Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ باب ٥ / ح ٥٤٧٩ كتاب الذبائح والصيد غيرها دالٌّ على طهارتها بالغسل، والأمر باجتنابها عند وجود غيرها للمُبالَغة في التَّنفير عنها، كما في حديث سَلَمةَ الآتي بعدُ (٥٤٩٧) في الأمر بكسر القُدور التي طُبخَت فيها المَيْتة، فقال رجل: أو نَغسِلها؟ فقال: ((أو ذاكَ))، فأمَرَ بالكسرِ للمُبالَغة في التَّفير عنها ثمَّ أَذِنَ في الغَسْل ترخيصاً، فكذلك يتَّجه هذا هنا، والله أعلم. قوله: ((وبأرضٍ صيدٍ أَصيدُ بقَوْسي)) فقال في جوابه: ((وما صِدتَ بقَوسِك وذكرتَ اسم الله فَكُلْ)) تَمَسَّكَ به مَن أوجَبَ التَّسميةَ على الصَّيد وعلى الذَّبيحة، وقد تقدَّمَت مباحثه في الحديث الذي قبله، وكذا تقدَّمَت مباحث السُّؤال الثّالث وهو الصَّيد بالكلب. وقوله: ((فَكُل)) وَقَعَ مُفَسَّراً في رواية أبي داود (٢٨٥٧) من حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه: / أنَّ أعرابيّاً يقال له: أبو ثَعْلبة قال: يا رسول الله، إنَّ لِي كِلاباً مُكلَّبة، ٦٠٧/٩ الحديث وفيه: وأفتِني في قَوسي، قال: ((كُل ما رَدَّت عليك قَوسُك ذَكيّاً وغير ذَكيّ)) قال: وإن تَغَيَّبَ عنّي؟ قال: ((وإن تَغيَّبَ عنك ما لم يَصِلَّ أو تَجِدْ فيه أثراً غير سهمك))، وقوله: ((يَصِلّ)» بصادٍ مُهمَلة مكسورة ولام ثقيلة، أي: يُنتِن. وستأتي مباحث هذا الحديث بعد ثلاثة أبواب في ((باب الصَّيد إذا غابَ يومين أو ثلاثة)) (٥٤٨٤). وفي الحديث من الفوائد: جمعُ المسائل وإيرادها دفعةً واحدة، وتفصيل الجواب عنها واحدةً واحدةً بلفظ: أمَّا وأمَّا. ٥- باب الخَذْف والبُندُقة ٥٤٧٩ - حدَّثنا يوسُفُ بنُ راشدٍ، حدَّثنا وكيعٌ ويزيدُ بنُ هارونَ - واللَّفْظُ ليزيدَ - عن كَهْمَسِ بنِ الحسنِ، عن عبدِ الله بنِ بُرَيدةَ، عن عبدِ الله بنِ مُغفَّلٍ: أَنَّه رَأَى رجلاً يَخْذِفُ فقال له: لا تَخْذِفْ، فإنَّ رسولَ اللهِ وَ نَهَى عن الخَذْفِ - أو كان يَكْرَه الخَذْفَ - وقال: ((إنَّه لا ◌ُصادُ به صيدٌ، ولا يُنْكَأُ به عدوٌّ، ولكنَّها قد تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ العينَ))، ثمَّ رآه بعدَ ذلك يَخْذِفُ فقال له: أُحدِّثُكَ عن رسولِ اللهِ وَِّ: أنَّه نَهَى عن الخَذْفِ - أو كَرِهَ الخَذْفَ - وأنتَ تَخْذِفُ؟! لا أُكلِّمُكَ كذا وكذا. ٢٢ باب ٥ / ح ٥٤٧٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب الخَذْف والبُنْدُقة)) أمَّا الْخَذْف فسيأتي تفسيره في الباب، والبُندُقة معروفة تُتَّخَذ من طين وتَيبَس فيُرمَى بها، وقد تقدَّمَت أشياءُ تتعلَّق بها في ((باب صيد المِعراض)) (٥٤٧٦). قوله: ((حدَّثني يوسف بن راشد)) وهو يوسف بن موسى بن راشد بن بلال القَطّان الرَّازيّ نزيل بغداد، يَنسُبه البخاريُّ إلى جَدّه، وفي طبقته يوسف بن موسى التُّستَريُّ نزيل الرَّيّ، فلعلَّ البخاريَّ كان يخشى أن يَلتَبسَ به. قوله: ((واللَّفْظ ليزيدَ)) قلت: قد أخرج أحمدُ (١٦٧٩٤) الحديثَ عن وكيع مُقْتَصِراً على المتن دون القصَّة، وأخرجه الإسماعيليّ من رواية يحيى القَطّان ووَكيع كلاهما عن گَهمَس مقروناً وقال: إنَّ السِّياق ليحيى والمعنى واحد. قوله: ((أَنَّه رَأى رجلاً)) لم أقِفْ على اسمه، ووَقَعَ في رواية مسلم (٥٤/١٩٥٤) من رواية معاذ بن معاذ عن گھمَس: رأی رجلاً من أصحابه، وله (٥٦/١٩٥٤) من رواية سعيد بن جُبَير عن عبد الله بن مُغفَّل: أنَّه قريبٌ لعبد الله بن مُغفَّل. قوله: ((يَخْذِف)) بخاءِ مُعجَمة وآخره فاء، أي: يرمي بحَصاةٍ أو نَواة بين سَبّابَتَه أو بين الإبهام والسَّابة أو على ظاهر الوُسطَى وباطن الإبهام، وقال ابن فارس: خَذَفتُ الحَصاةَ: رَمَيتَها بين إصْبَعَيك. وقيل في حَصَى الخَذْف: أن تجعل الحصاة بين السَّابة من اليُمنَى والإبهام من اليُسرَى، ثمَّ تَقِذِفها بالسَّابة من اليمنى، وقال ابن سِيدَه: خَذَفَ بالشيءٍ يَخْذِف، فارسيّ وخَصَّ بعضهم به الحَصَى، قال: والمِخذَفة التي يُوضَع فيها الحَجر ويُرمَى بها الطَّير، ويُطلَق على المِقلاع أيضاً، قاله في ((الصِّحاح)). قوله: (نَهَى عن الخَذْف، أو كان يَكْرَه الخَذْف)) في رواية أحمد (١٦٧٩٤) عن وكيع: (نَهَى عن الخذف)) ولم يَشُكَ، وأخرجه (٢٠٥٦١) عن محمَّد بن جعفر عن كَهمَس بالشكِّ وبيَّن أنَّ الشكّ من گَهمَس. قوله: ((إنَّه لا يُصادُ به صيد)) قال المهلَّب: أباحَ الله الصَّيد على صِفَة فقال: ﴿تَنَالُ( أَيْدِيكُمْ ٢٣ باب ٥ / ح ٥٤٧٩ كتاب الذبائح والصيد وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] وليس الرَّمي بالبُندُقة ونحوها من ذلك وإنَّما هو وَقِيذ، وأطلقَ الشّارع أنَّ الخذفَ لا يُصاد به لأنَّه ليس من المجهِزات، وقد اتَّفَقَ العلماء - إلّا مَن شَذَّ منهم - على تحريم أكل ما قتلته البُندُقة والحجر. انتهى، وإنَّما كان كذلك لأنَّه يَقتُل الصَّيدَ بقوّة رامیه لا بحَدِّه. قوله: ((ولا يُنْكَأ به عدوّ)) قال عياض: الرِّواية بفتح الكاف وبهمزةٍ في آخره وهي لُغة، والأشھَر/ بكسر الكاف بغير همز، وقال في ((شرح مسلم)): ((لا يُنكا)) بفتح الكاف مهموز، ٦٠٨/٩ ورُوي: ((لا يُنكِي)) بكسر الكاف وسكون التَّحتانيَّة، وهو أوجَه، لأنَّ المهموز إنَّما هو من: نَكَأْتُ القُرحة، وليس هذا موضعَه، فإنَّه من النِّكاية، لكن قال في ((العين)»: نَكَأْتُ لُغة في نَكَيت، فعلى هذا تتوجَّه هذه الرِّواية، قال: ومعناه المبالَغة في الأذَى. وقال ابن سِيدَه: نَکَی العدوَّ نِكاية: أصاب منه، ثمَّ قال: نَكَأْتُ العدوّ أنكَؤُهم، لُغة في نَكَيتُهم، فظَهَرَ أنَّ الرّواية صحيحة المعنى، ولا معنى لتَخطِئَتِها، وأغرَبَ ابن التِّين فلم يُعرِّج على الرِّواية التي بالهمز أصلاً بل شرحه على التي بكسر الكاف