Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
باب ١٠ / ح ٥٣٦٥
كتاب النفقات
الآخَرُ: صالحُ نساءٍ قُرَيشٍ - أحناهُ على ولدٍ في صِغَرِه، وأرعاه على زوجٍ في ذاتِ يدِه)).
وَيُذكَرُ عن مُعَاوِيَةَ وابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ وَّ.
قوله: ((باب حِفْظِ المرأةِ زوجَها في ذاتِ يده، والنَّفَقة)) المراد بذات اليد: المالُ، وعَطْف النَّفَقة
عليه من عَطْف الخاصّ على العامّ. ووَقَعَ في ((شرح ابن بَطّالٍ)): ((والنَّفَقة عليه)) وزيادة لفظة
((عليه)) غير مُحتاج إليها في هذا الموضع، وليست/ من حديث الباب في شيءٍ.
٥١٢/٩
قوله: (حدّثنا ابن طاووسٍ)) اسمه عبد الله.
قوله: ((عن أبيه. وأبو الزِّناد)) هو عَطف على ابن طاووسٍ لا على طاووسٍ. وحاصله أنَّ
لسفيان بن عُبَينة فيه إسنادَينٍ إلى أبي هريرة. ووَقَعَ في ((مُسنَد الحميديّ)) (١٠٤٧) عن سفيان:
وحدَّثنا أبو الزِّناد. وأخرجه أبو نُعيم من طريقه.
قوله: ((خير نساء رَكِبْنَ الإبل نساء قُرَيش، وقال الآخَر: صالح نساء قُرَيش)) في رواية
الكُشْمِيهنيِّ: ((صُلَّح)) بضمِّ الصّاد وتشديد اللّام بعدها مُهمَلة، وهي صيغة جمعٍ. وحاصِله
أنَّ أحد شيخَي سفيان اقتَصَرَ على نساء قُرَيش، وزاد الآخر: صالح. ووَقَعَ عند مسلم
(٢٠٠/٢٥٢٧) عن ابن أبي عمر عن سفيان: قال أحدهما: صالح نساء قُرَيشٍ، وقال
الآخر: نساء قُريش. ولم أرَه عن سفيان إلّا مُبهَاً، لكن ظَهَرَ من رواية شُعَيب عن أبي الزّناد
الماضية في أوَّل النِّكاح (٥٠٨٢)، ومن رواية مَعمَر عن ابن طاووسٍ عند مسلم (٢٠٢/٢٥٢٧)
أنَّ الذي زاد لفظة: «صالح» هو ابن طاووسٍ(١).
ووَقَعَ في أوَّله عند مسلم (٢٠١/٢٥٢٧) من طريق الزُّهْريِّ عن سعيد بن المسيّب عن
أبي هريرة بيان سبب الحديث، ولفظه: أنَّ النبيّ وَّ خَطَبَ أمّ هانئ بنت أبي طالب، فقالت: يا
رسول الله، إنّي قد گبرت ولي عیال، فذکر الحدیث.
(١) كلام الحافظ هذا يُفيد أنَّ أبا الزناد لم يذكر لفظة ((صالح)) عند البخاري، وهو وهمٌّ منه رحمه الله، لأنَّ
هذه اللفظة ثابتة هناك لجميع رواة البخاري، وعليها شرح الحافظ مبيّناً أنها قيد مهم يحمل عليه مطلق
الروايات الأخرى، فيكون المحكوم له بالخيرية الصالحات من نساء قريش.

٣٦٢
باب ١٠ / ح ٥٣٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أحناهُ)) بمُهمَلةٍ ثمَّ نون، من الحُنوّ: وهو العطف والشَّفَقة ((وأرعاه)) من الرِّعاية:
وهي الإبقاء. قال ابن التِّين: الحانية عند أهل اللُّغة: التي تُقيم على ولدها فلا تَتزوَّج، فإن
تزوَّجَت فليست بحانیةٍ.
قوله: ((في ذات يَده)) قال قاسم بن ثابت في ((الدَّلائل)»: ذات يده، وذات بيننا، ونحو
ذلك، صِفَة لمحذوفٍ مؤنَّث. كأنَّه يعني الحال التي هي بينهم، والمراد بذات يده: ماله
ومَكسَبه. وأمَّا قولهم: لَقيتُه ذات يوم، فالمراد لِقاءةً أو مرَّةً، فلمَّا حَذَفَ الموصوف وبَقِيَت
الصِّفة صارت كالحال.
قوله: ((ويُذكَر عن معاوية وابن عبَّاس، عن النبيّ ◌َّ)) أمَّا حديث معاوية - وهو ابن أبي
سفيان - فأخرجه أحمد (١٦٩٢٩) والطبرانيُّ (٧٩٢/١٩) من طريق زيد بن أبي عتّاب(١)
عن معاوية: سمعت رسول الله وَل﴾، فذكر مثل رواية ابن طاووسٍ في جُملة أحاديث. ورجاله
موَثَّقونَ، وفي بعضهم مقالٌ لا يَقدَح.
وأمَّا حديث ابن عبّاس فأخرجه أحمد (٢٩٢٣) أيضاً من طريق شهر بن حَوشَبٍ
حدَّثني ابن عبّاس: أنَّ النبيّ ◌َّهِ خَطَبَ امرأةً من قومه يقال لها: سَودة، وكان لها خمسة
صِبيان أو ستّة من بَعْل لها ماتَ، فقالت له: ما يَمنَعني مِنك أن لا تكون أحَبَّ البَرِيَّة إليَّ
إلّا أنّي أُكرِمُكَ أن تَضغوَ هذه الصِّبية عند رأسك، فقال لها: ((يرحمك الله، إنَّ خير نساءٍ
رَكِينَ أعجاز الإبل صالح نساء قُرَيش)) الحديث. وسنده حسن. وله طريق أُخرى أخرجها
قاسم بن ثابت في «الدَّلائل)) من طريق التگم بن أبان عن عكرمة عن ابن عبّاس، باختصار
القصّة.
وهذه المرأة يحتمل أن تكون أمَّ هانئ المذكورة في حديث أبي هريرة، فلعلَّها كانت
تُلَقَّب سودةَ، فإنَّ المشهور أنَّ اسمها فاختة، وقيل غير ذلك، ويحتمل أن تكون امرأةً أُخرَى،
وليست سودة بنت زَمْعة زوج النبيّ وَ ◌ّ، فإنَّ النبيّ ◌َل تزوَّجَها قديماً بمَكّة بعد موت خديجة،
(١) تصحف في (س) إلى: غياث.

٣٦٣
باب ١١ / ح ٥٣٦٦
كتاب النفقات
ودَخَلَ بها قبل أن يَدخُل بعائشة، وماتَ وهي في عِصمته، وقد تقدَّم ذلك واضحاً، وتقدَّم
شرح المتن مُستَوقَى في أوائل كتاب النِّكاح (٥٠٨٢).
١١ - باب كِسوة المرأة بالمعروف
٥٣٦٦- حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عبدُ الَلِكِ بنُ مَيسَرَةَ، قال:
سمعتُ زيدَ بنَ وَهْب، عن عليّ ﴾: قال: آتَى إِلَّ النبيُّ ◌َله حُلّةَ سِيَراءَ، فَلَبِسْتُها، فرأيتُ الغضبَ
في وجهِه، فشَقَّقُْها بينَ نسائي.
قوله: ((باب كِسْوة المرأة بالمعروفِ)) هذه التَّرجمة لفظ حديث أخرجه مسلم (١٢١٨)
في حديث جابر المطوّل في صِفَة الحجّ، / ومن جُلَته في خُطبة النبيّ نَّهبِعَرَفة: ((واتَّقوا الله في ٥١٣/٩
النِّساء، ولَهُنَّ عليكم رِزقُهنَّ وكِسوَتهنَّ بالمعروفِ)) ولمَّا لم يكن على شرط البخاريّ
أشارَ إليه، واستَنْبَطَ الحُكم من حديث آخَر على شرطه، فأورد حديث عليّ في الحُلّة
السِّيَراء.
وقوله: ((فشَقَّقتها بين نسائي)) قال ابن المنّيِّرِ: وجه المطابقة أنَّ الذي حَصَلَ لزوجته
فاطمة عليها السَّلام من الحُلّة قِطعة، فَرَضيَت بها اقتصاداً بحَسَب الحال لا إسرافاً. وأمَّا
حُكم المسألة فقال ابن بَطّالٍ: أجمَعَ العلماء على أنَّ للمرأة معَ النَّفَقة على الزَّوج كِسوَتَها
وجوباً، وذكر بعضهم أنَّه يَلزَمه أن يَكسوها من الثّياب، كذا والصَّحيح في ذلك أن لا
يُحمَل أهلُ البلدان على نَمَطٍ واحدٍ، وأنَّ على أهل كلّ بَلَد ما يَجري في عادتِهِم بقَدرِ ما يُطيقه
الزَّوج على قَدر الكِفاية لها، وعلى قَدر ◌ُسره وعُسره، انتهى.
وأشارَ بذلك إلى الردّ على الشافعيَّة، وقد تقدَّم البحث في ذلك في النَّفَقة قريباً (٥٣٥٥)
والكِسوة في معناها، وحديث عليّ سيأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب اللُّباس (٥٨٤٠) إن شاءَ الله
تعالی.
وقوله: ((آتَى إِلَيَّ النبيُّ ◌َّ) بالمدّ، أي: أعطَى، ثمَّ ضَمَّنَ أعطَى معنى أهدَى، أو أرسَلَ،
فلذلك عَدّاه بـ((إِيَّ)) وهي بالتَّشديد، وقد وَقَعَ في رواية النَّسَفيِّ: بَعَثَ، وفي رواية ابن عَبدُوسٍ:

٣٦٤
باب ١٢ / ح ٥٣٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
أهدَى، ولا تضمينَ فيهما(١)، ومَن قرأ: ((إلى)) بالتَّخفيفِ بلفظ حرف الجرّ، و((أتى)) بمعنى جاء،
لَزِمَه أن يقول: ((حُّةٌ سيَراء» بالرَّفع، ويكون في الكلام حذف تقديره: فأعطانيها، فلَبستُها ...
إلى آخره، قال ابن التِّين: ضُبِطَ عند الشَّيخ أبي الحسن ((أتى)) بالقصر، أي: جاء، فيحتمل أن
يكون المعنى: جاءني النبيّ وَ لَّ بِحُلّة، فحَذَفَ ضمير المتكلّم وحَذَفَ الباء فانتصب. والحُلّة:
إزارٌ ورِداءٌ، والسِّيَراء: بكسرِ المهمَلة وفتح التَّحتانيَّة وبالمدِّ: من أنواع الحرير.
وقوله: ((بين نسائي)) يوهِمُ زوجاته وليس كذلك، فإنَّه لم يكن له حينئذٍ زوجةٌ إلّا فاطمة،
فالمراد بنسائه زوجتُهُ معَ أقاربه، وقد جاء في رواية: ((بين الفواطِم))(٢).
١٢ - باب عَون المرأةِ زَوجَها في ولَدِە
٥٣٦٧- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عَمرٍو، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله
عنهما، قال: هَلَكَ أبي وتَرَكَ سبعَ بناتٍ - أو تسعَ بناتٍ - فتزوَّجْتُ امرأةً ثَيِّباً، فقال لي
رسولُ الله ◌َّهِ: ((تزوَّجْتَ يا جابرُ؟)) فقلتُ: نعم. فقال: ((بَكْراً أم نَيِّاً؟» قلتُ: بل نَيِّياً. قال:
(فَهَلَّا جاريةً تُلاعبُها وتُلاعبُكَ، وتُضاحكُها وتُضاحكُكَ؟)) قال: فقلتُ له: إنَّ عبد الله هَلَكَ
وتَرَكَ بناتٍ، وإنّ كَرِهْتُ أن أجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فتزوَّجْتُ امرأةً تقومُ عليهنَّ وتُصْلِحُهُنَّ. فقال:
((بارَكَ الله لَكَ)) أو قال خيراً.
قوله: ((باب عَوْن المرأةِ زوجَها في ولده)) سَقَطَ ((في ولده)) من رواية النَّسَفيِّ. وذكر فيه
حديث جابر في تَزويجه الثَّيِّب لتقومَ على أخَواته وتُصلِحُهُنَّ، وكأنَّه استنْبَطَ قيامَ المرأة على
وَلَد زوجِها من قيام امرأة جابر على أخواته، ووجه فَهْم ذلك منه بطريق الأَولى.
قال ابن بَطّالٍ: وعَون المرأة زوجَها في ولده ليس بواجبٍ عليها، وإنَّما هو من جميل العِشرة،
ومن شيمة صالحات النِّساء. وقد تقدَّم الكلام على خدمة المرأة زوجها هل تجب عليها أم
لا قريباً (٥٣٦١و ٥٣٦٢).
(١) تحرَّف في (س) إلى: فيها.
(٢) عند مسلم (٢٠٧١) (١٨).

٣٦٥
باب ١٣ -١٤ / ح ٥٣٦٨ - ٥٣٧٠
كتاب النفقات
١٣ - باب نفقةِ المعسِرِ على أهلهِ
٥٣٦٨- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، عن مُميدِ بنِ
عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ ظُ، قال: أتى النبيَّ نَّه رجلٌ، فقال: هَلَكْتُ، قال: ((ولم؟)) قال:
وقَعْتُ على أهلي في رمضانَ، قال: ((فَأَعِقِ رَقَبَةً))، قال: ليس عندي، قال: ((فصُم شَهْرَينِ
مُتَابِعَينٍ))، قال: لا أستَطِيعُ، قال: ((فأطْعِمِ سِتِّينَ مِسْكيناً)، قال: لا أجِدُ، فَأَتِيَ النبيُّ ◌َّ بِعَرَقِ
فيه تَمْرٌ، فقال: ((أينَ السائلُ؟))، قال: ها أنا ذا، قال: ((تَصَدَّقْ بهذا))، قال: على أحوَجَ مِنّا یا
رسولَ الله؟ فوالذي بَعَثَكَ بالحقِّ، ما بينَ لابَتَيَها أهلُ بيتٍ أحوَجُ مِنّا، فضَحِكَ النبيُّ ◌َّهِ حَتَّى
بَدَت أنْيابُه، قال: ((فأنتم إذاً)».
قوله: ((باب نَفَقة المعْسِر على أهله)) ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصَّة الذي وَقَعَ على امرأته في ٥١٤/٩
رمضان، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَى في كتاب الصيام (١٩٣٦).
قال ابن بَطّالٍ: وجه أخذ التَّرجمة منه أنَّه وَّهِ أباحَ له إطعامَ أهله التَّمَرَ، ولم يَقُل له: إنَّ
ذلك يجزيك عن الكفَّارة، لأنَّه قد تَعيَّنَ عليه فرض النَّفَقة على أهله بوجودِ التَّمر، وهو
ألزم له من الكفَّارة كذا قال، وهو يُشبه الدَّعوَى فيحتاج إلى دليل، والذي يظهر أنَّ الأخذ
من جهة اهتمام الرجل بنَفَقة أهله، حيثُ قال لمَّا قيل له: تَصَدَّقْ به، فقال: أعلى أفقَرَ مِنّا؟
فلولا اهتمامه بنَفَقة أهله ◌َبادَرَ وتَصَدَّقَ.
١٤ - باب ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وهل على المرأةِ منه شيءٌ؟
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا تَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْعَمُ﴾ الآية [النحل: ٧٦].
٥٣٦٩- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا وُهَيبٌ، أخبرنا هشامٌ، عن أبيه، عن زينبَ
بنتِ أبي سَلَمَةَ، عن أمِّ سَلَمَةَ: قلتُ: يا رسولَ الله، هل لي من أجْرٍ في بني أبي سَلَمَةَ أنْ أُنْفِقَ عليهم،
ولَسْتُ بتاركَتِهِم هكذا وهكذا، إنَّما هم بَنِيَّ، قال: ((نعم، لكِ أَجْرُ ما أَنفَقْتِ عليهم)).
٥٣٧٠ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حذَّثنا سفيانُ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةً
رضي الله عنها: قالت هِنْدُ: يا رَسُلَ الله، إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، فهل عليَّ جُنَاحٌ أن آخُذَ

