Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
باب ٣ / ح ٥٥٨٤
كتاب الأشرية
تسمية سبعة منهم، وأبهَمَهم في رواية سليمان التَّيْميِّ عن أنس، وهي في هذا الباب،
ولفظه: كنت قائماً على الحيّ أسقيهم عُمومَتي.
وقوله: ((عُمومَتي)) في موضع خَفْضٍ على البَدَل من قوله: الحيّ. وأطلقَ عليهم عُمومَتَه
لأنَّهم كانوا أسَنَّ منه، ولأنَّ أكثرهم من الأنصار.
ومن المستَغرَبات ما أورَدَه ابن مَرْدويه في ((تفسيره)) من طريق عيسى بن طَهْمان عن
أنس: أنَّ أبا بكر وعمر كانا فيهم. وهو مُنكَر مع نظافة سنده، وما أظنّه إلّا غَلَطاً. وقد
أخرج أبو نُعَيم في ((الحِلية)) في ترجمة شُعْبة من حديث عائشة قالت: حَرَّمَ أبو بكر الخمر
على نفسه، فلم يشربها في جاهليَّة ولا إسلام. ويحتمل إن كان محفوظاً أن يكون أبو بكر
وعمر زارا أبا طلحة في ذلك اليوم ولم یشربا معهم. ثمَّ وجدت عند البزار (٢٩٢٣) من
وجه آخر (١) عن أنس قال: كنت ساقيَ القوم، وكان في القوم رجلٌ يقال له: أبو بكر،/ فلمَّا ٣٨/١٠
شَرِبَ قال:
تُحَيِّي بالسَّلامة أمُّ بَكْرٍ
الأبيات، فدَخَلَ علينا رجل من المسلمينَ فقال: قد نزلَ تحريم الخمر، الحديث. وأبو بكر
هذا يقال له: ابن شَعُوب(٢)، فظنَّ بعضهم أنَّه أبو بكر الصِّدّيق، وليس كذلك، لكن قَرِينة
ذِكْر عمر تَدُلّ على عَدَمِ الغَلَط في وصف الصِّدّيق، فحَصَّلنا تسمية عشرة، وقد قَدَّمت في
غزوة بدر من المغازي (٣) ترجمة أبي بكر بن شَعُوب المذكور. وفي ((كتاب مَكّة)) للفاكهيِّ من
طريق مُرسَل ما يشدُّ ذلك.
قوله: ((من فَضیخِ زَهْوٍ وتَمْرٍ)) أمَّا الفضيخ: فهو بفاءٍ وضاد مُعجَمَتَينٍ، وزن عظيم:
اسم للبُسْرِ إذا شُدِخَ(٤) ونُبِذَ، وأمَّا الَّهْو، فبفتح الزّاي وسكون الهاء بعدها واو: وهو البُسر
(١) راويه عن أنس مطر بن ميمون الكوفي، وهو متروك الحديث.
(٢) تصحف في (س) في الموضعين إلى: شغوب، بالغين المعجمة.
(٣) بل في مناقب الأنصار قبل المغازي بقليل (٣٩٢١).
(٤) أي: كُسِرَ أو هُشِّمَ.

٢٢٢
باب ٣ / ح ٥٥٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
الذي يَحمَرّ أو يَصفَرّ قبل أن يَتَرَطَّب. وقد يُطلَق الفَضيخ على خليط البُسْرِ والرُّطَب، كما
يُطلَق على خليط البُسْرِ والتَّمر، وكما يُطلَق على البُسْر وحده، وعلى التَّمر وحده كما في الرِّواية
التي آخرَ الباب. وعند أحمد (١٣٢٧٥) من طريق قَتَادة عن أنس: وما خمرهم يومئذٍ إلّا
البُسْر والتَّمر مخلوطَينِ. ووَقَعَ عند مسلم (٧/١٩٨٠) من طريق قَتَادة عن أنس: أسقيهم
من مَزادة فيها خَليط بُسْر وَر (١).
قوله: ((فجاءهم آتٍ)) لم أقِفْ على اسمه، ووَقَعَ في رواية حُميدٍ عن أنس عند أحمد
(١٢٨٦٩) بعد قوله: أسقيهم: حتَّى كادَ الشَّرابُ يأخُذُ فيهم. ولابنِ مَرْدويه: حتَّى
أسرَعَت فيهم. ولابنِ أبي عاصم(٢): حتَّى مالَت رُؤوسهم، فدَخَلَ داخل. ومَضَى في المظالم
(٢٤٦٤) من طريق ثابت عن أنس: فأمَرَ رسول الله وَ لَ مُنادياً فنادَى. ولمسلم (٣/١٩٨٠)
من هذا الوجه: فإذا مُنادٍ ينادي: إنَّ الخمر قد حُرِّمَت. وله (٧/١٩٨٠) من رواية سعيد
عن قَتَادة عن أنس نحوه، وزاد: فقال أبو طلحة: اخرُج فانظُر ما هذا الصَّوت(٣)، ومَضَى
في التَّفسير (٤٦١٧) من طريق عبد العزيز بن صُهَيب عن أنس بلفظ: إذ جاء رجلٌ فقال:
هل بَلَغَكم الخبرُ؟ قالوا: وما ذاكَ؟ قال: قد حُرِّمَتِ الخمر. وهذا الرجل يحتمل أن يكون
هو المنادي، ويحتمل أن يكون غيرَه سمعَ المناديَ فدَخَلَ إليهم فأخبَرَهم.
وقد أخرج ابن مَرْدويه من طريق بكر بن عبد الله عن أنس قال: لمَّا حُرِّمَتِ الخمر
فدخلْتُ(٤) عَلَى أُناس من أصحابي وهي بين أيديهم، فضَرَبْتُها بِرِجلي، وقلتُ: نزلَ تحريم
الخمر. فيحتمل أن يكون أنس خَرَجَ فاستَخبَرَ الرجلَ، لكن أخرجه من وجهٍ آخر أنَّ الرجل
قامَ على الباب فذكر لهم تحريمها، ومن وجه آخر: أتانا فلان من عند نبيّنا، فقال: قد حُرِّمَتِ
الخمر، قلنا: ما تقول؟ فقال: سمعتُه من النبيّ ◌َّليل الساعة، ومن عنده أتيتُكُم.
(١) وهي في البخاري أيضاً (٥٦٠٠) بنحوه.
(٢) لعله في كتاب ((الأشربة)) له، إذ لم نقف عليه في كتبه المطبوعة.
(٣) هذا الزيادة ليست في طريق سعيد عن قتادة، وإنما هي في طريق ثابت عن أنس عند البخاري (٤٦٢٠)،
ومسلم (١٩٨٠) (٣).
(٤) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: وحلف.

٢٢٣
باب ٣ / ح ٥٥٨٤
كتاب الأشربة
قوله: «فقال أبو طَلْحة: قُم يا أنس، فَهَرِقْها)» بفتح الهاء وكسر الرَّاء وسكون القاف،
والأصل أرِقها، فأُبدِلَتِ الهمزة هاء، وكذا قوله: فهَرَقْتُها. وقد تُستَعمَل هذه الكلمة بالهمزة
والهاء معاً، وهو نادر(١)، وقد تقدَّم بسطُه في الطَّهارة (١٩٨). ووقع في رواية ثابت عن أنس
في التَّفسير (٤٦٢٠) بلفظ: فأرِقها (٢). ومن رواية عبد العزيز بن صُهَيب (٤٦١٧): فقالوا:
أرِق (٣) هذه القِلال يا أنس. وهو محمول على أنَّ المخاطِب له بذلك أبو طلحة، ورَضِيَ الباقونَ
بذلك فنُسِبَ الأمر بالإراقة إليهم جميعاً.
ووَقَعَ في الرِّواية الثّانية في الباب: ((أكفِئها)) بكسر الفاء مهموزٌ، بمعنى أرِقها، وأصل
الإكفاء الإمالة. ووَقَعَ في ((باب إجازة خبر الواحد)) من رواية أُخرى (٧٢٥٣) عن مالك
في هذا الحديث: قُم إلى هذه الجِرار فاكسِرْها، قال أنس: فقُمت إلى مِهراسٍ لنا، فضَرَبتها
بأسفَلِه حتَّى انكَسَرَت. وهذا لا يُنافي الرِّوايات الأُخرى، بل يُجمَع بأنَّه أراقَها وكَسَرَ أوانيَها،
أو أراقَ بعضاً وكَسَرَ بعضاً.
وقد ذكر ابن عبد البَرِّ أنَّ إسحاق بن أبي طلحة تفرَّد عن أنس بذِكْر الكسر، وأنَّ ثابتاً
وعبد العزيز بن صُهَيب وحُميداً، وعَدَّ جماعةً من الثِّقات، رَووا الحديث بتمامه عن أنس،
منهم مَن طَوَّلَه ومنهم مَن اختَصَرَه، فلم يَذْكُرُوا إلّا إراقتَها.
والمِهراس، بكسر الميم وسكون الهاء وآخره مُهمَلة: إناء يُتَّخَذ من صخر ويُنقَر، وقد
يكون كبيراً كالحوضِ، وقد يكون صغيراً بحيثُ يَتأَتَّى الكسرُ به، وكأنَّه لم يَحِضُره ما
يُكسَرُ / به غيره، أو كَسَرَ بآلةِ المِهْراس التي يُدَقّ بها فيه كالهاوَن، فأطلقَ اسمَه عليها مجازاً. ٣٩/١٠
ووَقَعَ في رواية حُميدٍ عن أنس عند أحمد (١٢٨٦٩): فوالله ما قالوا: حتَّى نَنظُرُ ونسألَ.
وفي رواية عبد العزيز بن صُهَيب في التَّفسير: فوالله ما سألوا عنها ولا راجَعُوها بعد خبر
الرجل. وتقدّم في المظالم (٢٤٦٤): فجَرَت في سِكَك المدينة، أي: طُرقها. وفيه إشارة إلى
(١) وقد استعملت كذلك في غیر رواية أبي ذرِّ الهرويّ هنا.
(٢) هذا لفظ رواية أبي ذرِّ عن الكشميهني وحده، كما في اليونينية.
(٣) وهذا أيضاً لفظ رواية أبي ذرِّ عن الكشميهني وحده، وَفْق ما في اليونينية.

