Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ باب ٤٨ / ح ٥٣٤١ كتاب الطلاق 93 ٤٨ - باب القُسْط للحادّة عند الطّهر ٥٣٤١ - حدَّثني عبدُ الله بنُ عبدِ الوهَّاب، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن حفصةَ، عن أمِّ عَطِيَّةً، قالت: كنَّا نُنْهَى أن نُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ إلّا على زوجٍ: أربعةَ أشهُرٍ وعَشْراً، ولا نَكْتَحِلَ، ولا نَطَّيَّبَ، ولا نَلْبَسَ ثَوْباً مصبوغاً إلّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وقد رُخِّصَ لنا عندَ الُّهْرِ إذا اغتَسَلَت إحْدانا من تَحِيضِها في نُبْذَةٍ من كُسْتِ أَظْفارٍ، وكنّا نُنْهَى عن اتِّباع الجنائزِ. قوله: ((باب القُسْط للحادّةِ عند الطُّهْر)) أي: عند طُهرها من المَحيض إذا كانت مَمَّن تَحيض. قوله: ((كنَّا نُنْهَى)) بضمِّ أوَّله، وقد صَرَّحَ برَفعِه في الباب الذي بعده. قوله: ((ولا نَلْبَس ثَوْباً مَصْبوغاً إلّا ثَوْبِ عَصْب)» بمُهمَلَتَينِ مفتوحة ثمَّ ساكنة ثمَّ موحّدة، وهو بالإضافة: وهي بُرود اليمن يُعصَب غَزْلها، أي: يُربَط ثمَّ يُصبَغ ثمَّ يُنسَجِ مَعصُوباً، فَيَخرُج مُوَشَّى لِبَقَاءِ ما عُصِبَ منه أبيضَ لم يَنصَبغ، وإِنَّا يُعصَب السَّدَى دون اللُّحْمة. وقال صاحب (المنتَهَى)): العَصْب: هو المفتُول من بُرود اليمن. وذكر أبو موسى المدينيّ في ((ذَيل الغريب)) عن بعض أهل اليمن: أنَّه من دابّة بحريَّة تُسمَّى فَرَس فِرْ عَون يُتَّخَذُ منها الخَرَز وغيرُه ويكون أبيضَ. وهذا غريب، وأغرَبُ منه قولُ السُّهَيليّ: إِنَّه نَبات لا يَنْبُت إلّا باليمن، وعزاه لأبي حنيفة الدِّينَوَريّ، وأغرَب منه قول الدّاووديّ: المراد بالثَّوب العَصْب: الْخَضِرة وهي الحِبَرَة، وليس له سَلَف في أنَّ العَصْب: الأخضرُ. قال ابن المنذر: أجَمَعَ العلماء على أنَّه لا يجوز للحادّة لُبس الثّياب المعَصفَرة ولا المصبَّغة، إلّا ما صُبِغَ بسوادٍ فَرَخَّصَ فيه مالكٌ والشافعيّ، لگونِه لا يُتَّخَذ للزّینة بل هو من لباس الحُزْن، وكَرِهَ عُرْوة العَصْبَ أيضاً، وكَرِهَ مالكٌ غَليظَه. قال النَّوَويّ: الأصحّ عند أصحابنا تحريمه مُطلَقاً، وهذا الحديث حُجّة لمن أجازَه. وقال ابن دقيق العيد: يُؤْخَذ من مفهوم الحديث جوازُ ما ليس بمصبوغ: وهي الثّيابُ البيض، ومَنَعَ بعض المالكيَّة المرتَفِع منها الذي يُتَزَّيَّن به، وكذلك الأسوَد إذا كان ممّاً يُتَزَيَّن به، قال النَّوَويّ: وَرَخَّصَ أصحابنا فيما لا يُتَزَيَّن به ولو كان مصبوغاً. ٣٢٢ باب ٤٨ / ح ٥٣٤١ فتح الباري بشرح البخاري واختُلِفَ في الحرير، فالأصحّ عند الشافعيّة مَنعُه مُطلَقاً مصبوغاً أو غير مصبوغ، لأنَّه أُبِيحَ للنِّساءِ للتَّزُّنِ به، والحادّةُ ممنوعة من التَّزيُّن فكان في حَقّها کالرِّجال. وفي التَّحَلّي بالذَّهَب والفِضّة وباللُّؤْلُؤِ ونحوِه وجهان: الأصحّ جوازُه، وفيه نظرٌ من جهة المعنى في المقصود بلُبسِه، وفي المقصود بالإِحداد، فإنَّه عند تأمُّلها يَتَرَجَّح المنعُ، والله أعلم. قوله: ((وقد رُخِّصَ لنا)) بضمِّ أوَّله أيضاً، وقد صَرَّحَ برفعِه في الباب الذي بعده. قوله: ((عند الطَّهْر إذا اغتَسَلَت إحدانا من تحيضها» في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((حَيْضها» وفي الذي بعده: ((ولا تَسّ طيباً إلّا أدنَى طُهرها إذا طَهُرَت)) . قوله: ((في نُبْذَة)) بضمِّ النُّون وسكون الموحّدة بعدها مُعجَمة، أي: قِطعة، وتُطلَق على الشَّيء الیسیر. قوله: ((من كُسْت أَظْفار)) كذا فيه بالكاف وبالإضافة، وفي الذي بعده: ((من قُسْطٍ وَأَظْفارٍ)) بقافٍ وواوٍ عاطِفةٍ، وهو أوجَه، وخَطَّأ عياضٌ الأوَّلَ، وقد تقدَّم بيانه في كتاب الحيض (٣١٣). وقال بعده: (قال أبو عبد الله)) وهو البخاريّ ((القُسْط والكُسْت مِثل الكافور ٤٩٢/٩ والقافور))(١)، أي: يجوز في كلٍّ منهما الكاف والقاف،/ وزاد: القُسط، أنَّه يقال بالتاءِ المثنّاة بَدَل الطاء، فأراد المِئليَّة في الحرف الأوَّل فقط. قال النَّوَويّ: القُسْط والأَظفار نوعان معروفان من البَخُور، وليسا من مقصود الطِّيب، رُخِّصَ فيه للمُغتَسِلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تَتَبَعُ به أَثر الدَّم لا للطِّيب. قلت: المقصود من التطيُّب بهما أن يُخْلَطا في أجزاءٍ أُخَرَ من غيرهما ثمَّ تُسحَق فتصير طِيباً، والمقصود بهما هنا كما قال الشَّيخ: أن تَتَّبَعَ بهما أَثْرَ الدَّم لإزالة الرَّائحة لا للتطيُّب. وزَعَمَ الدّاووديّ أنَّ المراد أنَّها تَسحَق القُسط وتُلقيه في الماء آخِرِ غُسلها لتذهبَ رائحة الحيض، ورَدَّه عياض بأنَّ ظاهر الحديث يأْباهُ، وأنَّه لا يَحصُل منه رائحة طيِّة إلّا من التَّبخُّر به. کذا قال، وفيه نظرٌ. (١) وقع قوله هذا في الباب التالي بعد الحديثين التاليين. ٣٢٣ باب ٤٩ / ح ٥٣٤٢ - ٥٣٤٤ كتاب الطلاق واستُدِلَّ به على جواز استعمال ما فيه مَنفَعة لها من جِنس ما مُنِعَت منه، إذا لم يكن للتَّزُّنِ أو التطيُّب كالتَّدَهُّنِ بالزَّيتِ في شعر الرّأس أو غيره. ٤٩- باب تلبس الحادّة ثيابَ العَصْب ٥٣٤٢ - حدَّثنا الفَضْلُ بنُ دُكَينٍ، حدَّثنا عبدُ السَّلامِ بنُ حَرْبٍ، عن هشامِ، عن حفصةً، عن أُمِّ عَطِيَّةَ، قالتَ: قال النبيُّ ◌َّ: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ أن تُحِدَّ فوقَ ثلاثٍ إلّا على زوجٍ، فإنَّهَا لا تَكْتَحِلُ، ولا تَلْبَسُ ثَوْباً مصبوغاً إلّا ثَوْبَ عَصْبٍ)). ٥٣٤٣ - وقال الأنصاريُّ: حدَّثنا هشامٌ، حدَّثْنَا حَفْصةُ، حدَّثْنِي أمُّ عَطِيَّةَ: نَهَى النبيُّ ◌َ ٠ صَلى الله ((ولا تَمَسَّ طِيباً إلّا أَدْنَى طُهْرِها إذا طَهُرَت، نُبْذةً من قُسْطٍ وَأَظْفارٍ)). قال أبو عَبد الله: القُسْطُ والكُسْتُ مثلُ: الكافُورِ والقافُورِ. ٥٣٤٤- حدَّثْنا محمّدُ بنُ کَثیر، عن سفیانَ، عن عبدِ الله بنِ أبي بکرِ بنِ عَمْرو بنٍ حَزْم، حذَّثني مُميدُ بنُ نافعٍ، عن زينبَ بنتٍ أبي سَلَمَةَ، عن أمِّ حَبيبةَ بنتِ أبي سفيانَ: لَّا جاءها نَعِيُّ أبِيها دَعَت بطِيبٍ فَمَسَحَت ذِراعَيها، وقالت: ما لي بالطِّيبِ من حاجةٍ، لولا أنّي سمعتُ النبيَّ وَّ يقول: ((لا يَحِلُّ لا مرأةٍتُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ تُخِذُّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلّا على زوجٍ أربعةَ أشهُرٍ وعَشْراً). قوله: ((باب تَلْبَس الحادّة ثيابَ العَصْب)) ذكر فيه حديث أمّ عَطيَّة مُصرَّحاً برفعِه، وزاد في أوَّله: ((لا يَحِلّ لامرأةٍ)) الحديث، مِثل حديث أمّ حبيبة الماضي قبله (٥٣٣٩)، وزاد بعد قوله: ((إلّا على زوج): «فإنَّهَا لا تَكتَحِل ولا تَلبس ثوباً مصبوغاً إلّا ثوب عَصْب)»، وقد تقدَّم شرحه في الذي قبله، ووَقَعَ فيه: ((فوقَ ثلاث)) وتقدَّم في حديث أمّ حبيبة في الطَّريق الأُولى (٥٣٣٤): ((ثلاث لَيَالٍ)) وفي الطَّريق الثّانية (٥٣٣٩): ((ثلاثة أيام)) وجُمعَ بإرادة اللَّيالي بأيامها، ويُحمَل المطلَق هنا على المقَيّد الأوَّل ولذلك أنَّثَ، وهو محمولٌ أيضاً على أنَّ المراد: ثلاثُ لَيَالٍ بأيامها، وذهب الأوزاعيُّ إلى أنَّها تُحِدُّ ثلاث ليالٍ فقط، فإن ماتَ في أوَّل اللَّيل أقلَعَت في أوَّل اليوم الثّالث، وإن ماتَ في أثناء اللَّيل أو في أوَّل النَّهار أو في أثنائه لم