٣٦٦
باب ١٤ / ح ٥٣٦٩ - ٥٣٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
من ماله ما يَكْفِيني وبَنِيَّ؟ قال: ((خُذي بالمعْروفِ)).
قوله: ((باب ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وهل على المرأة منه شيءٌ؟ ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً
رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره بعد قوله: ﴿أَبْكَمُ﴾: إلى قوله:
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
قال ابن بَطّالٍ ما مُلخَّصه: اختَلَفَ السَّلَف في المراد بقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾
[البقرة: ٢٣٣] فقال ابن عبّاس: عليه أن لا يُضارّ، وبه قال الشَّعبيّ ومجاهد، والجمهور قالوا:
ولا غُرْم على أحدٍ من الوَرَثة، ولا يَلزَمِه نَفَقة وَلَد الموروث، وقال آخرونَ: على مَن يَرِث
الأبَ مِثلُ ما كان على الأب من أجر الرَّضاع إذا كان الولد لا مالَ له.
ثمَّ اختَلَفوا في المراد بالوارثِ، فقال الحسن والنَّخَعيُّ: هو كلّ مَن يَرِث الأبَ من الرِّجال
والنِّساء، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة وأصحابه: هو مَن كان ذا رَحِم مَحَرَم
للمولودِ دون غيره، وقال قبيصة بن ذُؤَيب: هو المولود نفسه، وقال زيد بن ثابت: إذا خَلَّفَ أُمَّاً
وعَّ فعلى كلّ واحدٍ منهما إرضاع الولد بقَدرِ ما يَرِث، وبه قال الثَّوريّ.
٥١٥/٩ قال ابن بَطّالٍ: وإلى هذا القول أشارَ البخاريّ بقولِه: وهل (١) على المرأة/ منه شيء؟ ثمَّ
أشارَ إلى رَدّه بقوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا تَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمْ﴾ [النحل: ٧٦] فَنَزَّلَ
المرأةَ من الوارِث مَنِزِلةَ الأبكم من المتكلِّم. انتهى، وقد أخرج الطَّبَريُّ هذه الأقوال عن قائلها،
وسبب الاختلاف ◌َمْل المثليّة في قوله: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ على جميع ما تقدَّم أو على بعضه، والذي
تقدَّم: الإرضاع والإنفاق والكِسوة وعدم الإضرار.
قال ابن العربيّ: قالت طائفة: لا يَرجِع إلى الجميع بل إلى الأخير، وهذا هو الأصل، فمَن
ادَّعَى أَنَّه يَرجِع إلى الجميع فَعلَيه الدَّليلُ، لأنَّ الإشارة بالإفراد، وأقرَب مذكور هو عَدَم
الإضرار، فَرَجَحَ الحَمْلُ عليه.
(١) زاد في (ب) و(س) ذكر الآية التي صدَّر بها البخاريُّ الترجمة، وليست في (أ) و(ع) كما جاء في ((شرح ابن
بطال» ٥٤٧/٧.

٣٦٧
باب ١٤ / ح ٥٣٦٩ - ٥٣٧٠
كتاب النفقات
ثمَّ أورَدَ حديث أمّ سَلَمةَ في سؤالها: هل لها أجرٌ في الإنفاق على أولادها من أبي سَلَمةَ
ولم يكن لهم مالٌ؟ فأخبَرَها أنَّ لها أجراً، فدَلَّ على أنَّ نَفَقة بنيها لا تجب عليها، إذ لو وَجَبَت
عليها لَبيَّن لها النبيّ ◌َّ ذلك. وكذا قصَّة هند بنت عتبةَ، فإنَّه أذِنَ لها في أخذ نَفَقة بنيها من
مال الأب، فدلَّ على أنَّها تجب عليه دونها.
فأراد البخاريّ أنَّه لمَّا لم يَلزَمِ الأُمَّهاتِ نَفَقةُ الأولاد في حياة الآباء فالحُكم بذلك
مُستَمِّ بعد الآباء، ويُقوِّيه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي:
رِزق الأُمَّهات وكِسوَتهنَّ من أجل الرَّضاع للأبناء، فكيف يجب لهنَّ في أوَّل الآية، ويجب
عليهنَّ نَفَقةُ الأبناء في آخرها؟
وأمَّا قول قَبيصة فيَرُدّه أنَّ الوارث لفظ يَشمَلِ الوَلَدَ وغيرَه، فلا يُخَصّ به وارثٌ دون
آخر إلّا بحُجّةٍ، ولو كان الولد هو المراد لَقيل: وعلى المولود.
وأمَّا قول الحنفيَّة، فيَلزَم منه أنَّ النَّفَقة تجب على الخال لابنٍ أُخته، ولا تجب على العَمّ
لابن أخيه، وهو تفصيل لا دلالة عليه من الكتاب ولا السُّنّة ولا القياس، قاله إسماعيل
القاضي.
وأمَّا قول الحسن ومَن تابَعَه فتُعقِّبَ بقولِه تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَهِنَّ حَتَّى
يَضَعْنَ حَمْلَهُنُّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فلمَّا وجَبَ على الأب الإنفاق
على من يُرضِع ولده ليُغَذَّى ويتربَّى، فكذلك يجب عليه إذا فُطِمَ، فيُغَذّيه بالطَّعام كما كان
يُغَذّيه بالرَّضاع ما دامَ صغيراً، ولو وجَبَ مِثْلُ ذلك على الوارث لَوَجَبَ إذا ماتَ عن
الحامل أن يُلزَمِ العَصَبة بالإنفاق عليها لأجْلِ ما في بطنها، وكذا يَلزَم الحنفيَّةَ إلزامُ كلّ ذي
رَحِمٍ تَرَم.
وقال ابن المنيِّرِ: إِنَّمَا قَصَدَ البخاريّ الردّ على مَن زَعَمَ أنَّ الأُمّ يجب عليها نَفَقة ولدها
وإرضاعه بعد أبيه لدخولها في الوارث، فبيَّن أنَّ الأُمّ كانت كَلَّا على الأب واجبةَ النَّفَقة
عليه، ومَن هو كَلِّ بالأصالة لا يَقدِر على شيء غالباً كيف يَتَوجَّه عليه أن يُنفِقِ على غيره؟

٣٦٨
باب ١٥ / ح ٥٣٧١
فتح الباري بشرح البخاري
وحديث أمّ سَلَمةَ صريح في أنَّ إنفاقها على أولادها كان على سبيل الفضل والتطوُّع، فدَلَّ
على أن لا وجوبَ عليها.
وأمَّا قصَّة هند فظاهرة في سُقوط النَّفَقة عنها في حياة الأب، فيُستصحَب هذا الأصلُ
بعد وفاة الأب. وتُعقّبَ بأنَّه لا يَلزَم من السُّقوط عنها في حياة الأب السُّقوط عنها بعد
فَقْدِهِ، وإلّا فُقِدَ القيام بمصالح الولد بفَقْدِه، فيحتمل أن يكون مُراد البخاريّ من الحديث
الأوَّل، وهو حديث أمّ سَلَمَةَ في إنفاقها على أولادها، الجزء الأوَّل من التَّرجمة، وهو أنَّ
وارث الأب كالأُمِّ تَلزَمه نَفَقةُ المولود بعد موت الأب، ومن الحديث الثّاني الجزء الثّاني،
وهو أنَّه ليس على المرأة شيء عند وجود الأب، وليس فيه تَعرُّض لمَا بعد الأب، والله
أعلم.
١٥ - باب قول النبيّ وَلّ: ((من ترَكَ كلَّا أو ضَياعاً فإليّ))
٥٣٧١- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن أبي سَلَمَةَ،
عن أبي هريرةَ ﴾: أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّهِ كان يُؤْتَى بالرجلِ المتوَقَّى عليه الذَّينُ، فيَسْألُ: «هل تَرَكَ
لِدَينه فَضْلاً؟» فإن حُدِّثَ أنَّه تَرَكَ وفاءً صَلَّى، وإلّا قال للمسلمينَ: ((صَلُّوا على صاحبِكم))،
فلمَّا فَتَحَ الله عليه الفُتوحَ قال: ((أنا أوْلَى بالمؤمنينَ من أنفُسِهِم، فمَن تُوفِّيَ منَ المؤمنينَ فَتَرَكَ
دَيناً فعليَّ قَضاؤُه، ومَن تَرَكَ مالاً فِلِوَرَثَتِهِ)).
٥١٦/٩ قوله: ((باب قول النبيّ وَ له: مَن تَرَكَ كَلَّا)) بفتح الكاف والتَّشديد والتَّنوين ((أو ضَياعاً))
بفتح الضّاد المعجَمة ((فإليَّ)) بالتَّشديدِ.
ذكر فيه حديث أبي هريرة بلفظ: «فمن تُؤُلِّ من المؤمنينَ فَتَرَكَ دَيناً فعليَّ قَضاؤه، ومَن
تَرَكَ مالاً فِلِوَرَثَتِهِ))، وأمَّا لفظ التَرجمة فأورَدَه في الاستقراض (٢٣٩٨) من طريق أبي حازم
عن أبي هريرة، بلفظ: ((مَن تَرَكَ مالاً فِلِوَرَثَتِهِ، ومَن تَرَكَ كَلَّا فإلينا»، ومن طريق
عبد الرّحمن بن أبي عَمْرة عن أبي هريرة (٢٣٩٩): ((ومَن تَرَكَ دَيناً أو ضَياعاً فليأتِني، فأنا
مولاه)). والضَّيَاع تقدَّم ضبطُه وتفسيره في الكَفَالة (٢٢٩٨) وفي الاستقراض (٢٣٩٩)،