بغير همز، ثمَّ قال: ونَكَأْتُ القُرحةَ، بالهمزِ. قوله: ((ولكنَّها قد تَكْسِرِ السِّنّ)) أي: الرَّمْية، وأطلقَ السِّنّ فيَشمَل ◌ِسِنّ المرمي وغيره من آدميٍّ وغيره. قوله: ((لا أُكلِّمُك كذا وكذا)) في رواية معاذ ومحمَّد بن جعفر: ((لا أُكلِّمك كلمةً كذا وكذا)) و((كلمةً)) بالنَّصب والتَّنوين، و((كذا وكذا)) أبهَمَ الزّمان، ووَقَعَ في رواية سعيد بن جُبَير عند مسلم (٥٦/١٩٥٤): لا أُكلِّمك أبداً. وفي الحديث جواز هِجران مَن خالَفَ السُّنّة وتَرك كلامه، ولا يَدخُل ذلك في النَّهي عن الهَجْر فوق ثلاث فإنَّه يَتَعلَّق بمَن هَجَرَ لحظِّ نفسه، وسيأتي بَسطُ ذلك في كتاب الأدب (٦٠٧٧). وفيه تغيير المنكر ومنعُ الرَّمي بالبُندُقة، لأنَّه إذا نَفَى الشّارع أنَّه لا يصيدُ فلا معنى للرَّمي به، بل فيه تعريض للحيوان بالتَّلَفِ لغيرِ مَأْكلة(١) وقد وَرَدَ النَّهي (١) تحرَّف في (س) إلى: مالكه. ٢٤ باب ٦ / ح ٥٤٨٠ - ٥٤٨٢ فتح الباري بشرح البخاري عن ذلك(١)، نعم قد يُدرِك ذكاةَ ما رمى بالبُندُقة فيَحِلُّ أكلُه، ومن ثَمَّ اختُلِفَ في جوازه فصَرَّحَ مُجُلِّي في ((الذَّخائر)) بمَنعِه وبه أفتَى ابنُ عبد السَّلام، وجَزَمَ النَّوَويّ بحِلّه لأنَّه طريق إلى الاصطياد، والتَّحقيق التَّفصيل: فإن كان الأغلَبُ من حال الرَّمي ما ذُكِرَ في الحديث امتَنَعَ، وإن كان عكسُهُ جازَ، ولا سيّما إن كان المرميُّ مَمَّا لا يَصِلُ إليه الزَّمي إلّا بذلك ثمَّ لا يَقتُله غالباً، وقد تقدَّم قبل بابَينِ من هذا الباب(٢) قولُ الحسن في كراهية رَمْي البُندُقة في القُرَى والأمصار، ومفهومه أنَّه لا يُكرَه في الفَلَاة، فجَعَلَ مدارَ النَّهي على خَشْية إدخال الضَّرَر على أحد من الناس، والله أعلم. ٦ - باب من اقتنی كلباً ليس بكلب صيدٍ أو ماشيةٍ ٥٤٨٠- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مسلم، حدَّثنا عبدُ الله بنُ دِينارٍ، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَِّ قال: ((مَن اقتَنَی كلباً ليس بكلبٍ ماشيةٍ أو ضارِيَةٍ، نَقَصَ كلَّ يومٍ من عَمَلِهِ قِيراطَانٍ)). [طرفاه في: ٥٤٨١، ٥٤٨٢] ٥٤٨١ - حدَّثنا المكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا حَنْظَلةُ بنُ أبي سفيانَ، قال: سمعتُ سالماً يقول: سمعتُ عبدَ الله بنَ عمرَ يقول: سمعتُ النبيَّ ◌َ يقول: «مَن اقتَنَى كلباً، إلّا كلباً ضارياً لِصِيدٍ أو كلبَ ماشيةٍ، فإِنَّه يَنقُصُ من أجْرِه كلَّ يومٍ قِيراطَانٍ». ٥٤٨٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ، قال: قال رسولُ الله وَّةَ: ((مَنِ اقْتَنَى كلباً، إلّا كلبَ ماشيةٍ أو ضارياً، نَقَصَ من عَمَلِه كلَّ يومٍ قِیراطَانِ)). (١) لعلَّه يشير إلى حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً عند النسائي (٤٤٤٥)، والبيهقي ٩/ ٨٦: ((من قتل عصفوراً فما فوقها بغير حقُّها سأله الله عز وجل عنها يوم القيامة)) قيل: يا رسول الله، فما حقُّها؟ قال: ((حقُّها أن تذبحها فتأكلها، ولا تقطع رأسها فترمي بها))، وله شاهد من حديث الشريد الثقفي عند أحمد (١٩٤٧٠)، والنسائي (٤٤٤٦)، وصححه ابن حبان (٥٨٩٤). (٢) تحت باب صيد المعراض. ٢٥ باب ٧ كتاب الذبائح والصيد قوله: ((باب مَن اقتَنَى كلباً ليس بكلب صيد أو ماشية)) يقال: اقتَنَى الشيءَ: إذا اتَّخَذَه ٦٠٩/٩ للادخار. ذكر فيه حديث ابن عمر في ذلك من ثلاثة طرق عنه، ووَقَعَ في الرِّواية الأولى: ((ليس بكلب ماشية أو ضارية)) وفي الثّانية: ((إلّا كلباً ضارياً لصيدٍ أو كلبَ ماشية)) وفي الثّالثة: ((إلّا كلبَ ماشية أو ضارياً))، فالرِّواية الثّانية تُفَسِّر الأولى والثّالثة، فالأولى إمّا للاستعارة على أنَّ ضارياً صِفَة للجماعة الضّارِينَ أصحاب الكِلاب المعتادة الضّارية على الصَّيد، يقال: ضَرَا على الصَّيد ضَرَاوةً، أي: تَعَوَّدَ ذلك واستَمرَّ عليه، وضَرَا الكلبَ وأضْراه صاحبُه، أي: عَوَّدَه وأغراه بالصَّيد، والجمع: ضَوَارٍ، وإمّا للتَّنَاسُب للفظِ ماشية، مِثل: لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ، والأصل: تَلَوت، والرِّواية الثّالثة فيها حذف تقديره: أو كلباً ضارياً، ووَقَعَ في الرّواية الثّانية في غير رواية أبي ذرٍّ: ((إلّا كلبَ ضاري)) بالإضافة، وهو من إضافة الموصوف إلى صِفَته، أو لفظ ((ضاري)) صِفَة للرجلِ الصّائد، أي: إلّا كلب رجلٍ مُعتاد للصَّيد، وثبوتُ الياء في الاسم المنقوص مع حذف الألف واللام منه لغةٌ. وقد أورَدَ المصنّف حديث الباب من حديث أبي هريرة في المزارَعة (٢٣٢٢)، وفي بَدْء الخلق (٣٣٢٤)، وأورَدَه فيهما أيضاً (٢٣٢٣ و٣٣٢٥) من حديث سفيان بن أبي زُهَير، وتقدَّم شرح المتن مُستَوفَّى في كتاب المزارعة، وفيه التَّنبيه على زيادة أبي هريرة وسفيان بن أبي زُهَير في الحديث: ((أو كلب زَرْع))، وفي لفظ: ((حَرْث))، وكذا وَقَعَت الزّيادة في حديث عبد الله بن مُغفَّل عند التِّرمِذيّ(١). ٧- بابٌ إذا أَكل الكلبُ وقولُه تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآيةَ [المائدة: ٤]. ﴿مُكِلِينَ ﴾: الگَواسِبُ. (١) هذا سبقُ قلمٍ من الحافظ رحمه الله، فالزيادة في حديث عبد الله بن مغفّل إنما وقعت عند مسلم في ((صحيحه)) (٢٨٠) (٩٣) و(١٥٧٣) (٤٩)، وسلف له عزؤُه على الصواب في المزارعة. ٢٦ باب ٧ / ح ٥٤٨٣ فتح الباري بشرح البخاري ﴿أَجْتَرَحُواْ ﴾ [الجاثية: ٢١]: اكْتَسَبوا. وقال ابنُ عبَّاسٍ: إنْ أَكَلَ الكلبُ فقد أفسَدَه، إنَّما أمسَكَ على نفسِه، واللهُ يقول: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ بِمَّا عَلََّكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة : ٤] فتُضرَبُ وتُعلَّمُ حتَّى يَترُكَ. و کرِهَه ابنُ عمرَ. وقال