تُقلِع إلّا في صبيحة اليوم الرَّابع، ولا تَلْفيق. ٣٢٤ باب ٥٠ / ح ٥٣٤٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال الأنصاريّ)) هو محمَّد بن عبد الله بن المثنَّى شيخ البخاريّ، وقد أخرج عنه الكثيرَ بواسطةٍ وبلا واسطةٍ، وهشامٌ: هو الدَّستُوائيّ المذكور في الذي قبله(١). قوله: (نَهَى النبيُّ ◌َلَه ولا تَمَسّ طيباً)) كذا أورَدَه مختصراً، وهو في الأصل مِثل الحديث الذي قبله، وقد وَصَلَه البيهقيُّ (٤٣٩/٧) من طريق أبي حاتم الرَّازيّ عن الأنصاريّ بلفظ: أنَّ رسول الله وَ﴿ نَهَى أن تُجِدّ المرأة فوق ثلاثة أيام، إلّا على زوج فإنَّهَا تُحِدّ عليه أربعة أشهُر وعشراً، ولا تَلبَس ثوباً مصبوغاً إلّا ثوبَ عَصْبٍ، ولا تَكتَحِل، ولا تَمَسّ طِيباً. قوله: ((إلّا أدْنَى طُهْرها)) أي: عند قُرب طُهْرها أو أقلّ طُهرها، وقد تقدَّم شرحه قبلُ (٥٣٤١). ثمَّذکر المصنّف حدیث أمّ حبيبة من طريق سفیان- وهو الثّوريّ-عن عبد الله بن أبي بكر- وهو ابن محمّد بن عَمْرو بن حَزْم شيخ مالك فيه - وقد مَضَى شرحه أيضاً (٥٣٣٤). ٤٩٣/٩ ٥٠ - بابٌ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ إلى قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾ ٥٣٤٥- حذَّثني إسحاقُ بنُ منصورٍ، أخبَرَنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ، حدَّثْنَا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحِ، عن مجاهدٍ ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] قال: كانت هذه العِدّةُ، تَعْتَدُّ عندَ أهلِ زوجِها واجباً، فأنزلَ الله: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِم مَّتَدعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِ أَنْفُسِهِرَ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، قال: جَعَلَ اللهُ لهَا تَمَامَ السَّنةِ سبعةَ أشهُرٍ وعِشْرِينَ ليلةً وصِيَّةً، إن شاءَت سَكَنَت في وصِيَّتِها، وإن شاءَت خَرَجَت، وهو قولُ الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، فالعِدّةُ كما هي واجبٌ عليها. زَعَمَ ذلك عن مجاهدٍ. وقال عطاءً: قال ابنُ عبَّاسٍ: نَسَخَت هذه الآيةُ عِدَّتَها عندَ أهلِها، فتَعْتَدُّ حَيثُ شاءَت، وقولُ الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾. (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو ذهولٌ منه، فإن هشاماً هذا: هو ابن حسّان القُردُوسي، وقد سلف أن نَسَبَه البخاريُّ ياثر الحديث (٣١٣). ٣٢٥ باب ٥٠ / ح ٥٣٤٥ كتاب الطلاق وقال عطاءٌ: إن شاءَتِ اعتَدَّت عندَ أهلِها وسَكَنَت في وَصِيَّتِها، وإن شاءَت خَرَجَت لقولِ الله: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىَ أَنْفُسِهِرَ﴾. قال عطاءٌ: ثمَّ جاء الميراثُ فتَسَخَ السُّكْنَى، فَتَعْتَدُّ حيثُ شاءَت ولا سُكْنَى لها. قوله: ((باب ﴿وَاُلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾ إلى قوله: ﴿خِيرٌ﴾)) كذا لأبي ذرِّ والأكثر، وساقَ في رواية گَرِيمة الآيةَ بگمالها. قوله: ((حدَّثني إسحاق بن منصور)) تقدَّم في تفسير البقرة هذا الحديث بهذا السَّنَد (٤٥٣١)، وبَيَّنَت هناك ما قيلَ فيه من تعليقٍ وغيره، ووَقَعَ هناك «إسحاق)) غيرَ منسوبٍ، وفُسِّرَ بابنِ راهويه، وقد ظَهَرَ من هذه الطَّريق أنَّه ابن منصور، ولعلَّه كان عنده عنهما جميعاً. وقوله: ((كانت هذه العِدّةُ، تَعتَدُّ عند أهل زوجها واجباً) كذا لأبي ذرِّ عن الكُشْمِیھنيّ، وذَكَر ((واجباً)) إمّا لأنَّه صِفَةُ محذوفٍ، أي: أمراً واجباً، أو ضَمَّنَ العِدّةَ معنى الاعتداد. وفي رواية كَرِيمة ((واجب)) على أنَّه