٣٦٩
باب ١٦ / ح ٥٣٧٢
كتاب النفقات
وتقدَّم شرح الحديث في الكَفَالة، وفي تفسير الأحزاب (٤٧٨١)، ويأتي بَقيَّة الكلام عليه
في كتاب الفرائض (٦٧٣١) إن شاء الله تعالی.
وأراد المصنّف بإدخاله في أبواب النَّفَقات الإشارة إلى أنَّ مَن ماتَ وله أولاد ولم يَتْرُك
لهم شيئاً فإِنَّ نَفَقَتهم تجب في بيت مال المسلمينَ، والله أعلم.
١٦ - باب المَراضع من المَواليات وغيرهنّ
٥٣٧٢- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني عُرْوقُ،
أنَّ زينبَ بنتَ أبي سَلَمَةَ أخبَرَتْه، أنَّ أَّ حبيبةَ زوج النبيِّ ◌َّ قالت: قلتُ: یا رسولَ الله، انكِحْ
أُخْتِي بنتَ أبي سفيانَ، قال: ((وتُحِيِّنَ ذلكِ؟))، قالت: قلتُ: نعم، لَسْتُ لكَ بِمُخْليةٍ، وأحَبُّ
مَن شارَكَني في الخيرِ أُخْتي، فقال: ((وإنَّ ذلكِ لا يَحِلُّ لي))، فقلتُ: يا رسولَ الله، فوالله إنّا
نَتَحدَّثُ أَنَّكَ تريدُ أن تَنكِحَ دُرّةَ بنتَ أبي سَلَمَةَ. فقال: ((بنتَ أمّ سَلَمَةَ؟))، فقلتُ: نعم. قال:
((فوالله لو لم تكن رَبِيبَتي في حَجْري ما حَلَّت لي، إنَّهَا بنتُ أخي منَ الرَّضاعةِ، أرضَعَتْني وأبا
سَلَمَ ثُوَيبةٌ، فلا تَعْرِضْنَ عليَّ بناتِكُنَّ ولا أخَواتِكُنَّ».
وقال شُعَيبٌ: عن الزُّهَرِيِّ، قال عُرْوةُ: ثَوَيبةٌ أَعتَقَها أبو لَهبِ.
قوله: ((باب المَرَاضِع من المَواليات وغَيرِهنَّ) كذا للجميع. قال ابن النِّين: ضُبطَ في روايةٍ
بضم الميم، وبفتحها في أُخرَى، والأوَّل أولى، لأَنَّه اسم فاعل من والَت تُوالي. قلت: وليس كما
قال، بل المضبوط في مُعظَم الرِّوايات بالفتح، وهو من الموالي لا من الموالاة.
وقال ابن بَطّالٍ: كان الأولى أن يقول: المَوْلَيات جمع مولاة، وأمَّا المَوَالِيات فهو جمعُ
الجمع، جَمَعَ مولى جمعَ التَّكسير، ثمَّ جَمَعَ مَوالِيَ جمعَ السَّلامة بالألفِ والتاء، فصارَ مَوَاليات.
ثُمَّ ذکر حدیث أم حبيبة في قولها: انکِحْ أُختي، وفي قوله ێ لما ذكرت له دُرّة بنت أبي
سَلَمَةَ، فقال: ((بنت أمّ سَلَمَةَ؟)) وإنَّما استَثَبَتَها في ذلك ليُرتِّب عليه الحكم، لأنَّ بنت أبي سَلَمةً من
غير أمّ سَلَمَةَ تَحِلّ له لو لم يكن أبو سَلَمَةَ رَضيعَه، لأنَّها ليست رَبِيةً، بخلاف بنت أبي سَلَمَةً من
أمّ سَلَمَةَ. وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَوَى في كتاب النِّكاح (٥١٠١).

٣٧٠
باب ١٦ / ح ٥٣٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله في آخره: ((قال شُعَيب: عن الزُّهْرِيِّ، قال عُرْوة: ثوَيبةُ أعتَقَها أبو لَبٍ)) تقدَّم هذا
التَّعليق موصولاً في جُملة الحديث الذي أشرتُ إليه في أوائل النِّكاح، وساقَ مُرسَل عُرْوة
أتمّ ممّا هنا، وتقدَّم شرحه.
وأراد بذِكْره هنا إيضاح أنَّ ثوَيبة كانت مولاةً ليُطابق التَّرجمة، ووجه إيرادها في أبواب
النَّفَقات الإشارة إلى أنَّ إرضاع الأُمّ ليس مُتَحَتّاً بل لها أن تُرضِع ولها أن تَتَنِعِ، فإذا امتَنَعَت
٥١٧/٩ كان للأب أو الوَليّ إرضاع الولد بالأجنبيَّة، حُرّةً كانت أو أَمَةً، مُتْبَرِّعةً كانت أو بأُجرةٍ،/
والأُجرة تَدخُل فِي النَّفَقة.
وقال ابن بَطّالٍ: كانت العرب تَكرَه رَضاع الإماء، وتَرغَب في رَضاع العربيَّة لنَجابة
الولد، فأعلمهم النبيّ ◌َ ﴿ أَنَّه قد رَضَعَ من غير العرب وأنجَبَ، وأنَّ رَضَاع الإماء لا
يُهَجِّنُ. انتهى، وهو معنّى حسن، إلّا أنَّه لا يفيد الجواب عن السُّؤال الذي أورَدتُّه، وكذا
قول ابن المنيِّرِ: أشارَ المصنِّف إلى أنَّ حُرْمة الرَّضاع تَنتَشِر، سواء كانت المرضِعة حُرّةً أم
أَمةً، والله أعلم.
خاتمة: اشْتَمَلَ كتاب النَّفَقات من الأحاديث المرفوعة على خمسة وعشرينَ حديثاً، المعلَّق
منها ثلاثة وجميعها مُكرَّر إلّا ثلاثة أحاديث: وهي حديث أبي هريرة: ((الساعي على الأرمَلة))،
وحديث ابن عبّاس ومعاوية في نساء قُرَيش وهما مُعلَّقان، وافَقَه مسلم على تخريج حديث
أبي هريرة دونهما.
وفيه من الآثار الموقوفة عن الصَّحابة والتابعينَ، ثلاثة آثار: أثر الحسن في أوَّله، وأثر الزُّهْريِّ
في ((الوالدات يُرضِعْنَ))، وأثر أبي هريرة المتَّصِل بحديثِ: ((أفضل الصَّدَقة ما تَرَكَ غِنَّى))
الحديث، وفيه: تقول المرأة: إمّا أن تطعمني(١) وإمّا أن تُطلِّقَني ... إلى آخره، وبيَّن في آخره أنَّه من
كلام أبي هريرة، فهو موقوف مُتَّصِل الإسناد، وهو من أفراده عن مسلم، بخلاف غالب الآثار
التي يُورِدها فإنَّهَا مُعلَّقة، والله أعلم بالصواب.
(١) تحرَّف في (س) إلى: تعطيني.

