Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ باب ٢٣ / ح ٥٥٠٩ كتاب الذبائح والصيد وَرَأَى ذلك عليٌّ وابنُ عمرَ وعائشةُ. ٥٥٠٩- حدَّثنا عَمْرو بنُ عليّ، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا أَبي، عن عَبَايَةَ بنِ رِفاعةً ابنِ خَدِيجٍ، عن رافعٍ بنٍ خَدِيجٍ، قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنّا لاقُو العدوِّ غَداً وليست مَعَنا مُدَّى، فقال: ((اعْجَلْ - أو أَرِنْ - ما أنهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله فكُلْ، ليس السِّنَّ والظُّفُرَ، وسأُحدِّثُكَ: أَمَّا السِّنُّ فِعَظْمٌ، وأمَّا الظَّفُرُ فمُدَى الحَبَشِةِ)). وأَصَبْنا نَهْبَ إِيلٍ وغَنَمِ، فنَّ منها بعيرٌ، فَرَمَاه رجلٌ بسَهْم فحَبَسَه، فقال رسولُ الله وَّهَ: ((إنَّ لهذِه الإبلِ أَوَابَ كأوابدِ الوَحْشِ، فإذا غَلَبَكم منها شيءٌ نافعَلُوا به هكذا)). قوله: ((باب ما نَّ) أي: نَفَرَ ((من البَهائم)) أي: الإنسيَّةِ «فهو بمَنْزِلةِ الوَحْش)) أي: في جواز عَقْره على أي صِفَة اتَّفَقَت، وهو مُستَفاد من قوله في الخبر: ((فإذا غَلَبَكم منها شيء فافعلوا به هکذا». وأمَّا قوله: ((إنَّ لهذه الإبل أوابدَ كأوابد الوَحْش)» فالظّاهر أنَّ تقديم ذِكْر هذا النَّشبيه كالتَّمهيدِ لكَونِها تُشارِك المتوَحِّش في الحكم، وقال ابن المنيِّر: بل المراد أنَّها تَنِفِر كما يَنْفِر الوَحْش، لا أنَّها تُعطَی حُكمَها، کذا قال، وآخِر الحديث يَرُدّ عليه. قوله: ((وأجازَه ابن مسعود)) يشير إلى ما تقدَّم في ((باب صيد القَوس))(١) عن ابن مسعود، وأخرج البيهقيُّ (٢٤٦/٩ -٢٤٧) من طريق أبي العُمَيس عن غَضْبان بن يزيد البَجَلِيِّ عن أبيه قال: أعرَسَ رجلٌ من الحميّ، فاشتَرَى جَزوراً فَنَدَّت فعَرْقَبَها (٢) وذكرَ اسمَ الله، فأمَرَهم عبد الله - يعني ابن مسعود - أن يأكلوا، فما طابَت أنفُسُهم حتَّى جَعَلوا له منها بَضْعة، ثمَّ أتوه بها فأكَلَ. قوله: ((وقال ابن عبّاس: ما أعجَزَكَ من البَهائم ممَّاً في يديكَ فهو كالصَّيدِ، وفي بعیر تَرَدَّی في بثْر فذَكِّه من حيثُ قَدَرْتَ)) في رواية كَرِيمة: من حيثُ قَدَرتَ عليه فذَكِّه. (١) ورقم الباب (٤) من هذا الكتاب. (٢) كذا نقله الحافظ مختصراً، والرواية في ((السنن)): فندَّت فذهبت ثم اشترى أُخرى فخشي أن تندَّ فعرقبها ... ٨٢ باب ٢٣ / ح ٥٥٠٩ فتح الباري بشرح البخاري أمَّا الأثر الأوَّل، فوَصَلَه ابن أبي شيبة (٣٨٥/٥) من طريق عِكْرمة عنه بهذا قال: فهو بمَنزِلة الصَّيد، وأمَّا الّاني فوَصَلَه عبد الرَّزاق (٨٤٨٨) من وجه آخر عن عِكْرمة عنه قال: إذا وَقَعَ البعير في البئر فاطعَنه من قِبَل خاصرته، واذكر اسم الله وكُلْ. قوله: ((ورَأَى ذلك عليٌّ وابن عمر وعائشة)) أمَّا أثر عليّ، فوَصَلَه ابن أبي شيبة (٣٩٤/٥- ٣٩٥) من طريق أبي راشد السَّلْمانيّ قال: كنتُ أرعَى مَنائحَ لأهلي بظَهرِ الكوفة، فتَرَدَّى منها بعير، فخَشِيتُ أن يسبقني بذَكاته، فأخذتُ حديدة فوَجَأت بها في جَنِهِ أو سَنامه، ثمَّ قَطَّعته أعضاءً وفَرَّقته على أهلي، فأبُوا أن يأكلوه، فأتيتُ عليّاً فقُمت على باب قصره فقلت: يا أمير المؤمنينَ، يا أمير المؤمنينَ، فقال: يا لَبَّكاه يا لَبَيكاه، فأخبرتُهُ خَبَرَه، فقال: كُلْ وأطعِمني. وأمَّا أثر ابن عمر، فوَصَلَه عبد الرَّزّاق (٨٤٨١) في إثر حديث رافع بن خَدِيج من رواية سفيان عن أبيه عن عَبَاية بن رِفاعة، وقد تقدَّم في «باب لا يُذكَّى بالسِّنِّ والعظم)) (٥٥٠٦)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٩٤/٥) من وجه آخر عن عباية بلفظ: تَرَدّی بعیر فی رکیّة، فنزل رجل ٦٣٩/٩ لینحره فقال: لا أقدِرُ على نَحْره، فقال له ابن عمر: اذكُر اسم الله، ثمَّ اقتُل شاکِلتَه/- يعني خاصرته - ففَعَلَ، وأُخرِجَ مُقَطَّعاً، فأخَذَ منه ابن عمر عَشيراً بدِرْهُمَينٍ أو أربعة. وأمَّا أثر عائشة، فلم أقِفْ عليه بعدُ موصولاً، وقد نَقَلَه ابن المنذر وغيره عن الجمهور، وخالَفَهم مالك واللَّيث، ونَقلَ أيضاً عن سعيد بن المسيّب ورَبيعة، فقالوا: لا يَحِلّ أكلُ الإنسيّ إذا تَوَخَّشَ إلّا بتذکیته في حلقه أو لبَّته، وحُجّة الجمهور حدیث رافع. ثمَّ ذكر حديث رافع بن خَدِيج من رواية يحيى القَطّان عن سفيان الثَّوْريّ، ولم يَذكُر فيه قصّة نصب القُدور وإکفائها وذکر سائر الحديث. قوله فيه: ((عن عَبَاية بن رِفاعة بن خَدِيج)) كذا فيه نُسِبَ رِفاعة إلى جَدّه، ووَقَعَ في رواية گریمة: رفاعة بن رافع بن خَدِیج، بغیر نقص فيه. قوله: ((فقال: اعْجَلْ أو أرِنْ)) في رواية كَرِيمة: بفتح الهمزة وكسر الرَّاء وسكون النّون، وكذا ضَبَطَه الخطَّبيُّ في ((سُنَن أبي داود)) (٢٨٢١)، وفي رواية أبي ذرِّ بسكونِ الرَّاء وكسر ٨٣ باب ٢٣ / ح ٥٥٠٩ كتاب الذبائح والصيد النّون، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ من هذا الوجه الذي هنا: ((وأَرِني)) بإثبات الياء آخره، قال الخطَّبيُّ: هذا حرف طالَمَا اسْتَثْبتُ فيه الرُّواةَ، وسألتُ عنه أهل اللّغة فلم أجِدْ عندهم ما يَقطَع بصِخَّتِه، وقد طلبتُ له ◌َرَجاً. فذكر أوجُهاً: أحدها: أن يكون على الرِّواية بكسر الرَّاء من أرَانَ القومُ: إذا هَلكَت مَواشِيهم، فيكون المعنى: أهلِكها ذَبحاً، ثانيها: أن يكون على الرِّواية بسكونِ الرَّاء بوَزنِ أعْطِ، يعني: انظُرْ وأنظِرْ وانتَظِرِ بمعنَى، قال الله تعالى حكاية عمَّن قال: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن ذُوْرِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] أي: أنظِرونا، أو هو بضمِّ الهمزة بمعنى: أدِمِ الخَزَّ، من قولك: رَنَوتُ: إذا أدَمتَ النَّظَر إلى الشيء، وأراد: أدِمِ النَّظَرَ إليه وراعِه ببَصَرِك، ثالثها: أن يكون مهموزاً من قولك: أرِنَ يأرَنُ: إذا نَشِطَ وخَفَّ، كأنَّه فعلُ أمر بالإسراع لئلّا يموت خَنقاً، ورَجَّحَ في ((شرح السُّنَن)) هذا الوجه الأخير، فقال: صوابه: اثْرَنْ بهمزةٍ ومعناه: خِفَّ واعجَلْ لئلّا تَخْنُقُها، فإنَّ الذَّبح إذا كان بغير الحديد احتاجَ صاحبه إلى خِفّة يدٍ وسُرعة في إمرار تلك الآلة، والإتيان على الحُلقوم والأوداج كلِّها قبل أن تَهلِكَ الذَّبيحة بما يَنالها من ألم الضَّغط قبل قطع مَذابِحها، ثمَّ قال: وقد ذكرتُ هذا الحرف في ((غریب الحدیث) وذكرت فيه وجوهاً يحتملها التَّاویل، وكان قال فيه: يجوز أن تكون الكلمة تَصَحَّفَت، وكان في الأصل: أزِزْ بالزّاي، من قولك: أزَزَ الرجلُ إصبعَه: إذا جعلها في الشيء، وأزَزَت الجرادةُ أزَزاً: إذا أدخَلت ذَنَبها في الأرض، والمعنى: شُدَّ يدَك على النَّحْرِ. وزَعَمَ أنَّ هذا الوجه أقربُ الجميع. قال ابن بَطّال: عَرَضتُ كلام الخطَّبيّ على بعض أهل النَّقَد، فقال: أمَّا أخذُه من أرانَ القومُ، فمُعتَرَض، لأنَّ أرانَ لا يَتَعَدَّى، وإنَّما يقال: أرانَ هو، ولا يقال: أرانَ الرجلُ غنمَه، وأمَّا الوجه الذي صَوَّبَه ففيه نظر، وكأنَّه من جهة أنَّ الرِّواية لا تُساعِده، وأمَّا الوجه الذي جعله أقربَ الجميع فهو أبعَدُها لعَدَمِ الرِّواية به. وقال عِیَاض: ضَبَطَه الأَصِيلِيّ: أرِني، فِعل أمرٍ من الرُّؤية، ومثله في مسلم (١٩٦٨ / ٢٠) لكن الرَّاء ساكنة، قال: وأفادَني بعضهم أنَّه وَقَفَ على هذه اللَّفظة في ((مُسنَد عليّ بن عبد العزيز)) مضبوطة هكذا: أرِني أو اعجَلْ، فكأنَّ الراوي شَكَّ في أحد اللَّفْظَينِ وهما بمعنَّى واحد، والمقصود الذَّبح بما يُسرِع القطعَ ويُجري الدَّم. ٨٤ باب ٢٤ فتح الباري بشرح البخاري وَرَجَّحَ النَّوَويّ أن ((أرِن)) بمعنى: أعجِلْ، وأنَّه شَكٍّ من الراوي، وضَبَطَ أعجِلْ بكسر الجيم، وبعضهم قال في رواية لمسلم: أرْني، بسكونِ الرَّاء وبعد النُّون ياء، أي: أحضِرْني الآلة التي تَذْبَح بها لأراها، ثمَّ أضرَبَ عن ذلك، فقال: أو أَعجِلْ، وأَوْ تجيء للإضراب فكأنَّه قال: قد لا يَتَيْسَر إحضار الآلة فيَتأخّر البيان، فعُرِّفَ الحكمَ فقال: ((أَعجِلْ ما أنهَرَ الدَّم ... )) إلى آخره، قال: وهذا أَولى من حَملِه على الشكّ. وقال المنذِرُّ: اختُلِفَ في هذه اللَّفظة هل هي بوَزنِ أعْطِ أو بوزنِ أطِعْ، أو هي فِعلُ أمرٍ من الرُّؤية؟ فعلى الأوَّل: المعنى: أدِمِ الحَّ: من: رَنَوتُ: إذا أدَمْت النَّظَرِ، وعلى الثّاني: أَهلِكها ذَبحاً، من أرانَ القومُ: إذا هَلكَت مواشيهم، وتُعقّبَ بأنَّه لا يَتَعَدَّى، وأُجيبَ بأنَّ ٦٤٠/٩ المعنى: كُنْ ذا شاة/ هالكة إذا أزهَقتَ نفسها بكلِّ ما أنهَرَ الدَّمَ. قلت: ولا يخفى تكلُّه. وأمَّا على أنَّه بصيغة فعل الأمر فمعناه: أرِنِي سَيَلانَ الدَّم، ومَن سَكَّنَ الرَّاء اختَلَسَ الحركة، ومَن حَذَفَ الياء جازَ، وقوله: واعجَلْ، بهمزة وصل وفتح الجيم وسكون اللّام: فعل أمرٍ من العَجَلة، أي: اعجَل لا تموت الذَّبيحة خنقاً، قال: ورواه بعضهم بصيغة أفعَل التَّفضيل، أي: ليكن الذَّبح أعجَلَ ما أنهَرَ الدَّمَ، قلت: وهذا وإن تَتَّى على رواية أبي داود (٢٨٢١) بتقديم لفظ ((أرِني)) على ((أَعجل)) لم يَستَقِم على رواية البخاريّ بتأخيرها، وجَوَّزَ بعضهم في رواية ((أَزْنِ)» بسكونِ الرَّاء أن يكون من: أرناني حُسنُ ما رأيته، أي: حَمَني على الرُّنوّ إليه، والمعنى على هذا: أحسِن الذَّبح حتَّى تُحِبّ أن نَنظُر إليك، ويُؤْيِّده حديث: ((إذا ذَبَحتُم فأحسِنوا)) أخرجه مسلم (١٩٥٥). وقد سَبَقَت مباحثُ هذا الحديث مُستَوفاة قبلُ (٥٤٩٨)، وسياقه هناك أتمّ ممّا هنا، والله أعلم. ٢٤ - باب النَّحر والذَّبح وقال ابنُ جُرَيج، عن عطاءٍ: لا ذَبَحَ ولا مَنْحَرَ إلّا في المَذْبَحِ والمَنْحَرِ. قلتُ: أَيَجْزِي ما يُذْبَحُ أن أنْحَرَه؟ قال: نعم، ذَكَرَ اللهُ نَبْحَ البقرةِ، فإن ذَبَحْتَ شيئاً يُنْحَرُ جازَ، والنَّحْرُ أحَبُّ إليَّ، والنَّبْحُ: قَطْعُ الأوْدَاجِ. قلتُ: فَيُخلِّفُ الأوْدَاجَ حتَّى يَقْطَعَ النِّخْاعَ؟ قال: لا إخالُ. ٨٥ باب ٢٤ كتاب الذبائح والصيد فأخبرني نافعٌ: أنَّ ابنَ عمرَ نَهَى عن النَّخْعِ، يقول: يَقْطَعُ ما دونَ العَظْمِ، ثمَّ يَدَُ حتَّى تموتَ. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةًّ﴾ إلى ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٦٧ - ٧١]. وقال سعيدٌ، عن ابنِ عبَّاسٍ: الذَّكَاةُ في الحَلْقِ واللَّةِ. وقال ابنُ عمَرَ وابنُ عبَّاسٍ وأنسٌ: إذا قَطَعَ الَّأْسَ فلا بأسَ. قوله: ((باب النَّحْرِ والذَّبْح)) في رواية أبي ذرّ: ((والذَّبائح)) بصيغة الجمع، وكأنَّه جَمَعَ باعتبار أنَّه الأكثر، فالنَّحر في الإبل خاصّة، وأمَّا غير الإبل فيُذبَح، وقد جاءت أحاديث في ذبح الإبل وفي نَحْر غيرها، وقال ابن التِّين: الأصل في الإبل النَّحر، وفي الشّاة ونحوها الذَّبح، وأمَّا البقر فجاء في القرآن ذِكْر ذَبحِها وفي السُّنّة ذِكْر نَحرِها، واختُلِفَ في ذبح ما يُنحَر ونَحْر ما يُذبَح، فأجازَه الجمهور ومَنَعَ ابنُ القاسم. قوله: ((وقال ابن جُرَيج عن عطاء ... )) إلى آخره، وَصَلَه عبد الرَّزّاق (٨٤٨٦) عن ابن جُرَيج مُقَطَّعاً. وقوله: ((والذَّبح قطع الأوداج)) جمع وَدَجِ بفتح الدّال المهمَلة والجيم: وهو العِرق الذي في الأخدَعِ، وهما عِرقان مُتَقابلان، قيل: ليس لكلِّ بهيمة غير وَدَجَينِ فقط وهما مُحيطانِ بالحُلقوم،/ ففي الإتيان بصيغة الجمع نظرٌ، ويُمكِن أن يكون أضافَ كلَّ وَدَجَينٍ إلى الأنواع ٦٤١/٩ كلّها، هكذا اقتَصَرَ عليه بعض الشُّاح، وبَقِيَ وجه آخر: وهو أنَّه أطلقَ على ما يُقطَع في العادة وَدَجاً تغليباً، فقد قال أكثر الحنفيَّة في كُتُبهم: إذا قَطَعَ من الأوداج الأربعة ثلاثة حَصَلَتِ التَّذكية، وهما الحُلقوم والمَرِيء وعِرقانِ من كلّ جانب، وحكى ابن المنذر عن محمّد بن الحسن: إذا قَطَعَ الْخُلقومَ والمَرِيءَ وأكثرَ من نصف الأوداج أجزا، فإن قَطَعَ أقلَّ فلا خیر فیھا. وقال الشافعيّ: يكفي ولو لم يَقطَع من الوَدَجَینِ شيئاً، لأنَّهما قد يُسَلّان من الإنسان وغيره ٨٦ باب ٢٤ فتح الباري بشرح البخاري فيعيش. وعن الثَّوْريّ: إن قَطَعَ الوَدَجَينِ أجزأ ولو لم يَقْطَعِ الخُلقوم والمَرِيء، وعن مالك واللَّيث: يُشْتَرَط قطع الوَدَجَينِ والحلقوم فقط، واحتُجَّ له بما في حديث رافع: ((ما أنهَرَ الدَّمَ)) (١) وإنهاره: إجراؤه، وذلك يكون بقطع الأوداج لأنَّها مَجَرَى الدَّم، وأمَّا المريء فهو مَجَرَى الطَّعام وليس به من الدَّم ما يَحصُل به إنهار، كذا قال. وقوله: ((فأخبرني نافع)) القائل: هو ابن جُرَيج. وقوله: ((النَّخْع)) بفتح النُّون وسكون الخاء المعجمة، فَسَّرَه في الخبر بأنَّه قطعُ ما دون العظم، والنّخاع: عِرق أبيض في فَقَار الظَّهر إلى الصُّلب(٢)، يقال له: خيط الرَّقَبة. وقال الشافعيّ: النَّخْعِ: أن تُذبَح الشّاة ثمَّ يُكسَر قَفَاها من موضع المذبَح، أو تُضرَب ليُعَجَّل قطع حَرَكَتها. وأخرج أبو عُبيد في ((الغريب)) (٢٥٤/٣) عن عمر: أنَّه نَهَى عن الفَرْس في الذَّبيحة، ثمَّ حكى عن أبي عُبيدة: أنَّ الفَرْس هو النَّخْع، يقال: فَرَستُ الشّاة ونَخَعتُها، وذلك أن ينتهي بالذَّبحِ إلى النّخاع وهو عظم في الرَّقَبة، قال: ويقال أيضاً: هو الذي يكون في فَقَار الصُّلب شبيه بالمخِّ وهو مُتَّصِل بالقَفَا، نَهى أن ينتهي بالذَّبِحِ إلى ذلك. قال أبو عُبيد: أمَّا النَّخع فهو على ما قال، وأمَّا الفَرْس فيقال: هو الكسر، وإنَّما نَهَى أن تُكسَر رَقَبة الذَّبيحة قبل أن تَبرُد، ويُبيِّن ذلك أنَّ في الحديث: ولا تُعَجِّلوا الأنفُس قبل أن تَزْهَق. قلت: يعني في حديث عمر المذكور، وكذا ذكره الشافعيّ عن عمر (٣). قوله: (﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ إلى ﴿فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾)) زاد في رواية كَرِيمة: ((وقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴾)) وهذا من تمام التَّرجمة، وأراد أن يُفسِّر به قول ابن جُرَيج في الأثر المذكور: ذَكَر اللهُ ذبحَ البقرة، وفي هذا إشارة منه إلى اختصاص البقر بالذبح، وقد روی شیخه إسماعيل بن أبي أُوَیس (١) سلف قبل قليل برقم (٥٥٠٩)، وسلفت مباحثه وشرحه برقم (٥٤٩٨). (٢) تحرَّف في (س) إلى: القلب. (٣) في ((الأم)) ٢ / ٢٦٢، وقد أخرجه عبد الرزاق (٨٦١٤)، والبيهقي ٩/ ٢٧٨. ٨٧ باب ٢٤ كتاب الذبائح والصيد عن مالك: مَن نَحَرَ البقر فبئسَ ما صَنَعَ، ثمَّ تلا هذه الآية، وعن أشهَبَ: إن ذَبَحَ بعيراً من غير ضَرُورة لم يُؤكّل. قوله: ((وقال سعيد عن ابن عبّاس: الذَّكاة في الحَلْق واللَّبّة)) وَصَلَه سعيد بن منصور والبيهقيُّ (٢٧٨/٩) من طريق أيوب عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس أنَّه قال: الذَّكاة في الحلق واللَّة، وهذا إسناد صحيح، وأخرجه سفيان الثَّوْريّ في ((جامعه)) عن عمر مِثلَه، وجاء مرفوعاً من وجه واٍ (١). واللَّة بفتح اللام وتشديد الموخَّدة: هي موضع القِلادة من الصَّدر وهي المَنحَر، وكأنَّ المصنِّف لَمَّحَ بضعفِ الحديث الذي أخرجه أصحاب السُّنَن(٢) من رواية حَمَّاد بن سَلَمَةَ عن أبي العُشَراءِ(٣) الدَّارِمِيِّ عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، ما تكون الذَّكاةُ إلّا في الحَلْقِ واللَّة؟ قال: ((لو طَعَنتَ في فَخِذها لَأجزأك))، لكن مَن قَوّاه حَمَلَه على الوَحْشِيِّ والمتوَحِّش. قوله: ((وقال ابن عمر وابن عبَّاس وأنس: إذا قَطَعَ الرَّأْسَ فلا بأس)) أمَّا أثر ابن عمر فَوَصَلَه أبو موسى الزَّمِن من رواية أبي مِجْلَز: سألتُ ابن عمر عن ذبيحة قُطِعَ رأسها، فأمَرَ ابنُ عمر بأكلِها (٤). وأمَّا أثر ابن عبّاس فَوَصَلَه ابن أبي شَيْبة بسندٍ صحيحٍ: أنَّ ابن عبّاس سُئلَ عمَّن ذَبَحَ دَجاجة فطيَّرَ رأسَها؟ فقال: ذَكاةٌ وَحِيَّة (٥)، بفتح الواو وكسر الحاء المهمَلة بعدها تحتانيَّة ثقيلة، أي: سريعة، منسوبة إلى الوَحَاء: وهو الإسراع والعَجَلة. (١) أخرجه الدار قطني في ((سننه)) (٤٧٥٤) من حديث أبي هريرة، وفي سنده سعيد بن سلّام العطار، وهو متّهم بالكذب. (٢) أبو داود (٢٨٢٥)، وابن ماجه (٣١٨٤)، والترمذي (١٤٨١)، والنسائي (٤٤٠٨). (٣) تحرَّف في (س) إلى: أبي المعشر. (٤) ساقه الحافظ ابن حجر في ((تغليق التعليق)) ٥٢٠/٤ بإسناد أبي موسى محمد بن المثنَّى إلى ابن عمر، وهو إسناد حسن. (٥) أورده ابن حزم في ((المحلى)) ٧/ ٤٤٤ من طريق ابن أبي شيبة. ٨٨ باب ٢٤ / ح ٥٥١٠ - ٥٥١٢ فتح الباري بشرح البخاري ٦٤٢/٩ وأمَّا أثر / أنس فوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (١) من طريق عُبيد الله بن أبي بكر بن أنس: أنَّ جَزّاراً لأنسٍ ذَبَحَ دجاجة فاضطَرَبَت، فَذَبَحَها من قَفاها فأطارَ رأسَها، فأرادوا طرحها، فأمَرَهم أنس بأكلها. ٥٥١٠- حدَّثْنَا خَلَادُ بنُ يحيى، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، قال: أخبَرَتْني فاطمةُ بنتُ المنذرِ امرأتي، عن أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما، قالت: نَحَرْنا على عَهْدِ النبيِّ وَلّ فرساً فأكَلْناه. [أطرافه في: ٥٥١١، ٥٥١٢، ٥٥١٩] ٥٥١١- حدَّثنا إسحاقُ، سمعَ عَبْدةَ، عن هشامٍ، عن فاطمةَ، عن أسماءَ، قالت: ذَبَحْنا على عَهْدِ رسولِ الله وَلِّ فِرساً