٢٢٤
باب ٣ / ح ٥٥٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
تَوارُد مَن كانت عنده من المسلمينَ على إراقَتها حتَّى جَرَت في الأزِقّة من کَثْرَتها.
قال القُرطُبيّ: تَسَّكَ بهذه الزّيادة بعض مَن قال: إنَّ الخمر المتَّخَذة من غير العِنَب ليست
نَجِسة، لأَنَّهِ وَِّنَهَى عن التَّخَلّي في الطُّرق، فلو كانت نَجِسةً ما أقَرَّهم على إراقَتَها في الطُّرَقات
حتَّى تجريَ. والجواب: أنَّ القصد بالإراقة كان لإشاعة تحريمها، فإذا اشتَهَرَ ذلك كان أبلَغَ،
فَتُحتَمَل أخَفّ المفسَدتَينِ لحصولِ المصلحة العظيمة الحاصلة من الاشتهار.
ويحتمل أنّهَا إِنَّما أُريقَت في الطُّرق المنحَدِرة بحيثُ تَنصَبّ إلى الأسرِبة والحُشوش أو
الأودية فتُستَهلَك فيها. ويُؤْيِّده ما أخرجه ابن مَرْدويه من حديث جابر بسندٍ جيّد في قصَّة
صَبّ الخمر قال: فانصَبَّت حتَّى استَنَقَعَت في بطن الوادي. والتَّمَسُّك بعُمومِ الأمر
باجتنابها كافٍ في القول بنجاستها.
قوله: ((قلت لأنسٍ)) القائل هو سليمان التَّيْميُّ والد مُعتَمِر.
وقوله: «فقال أبو بكر بن أنس: و کانت خرهم) زاد مسلم (٥/١٩٨٠) من هذا الوجه:
يومئذٍ.
وقوله: ((فلم يُنكِرِ أنس)) زاد مسلم: ذلك. والمعنى أنَّ أبا بكر بن أنس كان حاضراً عند
أنس لمَّا حدَّثهم، فكأنَّ أنساً حينئذٍ لم يُحدِّثهم بهذه الزّيادة إمّا نَسياناً وإمّا اختصاراً، فذَكَّرَه
بها ابنه أبو بكر فأقَرَّه عليها، وقد ثَبَتَ تحديث أنس بها كما سأذكره.
قوله: ((وحدَّثني بعض أصحابي)) القائل هو سليمان التَّيْمِيُّ أيضاً، وهو موصول بالسَّنَدِ
المذكور، وقد أفرَدَ مسلم (٦/١٩٨٠) هذه الطَّريق عن محمَّد بن عبد الأعلى عن مُعتَمِر بن
سليمان عن أبيه قال: حدَّثني بعض مَن كان معي أنَّه سمعَ أنساً يقول: كان خرَهم يومئذٍ.
فيحتمل أن يكون أنس حدَّث بها حينئذٍ فلم يسمعه سليمان، أو حدَّث بها في مَجلِسٍ آخرَ
فحَفِظَها عنه الرجلُ الذي حدَّث بها سليمان، وهذا المبهم يحتمل أن يكون هو بَكرَ بن
عبد الله المُزَنيَّ، فإنَّ روايته في آخر الباب تُومِئ إلى ذلك. ويحتمل أن يكون فَتَادةَ، فسيأتي
بعد أبواب (٥٦٠٠) من طريقه عن أنس بلفظ: وإنّا نَعُدّها يومئذٍ الخمرَ. وهو من أقوى الحُجَج

٢٢٥
باب ٣ / ح ٥٥٨٤
كتاب الأشربة
على أنَّ الخمر اسمُ جِنس لكلِّ ما يُسكِر، سواء كان من العِنَب أو من نَقيع الَّبيب أو الثَّمر
أو العَسَل أو غيرها. وأمَّا دَعوى بعضِهم أنَّ الخمر حقيقةٌ في ماء العِنَب، تَجَازٌ في غيره، فإنْ
سَلِمَ في اللُّغة لَزِمَ مَن قال به جوازُ استعمال اللَّفظ الواحد في حقيقته ومَجازه، والكوفيّونَ لا
یقولون بذلك. انتھی.
وأمَّا من حيثُ الشَّرعُ فالخمر حقيقةٌ في الجميع، لئُبوتِ حديث: ((كلّ مُسكِر خمر))(١)
فَمَن زَعَمَ أنَّه جَمَعَ بين الحقيقة والمجاز في هذا اللَّفظ لَزِمَه أن يُحِيزَه، وهذا ما لا انفِكاك لهم
عنه.
قوله: ((حدَّثني يوسُف)) هو ابن يزيد، وهو أبو مَعشَر البَرّاء بالتَّشديد، وهو مشهور
بكُنْيِه أكثر من اسمه، ويقال له أيضاً: العطّار(٢)، وشُهرَته بالبَرّاءِ أكثر، وكان يَبْرِي
السِّهام(٣)، وهو بصريّ، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخر سيأتي في الطِّبّ
(٥٧٣٧)، وكلاهما في المتابعات، وقد ليَّنه ابن مَعِين وأبو داود، ووثَّقه المقدَّميّ(٤). وسعيد
ابن عُبيد الله بالتَّصغير، اسم جَدّه جُبَير - بالجيم والموخَّدة مُصغَّراً - بن حَيَّة - بالمهمَلة
وتشديد التَّحتانيَّة - وثّقه أحمد وابن معين، وقال الحاكم عن الدارقطنيّ: ليس بالقويّ، وما
له أيضاً في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخر تقدَّم في الجزية (٣١٥٩).
قوله: ((أنَّ الخمر حُرِّمَت، والخمر يومئذٍ البُشْر(٥)) هكذا رواه أبو مَعشَر مختصراً، وأخرجه
(١) أخرجه مسلم (٢٠٠٣) من حديث ابن عمر.
(٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: القطّان، بالقاف والنون، وإنما هو العَطّار، بالعين المهملة والراء، وسيأتي
على الصواب عند شرح الحديث (٥٧٣٧).
(٣) كذا قال الحافظ رحمه الله، والمعروف في كتب التراجم أنه كان يبري العُود، ونقل السَّمعاني في رسم
(البرّاء) عن أبي القاسم ابن عساكر الدمشقي الحافظ أنه كان يبري العُود وهو الخشب الذي يُتُبَّخَر به.
(٤) وجاء في الرواية المشار إليها في الطب في غير رواية الهروي أنَّ البخاري قال فيه: وهو صدوق. قال:
وقال ابن معین في رواية ابن محرز ١/ ٨٧: ليس به بأس. وقال الذهبي: صدوق.
(٥) كذا اقتصر الحافظ رحمه الله هنا وعند شرح الحديث (٥٥٨٠) لما أشار إلى هذا الحديث، على ذكر البسر
دون التمر، وإنما هو في الرواية بلفظ البُسْر والتمر، دون خلاف بين رواه البخاري وَفْق ما في اليونينية،
فلعله سقط ذكر التمر من نسخته، والله أعلم.

