Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
باب ٧ / ح ٥٥٩١
كتاب الأشرية
٧- باب الانتباذ في الأوعية والتّور
٥٥٩١ - حدَّثنا قُتَبِيةُ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي حازِمِ، قال: سمعتُ سَهْلاً
يقول: أتى أبو أُسَيدِ الساعِدِيُّ فَدَعَا رسولَ الله وَلِّ فِي عُرسِه، وكانتِ امرأتُه خادِمَهم - وهي
العروسُ - قال: أتدرونَ ما سَقَيتُ رسولَ الله ◌َّهِ؟ أَنْقَعْتُ له تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيلِ في تَورٍ.
قوله: ((باب الانتباذ في الأَوْعية والتَّوْر)» هو من عَطف الخاصّ على العامّ، لأنَّ الثَّور من
جملة الأوعية، وهو بفتح المثنّاة: إناء من حجارة أو من نُحاس أو من خَشَب، ويقال: لا
يقال له: تَور إلّا إذا كان صغيراً. وقيل: هو قَدَح كبير كالقِدْر. وقيل: مِثل الطَّسْت. وقيل:
كالإجّانة، وهي بكسر الهمزة وتشديد الجيم وبعد الألف نون، وِعاء.
قوله: ((أتى أبو أُسَيد الساعِديّ، فَدَعَا رسولَ الله وَّ فِي عُرْسه)) تقدَّم في الوليمة (٥١٨٣)
من هذا الوجه بلفظ: دَعا النبيَّ ◌َّ لِعُرسِه. ومن وجه آخر (٥١٨٢) عن أبي حازم: دَعا
النبيَّ ◌َّهِ وأصحابَه.
قوله: ((قال: أتذْرونَ)) القائل: هو سَهل، و (ما سقَيْتُ)) بفتح القاف وسكون المثنّاة، وفي
رواية الكُشْمِيهنيّ: قالت. وسَقَيت، بسكونِ التَّحتانيَّة بعد القاف وفي آخره مُثنّاة، وكذا
الاختلاف في أنقَعْت ونَقَعْت، وأنقَعَ بالهمزة لُغة، وفيه لُغة أُخرى: نَقَعْت، بغير ألِف،
وتقدَّم في الوليمة (٥١٨٢) بلفظ: بَلَّتْ تَمرات.
قوله: ((في تَوْر)) زاد في الوليمة: من حجارة. وإنَّما قَيِّدَه لأَنَّه قد يكون من غيرها كما تقدَّمَ، وفي
روایة أشعث عن أبي الزُّبیر عن جابر: کان النبيّ څُنبذ له في سِقاءٍ، فإذا لم یکن سِقاءٌ يُنبذ له في
تَوْرٍ))، قال أشعَث: والثَّور من لحاء الشَّجَر، أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٤٠/٨)(١).
وعَبَّرَ المصنّف في التَّرجمة بالانتباذِ إشارة إلى أنَّ النَّقَيع يُسَمَّى نبيذاً، فيُحمَل ما ورَدَ في
الأخبار بلفظ النبيذ على النَّقيع، وقد تَرجَمَ له بعد قليل: ((باب نَقيع الثَّمر ما لم يُسكِرِ))(٢).
(١) والحديث عند مسلم (١٩٩٩) (٦٢) من طرق عن أبي الزبير لكن بلفظ: في تَور من حجارة، فقيده في
الرواية بأنه من حجارة.
(٢) باب رقم (٩).

٢٦٢
* مســ
باب ٧ / ح ٥٥٩١
فتح الباري بشرح البخاري
قال المهلَّب: النَّقيع حلال ما لم يَشتَدّ فإذا اشتَدَّ وَغَى حَرُمَ، وشَرَطَ الحنفيَّةِ أن يَقِذِف بالَّيَد.
قال: وإذا نُقِعَ من اللَّيل فشُرِب بالنهار(١) أو بالعكس لم يَشْتَدّ، وفيه حديث عائشة.
يشير إلى ما أخرجه مسلم (٢٠٠٥) عن عائشة: ((كنا نبِذُ(٢) لرسولِ الله وَلّهِ فِي سِقاء يُوكأ
أعلاه فیشربه عشاءً، ونَنبذه عشاءً فیشربه غُذوةً. وعند أبي داود (٣٧١٢) من وجه آخر عن
عائشة: أنَّها كانت تَنِذ للنبيِّ وَّهِ غُدوة، فإذا كان من العَشِيّ تَعَشَّى فشَرِبَ على عَشائه، فإن
فضَلَ شيء صببتُه ثمَّ ننبذُ له باللَّيل، فإذا أصبَحَ وتَغَدَّى شَرِبَ على غَدائه، قالت: نَغسِل
٥٧/١٠ السِّقاء غُدوة وعَشيّة. وفي حديث عبد الله بن / الدَّيلَميّ عن أبيه: قلنا للنبيِّ وَّ: ما نَصنَع
بالَّبيبِ؟ قال: ((انبذوه على عَشائكُم، واشرَبوه على غَدائكم)) أخرجه أبو داود (٣٧١٠)
والنَّسائيُّ (٥٧٣٥). فهذه الأحاديث فيها التَّقَبِيد باليومِ أو اللَّيلة.
وأمَّا ما أخرج مسلم (٢٠٠٤) من حديث ابن عبّاس: كان رسول الله وَ ل﴿ يُنبَذ له
الَّبيب من اللَّيل في السِّقاء، فإذا أصبَحَ شَرِبَه يومه وليلته ومن الغَد، فإذا كان مَساءً شَرِبَه
أو سَقاه الخَدَّمَ، فإن فضَلَ شيء أراقَه. وقال ابن المنذر: الشَّراب في المدّة التي ذكرتها عائشة
يُشرَب حُلواً، وأمَّا الصِّفة التي ذكرها ابن عبّاس فقد يَنتَهي إلى الشِّدّة والغَلَيان، لكن يُحمَل
ما ورَدَ من أمر الخَدَم بشُربِه على أنَّه لم يَبلُغ ذلك ولكن قَرُبَ منه، لأنَّه لو بَلَغَ ذلك لَأسكَرَ
ولو أسكَرَ لَرُمَ تَناوُله مُطلَقاً. انتهى.
وقد تَمَسَّكَ بهذا الحديث مَن قال بجوازِ شُرب قليل ما أسكَرَ كثيره، ولا حُجّة فيه،
لأَنَّهِ ثَبَتَ أَنَّه بَدا فيه بعض تَغيُّر في طَعمه من خَض أو نحوه فسَقاه الخَدَمَ. وإلى هذا أشارَ
أبو داود فقال بعد أن أخرجه (٣٧١٣): قوله: سَقاه الخَدَمَ، يريد أنَّه يُبادِرُ به الفسادَ.
انتهى، ويحتمل أن تكون ((أو)) في الخبر للتَّنويع، لأنَّه قال: سَقاه الخَدَم أو أمَرَ به فأُهريق.
أي: إن كان بَدا في طَعمه بعضُ التغيُّر ولم يَشتَدّ سَقاه الخَدَم، وإن كان اشتَدَّ أمر بإهراقه،
(١) تحرَّف في (س) إلى: وشرب النهار.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: کانت تنبذ.