عطاءٌ: إن شَرِبَ الدَّمَ ولم يأُلْ فُلْ. ٥٤٨٣- حدَّثْنَا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُضَيلٍ، عن بَانٍ، عن الشَّغْبِيِّ، عن عَدِيٍّ ابن حاتم، قال: سألتُ رسولَ الله ◌َّه، قلتُ: إنّا قومٌ نَصِيدُ بهذِهِ الكِلابِ، فقال: ((إذا أرسَلْتَ كِلاَبَكَ المعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسمَ الله، فكُلْ ممَّ أمسَكْنَ عليكم وإِنْ قَتَلْنَ، إلّا أن يأكلَ الكلبُ، فإنّ أخافُ أن يكونَ إِنَّما أمسَكَه على نفسِه، وإن خالَطَها كِلابٌ من غيرِها فلا تأكُلْ)). قوله: ((بابٌ إذا أُكَلَ الكلبُ)) ذكر فيه حديث عَديّ بن حاتم من رواية بيان بن عَمْرو عن الشَّعْبيّ عنه، وقد تقدَّم شرحه مُستَوقَى في الباب الأوَّل (٥٤٧٥). قوله: ((وقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآية. ﴿مُكَلِينَ﴾: الگَواسِبُ» في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((الصَّوائد)» وجمعهما في نُسخة الصَّغَانيّ، وهو صِفَة لمحذوف تقديره: الكِلاب الصَّوائد، أو الگواسب، وقوله: ﴿مُگلِپينَ ﴾ أي: مُؤَدِّبین أو مُعوِّدینَ، قیل: وليس هو تفعیل من الكَلْب الحيوان المعروف، وإنَّما هو من الكَلَب بفتح اللّام: وهو الحِرص، نعم هو راجعٌ إلى الأوَّل لأَنَّه أصلٌ فيه لمَا طُبعَ عليه من شِدّة الحِرص، ولأنَّ الصَّيد غالباً إنَّما يكون بالكِلاب، فمَن عُلِّم الصَّيدَ من غيرها كان في معناها. وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿مُكَلِِّينَ﴾: أي: أصحابَ كِلاب، وقال الرَّاغِب: الكَلّاب والمُكلِّب: الذي يعلِّم الكلاب. ٦١٠/٩ قوله: ((﴿أَجْتَرَحُواْ﴾: اكتَسَبوا)» هو تفسير أبي عبيدة،/ وليست هذه الآية في هذا الموضع، وإنَّما ذَكَرها استطراداً لبيان أنَّ الاجتراح يُطلَق على الاكتِساب، وأنَّ المراد بالمكلِّبين المعلِّمينَ، وهو وإن كان أصل المادّة الكلاب لكن ليس الكلبُ شرطاً، فَيَصِحّ الصَّيدُ بغير الكلب من أنواع الجوارح، ولفظ أبي عُبيدة: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾ أي: الصَّوائد، ويقال: ٢٧ باب ٧ / ح ٥٤٨٣ كتاب الذبائح والصيد فلانٌ جارحةُ أهلِهِ، أي: كاسبُهم، وفي آيةٍ(١) أُخرى: ((ومن يَجَرِح) (٢)، أي: يَكتَسِب، وفي آيَةٍ أُخرى: ﴿الَّذِينَ أَجْتَرَحُواْ السَِّّئَاتِ﴾: اكتَسَبوا. تنبيه: اعتَرَضَ بعض الشُّرّاح على قوله: ((الكَواسِب والجَوارح)) فإنَّه قال في تفسير (براءة)) في الهوالك ما تقدَّم ذِكْرِه(٣) فألزمه التَّاقُضَ، وليس كما قال، بل الذي هنا على الأصل في جمع المؤنَّث. قوله: ((وقال ابن عبّاس: إنْ أكَلَ الكلبُ فقد أفسَدَه، إنَّما أمسَكَ على نفسه، والله يقول: ﴿تُعَلُِّونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ فتُضرَب وتُعلَّم حتَّى يَتْرُكَ)) وَصَلَه سعيد بن منصور مختصراً من طريق عَمْرو بن دينار عن ابن عبّاس قال: إذا أكَلَ الكلب فلا تأْكُل، فإِنَّما أمسَكَ على نفسه. وأخرج أيضاً من طريق سعيد بن جُبير عن ابن عبّاس قال: إذا أرسَلتَ كلبك المعلّم فسَمَّيتَ فأكَلَ فلا تأكُل، وإذا أكَلَ قبل أن يأتي صاحبُه فليس بعالمٍ لقولِ الله عزَّ وجلّ: ﴿مُكِينَ تُعِلِمُونَهُنَّ مِمَّا عَلََّكُمُ اللَّهُ﴾، وينبغي إذا فعل ذلك أن يَضرِبِه حتَّى يَدَعَ ذلك الخُلُق. فعُرِفَ بهذا المرادُ بقولِه: ((حتَّى يَترُك)) أي: يَترُكُ خُلُقُه في الشَّرَه ويَتَمَرَّن على الصَّبر عن تَناوُل الصَّید حتَّى يجيءَ صاحبُه. قوله: ((وكَرِهَه ابنُ عمر)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٣٥٥/٥) من طريق مجاهد عن ابن عمر قال: إذا أكَلَ الكلب من صيده فإنَّه ليس بمُعلَّم، وأخرج (٣٥٧/٥)، من وجه آخر عن ابن عمر الرُّخصة فيه. وكذا أخرج سعيد بن منصور وعبد الرَّزّاق (٨٥١٦). قوله: ((وقال عطاء: إن شَرِبَ الدَّمَ ولم يأكل فكُل)) وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٣٦٥/٥) من طريق ابن جُرَيج عنه بلفظ: إن أكَلَ فلا تَأْكُل، وإن شَرِبَ فلا. وتقدَّمَت مباحثُ هذه المسألة في الباب الأوَّل. (١) تحرَّفت في (س) في هذا الموضع والذي يليه إلى: رواية. (٢) كذا قال أبو عبيدة في «مجاز القرآن)) ١/ ١٥٤، وهو ذهولٌ منه رحمه الله، فليس في القرآن آية بهذا اللفظ، ولعله ذهب ذهنُه إلى الآية (٢٣) من سورة الشورى وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةٌ﴾ فَوَهِمَ، والله تعالى أعلم. (٣) في كتاب التفسير في أول تفسير سورة براءة. ٢٨ باب ٨ / ح ٥٤٨٤ - ٥٤٨٥ فتح الباري بشرح البخاري ٨- باب الصّيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثةً ٥٤٨٤- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا ثابتُ بنُ يزيدَ، حدَّثنا عاصمٌ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عَدِيٍّ بنِ حاتمٍ ◌َُ، عن النبيِّ وَ لَ قال: «إذا أرسَلْتَ كلبَكَ وسَمَّيْتَ فأمسَكَ وقَتَلَ فَكُلْ، وإن أكَلَ فلا تأكُلْ فإنَّما أمسَكَ على نفسِه، وإذا خالَطَ كِلاباً لم يُذكَرِ اسمُ الله عليها فأمسَكْنَ وقَتَلْنَ فلا تأكُلْ، فإِنَّكَ لا تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَ، وإن رَمَيتَ الصَّيدَ فوَجَدْتَه بعدَ يومٍ أو يومينٍ ليس به إلّا أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ، وإن وَقَعَ في الماءِ فلا تأكُلْ)). ٥٤٨٥- وقال عبدُ الأعلى، عن داودَ، عن عامٍ، عن عَدِيٌّ، أنَّه قال للنبيِّ وَّه يَزْمِي الصَّيدَ فِيَقْتَفِرُ أثَرَه اليومَينِ والثَّلاثةَ، ثمَّ يَجِدُهُ ميَِّاً وفيه سَهْمُهُ، قال: ((يأكلُ إن شاءً)). قوله: ((باب الصَّيد إذا غابَ عنه يومين أو ثلاثةً)) أي: عن الصّائِدِ. قوله: ((ثابت بن يزيد)) هو أبو زيد البصريّ الأحوّل، وحكى