ونحنُ بالمدينةِ، فأكَلْناه. ٥٥١٢- حدَّثْنَا قُتَبةُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن هشام، عن فاطمةَ بنت المنذِرِ: أنَّ أسماءَ بنتَ أبي بکرٍ قالت: نَحَرْنا على عَهْدِ رسولِ الله ێ فرساً فأكَلْناه. تابَعَه وَكيعٌ وابنُ عُبَينَةَ عن هشامٍ في النَّحْرِ. ثم ذكر المصنِّف في الباب حديث أسماء بنت أبي بكر في أكل الفَرَس، أورَدَه من طريق سفيان الثَّوْريّ ومن رواية جَرِير كلاهما عن هشام بن عُرْوة موصولاً بلفظ: نَحَرْنا، وقال في آخره: تابَعَه وكيع وابن عُيَينةَ عن هشام في النَّحر، وأورَدَه أيضاً من رواية عَبْدة - وهو ابن سليمان - عن هشام بلفظ: ذَبَحنا، ورواية ابن عُبَينَةَ التي أشار إليها ستأتي موصولة بعد بابینِ (٥٥١٩) من رواية الحميديّ عن سفيان - وهو ابن عُيَينةَ -به، وقال: نَحَرْنا. ورواية وكيع أخرجها أحمد (٢٦٩٣٣) عنه بلفظ: نَحَرْنا، وأخرجها مسلم (١٩٤٢) عن محمَّد بن عبد الله بن نُمَير: حدَّثنا أَبي وحفص بن غياث ووَكيع ثلاثتهم عن هشام، بلفظ: نَحَرْنا، وأخرجه عبد الرَّزاق (٨٧٣١) عن مَعمَر والثَّوْريّ جميعاً عن هشام بلفظ: نَحَرنا، وقال الإسماعيليّ: قال همَّام وعيسى بن يونس وعليّ بن مُسهِر عن هشام بلفظ: نَحَرنا، واختُلِفَ (١) كذا نسبه الحافظ هنا إلى ابن أبي شيبة، وخرَّجه في ((التغليق)) من طريق وكيع في ((مصنفه)) عن مبارك بن فضالة عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، وكذلك خرَّجه ابن حزم في ((المحلى)) ٧/ ٤٤٣ -٤٤٤. ٨٩ باب ٢٥ / ح ٥٥١٣ كتاب الذبائح والصيد على حَمَّاد بن زيد وابن عُيَينةَ فقال أكثر أصحابهما: نَحَرنا وقال بعضهم: ذَبَحنا. وأخرجه الدّارَقُطنيُّ (٤٧٨٤) من رواية مُؤمَّل بن إسماعيل عن الثَّوْريّ ووُهَيب بن خالد، ومن رواية ابن ثَوْبان - وهو عبد الرَّحمن بن ثابت بن ثوبان - (٤٧٨٦)، ومن رواية يحيى القَطّان (٤٧٨٣) كلّهم عن هشام بلفظ: ذَبَحنا، ومن رواية أبي معاوية (٤٧٨٥) عن هشام: انتَحَرنا، وكذا أخرجه مسلم (١٩٤٢) من رواية أبي معاوية وأبي أسامة ولم يَسُق لفظه، وساقَه أبو عَوَانة عنهما بلفظ: نَحَرْنا(١). وهذا الاختلاف كلُّه على هشام، وفيه إشعار بأنَّه كان تارةً يرويه بلفظ: ((ذَبَحنا)) وتارة بلفظ: ((نَحَرنا))، وهو مَصِير منه إلى استواء اللَّفظَينِ في المعنى، وأنَّ النَّحر يُطلَق عليه ذَبْح، والذَّبح يُطلَق عليه نَحْر، ولا يَتَعيَّن مع هذا الاختلاف ما هو الحقيقة في ذلك من المجاز إلّا إِن رَجَحَ أحدُ الطَّريقَين، وأمَّا أنَّه يُستَفاد من هذا الاختلاف جواز نحر المذبوح وذبح المنحور كما قاله بعض الشُّرّاح فبعيدٌ، لأنَّه يَستَلِزِم أن يكون الأمر في ذلك وَقَعَ مَرَّتَين، والأصل عَدَم التعدُّد مع اتّحاد المخرَج، وقد جَرَى النَّوَويّ على عادتِه في الحَمْل على التعدُّد، فقال بعد أن ذكر اختلاف الرُّواة في قولها: ((نَحَرنا وذَبَحنا)): يُجمَع بين الرِّوايتَينِ بأَّهما قضيَّتان، فمرَّة نَحَروها ومرَّة ذَبَحوها، ثمّ قال: ويجوز أن تكون قصَّةً واحدة وأحدُ اللَّفْظَيْنِ مَجاز، والأوَّل أصحّ، كذا قال، والله أعلم. ٢٥ - باب ما يكره من المُثْلة والمصبورة والمُجثَّمة ٥٥١٣- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّنا شُعْبةُ، عن هشامِ بنِ زيدٍ، قال: دَخَلْتُ معَ أنسٍ على الحَكّم بنِ أيوبَ، فَرَأى غِلْماناً - أو فِتْياناً - نَصَبوا دَجاجةً يَرْمونَها، فقال أنسُ: نَهَى النبيُّ ◌َه أن تُصْبَرَ البَهائمُ. قوله: ((باب ما يُكرَه من المُثْلة)) بضمِّ الميم وسكون المثلَّثة: هي قطعُ أطراف الحيوان أو ٦٤٣/٩ (١) كذا قال الحافظ، والذي وقع في ((مستخرج أبي عوانة)) (٧٦٣٩) من طريق أبي معاوية بلفظ: انتحرنا، أما رواية أبي أسامة عنده (٧٦٤٠) فبلفظ: أكلنا لحم فرس ... ٩٠ باب ٢٥ / ح ٥٥١٣ فتح الباري بشرح البخاري بعضها وهو حَيّ، يقال: مَثَّلتُ به أُمَثِّل، بالتَّشديدِ للمُبالَغة. قوله: ((والمصبُورة)) بصادٍ مُهمَلة ساكنة وموخَّدة مضمومة ((والمجَثَّمة)) بالجيم والمثلَّئة المفتوحة: التي تُربَط وتُجعَل غَرَضاً للرَّمي، فإذا ماتت من ذلك لم يَحِلَّ أكلها، والجُثوم للطَّير ونحوها بمَنزِلة البُرُوك للإبل، فلو جَثَمَت بنفسِها فهي جائِمة ومُجُِّمة بكسر المثَلَّئة، وتلك إذا صِيدَت على تلك الحالة فذُبحَت جازَ أكلها، وإن رُمَيَت فماتت لم يَجُزْ، لأنَّها تصير مُوقَذة. ثمَّ ذکر في الباب أربعةً أحاديث: الأول: حديث أنس. قوله: ((عن هشام بن زيد)) يعني: ابن أنس بن مالك. قوله: ((دَخَلْت معَ أنس على الحَكَم بن أيوب)) يعني: ابن أبي عَقيل الثَّقفيّ، ابن عمّ الحجّاج بن يوسف ونائبه على البصرة وزوج أخته زينب بنت يوسف، وهو الذي يقول فيه جَرِیر یمدحه: حتَّى أنَخْناها على بابِ الحَكَمْ خَليفةِ الحَجّاجِ غيرِ المُتَّهِمْ وَقَعَ ذِكرُه في عِدّة أحاديث، وكان يُضاهي في الجَوْر ابنَ عمّه، وليزيدَ الضَّبِّيّ معه قصَّة طويلة تَدُلّ على ذلك أورَدَها أبو يَعْلى الموصِليّ في ((مُسنَد أنس)) له، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ بلفظ: خَرَجتُ مع أنس بن مالك من دار الحَكّم بن أيوب أمير البصرة. قوله: ((فَرَأَى غِلْماناً أو فِتْياناً) شٌَّ من الراوي، ولم أقِفْ على أسمائهم، وظاهر السِّياق أنَّهم من أتباع الحكم بن أيوب المذكور. قوله: ((أن تُصْبَرَ)) بضمٍّ أوَّله، أي: تُحبَس لتُرمَى حَتَّى تموت، وفي رواية الإسماعيليّ من هذا الوجه بلفظ: سمعت أنس بن مالك يقول: نَهَى رسول الله وَّل عن صَبْر الرّوح. وأصل الصَّبر: الحَبْس، وأخرج العُقَيليّ في ((الضُّعَفاء)) (١٨/٢) من طريق الحسن عن سَمُرة قال: نَهَى النبيُّ وَّهِ أَن تُصَبَر البهيمةُ، وأن يُؤْكَل لحمُها