٢٦٣
باب ٨ / ح ٥٥٩٢ - ٥٥٩٤
كتاب الأشربة
وبهذا جَزَمَ النَّوويّ فقال: هو اختلافٌ على حالَينٍ: إن ظَهَرَ فيه شِدّةٌ صَبَّه، وإن لم تظهر
شِدّة سَقاه الْخَدَمَ لئلّا تكون فيه إضاعةُ مال، وإنَّما يَترُكُه هو تَنْزُّهاً.
وجُعَ بين حديث ابن عبّاس وعائشة بأنَّ شُرب النَّقيع في يومه لا يَمنَعِ شُرب النَّقيع في
أکثر من یوم، ويحتمل أن یکون باختلاف حالٍ أو زمانٍ، بِحَمْل الذي يُشرَب في يومه علی
ما إذا كان قليلاً، وذاكَ على ما إذا كان كثيراً فيَفضُل منه ما يشربه فيما بعدُ، وإمّا بأن يكون
في شِدّة الحرّ مثلاً فيُسارعُ إليه الفسادُ، وذاكَ في شِدّة بَرْدٍ فلا يَتَسارَع إليه.
٨- باب تَرخيص النبيّ وَ لاَ في الأوعية والظّروف بعد النّھي
٥٥٩٢- حدَّثنا يوسُفُ بنُ موسى، حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله أبو أحمدَ الزُّبَيِيُّ، حذَّثنا سفيانُ،
عن منصورٍ، عن سالمٍ، عن جابرٍ عَّ، قال: نَهَى رسولُ اللهِوَله عن الظُّروفِ، فقالت الأنصارُ: إِنَّه
لا بُدَّ لنا مِنها، قال: ((فلا إذاً)).
وقال خَلِيفةُ: حدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن سالم بنِ أبي الجَعْدِ،
عن جابر بهذا.
٥٥٩٣- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن سليمانَ بنِ أبي مسلمِ الأخْوَلِ، عن
مجاهدٍ، عن أبي عِياضٍ، عن عبدِ الله بنِ عَمْرو رضي الله عنهما، قال: لمَّا نَهَى النبيُّ ◌َلِّ عن
الأسقِيةِ قيل للنبيِّ وَّ: ليس كلَّ الناسِ يَجِدُ سِقاءً؟ فَرَخَّصَ لهم في الجَرِّ غيرِ المَقَّتِ.
٥٥٩٢م(١) - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيان، بهذا، وقال فيه: لمَّا نَهَى النبيُّ ◌ِلـ
عن الأوْعِيةِ.
٥٥٩٤- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، حدَّثني سليمانُ، عن إبراهيمَ التَّيِيِّ، عن
الحارثِ بنِ سُوَيدٍ، عن عليٍّ ◌َّهِ، قال: نَهَى النبيُّ نَّهِ عن الدُّاءِ والمزَقَّتِ.
(١) هذا الحديث وقع في غير رواية أبي ذر الهروي وابن عساكر مقدَّماً إلى ما قبل حديث علي بن عبد الله عن
سفيان، فأَوهَمَ أنه طريق لحديث جابر، والصواب ما جاء في رواية أبي ذر وابن عساكر مِن ذكره هنا،
وهو ما اعتمده الحافظ رحمه الله.

٢٦٤
باب ٨ / ح ٥٥٩٥ - ٥٥٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
حدَّثني عثمانُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، بهذا.
٥٥٩٥- حدَّثني عثمانُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قلتُ للأسوَدِ: هل سألتَ
عائشةَ أُمَّ المؤمِنِينَ عَّا يُكرَه أن يُتبَذَ فيه؟ فقال: نعم، قلتُ: يا أَّ المؤمِنِينَ، عَمَّ نَهَى النبيُّ ◌َّ أن
يُنْتَبَذَ فيه؟ قالت: نَهانا أهلَ البيتِ أن نَتِذَ في الدُّاءِ والمَزَقَّتِ، قلتُ: أما ذَكَرَتِ الجرّ والخَتْتَم؟
قال: إِنَّا أحُدِّثُكَ ما سمعتُ، أفتُحدِّثُ ما لم أسمَع؟
٥٥٩٦- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ، حدَّثنا الشَّيبانُّ، قال: سمعتُ
عبدَ الله بنَ أبي أوَى رضي الله عنهما قال: نَهَى النبيُّ وَله عن الجرِّ الأخضَرِ، قلتُ: أَنَشْرَبُ في
الأبیضِ؟ قال: لا.
قوله: ((باب ترخيص النبيّ وَ له في الأوعية والظّروف بَعْد النَّھي)) ذكر فيه خمسةَ أحاديث:
٥٨/١٠
أوَّلها: حديث جابر وهو عامٌّ في الرُّخصة. ثانيها: حديث عبد الله بن عَمْرو، وفيه استثناءُ
المَزَفَّت. ثالثها: حديث عليّ في النَّهي عن الدَُّاءِ والمَفَّت. رابعها: حديثُ عائشة مِثله. خامسها:
حديث عبد الله بن أبي أوفَى في النَّهي عن الجرّ الأخضَر.
وظاهر صنيعه أنَّه يرى أنَّ عُموم الرُّخصة مخصوص بما ذُكر في الأحاديث الأُخرى،
وهي مسألةُ خِلاف: فذهب مالك إلى ما دَلَّ عليه صنيع البخاريّ، وقال الشافعيّ
والثَّوْريُّ وابن حبيب من المالكيَّةِ: يُكرَه ذلك ولا يَرُم، وقال سائر الكوفيّينَ: يُباح،
وعن أحمد روايتان، وقد أسندَ الطَّبَرَيُّ (١) عن عمر ما يُؤْيِّد قول مالك، وهو قوله: لَأَن
أشرَبَ من قُمِقُم مُحمّى فيُحرِقَ ما أحرَقَ ويُبقي ما أبقَى أحَبّ إليَّ من أن أشرَب نبيذ
الجرّ، وعن ابن عبّاس: لا يُشرَب نبيذُ الجرّ ولو كان أحلَى من العَسَل(٢). وأسنَدَ النَّهيَ
(١) لم نقف عليه فيما بين أيدينا من كتب الطبري المطبوعة، وأخرجه بهذا اللفظ أيضاً عبد الرزاق (١٦٩٤٤)
وابن أبي الدنيا في ((ذم المسكر)) (٢٩) من طريقين عن عمر بن الخطاب، وهو أيضاً عند أحمد في
((الأشربة)) (٢٣٤) بنحو اللفظ المذكور من طريق ثالثة، وهذه الطرق الثلاث لا تخلو من مقال، ولكنها
يَشُدُّ بعضُها بعضاً.
(٢) وأخرجه أيضاً النسائي (٥٦٩١).

٢٦٥
باب ٨ / ح ٥٥٩٥- ٥٥٩٦
كتاب الأشرية
عن جماعة من الصحابة.
وقال ابن بَطّال: النَّهي عن الأوعية إنَّما كان قطْعاً للذَّريعة. فلمَّا قالوا: لا نَجِد بُدّاً من
الانتباذ في الأوعية قال: ((انتَبِذُوا. وكلّ مُسكِر حرامٌ)). وهكذا الحكم في كلّ شيء نُهي عنه
بمعنى النَّظَر إلى غيره فإنَّه يَسقُط للضَّرورة، كالنَّهي عن الجلوس في الطَّرقات، فلمَّا قالوا:
لا بدَّ لنا منها قال: ((فأعطُوا الطَّريق حَقّها))(١).
وقال الخطّبيُّ: ذهب الجمهور إلى أنَّ النَّهي إِنَّا كان أوَّلاً ثمَّ نُسِخَ، وذهب جماعة إلى أنَّ
النَّهي عن الانتباذ في هذه الأوعية باقٍ، منهم ابن عمر وابن عبَّاس، وبه قال مالك وأحمد
وإسحاق. كذا أَطْلَقَ. قال: والأوَّل أصحّ، والمعنى في النَّهي أنَّ العهد بإباحة الخمر كان
قريباً، فلمَّا اشْتَهَر التَّحريم أُبيحَ لهم الانتباذ في كلّ وِعاء بشرْطٍ تَرك شُرب المسكِرِ، وكأنَّ
مَن ذهب إلى استمرار النَّهي لم يَبلُغْه الناسخ.
وقال الحازِميّ: لمن نَصَرَ قول مالك أن يقول: ورَدَ النَّهي عن الظُّروف كلّها ثمَّ نُسِخَ
منها ظُروف الأُدُمِ(٢) والجِرار غير المزَفَّتة، واستَمرَّ ما عَداها على المنع، ثمَّ تَعقَّبَ ذلك بما
ورَدَ من التَّصريح في حديث بُرَيدة عند مسلم (١٩٩٩) ولفظه: ((نَهَتُكم عن الأشربة إلّا
في ظُروف الأُدُم، فاشربوا في كلّ وِعاء غير أن لا تشربوا مُسكِراً)). قال: وطريق الجمع أن
يقال: لمَّا وَقَعَ الَّهي عاماً شَكَوا إليه الحاجة فرَخَّصَ لهم في ظُروفِ الأُدُم، ثمَّ شَكَوا إليه
أنَّ كلّهم لا يَجِد ذلك فَرَخَّصَ لهم في الظُّروف كلّها.
الحديث الأول: قوله: ((سُفْيان)) هو الثَّوْريّ، ومنصور: هو ابن المعتمِر.
قوله: ((عن سالم)) وَقَعَ مُفَسَّراً في الطَّريق التي بعدها أنَّه ابن أبي الجَعْد. والظُّروف، بظاءٍ
مُشَالة مُعجَمة، جمع ظَرْف، بفتح أوَّله: وهو الوِعاء.
قوله: ((نَى رسول اللّه ◌ِ لال عن الظّروف)» في رواية مسلم (١٩٩٨) من طريق أبي الزُّبَير عن
(١) تقدم برقم (٢٤٦٥).
(٢) هو جمع الأديم: وهو الجلد المدبوغ.