٣٧١
باب ١ / ح ٥٣٧٣-٥٣٧٥
كتاب الأطعمة
كتاب الأطعمة
١ - وقول الله تعالى:
«كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٥٧]
وقولِه: ﴿أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وقولِه: ﴿كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١].
٥٣٧٣ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن أبي موسى
الأشعَرِيِّ صُه، عن النبيِّ وَِّ قال: ((أَطْعِموا الجائعَ، وعُودُوا المريضَ، وفُُوا العانيَ)).
قال سفيانُ: والعاني: الأسِیر.
٥٣٧٤- حدَّثنا يوسُفُ بنُ عيسى، حدَّثنا محمَّدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبيه، عن أبي حازِمٍ، عن
أبي هريرةَ، قال: ما شَبِعَ آلُ محمَّدٍ وَِّ من طعامِ ثلاثةَ أيامٍ حتَّى قُبِضَ.
٥٣٧٥ - وعن أبي حازم، عن أبي هريرةَ: أصابني جَهْدٌ شديدٌ، فلَقِيتُ عمرَ بنَ الخطَّاب،
فاستَقْرَأْتُه آيةً من كتاب الله، فدَخَلَ دَارَه وفَتَحَها عليّ، فمَشَيتُ غيرَ بَعِيدٍ فخَرَرْتُ لِوَجْهي من
الجَهْدِ والجوعِ، فإذا رسولُ اللهِ وَِّ قائمٌ على رأسي، فقال: ((يا أبا هِّ))، فقلتُ: لَّكَ
رسولَ الله وسَعْدَيكَ، فأخَذَ بَيَدي فأقامَني وعَرَفَ الذي بي، فانطَلَقَ بي إلى رَحْلِهِ، فأمَرَ لِي
بِعُسِّ من لَبَنٍ فَشَرِبتُ منه، ثمَّ قال: ((عُد يا أبا هِّ))، فعُدْتُ فَشَرِبتُ، ثمّ قال: ((عُد))، فعُدْتُ
فشَرِبتُ، حتَّى استَوَى بَطْني فصارَ كالقِدْحِ.
قال: فَلَقِيتُ عمرَ وذَكَّرْتُ له الذي كان من أمري، وقلتُ له: تَولَّ ذلك مَن كان أحقَّ به
منكَ يا عمرُ، والله لقد استَقْرَأْتُكَ الآيةَ ولَأنا أقرَأُ لها منكَ، قال عمرُ: والله لَأن أكونَ أدْخَلْتُكَ
أحَبُّ إليَّ من أن يكونَ لِي مِثْلُ مُمْرِ النَّعَمِ.
[طرفاه في: ٦٢٤٦، ٦٤٥٢]

٣٧٢
باب ١ / ح ٥٣٧٣ -٥٣٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
٥١٨/٩
قوله: ((كتاب الأطعمة، وقول الله تعالى: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ الآية، وقوله:
﴿أَنْفِقُواْ مِن طَيِبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾، وقوله: ﴿كُوْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾)) كذا في
أكثر الرِّوايات في الآية الثّانية: ﴿أَنْفِقُواْ﴾ على وَفْقَ التِّلاوة، ووَقَعَ في رواية النَّسَفيِّ:
((كُلُوا)) بَدَل ﴿أَنْفِقُواْ﴾، وهكذا في بعض الرِّوايات عن أبي الوَقْت، وفي قليل من غيرها،
وعليها شَرَح ابنُ بَطّالٍ، وأنكَرَها، وتَبَعَه مَن بعده، حتَّى زَعَمَ عياض أنَّها كذلك للجميع،
ولم أرَها في رواية أبي ذرِّ إلّا على وَفْق التِّلاوة كما ذكرتُ، وكذا في نُسخة مُعتمَدة من رواية
كريمة.
ويُؤيِّد ذلك أنَّ المصنّف تَرجَمَ بهذه الآية وحدها في كتاب البيوع، فقال: ((باب قوله:
﴿أَنْفِقُواْ مِنْ طَيِبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾) كذا وَقَعَ على وفق التِّلاوة للجميع إلّ النَّسَفيّ، وعليه
شَرَح ابنُ بَطّالٍ أيضاً، وفي بعض النُّسَخ من رواية أبي الوَقْت.
وزَعَمَ عياض أيضاً أنَّه وَقَعَ للجميع: ﴿كُلُواْ﴾ إلّا لأبي ذرِّ عن المُستَمْلي، فقال:
﴿أَنْفِقُواْ ﴾، وتقدَّم هناك التَّنبيه على أنَّه وَقَعَ على الصَّواب في كتاب الزكاة، حيثُ تَرجَمَ
((باب صَدَقة الكَسْب والتِّجارة، لقولِ الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا
كَسَبْتُمْ﴾)) ولا اختلاف بين الرُّواة في ذلك، ويَحِسُنُ التَّمَسُّك به في أنَّ التَّغيير فيما عَداه
من النُّسّاخِ.
والطيِّيات جمع طيِّبة، وهي تُطلَقُ على المستَلَذّ مَمَّا لا ضَرَر فيه، وعلى النَّظيف، وعلى ما
لا أذَی فیه، وعلى الحلال.
فمن الأوَّل: قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَمْ قُلْ أُحِلَ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ﴾ [المائدة: ٤]، وهذا
هو الرَّاجح في تفسيرها، إذ لو كان المراد الحلالَ لم يَزِد الجوابُ على السُّؤال.
ومن الثّاني: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣].
ومن الثّالث: هذا يوم طيِّب وهذه ليلة طيِّية.
ومن الرَّابع: الآية الثّانية في التَّرجمة، فقد تقدَّم في تفسيرها في الزكاة أنَّ المراد بالتِّجارة الحلال.

٣٧٣
باب ١ / ح ٥٣٧٣-٥٣٧٥
كتاب الأطعمة
وجاء أيضاً ما يدلّ على أنَّ المراد بها الجَيِّد، لاقترانها بالنَّهي عن الإنفاق من الخبيث،
والمراد به الرَّديء، كذلك فَسَّرَه ابنُ عبَّاس، ووَرَدَ فيه حديثٌ مرفوعٌ ذکرتُه في ((باب
تعليق القِنْو في المسجد))(١) من أوائل الصلاة من حديث عَوف بن مالك. وأوضح منه فيما
يَتَعلَّق بهذه التَّرجمة ما أخرجه التِّرمِذيّ (٢٩٨٧) من حديث البراء قال: كنَّا أصحابَ
نَخْل، فكان الرجلُ يأتي بالقِنْوِ فيُعلِّقه في المسجد، وكان بعضُ مَن لا يَرغَب في الخير يأتي
بالقِنْوِ من الحَشَف والشِّيص فيُعلِّقه، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنِفِقُونَ ﴾
[البقرة: ٢٦٧]، فكنّا بعد ذلك يَجيء الرجلُ بصالح ما عنده. ولأبي داود(٢) من حديث
سَهل بن حُنَيف: فكان الناسُ يَتَيَمَّمون شِرارَ ثِمارِهم ثم يُخرجونها في الصَّدَقة، فنزلت
هذه الآية.
وليس بين تفسير الطِّب في هذه الآية بالحلال وبما يُستَلَذّ مُنافاةٌ، ونَظيرها قوله تعالى:
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيْبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَبِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقد جعلها الشافعيّ
أصلاً في تحريم ما تَستَخبثه العرب ممّا لم يَرِد فيه نَصّ بشرطٍ سيأتي بيانه.
وكأنَّ المصنّف حيثُ أورَدَ هذه الآيات لَمَّحَ بالحديث الذي أخرجه مسلم (١٠١٥)
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ((يا أيُّها الناسُ إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبل إلّا طيِّباً،
وإنَّ الله أمَرَ المؤمنينَ بما أمَرَ به المرسَلينَ، فقال: ﴿ يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيْبَتِ وَأَعْمَلُواْ
صَلِحً﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾))
الحديث. وهو من رواية فُضَيلِ بن مرزوق، وقد قال التِّرمِذيّ: إنَّه تفرَّد به، وهو ممَّن
انفَرَدَ مسلم بالاحتجاج به دون البخاريّ،/ وقد وثَّقه ابن مَعِين، وقال أبو حاتم: يَهم كثيراً ٥١٩/٩
ولا يُحْتَجّ به، وضَعَّفَه النَّسائيّ، وقال ابن حِبّان: كان يُخُطِئ على الثِّقات، وقال الحاكم:
عِيبَ على مسلمٍ إخراجُه. فكأنَّ الحديث لمَّا لم يكن على شرط البخاريّ اقتَصَرَ على إيراده في
(١) هو ترجمة الحديث (٤٢١).
(٢) رواية أبي داود (١٦٠٧) مختصرة ليس فيها هذا الذي ذكره الحافظ رحمه الله، وإنما جاء بهذا اللفظ عند ابن أبي
حاتم في ((تفسيره)) ٥٢٨/٢، والطبراني في ((الكبير)) (٥٥٦٦)، والحاكم ٤٠٢/١، والبيهقي ١٣٦/٤.