٢٢٦
باب ٣ / ح ٥٥٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
الإسماعيليّ من طريق رَوْح بن عُبَادة عن سعيد بن عُبيد الله، بهذا السَّنَد مُطوَّلاً، ولفظه عن
أنس: نزلَ تحريم الخمر، فدَخَلتُ على أُناس من أصحابي وهي بين أيديهم، فضَرَبتُها بِرِجلي،
٤٠/١٠ فقلت: انطَلِقُوا فقد نزلَ تحريم الخمر، وشرابهم يومئذٍ/ البُسْر والتَّمر. وهذا الفِعل من أنس
كأنَّه بعد أن خَرَجَ فسَمِعَ النِّداء بتحريمِ الخمر، فَرَجَعَ فأخبَرَهم. ووَقَعَ عند ابن أبي عاصم
من وجه آخر عن أنس: فأراقوا الشَّراب، وتَوضَّأ بعضٌ واغتَسَلَ بعضٌ، وأصابوا من طِيب
أمّ سُلَيم، وأتوا النبيّ وَّةِ، فإذا هو يقرأ: ﴿إِنََّا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآيةَ [المائدة: ٩٠].
واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ شُرب الخمر كان مُباحاً لا إلى نهاية، ثمَّ حُرِّمَت. وقيل:
كان المباح الشُّرب لا السُّكر المُزِيل للعقل، وحكاه أبو نَصر بن القُشَيريّ في ((تفسيره)) عن
القَفّال، ونازَعَه فيه. وبالَغَ النَّوويّ في ((شرح مسلم)) فقال: ما يقوله بعض مَن لا تحصيل
عنده أنَّ السُّكر لم يزل مُحرَّماً باطلٌ لا أصل له، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوةَ
وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَقَّ تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فإنَّ مُقْتَضاه وجود السُّكر حتَّى يَصِل إلى
الحدّ المذكور، ونُهوا عن الصلاة في تلك الحالة لا في غيرها، فدَلَّ على أنَّ ذلك كان واقعاً.
ويُؤيِّده قصَّة حمزة والشّارِفَينِ كما تقدَّم تقريره في مكانه (٣٠٩١). وعلى هذا فهل كانت
مُباحةً بالأصلِ أو بالشَّرع، ثمَّ نُسِخَت؟ فيه قولان للعلماء، والرَّاجح الأوَّل.
واستُدِلَّ به على أنَّ المتَّخَذ من غيرِ العِنَب يُسمَّى خمراً، وسيأتي البحث في ذلك قريباً في
(باب ما جاء أنَّ الخمر ما خامَرَ العقل)(١)، وعلى أنَّ المُسكر المتَّخَذ من غير العِنَب يَحُرُم
شُرب قليله، كما يَحَرُمِ شُرب القليل من المتَّخَذ من العِنَب إذا أسكَرَ كثيره، لأنَّ الصحابة
فهموا من الأمر باجتنابِ الخمر تحريم ما يُتَّخَذ للسَّكَر من جميع الأنواع، ولم يَستَفْصِلوا.
وإلى ذلك ذهب ◌ُمهور العلماء من الصحابة والتابعينَ.
وخالَفَ في ذلك الحنفيّة ومَن قال بقولهم من الكوفيّينَ فقالوا: يَحِرُم المتَّخَذ من العِنَب
قليلاً كان أو كثيراً إلّا إذا طُبِخَ على تفصيل سيأتي بيانه في باب مُفرَد(٢)، فإنَّه يَحِلّ. وقد
(١) باب رقم (٥).
(٢) في باب الباذق، قبل شرح الحديث (٥٥٩٨).

٢٢٧
باب ٣ / ج ٥٥٨٤
كتاب الأشرية
انعَقَدَ الإجماع على أنَّ القليل من الخمر المتَّخَذ من العِنَب يَحِرُم قليله وكثيره، وعلى أنَّ
العِلّة في تحريم قليله كونه يَدعُو إلى تَناوُل كثيره، فيَلزَم ذلك مَن فَّقَ في الحُكم بين المتَّخَذ
من العِنَب وبين المتَّخَذ من غيرها (١)، فقال في المَّخَذ من العِنَب: يَحُرُم القليل منه والكثير
إلّا إذا طُبِخَ، كما سيأتي بيانه، وفي المتَّخَذ من غيرها لا يَحِرُم منه إلّا القَدر الذي يُسكِر وما
دونه لا يَجِرُم، ففَرَّقوا بينهما بدعوى المغايرة في الاسم مع اتّحاد العِلّة فيهما، فإنَّ كلّ ما قُدِّر
في المَّخَذ من العِنَب يُقدَّر في المَتَّخَذ من غيرها. قال القُرطُبيّ: وهذا مِن أرفَع أنواع
القياس لِمُساواةِ الفَرع فيه للأصلِ في جميع أوصافه، مع موافَقَته فيه لظَواهر النُّصوص
الصَّحيحة، والله أعلم.
قال الشافعيّ: قال لي بعض الناس: الخمر حرام، والسَّكّر من كلّ شراب حرام، ولا
يَجِرُم المسكِرِ منه حتَّى يُسكِرِ، ولا يُحدّ شاربها. فقلت: كيف خالَفتَ ما جاء به عن النبيّ ◌َّ
ثمَّ عن عمر ثمَّ عن عليّ، ولم يَقُل أحدٌ من الصحابة خِلَافَه؟ قال: رُوّينا عن عمر، قلت: في
سنده مجهول عندكم(٢)، فلا حُجّة فيه. قال البيهقيُّ: أشارَ إلى رواية سعيد بن ذي لَعْوة: أنَّه
شَرِبَ من سَطيحةٍ لعمر فسَكِرَ فجَلَدَه عمر، قال: إنَّمَا شَرِبت من سَطِيحَتك(٣). قال:
أضرِبك على السُّكر. وسعيدٌ قال البخاريّ (٤٧١/٣) وغيره: لا يُعرَف. قال: وقال
بعضهم: سعيد بن ذي حُدّان، وهو غَلَط.
ثمَّ ذكر البيهقيُّ الأحاديث التي جاءت في كسْر النبيذ بالماء، منها حديث همَّام بن
الحارث عن عمر: أنَّه كان في سَفَر، فأُتيَ بنبيذٍ فِشَرِبَ منه فقطَّبَ، ثمَّ قال: إنَّ نبيذ الطائف
له عُرَام - بضمِّ المهمَلة وتخفيف الرَّاءِ(٤) - ثمَّ دَعَا بماءٍ فصَبَّه عليه ثمَّ شَرِبَ. وسنده قويّ،
(١) كذا أنَّث الحافظُ العنبَ! مع أنَّ ابن سِيدَه قال في ((المخصص)) ١٧٨/٥-١٧٩: الرمّان والعنب والموز لم
يُسمع في شيء منها التأنيث.
(٢) في (س): عنده.
(٣) أخرجه الطحاوي ٢١٨/٤، والعُقيلي ١٠٤/٢، والدار قطني (٤٦٨٥)، وسعيد بن ذي لَعْوة ضعيف.
انظر «الميزان».
(٤) والمعنى: له شدَّة.