٢٦٦
باب ٨ / ح ٥٥٩٥-٥٥٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
جابر: نَهَى عن الدُّاء والمَفَّت. وكأنَّ هذه الطَّريق لمَّا لم تكن على شرط البخاريّ أورَدَ عَقِب
٥٩/١٠ حديث جابر أحاديث عبد الله/ بن عَمْرو وعليّ وعائشة الدّالَّة على ذلك.
قوله: ((لا بُدّ لنا مِنْها)» في رواية الحَفَريّ عن الثَّوْريّ عند الإسماعيليّ(١): ليس لنا وِعاء.
وفي رواية لأحمد (٨٦٥٦) في قصَّة وفد عبد القيس: فقال رجل من القوم: يا رسول الله،
إنَّ الناس لا ظُروف لهم، فقال: ((اشرَبوه إذا طابَ، فإذا خَبُثَ فَذَرُوهُ».
وأخرج أبو يَعْلى (٦٨٤٩) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٧٢٠٣) من حديث الأشَجّ العَصَريّ:
أنَّ النبيَّ وَّهِ قال لهم: ((ما لي أرَى وجوهكم قد تَغيَّرَت؟)) قالوا: نحنُ بأرضٍ وَثْمَةٍ، وكنّا
نَتَّخِذ من هذه الأنبذة ما يَقطَع اللُّحمان في بُطوننا، فلمَّا تَهَيتنا عن الظّروف فذلك الذي
تَرَى في وجوهنا. فقال النبيّ ◌َّهِ: ((إنَّ الظُّروف لا تُحِلّ ولا تُحرِّم، ولكن كلّ مُسكِر
حرامٌ)).
قوله: ((فلا إذاً» جواب وجزاء، أي: إذا كان كذلك لا بدَّ لكم منها، فلا نهيَ عنها.
وحاصله: أنَّ النَّهي كان وَرَدَ على تقدير عَدَم الاحتياج، أو وَقَعَ وحِيٍّ في الحال بسُرعةٍ، أو
كان الحُكم في تلك المسألة مُفَوَّضاً لرأيِهِ وَ ل﴿، وهذه احتمالات تَرِدُ على مَن جَزَمَ بأنَّ
الحديث حُجّة في أنَّه چے کان تحكم بالاجتهادِ.
قوله: ((وقال خليفة))(٢) هو ابن خَيّاط، بمُعجَمةٍ ثمَّ تحتانيَّة ثقيلة، وهو من شيوخ
البخاريّ، ويحيى بن سعيد: هو القَطّان.
الحديث الثاني: قوله: ((عليّ)) هو ابن المَدِينيّ، وسفيان: هو ابنُ عُيَينةَ.
(١) وهي أيضاً عند الترمذي (١٨٧٠)، والنسائي (٥٦٥٦). وقرن النسائي بأبي داود الحَفَريِّ أبا أحمد
الزبيريَّ.
(٢) وقع في شرحي العيني والقسطلّاني هنا: وقال لي خليفة بزيادة ((لي))، وكذا في (س)، وعلَّق عليه العينيُّ
بقوله: خليفة بن خياط أحَد مشايخ البخاري رواه عنه مذاكرة. قلنا: كذا وقع لهما مع أنَّ لفظة ((لي)) لم ترد
في اليونينية ولا في شرح الحفاظ، ولا في أصل خطي عتيق عندنا برواية أبي ذر الهروي، وعليه فما وقع في
(س) خطأ.

٢٦٧
باب ٨ / ح ٥٥٩٥- ٥٥٩٦
كتاب الأشرية
قوله: ((عن سليمان)) في رواية الحميديّ (٥٨٢) عن سفيان: حدَّثنا سليمان الأحول.
وأخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من رواية الحُميديّ كذلك.
قوله: ((عن أبي عِيَاض العَنْسي)) (١) بالنّون، وعياض، بكسر المهملة وتخفيف التَّحتانيَّة
وبعد الألف ضاد مُعجَمة، واسمهِ عَمْرو بن الأسود، وقيل: قيس بن ثَعْلبة، وبذلك جَزَمَ
أبو نَصر الكَلاباذيّ في ((رجال البخاريّ))، وكأنَّه تَبِعَ ما نَقَلَه البخاريّ عن عليّ بن
المَدِينِيّ. وقال النَّسائيُّ في ((الكُنَى)): أبو عِيَاض عَمْرو بن الأسود العَنسيّ، ثمَّ ساقَ من
طريق شُرَحِبيل بن مسلم(٢) عن عَمْرو بن الأسود الحِمصيّ أبي عياض. ثمَّ روى عن
معاوية بن صالح عن يحيى بن مَعِين قال: عَمْرو بن الأسود العَنسيّ يُكْنى أبا عياض. ومن
طريق البخاريّ قال لي عليّ - يعني ابنَ المَدِينِيّ -: إن لم يكن اسم أبي عِيَاض قيسَ بنَ
ثَعْلبة فلا أدري، قال البخاريّ: وقال غيره: عَمْرو بن الأسود. قال النَّسائيُّ: ويقال: كُنية
عَمْرو بن الأسود أبو عبد الرَّحمن.
قلتُ: أوَرَدَ الحاكم أبو أحمد في ((الكُنَى)) مُحصَّل ما أورَدَه النَّسائيُّ إلّا قول يحيى بن
مَعِين، وذكر أنَّه سمعَ عمر ومعاوية، وأنَّه روى عنه مجاهد وخالد بن معدان وأرطاة بن
المنذِر وغيرهم، وذكر في رواية شُرَحبيل بن مسلم عن عَمْرو بن الأسود أنَّه مَرَّ على مَجَلِسٍ
فسَلَّمَ، فقالوا: لو جلستَ إلينا يا أبا عياض. ومن طريق موسى بن أبي(٣) كثير عن مجاهد:
حدَّثنا أبو عِيَاض في خِلَافة معاوية.
وروى أحمد في ((الزُّهد)): أنَّ عمر أثنى على أبي عياض. وذكره أبو موسى في ((ذَیل
الصحابة)) وعزاه لابن أبي عاصم، وأظنّه ذكره لإدراكه، ولكن لم تَثْبُت له صُحْبة.
وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال ابن عبد البَرِّ: أجمعوا على أنَّه كان من
العلماء الثُّقات.
(١) نسبة العنسي لم ترد في اليونينية ولا في ((إرشاد الساري))، ولا في الأصل الذي عندنا برواية أبي ذر الهرويّ.
(٢) وقع في (س): شرحبيل بن عمرو بن مسلم. بإقحام عبارة (بن عمرو).
(٣) لفظة ((أبي)) سقطت من (س).

٢٦٨
باب ٨ / ح ٥٥٩٥ - ٥٥٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
وإذا تَقرَّرَ ذلك فالرَّاجح في أبي عِيَاض الذي يروي عنه مجاهد أنَّه عَمْرو بن الأسود وأنَّه
شاميّ، وأمَّا قيس بن ثَعْلبة فهو أبو عِيَاض آخر وهو كوفيّ، ذكره ابن حِبّان في ثقات التابعينَ،
وقال: إنَّه يروي عن عمر وعليّ وابن مسعود وغيرهم، روى عنه أهل الكوفة.
وإنَّما بَسَطت ترجمته لأنَّ الِّيّ لم يَستَوعِبها، وخَلَطَ ترجمة بترجمةٍ، وأنَّه صَغَّرَ اسمه
فقال: عُمَير بن الأسود الشّاميّ العَنْسي صاحب عُبَادة بن الصّامت، والذي يظهر لي أنَّه
غيره، فإن كان كذلك فما له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وإن كان كما قال المّي فإنَّ له
عند البخاريّ حديثاً تقدَّم ذكره في الجهاد (٢٩٢٤) من رواية خالد بن معدان عن عُمَیر بن
الأسود عن أمّ حرام بنت مِلْحان، وكأنَّ عُمدته في ذلك أنَّ خالد بن معدان روى عن
عَمْرو بن الأسود أيضاً، وقد فرَّقَ ابن حِبّان في («الثُّقات)» بین عُمَیر بن الأسود الذي يُكْنی
٦٠/١٠ أبا عِيَاض، وبين عُمَير بن الأسود الذي يروي عن/ عُبَادة بن الصّامت، وقال في(١) كلٍّ
منهما: عُمَير، بالتَّصغير، فإن كان ضَبَطَه فلعلَّ أبا عِيَاض كان يقال له: عَمْرو وعُمَير،
ولكنَّه آخرُ غير صاحب عُبَادة، والله أعلم.
قوله: ((عن عبد الله بن عَمْرو)) أي: ابن العاص، كذا في جميع نُسَخ البخاريّ، ووَقَعَ في بعض
نُسَخ مسلم: عبد الله بن عُمر، بضمِّ العين، وهو تصحيف نَبَّهَ عليه أبو عليّ الجيَّانيّ.
قوله: ((لَمّا نَهَى النبيّ وَل﴿ عن الأسقية)) كذا وَقَعَ في هذه الرِّواية. وقد تَفَطَّنَ البخاريّ
لما فيها، فقال بعد سياق الحديث: حدَّثني عبد الله بن محمَّد حدّثنا سفيان بهذا، وقال: عن
الأوعية. وهذا هو الرَّاجح، وهو الذي رواه أكثر أصحاب ابن عُيَينةَ عنه كأحمد (٦٤٩٧)
والحُميديّ (٥٨٢) في ((مُسنَدَيهما))، وأبي بكر بن أبي شَيْبة وابن أبي عمر عند مسلم (٢٠٠٠)،
وأحمد بن عَبْدة عند الإسماعيليّ، وغيرهم.
وقال عِيَاض: ذِكْر الأسقية وهمٍّ من الراوي، وإنَّما هو: عن الأوعية، لأنَّه ◌َلهلم يَنْهَ قَطُّ
عن الأسقية، وإنَّما تَهَى عن الظّروف وأباحَ الانتباذ في الأسقية، فقيل له: ليس كلّ الناس تَجِد
(١) لفظة ((في)) سقطت من (س).