٣٧٤
باب ١ / ح ٥٣٧٣-٥٣٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
التَّرجمة. قال ابن بَطّالٍ: لم يختلف أهلُ التَّأويل في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُخَزِّمُواْ
طَيِّبَتِ مَآ أَحَّ اللّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، أنَّها نزلت فيمَن حَرَّمَ على نفسه لَذيذَ الطَّعام واللَّذّات
المباحة.
ثمَّ ذكر المصنّف ثلاثة أحاديث تتعلَّق بالجوع والشِّبَع:
الأول: حديث أبي موسى.
قوله: ((أطْعِموا الجائع، وعودوا المريض)) الحديث تقدَّم في الوليمة من كتاب النكاح
(٥١٧٤) بلفظ: ((أجيبُوا الدّاعي)) بَدَل: ((أطعِموا الجائع)) وَخَرَجُهما واحد، وكأنَّ بعض
الرُّواة حَفِظَ ما لم يحفظِ الآخَر. قال الكِرْمانيُّ: الأمر هنا للنَّذْب، وقد يكون واجباً في بعض
الأحوال. انتهى، ويُؤخَذ من الأمر بإطعام الجائع جواز الشِّبَع، لأنَّه ما دامَ قبل الشِّبَع
فصِفَة الجوع قائمة به، والأمر بإطعامه مُستَمِرٌ.
قوله: ((وفُّوا العانيَ)) أي: خَلِّصوا الأسير، مِن فَكَكْتُ الشَّيء فانفَكَّ.
قوله: ((قال سُفْيان: والعاني: الأسير)) تقدَّم بيان مَن أدرَجَه في النِّكاح(١)، وقيل للأسير:
عانٍ، مَن عَنا يَعنُو: إذا خَضَعَ.
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة.
قوله: ((ما شَبعَ أَلُّ محمَّدٍ من طعام ثلاثة أيام حتَّى قُبضَ)) في رواية مسلم (٣٣/٢٩٧٦)
من طريق يزيد بن كَيْسانَ عن أبي حازم بلفظ: ما شَبعَ محمَّد وأهله ثلاثة أيام تِباعاً. أي:
مُتَوالية. وسيأتي بعد هذا من حديث عائشة التَّقييد أيضاً بثلاثٍ، لكن فيه: من خُبز البُّ،
وعند مسلم (٢٩٧٠/ ٢٠): ثلاث ليالٍ، ويُؤخَذ منها أنَّ المراد بالأيام هنا بلياليها، كما أنَّ
المراد باللَّيالي هناك بأيامها، وأنَّ الشِّبَع المنفيّ بقَيدِ التَّوالي لا مُطلَقاً.
ولمسلم (٢٩٧٠/ ٢٢) والتِّرمِذيّ (٢٣٥٧) من طريق الأسوَد عن عائشة: ما شَبعَ من
خُبز شَعيرٍ يومينٍ مُتَتابعينٍ. ويُؤْخَذ مقصوده من جواز الشِّبَع في الجملة من المفهوم. والذي
(١) بل في الجهاد عند الحديث رقم (٣٠٤٦).

٣٧٥
باب ١ / ح ٥٣٧٥
كتاب الأطعمة
يظهر أنَّ سبب عَدَم شِبَعهم غالباً كان بسبب قِلّة الشَّيء عندهم، على أنَهم كانوا قد يَجِدونَ ولكن
يُؤثِرونَ على أنفُسِهم، وسيأتي بعد هذا (٥٤١٤) وفي الرِّقاق أيضاً (١) من وجه آخر عن أبي
هريرة: خَرَجَ النبيّ ◌َله من الدُّنيا ولم يَشَبَع من خُبز الشَّعير. ويأتي بسطُ القول في شرحه في
كتاب الرِّقاق إن شاء الله تعالى.
الحديث الثالث: قوله: «وعن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: أصابني جَهْد شدید» هو
موصول بالإسناد الذي قبله.
وذكر مُحدِّث الدّيار الحَلَبيَّةِ بُرهان الدّين أنَّ شيخنا الشَّيخ سِراج الدّين البُلْقِينِيَّ
اسْتَشكَلَ هذا التَّركيب، وقال: قوله: وعن أبي حازِم، لا يَصِحّ عَطفه على قوله: عن أبيه، لأنَّه
يَلْزَم منه إسقاطُ فُضَيلٍ فيكون مُنقَطِعاً إذ يصير التَّقدير: عن أبيه وعن أبي حازم، قال: ولا
يَصِحّ عَطفه على قوله: وعن أبي حازم، لأنَّ المحدِّث الذي لم يُعيَّن هو محمَّد بنُ فُضَيلٍ، فَيَلْزَم
الانقطاع أيضاً. قال: وكان اللائق أن يقول: وبه إلى أبي حازم، انتھی.
وكأنَّه تَلَقَّفَه من شيخِنا في مَجَلِسٍ بسماعِه للبخاريّ، وإلّا فلم يُسمَع بأنَّ الشَّيخ شَرَحَ
هذا الموضع، والأوَّل مُسَلَّم، والثّاني مردودٌ، لأنَّه لا مانع من عَطف الراوي لحديثٍ على
الراوي بعينه لحديثٍ آخرَ، فكأنَّ يوسف قال: حدَّثنا محمَّد بن فُضَيلِ عن أبيه عن أبي حازِم،
بکذا، وعن أبي حازم بكذا، واللّائق الذي ذكره صحیح، لكنَّه لا يَتَعَّن، بل لو قال: وبه إلى
أبيه عن أبي حازِمٍ، لَصَحَّ، أو حَذَفَ قوله: عن أبيه، فقال: وبه عن أبي حازِمِ، لَصَحَّ، وحينئذٍ
تكون (به)) مُقدَّرة والمقدَّر في حُكم الملفوظ. وأوضَح منه أنَّ قوله: وعن أبي حازم، معطوف على
قوله: حدَّثنا محمّد بن فُضَيلِ .. إلى آخره، فحَذَفَ ما بينهما للعِلمِ به.
وزَعَمَ بعضُ الشُّرَاحِ أنَّ هذا مُعلَّقٌ، وليس كما قال، فقد أخرجه أبو يَعْلى (٦١٧٣) عن
عبد الله بن عمر بن أبانَ عن محمَّد بن فُضَيلِ بسند البخاريّ فيه، فظَهَرَ أنَّه معطوف على السَّنَد
المذكور كما قلتُه أوَّلاً، ولله الحمد.
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، فأوهم أنَّ الحديث سيأتي عند البخاري في الرقاق. وليس الأمر كذلك، لكن سيتكلم
الحافظ هناك عند شرح حديث عائشة برقم (٦٤٥٤) عن هذا الأمر، ويشير إلى حديث أبي هريرة هذا.