٢٢٨
باب ٣ / ح ٥٥٨٤
فتح الباري بشرح البخاري
وهو أصحّ شيءٍ وَرَدَ في ذلك، وليس نَصّاً في أنَّه بَلَغَ حَدَّ الإسكار، فلو كان بَلَغَ حَدَّ
الإسكار لم يكن صَبُّ الماء عليه مُزيلاً لتحريمِهِ، وقد اعتَرَفَ الطَّحَاويّ بذلك فقال: لو
كان بَلَغَ التَّحريم لكان لا يَحِلّ، ولو ذهبَت شِدَّته بصَبِّ الماء، فثَبَتَ أَنَّه قبل أن يُصَبّ عليه
الماء كان غيرَ حرام. قلت: وإذا لم يَبلُغ حَدَّ الإسكار فلا خِلَاف في إباحة شُرب قليله
٤١/١٠ وكثيره، فدَلَّ/ على أنَّ تَقطيبه لأمرٍ غير الإسكار.
قال البيهقيُّ: حَمْلُ هذه الأشرِبة على أنَّهم خَشُوا أن تَتَغيَّر فَتَشْتَدّ، فجَوَّزوا صَبَّ الماء
فيها لِيَمنَعَ الاشتِداد، أولى من حَمْلها على أنَّها كانت بَلَغَت حَدّ الإسكار، فكان صَبُّ الماء
فيها لذلك، لأنَّ مَزْجَها بالماءِ لا يَمنَع إسكارها إذا كانت قد بَلَغَت حَدَّ الإسكار.
ويحتمل أن يكون سببُ صَبِّ الماء كَونَ ذلك الشَّراب كان حَمُضَ، ولهذا قَطَّبَ عمر لمَّا
شَرِبَه. فقد قال نافع: والله ما قَطَّبَ عمرُ وجهَه لأجلِ الإسكار حین ذاقَه، ولكنَّه كان
تَخْلَّلَ (١).
وعن عُتبة بن فَرْقَد قال: كان النبيذ الذي شَرِبَه عمر قد تَخْلَّلَ، قلت: وهذا الثّاني
أخرجه النَّسائيُّ (ك٦٨١٣) بسندٍ صحيح، وروى الأثرَم عن الأوزاعيِّ وعن العمريّ(٢)
أنَّ عمر إِنَّمَا كَسَرَه بالماءِ لشِدّة حَلاوته. قلت: ويُمكِنِ الحَمْل على حالتَينِ: هذه لما لم يُقَطِّب
حين ذاقَه، وأمَّا عندَما قَطَّبَ فكان لحُموضَتِهِ.
واحتَجَّ الطَّحَاويُّ لمذهبهم أيضاً بما أخرجه (٤/ ٢٢٠) من طريق النَّخَعيِّ عن عَلْقمة
عن ابن مسعود في قوله: ((كلّ مُسكِر حرام)) قال: هي الشَّرْبة التي تُسكِر. وتُعقِّبَ بأنَّه
ضعيف لأنَّه تفرَّد به حَجّاج بن أرطاة عن حمّاد بن أبي سليمان عن النَّخَعَيّ، وحَجّاج هو
ضعيف ومُدلِّس أيضاً.
قال البيهقيُّ (٢٩٨/٨): ذُكِرَ هذا لعبد الله بن المبارك فقال: هذا باطل. وروى (٢٩٨/٨)
بسندٍ له صحيح عن النَّخَعيِّ قال: إذا سَكِرَ من شراب لم يَحِلّ له أن يعود فيه أبداً.
(١) أخرجه البيهقي في «سننه» ٣٠٦/٨.
(٢) هو عُبيد الله بن عمر، وأخرج روايته هذه البيهقي ٨/ ٣٠٦.

٢٢٩
باب ٤ / ح ٥٥٨٥ - ٥٥٨٧
كتاب الأشربة
قلت: وهذا أيضاً عند النَّسائيِّ (٥٧٤٧) بسندٍ صحيح، ثمّ روى النَّسائيُّ (٥٧٥١) عن
ابن المبارك قال: ما وجَدت الرُّخصة فيه من وجهٍ صحيح إلّا عن النَّخَعيِّ من قوله.
وأخرج النَّسائيُّ (٥٧٠٣) والأثرَم من طريق خالد بن سعد عن أبي مسعود قال: عَطِشَ
النبيّ وَ﴿ وهو يَطوف فأُتيَ بنبيذٍ من السِّقاية فقطَّبَ، فقيل: أحرام هو؟ قال: ((لا، عليَّ
بذَنوبٍ من ماء زَمزَم، فصَبَّ عليه وشَرِبَ)) قال الأثرَم: احتَجَّ به الكوفيّونَ لمذهبِهم، ولا
حُجّة فيه، لأنَّهم مُتَّفِقونَ على أنَّ النبيذ إذا اشتَّ بغير طَبْخ لا يَحِلّ شُربه، فإن زَعَموا أنَّ
الذي شَرِبَه النبيّ ◌َّ كان من هذا القبيل فقد نَسَبوا إليه أنَّه شَرِبَ المسكِرِ، ومَعاذَ الله من
ذلك، وإن زَعَموا أنَّ قَطَّبَ من حُوضَته لم يكن لهم فيه حُجّة، لأنَّ النَّقيع ما لم يَشتَدّ فكثيره
وقلیله حلال بالاتفاق.
قلت: وقد ضَعَّفَ حديث أبي مسعود المذكور النَّسائيُّ وأحمد وعبد الرَّحمن بن مَهديّ
وغيرهم، لتَفُرُّدِ يحیی بن یَمان برفعِه، وهو ضعيف.
٤ - بابٌ الخمرُ مِن العسل، وهو البِتْع
وقال مَعْنٌ: سألتُ مالكَ بنَ أنسٍ عن الفُقّاع فقال: إذا لم يُسكِرِ فلا بأسَ.
وقال ابنُ الدَّرَاوَزديّ: سألْنا عنه فقالوا: لا يُسْكِرُ، لا بأس به.
٥٥٨٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهَاب، عن أبي سَلَمَةَ بنِ
عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشة، أنَّ رسول الله وَّرَ سُئل عن البِتْعِ. فقال: ((كلَّ شرابٍ أسكَرَ فهو
حرامٌ)).
٥٥٨٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمةَ بنُ
عَبدِ الرَّحمنِ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها قالت: سُئلَ رسولُ الله ◌ِ ◌ّهعن البِتْعِ، وهو نَبِيذُ العَسَلِ
وكان أهلُ الْيَمَنِ يشربونَه، فقال رسولُ اللهِوَّ: ((كلُّ شرابٍ أسكَرَ فهو حرامٌ».
٥٥٨٧ - وعن الزُّهرِيِّ، قال: حدَّثني أنسٌ، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((لا تَتْتَبِذُوا فِي الدُّاءِ
ولا في المزَفَّتِ)) وكان أبو هريرةَ يُلحِقُ معها: الحَنْتَمَ والنَّقِيرَ.

٢٣٠
باب ٤ / ح ٥٥٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
٤٢/١٠
قوله: ((باب الخمرُ من العسل، وهو البتع)) بكسر الموحدة وسكون المثناة، وقد تفتح،
وهي لغة يمانية.
قوله: ((وقال مَعْنٌ)) ابن عيسى ((سألت مالك بن أنس عن الفُقَّاع)) بضم الفاء وتشديد
القاف: معروف، قد يُصنع من العسل، وأكثر ما يُصنع من الزبيب، وحكمه حكم سائر
الأنبذة ما دام طريّاً يجوز شُربه ما لم يشتدَّ.
قوله: ((فقال: إذا لم يُسكِر فلا بأس به)) أي: وإذا أُسکر حَرُم کثیرُه وقليلُه.
قوله: ((وقال ابن الذَّرَاوَزْدي)) هو عبد العزيز بن محمد، وهذا من رواية معن بن عيسى
عنه أيضاً.
قوله: ((فقالوا: لا يُسكِر، لا بأس به)) لم أعرفِ الذين سألهم الدَّراوزديُّ عن ذلك، لكن
الظاهر أنهم فقهاء أهل المدينة في زمانه، وهو قد شارك مالكاً في لقاء أكثر مشايخه المدنيين.
والحُكم في الفقّاع ما أجابوه به، لأنه لا يُسَمَّى فُقّاعاً إلّا إذا لم يشتدَّ. وهذا الأثر ذكره معْنُ
ابن عيسى القزّاز في ((الموطأ) روايته(١) عن مالك، وقد وقع لنا بالإجازة.
وغفل بعض الشُّاح فقال: إنَّ معن بن عیسى من شيوخ البخاري، فیکون له حكم
الاتصال. كذا قال، والبخاري لم يلْقَ معْنَ بن عيسى لأنه مات بالمدينة، والبخاري حينئذ
ببخارى، وعمره حينئذ أربع سنين. وكأنَّ البخاري أراد بذكر هذا الأثر في الترجمة أنَّ المراد
بتحريم قليل ما أسكر كثيره أن يكون الكثير في تلك الحالة مُسكراً، فلو كان الكثير في تلك
الحالة لا يُسكر لم يحرم قليله ولا كثيره، كما لو عَصَر العنب وشَرِبَ في الحال. وسيأتي مزيدٌ
في بيان ذلك في ((باب الباذق))(٢) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((سُئلَ عن البِتْع)) زاد شُعَيب عن الزُّهْريِّ، وهو ثاني أحاديث الباب: وهو نبيذ
العَسَل، وكان أهل اليمن يشربونَه. ومثله لأبي داود (٣٦٨٢) من طريق الزُّبَيديّ عن الزُّهْريّ.
(١) تحرَّف في (س) إلى: رواية.
(٢) الباب رقم (١٠).