٢٦٩
باب ٨ / ح ٥٥٩٥-٥٥٩٦
كتاب الأشربة
سِقاء، فاستَثَنَى ما يُسكِر. وكذا قال لوفدٍ عبد القيس لمَّا تَهاهم عن الانتباذ في الدُّاء
وغيرها، قالوا: ففيمَ نَشرَب؟ قال: ((في أسقية الأَدَم))(١). قال: ويحتمل أن تكون الرِّواية في
الأصل كانت: لمَّا نَهَى عن النبيذ إلّا في الأسقية، فسَقَطَ من الرِّواية شيء. انتهى، وسَبَقَه
إلى هذا الْحُميديُّ فقال في ((الجمع)): لعلَّه نَقَصَ من لفظ المتن، وكان في الأصل: لمَّا نَى
عن النبيذ إلّا في الأسقية. وقال ابن التِّين: معناه لمَّ تَهَى عن الظّروف إلّا الأسقية. وهو
عجيب، والذي قاله الحميديّ أقرَب، وإلّا فحذف أداة الاستثناء مع المستثنَى منه وإثبات
المستَثَنَى غير جائز إلّا إن اذَّعَى ما قال الحميديّ أنَّه سَقَطَ على الراوي.
وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن يكون معناه لمَّا نَهَى في مسألة الأنبذة عن الجِرار بسببِ الأسقية.
قال: ومَجيء ((عن)) سببيَّةً شائعٌ، مِثل: يَسْمَنون عن الأكل، أي: بسببِ الأكل، ومنه:
﴿فَأَزَّلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦]، أي: بسببها. قلت: ولا يخفى ما فيه.
ويظهر لي أن لا غَلَط ولا سَقط، وإطلاق السِّقاء على كلّ ما يُستَقَى منه جائز، فقوله:
نَهَى عن الأسقية، بمعنى الأوعية، لأنَّ المراد بالأوعية: الأوعية التي يُستَقَى منها،
واختصاص اسم الأسقية بما يُتَّخَذ من الأَدَم إنَّما هو بالعُرْفِ. قال ابن السِّكّيت: السِّقاء يكون
للََّنِ والماء، والوَطْب - بالواو - لَّبَنِ خاصّة، والنِّخي - بكسر النُّون وسكون المهمَلة - للسَّمْن،
والقِرِبة للماء، وإلّا فمَن يُجيز القياس في اللُّغة لا يَمنَع ما صَنَعَ سفيان، فكأنَّه كان يرى استواء
اللَّفْظَين، فحدَّث به مرَّة هكذا ومِراراً هكذا، ومن ثَمَّ لم يَعُدَّها البخاريّ وهماً.
قوله: ((عن الأوْعية)) فيه حذف تقديره: نَهَى عن الانتباذ في الأوعية، وقد بيَّن ذلك في
رواية زياد بن فيّاض عن أبي عِيَاض أخرجه أبو داود (٣٧٠٠) بلفظ: ((لا تَنبِذوا في الدُّبّاء
والحَنْتَم والنَّقِيرِ))(٢).
والفرقُ بين الأسقية من الأَدَم وبين/ غيرها أنَّ الأسقية يَتَخلَّلُها الهواءُ من مَسَامّها فلا ٦١/١٠
(١) أخرجه مسلم (١٨) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) كذا قال الحافظ رحمه الله، مع أنَّ لفظ أبي داود: ذكر رسول الله وَلخير الأوعية: الدباء والحنتم ... إلى آخره. وأما
اللفظ الذي ذكره فهو لفظ رواية الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)» ٢٢٨/٤ من طريق زياد بن فياض أيضاً.

٢٧٠
باب ٨ / ح ٥٥٩٥ - ٥٥٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
يُسرع إليها الفسادُ مِثلَ ما يُسرع إلى غيرها من الجِرار ونحوها ممَّا نُهي عن الانتباذ فيه.
وأيضاً فالسِّقاء إذا نُبِذَ فيه ثمَّ رُبِطَ أُمِنَت مَفسَدة الإسكار بما يُشرَب مِنه لأنَّه متى تَغيَّرَ
وصارَ مُسكِراً شَقَّ الجلدَ، فلمَّا لم يَشُقَّه فهو غير مُسكِر، بخِلَاف الأوعية لأنَّها قد يَصِيرُ
النبيذُ فيها مُسكِراً ولا يُعلَم به. وأمَّا الرّخصة في بعض الأوعية دونَ بعض فمن جهة
المحافظة على صيانة المال لُبُوتِ النَّهي عن إضاعته، لأنَّ التي نُهي عنها يُسرع التغيُّر إلى ما
يُنْبَذ فيها، بخِلَاف ما أُذِنَ فيه، فإنَّه لا يُسرع إليه التغيُّر، ولكنَّ حديث بُرَيدة(١) ظاهر في
تعميم الإذن في الجميع، يفيد أن لا تشربوا المسكِر، فكأنَّ الأمن حَصَلَ بالإشارة إلى تَرْك
الشُّرب من الوعاء ابتداء حتَّى يُخْتَبَر حالُه هل تَغيَّرَ أو لا، فإنَّه لا يَتَعيَّن الاختبار بالتُّربِ بل
يقع بغير الشُّرب، مِثل أن يصير شديد الغَلَيَان أو يَقْذِف بالَّبَدِ ونحو ذلك.
قوله: ((فقالوا: لا بدَّ لَنا)) في رواية زياد بن فيّاض: أنَّ قائلَ ذلك أعرابيّ.
قوله: ((فَرَخَّصَ لهم في الجَرّ غير المزَفَّت)» في رواية ابن أبي عمر: فأرخَصَ. وهي لُغة،
يقال: أرخَصَ ورَخَّصَ. وفي رواية ابن أبي شَيْبة (٨/ ١٦٠): فأذِنَ لهم في شيءٍ مِنه. وفي هذا
دلالة على أنَّ الرُّخصة لم تقع دفعةً واحدةً، بل وَقَعَ النَّهي عن الانتباذ إلّا في سِقَاءٍ، فلمَّا
شَكَوْا رَخَّصَ لهم في بعض الأوعية دونَ بعض، ثمَّ وَقَعَتِ الرُّخصة بعد ذلك عامّةً. لكن
يَفْتَقِر مَن قال: إنَّ الرُّخصة وَقَعَت بعد ذلك، إلى أن يُثبِت أنَّ حديث بُرَيدة الدّالّ على ذلك
كان مُتأخّراً (٢) عن حديث عبد الله بن عَمْرو هذا.
(١) أخرجه مسلم (١٩٩٩).
(٢) يستفاد من مجموع روايات حديث بريدة الأسلمي تأخره عن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص،
وذلك كقوله في حديث بريدة: كنت نهيتكم عن الأوعية، فانتبذوا فيما بدا لكم وإياكم وكل مسكر))،
وقوله في رواية أخرى ((نهيتكم عن النبيذ إلّا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكراً»، وفي
رواية: ((في أي شيء تنتبذون؟)) قالوا: نتبذ في النقير والدباء، وليس لنا ظروف، فقال: ((لا تشربوا إلّا فيما
أوكيتم عليه)) ... ثم قال لهم: ((واشربُوا وكلُّ مُسكِرٍ حرام)) فدلَّ إذنه وَله في الجميع مع تحاشي شرب
المسكر على شمول الإذن فيما كان نهى عن بعضه بعد عموم النهي، كالجرّ المزفت المفهوم من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص، والله تعالى أعلم.