٣٧٦
باب ١ / ح ٥٣٧٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أصابني جَهْد شديد) أي: من الجوع. والجَهد تقدَّم أنَّه بالضَّمِّ وبالفتح بمعنّى،
٥٢٠/٩ والمراد / به المشَقّة، وهو في كلِّ شيءٍ بحَسَبه.
قوله: («فاستَقْرَأْته آيةً» أي: سألته أن يقرأ عليَّ آيةً من القرآن مُعيَّنَةً على طريق الاستفادة، وفي
غالب النُّسَخِ: فاستَقَرَيْتُه، بغير همزة، وهو جائز على التَّسهيل وإن كان أصله الهمز.
قوله: ((فَدَخَلَ دارَه وفَتَحَها عليَّ) أي: قرأها عليَّ وأفهَمَني إيّاها. ووَقَعَ في ترجمة أبي
هريرة في ((الحِلية)) لأبي نُعَيم (١ / ٣٧٨) من وجهٍ آخر عن أبي هريرة أنَّ الآية المذكورة من
سورة آل عمران، وفيه: فقلت له: أقرِئني، وأنا لا أُريدُ القراءة، إنَّمَا أُريدُ الإطعام. وكأنَّه سَهَّلَ
الهمزة، فلم يَفطُن عمر لمُرادِه.
قوله: ((فخَرَرْت لَوَجْهي من الجَهْد)) أي: الذي أشارَ إليه أوَّلاً، وهو شِدّة الجوع. ووَقَعَ في
الرِّواية التي في ((الحِلية)): أنَّه كان يومَئذٍ صائماً، وأنَّه لم يَجِد ما يُفطِرِ عليه.
قوله: ((فأمَرَ لي بعُسِّ)) بضمِّ العين المهمَلة بعدها مُهمَلة: هو القَدَح الكبير.
قوله: ((حتَّى استَوَى بَطْني)) أي: استَقَامَ من امتلائه من اللَّبَن.
قوله: ((كالقِذْح)) بكسرِ القاف وسكون الدّال بعدها حاء مُهمَلة: هو السَّهم الذي لا ريش
له. وسيأتي لأبي هريرة قصّة في شُرب اللَّبَن مُطوَّلة في كتاب الرِّقاق (٦٤٥٢)، وفيها أنَّه
قال: ((اشرَب)) فقال: لا أجِد له مَساغاً(١).
ويُستَفاد منه جواز الشِّبَع ولو ◌ُلَ المراد بنفي المَساغ على ما جَرَت به عادته، لا أنَّه
أراد أنَّه زاد على الشِّبَع، والله أعلم.
تنبيه: ذكر لي ◌ُحَدِّث الدّيارِ الْحَلَبِيَّةَ بُرهانُ الدّين أنَّ شيخنا سِراج الدّين البُلْقِينيَّ قال: ليس
في هذه الأحاديث الثلاثة ما يدلّ على الأطعمة المترجم عليها المتلوّ فيها الآيات المذكورة، قلت:
وهو ظاهر إذا كان المراد مُجرَّدَ ذِكْر أنواع الأطعمة، أمَّا إذا كان المراد بها ذلك وما يَتَعلَّق به
من أحوالها وصفاتها، فالمناسبة ظاهرة، لأنَّ من ◌ُملة أحوالها الناشئة عنها الشِّبَع والجوع، ومن
(١) لفظه في الرقاق: ما أجدُ له مسلكاً. دون خلاف بين رُواة البخاري.

٣٧٧
باب ١ / ح ٥٣٧٥
كتاب الأطعمة
جُملة صفاتها الِحِلّ والحُرْمة والمستَلَذّ والمُستَخَبَث، ومَّا يَنشَأ عنها الإطعام وتَركه، وكلّ ذلك
ظاهر من الأحاديث الثلاثة.
وأمَّا الآيات فإنَّهَا تَضَمَّنَت الإذن في تَناوُل الطيِّبات، فكأنَّه أشارَ بالأحاديثِ إلى أنَّ
ذلك لا يَخْتَصّ بنوعٍ من الحلال، ولا المستَلَذّ، ولا بحالة الشِّبَع، ولا بسَدِّ الرَّمَق، بل بتناوُلِ ذلك
بِحَسَب الوجدان وبحَسَب الحاجة، والله أعلم.
قوله: ((تَوَلَّى ذلك)) أي: باشَرَه من إشباعي ودَفْع الجوع عنِّي رسولُ الله ◌ِوَلَه. وحكى
الكِرْمانيُّ أنَّ في رواية: تَوَلَّى اللهُ ذلك. قال: و((مَن)) على هذا مفعول، وعلى الأوَّل فاعل.
انتهى، ويكون («تَوَلَّ)» على الثّاني بمعنی وَليَ(١).
قوله: ((وَلَأنا أقرَأْ لها مِنْك)) فيه إشعار بأنَّ عمر لمَّا قرأها عليه تَوَقَّفَ فيها، أو في شيء منها
حتَّى ساغَ لأبي هريرة ما قال، ولذلك أقَرَّه عمر على قوله.
قوله: ((أدْخَلْتُك)) أي: الدّار، وأطعَمتُك.
قوله: ((مُمْرِ النَّعَم)) أي: الإبل، ولِلحُمْرِ منها فضل على غيرها من أنواعها. وقد تقدَّم في
المناقب البحث في تخصيصها بالذِّكرِ والمراد به.
وتقدَّم من وجه آخر عن أبي هريرة (٣٧٠٨): كنتُ أستَقِرِئ الرجلَ الآية وهي معي کَي
يَنْقَلِب معي فيُطْعِمني. قال ابن بَطّالٍ: فيه أنَّه كان من عادتهم إذا استقرأ أحدُهم صاحبَه القرآن
أن يَجِمِله إلى مَنِزِلِه ويُطعِمه ما تيسّر، ويُحمَل ما وَقَعَ من عمر على أنَّه كان له شُغلٌ عاقَه عن
ذلك، أو لم يكن عنده ما يُطعِمه حينئذٍ. انتهى، ويُعِد الأخيرَ تأشُّف عمر على فَوت ذلك.
وذكر لي مُحَدِّث الدّيارِ الحَلَبيَّةِ أنَّ شيخنا سِراجَ الدّين البُلْقِينِيَّ اسْتَبَعَدَ قولَ أبي هريرة
لعمر: لَأنا أقرأ لها مِنك يا عمر، من وجهَينِ: أحدهما: مَهابة عمر، والثّاني: عَدَم اطِّلاع أبي
هريرة على أنَّ عمر لم یکن یقرؤُها مِثله.
(١) كذا نقل الحافظ عن الكرماني، ولم يُصِب في نقله رحمه الله، لأنَّ الرواية التي أشار إليها الكرماني في
(شرحه) ٢٠/٢٠ هي: ((فولي ذلك)) لا ((تولى الله ذلك))، وقال الكرماني موجهاً لها: ((فولي)) من التولية،
والفاعل هو الله تعالى، و((من هو)) مفعول، وعليه فتوجيه الحافظ للفعل بأنه بمعنى ولي، لا حاجة إليه.

٣٧٨
باب ٢ / ح ٥٣٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: عَجِبت من هذا الاعتراض، فإنَّه يَتَضَمَّن الطَّعن على بعضِ رواة الحديث
المذكور بالغَلَطِ معَ وُضوح تَوجِيهه، أمَّا الأوَّل: فإنَّ أبا هريرة خاطَبَ عمر بذلك في حياة
النبيّ وَّةِ، وفي حالةٍ كان عمر فيها في صورة الخَجلان منه فجَسَرَ عليه، وأمَّا الثاني:
فيُعكس ويقال: وما كان أبو هريرة ليقولَ ذلك إلّا بعد اطلاعه، فلعلَّه سمعَها من لفظ
رسول الله وَ لّ حين أُنزِلَت، وما سمعَها عمر مثلاً إلّ بواسطةٍ.
٢ - باب التّسميةِ على الطَّعام، والأكل باليمين
٥٣٧٦ - حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، أخبرنا سفيانُ، قال: الوليدُ بنُ كَثير أخبرني، أنَّه سمعَ
وَهْبَ بِنَ كَيْسانَ، أَنَّه سمعَ عمرَ بنَ أبي سَلَمَةَ يقول: كنتُ غلاماً في حَجْرِ رسولِ اللهِّه
وكانت يَدِي تَطِيشُ في الصَّحْفِةِ، فقال لي رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يا غلامُ، سَمِّ اللهَ، وكُل بَيَمِينِكَ،
وكُل ◌ِمَّا يَلِيكَ)). فما زالَت تلكَ طِعْمَتِي بَعْدُ.
[طرفاه في: ٥٣٧٧، ٥٣٧٨]
٥ قوله: ((باب التَّسْمية على الطَّعام، والأكل باليمين)) المراد بالتَّسمية على الطَّعام قول:
باسمِ الله في ابتداء الأكل، وأصرَح ما وَرَدَ في صِفَة التَّسمية ما أخرجه أبو داود (٣٧٦٧)
والتِّرمِذيّ (١٨٥٨) من طريق أمّ كُلثوم عن عائشة مرفوعاً: ((إذا أكَلَ أحدُكم طعاماً
فليَقُل: باسم الله، فإن نَسميَ في أوَّله فليقل: باسم الله في أوَّله وآخره). وله شاهد من حديث
أُمَيَّة بن تَخَشِيٍّ عند أبي داود (٣٧٦٨) والنَّسائيِّ (ك٦٧٢٥)، وأمَّا قول النَّوَويّ في أدب
الأكل من ((الأذكار): صِفَة التَّسمية من أهمّ ما ينبغي مَعرِفَته، والأفضل أن يقول: باسمِ الله
الرَّحمن الرحيم، فإن قال: باسمِ الله، كَفاه وحَصَلَت السُّنّة. فلم أرَ لمَا اذَّعاه من الأفضليَّة
دليلاً خاصّاً، وأمَّا ما ذكره الغَزاليّ في آداب الأكل من ((الإحياء)): أنَّه لو قال في كلّ لُقمة:
باسمِ الله كان حسناً، وأنَّه يُستَحَبّ أن يقول معَ الأولى: باسمِ الله، ومع الثّانية باسمِ الله
الرَّحمن، ومع الثالثة: باسم الله الرحمن الرحيم، فلم أرَ لاستحباب ذلك دليلاً، والتكرار قد بيَّن
هو وجهه بقولِه: حتَّى لا يشغله الأكل عن ذِكْر الله.