٢٣١
باب ٤ / ح ٥٥٨٧
كتاب الأشربة
وظاهره أنَّ التَّفسير من كلام عائشة، ويحتمل أن يكون من كلام مَن دونها، ووَقَعَ في رواية
مَعمَر عن الزُّهْريِّ عند أحمد (٢٥٨٩١) مِثل رواية مالك، لكن قال في آخره: والبتع نبيذ
العَسَل. وهو أظهر في احتمال الإدراج، لأنَّه أكثر ما يقع في آخر الحديث. وقد أخرجه
مسلم (٦٩/٢٠٠١) من طريق مَعمَر لكن لم يَسُق لفظه.
ولم أقِفْ على اسم السائل في حديث عائشة صريحاً، لكنَّني أظنّه أبا موسى الأشعَريّ،
فقد تقدَّم في المغازي (٤٣٤٣) من طريق سعيد بن أبي بُرْدة عن أبيه عن أبي موسى: أنَّ
النبيَّ وَّهِ بَعَثَه إلى اليمن فسألَه عن أشرِبة تُصنَع بها، فقال: ما هي؟ قال: البتع والمِزْر،
فقال: ((كلّ مُسكِر حرام)) قلت لأبي بُرْدة: ما البِتْع؟ قال: نبيذ العَسَل. وهو عند مسلم
(ص٧١/٢٠٠١) من وجه آخر عن سعيد بن أبي بُرْدة بلفظ: فقلت: يا رسول الله، أفتنا في
شرابَينِ كنَّا نَصنَعهما باليمن: البِتْع من العَسَل يُنبَذَ حتَّى يَشْتَدّ، والمِر من الشَّعير والذُّرة يُنَذ حتَّى
يَشْتَدّ، قال: وكان النبيّ ◌َّ أُعطيَ جَوامع الكَلِمِ وخَواتمه، فقال: ((أنّهَى عن كلّ مُسكِرٍ)).
وفي رواية أبي داود (٣٦٨٤) التَّصريح بأنَّ تفسير البِتْع مرفوع، ولفظه: سألت
رسولَ اللهِوَ ◌ّه عن شراب من العَسَل، فقال: ((ذاكَ البِتْع)) قلت: ومن الشَّعير والذُّرة، قال:
((ذاكَ الِزْرُ). ثمّ قال: ((أخبِرِ قومك أنَّ كلّ مُسكِرٍ حرام)). وقد سألَ أبو وهب الجيشانيّ(١)
عن شيء مما سألَ(٢) أبو موسى، فعند الشافعيّ(٣) وأبي داود(٤) من حديثه أنَّه سألَ النبيّ وَه
(١) كذا جزم الحافظ رحمه الله هنا بأنَّ السائل هو أبو وهب الجَيْشاني، مع أنه نقل في ((الإصابة» في ترجمة دیلم
الحِميَري الجيشاني عن ابن يونس المصري تخطئته لقول من كنى هذا الرجل أبا وهب، وأنَّ أبا وهب
الجيشاني تابعي اسمه عبيد بن شرحبيل، وأقره الحافظ عليه، وقال: هو في غاية التحرير. قلنا: يؤيده
روايةَ جابر عند مسلم (٢٠٠٢) حيث جاء فيها: رجل من جيشان، ولم يسمِّه.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: ما سأله.
(٣) في ((مسنده)) بترتيب السِّندي ٢/ ٩٢.
(٤) أخرجه أبو داود برقم (٣٦٨٣) من طريق أخرى غير الطريق التي عند الشافعي، وجعله من مسند ديلم
الِحِمْيري، وهو على وَفْق ما حقَّقَه في ((الإصابة)) ٣٩٢/٢ من كون الذي سأل النبيَّ ◌َّ عن الأشربة دَيلماً
الحمیريَّ، لا أبا وهب الجيشاني.

٢٣٢
باب ٤ / ح ٥٥٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
عن المِزر(١) فأجابَ بقولِه: ((كلّ مُسكِر حرام)).
وهذه الرِّواية (٢) تُفسِّر المراد بقوله في حديث عائشة: ((كلّ شراب أسكَرَ))، وأنَّه لم يُرِد
تخصيص التَّحريم بحالة الإسكار، بل المراد أنَّه إذا كانت فيه صلاحيةُ الإسكار حَرُمَ
تَناوُله، ولو لم يَسكَرِ المتناوِلَ بالقَدرِ الذي تناولَه منه. ويُؤْخَذ من لفظ السُّؤال أنَّه وَقَعَ عن
حُكم جِنس البِتْع لا عن القَدر المسكِر منه، لأنَّه لو أراد السائل ذلك لَقال: أخبرني عنَّا يَحِلّ
منه وما يَجِرُم، وهذا هو المعهود من لسان العرب إذا سألوا عن الجِنس قالوا: هل هذا نافع
أو ضارّ؟ مثلاً، وإذا سألوا عن القَدر قالوا: كم يُؤخَذ مِنه؟
٤٣/١٠
وفي الحديث أنَّ المفتي يُجِيب السائل بزيادةٍ عمَّا سألَ عنه إذا كان ذلك ممّا يَحتاج / إليه
السائل. وفيه تحريم كلّ مُسكِر سواءٌ كان مُتَّخَذاً من عَصير العِنَب أو من غيره.
قال المازَرِيّ: أجمعوا على أنَّ عَصير العِنَب قبل أن يَشتَدّ حلال، وعلى أنَّه إذا اشتَدَّ
وغَلَى وقَذَفَ بالزَّبَدِ حَرُمَ قليلُهُ وكثيره، ثمَّ لو حَصَلَ له تَخْلُّل بنفسِه حَلَّ بالإجماع أيضاً،
فوَقَعَ النَّظَر في تبدُّل هذه الأحكام عند هذه المُتجدِّدات، فأشعَرَ ذلك بارتباط بعضها
ببعضٍ، ودَلَّ على أنَّ عِلّة التَّحريم الإسكار، فاقتَضَى ذلك أنَّ كلّ شراب وُجِدَ فيه الإسکار
حَرُمَ تناول قلیله و کثیره. انتهى.
وما ذكره استنباطاً ثَبَتَ التَّصریحُ به في بعض طرق الخبر، فعند أبي داود (٣٦٨١)
والنَّسائيّ(٣) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٥٣٨٢) من حديث جابر قال: ((قال رسول الله وَلّ: ((ما أسكَرَ
كثيره فقليلُه حرام))، وللنَّسائيّ (٥٦٠٧) من حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه مِثله (٤)،
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله! وإنما جاء في رواية الشافعي: البتع، وفي رواية أبي داود: شراب من هذا القمح
ولم يسمّه.
(٢) يعني لفظ رواية أبي موسى الأشعري والجيشاني وغيرهما ممن رواه بلفظ: ((كل مسكر حرام)).
(٣) لم نقف عليه عند النسائي في كتابيه، وفات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ابن ماجه (٣٣٩٣)، والترمذي
(١٨٦٥).
(٤) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ابن ماجه (٣٣٩٤).

٢٣٣
باب ٤ / ح ٥٥٨٧
كتاب الأشربة
وسنده إلى عمرو صحیح. ولأبي داود (٣٦٨٧) من حديث عائشة مرفوعاً: ((کلّ مُسکِر حرام،
وما أسكَرَ منه الفَرَق فمِلُ الكَفّ منه حرام))(١)، ولابنِ حِبّان (٥٣٧٠) والطَّحَاويّ (٢١٦/٤)
من حديث عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه عن النبيّ وَلّم قال: «أنهاكم عن قليل ما أسكَرَ
کثیرہ»(٢) .
وقدَ اعتَرَفَ الطَّحَاويُّ بصِحّة هذه الأحاديث، لكن قال: اختَلَفوا في تأويل الحديث،
فقال بعضهم: أراد به جِنس ما يُسكِر، وقال بعضهم: أراد به ما يقع السُّكر عنده، ويُؤيِّده
أنَّ القاتل لا يُسَمَّى قائلاً حتَّى يَقتُل، قال: ويدلّ له حديث ابن عبّاس رَفَعَه: ((حُرِّمَتِ
الخمر قليلها و کثیرها، والسَّگر من كلّ شراب)».
قلت: وهو حديث أخرجه النَّسائيُّ (٥٦٨٣) ورجاله ثقات، إلّا أنَّه اختُلِفَ في وصله
وانقطاعه وفي رفعه ووقفه، وعلى تقدير صِحَّته فقد رَجَّحَ الإمام أحمد وغيره أنَّ الرّواية فيه
بلفظ: ((والمسكِر)) بضمِّ الميم وسكون السّين لا ((السُّكر)) بضمِّ ثمَّ سكون أو بفتحَتَين(٣).
وعلى تقدير ثُبوتها فهو حديث فرد ولفظه مُحْتَمَل، فكيف يعارض عُموم تلك الأحاديث
مع صِحّتها و گثرتها؟
وجاء أيضاً عن عليّ عند الدّارَ قُطنيّ (٤٦٣٠)، وعن ابن عمر عند إسحاق(٤) والطبرانيِّ
(١٣٤١١). وعن خَوّات بن جُبَير عند الدّارَ قُطْنيّ (٤٦٥٤) والحاكم (٤١٣/٣) والطبرانيِّ
(٤١٤٩). وعن زيد بن ثابت عند الطبرانيّ (٤٨٨٠)، وفي أسانيدها مقال، لكنَّها تزيد
الأحاديث التي قبلها قوّةً وشُهرةً.
(١) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من الترمذي (١٨٦٦).
(٢) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من النسائي (٥٦٠٨) و(٥٦٠٩).
(٣) هذا كلُّه مبنيٌّ على اعتبار ضبط (السكر)) بضم السين وسكون الكاف، لأنَّ المعنى يكون خينئذٍ حالة السكران،
وإلّا فبضبط السين والكاف بالفتح يتفق في المعنى مع لفظ ((المُسكر)) لأنَّ السَّكَر، بفتح السين والكاف معناه:
كلُّ ما يُسكِر. انظر ((النهاية)) لابن الأثير مادة (سكر)، و(«تاج العروس) مادة (سكر) أيضاً.
(٤) في (س): ابن إسحاق، بإقحام لفظة ((ابن))، ولم تَرِد في الأصلين. وإسحاق: هو ابن راهويه، ولم نجد
الحديث فيما هو مطبوع من («مسنده))، والحديث عند أحمد (٥٦٤٨)، وابن ماجه (٣٣٩٢).