٢٧١
باب ٨ / خ ٥٥٩٥-٥٥٩٦
كتاب الأشربة
قوله: ((حدَّثني عبد الله بن محمَّد)) هو الْجُعْفيّ، وليس هو أبا بكر بن أبي شَيْبة وإن كان
هو أيضاً عبد الله بن محمَّد، لأنَّ قول البخاريّ: بهذا، يُشعِر بأنَّ سياقه مِثل سياق عليّ بن
المَدِينِيّ إلّا في اللَّفظة التي اختَلَفا فيها، وسياق ابن أبي شَيْبة لا يُشبِه سياق عليّ.
الحديث الثالث: قوله: ((حدَّثْني سليمان)) هو الأعمَش، وإبراهيم النَّيْميُّ: هو ابنُ يزيد
ابن شريك.
قوله: ((عن الدُّاء والمزَقَّت)) زاد في رواية مالك بن عُمَير عن عليّ عند أبي داود (٣٦٩٧).
والحَنْتَم والنَّقير(١).
قوله: ((حدَّثْني عُثْمان)) هو ابن أبي شَيْبة، وجَرِير: هو ابنُ عبد الحميد.
قوله: ((بهذا)) أي: بهذا الإسناد إلى عليّ والمتن، وقد أخرجه الإسماعيليّ عن عمران بن
موسى عن عثمان بن أبي شَيْبة عن جَرِير عن الأعمش، فقال: بإسنادِهِ مِثله.
الحديث الرابع: قوله: ((عن إبراهيم)) هو النَّخَعيُّ («قلت للأسودِ» هو ابن يزيد النَّخَعيُّ،
وهو خالُ إبراهيم الراوي عنه.
قوله: (عَمَّ نَهَى النبيّ ◌َّهِ أَن يُنْتَبَذْ فيه؟)) أي: أخبرني عمَّا نَهَى. و((عمّا)) أصلها ((عن ما))
فأُدغِمَت، ولا تُشبع الميم غالباً. ووقَعَ في رواية الإسماعيليّ: ((ما نَى)) بحذفٍ ((عن)).
قوله: ((أهل البيت)) بالفتح على الاختصاص، أو على البَدَل من الضَّميرِ.
قوله: ((أما ذَكَرت)) القائل هو إبراهيم، وقوله: ((قال)) أي: الأسود.
وقوله: ((أفنُحَدِّث)) كذا للأكثرِ بالنّون، وللُشْمِيهنيّ: أفأُحدِّث، بالإفراد، وهو استفهام
إنكارٍ، وفي رواية الإسماعيليّ: أفأُحدِّثك ما لم أسمَع؟! وإنَّما استَفهَمَ إبراهيم عن الجرّ
والحَنْتَم لاشتِهار الحديث بالنَّهي عن الانتباذ في الأربعة، ولعلَّ هذا هو السِّ في التَّقْبيد
بأهلِ البيت، فإنَّ الدُّبّاء والمَقَّت كان عندهم مُتَيَسِّراً، فلذلك خُصَّ نَهُهم عنهما.
(١) لفظه: نهانا رسول الله وَ﴿ه عن الدُّبّاء والحنتم والنَّقير والجِعَة. قلنا: والجعة شراب يصنع من الشعير
والحنطة.

٢٧٢
باب ٨ / ح ٥٥٩٥-٥٥٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الخامس: قوله: ((حدَّثنا عبد الواحد)) هو ابن زياد، والشَّيبانيّ: هو أبو إسحاق
سليمان بن فيروز، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ: حذَّثني سليمانُ الشَّيبانيّ.
قوله: ((عن الجرّ الأخضَرِ)) في رواية الإسماعيليّ: عن نبيذ الجرّ الأخضَر.
قوله: ((قلت)» القائلُ هو الشَّيبانيّ.
قوله: ((قال: لا)) يعني أنَّ حُكمه حُكم الأخضر، فدَلَّ على أنَّ الوصف بالخُضرة لا مفهوم
له، وكأنَّ الجِرار الخُضر حينئذٍ كانت شائعةً بينهم، فكانَ ذِكْر الأخضَر لبيان الواقع لا
للاحترازِ. وقال ابن عبد البَرِّ: هذا عندي كلام خَرَجَ على جواب سؤال، كأنَّه قيل: الجرّ
الأخضر، فقال: لا تَنِذُوا فيه، فسمعَه الراوي فقال: نَهَى عن الجرّ الأخضر، وقد روى ابن
عبَّاس: عن النبيّ وَِّ: أنَّه نَهَى عن نبيذ الجرّ. قال: والجرّ: كلّ ما يُصنَع من مَدَرٍ.
قلت: وقد أخرج الشافعيّ (١٩٣/٦) عن سفيان عن أبي إسحاق عن ابن أبي أولَى:
نَهَى رسول الله وَّه عن نبيذ الجرّ الأخضَر والأبيض والأحمر(١). فإن كان محفوظاً ففي
الأوَّل اختصار، والحديث الذي ذكره ابن عبد البَرِّ أخرجه مسلم (١٩٩٧/ ٤٧) وأبو داود
(٣٦٩١) وغيرهما. قال الخطَّبيُّ: لم يُعلَّق الحُكمُ في ذلك بالخُضرة والبياض، وإنَّما عُلِّق
بالإسكار، وذلك أنَّ الجِرار تُسرع التغيُّر لمَا يُنبذ فيها، فقد يَتغيَّر من قبل أن يُشعَر به،
فنُهوا عنها، ثمَّ لمَّا وَقَعَتِ الرُّخصة أُذِنَ لهم في الانتباذ في الأوعية بشرطِ أن لا يَشرَبوا
مُسكِراً.
وقد أخرج ابن أبي شيبة (٨/ ١٥١) من وجه آخر عن ابن أبي أوفى(٢): أنَّه كان يشرب نبيذ
الجرّ الأخضَر. وأخرج أيضاً (٨/ ١٥٠) بسندٍ صحيح عن ابن مسعود: أنَّه كان يُنبذ له في الجرّ
الأخضر. ومن طريق مَعقِل بن يَسار وجماعة من الصحابة نحوه.
وقد خَصَّ جماعةٌ النَّهيَ عن الجرّ بالجِرار الخُضر كما رواه مسلم (١٩٩٣) عن أبي
(١) وكذلك أخرجه النسائي (٥٦٢٢) عن محمد بن منصور عن سفيان بن عيينة.
(٢) في إسناده مسلم بن كَيْسان المُلائي، وهو ضعيف جداً.

٢٧٣
باب ٩ / ح ٥٥٩٧
كتاب الأشربة
هريرة./ قال النَّوويّ: وبه قال الأكثر أو الكثير من أهل اللَّغة والغريب والمحدِّثينَ ٦٢/١٠
والفقهاء، وهو أصحّ الأقوال وأقواها، وقيل: إنَّها جِرار مُقيِّرة الأجواف يُؤتَى بها من
مِصر، أخرجه ابن أبي شَيْبة عن أنس (١٦٣/٨)، وقيل مِثله عن عائشة (١) بزيادة: أعناقها
في جَنوبها، وعن ابن أبي ليلى: جِرار أفواهها في جُنوبها ◌ُجُلَب فيها الخمر من الطائف،
وكانوا يَنِبِذُونَ فيها يُضاهونَ بها الخمر. وعن عطاء: جِرار تُعمَل من طين ودَم وشَعر.
ووَقَعَ عند مسلم (٤٧/١٩٩٧) عن ابن عبّاس: أنَّه فَسَّرَ الجرّ بكلُّ شيء من مَدَر، وكذا
فَسَّرَ ابن عمر الجرّ بالجرّة وأطلقَ، ومثله عن سعيد بن جُبَير وأبي سَلَمة بن عبد الرَّحمن.
٩- باب نَقیع التّمر ما لم يُسکِر
٥٥٩٧ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ القاريُّ، عن أبي حازم، قال:
سمعتُ سَهْلَ بنَ سعْدِ الساعِدِيَّ: أنَّ أبا أُسَيدِ الساعِدِيَّ دَعَا النبيَّ وَّ لِعُرِهِ، فكانت امرأتُه
خادِمَهم يومَئذٍ، وهي العروسُ، فقالت: ما تَدرونَ ما أَنْقَعْتُ لرسولِ اللهِ وَلِ؟ أَنْقَعْتُ له
تَمَراتٍ منَ اللَّیلِ في تَوْرٍ.
قوله: ((باب نقیع التّمْر ما لم يُسْکِر)» أورَدَ فیه حدیث سهل بن سعد في قصَّة امرأة أبي
أُسَيد، وفيه: أنقَعت له تَمرات. وقد تقدَّم التَّنبيه عليه قريباً (٥٥٩١)، وتقدّم بسنده ومتنه في
أبواب الوليمة (٥١٨٣)، وأشارَ بالتَرجمة إلى أنَّ الذي أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٣١/٨-١٣٢)
عن عبد الرّحمن بن مَعِقِل وغيره من كراهة نَقيع الَّبيب محمول على ما تَغيَّرَ وكادَ يَبلُغُ حَدّ
الإسكار، أو أراد قائلُه حَسْم المادّة كما سيأتي عن عَبيدة السَّلْمانيّ(٢) أنَّه قال: أحدَثَ الناس
(١) أخرجه عنها ابن أبي شيبة ١١٨/٨، وأحمد في ((الأشربة)) (٥٧)، وأبو يعلى (٤٤٦٦)، والطحاوي في
(شرح معاني الآثار)) ٢٢٤/٤، لكن ليس عندهم: أعناقها في جنوبها.
(٢) أخرجه النسائي (٥٧٥٤) من طريق عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن عبيدة، بزيادة ذكر العسل، وهو
عند النسائي أيضاً (٥٧٥٣) من طريق سليمان التيمي عن محمد بن سیرین عن عبیدة عن عبد الله بن مسعود،
فجعله من قول ابن مسعود، وذكر السّويق بدل اللبن، لكن جاء عند ابن حزم في ((المحلى)) ٧/ ٥٠٣ من طريق
التيمي أيضاً عن ابن سيرين عن عَبيدة عن ابن مسعود بذكر الماء والعسل واللبن.

