Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ باب ١٢ / ح ٥٤٩٣ - ٥٤٩٤ كتاب الذبائح والصيد والنّينان بنونَينِ الأولى مكسورة بينهما تحتانيَّة ساكنة جمع نُونٍ: وهو الحوت، والمُرْي بضمِّ الميم وسكون الرَّاء بعدها تحتانيَّة، وضُبطَ في ((النِّهاية)) تَبَعاً للصِّحاح بتشديد الرَّاء نسبة إلى المُرِّ: وهو الطَّعم المشهور، وجَزَمَ الشَّيخ مُحبي الدّين بالأوَّل، ونَقَلَ الجَوَاليقيّ في ((لحن العامّة)): أنَّهم يُحرِّكونَ الرَّاء والأصل بسكونها. ٥٤٩٣- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حذَّثنا يحيى، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبَرَنِي عَمْرٌو، أنَّه سمعَ جابرً ﴾ يقول: غَزَوْنا جيشَ الخَبَطِ وأُمُرَ أبو عُبيدةَ، فُعْنا جوعاً شديداً، فألقَى البحرُ حوتاً مَيْئاً لم يُرَ مِثْلُه يقال له: العَنْبرُ، فأكَلْنا منه نِصْفَ شهرٍ، فَأَخَذَ أبو عبيدةَ عَظْماً من عِظامِهِ فمرَّ الرَّاكِبُ تحته. ٥٤٩٤- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، أخبرنا سفيانُ، عن عَمرو، قال: سمعتُ جابراً يقول: بَعَثَنَا النبيُّ وَّلِ ثلاثَ مئةِ راكِبٍ وأمِيرُنا أبو عُبيدةَ نَرْصُدُ عِيراً لِقُرَيشٍ، فأصابَنا جوعٌ شديدٌ حتَّى أكَلْنا الخَبَطَ، فسُمِّيَ جِيشَ الخَبَطِ، وألقَى البحرُ حوتاً يقال له: العَنْبُرُ، فأكَلْنا نِصْفَ شهرٍ، واذَّهَنّا بوَدَكِهِ حتَّى صَلَحَت أجْسامُنا، قال: فأخَذَ أبو عُبيدةَ ضِلَعاً من أضْلاعِه فتَصَبَه فمرَّ الرَّاكِبُ تحتَه، وكان فينا رجلٌ، فلمَّا اشتَّ الجوعُ نَحَرَ ثلاثَ جَزائرَ، ثمَّ ثلاثَ جَزائرَ، ثُمَّ نَهَاهُ أبو عُبيدةَ. ثمَّ ذكر المصنّف حديث جابر في قصَّة جيش الخَبَط من طريقَينِ: إحداهما: رواية ابنِ جُرَيج: أخبرني عَمْرو - وهو ابن دينار - أنَّه سمعَ جابراً، وقد تقدَّم بسندِه ومتنه في المغازي (٤٣٦٢)، وزاد هناك: عن أبي الزُّبَير عن جابر، وتقدَّمَت مشروحة مع شرح سائر الحديث. الطَّريق الثّانية: رواية سفيان عن عَمْرو بن دينار أيضاً، وفيه من الزّيادة: وكان فينا رجل نَحَرَ ثلاث جَزائر، ثمَّ ثلاث جَزائر، ثمَّ تَهاه أبو عبيدة، وهذا الرجل هو قيس بن سعد بن عُبَادة كما تقدَّم إيضاحه في المغازي، وكان اشتَرَى الجُزُر من أعرابيّ جُهَنيّ، كلّ جَزور بوَسْقٍ من تمرٍ يوفِّه إيّاه بالمدينة، فلمَّا رأى عمر ذلك - وكان في ذلك الجيش - سألَ ٤٢ باب ١٢ / ح ٥٤٩٤ فتح الباري بشرح البخاري أبا عُبيدة أن يَنْهَى قيساً عن النَّحر، فعَزَمَ عليه أبو عُبيدة أن ينتهيَ عن ذلك فأطاعَه، وقد تقدَّمَت الإشارة إلى ذلك هناك أيضاً. والمراد بقولِه: ((جَزائر)) جمع جَزُور، وفيه نظرٌ، فإنَّ جَزائر جمع جَزيرة، والجَزُور إنَّما يُجمَع على جُزُر بضمَّتَين، فلعلَّه جمع الجمع، والغرض من إيراده هنا قصَّةُ الحوت، فإنَّه يُستَفاد منها جواز أكلِ مَيْتة البحر لتصريحِه في الحديث بقولِه: «فألقَى البحرُ حوتاً مَيتاً لم يُرَ مِثله، يقال له: العَنبَ)) وتقدَّم في المغازي أنَّ في بعض طرقه في ((الصَّحيح)) (٤٣٦٢): أنَّ النبيّ ◌َ ﴿ أَكَلَ منه، وبهذا تَتِمّ الدّلالة، وإلّا فمُجرَّد أكلِ الصَّحابة منه وهم في حالة المجاعة قد يقال: إنَّه للاضطرار، ولا سيّما وفيه قول أبي عبيدة: مَيْتة، ثمَّ قال: لا بل نحنُ رُسُل رسول الله ێے، وفي سبيل الله، وقد اضطُرِرتُم فكُلوا، وهذه رواية أبي الزُّبیر عن جابر عند مسلم (١٩٣٥/ ١٧)، وتقدَّمَت للمصنِّف في المغازي (٤٣٦٢) من هذا الوجه، لكن قال: ((قال أبو عُبيدة: كُلوا)) ولم يَذكُر بَقيّته. وحاصل قول أبي عبيدة أنَّه بناه أوَّلاً على عُموم تحريم الميتة، ثمَّ تَذَكَّرَ تخصيص المضطَرّ بإباحة أکلها إذا كان غیرَ باغ ولا عادٍ، وهم بهذه الصِّفة لأنّهم في سبيل الله وفي طاعة رسوله، وقد تَبَّن من آخر الحديث أنَّ جھة گونها حلالاً لیست سبب الاضطرار بل گونُها من صيد البحر، ففي آخره عندهما جميعاً: «فلمَّا قَدِمنا المدينة ذَكَرْنا ذلك لرسولِ الله وَّ فقال: ((كُلوا رِزقاً أخرجه الله، أطعِمونا إن كان مَعَكم، فأتاه بعضهم بعُضوٍ فأكَلَه)) فتَبيَّن لهم أنَّه حلال مُطلَقاً، وبالَغَ في البيان بأكلِه منها لأنَّه لم يكن مُضطَرّاً، فيُستَفاد منه إباحة مَيْتة البحر سواء ماتَ بنفسِه أو ماتَ بالاصطياد، وهو قول الجمهور، وعن الحنفيّة: يُكرَه، وفرَّقوا بين ما لَفَظَه فماتَ، وبين ما ماتَ فيه من غير آفة، وتَمَسَّكوا بحديث أبي الزُّبَير عن جابر: ((ما ألقاه البحرُ أو جَزَرَ عنه فكُلوه، وما ماتَ فيه فطَفَا فلا تأكلوه)) أخرجه أبو داود (٣٨١٥) مرفوعاً من رواية يحيى بن سُلَيم الطائفيّ [عن إسماعيل بن أُمية] (١) عن أبي الزُّبَير عن جابر، ثمَّ (١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س) واستدركناه من ((سنن أبي داود)). ٤٣ باب ١٢ / ح ٥٤٩٤ كتاب الذبائح والصيد قال: رواه الثَّوْريّ وأيوب وغيرهما عن أبي الزُّبَير هذا الحديث موقوفاً، وقد أُسنِدَ من وجه ضعيف عن ابنٍ أبي ذِئْب عن أبي الزُّبَير عن جابر مرفوعاً. وقال التِّرمِذيّ(١): سألتُ البخاريّ عنه، فقال: ليس بمحفوظ، وُروَی عن جابر خلافه. انتهى. ويحيى بن سُلَيم صدوق وصَفُوه بسوءِ الحِفظ، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ، وقال يعقوب بن سفيان: إذا حدَّث من كتابه فحديثه حسن، وإذا حدَّث حِفظاً يُعرَف ويُنكَرِ، وقال أبو حاتم (٢): لم يكن بالحافظِ، وقال ابن حِبّان في ((الثِّقات)): كان يُخْطِئ، وقد تُوبِعَ على رفعه. وأخرجه الدّارَقُطنيُّ (٤٧١٤) من رواية أبي أحمد الزُّبَيريّ عن الثَّوْريّ / مرفوعاً ٦١٩/٩ لكن قال: خالَفَه وكيع وغيره فوَقَفوه عن الثَّوْريّ، وهو الصَّواب، ورُويَ عن ابنِ أبي ذِئْب وإسماعيل بن أُميَّة مرفوعاً ولا يَصِحُّ، والصَّحيح موقوف، وإذا لم يَصِحَّ إلّا موقوفاً فقد عارَضَه قولُ أبي بكر وغيره، والقياس يقتضي حِلَّه، لأنَّه