٢٣٤
باب ٤ / ح ٥٥٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
قال أبو المظَفَّر بن السَّمعانيّ - وكان حَنفيّاً فَتَحوَّلَ شافعيّاً -: ثَبَتَتِ الأخبار عن
النبيّ وَّر في تحريم المسكِرِ، ثمَّ ساقَ كثيراً منها، ثمَّ قال: والأخبار في ذلك كثيرة ولا
مَساغَ لأحدٍ في العُدول عنها والقول بخِلَافها، فإنَّهَا حُجَج قواطِعِ. قال: وقد زَلَّ
الكوفيّونَ في هذا الباب ورَووا أخباراً معلولةً لا تُعارِض هذه الأخبار بحالٍ، ومَن ظنَّ
أَنَّ رسول الله وَلّهِ شَرِبَ مُسكِراً فقد دَخَلَ في أمر عظيم وباء بإثمٍ كبير، وإنَّما الذي شَرِبَه
كان حُلْواً ولم يكن مُسكِراً.
وقد روى ثُمامة بن حَزْن القُشَيريُّ: أنَّه سألَ عائشة عن النبيذ، فدَعَت جارية حَبَشِيَّةٌ،
فقالت: سَل هذه، فإنَّها كانت تَنبِذ لرسولِ الله وَ له، فقالت الحَبَشيَّة: كنت أنبذ له في سِقاء
من اللَّيل وأُوكيه وأُعَلِّقه، فإذا أصبَحَ شَرِبَ مِنه. أخرجه مسلم (٨٤/٢٠٠٥). وروى
(٨٥/٢٠٠٥) الحسن البصريّ عن أمّه عن عائشة نحوه. ثمَّ قال: فقياس النبيذ على الخمر
بعِّة الإسكار والاضطراب من أجَلّ الأقيسة وأوضَحها، والمفاسد التي توجَد في الخمر
توجد في النبيذ، ومن ذلك أنَّ عِلّة الإسکار في الخمر لگونٍ قلیله یَدعُو إلى كثيره موجودة في
النبيذ، لأنَّ السُّكر مطلوب على العُموم، والنبيذ عندهم عند عَدَم الخمر يقوم مقام الخمر،
لأَنَّ حصول الفَرَحِ والطَّرَب موجود في كلّ منهما، وإن كان في النبيذ غِلَظُ وكُدرة وفي الخمر
رِقّةٌ وصَفَاءٌ، لكن الطَّبع يَحَتمِلُ ذلك في النبيذ لحصولِ السُّكر كما يَحَتَمِلُ المرارةَ في الخمر
لطلبِ السُّكر. قال: وعلى الجملة فالنُّصوص المصَرِّحة بتحريمِ كلّ مُسكِرٍ قَلَّ أو كَثُرَ مُغنيةٌ
عن القياس، والله أعلم. وقد قال عبد الله بن المبارك: لا يَصِحّ في حِلّ النبيذ الذي يُسكِر
كثيرُه عن الصحابة شيء ولا عن التابِعِينَ، إلّا عن إبراهيم النَّخَعَيّ، قال: وقد ثَبَتَ حديث
٤٤/١٠ عائشة: ((كلّ شراب أسكَرَ فهو حرام)). وأمَّا ما أخرج ابن/ أبي شَيْبة (١) من طريق أبي وائل:
كنَّا نَدخُل على ابن مسعود فيَسقينا نبيذاً شديداً، ومن طريق عَلْقمة: أكَلت مع ابن مسعود،
فُتینا بنبیذٍ شدید نَبَذَتْه سِيرِین، فشَرِبوا منه، فالجواب عنه من ثلاثة أوجُه:
(١) لم نقف على هذين الأثرين في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ولا في («مسنده))، فالظاهر أنه في بعض كتبه التي لم
تصلنا، والله أعلم.

٢٣٥
باب ٤ / خ ٥٥٨٧
كتاب الأشربة
أحدها: لو ◌ُلَ على ظاهره لم يكن مُعارضاً للأحاديثِ الثّابِتة في تحريم كلّ مُسكِر.
ثانيها: أنَّه ثَبَتَ عن ابن مسعود تحریم المسکِر قلیله و کثیره، فإذا اختَلَفَ النقل عنه كان
قوله الموافق لقولٍ إخوانه من الصحابة مع موافقةِ الحديث المرفوع أولى.
ثالثها: يحتمل أن يكون المراد بالشِّدّة شِدّة الحلاوة أو شِدّة الحموضة، فلا يكون فيه
حُجّة أصلاً.
وأسنَدَ أبو جعفر النَّحّاس عن يحيى بن مَعِين أنَّ حديث عائشة: ((كلّ شراب أسكَرَ
فهو حرام)) أصحّ شيء في الباب، وفي هذا تَعقُّب على مَن نَقَلَ عن ابن مَعِين أنَّه قال: لا
أصل له. وقد ذكر الَّيلَعِيُّ في ((تخريج أحاديث الهداية)) وهو من أكثرهم اطِّلَاعاً أنَّه لم
يَثْبُت في شيء من كتب الحديث نقلُ هذا عن ابن مَعِین، انتهى.
وکیف یتآثَی القول بتضعیفه مع وجود مَارِ جہ الصَّحیحة ثمَّ مع كثرة طرقه، حتَّى قال
الإمام أحمد: إنَّها جاءت عن عشرينَ صحابيّاً، فأورَدَ كثيراً منها في ((كتاب الأشربة)) المفرَد،
فمِنها ما تقدَّم. ومنها حديث ابن عمر المتقدِّم ذكره أوَّلَ الباب. وحديث عمر بلفظ: ((كلّ
مُسكِر حرام)) عند أبي يَعْلى (٢٤٨)، وفيه الإفريقيّ. وحديث عليّ بلفظ: ((اجتَنِبوا ما
أسكَرَ)) عند أحمد (١٢٣٦)، وهو حسن. وحديث ابن مسعود عند ابن ماجَهْ (٣٣٨٨) من
طريقٍ لَيِّن بلفظ عمر. وأخرجه أحمد (٤٣١٩) من وجه آخر لَيِّن أيضاً بلفظ عليّ. وحديث
أنس أخرجه أحمد (١٢٠٩٩) بسندٍ صحيح بلفظ: ((ما أسكَرَ فهو حرام))(١). وحديث أبي
سعيد أخرجه البزَّار(٢) بسندٍ صحيح بلفظ عمر. وحديث الأشَجّ العَصَري أخرجه أبو يَعْلى
(٦٨٤٩) كذلك بسندٍ جَيِّد، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٧٢٠٣). وحديث دَيلَمِ الحِميَريّ أخرجه
أبو داود (٣٦٨٣) بسندٍ حسن في حديث فيه: قال: ((هل يُسكِر؟)) قال: نعم، قال: ((فاجتَنِبوه)».
وحديث ميمونة أخرجه أحمد بسندٍ حسن بلفظ: ((وكلّ شراب أسكَرَ فهو حرام)) (٣). وحديث
(١) لفظه في ((المسند)): ((كل مسكر حرام)).
(٢) كما في ((كشف الأستار)) (٨٦١).
(٣) لفظه عند أحمد: ((كل مسكر حرام))، واللفظ الذي ذكره الحافظ أخرجه أحمد في ((الأشربة)) (١٠) من حديثها.