٢٧٤
باب ١٠
فتح الباري بشرح البخاري
أشرِبةً لا أدري ما فيها، فما لي شرابٌ إلّا الماء واللََّن، الحديث. وتقييده في التَّرجمة بما لم
يُسكِرِ مع أنَّ الحديث لا تَعرُّض فيه للسُّكرِ لا إثباتاً ولا نفياً، إمّا من جهة أنَّ المدّة التي
ذكرها سَهل - وهي (١) من أوَّل اللَّيل إلى أثناء نهاره - لا يَحَصُل فيها التغيُّرُ جملةً، وإمّا خَصَّه
بما لا يُسكِر من جهة المقام، والله أعلم.
١٠ - باب الباذَق، ومن نَهَى عن كلّ مسكرٍ من الأشربة
وَرَأَى عمرُ وأبو عُبيدةَ ومعاذٌّ شُرْبَ الطِّلَاءِ على الثُّثِ.
وَشَرِبَ البراءُ وأبو جُحَيفةَ على النّصْفِ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ : اشرَبِ العَصِيرَ ما دامَ طَرِيّاً.
٦٣/١٠
وقال عمرُ: وَجَدْتُ من عُبيدِ الله رِيحَ شرابٍ، وأنا سائلٌ عَنه، فإن كان يُسكِرُ جَلَدْتُه.
قوله: ((باب الباذَق)) ضَبَطَه ابن التِّين بفتح المعجَمة(٢)، ونَقَلَ عن الشَّيخ أبي الحسن،
يعني: القابِسِيّ أنَّه حدَّث به بكسر الذّال، وسُئلَ عن فتحها، فقال: ما وقَفْنا عليه. قال:
وذكر أبو عبد الملك أنَّه الخمر إذا طُبَخَ. وقال ابن التِّين: هو فارسيّ مُعرَّب. وقال
الجَوَاليقيّ: أصله باذه، وهو الطِّلاء، وهو أن يُطبَخ العَصير حتَّى يصير مِثل طِلاء الإبل(٣).
وقال ابن قُرِقُول: الباذَق: المطبوخ من عَصير العِنَب إذا أسكَرَ، أو إذا طُبِخَ بعد أن اشتَدَّ.
وذكر ابن سِيْدَه في ((المحكم)): أنَّه من أسماء الخمر. وأغرَبَ الدَّاوُوديّ فقال: إنَّه يُشِه
الفُقّاع إلّا أنَّه رُبَّما اشتَدَّ وأسكَرَ، وكلام مَن هو أعرَف منه بذلك يُخَالِفِه. ويقال للباذَق
أيضاً: المثلّث، إشارة إلى أنَّه ذهب منه بالطَّبخ ثُلُناه، وكذلك المنَصَّف، وهو ما ذهب
نصفُه، وتُسمّيه العَجَمِ: مَيْبُخْتَج، بفتح الميم وسكون التَّحتانيَّة وضمِّ الموخَّدة وسكون
المعجَمة وفتح المثنّاة وآخره جيم، ومنهم مَن يَضُمّ المثنّة. ورأيته (٤) في ((مُصنَّ ابن أبي شَيْبة))
(١) تحرَّف في (س) إلى: وهو.
(٢) وكذلك ضبطها عياض وابن الجوزي وابن الأثير، بفتح المعجمة.
(٣) أي: القَطِران الذي يُطلى به جَرَبُها. انظر ((مشارق الأنوار)) ٣٢٠/١.
(٤) تحرَّف في (س) إلى: وروايته.

٢٧٥
باب ١٠
كتاب الأشربة
(١٨٧/٨) بدالٍ بَدَل المثنّاة(١)، وبحذفِ الميم والياء من أوَّله.
قوله: ((ومَن نَهَى عن كلّ مُسْكِرٍ من الأشربة)) كأنَّه أخَذَه من قول عمر: فإن كان يُسكِر
جَلَدتُه، مع نَقْله عنه تجويز شُرب الطِّلاء على الثُّلث، فكأنَّه يُؤخَذ من الخبرَينِ أنَّ الذي
أباحَه ما لا يُسكِر أصلاً، وأمَّا قوله: من الأشرِبة، فلأنَّ الآثار التي أورَدَها مرفوعها
وموقوفها تتعلَّق بما يُشرَب. وقد سَبَقَ جمع طرق حديث: ((كلّ مُسكِر حرام)) في ((باب الخمر
من العَسَل))(٢).
قوله: ((وَرَأى عمر وأبو عُبيدة ومعاذ شُرْبَ الطِّلاء على الثُّلث)) أي: رأوا جواز شُرب
الطِّلاء إذا طُبِخَ فصارَ على الثُّلث ونَقَصَ منه الثُّلثان، وذلك بَيِّن من سياق ألفاظ هذه
الآثار.
فأمَّا أثر عمر فأخرجه مالك في ((الموطَأ)) (٢/ ٨٤٧) من طريق محمود بن ◌َبيد الأنصاريّ:
أنَّ عمر بن الخطّاب حين قَدِمَ الشّام شَكا إليه أهلُ الشّام وباء الأرض وثِقَلَها، وقالوا: لا
يُصلِحنا إلّا هذا الشَّراب، فقال عمر: اشرَبوا العَسَل، قالوا: ما يُصلِحِنا العَسَل، فقال
رجال من أهل الأرض: هل لك أن نجعل لك من هذا الشَّراب شيئاً لا يُسكِر؟ فقال:
نعم، فطَبَخوه حتَّى ذهب منه الثُّلُثان وبَقِيَ الثُّلث، فأتوا به عمرَ فأدخَلَ فيه إصبَعه ثمَّ رَفَعَ
يده فتَبِعَها يَتَمَطَّط، فقال: هذا الطِّلاء مِثل طِلاء الإبل، فأمَرَهم عمر أن يشربوه. وقال
عمر: اللهمَّ إنّ لا أُحِلّ لهم شيئاً حَرَّمتَه عليهم.
وأخرج سعيد بن منصور من طريق أبي مِجْلَز عن عامر بن عبد الله قال: كَتَبَ عمر
إلى عمّار: أمَّا بعد، فإنَّه جاءني عِيرٌ تَحمِل شراباً أسودَ كأنَّه طِلاء الإبل، فذَكَروا أنَّهم يَطْبُخونَه
(١) كذا وقع للحافظ مع أنَّ الذي في الطبعات المحققة من ((مصنف ابن أبي شيبة)): بختج، بالمثناة أيضاً،
وكذلك سُمِّيَ في ((غريب الحديث)) لأبي عبيد وفي ((النهاية)) لابن الأثير، وفي ((المُغرِب)) للمُطرِّزي، ولم
نقف عليه بالدال في شيء من كتب اللغة والغريب. وجاء في ((صحاح الجوهري)): مَيَختَج، كما ضبطه
الحافظ أولاً.
(٢) هو الباب رقم (٤).