الكَلَاباذي أنَّه قيل فيه: ثابت بن زيد، قال: والأوَّل أصحّ. قلت: زيد كُنْيته لا اسم أبيه، وشيخه عاصم: هو ابن سليمان الأحوَل، وقد زاد عن الشَّعْبيّ في حديث عَديٍّ قصَّةَ السَّهم. قوله: ((وإن رَمَيتَ الصَّيد فوَجَدْتَه بعدَ يوم أو يومَينٍ ليس به إلّا أثرُ سَهْمك فكُل)) ومفهومه أنَّه إن وَجَدَ فيه أثر غير سهمه لا يأكل، وهو نظيرُ ما تقدَّم في الكلب من التَّفصيل فيما إذا خالَطَ الكلبَ الذي أرسَلَه الصّائد كلبُ آخرَ، لكن التَّفصيل في مسألة ٦١١/٩ الكلب فيما إذا شارَكَ/ الكلبَ في قتله كلب آخر، وهُنا الأثر الذي يُوجَد فيه من غير سهم الرّامي أعَمُّ من أن يكون أثر سهم رامٍ آخر، أو غير ذلك من الأسباب القاتلة، فلا تَحِلّ أكلُه مع التردُّد، وقد جاءت فيه زيادة من رواية سعيد بن جُبَير عن عَديّ بن حاتم عند التِّرمِذيّ (١٤٦٨) والنَّسائيِّ (٤٣٠٠) والطَّحاويّ بلفظ: «إذا وجدتَ سهمك فيه ولم تَجِدْ به أثر سَبُع وعلمتَ أنَّ سهمك قتله فكُلْ منه)). قال الرَّافعيّ: يُؤْخَذ منه أنَّه لو جَرَحَه ثمَّ غابَ ثمَّ جاء فوَجَدَه ميِّاً أنَّه لا يَحِلّ، وهو ظاهر نَصّ الشافعيّ في ((المختصر))، وقال النَّوَويّ: الحِلّ أصحُّ دليلاً. وحكى البيهقيُّ في ٢٩ باب ٨ / ح ٥٤٨٥ كتاب الذبائح والصيد (المعرفة)) (١٨٨٠١) عن الشافعيّ أنَّه قال في قول ابن عبّاس: «كُل ما أصمَيتَ ودَعْ ما أنمَيت)): معنى ((ما أصمَيتَ)): ما قتله الكلب وأنتَ تَراه، و((ما أنمَيتَ)): ما غابَ عنك مَقتَلُه. قال: وهذا لا يجوز عندي غيرُه إلّا أن يكون جاء عن النبيّ وَ لِّ فيه شيء، فيَسقُط كلُّ شيءٍ خالَفَ أمرَ النبيّ وٍَّ ولا يقوم معه رأي ولا قياس، قال البيهقيُّ: وقد ثَبَتَ الخبر - يعني حديث الباب - فينبغي أن يكون هو قول الشافعيّ. قوله: ((وإن وَقَعَ في الماء فلا تأكُل)) يُؤخَذ سبب مَنْع أكله من الذي قبله، لأنَّه حينئذٍ يقع التردُّد: هل قتله السَّهمُ أو الغَرَق في الماء؟ فلو تَحقَّقَ أنَّ السَّهم أصابه فماتَ فلم يقع في الماء إلّا بعد أن قتله السَّهم، فهذا يَحِلّ أكله، قال النَّوَويّ في ((شرح مسلم)): إذا وُجِدَ الصَّيد في الماء غريقاً حَرُمَ بالاتِّفاق. انتهى، وقد صَرَّحَ الرَّافعيّ بأنَّ ◌َحِلّه ما لم يَنْتَه الصَّيدُ بتلك الجِراحة إلى حركة المذبوح، فإن انتهى إليها بقطع الحُلقوم مثلاً فقد تَمَّت ذَكاتُه، ويُؤيِّده قوله في رواية مسلم (٧/١٩٢٩): «فإنَّك لا تدري الماءُ قتله أو سهمُك))، فدَلَّ على أنَّه إذا علم أنَّ سهمه هو الذي قتله أنَّه یحِلّ. قوله: ((وقال عبد الأعلى)) يعني ابن عبد الأعلى السامِيّ - بالمهمَلة - البصريّ، وداود: هو ابن أبي هند، وعامر: هو الشَّعْبيّ، وهذا التَّعليق وَصَلَه أبو داود (٢٨٥٣) عن الحسين ابن معاذ عن عبد الأعلى به. قوله: ((فِيَفْتَقِر)) بفاءٍ ثمَّ مُثنّاة ثمَّ قاف(١)، أي: يَتَبَعِ فَقَارَه حتَّى یتمگَّن منه، وعلى هذه الرّواية اقتَصَرَ ابن بَطّالٍ، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((فيَقْتَفي)) أي: يَتَبَع، وكذا لمسلم (٢) والأَصِيليّ، وفي رواية: (فَقْفُو)) وهي أوجَه(٣). قوله: ((الیومینٍ والثّلاثة)» فيه زيادة على رواية عاصم بن سليمان: ((بعد يوم أو یومینٍ»، (١) كذا قال الحافظ، والذي في اليونينية وفروعها: ((فيقتفر)) بتقديم القاف على الفاء، يقال: اقتفر الأثر: إذا تبعه. وانظر ((عمدة القاري)) ٢١/ ١٠١، و((إرشاد الساري)) ٢٦٣/٨. (٢) بل لأبي داود (٢٨٥٣)، وهذا سبقُ قلمٍ من الحافظ رحمه الله. (٣) هذه الرواية الأخيرة لم نقف عليها عند غير الحافظ. ٣٠ باب ٩ / ح ٥٤٨٦ فتح الباري بشرح البخاري ووَقَعَ في رواية سعيد بن جُبَير: ((فَيَغيب عنه اللَّيلة واللَّيلَتَينِ))، ووَقَعَ عند مسلم (٩/١٩٣١) في حديث أبي ثَعْلبة بسندٍ فيه معاوية بن صالح: ((إذا رَمَيتَ بسهمك فغابَ عنك فأدرَكتَه فَكُل ما لم يُنِن))، وفي لفظٍ في الذي يُدرِك الصَّيد بعد ثلاث: ((كُله ما لم يُنِن))، ونحوه عند أبي داود (٢٨٥٧) من طريق عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه كما تقدَّم التَّنبيه عليه قريباً، فَجَعَلَ الغايةَ أن يُنتِنِ الصَّيد، فلو وَجَدَه مثلاً بعد ثلاث ولم يُنِتِن حَلَّ، وإن وَجَدَه بدونها وقد أنتَنَ فلا، هذا ظاهر الحديث، وأجابَ النَّوَويّ بأنَّ النَّهي عن أكله إذا أنتَنَ للتَّنزيه، وسأذكر في ذلك بحثاً في ((باب صيد البحر)) (٥٤٩٣). واستدلَّ به على أنَّ الرَّامي لو أخَّرَ طلبَ(١) الصَّيد عَقِبَ الرَّمي إلى أن يَجِدَه أنه يَحِلّ بالشُّروطِ المتقدِّمة، ولا يحتاج إلى استفصال عن سبب غَيْبته عنه أكان مع الطََّب أو عدمه، لكن يُستَدَلّ للطََّب بما وَقَعَ في الرِّواية الأخيرة حيثُ قال: ((فِيَقْتَفي أثرَه)» فدَلَّ على أنَّ الجواب خَرَجَ على حَسَب السُّؤال، فاختَصَرَ بعض الرُّواة السُّؤال، فلا يُتَمسَّك فيه بتَركِ الاستفصال. واختُلِفَ في صِفَة الطََّب، فعن أبي حنيفة: إن أَخَّرَ ساعة فلم يَطلُب لم يَحِلّ، وإن اتَّبَعَه عَقِبَ الرَّمي فَوَجَدَه ميّاً حَلَّ، وعن الشافعيَّةُ: لا بدَّ أن يَتَبَعه، وفي اشتراط العَدْو وجهان: أظهَرهما: يكفي المشي على عادته حتَّى لو أسرَعَ وَجَدَه حَيّاً حَلَّ، وقال إمام الحرمَينِ: لا بدَّ من الإسراع قليلاً لتتحقَّق صورة الطَّلَب، وعند الحنفيّة نحو هذا الاختلاف. ٩- بابٌ إذا وَجَدَ مع الصّيد كلباً آخر ٦١٢/٩ ٥٤٨٦- حدَّثْنا آدمُ، حذَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الله بنِ أبي السَّفَرِ، عن الشَّعْبِيِّ، عن عَدِيٌّ بنِ حاتم قال: قلتُ: يا رسولَ الله، إنّي أُرسِلُ كلبي وأُسَمّي، فقال النبيُّ وَّ: «إذا أرسَلْتَ كلبَكَ وسَمَّيْتَ فَأَخَذَ فقَتَلَ فأكَلَ فلا تَأْكُلْ، فإنَّما