكر وهي أمّهما - وأسماءُ وَجِعةٌ، فقال لها عبد الله: كيف تَجِدِينَك؟ قالت: وَجِعة، الحديث. وأصرَح منه ما روى صالح بن كَيْسانَ عن محُميد بن عبد الرَّحمن بن عَوْف عن أبيه قال: دَخَلتُ على أبي بكر تُه في مرضه الذي تُؤُلِّ فيه، فسَلَّمتُ عليه وسألته: كيف أصبحتَ؟ فاستوى جالساً، فقلت: أصبَحتَ بحَمدِ الله بارِئاً؟ قال: أما إنّي على ما تَرَى وَجِعٌ، فذكر القصَّة، أخرجه الطبرانيُّ (٤٣). وأمَّا قوله: «وارأساه)) فصريحٌ في حديث عائشة المذكور في الباب. وأمّا قوله: «اشتَدَّ بي الوجع)) فهو في حديث سعد الذي في آخر الباب. وأمَّا قول أيوب عليه السلام فاعتَرَضَ ابن القِّين ذكره في الترجمة، فقال: هذا لا يناسب التَّبويب، لأنَّ أيوب إنَّما قاله داعياً ولم يَذكُرُه للمخلوقينَ. قلت: لعلَّ البخاريّ أشارَ إلى أنَّ مُطلَق الشَّكوى لا يُمنَعِ، رَدّاً على مَن زَعَمَ من الصّوفيَّةِ أنَّ الدُّعاء بكشفِ البلاءِ يَقدَح في الرِّضا والتَّسليم، فنبَّهَ على أنَّ الطََّب من الله ليس ممنوعاً، بل فيه زيادةُ عبادة، لمَّ ثَبَتَ مِثلُ ذلك عن المعصوم، وأثنَى الله عليه بذلك، وأثبَتَ له اسم الصَّبر مع ذلك. (١) تقدم قريباً برقم (٥٦٥١). ٣٩٦ باب ١٦ فتح الباري بشرح البخاري وقد رُوّينا في قصَّة أيوب في ((فوائد سَمّويه))(١)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٢٨٩٨)، والحاكم (٢/ ٥٨١ -٥٨٢) من طريق الزُّهْريّ عن أنس رَفَعَه: ((أنَّ أيوب لمَّا طالَ بَلَاؤُهُ رَفَضَه القريب والبعيد، غير رجلَينِ من إخوانه، فقال أحدهما لصاحبِهِ: لقد أذنَبَ أيوبُ ذَنباً ما أذنبَه أحدٌ من العالمينَ، فَبَلَغَ ذلك أيوب - يعني فجَزِعَ من قوله - ودَعا رَبّه فكَشَفَ ما به))(٢). وعند ابن أبي حاتم(٣) من طريق عبد الله بن عُبيد بن عمير (٤) موقوفاً عليه نحوه وقال فيه: فجَزِعَ من قولهما جَزَعاً شديداً، ثمّ قال: بعِزَّتِك لا أرفَعُ رأسي حتَّى تَكْشِفَ عنِّي، وسَجَدَ، فما رَفَعَ رأسه حتَّى كُشِفَ عنه. فكأنَّ مُراد البخاريّ أنَّ الذي يجوز من شَكوى المريض ما كان على طريق الطَّلَب من الله، أو على غير طريق التَّسَخُّط للقَدرِ والتَّضَجُّر، والله أعلم. قال الطبري(٥): اختَلَفَ الناسُ في هذا الباب، والتَّحقيقُ أنَّ الألم لا يَقدِر أحدٌ على دفعه(٦)، والنُّفُوس مجبولة على وجدان ذلك فلا يُستَطاع تغييرها عمَّا جُبِلَت عليه، وإنّما كُلِّفَ العَبد أن لا يقع منه في حال المصيبة ما له سبيلٌ إلى تَركه كالمبالَغة في الثَّاوُّه والجَزَع الزائد، كانَ مَن فعل ذلك خَرَجَ عن معاني أهل الصَّبر، وأمَّا مُجرَّد التَّشَكّي فليس مذموماً حتَّى يَحصُل التَّسَخُط للمَقدور، وقد اتَّفَقوا على كراهة شَكوى العَبد رَبَّه، وشَكواه إنَّما هو ذِكْرُه للنّاس على سبيل التَّضَجُّر، والله أعلم. وروى أحمد في ((الزُّهد)) عن طاووسِ أنَّه قال: أنينُ المريض شَكوى. وجَزَمَ أبو الطيِّب وابنُ الصَّاغ وجماعةٌ من الشافعيَّةِ: أنَّ أنينَ المريض وتأوُّهَه مكروه. وتَعقَّبَه النَّوويّ فقال: هذا ضعيفٌ أو باطل، فإنَّ المكروه ما ثَبَتَ فيه نَهيٌّ مقصود، وهذا لم يَثْبُت فيه ذلك. ثمَّ (١) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: ميمونة. وسمويه لقب الحافظ إسماعيل بن عبد الله بن مسعود العَبْدي. (٢) قال ابن كثير في («البداية والنهاية)) ١/ ٥١١: غريبٌ رفْعُه جداً، والأشبه أن يكون موقوفاً. (٣) في ((تفسیرہ)) ٢٤٥٩/٨. (٤) تحرّف في (س) إلى: نمير. (٥) تحرّف في (س) إلى: القرطبي. (٦) تحرّف في (س) إلى: رفعه. ٣٩٧ باب ١٦ / ح ٥٦٦٥ - ٥٦٦٨ كتاب المرضى احتَجَّ بحديث عائشة في الباب، ثمّ قال: فلعلَّهم أرادوا بالكراهة خِلَاف الأَولى، فإنَّه لا شَكّ أنَّ اشتغاله بالذِّكرِ أَولى. انتهى، ولعلَّهم أخَذوه بالمعنى من كون كَثْرة الشَّكوى تَدُلّ على ضعف اليقين، وتُشعِر بالتَّسَخُطِ للقضاء، وتورِث شَماتة الأعداء. وأمَّا إخبارُ المريض صديقَه أو طَبِيبَه عن حاله فلا بأسَ به اتِّفاقاً. ثم ذکر في الباب أربعةً أحاديث: ٥٦٦٥- حدَّثنا قَبِيصةُ، حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَحِيح وأيوبَ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلى، عن كَعْبٍ بنِ عُجْرةَ ﴾: مَرَّ بِيَ النبيُّ ◌َّهِ وأنا أُوقِدُ تحتَ القِدْرِ، فقال: ((أَيُؤْذِيكَ هَوامُّ رأسِكَ؟)) قلتُ: نعم، فدَعَا الحَلَاقَ فَحَلَقَه، ثمَّ أُمَرَني بالفِداءِ. ٥٦٦٦- حدَّثنا يحيى بنُ يحيى أبو زكريّا، أخبرنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ محمَّدٍ، قال: قالت عائشةُ: وارأساهْ، فقال رسولُ الله ◌َيِّ: ((ذاكِ لو كان وأنا خَيٌّ فأسْتَغْفِرَ لكِ وأدْعوَ لكِ)) فقالت عائشةُ: واتُكْلِياهْ، والله إنّ لأظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتي، ولو كان ذلكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يومِكَ مُعرِّساً ببعضِ أزْواجِكَ، فقال النبيُّ ◌َلّ: ((بل أنا وارأساهْ، لقد هَمَمْتُ - أو أرَدْتُ - أن أُرسِلَ إلى أبي بكرٍ وابنِهِ، فَاعْهَدَ، أن يقولَ القائلونَ أو يَتَّمنَّى المتمُّونَ، ثمَّ قلتُ: يَأبى اللهُ ويَدْفَعُ المؤمنونَ - أو يَدْفَعُ اللهُ ويَأْبِى المؤمنون -)). [طرفه في: ١٧ ٧٢] ٥٦٦٧- حدَّثنا موسى، حذَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مسلم، حدَّثنا سليمانُ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن الحارثِ بنِ سُوَيدِ، عن ابنِ مسعودٍ ◌َُ، قال: دَخَلْتُ على النبيِّ وٍَّ وهو يُوعَكُ، فمَسِسْتُهُ، فقلتُ: إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكاً شديداً؟ قال: ((أجَل، كما يُوعَكُ رجلان مِنْكُم)). قال: لكَ أجْران؟ قال: ((نعم، ما مِن مسلم يُصِيبُهُ أذّى مرضٌ فما سواه، إلّا حَطَّ الله سَيِّئاته كما تَحُطُ الشَّجَرةُ ورَقَها». ٥٦٦٨- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله بنِ أبي سَلَمةَ، أخبرنا الزُّهْريُّ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: جاءنا رسولُ اللهَوَ لِّ يعُودُني من وَجَعِ اشتَّدَّبي زَمَنَ ٣٩٨ باب ١٦ / ح ٥٦٦٨ فتح الباري بشرح البخاري حَجّةِ الوَداعِ، فقلتُ: بَلَغَ بي ما تَرَى، وأنا ذو مالٍ ولا يَرِثُني إلّا ابنَةٌ لي، أفأتصَدَّقُ بُثُلُثَي مالي؟ قال: ((لا))، قلتُ: فالشَّطْرُ؟ قال: ((لا الثُّلثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ، أن تَدَعَ ورَثْتَكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تَذَرَهم عالةً يَتَكَفَّفونَ الناسَ، ولن تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغي بها وجهَ الله إلّا أُجِرْتَ بها، حتَّى ما تَجْعَلُ في في امرأتك». الأول: حديثُ كعب بن عُجرة في حَلْقِ المُحرِمِ رأسَه إذا آذاه القَمْل، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في كتاب الحجّ (١٨١٤ - ١٨١٨). وقوله: ((أَيُؤذيك هَوامٌ رأسك؟)) هو موضع التَّرجمة لنسبة الأَذَى للهواءّ، وهي بتشديد الميم: اسمٌ للحَشَرات، لأنَّها تَهُمُّ أن تَدِبَّ، وإذا أُضيفَت إلى الرَّأس اختَصَّت بالقَمْلِ. الثاني: حديث عائشة: قوله: ((حدَّثنا يحيى بن يحيى أبو زكريًّا)) هو النَّيسابوريّ الإمام المشهور، وليس له في البخاريّ سوى مواضعَ يسيرة في الزكاة (١٤٤١)، والوكالة (٢٣١٨)، والتَّفسير (٤٥٥٤)، والأحكام (٧٢١٧)، وأكثرَ عنه مسلم. ويقال: إنَّه تفرَّد بهذا الإسناد، وإنَّ أحمد كان يَتَمنَّی ١٢٥/١٠ لو أمكنَه الخروجُ إلى نيسابور ليسمع منه هذا الحديث، ولكن أخرجه/ أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من وجهين آخرینِ عن سليمان بن بلال. قوله: ((وارَأْساهْ)) هو تَفَجُّعٌ على الرّأس لشِدّة ما وَقَعَ به من ألم الصُّداع، وعند أحمد (٢٥٩٠٨) والنَّسائيُّ (ك٧٠٤٢) وابن ماجَهْ (١٤٦٥) من طريق عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن عائشة: رَجَعَ رسولُ اللهِوَ ﴿ من جِنازة من البَقيع، فوجَدَني وأنا أجِدُ صُداعاً في رأسي وأنا أقول: وارأساهْ. قوله: ((ذاكِ لو كان وأنا حَيٌّ)) ذاكِ بكسر الكاف، إشارة إلى ما يَستَلِزِمُ المرض من الموت، أي: لو متِّ وأنا حَيٌّ، ويُرشِد إليه جوابُ عائشة، وقد وَقَعَ مُصرَّحاً به في رواية عُبيد الله ابن عبد الله بن عُتبة، ولفظه: ثمّ قال: ((ما ضَرَّكِ لو متِّ قبلي فكَفَّنتُكِ ثمَّ صَلَّیتُ علیكِ ودَفَنتُك؟)). ٣٩٩ باب ١٦ / ح ٥٦٦٨ كتاب المرضى وقولها: ((واثْكلِياه)(١) بضمِّ المثلَّثة وسكون الكاف وفتح اللّام وبكسرها، مع التَّحتانيَّة الخفيفة وبعد الألف هاء للتُّدبة، وأصل الثُّكْلِ: فَقْدُ الولد أو مَن يَعِزُّ على الفاقد، وليست حقيقَتُه هنا مُرادةً، بل هو كلامٌ كان يجري على ألسِنَتهم عند حصول المصيبة أو تَوقُّعِها. وقولها: ((والله إنّي لَأظنّك تُحِبّ موتي)) كأنَّها أخَذَت ذلك من قوله لها: (لو متِّ قبلي)). وقولها: ((ولو كان ذلك)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((ذاكَ)) بغير لامَ، أي: موتها «لَظَلِلت آخرَ يومِك مُعرِّساً)) بفتح العين المهملة (٢) وتشديد الرَّاء المكسورة، وسكون العين والتَّخفيف، يقال: أعرَسَ وعَرَّسَ: إذا بَنَى على زوجته، ثمَّ استُعمِلَ في كلّ جِماع، والأوَّل أشهَر، فإنَّ التَّعريس النُّزُولُ بليلٍ. ووَقَعَ في رواية عُبيد الله: لَكأنّي بك والله لو قد فعَلتُ ذلك لقد رجعتَ إلى بيتي، فأعرَستَ ببعضٍ نسائك. قالت: فَتَبَسَّمَ رسول الله وَّ. وقولها: ((بل أنا وارَأْساه)) هي كلمة إضراب، والمعنى: دَعي ذِكْرَ ما تجدینه من وجع رأسك