٢٧٦
باب ١٠
فتح الباري بشرح البخاري
حتَّى يذهب ثُلُثاه الأخبئان: ثُلُث بِرِيحِه وثُلُث بَبَغيِهِ. فمُرْ مَن قِبَلك أن يشربُوه(١). ومن
طريق سعيد بن المسيّب: أنَّ عمر أحَلَّ من الشَّراب ما طُبِخَ فذهب ثُلُناه وبَقِيَ ثُلُته. وأخرج
النَّسائيُّ (٥٧١٧) من طريق عبد الله بن يزيد الخَطْميّ قال: كَتَبَ عمر: اطبخوا شرابكم
حتَّى يذهب نصيب الشَّيطان منه، فإنَّ للشَّيطان اثنينِ ولَكم واحد. وهذه أسانيد صحيحة،
وقد أفصَحَ بعضها بأنَّ المحذور منه السُّكرُ فمَتَى أسكَرَ لم يَحِلّ. وكأنَّه أشارَ بنصيبٍ
الشَّيطان إلى ما أخرجه النَّسائيُّ(٢) من طريق ابن سِيرِين في قصَّة نوح عليه السلام قال: لمَّا
رَكِبَ السَّفينةِ فَقَدَ الحبْلة(٣)، فقال له الملك: إنَّ الشَّيطان أخَذَها، ثمَّ أُحِضِرَت له ومعها
الشَّيطان، فقال له الملك: إنَّه شَرِيكُك فيها فأحسِن الشّركة، قال: له النِّصف، قال: أحسِن،
قال: له الثُّلثان ولِيَ الثُّلث، قال: أحسنتَ وأنتَ مُحِسانٌ، أن تأكُله عِنَباً وتشربه عَصيراً، وما
طُبِخَ على الثُّلث فهو لك ولِذُرّيَّتِك، وما جازَ عن الثُّلث فهو من نصيب الشَّيطان. وأخرجه
أيضاً (٥٧٢٦) من وجه آخر عن ابن سيرين عن أنس بن مالك فذكره. ومثله لا يقال بالرَّأي
فيكون له حُكم المرفوع.
٦٤/١٠
وأغرَبَ ابن حَزْم فقال: أنس بن مالك لم يُدرِك نوحاً فيكون مُنقَطِعاً.
وأمَّا أثر أبي عبيدة - وهو ابن الجرّاح - ومعاذ - وهو ابن جبل - فأخرجه أبو مسلم
الكَجِّيّ(٤) وسعيد بن منصور وابن أبي شَيْبة (٨/ ١٧٠) من طريق قَتَادة عن أنس: أنَّ أبا عبيدة
ومعاذ بن جبل وأبا طلحة كانوا يشربونَ من الطِّلاء ما طُبِخَ على الثُّلث وذهب ثُلُثاه. والطِّلاء،
بكسر المهملة والمدّ: هو الدِّبْس، شُبَّهَ بطِلاءِ الإبل، وهو القَطِران الذي يُدهَن به، فإذا طُبِخَ
عَصير العِنَب حتَّى تَدَّدَ أشبَةَ طِلاء الإبل، وهو في تلك الحالة غالباً لا يُسكِر.
(١) وهو في ((سنن النسائي)) (٥٧١٦) أيضاً، لكن جاء عنده أنَّ المكتوب إليه هو أبو موسى الأشعري لا عمار.
(٢) لم نقف عليه عند النسائي في ((الكبرى)) ولا في ((المجتبى))، ولم يَعزُه السيوطي في ((الدر المنثور)) لغير عبد
الرزاق وابن المنذر، وقد أخرجه بنحوه عبد الرزاق (١٧١١٩) عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين.
وفي آخره: قال ابن سيرين: فوافق ذلك كتاب عمر بن الخطاب.
(٣) قوله: ((الحبلة)) بفتح الحاء وسكون الباء: وهي الكرمة.
(٤) ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في ((الطب النبوي)) (٧٨١).

٢٧٧
باب ١٠
كتاب الأشربة
.. ...
وقد وافقَ عمرَ ومَن ذُكِرَ معه على الحكم المذكور: أبو موسى وأبو الدَّرداء أخرجه النَّسائيُّ
(٥٧٢١) عنهما، وعليّ وأبو أمامةً وخالد بن الوليد وغيرهم أخرجها ابن أبي شَيْبة
(١٧١/٨ و١٧٥) وغيره، ومن التابعينَ ابن المسيّب والحسن وعِكْرمة، ومن الفقهاء الثَّوْريّ
واللَّيث ومالك وأحمد والجمهور، وشرطُ تَناوُلِه عندهم ما لم يُسكِرِ، وكَرِهَه طائفة تَورُّعاً.
قوله: ((وشَرِبَ البراء وأبو جُحَيفةَ على النِّصْف)) أمَّا أثر البراء فأخرجه ابن أبي شَيْبة
(٨/ ١٨٥) من رواية عَديّ بن ثابت عنه: أنَّه كان يشرب الطِّلاء على النِّصف. أي: إذا
طُبِخَ فصارَ على النِّصف. وأمَّا أثر أبي جُحَيفةَ فأخرجه ابن أبي شَيْبة أيضاً من طريق
خُصَين بن عبد الرَّحمن قال: رأيت أبا جُحَيفةَ، فذكر مثله(١). ووافَقَ البراء وأبا(٢) جُحَيفةَ
جَرِيرٌ وأنس، ومن التابعينَ ابن الحنفيَّة وشُرَيح(٣)، وأطبَقَ الجميع على أنَّه إن كان يُسكِر
حَرُمَ.
وقال أبو عُبيد(٤) في الأشربة: بَلَغَني أنَّ المُنصَّفَ(٥) يُسكِر فإن كان كذلك فهو حرام.
والذي يظهر أنَّ ذلك يختلف باختلاف أعناب البلاد، فقد قال ابن حَزْم: إنَّه شاهَدَ من
العَصير ما إذا طُبِخَ إلى الثُّلث يَنعَقِد ولا يصير مُسكِراً أصلاً، ومنه ما إذا طُبِخَ إلى النِّصف
(١) كذا ذكر الحافظ رحمه الله، أنَّ الذي روى عن أبي جحيفة شربَه الطِّلاءَ حصينُ بن عبد الرحمن، وليس
الأمرُ كذلك، وإنما الذي روى عنه ذلك طلحة بن جبر، كذا في سائر الطبعات المحققة من ((المصنف))
وكذلك جاء في ((المحلى)) لابن حزم ٧/ ٤٩٧، ومنشأ الوهم لدى الحافظ هو أنه تحرف في نسخته من
(المصنف)) اسم طلحة بن جبر إلى طلحة عن حصين كما يظهر جلياً من خلال سياق إسناد ابن أبي شيبة
في ((تغليق التعليق)) ٢٥/٥ فجزم بأنَّ حصيناً هو ابن عبد الرحمن، وطلحة هذا ذكره ابن حبان في
«الثقات) ٣٩٤/٤، وقال: شیخ یروي عن أبي جحيفة روى عنه و کیع. وضعفه ابن معین کما في( الجرح
والتعديل)) ٤/ ٤٨٠، وفي رواية وثقه كما في ((الكامل)) لابن عدي ٤/ ١١٢!
(٢) تحرَّف في (س) إلى: وأبو.
(٣) أخرج هذه الآثار أيضاً ابن أبي شيبة ١٨٥/٨ و١٨٦.
(٤) تحرَّف في (س) إلى: أبو عبيدة. وإنما قائل ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام، قاله في ((غريب الحديث))
١٧٧/٢.
(٥) تحرَّف في (س) إلى: النصف.

٢٧٨
باب ١٠
فتح الباري بشرح البخاري
كذلك، ومنه ما إذا طُبِخَ إلى الرُّبع كذلك، بل قال: إنَّه شاهَدَ منه ما يصير رُبّاً خائِراً لا
يُسكِرِ، ومنه ما لو طُبِخَ حتى(١) لا يَبقَى غير رُبعه لا يَخْثُر ولا يَنفَكّ السُّكر عنه، قال: فوجَبَ
أن يُحمَل ما ورَدَ عن الصحابة من أمر الطِّلاء على ما لا يُسكِر بعد الطَّبخ.
وقد ثَبَتَ عن ابن عبّاس بسندٍ صحيحٍ: أنَّ النار لا تُحِلّ شيئاً ولا تُحرِّمه. أخرجه
النَّسائيّ (٥٧٣٠) من طريق عطاء عنه، وقال: إنَّه يريد بذلك ما نُقِلَ عنه في الطِّلاء.
وأخرج أيضاً (٢) من طريق طاووسٍ قال: هو الذي يصير مِثل العَسَل يُؤْكَل، ويُصَبّ عليه
الماء فيُشرَب.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: اشرَبِ العَصير ما دامَ طَرِيّاً)) وَصَلَه النَّسائيُّ (٥٧٢٩) من طريق
أبي ثابت الثَّعلَبيّ قال: كنت عند ابن عبّاس، فجاءه رجل يسأله عن العَصير، فقال: اشرَبْه
ما كان طَرِيّاً، قال: إنّي طَبَختُ شراباً وفي نفسي منه شيءٌ، قال: أكنتَ شاربَه قبل أن
تَطْبُخَه؟ قال: لا، قال: فإنَّ النار لا تُحِلّ شيئاً قد حُرِّم.
وهذا يُقيِّد ما أُطلِقَ في الآثار الماضية، وهو أنَّ الذي يُطبَخ إنَّما هو العَصيرِ الطَّريّ قبل
أن يَتَخَمَّر، أمَّا لو صارَ خمراً فطُبِخَ فإنَّ الطَّبخ لا يُطَهِّرِه ولا يُحِلّه إلّا على رأي مَن يُجيز
تَخليل الخمر، والجمهور على خِلافه، وحُجَّتهم الحديث الصَّحيح عن أنس وأبي طلحة
أخرجه مسلم(٣).
وأخرج ابن أبي شَيْبة (١٣٥/٨ -١٣٧) والنَّسائيُّ (٥٧٣١) من طريق سعيد بن المسيّب
والشَّعْبيّ والنَّخَعيِّ: اشرَب العَصير ما لم يَغْلِ. وعن الحسن البصريّ: ما لم يَتغيَّر. وهذا
(١) لفظة ((حتى)) سقطت من (س).
(٢) الضمير هنا يعود على ابن حزم، حيث ذكر أثر طاووس هذا ٧/ ٤٩٨، وأخرجه عن طاووس أيضاً عبد
الرزاق (١٧١١٨).
(٣) كلام الحافظ هذا يوهم أنَّ مسلماً أخرج الحديث عن أنس وعن أبي طلحة، وإنما أخرج مسلم حديث أنس برقم
(١٩٨٣)، وأما حديث أبي طلحة فأخرجه الترمذي (١٢٩٣) وبيَّ أنَّ الصحيح أنه من رواية أنس بن مالك:
أنَّ أبا طلحة سأل النبي ◌َّفي، الحديث. وما أشار إليه الترمذي هو رواية أبي داود (٣٦٧٥).