سمك لو ماتَ في البَرّ لَأُكِلَ بغير تذكية، ولو نَضَبَ عنه الماءُ أو قتلته سَمَكةٌ أُخرى فماتَ لَأُكِلَ، فكذلك إذا ماتَ وهو في البحر. ويُستَفاد من قوله: ((أكَلْنا منه نصف شهر)) جواز أكلِ اللَّحم ولو أنتَنَ، لأنَّ النبيّ ◌َّ قد أكَلَ منه بعد ذلك، واللَّحم لا يَبقَى غالباً بلا نَتْنٍ في هذه المدّة لا سيّما في الحِجاز مع شِدّة الحّ، لكن يحتمل أن يكونوا مَلَّحوه وقَدَّدوه فلم يَدخُله التَّن، وقد تقدَّم قريباً قول النَّوَويّ: إنَّ النَّهي عن أكلِ اللَّحم إذا أنتَنَ للتَّنزيه(٣)، إلّا إن خِيفَ منه الضَّرَر فَيَحُرُم، وهذا الجواب على مذهبه، ولكنَّ المالكيَّة حَمَلوه على التَّحريم مُطلَقاً، وهو الظّاهر، والله أعلم. ويأتي في الطافي نَظِيرُ ما قاله في النَّتِن إذا خُشِيَ منه الضَّرَر. (١) في ((العلل الكبير)) بترتيب أبي طالب ٦٣٦/٢. (٢) تحرَّف في (س) إلى: حازم. وأبو حاتم: هو الرازي. (٣) يشير إلى ما ورد في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ◌َّةٍ في أمره لابن ثعلبة أن يأكل من صيده وإن تغيَّب عنه قال: ((ما لم يَصِلَّ)) أي: يتغيّر ويُنِن، أخرجه أحمد (٦٧٢٥)، وأبو داود (٢٨٥٧)، والنسائي (٤٢٩٦)، وسنده حسن. ٤٤ باب ١٢ / ح ٥٤٩٤ فتح الباري بشرح البخاري وفيه جواز أكلٍ حيوان البحر مُطلَقاً، لأنَّه لم يكن عند الصَّحابة نَصِّ يَخُصّ العَنْبَر وقد أكلوا منه، كذا قال بعضهم، ويخدِش فيه أنَّهم أوَّلاً إنَّما أقدموا عليه بطريق الاضطرار، ويُجاب بأنَهم أقدَموا عليه مُطلَقاً من حيثُ كَونُه صيدَ البحر، ثمَّ تَوَقَّفوا من حيثُ كَونه مَيتَةً، فدَلَّ على إياحة الإقدام على أكل ما صِيدَ من البحر، وبيَّن لهم الشّارع آخِراً أن مَيَتَه أيضاً حلال، ولم يُفرِّق بين طافٍ ولا غيره. واحتَجَّ بعض المالكيَّة بأنَّهم أقاموا يأكلونَ منه أياماً، فلو كانوا أكلوا منه على أنَّ مَيْتة بطريق الاضطرار ما داوَمُوا عليه، لأنَّ المضطَرّ إذا أكَلَ الميتة يأكل منها بحَسَب الحاجة، ثمَّ يَنَقِّل لطلب المباح غيرِها، وجَمَعَ بعض العلماء بين مُخْتَلَف الأخبار في ذلك بحَمْلِ النَّهي على كراهة التَّنزيه، وما عَدَا ذلك على الجواز. ولا خلاف بين العلماء في حِلّ السَّمَك على اختلاف أنواعه، وإنَّما اختُلِفَ فيما كان على صورة حيوان البَرّ كالآدميٍّ والكلب والخنزير والثُّعبان، فعند الحنفيَّة - وهو قول للشافعيّة -: يَجِرُم ما عَدَا السَّمَك، واحتَجُّوا عليه بهذا الحديث، فإنَّ الحوت المذكور لا يُسَمَّى سَمكاً، وفيه نظرٌ، فإنَّ الخبر وَرَدَ في الحوتِ نَصّاً، وعن الشافعيَّة: الِحِلّ مُطلَقاً على الأصحّ المنصوص، وهو مذهب المالكيَّة إلّا الخنزيرَ في رواية، وحُجَّتهم عمومُ قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيِّدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] وحديث: ((هو الطَّهور ماؤه، الِحِلّ مَيتَتُه)) أخرجه مالك (٢٢/١) وأصحاب السُّنَن(١) وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ (١١١) وابن حِبّان (١٢٤٣ و ٥٢٥٨) وغيرهم، وعن الشافعيَّة: ما يُؤْكَل نظيرُه في البَرّ حلال، وما لا فلا، واستَئنَوْا على الأصحّ ما يعيش في البحر والبَرّ، وهو نوعان: النَّوعِ الأوَّل: ما وَرَدَ في مَنْع أكلِه شيءٌ يَخُصّه كالصِّفْدَعِ، وكذا استثناه أحمد للنَّهي عن قتله، ورد ذلك من حديث عبد الرحمن بن عثمان التَّيْميِّ، أخرجه أبو داود (٣٨٧١ و٥٢٦٩) والنَّسائيُّ (٤٣٥٥) وصَخَّحَه الحاكم (٤/ ٤١٠-٤١١)، وله شاهد من حديث ابنِ عمر عند ابنِ أبي عاصم، وآخر عن عبد الله بن عَمْرو، وأخرجه الطبرانيُّ في («الأوسط)) (٣٧١٦) وزادَ: (١) أخرجه أبو داود (٨٣)، وابن ماجه (٣٨٦) و(٣٢٤٦)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩) و(٣٣٢). من حديث أبي هريرة. ٤٥ باب ١٢ / ح ٥٤٩٤ كتاب الذبائح والصيد ((فإنَّ نَقِيقها تسبيح))(١)، وذكر الأطبّاء أنَّ الضِّفْدَع نوعان: بَرّيّ وبحريّ، فالبَرِّيّ يَقتُل آكِلَه والبحريّ يَضُرّه. ومن المستَنَى أيضاً التِّمساح لكَونِهِ يَعدُو بنابه، وعند أحمد فيه رواية، ومثله القِرْش في البحر المِلْحِ خِلَافاً لمَا أنتَى به المحِبّ الطَّبَرِيّ، والُّعبان والعَقرَب والسَّرَطان والسُّلَحفاة للاستخبائِ والضَّرَرِ اللّحق من السَّمّ، ودنيلس قيل: إنه أصل (٢) السَّرَطان، فإن ثَبَتَ حَرُمَ. النَّوع الثّاني: ما لم يَرِد فيه مانع فيَحِلّ، لكن بشرطِ التَّذكية، كالبَطِّ وطير الماء، والله أعلم. تنبيه: وَقَعَ في أواخر ((صحيح مسلم)) (٣٠٠٦ - ٣٠١٤) في الحديث الطّويل من طريق الوليد بن عُبَادة بن الصّامت: أنَّهم دخلوا على جابر فرأَوه يُصَلّي في ثوب ... الحديث، وفيه قصَّة النُّخامة في المسجد، وفيه أنَّهم خَرَجوا في غَزاةٍ ببطنِ بُوَاط، وفيه قصَّة الحوض، وفيه قيام المأمومينَ خلفَ الإمام، كلّ ذلك مُطوَّل، وفيه قال: سِرْنا مع رسول الله وَّل، وكان قُوتُ كلّ رجل مِنّا تمرة كلَّ/ يوم، فكان يَمَصّها وكنَّا نَخْتَبِطُ بقِيِّنا ونأكل، وسِرْنا مع ٦٢٠/٩ رسول الله وَ﴿ حَتَّى نزلنا وادياً أفيَحَ؛ فذكر قصَّة الشَّجَرتَينِ اللَّتَيْنِ التَقَتا بأمرِ النبيّ ◌َّ حتَّى تَسَتَّرَ بهما عند قضاء الحاجة، وفيه قصَّة القبرَينِ اللَّذَينِ غَرَسَ في كلٍّ منهما غُصناً، وفيه: فَأَتينا العسكر فقال: ((يا جابر نادِ الوضوء)) فذكر القصّة بطولها في نَبْع الماء من بين أصابعه، وفيه: وشَكَا الناسُ إلى رسول الله وَّه الجوعَ، فقال: ((عَسَى الله أن يُطْعِمَكُمْ)) فأتينا سِيفَ البحر، فَخَرَ البحرُ زَخْرة فألقَى داّةً فَأَورَينا على شِقّها النار، فاطَّبَخنا واشتَوَينا وأكلنا وشَبِعنا، وذكر أنَّه دَخَلَ هو وجماعة في عينها، وذكر قصَّة الذي دَخَلَ تحت ضِلَعِها ما يُطَاطِئ رأسَه وهو أعظم رجل في الرَّكْب على أعظم جَل. (١) خبر عبد الله بن عمرو فيه المسيَّب بن واضح وفيه مقال، وروي