إذا صُبرَت، قال العُقَيليّ: جاء في النَّهي عن صَبْر البهيمة أحاديث جِيَاد، وأمَّا النَّهي عن أكلها فلا يُعرَف إلّا في هذا. ٩١ باب ٢٥ / ح ٥٥١٤ -٥٥١٥ كتاب الذبائح والصيد قلت: إن ثَبَتَ فهو محمول على أنَّها ماتت بذلك بغير تذكية كما تقدَّم في المقتول بالبُندُقة (٥٤٧٩). الحدیث الثاني: حديث ابن عمر. ٥٥١٤- حدَّثنا أحمدُ بنُّ يعقوبَ، أخبرنا إسحاقُ بنُ سعيدِ بنِ عَمرو، عن أبيه، أنَّه سمعَه يُحدِّثُ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: أنَّه دَخَلَ على يحيى بنِ سعيدٍ وغلامٌ من بني يحيى رابطٌ دَجاجةً يَرْمِيها، فمَشَى إليها ابنُ عمرَ حتَّى حَلَّها، ثمَّ أقبَلَ بها وبالغلام معه، فقال: ازْجُروا غلامَكم عن أن يَصْبِرَ هذا الطَّرَ للْقتلِ، فإنّ سمعتُ النبيَّ وَّلْ نَهَى أَن تُصْبَرَ بَهِيمٌ أو غيرُها للْقتلِ. ٥٥١٥- حذَّثنا أبو النُّعْمان، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي بِشْرِ، عن سعيدِ بنِ جُبَير، قال: كنتُ عندَ ابنِ عمرَ فَمَرُّوا يفِتْيَةٍ - أو بنَفَرِ - نَصَبوا دَجاجةٌ يَرْموتَها، فلمَّا رَأَوا ابنَ عمرَ تَفرَّقوا عنها، وقال ابنُ عمَرَ: مَن فَعَلَ هذا؟ إنَّ النبيَّ وَلَّهِ لَعَن مَن فعل هذا. تابَعَه سليمانُ، عن شُعْبةَ، حدّثنا المِنْهالُ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عمرَ: لَعَنَ النبيُّ ◌ََّ مَنْ مَثَّلَ بالحيوان. قوله: ((أَنَّ دَخَلَ على يحيى بن سعيد)) أي: ابن العاص، وهو أخو عَمْرو المعروف بالأشدَقِ ابن سعید بن العاص والدِ سعید بن عَمْرو راویه عن ابن عمر. قوله: ((وغلامٌ من بني يحيى)) أي: ابن سعيد المذكور، لم أقِفْ على اسمه، وكان ليحيى من الذُّكور عثمان وعَنبَسة وأَبان وإسماعيل وسعيد ومحمَّد وهشام وعَمْرو، وكان يحيى بن سعيد قد وليَ إمرةَ المدينة مرّةً و كذا أخوه عَمْرو. قوله: ((فَمَشَى إليها ابنُ عمر حتَّى حَلَّهَا)) بتشديد اللّام، في رواية السَّرَخْسيّ والمُستَمْلي: ◌َملها، ورواية الكُشْمِيهنيّ أوضَحُ لقولِه في أوَّل الحديث: رابطٌ دجاجة، ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ وأبي نُعَيم في ((المستخرَج)): فحَلَّ الدَّجاجة. قوله: ((ازْجُروا غلامَكم)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: غِلمانكُم ((عن/أن يَصْبِرِ)) في رواية ٦٤٤/٩ ٩٢ باب ٢٥ / ح ٥٥١٥ فتح الباري بشرح البخاري الكُشْمِيهنيّ: ((أَن يَصبِروا)) بصيغة الجمع وهو على نَسَقِ الذي قبله، وزاد أبو نُعَيم في آخر الحديث: وإن أردتُم ذبحَها فاذبحُوها. قوله: ((هذا الطَّيرِ)) قال الكِرْمانيُّ: هذا على لُغة قليلة وهي إطلاق الطَّير على الواحد، واللُّغة المشهورة في الواحد: طائر، والجمع: الطَّير. قلت: وهو هنا مُتَمِل لإرادة الجمع، بل الأَولى أنَّه لإرادة الجنس. قوله: ((أن تُصْبَرَ بَهيمة أو غيرها للقَتْلِ)) ((أو) للتَّنويع لا للشَّكّ، وهو زائد على حديث أنس، فيَدخُل فيه البهائم والطُّيور وغيرهما، ونحوه حديث أبي أيوب قال: والذي نفسي بَيَدِه لو كانت دجاجة ما صَبَرتُها، سمعت رسول الله وَلّهِ يَنْهَى عن قتل الصَّبْر، أخرجه أبو داود (٢٦٨٧) بسندٍ قويّ(١)، ويجمع ذلك حديثُ شدَّاد بن أوس عند مسلم (١٩٥٥) رَفَعَه: ((إذا قَتَلتُم فأحسِنوا القِتْلة، وإذا ذَبَحتُم فأحسِنوا الذُّبْحة، وليُحِدَّ أحدكم شَفْرتَه، ولُرخ ذبیحتَه)). قال ابن أبي جَمْرة: فيه رحمة الله لعِبادِه حتَّى في حال القتل، فأمَرَ بالقتل، فَأَذِنَ بالرِّفِقِ فيه، ويُؤْخَذ منه قَهرُه لجميع عباده، لأنَّه لم يَترُك لأحدِ التَّصرُّفَ في شيء إلّا وقد حَدّ له فيه كيفيَّة. قوله: ((عن أبي بِشْر)) هو جعفرُ بن أبي وَحْشِيَّة. قوله: ((فمَرّوا بفِتْيَةٍ أو بنَفَرِ)) شَكَّ من الراوي، وفي رواية الإسماعيليّ: ((فإذا فِتِيةٌ نَصَبوا دجاجة يَرِمُونَها وله كلُّ خاطئة)) يعني: أنَّ الذي يصيبها يأخُذ السَّهم الذي يُرمَى به إذا لم يُصِبها. قوله: ((وقال ابن عمر: مَن فعل هذا؟)) زاد في رواية الإسماعيليّ: فتَفرَّقوا. قوله: ((أنَّ النبيّ ◌َِّ لَعَنَ مَن فعل هذا)) في رواية مسلم (٥٩/١٩٥٨): لَعَنَ مَن الَّخَذَ شيئاً فيه الرُّوحِ غَرَضاً؛ بمُعجَمَتَينِ والفتح، أي: منصوباً للرَّمي، وفي رواية الإسماعيليّ: (١) كذا قال، مع أنَّ فيه مقالاً على ما بيَّناه في ((مسند أحمد)) برقم (٢٣٥٨٩) و(٢٣٥٩٠). ٩٣ باب ٢٥ / ح ٥٥١٦ كتاب الذبائح والصيد لَعَنَ رسول الله وَ ◌ّهِ مَن مَثَّلَ بالحيوان، وفي رواية له: بالبَهائمِ، وفي رواية له: مَن تَجِثَّمَ؛ واللَّعن من دلائل التَّحريم، ولأحمد (٥٦٦١) من وجه آخر عن أبي صالح الحنفيّ عن رجل من الصَّحابة، أُراه عن ابن عمر رَفَعَه: ((مَن مَثَّلَ بذي روح ثمَّ لم يَتُب، مثَّلَ الله به يوم القيامة)) رجاله ثقات. قوله: «تابَعَه سلیمان» هو ابن حَرْب. قوله: (لَعَنَ النبيُّ ◌َ مَن مَثَّلَ بالحيوان)) أي: صَيَّرَه مُثْلة، بضمِّ الميم وبالمثلَّثة، وهذه المتابعة وَصَلَها البيهقيُّ (٩/ ٧٠) من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حَرْب، وزاد فيه أيضاً قصَّة أنَّ ابن عمر خَرَجَ في طريق من طرق المدينة فرأى غِلِماناً، فذكر مِثْلَ رواية أبي بِشْر، وفيه: فلمَّا رأوه فُرُّوا فغَضِبَ ... الحديث. ووَهِمَ مُغَلْطاي وتَبِعَه شيخنا ابن الملقِّن وغيره، فجَزَموا بأنَّ سليمان هذا: هو أبو داود الطَّالسيّ، واستَنَدَ إلى أنَّ أبا نُعَيم أخرجه في ((مُستَخرَجه)) من طريق أبي خليفة عن الطَّيالسيّ. قلت: وهو غَلَطٌ ظاهر، فإنَّ الطَّيالسيّ الذي يروي عنه أبو خليفة هو أبو الوليد واسمه هشام بن عبد الملك، ولم يُدرِك أبو خليفة أبا داود الطَّيالسيّ، فإنَّ مَولِده بعد وفاته