٢٧٩
باب ١٠
كتاب الأشربة
قول كثير من السَّلَف: أنَّه إذا بَدَأ فيه التغيُّر يَمتَنِعِ، وعلامة ذلك أن يأخُذ في الغَلَيان. وبهذا
قال أبو يوسف، وقيل: إذا انتهى غَلَيانه وابتَدَأ في الهدوء بعد الغَلَیان، وقيل: إذا سَكَنَ
غَلَیانه.
وقال أبو حنيفة: لا يَجِرُم عَصير العِنَب النِّيءُ حتَّى يَغْلِيَ ويَقْذِف بالزَّبَد، فإذا غلى وقَذَفَ
بالَّبَدِ حَرُمَ، وأمَّا المطبوخ حتَّى يذهب ثُلُثاه ويَبقَى ثُلُثه فلا يَمْتَنِعِ مُطلَقاً ولو غلى وقَذَفَ
بالزَّبَدِ بعد الطَّبخ. وقال مالك والشافعيّ والجمهور: يَمْتَنِعِ إذا صارَ مُسكِراً شُربُ قليله
وكثيره، سواء غَلَى أم لم يَغْلِ، لأَنَّه يجوز أن يَبلُغ حَدَّ الإسكار بأن يَغْلِيَ ثمَّ يَسكُنَ غَلَيانه بعد
ذلك، وهو مُراد مَن قال: حَدُّ مَنع شُربه أن يَتغيَّر، والله أعلم.
قوله: ((وقال عمر)) هو ابن الخطّاب ((وَجَدْت من عُبيد الله)) بالتَّصغير: / وهو ابنُ عمر. ٦٥/١٠
قوله: (ربح شراب، وأنا سائلٌ عنه، فإن كان يُسْكِر جلدته)) وَصَلَہ مالك (٨٤٢/٢) عن
الزُّهْريِّ عن السائب بن يزيد أنَّه أخبَرَه: أنَّ عمر بن الخطّاب خَرَجَ عليهم، فقال: إنّي
وجَدتَ من فلان ريح شراب، فَزَعَمَ أنَّه شَرِبَ الطِّلاء، وإنّي سائلٌ عَّا شَرِبَ، فإن كان يُسكِر
جَلَدْتُه. فجَلَدَه عمر الحدَّ تامّاً. وسنده صحيح. وفي السّياق حذف تقديره: فسألَ عنه فوجَدَه
يُسكِرِ فَجَلَدَه.
وأخرجه سعيد بن منصور عن ابن عُبَينةَ عن الزُّهْريِّ سمعَ السائب بن يزيد يقول:
قامَ عمر على المِنِبَرَ، فقال: ذُكِرَ لي أنَّ عُبيد الله بن عمر وأصحابه شَرِبوا شراباً، وأنا سائلٌ
عنه، فإن كان يُسكِرِ حَدَدتُهم. قال ابن عُيَينَةَ: فأخبرني مَعمَر عن الزُّهْريِّ عن السائب قال:
فرأيتُ عمر تَجِدُهم(١)، وهذا الأثر يُؤْيِّد ما قَدَّمتُه أنَّ المراد بما أحَلَّه عمر من المطبوخ الذي
يُسَمَّى الطِّلاء ما لم يكن بَلَغَ حَدَّ الإسكار، فإن بَلَغَه لم يَحِلَّ عنده، ولذلك جَلَدَهم ولم
يَستَفْصِل هل شَرِبوا منه قليلاً أو كثيراً، وفي هذا رَدٌّ على مَن احتَجَّ بعمر في جواز شُرب
المطبوخ إذا ذهب منه الثُّلثان ولو أسكَرَ، فإنَّ عمر أذِنَ في شُربه ولم يُفَصِّل.
(١) أخرجه من طريق ابن عيينة ابن أبي شيبة ١٠٧/٨، والبيهقي ٣١٢/٨.

٢٨٠
باب ١٠
فتح الباري بشرح البخاري
وتُعقِّبَ بأنَّ الجمع بين الأثرَينِ عنه يقتضي التَّفصيلَ، وقد ثَبَتَ عنه(١): أنَّ كلّ مُسكِر
حرام(٢)، فاستَغنى عن التَّفصيل. ويحتمل أن يكون سألَ ابنَه فاعتَرَفَ بأنَّه شَرِبَ كذا،
فسألَ غيره عنه فأخبَرَه أنَّه يُسكِر، أو سألَ ابنه فاعتَرَفَ أنَّ الذي شَرِبَ یُسکِر، وقد بيَّن
ذلك عبد الرَّزّاق في روايته (١٧٠٢٨) عن مَعمَر فقال: عن الزُّهْريِّ عن السائب: شَهِدت
عمرَ صَلَّى على جِنازة، ثمَّ أقبَلَ علينا فقال: إنّي وجَدت من عُبيد الله بن عمر ريحَ شراب،
وإنّ سألته عنه فَزَعَمَ أنَّه الطِّلاء، وإنّ سائلٌ عن الشَّراب الذي شَرِبَ فإن كان مُسكِراً
جَلَدتُه. قال: فَشَهِدتُه بعد ذلك يَجلِده.
قلت: وهذا السّياق يوضّح أنَّ رواية ابن جُرَيج التي أخرجها عبد الرَّزاق (١٧٠٢٩)
أيضاً عنه عن الزّهْريِّ مختصرة من هذه القصَّة، ولفظه: عن السائب: أنَّه حَضَرَ عمر يَجِد
رجلاً وجَدَ منه ريح شراب، فجَلَدَه الحدّ تامّاً. فإنَّ ظاهره أنَّه جَلَدَه بمُجرَّدٍ وجود الرّيح
منه، وليس كذلك لمَا تَبيَّن من رواية مَعمَر. وكذلك ما أخرجه ابن أبي شَيْبة (٣٧/١٠-
٣٨) من طريق ابن أبي ذِئْب عن الزُّهْريِّ عن السائب: أنَّ عمر كان يَضرِب في الرّيح. فإنّها
أشدُّ اختصاراً وأعظَم لُبْساً، وقد تَبيَّن برواية مَعمَر أن لا حُجّة فيه لمن يُجُوِّز إقامة الحدّ
بوجودِ الرّیح.
واستَدَلَّ به النَّسائيُّ على أنَّ الذي نُقِلَ عنه من أنَّه كَسَرَ النبيذَ بالماءِ لمَّا شَرِبَ منه
فقطَّبَ أنَّ ذلك كان لحُموضَتِهِ(٣) لا لاشتِدادِهِ. ووجه الدّلالة أنَّه عَمَّمَ وجوب الحدّ
بِشُربِ المسكِر ولم يَستَفْصِل منه هل شَرِبَ منه قليلاً أو كثيراً، فدَلَّ على أنَّ ذلك النبيذ
الذي قَطَّبَ منه لم يكن بَلَغَ حَدَّ الإسكار أصلاً.
واستُدِلَّ به على جواز إقامة الحدّ بالرَّائحة، وقد مَضَى في فضائل القرآن النَّقُلُ عن ابن
مسعود أنَّه عَمِلَ به، ونَقَلَ ابن المنذر عن عمر بن عبد العزيز ومالك مِثله، قال مالك: إذا
(١) تحرَّف في (س) إلى: عنده.
(٢) سلف عند البخاري برقم (٥٥٨٨) من قوله أنه قال: الخمر ما خامر العقل.
(٣) تقدم بحث الحافظ في ذلك عند شرح الحديث (٥٥٨٤).