٢٣٦
باب ٤ / ح ٥٥٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
ابن عبّاس أخرجه أبو داود (٣٦٨٠ و٣٦٩٦) من طريق جيِّد(١) بلفظ عمر. والبزَّار (٤٩٢٩) من
طريق لَيِّن بلفظ: ((واجتَنِبوا كلّ مُسكِرٍ)). وحديثُ قيس بن سعد أخرجه الطبرانيُّ (٨٩٨/١٨)
بلفظ حديث ابن عمر، وأخرجه أحمد (٢) من وجه آخر بلفظ حديث عمر. وحديث التُّعمان بن
بشير أخرجه أبو داود (٣٦٧٧) بسندٍ حسن بلفظ: ((وإنّ أنهاكم عن كلّ مُسكِر)). وحديث
معاوية أخرجه ابن ماجه (٣٣٨٩) بسند حسن بلفظ عمر. وحدیث وائل بن حُجْر أخرجه ابن
أبي عاصم(٣). وحديث قُرّة بن إياس المُزَفيِّ أخرجه البزَّار (٢٩١٤) بلفظ عمر بسندٍ لَيِّن،
وحديث عبد الله بن مُغفَّل أخرجه أحمد (١٦٨٠٤) بلفظ: ((اجتَنِيوا المسكِر)). وحديث أمّ سَلَمة
أخرجه أبو داود (٣٦٨٦) بسندٍ حسن بلفظ: نَهى عن كلّ مُسكِرٍ ومُفَتِّر. وحديث بُرَيدة أخرجه
مسلم (١٩٩٩) في أثناء حديث، ولفظه مِثل لفظ عمر. وحديث أبي هريرة أخرجه النَّسائيُّ(٤)
(٥٥٨٨) بسند حسن كذلك. ذکر أحاديث هؤلاءِ التِّرمِذيّ في الباب.
وفيه أيضاً عن عَمْرو بن شعيب عن أبيه عن جَدّه عند النَّسائيِّ بلفظ عمر(٥). وعن زيد
ابن الخطَّب أخرجه الطبرانيُّ (٤٦٤٨) بلفظ: ((اجتَنِبوا كلّ مُسكِرٍ)). وعن الرَّسيم أخرجه
أحمد (١٥٩٤٩) بلفظ: ((اشرَبوا فيما شِئْتُم ولا تشربوا مُسكِراً). وعن أبي بُرْدة بن نِیارٍ
أخرجه ابن أبي شَيْبةٍ(٦) (٨/ ١٥٨) بنحوِ هذا اللَّفظ. وعن طَلق بن عليّ رواه ابن أبي شَيْبة(٧)
(١٠٢/٨) بلفظ: ((يا أيّها السائل عن المسكِرِ لا تشربه ولا تَسقِه أحداً من المسلمينَ)). وعن
صُحَارِ العَبْدِيّ أخرجه الطبرانيُّ (٧٤٠٥ و ٧٤٠٦) بنحوِ هذا. وعن أمّ حبيبة عند أحمد في
(١) هو عند أبي داود من طريقين، الأولى جيدة في المتابعات، وأما الثانية فصحيحة.
(٢) لفظه عند أحمد (٢/١٥٤٨٢): ((كل مسكر خمر)).
(٣) لعله في كتاب: ((الأشربة)) له، وهو في ((الكبير)) للطبراني ٢٢/ (١١٧١) ضمن حديث طويل.
(٤) وهو أيضاً عند ابن ماجه (٣٤٠١).
(٥) لفظه كحديث عمر عند أحمد (٦٧٣٨)، وأما عند النسائي في ((المجتبى)) (٥٦٠٧)، وفي ((الكبرى))
(٥٠٩٧) فلفظه: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)).
(٦) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من النسائي (٥٦٧٧). وذكر النسائي أنه منكر من حديث أبي بردة،
ونقل نحو ذلك عن أحمد بن حنبل.
(٧) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من أحمد (٣٢/٢٤٠٠٨).

٢٣٧
باب ٤ / ح ٥٥٨٧
كتاب الأشرية
(كتاب الأشربة)) (٢٩). وعن الضَّحّاك بن النُّعمان عند ابن أبي عاصم في ((الأشربة))(١) وكذا
عنده عن خَوّات بن جُبیر(٢). فإذا انضَمَّت هذه الأحاديث إلى حديث ابن عمر وأبي موسى
وعائشة زادَت عن ثلاثينَ صحابيّاً، وأكثر الأحاديث عنهم جياد، ومضمونها أنَّ المسكِرِ لا
يَحِلّ تَناوُله بل يجب اجتنابه، والله أعلم.
وقد رَدَّ أنسُ الاحتمالَ الذي جَنَحَ إليه الطَّحَاويُّ، فقال أحمد (١٢٠٩٩): حدَّثنا
عبد الله بن إدريس سمعت المختار / بن فُلفُل يقول: سألت أنساً فقال: نَهَى رسول الله وَّامٍ عن ٤٥/١٠
المَقَّت، وقال: ((كلّ مُسكِر حرام)) قال: فقلت له: صَدَقتَ، المسكِرِ حرام، فالشَّرْبة والشَّرْبَتَين
على الطَّعام؟ فقال: ما أسكَرَ كثيره فقليله حرام. وهذا سندٌ صحيح على شرط مسلم،
والصحابيّ أعرَف بالمرادِ مَّن تأخّرَ بعده، ولهذا قال عبدُ الله بن المبارك ما قال.
واستُدِلَّ بمُطلَقِ قوله: ((كلّ مُسكِر حرام)) على تحريم ما يُسكِر ولو لم يكن شراباً،
فيَدخُل في ذلك الحشيشةُ وغيرها، وقد جَزَمَ النَّوويّ وغيره بأنَّهَا مُسكِرة، وجَزَمَ آخرونَ
بأنَّهَا مُخُدِّرة، وهو مُكابرة لأنَّها تُحدِث بالمشاهَدةِ ما يُحدِث الخمر من الطَّرَب والنَّشاة والمداومة
عليها والانهماك فيها، وعلى تقدير تسليم أنَّها ليست بمُسكِرةٍ فقد ثَبَتَ في أبي داود (٣٦٨٦)
الَّهي عن كلّ مُسكِرٍ ومُفَتِّ، وهو بالفاءِ. والله أعلم.
قوله: ((وعن الزُّهْريِّ) هو من رواية شُعَيب أيضاً عن الزُّهْريّ، وهو موصول بالإسناد
المذكور. وقد أخرجه الطبرانيُّ في ((مُسنَد الشّاميّينَ)) (٢٩٨٣) وأفرَدَه عن أبي زُرْعة الدِّمَشقيّ
عن أبي اليَمَان شيخ البخاريّ به، وأخرجه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) عن الطبرانيّ.
قوله: ((وكان أبو هريرة يُلْحِق معهما: الحَنْتَمِ والنَّقير)) القائل هذا: هو الزُّهْرِيّ، وَقَعَ
ذلك عند شُعَيب عنه مُرسَلاً، وأخرجه مسلم (١٩٩٣) والنَّسائيُّ (٥٦٣٠) من طريق ابن
عُيَينَةَ عن الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة، بلفظ: ((لا تَنِذوا في الدُّاء ولا في
المَزَقَّت)) ثمَّ يقول أبو هريرة: واجتَنِبوا الحَناتم. ورَفَعَه كلَّه من طريق سُهَيل بن أبي صالح
(١) وهو أيضاً عنده في ((الآحاد والمثاني)) (٢٧٠٨).
(٢) وخرّجه الحافظ من مصادر أخرى أيضاً كما مضى قريباً ص ٢٣٣.