واشتَغِلي بي. وزاد في رواية عُبيد الله: ثمَّ بُدِئَ في وجَعه الذي ماتَ فيه ◌َّ﴾. قوله: (لقد هَمَمْتُ - أو أرَدْتُ -)) شٌَّ من الراوي، ووَقَعَ في رواية أبي نُعَيم: (أو وَدِدْتُ)) بَدَل: ((أردتُ)). قوله: ((أن أُرسِل إلى أبي بكر وابنه)) كذا للأكثرِ بالواو وألف الوصل والموخَّدة والنّون، ووَقَعَ في رواية مسلم(٣): ((أو ابنه)) بلفظ ((أو)) التي للشَّكِّ أو للتَّخيير، وفي أُخرى: ((أو آتيه)) بهمزةٍ ممدودة بعدها مُثنّة مكسورة، ثمَّ تحتانيَّة ساكنة(٤)، من الإتيان بمعنى المجيء، والصَّواب (١) وقع في الأصلين هنا بعد قوله: واثكلياه: أو تُكلاه. وليست في اليونينية، ولا في النسخة التي بأيدينا برواية أبي ذر الهروي، ولعلها من قول الحافظ إشارة إلى أنها وجه صحيح في العربية في النطق بهذه الكلمة، والله أعلم. (٢) في (س): والمهملة. بإقحام الواو. (٣) الحديث لم يخرجه مسلم من هذه الطريق، ولم يعزه المزي إليه، لكنه عند مسلم من وجهٍ آخر سيذكره الحافظ بعد سطرين. (٤) العطف يقتضى أن تكون الياء مفتوحة لا ساكنة. ٤٠٠ باب ١٦ / ح ٥٦٦٨ فتح الباري بشرح البخاري الأوَّل، ونَقَلَ عِيَاض الأخيرة(١) عن بعض المحدِّثينَ تَصويبَها وخطَّه، وقال: ويُوضح الصَّواب قولها في الحديث الآخر عند مسلم (٢٣٨٧): ((ادعِي لي أباك وأخاك))، وأيضاً فإنَّ مَجَيتَه إلى أبي بكر كان مُتَعَسِّراً، لأنَّه عَجَزَ عن حضور الصلاة مع قُرب مكانها من بيته. قلت: في هذا التَّعليل نظر، لأنَّ سياق الحديث يُشعِر بأنَّ ذلك كان في ابتداء مرضه وَّێ، وقد استَمرَّ يُصَلّي بهم وهو مريض، ويدور على نسائه حتَّى عَجَزَ عن ذلك، وانقَطَعَ في بيت عائشة. ويحتمل أن يكون قوله وَله: ((لقد هَمَمتُ ... )) إلى آخره، وَقَعَ بعد المفاوضة التي وَقَعَت بينه وبين عائشة بمُدّةٍ، وإن كان ظاهرُ الحديث بخِلَافه. ويُؤْيِّد أيضاً ما في الأصل أنَّ المقام كان مقام استمالةِ قلبٍ عائشة، فكأنَّه يقول: كما أنَّ الأمر يُفوّض لأبيك فإنَّ ذلك يقع بحضورِ أخيك، هذا إن كان المرادُ بالعهدِ العهدَ بالخِلَافة، وهو ظاهرُ السّياق كما سيأتي تقريره في كتاب الأحكام (٧٢١٧) إن شاء الله تعالى، وإن كان لغير ذلك فلعلَّه أرادَ إحضارَ بعضٍ تَحَارِمها حتَّى لو احتاجَ إلى قضاء حاجة أو الإرسال إلى أحد لَوجَدَ مَن يُبادِر لذلك. قوله: ((فأعْهَدَ» أي: أُوصي. قوله: ((أن يقول القائلونَ)) أي: لئلا يقول، أو كراهة أن يقول. قوله: ((أو يَتَمنَّى المتمّونَ)) بضمِّ النُّون جمع متمنٍّ بكسرها، وأصل الجمع المتمنّونَ فاستُقِلَتِ الضَّمّة على الياء فحُذِفَت، فاجتمعت كسرة النُّون بعدها الواو فضُمَّتِ النّون. وفي الحديث ما طُبِعَت عليه المرأةُ مِن الغَيْرة، وفيه مُداعبة الرجل أهله، والإفضاء ١٢٦/١٠ إليهم بما يَستُره عن غيرهم. وفيه أنَّ ذِكْر الوجع ليس بشکایةٍ، فگم من ساکِتٍ/ وهو ساخِطٌ، وكَم من شاكٍ وهو راضٍ، فالمعوَّل في ذلك على عَمَل القلب لا على نُطق اللِّسان، والله أعلم. (١) لفظة ((الأخيرة)) أثبتناها من (ع)، إلّا أنه لم يرد فيها تاء التأنيث، وزدناها لما يقتضيه السياق من إضافتها حيث قال: تصويبها، بصيغة التأنيث، وسقطت اللفظة من (أ) و(س).