من غير طريقه موقوفاً على عبد الله بن عمرو أخرجه البيهقي ٣١٨/٩ وصحح إسناده، وصوَّب وقفَه الذهبيُّ في ترجمة المسيّب من ((سير أعلام النبلاء)» و«ميزان الاعتدال)). (٢) في (س): ((إن أصله))، والصواب ما أثبتناه من (أ) و(ع)، وهو الموافق لما ذكره الدَّميري في ((حياة الحيوان)) في باب الدال. ٤٦ باب ١٣ / ح ٥٤٩٥ فتح الباري بشرح البخاري وظاهر سياق هذه القصَّة يقتضي مُغايرة القصَّة المذكورة في هذا الباب وهي من رواية جابر أيضاً، حتَّى قال عبد الحقّ في ((الجمع بين الصحيحين)): هذه واقعة أُخرى غير تلكَ، فإنَّ هذه كانت بحَضْرة النبيّ ◌َّهِ. وما ذكره ليس بنَصِّ في ذلك، لاحتمال أن تكون الفاء في قول جابر: ((فأَتينا سِيفَ البحر)) هي الفصيحة وهي مُعَقِّبة لمحذوفٍ تقديره: فأرسَلَنا النبيُّ ◌ِيه مع أبي عُبيدة فأتينا سِيفَ البحر، فَتَّحِد القِصَّتان، وهذا هو الرَّاجح عندي، والأصل عَدَم ءُ التعدُّد. وممّا نُنَبِّه عليه هنا أيضاً: أنَّ الواقديّ زَعَمَ أنَّ قصَّة بَعْث أبي عبيدة كانت في رَجَب سنة ثمان، وهو عندي خطأ، لأنَّ في نفس الخبر الصَّحيح: أنَهم خَرَجوا يَتَرَ صَّدونَ عِيرَ قُرَيش، وقريش في سنة ثمان كانوا مع النبيّ وَّ في هُدْنة، وقد نَبَّهتُ على ذلك في المغازي(١)، وجَوَّزتُ أن يكون ذلك قبل الهُدنة في سنة ستّ أو قبلها، ثمَّ ظَهَرَ لي الآن تقويةُ ذلك بقولِ جابر في رواية مسلم هذه: أنَّهم خَرَجوا في غَزاة بُوَاط، وغَزاة بُواط كانت في السَّنة الثّانية من الهجرة قبل وقعة بدر، وكان النبيّ وٍَّ خَرَجَ في مئتَينِ من أصحابه يَعتَّرِض عِيراً لِقُرَيش فيها أُمِيَّة بن خَلَف فَبَلَغَ بُوَاطاً - وهي بضمِّ الموخَّدة: جبال لُهَينة ممّا يلي الشّام، بينها وبين المدينة أربعة بُرُد - فلم يَلَ أحداً فَرَجَعَ، فكأنَّه أفرَدَ أبا عُبيدة فيمَن معه يَرصُدونَ العيرَ المذكورة. ويُؤيِّد تَقَدُّمَ أمرها ما ذُكِرَ فيها من القِلّة والجَهْد، والواقع أنَّهم في سنة ثمان كان حالهم اتَّسَعَ بفتح خَيْبر وغيرها، والجَهد المذكور في القصَّة يناسب ابتداءً الأمر، فيَرجَح ما ذكرتُه، والله أعلم. ١٣ - باب أكل الجَرَاد ٥٤٩٥- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي يَعْفورٍ، قال: سمعتُ ابنَ أبي أوْقَ رضي الله عنهما، قال: غَزَوْنا مِعَ النبيِّ وَِّ سِبعَ غَزَواتٍ أو سِتّاً، كنَّا نَأكُلُ معه الجَرَادَ. قال سفيانُ وأبو عَوَانَةَ وإسرائيلُ، عن أبي يَعْفورٍ، عن ابنِ أبي أوْنَى: سبعَ غَزَواتٍ. (١) في باب غزوة سيف البحر، بين يدي الحديث (٤٣٦٠). ٤٧ باب ١٣ / ح ٥٤٩٥ كتاب الذبائح والصيد قوله: ((باب أكل الجَرَاد)) بفتح الجيم وتخفيف الرَّاء معروف، والواحدة جَرَادة، والذَّكَر والأُنثَى سواء كالحمامة، ويقال: إنَّه مُشتَقٌ من الجَرْد لأَنَّه لا يَنزِل على شيء إلّا جَرَدَه، وخِلقةُ الجَراد عجيبة فيها صِفَة عشرة من الحيوانات ذكر بعضَها ابن الشَّهرَزُوريّ في قوله: لها فَخِذَا بَكْرٍ وساقا نَعامةٍ وقادِمَتَا نَسْرٍ وجُوْجُوُ ضَيغَمٍ حَبَتَها أفاعي الرَّمْل بطناً وأنعَمَت عليها جِيادُ الخيل بالرَّأس والفَمِ قيل: وفاتَه عينُ الفيل، وعُنُقِ الثَّور، وقَرْن الأيّل، وذنب الحيَّة. وهو صنفان: طيّار ووَثّاب، ويبيض في الصَّخر فيَرُكه / حتَّى يَيْبَس ويَنْتَشِر(١) فلا يَمُرّ بزرعٍ إلّا اجتاحَه، وقيل ... (٢). ٦٢١/٩ واختُلِفَ في أصله، فقيل: إنَّه نَثْرة حوت، فلذلك كان أكلُه بغيرِ ذَكاة، وهذا وَرَدَ في حديث ضعيف أخرجه ابن ماجَهْ (٣٢٢١) عن أنس رَفَعَه: ((إِنَّ الْجَراد نَثرةُ حوت من البحر))، ومن حديث أبي هريرة: خرجنا مع رسول الله وَّهُ فِي حَجّ أو عمرة، فاستَقْبَلَنا رِجلٌ من جَراد، فجَعَلنا نَضرِب بنعالنا وأسواطنا، فقال: (كُلوه، فإنَّه من صيد البحر)) أخرجه أبو داود (١٨٥٤) والترمذيّ (٨٥٠) وابن ماجه (٣٢٢٢)، وسنده ضعيف، ولو صَحَّ لكان فيه حُجّة لمن قال: إنه لا جزاءَ فيه إذا قتله المحرم، وجمهور العلماء على خلافه، قال ابن المنذر: لم يقل: لا جزاء فيه، غير أبي سعيد الخُدْريِّ وعُرْوة بن الزُّبَيرِ، واختُلِفَ عن كعب الأحبار، وإِذا ثَبَتَ فيه الجزاء دلَّ على أنّه بَرِّيّ. وقد أجمَعَ العلماء على جواز أكله بغير تذكية، إلّا أنَّ المشهور عند المالكيَّة اشتراطُ تذكيّه، واختَلَفوا في صِفَتها، فقيل: بقطع رأسه، وقيل: إن وَقَعَ في قِدْر أو نار حَلَّ، وقال ابن وَهْب: أخذُهُ ذَكاتُه، ووافَقَ مُطرِّفٌ منهم الجمهورَ في أنَّه لا يَفتَقِر إلى ذَکاةٍ لحدیثِ ابن عمر: ((أُحِلَّت لنا مَيْتَتَان ودَمَان: السَّمَك والجَراد، والكَبِد والطِّحال)) أخرجه أحمد (٥٧٢٣) والدّارَ قُطنيّ (٤٧٣٢) مرفوعاً، وقال: إنَّ الموقوف أصحّ، وَرَجَّحَ البيهقيُّ أيضاً (٢٥٤/١) (١) لفظ ((وينتشر)) في (س) وحدها، ولم يرد في (أ) و(ع). (٢) هنا بياض في أصول ((الفتح)). ٤٨ باب ١٣ / ح ٥٤٩٥ فتح الباري بشرح البخاري الموقوف، إلّا أنَّه قال: إنَّ له حُكمَ الرَّفع(١). قوله: ((عن أبي يَعْفُور)) بفتح التَّحتانيَّة وسكون المهمَلة وضمّ الفاء: هو العَبْديّ، واسمه وَقْدان، وقيل: واقد، وقال مسلم: اسمه واقد ولَقَبه وَقْدان، وهو الأكبر، وأبو يَعفُور الأصغَر اسمه: عبد الرَّحمن بن عُبيد، وكلاهما ثقة من أهل الكوفة، وليس للأكبرِ في البخاريّ سوى هذا الحديث، وآخرَ تقدَّم في الصلاة في أبواب الرُّكوع من صِفَة الصلاة (٧٩٠)، وقد ذكرتُ كلام النَّوَويّ فيه وجَزْمه بأنَّه الأصغَر وأنَّ الصَّواب أنَّه الأكبر، وبذلك جَزَمَ الكَلاباذيّ وغيره، والنَّوَويّ تَبِعَ في ذلك ابنَ العربيّ وغيرَه، والذي يُرجِّح كلام الكَلَاباذيّ جَزمُ الثِّرمِذيّ بعد تخريجه (١٨٢٢م) بأنَّ راوي حديث الجراد هو الذي اسمه واقد ويقال: وَقْدان، وهذا هو الأكبر، ويُؤْيِّده أيضاً أنَّ ابن أبي حاتم جَزَمَ في ترجمة الأصغر بأنَّه لم يسمع من عبد الله بن أبي أَوَی. قوله: ((سبعَ غَزَوات أو ◌ِّاً) كذا للأكثرِ ولا إشكال فيه، ووَقَعَ في رواية النَّسَفيّ: ((أو ستَّ)) بغير تنوين، ووَقَعَ في ((توضيح ابن مالك)): ((سبع غَزَوات أو ثماني)) وتَكلَّمَ عليه فقال: الأجوَدُ أن يقال: سبع غَزَوات أو ثمانياً (٢) بالتَّوين، لأنَّ لفظ ثمانٍ وإن كان كلفظ جَوارٍ في أنَّ ثالث حروفه ألِف بعدها حرفان ثانيهما ياء، فهو يُخالفه في أنَّ جواريَ جمعٌ وثمانية ليس بجمعٍ، واللَّفظ بهما في الرَّفع والجرّ سواء، ولكنَّ تنوينَ ثمانٍ تنوين صَرفٍ وتنوینَ جَوارٍ تنوين عِوَض، وإنَّما يَفْتَرِقان بالنَّصب. واستَمرَّ يتكلَّم على ذلك ثمَّ قال: وفي ذِكْره له بلا تنوين ثلاثة أوجُه: أجوَدُها: أن يكون حَذَفَ المضاف إليه وأبقَى المضاف على ما كان عليه قبل الحذف، ومثله قول الشاعر: خمسُ ذَوْدٍ أو سِتُّ عوَّضتُ منها ... البيت الوجه الثّاني: أن يكون المنصوب كُتِبَ بغير ألف على لغة ربيعة. وذكر وجهاً آخر يَخْتَصّ بالشَّان، (١) انظر تمام تخريجه والكلام عليه في ((مسند أحمد» (٥٧٢٣). (٢) في (س): ثمانية، وهو خطأ. ٤٩ باب ١٣ / ح ٥٤٩٥ كتاب الذبائح والصيد ولم أرَه في شيء من طرق الحديث لا في البخاريّ ولا في غيره بلفظ: («ثمان»، فما أدري كيف وَقَعَ هذا. وهذا الشكّ في عَدَد الغَزَوات من شُعْبة، وقد أخرجه مسلم من رواية شُعْبة بالشكِّ أيضاً(١)، والنَّسائيُّ (٤٣٥٧) من روايته بلفظ السِّتِّ من غير شَكّ، والتِّرمِذيّ (١٨٢٢م) من طريق غُندَر عن شُعْبة فقال: ((غَزَوات)) ولم يَذْكُرِ عَدَداً. قوله: ((وكنّا نأكُل معه الجَرَاد)» يحتمل أن يريد بالمعيَّة مُجرَّد الغزو دون ما تَبِعَه من أكل الجراد، ويحتمل أن يريد مع أكله، ويدلّ على الثّاني أنَّه وَقَعَ في رواية أبي نُعَيم في / ((الطِّبّ)): ٦٢٢/٩ ويأكله(٢) مَعَنا، وهذا إن صَحَّ يَرُدّ على الصَّيمَريّ من الشافعيّة في زعمه أنَّهِوَلَ عافَه كما عافَ الضَّبّ، ثمَّ وَقَفْتُ على مُستَنَد الصَّيمَريّ وهو ما أخرجه أبو داود (٣٨١٣) من حديث سلمان: سُئلَ وَ ل﴿ عن الجراد فقال: ((لا آكلُه ولا أُحرِّمه))، والصَّواب مُرسَل، ولابنِ عَديّ (٩٤/٢) في ترجمة ثابت بن زُهَير عن نافع عن ابن عمر: أنَّه ◌ِوَ ﴿ سُئلَ عن الضَّبّ فقال: ((لا آكُله ولا أُحرِّمه)) وسُئلَ عن الجَراد فقال مِثلَ ذلك، وهذا ليس ثابتاً، لأنَّ ثابتاً قال فيه النَّسائيُّ: ليس بثقةٍ. ونَقَلَ النَّوَويّ الإجماعَ على حِلّ أكل الجراد، لكن فضَّلَ ابن العربيّ في ((شرح التِّرمِذيّ)) بين جراد الحِجاز وجراد الأندَلُس، فقال في جَراد الأندَلُس: لا يُؤكَل لأنَّهِ ضَرَرٌ مَحْض. وهذا إن ثَبَتَ أَنَّه يَضُرّ أكلُه بأن يكون فيه سُمّيَّةٌ تَخُصّه دون غيره من جراد البلاد، تَعيَّنَ استثناؤُه، والله أعلم. قوله: ((وقال سُفْيان)) هو الثَّوْريّ، وقد وَصَلَه الدَّارِميُّ (٢٠١٠) عن محمَّد بن يوسف، (١) وهمَ الحافظ في عزو هذه الرواية إلى مسلم، وإنما هي عند أبي داود برقم (٣٨١٢)، ورواية شعبة عند مسلم (١٩٥٢) فيها: سبع غزوات، من غير شكٌّ، لكن وقع عنده في رواية ابن أبي عمر عن سفيان: ست أو سبع، على الشك کرواية شعبة. (٢) في (س): ويأكل، وهو خطأ، وهذه الرواية وهمَ الحافظ في عزوها لكتاب ((الطب)) لأبي نعيم، بل هي له في كتاب ((أخبار أصبهان)) ٢٩٦/١ وسندها ضعيف جداً، والذي عنده في كتاب ((الطب)) (٨٩٣) كرواية البخاري. ٥٠ باب ١٤ / ح ٥٤٩٦ فتح الباري بشرح البخاري وهو الفِرْيابيّ، عن سفيان، وهو الثَّوْريّ، ولفظه: غَزَونا مع النبيّ ◌َّ سبع غَزَوات نأْكُل الجَرادَ، وكذا أخرجه التِّرمِذيّ (١٨٢٢) من وجه آخر عن الثَّوْريّ، وأفادَ أنَّ سفيان بن عُيَينَةً روى هذا الحديث أيضاً عن أبي يَعفُور لكن قال: ستَّ غَزَوات. قلت: وكذا أخرجه أحمد بن حَنبَل (١٩٣٩٨) عن ابن عُيَينةَ جازِماً بالسِّتّ، وقال التِّرمِذيّ: كذا قال ابن عُبَينَةَ: ستّ، وقال غيره: سبع. قلت: ودَلَّت رواية شُعْبة على أنَّ شيخهم كان يَشُكّ، فيُحمَل على أنَّه جَزَمَ مَرَّة بالسَّبع، ثمَّ لمَّا طَرأَ عليه الشكُّ صارَ يَجِزِم بالسِّتِّ لأنَّه المتيقّن، ويُؤيِّد هذا الحملَ أنَّ سماع سفيان بن عُبَينَةَ عنه مُتأخّر دون الثَّوْريّ ومَن ذُكِرَ معه، ولكن وَقَعَ عند ابن حِبّان (٥٢٥٧) من رواية أبي الوليد شيخ البخاريّ فيه: ((سبعاً أو ستّاً، يَشُكّ شُعْبةٍ)). قوله: ((وأبو عَوَانة)) وَصَلَه مسلم (١٩٥٢) عن أبي كامل عنه ولفظه مِثل الثَّوْريّ، وذكره البزَّار (٣٣٣١) من رواية يحيى بن حمَّد عن أبي عَوَانة، فقال مرَّةً: عن أبي يَعفُور، ومرَّةً: عن الشَّيبانيّ، وأشارَ إلى ترجيح كَونِه عن أبي يعفور، وهو كذلك كما تقدَّم صريحاً (١) عند أبي داود. قوله: ((وإسرائيل)) وَصَلَه الطبرانيُّ(٢) من طريق عبد الله بن رَجَاء عنه، ولفظه: سبع غَزَوات، فكنا نأكل معه الجراد. ١٤ - باب آنية المجوس والمَيْتة ٥٤٩٦- حذَّثنا أبو عاصمٍ، عن حَيْوةَ بنِ شُرَبحٍ، قال: حدَّثني رَبِيعةُ بنُ يزيدَ الدِّمَشْقيُّ، قال: حدَّثني أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ، قال: حدَّثني أبو ثَعْلبةَ الخُشَنيُّ، قال: أتيتُ النبيَّ ◌َاهـ فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّا بأرضٍ أهلِ الكتابِ فتأكُلُ في آنْبَيِهم، وبأرضٍ صيدٍ أَصِيدُ بِقَوْسي، وأصِيدُ بكلبي المعلّمِ وبكلبي الذي ليس بمُعلَّم، فقال النبيُّ ◌َّ: ((أمَّا ما ذَكَرَتَ أَنَّكَ بأرضِ أهلِ كتابٍ، فلا تأكلوا في آنَيِّهم، إلّا أن لا تَجِدُوا بُدّاً، فإن لم تَجِدُوا بُدّاً فاغسِلوها وكُلوا، وأمَّا (١) زاد في (أ) و(س): أنه، والأوجه حذفها كما وقع في (ع). ولم نقف على مراد الحافظ بذكر أبي داود فقط، فإنَّ الحديث عن أبي يعفور بلا شكِّ عند البخاري نفسه ومسلم وغيرهما. (٢) في ((المعجم الكبير)) كما في ((تغليق التعليق)) ٥١٢/٤، وهو في القسم الذي لم يُطبَع منه بعدُ. ٥١ باب ١٤ / ح ٥٤٩٧ كتاب الذبائح والصيد ما ذَكَرْتَ أَنَّكم بأرضٍ صيدٍ، فما صِدْتَ بقَوْسِكَ فاذكُرِ اسمَ الله وكُلْ، وما صِدْتَ بكلِكَ المعلّمِ فاذْكُر اسمَ الله وكُلْ، وما صِدْتَ بكلبِكَ الذي ليس بمُعلَّمْ فأدْرَكْتَ ذَكاتَه فَكُلْه)). ٥٤٩٧ - حدَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثني يزيدُ بنُ أبي عُبيدٍ، عن سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ، قال: لمَّا أمسَوْا يومَ فَتَحوا خَيْرَ أَوْقَدوا النِّيرانَ، قال النبيُّ ◌َّ: ((عَلَامَ أوْ قَدْتُم هذه النِّيرانَ؟» قالوا: لحومِ الحُمُرِ الإِنسِيَّةِ، قال: ((أَهرِيقُوا ما فيها واكْسِروا قُدورَها)) فقامَ رجلٌ من القومِ فقال: نُهَرِيقُ ما فيها ونَغْسِلُها؟ فقال النبيُّ وَّ: ((أَوْ ذاكَ)). قوله: «باب آنية المجوس)» قال ابن التِّین: کذا ترجم وأتی بحديث أبي ثعلبة وفیه ذِكْر ٦٢٣/٩ أهل الكتاب، فلعلَّه يرى أنَّهم أهل كتاب، وقال ابن المنيِر: تَرجَمَ للمَجوسِ والأحاديثُ في أهل الكتاب لأنَّه بَنَى على أنَّ المحذور منهما واحد وهو عَدَم تَوَقّيهم النَّجاسات. وقال الكِرْمانيُّ: أو حُكْمه على أحدهما بالقياس على الآخر، أو باعتبار أنَّ المجوس يَزِعُمونَ أنَّهم أهل كتاب. قلت: وأحسن من ذلك أنَّه أشارَ إلى ما وَرَدَ في بعض طرق الحديث منصوصاً على المجوس، فعند التِّرمِذيّ (١٥٦٠ و١٧٩٦) من طريق أُخرى عن أبي ثَعْلبة: سُئلَ رسول الله وَله عن قُدور المجوس، فقال: ((أَنْقُوها غَسلاً واطبُخوا فيها))، وفي لفظ من وجه آخر عن أبي ثَعْلبة (١٤٦٤): قلت: إنّا نَمُرّ باليهود والنَّصارى والمجوس فلا نَجِدُ غير آنْيَتَهم ... الحديث، وهذه طريقة يُكثِر منها البخاريُّ، فما كان في سَندِه مقال يُتَرجِم به، ثمَّ يُورِد في الباب ما يُؤخَذ الحُكْم منه بطريق الإلحاق ونحوه، والحكم في آنية المجوس لا يختلف مع الحكم في آنية أهل الكتاب، لأنَّ العِلّة إن كانت لكونهِم تَحِلّ ذبائحهم كأهل الكتاب، فلا إشكال، أو لا تَحِلّ كما سيأتي البحثُ فيه بعد أبواب، فتكون الآنية التي يَطْبُخونَ فيها ذبائحهم ويَغرِفون قد تَنَجَّسَت بمُلاقاة الميتة، فأهل الكتاب كذلك باعتبار أنَّهم لا يَتَديَّنونَ باجتناب النَّجاسة، وبأَّهم يَطْبُخونَ فيها الخنزيرَ ويَضَعونَ فيها الخمر وغيرها، ويُؤْيِّد الثّاني ما أخرجه أبو داود (٣٨٣٨) والبزَّار عن جابر: كنَّا نَغْزُو مع رسول الله وَّل فنُصيب من آنية المشرِكِينَ فَنَستَمتِعِ بها، فلا يعيبُ ذلك علينا، لفظ أبي داود، وفي رواية البزَّار: فَتَغْسِلها ونأكُل فيها. ٥٢ باب ١٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((والمَيْتة)) قال ابن المنيِّر: نَبَّهَ بذِكْر الميتة على أنَّ الحمير لمَّا كانت مُحرَّمة لم تُؤَثِّر فيها الذَّكَاةُ فكانت مَيْتَة، ولذلك أمَرَ بغَسلِ الآنية منها. ثم أورد حديث أبي ثَعْلبة عن أبي عاصم عالياً وساقَه على لفظه، وقد تقدَّم شرحُه قبلُ (٥٤٧٨)، ثم حديث سَلَمةَ بن الأكوع في الحُمُر الأهليَّة، أورَدَه عالياً وهو من ثُلاثيّاته، وسيأتي شرحه بعد ثلاثةَ عشرَ باباً(١). ١٥ - باب التّسمية على الذَّبيحة، ومَن ترك متعمِّداً قال ابنُ عبَّاسٍ: مَن نَسِيَ فلا بأسَ. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ، لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] والناسي لا يُسَمَّى فاسِقاً، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَّآْبِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]. ٦٢٤/٩ قوله: ((باب التَّسْمية على الذَّبيحة، ومَن تَرَكَ مُتعَمِّداً» كذا للجميع، ووَقَعَ في بعض الشُّروح هنا: ((كتاب الذَّبائح)) وهو خطأ، لأنَّ تَرجَمَ أوّلاً: كتاب الصَّيد والذَّبائح أو كتاب الذَّبائح والصَّيد، فلا يحتاج إلى تَكْرار، وأشارَ بقولِه: ((مُتَعَمِّدا) إلى ترجيح التَّفْرِقة بين المتعَمِّد لتَركِ التَّسمية فلا تَحِلُّ تذكيتُه، ومَن نَسِيَ فتَحِلّ، لأنَّه استظهرَ لذلك بقولِ ابن عبَّاس، وبما ذكر بعده من قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ثم قال: ((والناسي لا يُسَمَّى فاسقاً)) يشير إلى قوله تعالى في الآية: ﴿وَإِنَّهُ، لَفِسْقٌ﴾ فاستَنْبَطَ منها أنَّ الوصف للعامدِ فَيَختَصّ الحُكُمُ به، والتَّعْرِقة بين الناسي والعامد في الذَّبيحة قول أحمد وطائفة، وقَوّاه الغَزاليّ في ((الإحياء)) مُحْتَجّاً بأنَّ ظاهر الآية الإيجاب مُطلَقاً وكذلك الأخبار، وأنَّ الأخبار الدّالَّة على الرُّخصة تَحتمِلِ التَّعميمَ وَحتمِل الاختصاص بالناسي، فكان حَملُّه عليه أَولى لتجريَ الأدلّة كلُّها على ظاهرها، ويُعذَر الناسي دون العامد. قوله: ((وقال ابن عبّاس: مَن نَسيَ فلا بأسَ)) وَصَلَه الدّارَ قُطنيُّ (٤٨٠٤) من طريق شُعْبة (١) قبل حديث (٥٥٢١). ٥٣ باب ١٥ كتاب الذبائح والصيد عن مغيرة عن إبراهيم في المسلم یَذبح ویَنسَى التَّسمية، قال: لا بأس به، وبه (٤٨٠٥) عن شُعْبة عن سفيان بن عُيَينةَ عن عَمْرو بن دينار عن أبي الشَّعثاء حدَّثني عين عن ابن عبّاس: أنَّه لم يَرَ به بأساً، وأخرجه سعيد بن منصور(١) عن ابن عُيَينَةَ بهذا الإسناد فقال في سندِه: عن عين - يعني: عِكْرمة - عن ابن عبّاس فيمَن ذَبَحَ ونَسِيَ التَّسمية فقال: المسلم فيه اسمُ الله وإن لم يَذْكُرُ الَّسمية، وسنده صحيح، وهو موقوف. وذكره مالك بلاغاً عن ابن عبّاس(٢)، وأخرجه الدّارَ قُطنيُّ (٤٨٠٨) من وجه آخر عن ابن عبّاس مرفوعاً. وأمَّا قول المصنّف: ((وقولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآبِهِمْ﴾))، فكأنَّه يشير بذلك إلى الزَّجر عن الاحتجاج لجوازِ تَرْك التَّسمية بتأويلِ الآية وحَلِها على غير ظاهرها، لئلا يكون ذلك من وَسْوَسة الشَّيطان ليَصُدّ عن ذِكْر الله تعالى، وكأنَّه لَمَّحَ بما أخرجه أبو داود (٢٨١٨) وابن ماجَهْ (٣١٧٣) والطَّبَريّ (١٦/٨ و١٧) بسندٍ صحيح عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآپِهِمْ لِيُجَدِلُوكُمْ ﴾ قال: كانوا يقولون: ما ذُكِرَ عليه اسمُ الله فلا تأكلوه، وما لم يُذكَر عليه اسم الله فكُلوه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وأخرج أبو داود (٢٨١٩) والطَّبَريّ أيضاً (١٨/٨) من وجه آخر عن ابن عبّاس قال: جاءت اليهود إلى رسول الله وَله فقالوا: نأكُلُ ممَّا قتلنا ولا نأكل ممَّ قتله الله؟ فنزلت: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اُللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ إلى آخر الآية، وأخرج الطَّبَرِيُّ (١٧/٨) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس نحوه، وساقَ إلى قوله: ﴿لَمْرِكُونَ﴾ إن أطَعتُموهم فيما نَهَيْتُكم عنه، ومن طريق مَعمَر عن قَتَادة في هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآيِهِمْ لِيُجَدِ لُوكُمْ﴾ قال: جادَلهم المشرِكونَ في الذَّبيحة، فذكر نحوه، ومن طريق أسباط عن السُّدِّيِّ نحوه، ومن طريق ابن جُرَيج: قلت لعطاء: ما قوله: (١) في قسم التفسير من ((سننه)) (٩١٤)، لكن ليس فيه ((يعني عكرمة))، والذي رواه عن سفيان بن عيينة هكذا هو عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٨٥٤٨). (٢) ذكره مالك في ((الموطأ)) برواية أبي مصعب الزهري (٢١٤٢) عن يحيى بن سعيد: أنَّ ابن عباس سُئل ... وهذا مرسل، يحيى بن سعيد لم يدرك ابنَ عباس. ٥٤ باب ١٥ / ح ٥٤٩٨ فتح الباري بشرح البخاري ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أُسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]؟ قال: يأمر بذِكْر اسمه على الطَّعام والشَّراب والذَّبح، قلت: فما قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَا لَ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؟ قال: يَنْهَى عن ذبائحَ كانت في الجاهليّة على الأوثان. قال الطََّرَيُّ: مَن قال: إنَّ ما ذَبَحَه المسلم فنسيَ أن يذكر اسم الله عليه لا يَحِلّ، فهو قول بعيد من الصَّواب لشُذوذِه وخروجه عمّاً عليه الجماعة، قال: وأمَّا قوله: ﴿وَإِنَّهُ. لَفِسْقٌ﴾ فإِنَّه يعني: أنَّ أكلَ ما لم يُذكَر اسم الله عليه من الميتة وما أُهِلَّ به لغير الله فِسٌ، ولم يَحَكِ الطَّريُّ عن أحد خِلاف ذلك. وقد استَشكَلَ بعضُ المتأخّرِينَ كون قوله: ﴿وَإِنَّهُ، لَفِسْقٌ﴾ منسوقاً على ما قبله، لأنَّ الجملة الأولى طلبيَّة وهذه خَبَرِيَّة، وهذا غير سائغ، ورُدَّ هذا القول بأنَّ سِيبويه ومَن تَّبِعَه من المحَقِّقينَ يُحِيزونَ ذلك، ولهم شواهد كثيرة، واذَّعَى المانعُ أنَّ الجملة مُستأنَفة، ومنهم ٦٢٥/٩ مَن قال: الجملة حاليّة، أي: لا تأكُلُوه والحال أنَّه فِسقٌ، أي: / لا تأكُلوه في حال كونه فِسقاً، والمراد بالفِسْقِ قد بُيِّنَ في قوله تعالى في الآية الأُخرى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَ لِغَيْرِ اَلَّهِ بِهِ،﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَرَجَعَ الَّجرُ إلى النَّهي عن أكل ما ذُبحَ لغير الله، فليست الآية صريحة في فِسْقَ مَن أكَلَ ما ذُبحَ بغير تسمية. انتهى، ولعلَّ هذا القَدْر هو الذي حَذَّرَت منه الآية، وقد نُوزِعَ المذكور فيما حَمَلَ عليه الآية ومُنِعَ ما اذَّعاه من كَونِ الآية مُجُمَلة والأُخرى مُبيِّنة، لأنَّ ثَمَّ شروطاً لیست هنا. ٥٤٩٨- حدَّثني موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن سعيدِ بنِ مسروقٍ، عن عَبَايةً ابنِ رِفاعةَ بنِ رافعٍ، عن جَدِّه رافعٍ بنِ خَدِيجٍ، قال: كنَّ معَ النبيِّ وَّ بذي الحُلَيفةِ، فأصاب الناسَ جوعٌ، فأصَبْنَا إِيلاً وغَماً، وكان النبيُّ ◌َّهِ فِي أُخرَيَاتِ الناسِ، فَعَجِلوا فَتَصَبُوا القُدورَ، فَدُفِعَ إليهم النبيُّ ◌َةِ، فَأَمَرَ بالقُدُورِ فَأَكْفِئَت، ثمَّ قَسَمَ فعَدَلَ عَشَرةً من الغنمِ ببعيٍ، فنَّ منها بعيرٌ، وكان في القومِ خيلٌ يَسِيرةٌ، فطَلَبوه فأعْياهم، فأهوَى إليه رجلٌ بسَهْمٍ فحَبَسَه اللهُ، فقال النبيُّ بََّ: ((إنَّ لهذِه البَهائمِ أَوَابَ كأوَابدِ الوَحْشِ، فما نَدَّ عليكم منها فاصْنَعوا به هكذا»، قال: ٥٥ باب ١٥ / ح ٥٤٩٨ كتاب الذبائح والصيد وقال جَدّي: إنّا لَنَرْجو - أو نَخافُ - أن نَلْقَى العدوَّ غَداً وليس مَعَنا مُدَّى، أفنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟ فقال: ((ما أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ الله فكُلْ، ليس السِّنَّ والظُّقُرَ، وسأُخبُِكم عنه: أمَّا السِّنُّ فعَظْمٌ، وأمَّا الظَّفُرُ فِمُدَى الحَبَشةِ)). قوله: ((عن سعيد بن مسروق)) هو الثَّوْريّ والد سفيان، ومَدارُ هذا الحديث في (الصحیحین)) علیه(١). قوله: ((عن عَبَاية)) بفتح المهمَلة وتخفيف الموحَّدة وبعد الألف تحتانيَّة. قوله: ((عن جَدّه رافع بن خَدِيج)) كذا قال أكثر أصحاب سعيد بن مسروق عنه كما سيأتي في آخر كتاب الصَّيد والذَّبائح (٥٥٤٤). وقال أبو الأحوَص(٢): عن سعيد عن عَباية عن أبيه عن جَدّه، وليس لرِفاعة بن رافع ذِكْر في كتب الأقدَمينَ مَمَّنْ صَنَّفَ في الرِّجال، وإنَّما ذكروا ولده عَبايةَ بن رِفاعة، نعم ذكره ابنُ حِبّان في ثقات التابعينَ وقال: إنَّه يُكْنى أبا خَدِيج. وتابَعَ أبا الأحوَص على زيادته في الإسناد حسَّان بن إبراهيم الكِرْمانيُّ عن سعيد بن مسروق أخرجه البيهقيُّ (٢٤٧/٩) من طريقه، وهكذا رواه ليث بن أبي سُلَيم(٣) عن عَبايةَ عن أبيه عن جَدّه، قاله الدّارَ قُطنيُّ في ((العِلَل))، قال: وكذا قال مُبارَك بن سعيد الثَّوْريّ عن أبيه، وتُعقِّبَ بأنَّ الطبرانيّ (٤٣٩٣) أخرجه من طريق مُبارَك فلم يَقُل في الإسناد: عن أبيه، فلعلَّه اختُلِفَ على المبارَك فيه، فإنَّ الدّارَ قُطنيّ لا يتكلَّم في هذا الفَنّ ◌ُزافاً، ورواية ليث بن أبي سُلَيم عند الطبرانيّ (٤٣٩٥)، وقد أغفَلَ الدّارَقُطْنيُّ ذِكْر طريق حسّان بن إبراهيم. قال