٣٧٩
باب ٢ / ح ٥٣٧٦
كتاب الأطعمة
وأمَّا قوله: ((والأكل باليمين)) فيأتي البحث فيه، وهو يَتَنَاوَل مَن يَتَعَاطَى ذلك بنفسِه، وكذا
بغيره بأن يحتاج إلى أن يُلقِمَه غيرُه، ولكنَّه بيمينه لا بشِماله.
قوله: ((أخبَرَنا سُفْيان، قال: الوليد بن كَثير أخبَرَني)) كذا وَقَعَ هنا، وهو من تأخير
الصّيغة عن الراوي، وهو جائز. وقد أخرجه الحُميديّ في «مُسنَده)) (٥٧٠)، وأبو نُعَيم في
(المستخرَج)) من طريقه عن سفيان قال: حدَّثنا الوليد بن كثير. وأخرجه الإسماعيليّ من
رواية محمَّد بن خَلّاد عن سفيان عن الوليد بالعَنعَنة، ثمَّ قال آخره: فسألوه عن إسناده،
فقال: حدَّثني الوليد بن كثير. ولعلَّ هذا هو السّرّ في سياق عليّ بن عبد الله له على هذه
الكيفيّة.
ولِسفيان بن عُيَينة في هذا الحديث سندٌ آخر أخرجه النَّسائيُّ (ك١٠٠٣٢) عن محمّد بن
منصور، وابن ماجه (٣٢٦٥) عن محمَّد بن الصَّاح، كلاهما عن سفيان عن هشام عن أبيه
عن عمر بن أبي سَلَمةَ. وقد اختُلِفَ على هشام في سنده، فكأنَّ البخاريّ عَرَّجَ عن هذه
الطَّريق لذلك.
قوله: ((عمر بن أبي سَلَمَةَ)) أي: ابن عبد الأسَد بن هلال بن عبد الله بن عُمر بن مخزوم،
واسم أبي سَلَمَةَ عبد الله، وأُمّ عمر المذكورة هي أمّ سَلَمَةَ زوج النبيّ ◌َّهِ، ولذلك جاء في
آخر الباب الذي يليه وصفُه بأنَّه رَبِيب النبيّ ◌َّهِ.
قوله: ((كنت غُلاماً) أي: دون البلوغ، يقال للصَّبيِّ من حين يولد إلى أن يَبلُغ الحُلُم:
غلام. وقد ذكر ابن عبد البَرّ أنَّه وُلِدَ في السَّنة الثّانية من الهجرة إلى المدينة بأرضِ الحَبَشة،
وتَبعَه غير واحد. وفيه نظر، بل الصَّواب أنَّه وُلِدَ قبل ذلك، فقد صَحَّ في حديث عبد الله
ابن الزُّبَير أنَّه قال: كنت أنا وعمر بن أبي سَلَمَةَ مع النِّسوة يوم الخندق، وكان أكبر منِّي
بسنتَيْنِ. انتَهَى (١)، ومَولِد ابن الزّبَير في السَّنة الأولى على الصَّحیح، فیکون مولِد عمر قبل
الهجرة بسنتَينِ.
(١) سلف برقم (٣٧٢٠)، وأخرجه مسلم (٢٤١٦)، لکن لیس فیه عندهما أنه كان أكبر منه بسنتین، وإنما
هو عند الزبير بن بكار، كما في ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر ٤٣٢/١٢.

٣٨٠
باب ٢ / ح ٥٣٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((في حَجْر رسول الله وَّ)) بفتح الحاء المهمَلة وسكون الجيم، أي: في تَربيته وتحت
نظره وأنَّه يُرَبّيه في حِضنِهِ تَربية الولد. قال عياض: الحَجر يُطلَق على الحِضْن وعلى الثَّوب،
فيجوز فيه الفتح والكسر، وإذا أُريدَ به معنى الحضانة فبالفتح لا غیر، فإن أُريدَ به المنع من
٥٢٢/٩ التَّصَرُّف فبالفتح في المصدَر، وبالكسرِ / في الاسم لا غير.
قوله: ((وكانت يَدي تَطيش في الصَّحْفة)) أي: عند الأكل، ومعنى تَطيش، وهو بالطاءِ المهمَلة
والشّين المعجمة بوزنِ تَطير: تَتَحرَّك فتَميل إلى نواحي القَصْعة، ولا تَقْتَصِر على موضع
واحد. قاله الطِّييُّ، قال: والأصل: أطيشُ بَيَدَي، فأسنَدَ الطَّيشَ إلى يده مُبالَغة. وقال غيره:
معنى تَطيش: تَّخِفّ وتُسرع. وسيأتي في الباب الذي يليه بلفظ: أكَلتُ معَ النبيّ ◌َلّ طعاماً
فجَعَلت آكُل من نواحي الصَّحْفة. وهو يُفسِّر المراد، والصَّحْفة: ما تُشبع خمسة ونحوها، وهي
أكبر من القَصْعة.
ووَقَعَ في رواية التِّمِذيّ (١٨٥٧) من طريق عُرْوة: عن عمر بن أبي سَلَمةَ: أنَّه دَخَلَ
على رسول الله وَ﴿ وعنده طعام، فقال: ((اذنُ يا بُنيّ)) ويأتي في الرّواية التي في آخر الباب الذي
يليه: أتِيّ النبيّ ◌َلَه بطعامِ وعنده رَبيبُه. والجمع بينهما أنَّ مَجَيء الطَّعام وافَقَ دُخوله.
قوله: ((يا غلام، سَمِّ الله)) قال النَّوَويّ: أجمَعَ العلماء على استحباب التَّسمية على الطَّعام
في أوَّله. وفي نقل الإجماع على الاستحباب نظر، إلّا إن أُريدَ بالاستحباب أنَّه راجحُ الفِعل،
وإلّا فقد ذهب جماعة إلى وجوب ذلك، وهو قضيَّةُ القول بإيجاب الأكل باليمين، لأنَّ صيغة
الأمر بالجميع واحدة.
قوله: ((وكُل بيمينك وعمّا(١) يَليك)) قال شيخنا في ((شرح التِّرمِذيّ)): حَمَلَه أكثر الشافعيَّة
على النَّدْب، وبه جَزَمَ الغَزاليّ ثمَّ النَّوَويّ، لكن نَصَّ الشافعيّ في ((الرّسالة)) وفي موضع آخر
من «الأُمّ) على الوجوب.
(١) كذا في الأصول و(س)، مع أنَّ الذي في اليونينية و ((إرشاد الساري)) دون حكاية خلاف بين رواة البخاري:
وكل مما يليك. بإعادة الفعل.