أمسَكَ على نفسِه)) قلتُ: إنّي أُرسِلُ كلبي أجِدُ معه كلباً آخَرَ لا أدري أيُّهما أخَذَه، فقال: ((لا تأكُلْ، فإِنَّا سَمَّيتَ على كلِكَ ولم تُسمِّ على غيرِه))، وسألتُه عن صيد المِعْراض، فقال: ((إذا أصَبْتَ بحَدِّه فكُلْ، وإذا أصَبْتَ بعَرْضِه فقَلَ فإنَّه وَقِيذٌ فلا تأْكُلْ)). (١) لفظ ((طلب)) سقط من (س). ٣١ باب ١٠ / ح ٥٤٨٧ - ٥٤٩٠ كتاب الذبائح والصيد قوله: ((بابٌ إذا وَجَدَ معَ الصَّيد كلباً آخَر)) ذكر فيه حديث عَديّ بن حاتم من رواية عبد الله بن أبي السَّفَر عن الشَّعْبيّ، وقد تقدَّم البحث في ذلك في الباب الأوَّل (٥٤٧٥). ١٠ - باب ما جاء في التصُّد ٥٤٨٧- حدَّثني محمَّدٌ، أخبَرني ابنُ فُضَيلٍ، عن بَيَانٍ، عن عامٍ، عن عَدِيٍّ بنِ حاتم . قال: سألتُ رسولَ الله وَّةِ، فقلتُ: إنّا قومٌ نَتَصَيَّدُ بهذِه الكِلاب، فقال: ((إذا أرسَلْتَ كِلابَكَ المعلَّمَةَ وذَكَرْتَ اسمَ الله، فكُلْ ممَّا أمسَكْنَ عليكَ، إلّا أن يأكلَ الكلبُ فلا تأكُلْ، فإنّ أخافُ أن يكونَ إِنَّا أمسَكَ على نفسِه، وإن خالَطَها كلبٌ من غيرِها فلا تأكُلْ)). ٥٤٨٨- حذَّثنا أبو عاصمٍ، عن حَيْوةَ بنِ شُرَيحِ (ح) وحدَّثني أحمدُ بنُ أبي رَجَاءٍ، حدَّثنا سَلَمَةُ بنُ سليمانَ، عن ابنِ المبارَكِ، عن حَيْوةَ بنِ شُرَيحِ، قال: سمعتُ رَبِيعةَ بنَ يزيدَ الدِّمَشقيَّ، قال: أخبرني أبو إدريسَ عائذُ الله، قال: سمعتُ أبا ثَعْلبةَ الخُشَنِيَّ ◌َ ه يقول: أتيتُ رسولَ الله ◌َّ فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّا بأرضِ قومِ أهلِ الكتابِ نأكُلُ في آنْبَيّهم، وأرضِ صيدٍ أَصِيدُ بقَوْسي، وأصِيدُ بكلبي المعلَّمِ والذي ليس مُعلَّاً، فأخبِرْني ما الذي يَحِلُّ لنا من ذلك؟ فقال: ((أمَّا ما ذکرْتَ أنَّكَ بأرضٍ قوم أهلِ الكتابِ تأُلُ في آنبیھم، فإن وَجَدْتُم غیر آنيتِهم فلا تأكُلوا فيها، وإن لم تَجِدوا فاغسِلُوها ثمَّ كُلوا فيها، وأَمَّ ما ذَكَّرْتَ أنَّكَ بأرضٍ صيدٍ، فما صِدْتَ بقَوْسِكَ فاذْكُرِ اسمَ الله ثمَّ كُلْ، وما صِدْتَ بكلبِكَ المعلّم فاذْكُرِ اسمَ الله ثمَّ كُلْ، وما صِدْتَ بكلِكَ الذي ليس مُعلَّماً فأدْرَكْتَ ذَكاتَه فكُلْ)). ٥٤٨٩- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، قال: حدَّثني هشامُ بنُ زيدٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ ضَّه قال: أنْفَجْنا أرنَباً بمَرِّ الظَّهْران فسَعَوْا عليها حتَّى لَغِبُوا، فسَعَيتُ عليها حتَّى أخَذْتُها فحِثْتُ بها إلى أبي طَلْحَةَ، فَبَعَثَ إلى النبيِّوَّ بَوَرِكَيها أو فَخِذَيها فقَبِلَه. ٥٤٩٠- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ عُبيدِ الله، عن نافعٍ مولى أبي قَتَادةَ، عن أبي قَتَادَةَ: أَنَّه كان معَ رسولِ الله ◌ِِّ حَتَّى إذا كان ببعضِ طريقٍ مَكّةَ تَخَلَّفَ معَ أصحابٍ له مُحرِمِينَ وهو غيرُ مُحِمٍ، فَرَأى حِماراً وحْشِيّاً، فاستَوَى على فرسِه، ثمَّ سألَ ٣٢ باب ١٠ / ح ٥٤٩١ فتح الباري بشرح البخاري أصحابَه أن يُناوِلُوه سَوْطاً، فأبَوْا، فسألهم رُمَحَه فأبَوْا، فأخَذَه ثمَّ شَدَّ على الحمار فقَتَلَه، فأكَلَ منه بعضُ أصحابٍ رسولِ الله وَّهِ وَأَبَى بعضُهم، فلمَّا أدْرَكوا رسولَ الله ◌َل﴿ سألوه عن ذلك فقال: ((إنَّما هي طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوها اللهُ). ٥٤٩١- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي قَتَادَةَ مِثْلَه، إلّا أنَّه قال: ((هل مَعَكم من لحمِه شيءٌ؟». ٦١٣/٩ قوله: ((باب ما جاء في التَّصَيُّد)) قال ابن المنير: مقصوده بهذه التَّرجمة التَّنبيه على أنَّ الاشتغال بالصَّيدِ لمن هو عَيشُه(١) مشروع، ولَمَن عَرَضَ له ذلك وعَيشُه بغيره مُباح، وأمَّا التَّصَيُّ لمجرَّدِ اللهو فهو مَحَلّ الِخِلَاف. قلت: وقد تقدَّم البحث في ذلك في الباب الأوَّل (٥٤٧٥). وذکر فیه أربعة أحاديث: الأول: حديث عَديّ بن حاتم من رواية بيان بن عَمْرو عن الشَّعْبيّ عنه، وقد تقدَّم ما فیه. الثاني: حديث أبي ثَعْلبة، أخرجه عالياً عن أبي عاصم عن حَيْوةَ، ونازِلاً من رواية ابن المبارَك عن حَيْوةَ وهو ابن شُرَيح، وساقَه على رواية ابن المبارك، وسيأتي لفظ أبي عاصم حيثُ أفرَدَه بعد ثلاثة أبواب (٥٤٩٦)، وقد تقدَّم قبل خمسة أبواب (٥٤٧٨) من وجه آخر عالياً. الثالث: حديث أنس: ((أَنْفَجْنا أرنَباً)) يأتي شرحه في أواخر الذَّبائح (٥٥٣٥) حيثُ عَقَدَ للأرنب ترجمة مُفرَدة. ومعنى ((أنفَجْنا)): أثَرْنا. وقوله هنا: (لَغِيوا)) بغَيْنٍ مُعجَمة بعد اللّام، أي: تَعِبوا، وزنه ومعناه، وثَبَتَ بلفظ: (تَعِبوا)) في رواية الُشْمِیھنیّ. وقوله: ((بوَرِكِها)) كذا للأكثرِ بالإفراد، وللكُشْمِيهنيّ: ((بوَرِكَيها)» بالتَّنية. (١) في (س): عيشه به، بزيادة ((به))، وهو صواب أيضاً. ٣٣ باب ١١ / ح ٥٤٩٢ كتاب الذبائح والصيد الرابع: حديث أبي قَتَادة في قصَّة الحمار الوَحْشِيّ، وتقدَّم شرحها مُستَوَى في كتاب الحجّ (١٨٢١). ١١ - باب التصيُّد على الجبال ٥٤٩٢- حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ الجُعْفيُّ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، أخبرنا عَمْرُو، أنَّ أبا النَّضْرِ حدَّثه، عن نافعٍ مولى أبي قَتَادةَ وأبي صالح مولى التَّوْأمِةِ، سمعتُ أبا قَتَادةَ قال: كنتُ معَ النبيِّ وَّهِ فيما بينَ مَكّةَ والمدينةِ وهم ◌ُحرِمونَ وأنا رجلٌ حِلّ على فرسٍ، وكنتُ رَقّاءً على الجبالِ، فَبَيْنا أنا على ذلكَ إذ رأيتُ الناسَ مُتَشَوِّفِينَ لشيءٍ، فذهبتُ أَنظُرُ فإذا هو حِمَارُ وَحْشٍ، فقلتُ لهم: ما هذا؟ قالوا: لا نَذْري، قلتُ: هو حمارٌ وَحْشِيٌّ، فقالوا: هو ما رأيتَ، وكنتُ نَسِيتُ سَوْطي، فقلتُ لهم: ناوِلُوني سَوْطي، فقالوا: لا نُعِينُكَ عليه، فنَزِلْتُ فأخَذْتُه، ثمَّ ضَرَبتُ في أَثَرِه، فلم يكن إلّا ذاكَ حتَّى عَقَرْتُه، فأتيتُ إليهم فقلتُ لهم: قوموا فاحتَمِلوا، قالوا: لا نَمَسُّه، فحَمَلْتُهُ حتَّى جِئْتُهم به، فأبَى بعضُهم وأكَلَ بعضُهم، فقلتُ لهم: أنا أستَوْقِفُ لكم النبيَّ وَّةِ، فَأَدْرَكْتُه فحَدَّثْتُهُ الحديثَ، فقال لي: ((أَبَقِيَ مَعَكم شيءٌ منه؟)) قلتُ: نعم، فقال: ((كُلُوا، فهو طُعْمٌ أَطْعَمَكُمُوه اللهُ). قوله: ((باب التَّصَيُّد على الجبال)) هو بالجيم جمع جَبَل بالتَّحریكِ. أورد فيه حديث أبي ٦١٤/٩ قَتَادة في قصَّة الحمار الوَحْشِيّ لقولِه فيه: ((كنت رَقّاءً على الجبال)) وهو بتشديد القاف مهموز، أي: کثیر الصُّعود عليها. قوله: ((أخبَرَنا عَمْرو)) هو ابن الحارث المِصريّ، وأبو النَّضر: هو المدنيّ، واسمه سالم. قوله: ((وأبي صالح)) هو مولى التَّوْأمَة واسمه نَبْهان، ليس له في البخاريّ إلّا هذا الحديث، وقَرَنَه بنافع مولى أبي قَتَادة، وغَفَلَ الدَّاوُوديُّ فظنَّ أنَّ أبا صالح هذا هو ولدُه صالح مولى الثَّوَمة فقال: إنَّه تَغيَّرَ بَأَخَرَةٍ، فمَن أخَذَ عنه قديماً مِثلُ ابن أبي ذِئْب وعَمْرو ابن الحارث فهو صحيح، وذكر أبو عليّ الجيَّانيّ: أنَّ أبا أحمد كَتَبَ على حاشية نُسخَته مُقابل ((وأبي صالح)»: هذا خطأ، يعني أنَّ الصَّواب عن نافع وصالح، قال: وليس هو كما ظنَّ، فإنَّ ٣٤ باب ١٢ فتح الباري بشرح البخاري الحديث محفوظ لنَبْهان أبي صالح لا لابنِه صالح، وقد نَبَّهَ على ذلك عبد الغني بن سعيد الحافظ، فإنَّه سُئلَ عمَّن روى هذا الحديث فقال: ((عن صالح مولى التَّوأمة))، فقال: هذا خطأ إنَّما هو عن نافع وأبي صالح، وهو والد صالح، ولم يأتِ عنه غيرُ هذا الحديث، فلذلك غَلِطَ فیه. والتَّوأمة، ضُبطَت في بعض النُّسَخ بضمِّ المثنّة، حكاه عياضٌ عن المحدِّثينَ قال: والصَّواب بفتح أوَّله، قال: ومنهم مَن يَنقُل حركة الهمزة فيَفتَح بها الواو، وحكى ابن التِّين: التُّوَمة بَوَزنِ الْحُطَمة، ولعلَّ هذه الضَّمّة أصلُ ما حُكيَ عن المحدِّثينَ. وقوله: ((رَقّاءً على الجبال)) في رواية أبي صالح دون نافع مولى أبي قَتَادة، قال ابن المنيِرِ: نَبَّهَ بهذه التَّرجمة على جواز ارتكاب المَشَاقِّ لمن له غَرَض لنفسِه أو لدابَّتِه إذا كان ذلك الغرض مُباحاً، وأنَّ التَّصَيُّد في الجبال كهُوَ في السَّهل، وأنَّ إجراء الخيل في الوَعْر جائز للحاجة وليس هو من تعذيب الحيوان. ١٢ - باب قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ, مَتَعًا لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] وقال عمرُ: صيدُه: ما اصْطِیدَ، وطعامُه: ما رَمَی به. وقال أبو بكرٍ: الطّافي حلالٌ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: طعامُهُ مَيْتُهُ، إلّا مَا قَذِرْتَ مِنْها، والجَرِّيُّ لا تأكُلُه اليهودُ ونحنُ نأْكُلُه. وقال شُرَيحُ صاحبُ النبيِّ ◌َّهِ: كلُّ شيءٍ في البحرِ مَذْبوٌ. وقال عطاءُ: أَمَّ الطَّرُ فأرَى أنْ يَذْبَحَه. وقال ابنُ جُرَيج: قلتُ لِعطاءٍ: صيدُ الأنهار وقِلَاتُ السَّيلِ أصيدُ بَحْرِ هو؟ قال: نعم، ثمَّ تلا: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآَبِغْ شَرَابُهُ، وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢]. ورَكِبَ الحسنُ على سَرْجٍ من مجُلودٍ كِلاب الماءِ. وقال الشَّعْبِيُّ: لو أنَّ أهلي أكَلوا الضَّفادِعَ لأطْعَمْتُهم. ٣٥ باب ١٢ كتاب الذبائح والصيد ولم يَرَ الحسنُّ بالسُّلَحْفاةِ بأساً. وقال ابنُ عبَّاسٍ: كُلْ من صيدِ البحرِ، نَصْرائيٍّ أو يهوديٍّ أو مجوسيٍّ. وقال أبو الدَّرْداءِ في المُرْي: ذَبَحَ الخمرَ النِّينانُ والشمسُ. قوله: ((باب قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ, مَتَعًا لَّكُمْ﴾)) كذا للنَّسَفيّ، ٦١٥/٩ واقتَصَرَ الباقونَ على ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. قوله: ((وقال عمر)) هو ابن الخطّاب ((صيده: ما اصْطيدَ، وطعامه: ما رَمَی به)) وَصَلَه المصنِّف في ((التاريخ)) (١٨٥/٢) وعبد بن حُميدٍ من طريق عمر بن أبي سَلَمةَ عن أبيه عن أبي هريرة قال: لمَّا قَدِمتُ البحرَينِ سألَني أهلها عمَّا قَذَفَ البحرُ فأمَرتهم أن يأكلوه، فلمَّا قَدِمتُ على عمر - فذكر قصَّة - قال: فقال عمر: قال الله عزَّ وجلَّ في كتابه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ فصيده: ما صِيدَ، وطعامه: ما قَذَفَ به. قوله: ((وقال أبو بكر)) هو الصِّدّيق ((الطّافي حلالٌ)) وَصَلَه أبو بكر بن أبي شَيْبة (٣٨٠/٥-٣٨١) والطَّحاويّ(١) والدّارَ قُطنيّ (٤٧٢١) من رواية عبد الملك بن أبي بشير عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: أشهَدُ على أبي بكر أنَّه قال: السَّمَكة الطافية حلال، زاد الطَّحاويُّ: لمن أراد أكله، وأخرجه الدّارَقُطنيُّ (٤٧٢٤) وكذا عبد بن حُميدٍ والطََّريّ منها، وفي بعضها: أشهَدُ على أبي بكر أنَّه أكَلَ السَّمَك الطافي على الماء، انتهى. والطافي بغير همز من طَفَا يَطْفُو: إذا عَلا الماءَ ولم يَرسُب، وللدّارَ قُطنيّ (٤٧٢٣) من وجه آخر عن ابن عبّاس عن أبي بكر: إنَّ الله ذَبَحَ لكم ما في البحر، فكُلوه كلَّه فإنَّه ذكيّ. قوله: ((وقال ابن عبّاس: طعامه: مَيْتَتَه إلّ ما قَذِرْتَ مِنْها)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٦٥/٧-٦٦) من طريق أبي بكر بن حفص عن عِكْرمة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ ﴾ قال: طعامه: مَيتَته. وأخرج عبد الرَّزاق (٨٦٥٩) من وجه آخر عن ابن عبّاس (١) في ((شرح مشكل الآثار)) بإثر الحديث (٤٠٣٩). ٣٦ باب ١٢ فتح الباري بشرح البخاري وذکر صید البحر: لا تأكل منه طافياً. في سنده الأجلَح وهو لَیِّن، ويُوهِنه حديث ابن عبّاس الماضي قبله. قوله: ((والجَرِّيّ لا تأكلُه اليهود ونحنُ نأكلُه)) وَصَلَه عبد الرَّزّاق (٨٧٧٩) عن الثَّوْريّ عن عبد الكريم الجَزَريّ عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: أنَّه سُئِل عن الجُرِّيّ فقال: لا بأس به، إِنَّما هو شيءٍ كَرِهَته يهود، وأخرجه ابن أبي شَيْبة (٣٣١/٨) عن وكيع عن الثَّوْريّ به، وقال في روايته: سألتُ ابن عبّاس عن الجَرِّيّ فقال: لا بأس به، إنَّما تُحرِّمه اليهود ونحنُ نأكلُه. وهذا على شرط الصَّحيح، وأخرج عن عليّ وطائفة نحوه. والجَرِّيّ بفتح الجيم، قال ابن التِّين: وفي نُسخة بالكسرِ - وهو ضبط ((الصِّحاح)) - وكسر الرّاء الثّقیلة قال: ويقال له أيضاً: الچِرّیث، وهو ما لا قشرَ له، قال: وقال ابن حبيب من المالكيَّة: أنا أكرهه، لأنَّه يقال: إنَّه من الممسوخ(١). وقال الأزهَريّ: الجِرّيث نوع من السَّمَك يُشبِهِ الحيّات، وقيل: سمك لا قِشرَ له، ويقال له أيضاً: المَرْماهي والسِّلَّور مِثْلُه. وقال الخطَّابيُّ: هو ضَرْبٌ من السَّمَك يُشبِه الحيّات. وقال غيره: نوع عريض الوَسَط دقيق الطَّرَفَيْنِ. ٦١٦/٩ قوله: ((وقال شُرَيح/ صاحب النبيّ ◌َّ: كلّ شيء في البحر مَذْبوح، وقال عطاء: أمَّ الطَّير فأَرَى أن تَذْبَحَه)) وَصَلَه المصنِّف في ((التاريخ)) (٢٢٨/٤) وابن مَندَهْ في ((المعرفة)) من رواية ابن جُرَيج عن عَمْرو بن دينار وأبي الزُّبَيرِ أنَّهما سمعا شُرَيحاً صاحب النبيّ وَلّ يقول: كلّ شيء في البحر مَذبوح، قال: فذكرت ذلك لعطاء فقال: أمَّ الطَّير فأرَى أَن تَذْبَحَه. وأخرجه الدّارَ قُطنيُّ (٤٧١٩) وأبو نُعَيم في ((الصَّحابة)) (٣٧٤٨) مرفوعاً من حديث شُرَيح، والموقوف أصحّ، وأخرجه ابن أبي عاصم في ((الأطعمة)) من طريق عَمْرو بن دينار: سمعت شيخاً كبيراً يَحِلِف بالله ما في البحر دابّة إلّا قد ذَبَحَها الله لبني آدم. وأخرج الدّارَ قُطنيُّ (٤٧١٠) من حديث عبد الله بن سَرجِسَ رَفَعَه: ((إنَّ الله قد ذَبَحَ كلَّ (١) قد ثبت عن النبي وَ ﴿ أنه قال: ((إنَّ الله لم يجعل لمسخ نسلاً ولا عَقِباً) أخرجه مسلم (٢٦٦٣). وقد سلف عند الحافظ ابن حجر الكلامُ على مسألة المسخ هذه عند الحديث رقم (٣٨٤٩). ٣٧ باب ١٢ كتاب الذبائح والصيد ما في البحر لبني آدم)) وفي سنده ضعف، والطبرانيُّ من حديث ابن عمر رَفَعَه نحوه، وسنده ضعيف أيضاً. وأخرج عبد الرَّزاق بسندَينٍ جيّدَينِ عن عمر ثمَّ عن عليّ: الحوت ذَكيّ كلّه(١). تنبيه: سَقَطَ هذا التَّعليق من رواية أبي زيد وابن السَّكَن والجُرجانيّ، ووَقَعَ في رواية الأَصِيليّ: ((وقال أبو شُرَيح)) وهو وهمٌّ، نَبَّهَ على ذلك أبو عليّ الجيَّانيّ وتَبِعَه عياض، وزادَ: وهو شُرَيح بن هانئ أبو هانئ، كذا قال، والصَّواب أنَّه غيره وليس له في البخاريّ ذِكْر إلّا في هذا الموضع، وشُرَيح بن هانئ لأبيه صُحْبة، وأمَّا هو فله إدراك ولم يثبت له سماع ولا لُقيٍّ، وأمَّا شُرَيح المذكور فذكره البخاريّ في ((التاريخ)) وقال: له صُحْبة. وكذا قال أبو حاتم الرازيّ وغيره. قوله: ((وقال ابن جُرَيجٍ: قلتُ لعطاء: صيد الأنهار وقِلَاتُ السَّيل، أصيدُ بَحْر هو؟ قال: نعم، ثمَّ تلا ﴿ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَأَبِغْ شَرَابُهُ، وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَمِن كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِئًا﴾)) وَصَلَه عبد الرَّزّاق في ((التَّفسير)) عن ابن جُرَیج بهذا سواء، وأخرجه الفاکھيّ في ((كتاب مَكّة)) (٢٢٤٨) من رواية عبد المجيد بن أبي رؤَّاد(٢) عن ابن جُرَيج أتمَّ من هذا، وفيه: وسألته عن حِيتان بِركة القَسْريِّ(٣) - وهي بئر عظيمة في الحَرَم - أتُّصاد؟ قال: نعم، وسألته عن ابن الماء وأشباهه: أصيد بحر أم صيد بَرّ؟ فقال: حيثُ يكون أكثر فهو صيد. وقِلَات بكسر القاف وتخفيف اللّام وآخره مُثنّة، ووَقَعَ في رواية الأَصِيلِيّ مُثلَّثة، والصَّواب الأوَّل: جمع قَلْتٍ، بفتح أوَّله مِثل بَحْر وبِحَار: هو النُّرة في الصَّخرة يَسْتَنِقِع فيها الماءُ. (١) هو عن عليٍّ في ((مصنف عبد الرزاق)) برقم (٨٦٦٣)، ولم نقف على أثر عمر فيه. (٢) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: داود. (٣) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: القشيري، والصواب ما أثبتناه، والقَسْري: هو خالد بن عبد الله القَسْري، وهو الذي عمل هذه البركة عند جبل الثَّقَبة بمكة وكان والياً عليها لسليمان بن عبد الملك، وتوفي خالد هذا سنة ١٢٦ هـ، وانظر خبر صنعة هذه البركة في ((أخبار مكة)) للأزرقي (٨). ٣٨ باب ١٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وَرَكِبَ الحسنُ على سَرْج من جُلود كِلاب الماء، وقال الشَّعْبيّ: لو أنَّ أهلي أكَلوا الضَّفادِعَ لَأَطْعَمْتُهم، ولم يَرَ الحسنُ بالسُّلَحْفاةِ بأساً)) أمَّا قول الحسن الأوَّل، فقيل: إنَّه ابن عليّ، وقيل: البصريّ، ويُؤْيِّد الأوَّل أنَّه وَقَعَ في رواية: وَرَكِبَ الحسن عليه السلام. وقوله: ((على سَرْج من جُلود)) أي: مُتَّخَذ من جلود كِلاب الماء. وأمَّا قول الشَّعْبِيّ، فالضفادع جمع ضِفدع، بكسر أوَّله وبفتح الدّال وبكسرها أيضاً، وحُكَيَ ضَمّ أوَّله مع فتح الدّال، والضَّفَادي بغير عينٍ(١) لُغةٌ فيه، قال ابن التِّين: لم يُبيِّن الشَّعْبيّ هل تُذكَّى أم لا؟ ومذهب مالك: أنَّها تُؤْكَل بغير تذكية، ومنهم مَن فَصَّلَ بين ما مأواه الماءُ وغيره، وعن الحنفيّة ورواية عن الشافعيّ: لا بدَّ من التَّذكية. وأمَّا قول الحسن في السُّلَحفاة، فوَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٣٣٣/٨) من طريق ابن طاووسٍ عن أبيه: أنَّه كان لا يرى بأكلِ السُّلَحفاة بأساً، ومن طريق مُبارَك بن فضالة عن الحسن قال: لا بأس بها، گُلها. والسُّلَحْفاة بضمِّ المهمَلة وفتح اللّام وسكون المهمَلة بعدها فاءٌ ثمَّ ألِف ثمَّ هاء، ويجوز بَدَلَ الهاء همزة، حكاه ابن سِيدَهْ، وهي رواية عَبدوس، وحكى أيضاً في ((المحكم)) سكون اللّام وفتح الحاء، وحكى أيضاً: سُلَحْفِيَة كالأوَّل لكن بكسر الفاء بعدها تحتانيّة مفتوحة. قوله: ((وقال ابن عبّاس: كُلْ من صيد البحر، نَصْرانيٍّ أو يهوديٍّ أو مَجوسيٍّ)) قال الكِرْمانيُّ: كذا في النُّسَخ القديمة وفي بعضها: ((ما صادَه)) قبل لفظ (نَصرانيّ)). قلت: وهذا التَّعليق وَصَلَه البيهقيُّ (٢٥٣/٩) من طريق سِماك بن حَرْب عن عِكْرمة ٦١٧/٩ عن ابن عبّاس قال: كُلْ ما ألقَى البحرُ وما صِيدَ منه، صاده يهوديٌّ أو نصرانيّ أو / مجوسيّ، قال ابن التِّين: مفهومه أنَّ صيد البحر لا يُؤكَل إن صادَه غير هؤلاء، وهو كذلك عند قوم، وأخرج ابن أبي شَيْبة بسندٍ صحيح عن عطاء وسعيد بن جُبَير، وبسندٍ آخر عن عليّ: كراهية صيد المجوسيِّ السَّمَكَ. (١) الأولى أن يقول: بإبدال العين ياءً. ٣٩ باب ١٢ كتاب الذبائح والصيد قوله: ((وقال أبو الدَّرْداء في المُرْي ذَبَحَ الخمرَ النِّينانُ والشمسُ)) قال البَيْضاويّ: ذَبَحَ بصيغة الفِعل الماضي ونصب راء الخمر على أنَّه المفعول، قال: ويُروَى بسكون الموحّدة على الإضافة والخمر بالكسر، أي: تطهيرها. قلت: والأوَّل هو المشهور، وهذا الأثر سَقَطَ من رواية النَّسَفيّ، وقد وَصَلَه إبراهيم الحربيّ في ((غريب الحديث)) له من طريق أبي الزّاهريَّة عن جُبِير بن نُفَير عن أبي الدَّرداء فذكره سواء، قال الحربيّ: هذا مُرْي يُعمَل بالشّام: يُؤخَذ الخمرُ فيُجعَل فيه المِلح والسَّمَك ويُوضَع في الشمس فيَتغيَّر عن طعم الخمر. وأخرج أبو بِشْر الدُّولابيّ في ((الكُنَى)) (١٥٢٤) من طريق يونس بن مَيَسَرة عن أمّ الدَّرداء عن أبي الدَّرداء أنَّه قال في مُرْي النِّينان: غَيَّرَته الشمس. ولابنِ أبي شَيْبة (١٩٠/٨) من طريق مكحول عن أبي الدَّرداء: لا بأس بالمري ذَبَحَته النارُ والِلح. وهذا مُنقَطِع، وعليه اقتَصَرَ مُغَلْطاي ومَن تَبِعَه، واعتَرَضوا على جَزْم البخاريّ به وما عَثَروا على كلام الحربيّ، وهو مُراد البخاريّ جَزماً، وله طريق أُخرى أخرجها الطَّحاويُّ(١) من طريق بُسْر ابن عُبيد الله عن أبي إدريس الخَوْلانيٍّ: أنَّ أبا الدَّرداء كان يأكل المريَ الذي يُجُعَل فيه الخمر ويقول: ذَبَحَته الشمسُ والِلح. وأخرجه عبد الرَّزّاق (١٧١٠٩) من طريق سعيد بن عبد العزيز عن عَطيّة بن قيس قال: مرَّ رجل من أصحاب أبي الدَّرداء بآخرَ - فذكر قصَّة في اختلافهم في المري - فأتيا أبا الدَّرداء فسألاه فقال: ذَبَحَت خمرَها الشمسُ والِلِحُ والحيتان. ورُوِّيناه في ((جُزء إسحاق بن الفَيض)) من طريق عطاء الخُّراسانيّ قال: سُئلَ أبو الدَّرداء عن أكلِ المري فقال: ذَبَحَت الشمسُ سَكَرَ الخمر، فنحنُ نأكُل، لا نَرَى به بأساً. قال أبو موسى في ((ذيل الغريب)): عَبَّرَ عن قوّة المِلح والشمس وغَلَبتِهما على الخمر وإزالتهما طعمَها ورائحتها بالذَّبح، وإنَّما ذكر النِّينان دون المِلح لأنَّ المقصود من ذلك يَحَصُل بدونِهِ، ولم يُرِدْ أنَّ النّينان وحدها هي التي خَلََّته، قال: وكان أبو الدَّرداء ممَّن يُفتي بجوازٍ تخليل الخمر، فقال: إنَّ السَّمَك بالآلة التي أُضيفَت إليه يَغلِب على ضَرَاوة الخمر ويُزيل (١) في ((شرح مشكل الآثار)) ٣٩٦/٨. ٤٠ باب ١٢ فتح الباري بشرح البخاري شِدَّتها، والشمس تُؤَثِّر في تخليلها فتصير حلالاً، قال: وكان أهل الرّيف من الشّام يَعجِنونَ المريَ بالخمرِ ورُبَّما يجعلونَ فيه أيضاً السَّمَك الذي يُرَبَّى بالملح والأبزار ممّا يُسَمُّونَه الصِّحْناء، والقصد من المري هَضْم الطَّعام فيُضيفونَ إليه كلّ ثِقِيف أو حِرّيف ليزيدَ في جَلاء المعدة واستدعاء الطَّعام بحَرافَتِهِ، وكان أبو الدَّرداء وجماعة من الصَّحابة يأكلونَ هذا المريَ المعمول بالخمر، قال: وأدخَلَه البخاريّ في طهارة صيد البحر يريد أنَّ السَّمَك طاهر حلال، وأنَّ طهارته وحِلَّه يَتَعَدَّى إلى غيره كالملح، حتَّى يصير الحرام النَّجِس بإضافَتِها إليه طاهراً حلالاً، وهذا رأيُ مَن يُجُوِّز تخليل الخمر، وهو قول أبي الدَّرداء وجماعة. وقال ابن الأثير في ((النّهاية)): استَعارَ الذَّبحَ للإحلال، فكأنَّه يقول: كما أنَّ الذَّبح يُحِلّ أكل المذبوحة دونَ الميتة، فكذلك هذه الأشياء إذا وُضِعَت في الخمر قامَت مقام الذَّبح فأحَلَّتها. وقال البَيْضاويّ: يريد أنَّهَا حَلَّت بالحوتِ المطروح فيها وطَبْخها بالشمس، فكان ذلك كالذَّكاة للحيوان، وقال غيره: معنى ذَبَحَتْها: أبطَلَت فِعلها، وذكر الحاكم في النَّوع العشرينَ من ((علوم الحديث))(١) من حديث ابنٍ وَهْب عن يونس عن ابنِ شِهاب عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن أنَّه سمعَ عثمانَ بن عَفّان يقول: اجتَنِبوا الخمر فإنَّها أمّ الخبائث. قال ابن شهاب: في هذا الحديث أن لا خيرَ في الخمر، وأنَّها إذا أُفسِدَت لا خير فيها حتَّى يكون اللهُ هو الذي يُفسِدها، فيَطِيب حينئذِ الخَلُّ. قال ابن وَهْب: وسمعتُ مالكاً يقول: سمعت ابن شهاب يُسأل عن خمر جُعِلَت في ٦١٨/٩ قُلّة وجُعِلَ معها مِلحٌ وأخلاط كثيرة، ثمَّ تُجُعَل في الشمس حتَّى تعود/ مُرْياً، فقال ابن شِهاب: شَهِدتُ قَبِيصة يَنْهَى أن يُجْعَل الخمر مُرياً إذا أُخِذَ وهو خمر. قلت: وقبيصة من كبار التابعينَ وأبوه صحابيّ، ووُلِدَ هو في حياة النبيّ ﴿ فِذُكِرَ في الصَّحابة لذلك، وهذا يعارض أثرَ أبي الدَّرداء المذكور ويُفسِّر المراد به. (١) ((علوم الحديث)) ص ٦٣.