الجيَّانيّ: روى البخاريّ (٥٥٤٣) حديثَ رافع من طريق أبي الأحوَص فقال: عن سعيد بن مسروق عن عَباية بن رِفاعةَ بن(٤) رافع عن أبيه عن جَدّه، هكذا عند أكثر الرُّواة، (١) سلف الموضع الأول منه برقم (٢٤٨٨) وانظر جميع أطرافه فيه، وأخرجه مسلم برقم (١٩٦٨). (٢) وروايته عند البخاري أيضاً برقم (٥٥٤٣). (٣) زاد في (س) هنا: ((عن أبي سليم))، وهي زيادة مقحمة. (٤) قوله: ((رفاعة بن)) سقط من (أ) و(س). ٥٦ باب ١٥ / ح ٥٤٩٨ فتح الباري بشرح البخاري وسَقَطَ قوله: ((عن أبيه)) في رواية أبي عليّ بن السَّكَن عند الفِرَبْريّ وحده، وأظنّه من إصلاح ابن السَّكَن، فإنَّ ابن أبي شَيْبة (٣٨٧/٥-٣٨٨) أخرجه عن أبي الأحوَص بإثبات قوله: ((عن أبيه)) ثمَّ قال أبو بكر: لم يَقُل أحد في هذا السَّنَد ((عن أبيه)) غير أبي الأحوص. انتهى، وقد قَدَّمتُ في ((باب التَّسمية على الذَّبيحة)) ذِكْر مَن تابَعَ أبا الأحوَص على ذلك(١). ثمَّ نَقَلَ الجيَّانيّ عن عبد الغني بن سعيد حافظِ مِصرَ أنَّه قال: خَرَّجَ البخاريّ هذا الحديث عن مُسدَّد عن أبي الأحوص على الصَّواب، يعني بإسقاطِ ((عن أبيه))، قال: وهو أصلٌ يَعمَل به مَن بعد البخاريّ إذا وَقَعَ في الحديث خطأ لا يُعوَّل عليه، قال: وإنَّما يَحسُن هذا في النَّقص دون الزّيادة، فيُحذَف الخطأ، قال الجيَّانيّ: وإنَّما تَكلَّمَ عبد الغني على ما وَقَعَ في رواية ابن السَّكَن ظناً منه أنَّه من عَمَل البخاريّ، وليس كذلك لمَا بَيَّنّا أنَّ الأكثر رَوَوه عن البخاريّ بإثبات قوله: ((عن أبيه)). قوله: ((كنَّا معَ النبيّ ◌َ﴿ بذي الحُلَيفة)) زاد سفيان الثَّوْريّ عن أبيه: ((من تِهامةَ)) تقدَّمَت في الشَّرِكة (٢٥٠٧)، وذو الحُلَيفة هذا مكان غيرُ مِيقات المدينة، لأنَّ الميقات في طريق الذّاهب من المدينة ومن الشّام إلى مَكّة، وهذه بالقُرب من ذات عِرْق بين الطائف ومَگّة، كذا جَزَمَ به أبو بكر الحازِميّ وياقوت، ووَقَعَ للقابسِّ أنَّها الميقات المشهور، وكذا ذكر النَّوَويّ، قالوا: وكان ذلك عند رُجوعهم من الطائف سنة ثمانٍ. وتهامة: اسم لكلِّ ما نزلَ من بلاد الحِجاز، سُمّيَت بذلك من التَّهَم - بفتح المثنّاة والهاء -: وهو شِدّة الحرِّ ورُكود الرّيح، وقيل: تَغيُّر الهواء. قوله: ((فأصاب الناسَ جوع)) كأنَّ الصَّحابيَّ قال هذا تُهِّداً لعُذرهم في ذَبحهم الإبلَ والغنمَ التي أصابوا. قوله: ((فأصَبْنَا إِيلاً وغَنَا)) في رواية أبي الأحوص (٥٥٤٣): ((وتقدَّم سَرَعانُ الناس فأصابوا من المغانم، ووَقَعَ في رواية الثَّوْريّ الآتية (٥٥٠٩) بعد أبواب: فأصَبْنا نَهَبَ إبل وغَنَم. (١) هو هذا الباب نفسه، وقد تقدَّم ذلك قبل أسطرٍ فقط !!. ٥٧ باب ١٥ / ح ٥٤٩٨ كتاب الذبائح والصيد قوله: ((وكان النبيّ ◌َ لال في أُخرَيات الناس)) أُخريات جمع أُخرى، وفي رواية أبي الأحوص: ((في آخر الناس))، وكان رَ له يفعل ذلك صَوْناً للعسكرِ وحِفظاً،/ لأنَّه لو تقدَّمَهم لخَشِيَ أن ٦٢٦/٩ يَنْقَطِعِ الضَّعيفُ منهم دونه، وكان حِرصُهم على مُرَافَقَته شديداً، فيَلزَم من سَيْره في مَقَام الساقة صَوْنُ الضُّعَفاء لوجودِ مَن يَتأخّر معه قصداً من الأقوياء. قوله: ((فعَجِلوا فَنَصَبوا القُّدور)) يعني من الجوع الذي كان بهم، فاستَعَجَلوا فَذَبَحوا الذي غَنِموه ووَضَعوه في القُدور، ووَقَعَ في رواية داود بن عيسى(١) عن سعيد بن مسروق: فانطَلَقَ ناس من سَرَعان الناس فَذَبَحوا ونَصَبوا قُدورَهم قبل أن يَقسِم، وقد تقدَّم في الشَّرِكة (٢٤٨٨) من رواية عليّ بن الحَكَم عن أبي عَوَانة: فعَجِلوا وذَبَحوا ونَصَبوا القُدور، وفي رواية الثَّوْريّ (٢٥٠٧): فأغلَوا القُدور؛ أي: أوقَدوا النار تحتها حتَّى غَلَت، وفي رواية زائدة عن عمر بن سعيد (٢) عند أبي نُعَيم في ((المستخرَج على مسلم)) وساقَ مسلمٌ إسنادها: فَعَجِلَ أوَّهُم، فَذَبَحوا ونَصَبوا القُدور. قوله: ((فدُفِعَ النبيُّ نَّهِ إليهم)) دُفِعَ بضمٌ أوَّله على البناء للمجهول، والمعنى أنَّه وَصَلَ إليهم، ووَقَعَ في رواية زائدة عن سعيد بن مسروق: ((فانتهى إليهم)) أخرجه الطبرانيُّ (٤٣٨٣). قوله: ((فأمَرَ بالقُدورِ فَأَكْفِئَت)) بضمِّ الهمزة وسكون الكاف، أي: قُلِبَت وأُفرِغَ ما فيها، وقد اختُلِفَ في هذا المكان في شیئینِ: أحدهما: سبب الإراقة، والثّاني: هل أُتلِفَ اللَّحم أم لا؟ فأمَّا الأوَّل فقال عياض: كانوا انتَهَوْا إلى دار الإسلام والمحَلِّ الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتَرَكة إلّا بعد القسمة، وأنَّ مَحَلّ جواز ذلك قبل القسمة إنَّما هو ما داموا في دار الحرب، قال: ويحتمل أنَّ سبب ذلك كَونُهم انتَهَبوها ولم يأخُذوها باعتدالٍ وعلى قَدْر الحاجة. قال: وقد وَقَعَ في (١) التي أخرجها الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٤٣٨٦). (٢) كذا قال الحافظ، وهو وهمٌّ، فزائدة إنما رواه عن سعيد بن مسروق والد عمر، وهكذا هو عند مسلم برقم (١٩٦٨) (٢٢)، ولم نقف عليه في المطبوع من ((مستخرج أبي نعيم)). ٥٨ باب ١٥ / ح ٥٤٩٨ فتح الباري بشرح البخاري حديث آخر ما يدلّ لذلك؛ يشير إلى ما أخرجه أبو داود (٢٧٠٥) من طريق عاصم بن كُلَيب عن أبيه - وله صُحْبة - عن رجل من الأنصار قال: أصاب الناسَ مَجاعةٌ شديدة وجَهْد، فأصابوا غَنَماً فانتَهَبوها، فإنَّ قُدورَنا لَتغلي بها إذ جاء رسول الله ◌ِّر على فرسه، فأكفَأْ قُدورنا بقَوسِه، ثمَّ جَعَلَ يُرَمِّل اللَّحم بالتُّرابِ، ثمّ قال: ((إنَّ النُّهْبة ليست بأحَلَّ من الميتة)) انتهى، وهذا يدلُّ على أنَّه عامَلَهم من أجل استعجالهم بنَقيضِ قَصِدِهم، كما عُومِلَ القاتل بمَنْع الميراث. وأمَّا الثّاني: فقال النَّوَويّ: المأمور به من إراقة القُدور إنَّما هو إتلاف المَرَق عقوبةً لهم، وأمَّا اللَّحم فلم يُتِلِفِوه بل يُحمَل على أنَّه جُمعَ ورُدَّ إلى المغنَم، ولا يُظنّ أنَّه أمَرَ بإتلافه مع أنَّه وَله نَهَى عن إضاعة المال، وهذا من مال الغانمِينَ، وأيضاً فالجناية بطَبخِه لم تقعْ من جميع مُستَحِقّي الغنيمة، فإنَّ منهم مَن لم يَطْبُخ، ومنهم المستَحِقُونَ للخُمُس، فإن قيل: لم يُنقَل أنَّهم حَلوا اللَّحمَ إلى المغنَم، قلنا: ولم يُنقَل أنَّهم أحرَقوه أو أتلَفوه، فيجب تأويله على وَفْق القواعد، انتهى. ويَرُدّ عليه حديثُ أبي داود، فإنَّه جيِّد الإسناد، وتَركُ تسمية الصَّحابيّ لا يَضُرّ، ورجال الإسناد على شرط مسلم، ولا يقال: لا يَلزَم من تتريب اللَّحم إتلافُه لإمكان تَدارُكه بالغَسْل، لأنَّ السِّياق يُشعِر بأنَّه أُرِيدَ المبالَغة في الزّجر عن ذلك الفعل، فلو كان بَصَدَدِ أن يُنْتَفَعَ به بعد ذلك لم يكن فيه كبير زَجْر، لأنَّ الذي يَخُصّ الواحدَ منهم نَزْرٌ يسير، فكان إفسادها عليهم مع تَعلَّق قلوبهم بها وحاجتهم إليها وشَهوَتهم لها، أبلَغَ في الَّجر، وأبعَدَ المهلَّبُ فقال: إنَّما عاقَبَهم لأنَّهم استَعجَلوا وتَرَكوه في آخر القوم مُتَعرِّضاً لمن يَقصِده من عدوٍّ ونحوه، وتُعقّبَ بأنَّه وَلِّ كان مُختاراً لذلك كما تقدَّم تقريره، ولا معنى للحَملِ على الظَّنّ مع وُرودِ النَّصّ بالسَّبَب. وقال الإسماعيليّ: أَمْرُه ◌َلَه بإكفاءِ القُدور يجوز أن يكون من أجل أنَّ ذبح مَن لا يَملِكُ الشيء كلَّه لا يكون مُذكَّياً، ويجوز أن يكون من أجل أنَّهم تَعَجَّلوا إلى الاختصاص بالشيءٍ ٥٩ باب ١٥ / ح ٥٤٩٨ كتاب الذبائح والصيد دون بقيَّة مَن يَستَحِقْه من قبل أن يُقسَم ويُخْرَج منه الخُمُس، فعاقَبَهم بالمنع من تَناؤُل ما سَبَقوا إليه زَجْراً لهم عن مُعاوَدةٍ مِثْله؛ ثمَّ رَجَّحَ الثّاني وزَيَّفَ الأوَّل بأنَّه لو كان كذلك لم يَحِلَّ أكلُ البعير النادّ الذي رماه أحدهم بسهمٍ، إذ لم يأذَنْ لهم الكلّ في رَمْيه، مع أنَّ رميه ذَكَاةٌ له كما نَصَّ عليه في نفس حديث الباب، انتهى مُلخَّصاً. وقد جَنَحَ البخاريُّ إلى المعنى الأوَّل وتَرجَمَ عليه كما سيأتي في أواخر أبواب الأضاحيّ(١)، ٦٢٧/٩ ويُمكِن الجواب عَّا الزَمَه به الإسماعيليُّ من قصَّة البعير بأن يكون الرَّامي رَمَى بحَضْرة النبيّ وَّهِ والجماعةِ فأقَرُّوه، فدَلَّ سكوتُهم على رِضاهم، بخِلَاف ما ذَبَحَه أولئكَ قبل أن يأتي النبيّ وَِّ ومَن معه، فافتَرَقا، والله أعلم. قوله: ((ثُمَّ قَسَمَ فعَدَلَ عَشَرةً من الغنم ببعيرٍ)) في رواية ... (٢)، وهذا محمول على أنَّ هذا كان قيمةَ الغنم إذ ذاكَ، فلعلَّ الإبل كانت قليلة أو نفيسة والغنم كانت كثيرة أو هَزيلة، بحيثُ كانت قيمةُ البعير عشرَ شِيَاهِ، ولا يُخالف ذلك القاعدة في الأضاحيّ في أنَّ البعير يُجِزِئ عن سبع شياهٍ، لأنَّ ذلك هو الغالب في قيمة الشّاة والبعير المعتَدِلَين، وأمَّا هذه القسمة فكانت واقعةً عَينٍ، فيحتمل أن يكون التَّعديل لمَا ذُكِرَ من نَفاسة الإبل دون الغنم، وحديث جابر عند مسلم (١٣٨/١٢١٣) صريح في الحُكْم حيثُ قال فيه: أمَرَنا رسول الله وَّهِ أَن نَشتَرِك في الإبل والبقر، كلّ سبعة مِنّا في بَدَنة؛ والبَدَنة تُطلَق على الناقة والبقرة، وأمَّا حديث ابن عبّاس: كنَّا مع النبيّ ◌َّهِ فِي سَفَر، فحَضَرَ الأضحَى، فاشتَرَكنا في البقرة سبعة (٣) _ وفي البَدَنة عشرة، فحَسَّنَه التِّرمِذيّ (٩٠٥و ١٥٠١) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٠٠٧) وعَضَده بحدیث رافع بن خَدِیج هذا. والذي يَتَحرَّر في هذا أنَّ الأصل أنَّ البعير بسبعةٍ ما لم يَعرِض عارضٌ من نَفاسة ونحوها (١) بل في أواخر هذا الكتاب - كتاب الذبائح والصيد - باب (٣٦): إذا أصاب قوم غنيمةً فذبح بعضُهم غنماً أو إيلاً بغير أمر أصحابهم لم تُؤْكَل. (٢) وقع هنا بياض في الأصول. (٣) تحرَّف في (س) إلى: تسعة. ٦٠ باب ١٥ / ح ٥٤٩٨ فتح الباري بشرح البخاري فيَتغيَّر الحكمُ بحَسَب ذلك، وبهذا تَجَتَمِع الأخبارُ الواردة في ذلك. ثمَّ الذي يظهر من القسمة المذكورة أنَّهَا وَقَعَت فيما عَدَا ما طُبخَ وأُريقَ من الإبل والغنم التي كانوا غَنِموها، ويحتمل - إن كانت الواقعة تَعَدَّدَت - أن تكون القصّة التي ذكرها ابن عبّاس أُتلفَ فيها اللَّحم لكَونِه كان قُطِّعَ للطَّبخ، والقصَّة التي في حديث رافع طُبخَت الشِّياه صِحاحاً مثلاً، فلمَّا أُرِيقَ مَرَقُها ضُمَّت إلى المغنَم لتُقْسَم ثمَّ يَطْبُخها مَن وَقَعَت في سهمه، ولعلَّ هذا هو التُّكتة في انحطاط قيمة الشِّياه عن العادة، والله أعلم. قوله: ((فَتَّ)) بفتح الُّون وتشديد الدّال، أي: حَرَبَ نافراً. قوله: ((مِنْها)) أي: من الإبل المقسومة. قوله: ((وكان في القوم خيلٌ يسيرة)» فيه تمهيد العُذْر لهم في كَوْن البعير الذي نَدَّ أَتعَبَهم ولم يَقدِروا على تحصيله، فكأنَّه يقول: لو كان فيهم خيول كثيرة لَأَمكَنَهم أن يُحيطوا به فيأخذوه، ووَقَعَ في رواية أبي الأحوَص (٥٥٤٣): ((ولم يكن معهم خيلٌ)) أي: كثيرة أو شديدة الجزي، فيكون النَّفي لصِفَةٍ في الخيل لا لأصلِ الخيل، جمعاً بين الرِّوايتَينِ. قوله: ((فطَلَبوه، فأَعْياهم)، أي: أتعَبَهم ولم يَقدِروا على تحصيله. قوله: ((فأهوَى إليه رجل)) أي: قَصَدَ نحوه ورَماه، ولم أقِفْ على اسم هذا الرَّامي. قوله: ((فحَبَسَه اللهُ﴾ أي: أصابه السَّهمُ فوَقَفَ. قوله: ((إنَّ لهذه البهائم)) في رواية الثَّوْريّ (٥٥٠٩) وشُعْبة (٥٥٠٣) المذكورتَينِ بعدُ: ((إنَّ لهذه الإبل))، قال بعض شُرّاح ((المصابيح)): هذه اللّام تُفيد معنى ((مِن))، لأنَّ البعضيَّة تُستَفاد من اسم «إنَّ) لگونِه نَکِرة. قوله: ((أَوابدَ)) جمع آبِدة بالمدِّ وكسر الموحّدة، أي: غريبة، يقال: جاء فلان بآبدةٍ، أي: بكلمةٍ أو فِعْلة مُنفِّرة، يقال: أبَدَت بفتح الموحّدة، تأبُد بضمِّها - ويجوز الكسر - أُبوداً، ويقال: تَأَبَّدَت، أي: تَوَخَّشَت، والمراد أنَّ لها تَوَخُّشاً. قوله: ((فما نَّ عليكم منها فاصْنَعوا به هكذا)) في رواية الثَّوْريّ (٢٥٠٧): ((فما غَلَبَكم منها))،