٢٣٨
باب ٤ / ح ٥٥٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ: نَهى عن المزَفَّت والحَنتَم والنَّقير. ومثله لابنِ سعد(١) من
طريق محمّد بن عَمْرو بن عَلْقمة عن أبي سَلَمة عن أبي هريرة، وزاد فيه: والدُّاء(٢). وقد
تقدَّم ضبط هذه الأشياء في شرح حديث وفد عبد القيس في أوائل الصَّحيح (٥٣) من
کتاب الإيمان.
وأخرج مسلم (١٩٩٧/ ٥٧) من طريق زاذانَ قال: سألت ابن عمر عن الأوعية،
فقلت: أَخِرِناه بلُغَتِكم وفَسِّره لنا بلُغَتِنا، فقال: نَهَى رسول الله وَّه عن الحَنْتَمة وهي
الجرّة، وعن الدُّبّاء وهي القَرْعة، وعن النَّقير وهي أصل النَّخلة تُنْقَر نَفْراً، وعن المزَفَّت
وهو المقَيَّر. وأخرج أبو داود الطَّالسيّ (٩٢٣) وابن أبي عاصم والطبرانيُّ من حديث أبي
بكرة قال: ثُّهينا عن الدُّبّاء والنَّقِير والحَنْتُم والمزَقَّت. فأمَّا الدُّبّاء فإنّا مَعشَرَ ثَقيف بالطائفِ
كنَّا نأخُذ الدُّاء فَتَخْرُط فيها عَناقيد العِنَب ثمَّ نَدفِها، ثمَّ نَتركها حتَّى تَهْدِرَ ثم تُوَّت(٣)،
وأمَّا النَّقير فإنَّ أهل اليمامة كانوا يَنقُرونَ أصل النَّخلة فيَشدَخونَ فيه الرُّطَب والبُسر، ثمَّ
يَدعونَه حتَّى يَهْدِرَ ثم يُموَّت، وأمَّا الحَنتَم فجِرارٌ جاءت تُحمَل إلينا فيها الخمر، وأمَّا
المَزَفَّت فهي هذه الأوعية التي فيها هذا الزِّفتُ. وسيأتي بيان نسخ النَّهي عن الأوعية بعد
ثلاثة أبواب (٤) إن شاء الله تعالى.
تنبيه: قال المهلَّب: وجه إدخال حديث أنس في النَّهي عن الانتباذ في الأوعية المذكورة
في ترجمة الخمر من العَسَل أنَّ العَسَل لا يكون مُسكِراً إلّا بعد الانتباذ، والعَسَل قبل الانتباذ
مُباح، فأشار إلى اجتناب بعض ما يُنتبذ فیه لگونه ◌ُسرع إليه الإسکار.
(١) عجباً للحافظ رحمه الله كيف عزاه لابن سعد وغَفَلَ عن تخريجه من ابن ماجه (٣٤٠١) والنسائي
(٥٥٨٩)، ولكل جَوَادٍ كَبْوة. ولم نقف عليه فيما طبع من ((طبقات ابن سعد)).
(٢) وكذلك جاء عند مسلم (١٩٩٣) من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة. وفات الحافظ رحمه الله
تعالى.
(٣) قوله: تَهْدِر، أي: خرج لها صوتٌ لغَلَيانها، وقوله: ثُوَّت، أي: تُطبخ، انظر ((أساس البلاغة)) المادتين
(موت) و(هدر).
(٤) باب رقم (٨).

٢٣٩
باب ٥ / ح ٥٥٨٨ - ٥٥٨٩
كتاب الأشربة
٥- باب ما جاء في أنّ الخمر ما خامَر العقلَ من الشّراب
٥٥٨٨- حدَّثَني أحمدُ بنُ أبي رَجَاءٍ، حَّثنا يحيى، عن أبي حَيّنَ الَّيِيِّ، عن الشَّعْبِيِّ، عن ابنِ
عمرَ رضي الله عنهما، قال: خَطَبَ عمرُ على مِنْرِ رسولِ الله وََّ، فقال: إِنَّه قد نزلَ تَحْرِيمُ الخمرِ،
وهي من خمسةِ أشياءَ: العِنَبِ، والتَّهْرِ، والحِنْطِةِ، والشَّعِيرِ، والعَسَلِ، والخمرُ ما خامَرَ العَقْلَ.
وثلاثٌ ودِدتُ أنَّ رسولَ الله ◌َّهِلم يُفارقْنا حتَّى يَعْهَدَ إلينا عَهْداً: الجَدُّ، والكَلالةُ، وأبوابٌ
من أبواب الرِّبا.
قال: قلتُ: يا أبا عَمِرٍو، فشيءٌ يُصنَعُ بالسِّندِ منَ الأَرْزِ؟ قال: ذاكَ لم يكن على عَهْدِ النبيِّ ◌ََّ،
أو قال: على عَهْدِ عمرَ.
وقال حَجّاجٌ، عن حَّادٍ، عن أبي حَيّانَ: مكان العِنَبِ: الزَّبِيبِ.
٥٥٨٩- حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الله بنِ أبي السَّفَرِ، عن الشَّعْبِيِّ،
عن ابنِ عمرَ، عن عمرَ، قال: الخمرُ تُصْنَعُ من خمسةٍ: منَ الزَّبِيبِ، والتَّمْرِ، والحِنْطِةِ، والشَّعِيرِ،
والعَسَلِ.
قوله: ((باب ما جاء في أنَّ الخمر ما خامَرَ العَقْل من الشَّراب)) كذا قَيِّدَه بالشَّراب، وهو ٤٦/١٠
مُتَّفَق عليه، ولا يَرِدُ عليه أنَّ غير الشَّراب ما يُسكِرِ، لأنَّ الكلام إنَّما هو في أنَّه هل يُسَمَّی
خمراً أم لا.
قوله: ((حدَّثني أحمد بن أبي رَجَاء)) هو أبو الوليد الهَرَويُّ، واسم أبيه: عبد الله بن أيوب.
ويحيى: هو ابن سعيد القَطّان. وأبو حَيّان: هو يحيى بنُ سعيد التَّيْمَيّ.
قوله: ((عن الشَّعْبيّ)) في رواية ابن عُليَّة(١) عن أبي حَيّان: حدَّثنا الشَّعْبيّ. أخرجه
النَّسائيُّ (٥٥٧٨).
قوله: ((خَطَبَ عمر)) في رواية ابن إدريس(٢) عن أبي حَيّان بسندِه: سمعت عمر يَخْطُب
(١) وكذا وقع التصريح في رواية مسدّد عن يحيى القطان السالفة عند المصنف برقم (٥٥٨١).
(٢) وكذا في رواية ابن علية التي أشار إليها الحافظ قريباً.

٢٤٠
باب ٥ / ح ٥٥٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقد تقدَّمَت في التّفسیر (٤٦١٩)، وزاد فيه: أيها الناس.
قوله: ((فقال: إِنَّه قد نزلَ)) زاد مُسدَّد عن القَطّان فيه: أمَّا بعد. وقد تقدَّمَت في أوَّل
الأشربة (٥٥٨١). وعند البيهقيِّ (٢٨٨/٨) من وجه آخر عن مُسدَّد: فحَمِدَ الله وأثنَى
علیه.
قوله: ((نزلَ تحريم الخمر، وهي من خمسة)» الجملة حاليّة، أي: نزلَ تحريم الخمر في حال
كونها تُصنَع من خمسة. ويجوز أن تكون استئنافيَّةً أو معطوفةً على ما قبلَها، والمراد أنَّ الخمر
تُصنَع من هذه الأشياء، لا أنَّ ذلك يَخْتَصّ بوقتٍ نزولها. والأوَّل أظهر، لأنَّه وَقَعَ في رواية
مسلم (٣٢/٣٠٣٢) بلفظ: ألا وإنَّ الخمر نزلَ تحريمها يوم نزلَ وهي من خمسة أشياء. نعم
وَقَعَ في آخر الباب (٥٥٨٩) من وجه آخر: وإنَّ(١) الخمر تُصنَع من خمسة.
قوله: ((من العِنَب ... )) إلى آخره، هذا الحديث أورَدَه أصحاب المسانيد والأبواب في
الأحاديث المرفوعة، لأنَّ له عندهم حُكمَ الرَّفع، لأنَّه خبر صحابيِّ شَهِدَ التَّزيل أخبر عن
سبب نزولها، وقد خَطَبَ به عمر على المِنبَرَ بحَضرة كِبار الصحابة وغيرهم، فلم يُنقَل عن
أحدٍ منهم إنكارُه، وأراد عمر بنزولٍ تحريم الخمر الآيةَ المذكورة في أوَّل كتاب الأشربة،
وهي آية المائدة [٩٠] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُرُ وَالْمَّيْسِرُ﴾ إلى آخرها.
فأراد عمر التَّنبيهَ على أنَّ المراد بالخمرِ في هذه الآية ليس خاصّاً بالمتَّخَذِ من العِنَب بل يَتناول
المتَّخَذ من غيرها، ويوافقه حديث أنس الماضي (٥٥٨٠)، فإنَّه يدلّ على أنَّ الصحابة فهِموا من
تحريم الخمر تحريمَ كلّ مُسكِر سواء كان من العِنَب أم من غيرها.
وقد جاء هذا الذي قاله عمر عن النبيّ وَلت صريحاً: فأخرج أصحاب ((السُّنَن)) الأربعة(٢)،
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، فلعلَّ ذلك وقع في نسخته، وإلّا فلم يَرِدْ نسبةُ ذلك في اليونينية ولا في «إرشاد
الساري)) لشيء من روايات البخاري، ولا في النسخة التي بأيدينا برواية أبي ذرِّ الهرويّ، والرواية عندهم
جميعاً: الخمر تصنع ...
(٢) أخرجه أبو داود (٣٦٧٧)، وابن ماجه (٣٣٧٩)، والترمذي (١٨٧٣)، والنسائي في ((الكبرى))
(٦٧٥٦).