خَبَرُ مُبتَدَِ محذوفٍ. قال ابن بَطّالٍ: ذهب مجاهدٌ إلى أنَّ الآية وهي قوله تعالى: ﴿يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] نزلت قبل الآية التي فيها: ﴿وَصِيَّةٌ لِّأَزْوَجِهِم مَّتَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] كما هي قبلها في التِّلاوة، وكأنَّ الحامل له على ذلك استشكالُ أن يكون الناسخُ قبل المنسوخ، فرأى أنَّ استعمالها مُمكِن بحُكمٍ غير مُتَدافعٍ، لجوازِ أن يُوجِب اللهُ على المعتَدّة تَرَبُّصَ أربعةِ أشهُرٍ وعشٍ، ويُوجِب على أَهلها أن تَبقَى عندهم سبعةَ أشهُرٍ وعشرينَ ليلةً تمامَ الحَوْل إن أقامَت عندهم. انتهى مُلخَّصاً، قال: وهو قولٌ لم يَقُلْه أحدٌ من المفسِّرِينَ غيرُه، ولا تابَعَه عليه من الفقهاء أحدٌ، بل أَطْبَقوا على أنَّ آيَة الْحَوْل منسوخةٌ، وأنَّ السُّكنَى تَبَعٌ للعِدّة، فلمَّا نُسِخَ الحولُ في العِدّة بالأربعة أشهر وعشرٍ نُسِخَت السُّكنَى أيضاً. وقال ابن عبد البَرّ: لم يختلف العلماء أنَّ العِدّة بالحولِ نُسِخَت إلى أربعة أشهر وعشرٍ، وإنَّما اختلفوا في قوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، فالجمهور على أنَّه نُسِخَ أيضاً، وروى/ ابن أبي نَجِيح عن ٤٩٤/٩ مجاهد، فذَكَر حديثَ الباب، قال: ولم يُتابَع على ذلك، ولا قال أحدٌ من علماء المسلمين من ٣٢٦ باب ٥١ / ح ٥٣٤٦ -٥٣٤٨ فتح الباري بشرح البخاري الصَّحابة والتابعينَ به في مُدّة العِدّة، بل روى ابن جُرَيج عن مجاهد في قَدْرها مِثْلَ ما علیه الناسُ(١)، فارتَفَعَ الخلافُ واختصَّ ما نُقِلَ عن مجاهد وغيره بمُدّة السُّكنَى، على أنَّه أيضاً شاذٌّ لا يُعوَّل عليه، والله أعلم. ٥١- باب مَهْر البَغِيِّ والنِّكاح الفاسد وقال الحسنُ: إذا تزوَّجَ مُحرَّمةً وهو لا يَشْعُرُ، فُرُّقَ بينَهما، ولها ما أخَذَت وليس لها غيرُه. ثُمَّ قال بَعْدُ: لها صَدَاقُها. ٥٣٤٦ - حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حذَّثنا سفيانُ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي مسعودٍ ◌َُ، قال: فَهَى النّبيُّ وََّ عِن ثَمَنِ الكَلْبِ، وحُلْوانِ الكاهنِ، ومَهْرِ البَغِيِّ. ٥٣٤٧ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثْنَا شُعْبةُ، حدَّثنا عَوْنُ بنُ أبي جُحَيفةَ، عن أبيه قال: لَعنَ النبيُّ ◌َله الواشِمةَ والمُستَوْشِمَةَ، وآكِلَ الرِّبا ومُوكِلَه، ونَهَى عن ثَمَنِ الكَلْبِ، وكَسْبِ البَغِيِّ، وَعَنَ المُصَوِّرِينَ. ٥٣٤٨- حدَّثنا عليُّ بنُ الجَعْدِ، أخبَرنا شُعْبةُ، عن محمَّدِ بنِ جُحادةَ، عن أبي حازِمٍ، عن أبي هُريرةَ: نَهَى النّبِيُّ وََّ عن كَسْبِ الإماءِ. قوله: ((باب مَهْر البَغيّ والنِّكاح الفاسِد)» البَغيّ، بكسرِ المعجمة وتشديد التَّحتانيَّة بوزنٍ فَعِيل، من البِغاء: وهو الزِّنى، يَستَوي في لفظه المذَكَّر والمؤنَّث. قال الكِرْمانيُّ: وقيل وزنُه فَعُول، لأنَّ أصله بَغُويٌّ أُبدِلَت الواو ياءً ثمَّ كُسِرَتِ الغَين لأجلِ الياء التي بعدها، والتَّقدير: ومَهر مَن نُكِحَت في النِّكاح الفاسد، أي: بشُبهةٍ من إخلال شرطٍ أو نحو ذلك. قوله: ((وقال الحسن)) هو البصريّ ((إذا تزوَّجَ مُحرَّمة)) بتشديد الرَّاء، والمُستَمْلي بفتح الميم والرَّاء وسكون الحاء بينهما وبالضَّمير (٢)، وبهذا الثّاني جَزَمَ ابن الِّين وقال: أي: ذا مَحَرَمةٍ. (١) كما في ((تفسير سفيان الثوري)) برواية أبي حذيفة النَّهْدي عنه عن ابن جريج عن مجاهد ص٦٨. (٢) أي: مَحَرَمَه. ٣٢٧ باب ٥١ / ح ٥٣٤٨ كتاب الطلاق قوله: ((وهو لا يَشْعُرُ)) احترازٌ عَّا إذا تَعَمَّدَ، وبهذا القيد ومفهومه يُطابق التَّرجمة. وقال ابن بَطّالٍ: اختَلَفَ العلماء فيها على قولَينِ: فمنهم من قال: لها المسمَّى، ومنهم مَن قال: لها مَهرُ المِثْلِ، وهم الأكثر. قوله: ((فُرِّقَ بينهما)) بضمٍّ أوَّله. قوله: ((وليس لها غيرُه. ثمَّ قال بَعْدُ: لها صَدَاقُها)) هذا الأثر وَصَلَه ابن أبي شَيْبة (٣٤٤/٤) عن هُشَيم، عن يونس، عن الحسن، مِثْلَه إلى قوله: ((وليس لها غيرُه))، ومن طريق مَطَرِ الوَرّاق عن الحسن نحوَه، وقال: لها صَداقها (٣٤٤/٤)، أي: صَداقُ مِثْلِها. ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب ثلاثة أحاديث: الأوَّل: حديث أبي مسعود: وهو عُقْبة بن عَمْرو الأنصاريّ، في النَّهي عن ثَمَن الكَلب وحُلْوان الكاهن ومَهر البَغيّ. وقوله: ((عن الزُّهْريِّ، عن أبي بكر بن عبد الرَّحمن)) هو ابن الحارث بن هشام، في رواية الحميديّ (٤٥٠) عن سفيان، حدَّثنا الزُّهْريِّ: أنَّه سمعَ أبا بكر بن عبد الرَّحمن. الثاني: حديث أبي جُحَيفةَ في لَعْن الواشِمَةِ، الحديثَ، وفيه: ونَهَى عن ثَمَن الكَلْب وكَسْب البَغيّ، وَلَعَنَ المصَوِّرِينَ. الثالث: حديث أبي هريرة في النَّهي عن كَسْب الإماء، وقد تقدَّم شرح الأحاديث الثلاثةِ في آخر البيوع (٢٢٣٧ و ٢٢٣٨). قال ابن بَطّالٍ: قال الجمهور: مَن عَقَدَ على مَحرَم وهو عالمٌ بالتَّحريمِ وَجَبَ عليه الحدُّ للإجماع على تحريم العَقْد، فلم يكن هناك شُبهة يُدرأ بها الحدُّ. وعن أبي حنيفة: العَقْد شُبْهة، واحتََجَّ له بما لو وَطِئَ جاريةً له فيها شَرِكة، فإنَّهَا مُحُرَّمة عليه بالاتّفاق ولا حَدّ عليه للشُّبهة. وأُجيب بأنَّ حِصَّته من المِلك اقتَضَت / حُصولَ الشُّبهة، بخلاف المَحرَم له فلا مِلكَ ٤٩٥/٩ له فيها أصلاً فافتَرَقا، ومن ثَمَّ قال ابن القاسم من المالكيَّة: يَجِبُ الحدُّ في وَطْء الحُرّة ولا يَجِبُ في المملوكة، والله أعلم. ٣٢٨ باب ٥٢ / ح ٥٣٤٩ فتح الباري بشرح البخاري ٥٢ - باب المَهْر للمدخول عليها، وكيف الدُّخول أو طَلَّقَها قبلَ الدُّخُول والمَسِيسِ ٥٣٤٩ - حدَّثنا عَمْرو بنُ زُرَارةَ، أخبَرَنا إسماعيلُ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: رجلٌ قَذَفَ امرأتَه؟ فقال: فَرَّقَ نبِيُّ الله وَّهِ بِينَ أَخَوَي بَنِي العَجْلان، وقال: (اللّهُ يَعلَمُ أنَّ أحدَكُما كاذِبٌ، فهل منكما تائبٌ؟)) فأَبَيا فقال: ((اللهُ يَعلَمُ أنَّ أحدگُما کاذِبٌ، فهل منكما تائبٌ؟)) فأَبَیا، ففَرَّقَ بينَهما. قال أيوبُ: فقال لي عَمْرو بنُ دِينارٍ: في الحديثِ شيءٌ لا أراكَ تُحدِّثُه! قال: قال الرجلُ: مالي؟ قال: ((لا مالَ لكَ، إن كنتَ صادِقاً فقد دَخَلْتَ بها، وإن كنتَ كاذِباً فهو أبعَدُ منكَ)). قوله: ((باب المهر للمَدْخولِ عليها)) أي: وُجوبه أو استحقاقه. وقوله: ((وكيف الدُّخول)) يشير إلى الخلاف فيه، وقد تَسَّكَ بقوله في حديث الباب: ((فقد دَخَلت بها)) على أنَّ مَن أغلَقَ باباً وأرخَى سِتراً على المرأة فقد وَجَبَ لها الصَّداق وعليها العِدّة، وبذلك قال اللَّيث والأوزاعيُّ وأهل الكوفة وأحمد، وجاء ذلك عن عمرَ وعليٍّ وزيدٍ بن ثابت ومعاذ بن جبل وابن عمر، قال الكوفيّونَ: الخَلْوة الصَّحيحة يجب معها المهرُ كاملاً، سواء وَطِئَ أم لم يَطَأْ، إلّا إن كان أحدُهما مريضاً أو صائماً أو مُحُرِماً، أو كانت حائضاً فلَها النِّصف وعليها العِدّةُ كاملة، واحتَجُّوا أيضاً بأنَّ الغالب عند إغلاق الباب وإرخاء السِّتر على المرأة وُقوعُ الجِماعِ فأُقيمت المَظِنَةُ مقام المَئِنّة، لمَا جُبلَت عليه النُّفُوس في تلك الحالة من عَدَم الصَّبر عن الوقاع غالباً لغَلَبة الشَّهوة وتوفيرِ الدّاعية. وذهب الشافعيُّ وطائفة