بسنتين، ماتَ أبو داود سنة أربع ومئتَينٍ على الصَّحيح، ووُلِدَ أبو خليفة سنة ستّ ومئتَين. والمِنهال المذكور في السَّنَد: هو ابن عَمْرو، يعني: أنَّه تابَعَ أبا بشر في روايته لهذا الحديث عن سعيد بن جُبَير، وخالَفَهما عَديُّ بن ثابت فرواه عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس كما بيَّنه في الطَّريق التي بعدها. الحديث الثالث والرابع: وقال عَدِيٌّ، عن سعيدٍ: عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ وَّ. ٥٥١٦- حدَّثْنَا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، قال: أخبرني عَدِيُّ بنُ ثابتٍ، قال: سمعتُ عبدَ الله بنَ يزيدَ، عن النبيُّ ◌ََِّ: أَنَّه نَهَى عن النُّهْبَى والمُثْلِةِ. ٩٤ باب ٢٦ / ح ٥٥١٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال عَديّ)) هو ابن ثابت ((عن سعيد)) هو ابن جُبَير ((عن ابن عبّاس)) هو موصول بالإسناد الذي ساقَه إلى عَديّ بن ثابت عن عبد الله بن يزيد، وقد ساقَه البخاريّ في ((تاريخه)) (٢٠٦/١) عن حَجّاج بن مِنهال الذي ساقَ حديثَ عبد الله بن يزيد به، ولكن لفظه عن النبيّ وَّ: «لا تَتَّخِذوا شيئاً فيه الرّوحُ غَرَضاً». قوله: «سمعتُ عبد الله بن يزيد)) هو الخَطْمَيّ، بفتح المعجَمة وسكون المهمَلة، تقدَّم ذكره في الاستسقاء (١٠٢٢). قوله: (تَهَى عن النُّهْبَى)) بضمِّ النُّون وسكون الهاء ثمَّ بالموحّدة مقصور، أي: أخْذ مال المسلم قَهراً جهراً، ومنه أخذُ مال الغنيمة قبل القِسْمة اختطافاً بغير تسوية. ٦٤٥/٩ قوله: ((والمُثلَة)) تقدَّم ضبطها وتفسيرها، وتقدَّم في المغازي في «باب/ قصَّة عُكْل وعُرَينَ)) لهذا الحديث طريق أُخرى(١)، وذكر الإسماعيليّ الاختلاف على شُعْبة فيه، وبيَّن أنَّ يعقوب الحَضرَميّ رواه عن شُعْبة كما قال حَجّاج بن مِنهال، لكن أدخَلَ بين عبد الله بن يزيد والنبيِّ نَّ أبا أيوب، ورواية يعقوب بن إسحاق المذكورة وَصَلَها الطبرانيّ (٣٨٧٢). وفي هذه الأحاديث تحريمُ تعذيب الحيوان الآدميّ وغيره، وفي الحديث الأوَّل قوّة أنس على الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر مع مَعرِفَته بشِدّة الأمير المذكور، لكن كان الخليفة عبد الملك بن مروان نَهَى الحجّاجَ عن التَّعرُّض له بعد أن كان صَدَرَ من الحجّاج في حَقّه خُشونة، فشَكَاه لعبد الملك فأغلَظَ للحَجّاج وأمَرَه بإكرامه. ٢٦ - باب لحم الدّجاج ٥٥١٧- حذَّثنا يحيى، حذَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن زَهْدَمِ الجَرْميِّ، عن أبي موسى - يعني الأشعَرِيَّ - صَ﴾، قال: رأيتُ النبيَّ ◌َلاَ يَأْكُلُ دَجاجاً. (١) يعني في النهي عن المثلة، وقد تقدم تخريجُ الحافظ له بإثر حديث أنس في المغازي برقم (٤١٩٢) من حديث الحسن البصري عن هيّاج بن عمران عن عمران بن حُصين وعن سَمُرة بن جندب. أما حديث عبد الله بن يزيد الخطمي فلم يرد عند البخاري إلا في هذا الموضع وموضع آخر سلف في كتاب المظالم برقم (٢٤٧٤) عن آدم بن أبي إياس عن شعبة. ٩٥ باب ٢٦ / ح ٥٥١٨ كتاب الذبائح والصيد ٥٥١٨- حدَّثنا أبو مَعمَرِ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا أيوبُ بنُ أبي تَمِيمةَ، عن القاسم، عن زَهْدَم، قال: كَّا عندَ أبي موسى الأشعَرِيِّ، وكان بيننا وبينَه هذا الحيٍّ من جَرْمٍ إخاءٌّ، فَأَتِيَ بطعامٍ فيه لحمُ دَجاجٍ، وفي القومِ رجلٌ جالسٌ أحمرُ، فلم يَدْنُ من طعامِه، قال: ادْنُ، فقد رأيتُ رسولَ الله وَّ يأكلُ منه، قال: إنّ رأيتُه أكَلَ شيئاً فقَذِرْتُه، فحَلَفتُ أن لا آكُلَه، فقال: ادْنُ أُخبِرْكَ - أو أُحدِّثْكَ - إنّ أتيتُ النبيَّ ◌َ فِي نَفَرٍ منَ الأشعَرِيِّينَ، فوافَقْتُه وهو غَضْبانُ وهو يَقْسِمُ نَعَماً من نَعَمِ الصَّدَقةِ، فاستَحْمَلْناه، فحَلَفَ أن لا يَحْمِلَنا، قال: ((ما عندي ما أحِلُكم عليه)) ثمَّ أَتِيَ رسولُ الله ◌ََّ بِنَهْبِ من إِيلٍ، فقال: ((أينَ الأشعَرِيّونَ؟ أينَ الأشعَرِيّونَ؟)) قال: فأعطانا خمسَ ذَوْدٍ غُرَّ الذُّرَى، فَلَبِثْنا غيرَ بعيدٍ، فقلتُ لأصحابي: نَسِيَ رسولُ اللهِ وَّلِ يمينه، فوالله لَئِنْ تَغَفَّلْنا رسولَ اللهِ وَِّ يمِينَه لا نُفْلِحُ أبداً، فَرَجَعْنا إلى النبيِّ ◌َِّ فَقُلْنا: يا رسولَ الله، إنّا اسْتَحْمَلْناكَ فحَلَفْتَ أن لا تَحمِلَنا، فظَّا أَنَّكَ نَسِيتَ يمينَكَ، فقال: ((إنَّ اللهَ هو حَلَكم، إنّ والله -إن شاء الله - لا أَحْلِفُ على يمينٍ فأَرَى غيرَها خيراً منها، إلّا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتَحَلَّلْتُها)». قوله: ((باب لحم الدَّجاج)) هو اسم چِنس مُثَلَّث الدّال، ذكره المنذريُّ في ((الحاشية)) وابن مالك وغيرهما، ولم يَحِكِ النَّوَويّ الضَّمَّ، والواحدة: دجاجة، مُثَلَّث أيضاً، وقيل: إنَّ الضَّمّ فيه ضعيف، قال الجوهري: دَخَلَتها الهاء للوحدة مِثل الحَمامة، وأفادَ إبراهيم الحربيّ في ((غريب الحديث)) أنَّ الدِّجاج بالكسرِ: اسم للذُّكران دون الإناث، والواحد منها: ديك، وبالفتح: الإناث دون الذّكران، والواحدة: دَجاجة بالفتح أيضاً، قال: وسُمّيَ لإسراعِه في الإقبال والإدبار، من دَجَّ يَدِجُّ: إذا أسرَعَ. قلت: ودَجَاجةُ اسم امرأة، وهو بالفتح فقط، ويُسَمَّى بها الكُبّة من الغَزْل. قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن موسى البَلْخِيّ، نَسَبَه أبو عليّ بن السَّكَن، وجَزَمَ الكلاباذيّ وأبو نُعیم بأنَّه ابن/ جعفر. ٦٤٦/٩ قوله: ((عن أيوب)) في الرِّواية الثّانية: ابن أبي تميمة: وهو السَّختِيانيّ، وعند أحمدَ (١٩٦٣٩) عن عبد الله بن الوليد عن سفيان: حدَّثنا أيوب حدَّثني أبو قِلابةَ. ٩٦ باب ٢٦ / ح ٥٥١٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن أبي قلابةَ)) كذا رواه سفيان الثَّوْريّ عن أيوب، ووافَقَه سفيان بن عُيَينَةَ عن أيوب عند مسلم (٩/١٦٤٩)، وهكذا قال عبد السَّلام بن حَرْب عن أيوب كما مَضَى في المغازي (٤٣٨٥)، وقال عبد الوارث كما في الحديث الذي يليه: عن أيوب عن القاسم، بَدَل أبي قلابةَ، وكذا قال ابنُ عُليَّة عن أيوب كما يأتي في الأيمان والتُّذور أيضاً (٦٧٢١)، وقال حمّاد بن زيد: عن أيوب عن أبي قلابةَ والقاسم، قال: وأنا لحديثٍ قاسم أحفَظُ، أخرجه في فرض الخُمُس (٣١٣٣)، وكذا قال وُهَيب عن أيوب عنهما عند مسلم (٩/١٦٤٩). قوله: ((عن زَهْدَم)) بفتح الزّاي: هو ابن مُضرِّب، بضمٍّ أوَّله وبفتح الضّاد المعجَمة وتشديد الرَّاء المكسورة بعدها موحّدة ((الجَرْميّ)) بفتح الجيم، بصريّ ثقة، ليس له في البخاريّ سوى حديثَينٍ: هذا الحديث وقد أخرجه في مواضع له(١)، وحديث آخر أخرجه عن عِمران بن حُصَينٍ تقدَّم في المناقب (٣٦٥٠)، وذكره في مواضع أُخرى أيضاً(٢). قوله: ((رأيت النبيَّ ◌َل﴿ يأكل دجاجاً) كذا أورَدَه مختصراً، وكذا ساقَه أحمد عن وكيع (١٩٥١٩)، وأخرجه عن أبي أحمد الزُّبَيريّ (١٩٥٥٤) عن سفيان أتمَّ منه، وساقَه التُّرمِذيّ في ((الشَّمائل)) (١٥٨) من وجه آخر مُطوَّلاً، كما ذكره المصنِّ من طريق عبد الوارث عن أيوب عن القاسم: وهو ابن عاصم التَّميميّ، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، فقد أورَدَه عنه في مواضعَ مقروناً ومُفرَداً، مختصَراً ومُطوَّلاً، مُشتَمِلاً على قصَّة الرجل الذي امتَنَعَ من أكل الدَّجاج وحَلَفَ على ذلك، وفَتَوَى أبي موسى له بأن يُكفِّر عن يمينه ويأكل، وقَصَّ له الحديثَ في ذلك وسببه، وهو طلبهم من النبيّ وَّ أَن يَحمِلَهم، وقد أورَدَ المصنّف قصَّة الاستحمال وما يليها من حُكْم اليمين وكفَّارتِه دون قصَّة الدَّجاج أيضاً من رواية غَيْلان بن جَرِير عن أبي بُرْدة بن أبي موسى عن أبيه في كفَّارة الأيمان (٦٧١٨)، وأورَدَها أيضاً في المغازي (٤٤١٥) من طريق بُرَيد بن عبد الله بن أبي بُرْدة عن جَدّه أبي بُرْدة أتمَّ (١) انظر الإحالة إلى أطرافه وطرقه عند الحديث رقم (٣١٣٣). (٢) انظر أطرافه عند الحديث رقم (٢٦٥١). ٩٧ باب ٢٦ / ح ٥٥١٨ كتاب الذبائح والصيد سياقاً منه في قصَّة الاستحمال، وليس فيه ذِكْر كفَّارة اليمين، وقد أحَلْتُ في فرض الخُمُس وفي المغازي بشرحِه على كتاب الأيمان والنُّدُور، فأذكرُ هنا ما يَتَعلَّق بالدَّجاج. قوله: ((كنَّا عند أبي موسى الأشعَريّ، وكان بيننا وبينَه هذا الحيِّ)) بالخفضِ بَدَلٌ من الضَّمير في ((بينَه))، كذا قال ابن الِّين، وليس بجيِّدٍ، لأنَّه يصير تقدير الكلام: أنَّ زَهدَماً الجرميّ قال: كان بيننا وبين هذا الحميّ من جَرْم إخاء، وليس ذلك المراد، وإنَّما المراد أنَّ أبا موسى وقومه الأشعَريّينَ كانوا أهل مَوَدّة وإخاء لقومٍ زَهدَم وهم بنو جَرْم، وقد وَقَعَ هنا في رواية الگُشْمِيهنيّ: و کان بيننا وبين هذا الحيّ، وكذا وَقَعَ في روایة إسماعيل عن أيوب عن القاسم وأبي قِلابةَ كما سيأتي في كفَّارة الأيمان (٦٧٢١)، وهو يُؤيِّد ما قال ابن التِّين إلّا أنَّ المعنى لا يَصِحّ، وقد أخرجه في أواخر كتاب التَّوحيد (٧٥٥٥) من طريق عبد الوهّاب الثَّقفيّ عن أيوب عن أبي قلابةَ والقاسم كلاهما عن زَهدَم قال: كان بين هذا الحيّ من جَرْم وبين الأشعَرِيّينَ وُدٍّ أو إخاءٌ، وهذه الرّواية هي المعتمَدة. قوله: ((إخاء)) بكسر أوَّله والمدّ، قال ابن التِّين: ضَبَطَه بعضهم بالقصرِ، وهو خطأ. قوله: ((وفي القوم رجل جالس أحمرُ)) أي: اللَّون، وفي رواية حمّاد بن زيد (٣١٣٣): رجل من بني تَيْم الله أحمر كأنَّه من الموالي، أي: العَجَم، وهذا الرجل هو زَهْدَم الراوي أبَهَمَ نفسَه، فقد أخرج التِّرمِذيّ (١٨٢٦) من طريق قَتَادة عن زَهْدَم قال: دَخَلتُ على أبي موسى وهو يأكل دجاجاً، فقال: ادنُ فَكُلْ، فإني رأيت رسول الله وَلّ يأكله، مختصراً. وقد أشكَلَ هذا لكَونِهِ وَصَفَ الرجلَ في رواية الباب بأنَّه من بني تَيْم الله، وزَهْدَم من بني جَرْم، فقال بعض الناس: الظّاهر أنَّهما امتَنَعا معاً زَهدَم والرجلِ التَّيْمَيّ، وَلَه على دَعوَى التعدُّد استبعادُ أن يكون الشَّخص / الواحد يُنسَب إلى تَيْم الله وإلى جَرْم، ولا بُعدَ في ٦٤٧/٩ ذلك، بل قد أخرج أحمد (١٩٥٩٣) الحديث المذكور عن عبد الله بن الوليد - هو العَدَنيّ - عن سفيان - هو الثَّوْريّ - فقال في روايته: عن رجل من بني تَيْم الله يقال له: زَهدَم، قال: كنّا عند أبي موسى، فأُتي بلحمِ دَجاج؛ فعلى هذا فلعلَّ زَهدَماً كان تارةً يُنسَب إلى بني جَرْم ٩٨ باب ٢٦ / ح ٥٥١٨ فتح الباري بشرح البخاري وتارةً إلى بني تَّيْم الله، وجَرْم: قبيلة في قُضاعة يُنسَبونَ إلى جَرْمٍ بن رَبّان - براءٍ(١) وموخَّدة ثقيلة - بن عمران بن الحافِ بن قُضَاعة، وتَيْم الله: بطن من بني كلب، وهم قبيلة في قُضاعة أيضاً يُنسَبونَ إلى تَيمِ الله بن رُفَيدة - براءٍ وفاء مُصغَّراً - بن ثَوْر بن كلب بن وَبَرة ابن تَغْلِب بن حُلْوان بن عِمران بن الحاف بن قُضاعة، فحُلْوان عَمّ جَرْمٍ(٢)، قال الرُّشَاطِيّ في «الأنساب)): وكثيراً ما يَنسُبونَ الرجل إلى أعمامه. قلت: ورُبَّمَا أبهَمَ الرجلُ نفسَه كما تقدَّم في عِدّة مواضع، فلا بُعدَ في أن يكون زَهدَم صاحبَ القصَّة والأصل عَدَم التعدُّد، وقد أخرج البيهقيُّ (٣٣٣/٩-٣٣٤) من طريق الفِرْيابيّ عن الثَّوْريّ بسندِه المذكور في هذا الباب إلى زَهدَم، قال: رأيتُ أبا موسى يأكل الدَّجاج فدَعَاني، فقلت: إنّ رأيته يأكل نَتِناً، قال: ادنُه فكُل؛ فذكر الحديث المرفوع، ومن طريق الصَّعْق بن حَزْن عن مَطَر الوَرّاق عن زَهدَم (٣١/١٠) قال: دَخَلتُ على أبي موسى وهو يأكل لحم دجاج، فقال: ادنُ فَكُل، فقلت: إنّ حَلَفتُ لا آكلُه، الحديث. وقد أخرجه مسلم(٣) عن شَيْبانَ بن فُرُوخ عن الصَّعق لكن لم يَسُق لفظَه، وكذا أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٥٩٣٥) من وجه آخر عن زَهدَم نحوه، وقال فيه: فقال لي: ادنُ فَكُلْ، فقلت: إنّ لا أُريده، الحديث. فهذه عِدّة طرق صَرَّحَ زَهدَمُ فيها بأنَّه صاحب القصّة فهو المعتمد، ولا يُعكِّر عليه إلّا ما وَقَعَ في ((الصحيحين)) مَّا ظاهره المغايرة بين زَهدَم والممتَنِعِ من أكل الدَّجاج، ففي رواية عن زَهدَم: كنَّا عند أبي موسى، فدَخَلَ رجل من بني تَيْم الله أحمرُ شبيه بالموالي، فقال: هَلُمَّ، فتَلكَّأْ، الحديث(٤)، فإنَّ ظاهره أنَّ الدّاخل دَخَلَ وزَهدَمٌ جالس عند أبي موسى، لكن يجوز (١) تصحفت في (س) إلى: زبان بزاي. وانظر ((تبصير المنتبه)) للحافظ ابن حجر ٦١٥/٢. (٢) كذا قال الحافظ هنا، وقد وهمَ في ذلك بناءً على نسب جَرْم الذي ساقه هنا وفيه سقط، وقد ساقه على الصواب - كما في بعض كتب الأنساب - فيما سلف عند الحديث رقم (٤٣٨٥): وهو جَرْم بن رَبّان بن ثعلبة بن حُلْوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وعليه فإن حُلْوان جدُّ جرمٍ وليس عمَّه. (٣) تحرَّف في (س) إلى: موسى. وهذا الطريق في ((صحيح مسلم)) برقم (١٦٤٩) (٩). (٤) سلف برقم (٣١٣٣). ٩٩ باب ٢٦ / ح ٥٥١٨ كتاب الذبائح والصيد أن يكون مُراد زَهدَم بقولِه: «كُنّا)» قومه الذین دخلوا قبله علی أبي موسى، وهذا مجاز قد استعملَ غيرُهُ مِثْلَه، كقولٍ ثابت البُنانيّ: خَطَبَنَا عِمرانُ بن حُصَينٍ(١)، أي: خَطَبَ أهلَ البصرة، ولم يُدرِك ثابت خُطبةَ عِمران المذكورة، فيحتمل أن يكون زَهدَم دَخَلَ فجَرَى له ما ذكر، وغاية ما فيه أنَّه أبهَمَ نفسه، ولا عَجَبَ فيه، والله أعلم. قوله: ((إنّي رأيته يأكل شيئاً فقَذِرْتُه)) بكسر الذّال المعجَمة، وفي رواية أبي عَوَانة: إنّ رأيتها تأكُل قَذَراً، وكأنَّه ظنَّ أنَّها أكثرَت من ذلك بحيثُ صارت جَلّالة، فبيّن له أبو موسى أنَّها ليست كذلك، أو أنَّه لا يَلزَمُ من كَونِ تلك الدَّجاجة التي رآها كذلك أن یکون کلّ الدَّجاج كذلك. قوله: ((فقال: ادْنُ)) كذا للأكثر فِعلُ أمر من الدُّنّ، وَقَعَ عند المُستَمْلِي والسَّرَخْسِيّ: ((إذا)) بكسر الهمزة وبذالٍ مُعجَمة مع التَّنوين حرف نصب، وعلى الأوَّل فقوله: ((أُخبرك)) مجزوم، وعلى الثّاني هو منصوب. وقوله: ((أو أُحدِّثك)) شَكٌّ من الراوي. قوله: ((إنّ أَتيت رسول الله وَل﴾)) سيأتي شرحه في الأيمان والنُّذور (٦٧١٨). وقوله: ((فأعطانا خمسَ ذَودٍ غُرَّ الذُّرَى)) الغُرّ بضمِّ المعجَمة: جمع أغَرَّ، والأغَرّ: الأبيض، والذُّرَى بضمِّ المعجَمة والقصر: جمع ذُرْوة، وذُروة كلّ شيء: أعلاه، والمراد هنا أسيِمة الإبل، ولعلَّها كانت بيضاء حقيقة، أو أراد وصفها بأنَّها لا عِلّة فيها ولا دَبَر (٢)، ويجوز في ((غُرّ)) النَّصب والجرّ. وقوله: ((خمسَ ذَوْدٍ)) كذا وَقَعَ بالإضافة، واستَنْكَرَه أبو البَقَاء في ((غريبه)) قال: والصَّواب تنوين خمس وأن يكون ذَوْد بَدَلاً من خمس، فإنَّه لو كان بغير تنوين لتَغيَّرَ المعنى، لأنَّ العَدَد المضاف غير المضاف إليه، فيَلزَم أن يكون خمس ذَودٍ خمسة عشر بعيراً، لأنَّ الإبل الذَّودَ (١) ثابت عند شرح الحديث (٣٣٠٦) من ج٩ ص ٦٦٠، وفيه وهمِّ بيّناه هناك. (٢) الدَّبَر: جمع دَبَرة بالتحريك، قَرْحة تصيب الدابة والبعير. ١٠٠ باب ٢٦ / ح ٥٥١٨ فتح الباري بشرح البخاري ثلاثة. انتھی، وما أدري کیف ◌ُحكم بفسادِ المعنی إذا کان العَدَد كذا، ولیکن عدد الإبل ٦٤٨/٩ خمسة عشر بعيراً فما الذي يَضُرّ؟ وقد ثَبَتَ في بعض طرقه: ((خُذ هذَينِ القَرِينَينِ / والقَرِينَينِ)) إلى أن عَدَّ ستّ مَرَّاتٍ(١)، والذي قاله إنَّما يَتِمّ أن لو جاءت روايةٌ صريحةٌ أَنَّه لم يُعطِهم سوى خمسة أبعِرة، وعلى تقدير ذلك فأطلق لفظ ذَودٍ على الواحد مجازاً كابلٍ، وهذه الرِّواية الصَّحيحة لا تَمنَعُ إمكان التَّصوير. وفي الحديث دخول المرء على صديقه في حال أكله، واستِذْناء صاحب الطَّعام الدّاخل وعَرْضه الطَّعام عليه ولو كان قليلاً، لأنَّ اجتماع الجماعة على الطَّعام سبب للبَرَكة فيه كما تقدَّمَ(٢). وفيه جواز أكل الدَّجاج إنسيّه ووَحشيّه، وهو بالاتِّفاق إلّا عن بعض المتعمِّقِينَ على سبيل الوَرَع، إلّا أنَّ بعضهم استَئنَى الجَّالة وهي ما تأكُل الأقذار، وظاهر صنيع أبي موسى أنَّه لم يُبالِ بذلك، والجلّالة عبارة عن الدَّابّة التي تأكُل الجِلّة - بكسر الجيم والتَّشديد -: وهي البَعَر، واذَّعَى ابن حَزْم اختصاص الجَلّالة بذوات الأربع، والمعروف التَّعمیم. وقد أخرج ابن أبي شَيْبة (٨/ ٣٣٥) بسندٍ صحيح عن ابن عمر: أنَّه كان يحبس الدَّجاجة الجَلالة ثلاثاً، وقال مالك واللَّيث: لا بأس بأكلِ الجَلّالة من الدَّجاج وغيره، وإنَّما جاء النَّهي عنها للتقذُّر، وقد وَرَدَ النَّهي عن أكل الجَّالة من طرق أصحّها ما أخرجه التِّرمِذيّ (١٨٢٥) وصَحَّحَه وأبو داود (٣٧١٩ و٣٧٨٦) والنَّسائيُّ (٤٤٤٨) من طريق قَتَادة عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: أنَّ النبيّ ◌َهَ نَهَى عن المجَثَّمة، وعن لَبَن الجَّالة، وعن الشُّرب من في السِّقاء، وهو على شرط البخاريّ في رجاله(٣)، إلّا أنَّ أيوب رواه عن عِكْرمة فقال: عن أبي هريرة، وأخرجه البيهقيُّ (٣٣٣/٩) والبزَّار (٩٤٤٣) من وجه آخر عن أبي هريرة: نَهَى رسول الله و ﴿ عن الجَلّالة، وعن شُرب ألبانها وأكلها ورُكوبها، ولابنِ أبي (١) سلف برقم (٤٤١٥). (٢) انظر شرح الحدیثین (٥٤٥٠) و(٥٣٩٢). (٣) سلف منه برقم (٥٦٢٩) النهي عن الشرب من في السقاء.