إلى أنَّ المَهْر لا يَجب كاملاً إلّا بالجِماع، واحتَجَّ بقولِه تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقال: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِذَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وجاء ذلك عن ابن مسعود وابن عبَّاس وشُرَيح والشَّعبيّ وابن سِيرِين. والجواب عن حديث الباب: أَنَّ ثَبَتَ في الرِّواية الأُخرى في حديث: «فهو بما استَحلَلتَ من ٣٢٩ باب ٥٣ / ح ٥٣٥٠ كتاب الطلاق فَرْجها)) (٥٣١٢)، فلم يكن في قوله: ((دَخَلت عليها)) حُجّة لمن قال: إنَّ مُجرَّد الدُّخول يكفي. وقال مالكٌ: إذا دَخَلَ بالمرأة في بيته صُدِّقَت عليه، وإِن دَخَلَ بها في بيتها صُدِّقَ عليها، ونَقَلَه عن ابن المسيّب(١)، وعن مالك رواية أُخرى كقولِ الكوفيّينَ. قوله: ((أو طَلَّقَها قبل الدُّخول)) قال ابن بَطّالٍ: التَّقدير: أو كيف طلاقُها؟ فاكتَفَى بذِكْر الفِعل عن ذِكْر المصدر لدلالِه عليه. قلت: ويحتمل أن يكون التَّقدير: أو كيف الحُكم إذا طَلَّقَها قبل الدُّخول؟ قوله: ((والمَسِيس) ثَبَتَ هذا في رواية النَّسَفيِّ(٢)، والتَّقدير: وكيف المَسِيسُ؟ وهو معطوفٌ على الدُّخول، أي: إذا طَلَّقَها قبل الدُّخول وقبل المَسِيس. ثمَّ ذَكَر فيه حديث ابن عمر من رواية سعيد بن جُبَير عنه في قصَّة الملاعَنة، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في أبواب اللِّعان (٥٣١١). ٥٣ - باب المُتْعة للّتي لم يُفرَض لها لقولِه تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعُ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤١ -٢٤٢]. ولم يَذْكُرِ النبيُّ ◌َ ◌ّهَ فيِ المُلَاعَنِ مُتْعَةً حينَ طَلَّقَها زوجُها. ٥٣٥٠- حدَّثنا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عمر: أنَّ النبيَّ ێ قال لِلْمُتَلاعنینِ: ((حِسابُما على الله، أحَدُگُما کاذِبٌ، لا سبيلَ لكَ علیھا)). قال: يا رسولَ الله، مالي؟ قال: ((لا مالَ لكَ، إن كنتَ صَدَقْتَ عليها فهو بما استَخْلَلْتَ من فَرْجِها، وإن كنتَ كاذباً فذلكَ أبعَدُ وأبعَدُ لكَ مِنْها». (١) ((الموطأ)) ٥٢٨/٢، وقال الزرقاني في ((شرحه)) ٢٠٣/٣: فحاصلُه أنه يصدَّق الزائرُ منهما بيمينٍ. (٢) وفي اليونينية ثبوته أيضاً للحقُّوِيّ. ٣٣٠ باب ٥٣ / ح ٥٣٥٠ فتح الباري بشرح البخاري ٤٩٦/٩ قوله: ((باب المُتْعة للَّتي لم يُفرَض لها، لقولِه تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿بَصِيُّ﴾)) كذا للأكثر، وساقَ ذلك في رواية كَرِيمة، وساقَ ابن بَطّالٍ في شرحه إلى قوله: ﴿عَلَى الْمُسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، ثمَّ قال: إلى قوله: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٢]، ولم أرَ ذلك لغيره، وهو بعيدٌ أيضاً لأنَّ المصنّف قال بعد ذلك: وقوله تعالى: ﴿ وَلْمُطَلَّقَتِ مَتَعُ بَلْمَعْرُوفِ﴾. وتَقِيدُه في التَّرجمة بالتي لم يُفرَض لها قد استَدَلَّ له بقوله في الآية: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وهو مَصيرٌ منه إلى أنَّ ((أو)) للتَّويع، فتَفَى الْجُنَاحِ عمَّن طُلُّقَت قبل المَسِيس، فلا مُتَعة لها لأنَّهَا نَقَصَت من المسمَّى، فكيف يَتْبُت لها قَدْرٌ زائدٌ عمَّن فُرِضَ لها قَدْرٌ معلومٌ معَ وجود المَسِيس؟ وهذا أحد قولي العلماء وأحد قولي الشافعيّ أيضاً. وعن أبي حنيفة: تَخْتَصّ المتعة بمن طَلَّقَها قبل الدُّخول ولم يُسمّ لها صَدَاقاً، وقال اللَّيث: لا تجب المتعة أصلاً، وبه قال مالكٌ، واحتَجَّ له بعض أتباعه بأنَّها لم تُقَدَّر، وتُعقِّبَ بأنَّ عَدَمِ التَّقدير لا يَمْنَع الوجوب كنَفَقة القريب. واحتَجَّ بعضهم بأنَّ شُرَيحاً يقول: مَنِّع إن كنت مُحسِناً، مَنِّع إن كنت مُتَّقياً. ولا دلالة فيه على تَرك الوجوب. وذهبت طائفة من السَّلَف إلى أنَّ لكلِّ مُطلَّقة مُتعةً من غيرِ استثناء، وعن الشافعيّ مِثْلُه، وهو الرَّاجح، وكذا تَجِب في كلّ فُرقة إلّا فِي فُرِقَةٍ وَقَعَت بِسَببٍ منها. قوله: ((وقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَتِ مَتَعُ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١])) تَمَسَّكَ به مَن قال بالعُموم، وخَصَّه مَن فَصَّل بما تقدَّم في الآية الأُولى. قوله: ((ولم يَذْكُرُ النبيُّ نَّه في الملاعَنة مُتْعَةً حين طَلَّقَها زوجها)) قد تقدَّمَت أحاديث اللِّعان (٥٣١١) مُستَوفاةَ الطَّرق، وليس في شيءٍ منها للمُتعة ذِكْرٌ، فكأنَّه تَمَسَّكَ في تَرك المتعة للمُلاعَنة بالعَدَم، وهو مَبنيٍّ على أنَّ الفُرقة لا تقع بنفسِ اللِّعان، فأمَّا مَن قال: إنّها تقع بنفسِ اللِّعان فأجابَ عن قوله في الحديث: فطَلَّقَها، بأنَّ ذلك كان قبل عِلمه بالحُكم كما تقدَّم تقريره، وحينئذٍ فلم تَدخُل الملاعَنة في عُموم المطلَّقات. ٣٣١ باب ٥٣ / ح ٥٣٥٠ كتاب الطلاق ثمَّ ذكر حديث ابن عمر في قصَّة الملاعِن، وقوله فيه: ((وإن كنتَ کاذِباً)) وَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((وإن كنت كَذَبت عليها)). خاتمة: اشتَمَلَ كتاب الطَّلاق وتَوابعُه من اللِّعان والظِّهار وغير ذلك من الأحاديث المرفوعة على مئةٍ وثمانيةَ عشرَ حديثاً، المعلَّق منها ستّة وعشرونَ حديثاً والباقي موصول، المكَرَّر منه فيه وفيما مَضَى اثنان وتسعونَ حديثاً، والخالص ستّةٌ وعشرونَ حديثاً، وافَقَه مسلم على تخريجها سوى حديث عائشة وحديث أبي أُسَيدٍ وحديث سهل بن سعد ثلاثتها في قصَّة الجَونيّة، وحديث عليّ((ألم تعلم أنَّ القلم رُفِعَ عن النائم)) الحديث، وهو مُعلَّقٌ، وحديث ابن عبّاس في قصَّة ثابت بن قيس في الخلع، وحديثه في زوج بریرة، وحديثه: ((كان المشرِكونَ على مَنِزِلتَينٍ))، وحديث ابن عمر في نِكاح الذُّمَيَّة، وحديثه في تفسير الإيلاء، وحديث المِسوَر في شأن سُبَيعة، وحديث عائشة: ((كانت فاطمة بنت قيس في مكان وَحْشٍ» وهو مُعلَّقٌ. وفيه من الآثار عن الصَّحابة فمَن بعدهم تسعونَ أثراً، والله أعلم. ٣٣٣ باب ١ / ح ٥٣٥١ كتاب النفقات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب النَّفقات ١ - وفضل النّفقة على الأهل، وقول الله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٩-٢٢٠] وقال الحسنُ: العَقْوُ: الفَضْلُ. ٥٣٥١- حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَدِيٍّ بنِ ثابتٍ، قال: سمعتُ عبدَ الله ابنَ يزيدَ الأنصاريَّ، عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ، فقلتُ: عن النبيِّ وَّ؟ فقال: عن النبيِّ ◌َّم قال: ((إذا أنفَقَ المسلمُ نَفَقةً على أهلِه، وهو يَخْتَسِبُها، كانت له صَدَقَةً)». قوله: ((بسمِ الله الرَّحمن الرحيم. كتاب النَّفَقات وفَضْل النَّفَقة على الأهل)) كذا لكَرِيمة، وقد تقدَّم في رواية أبي ذرٍّ والنَّسَفيّ: ((كتاب النَّفَقات)) ثمَّ البسملة، ثمَّ قال: ((باب فَضل النَّفَقة على الأهل)) وسَقَطَ لفظ ((باب)) لأبي ذرٍّ. قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ اُلْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ ) فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾)) كذا للجميع، ووقف النَّسَفيّ(١) عند قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾. وقد قرأ الأكثر: ﴿قُلِ الْعَفْوَ ﴾ بالنَّصب، أي: تُنْفِقونَ العفوَ، أو أنْفِقوا العفو. وقرأ أبو عَمْرو وقَبْله الحسن وقَتَادة: ((قل العَقْوُ)) بالرَّفع، أي: هو العفو، ومثله قولهم: ماذا رَكِبتَ، أفرسٌ أم بعيرٌ؟ يجوز الرَّفع والنَّصب. قوله: ((وقال الحسن: العَقْو: الفَضْل)) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ وعبد الله بن أحمد في ((زيادات الزهد)) بسندٍ صحيح عن الحسن البصريّ، وزادَ: ولا لَوم علی الکَفاف. (١) تحرَّف في (س) إلى: ووقع للنسفي. ٣٣٤ باب ١ / ح ٥٣٥١ فتح الباري بشرح البخاري ٤٩٨/٩ وأخرج عبد بن حُميدٍ أيضاً من وجه آخر عن الحسن قال: أن لا تُجهِد مالك ثمَّ تَقْعُد تسألُ الناس. فعُرِفَ بهذا المرادُ بقولِه: ((الفَضْل)) أي: ما لا يُؤَثِّر في المال فيَمحَقَه. وقد أخرج ابن أبي حاتم من مُرسَل يحيى بن أبي كثير بسندٍ صحيح إليه: أنَّ بَلَغَه أنَّ معاذ بن جبل وثَعْلبة سألا رسولَ اللهَوَّلَه فقالا: إنَّ لنا أرِقّاءَ وأهلينَ، فما نُنفِق من أموالنا؟ فنزلت. وبهذا يَتَبَيَّن مُراد البخاريّ من إيرادها في هذا الباب. وقد جاء عن ابن عبّاس وجماعةٍ: أَنَّ المراد بالعفوِ ما فضَلَ عن الأهل، أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨١/٢ و٣٩٣) أيضاً، ومن طريق مجاهد قال: العفو: الصَّدَقة المفروضة. ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس (٣٩٤/٢): العفو: ما لا يَتَبيَّن في المال، وكان هذا قبل أن تُفرَض الصَّدَقة. فلمَّا اختَلَفَت هذه الأقوال كان ما جاء من السَّبَب في نُزولها أولى أن يُؤخَذ به، ولو كان مُرسَلاً. ثمَّ ذکر في الباب أربعةً أحاديث: الأول: حديث أبي مسعود الأنصاريّ: وهو عُقْبة بن عَمْرو. قوله: ((عن عَديّ بن ثابت)» تقدَّم في الإيمان (٥٥) من وجه آخر عن شُعْبة: أخبرني عَديّ ابن ثابت. قوله: ((عن أبي مسعود الأنصاريّ، فقلت: عن النبيّ ◌َّ؟ فقال: عن النبيّ وَّر)) القائل: فقلت، هو شُعْبة، بيَّنه الإسماعيليّ في روايةٍ له من طريق عليّ بن الجَعْد، عن شُعْبة، فذكره إلى أن قال: عن أبي مسعود، فقال: قال شُعْبة: قلت: قال: عن النبيّ ◌َ﴿؟ قال: نعم. وتقدَّم في كتاب الإيمان عن أبي مسعود عن النبيّ ◌َّ بغير مُراجَعة، وذَكَر المتن مِثْلَه. وفي المغازي (٤٠٠٦) عن مسلم بن إبراهيم عن شُعْبة عن عَديّ عن عبد الله بن یزید أنَّه سمعَ أبا مسعود البدريّ عن النبيّ وَّهِ، وذكر المتن مختصراً، ليس فيه: ((وهو يَحَتَسِبها))، وهذا مُقِيِّد لمطلَقِ ما جاء في أنَّ الإنفاق على الأهل صَدَقٌ، كحدیثِ سعدٍ رابع أحاديث الباب، ٣٣٥ باب ١ / ح ٥٣٥١ كتاب النفقات. حيثُ قال فيه: ((ومهما أنفَقَتَ فهو لك صَدَقة)). والمراد بالاحتساب: القصدُ إلى طلب الأجر، والمراد بالصَّدَقة: الثَّواب، وإطلاقها عليه مَجَاز، وقَرِينَتَه الإجماع على جواز الإنفاق على الزَّوجة الهاشميَّة مثلاً، وهو مِن مَجَاز التَّشبيه، والمراد به أصل الثَّواب لا في كميةٍ ولا كيفية، ويُستَفاد منه أنَّ الأجر لا يَحَصُل بالعَمَلِ إلّا مقروناً بالنيّة، ولهذا أدخَلَ البخاريّ حديث أبي مسعود المذكور في ((باب ما جاء أنَّ الأعمال بالنيّة والحسبة)) (٥٥). وحَذَفَ الِقِدارَ من قوله: ((إذا أنفَقَ)) لإرادة التَّعميم، ليَشمَل الكثير والقليل. وقوله: ((على أهلِه)) يحتمل أن يَشمَلِ الزَّوجة والأقارب، ويحتمل أن يَخْتَصّ بالزوجةِ(١)، ويَلحَق به مَن عَدَاها بطريق الأَولى، لأنَّ الثَّواب إذا ثبتَ فيما هو واجب فُبوته فيما ليس بواجبٍ أُولی. وقال الطََّرَيُّ ما مُلخَّصه: الإنفاق على الأهل واجب، والذي يُعطيه يُؤْجَر على ذلك، بحَسَب قصده، ولا مُنافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صَدَقة، بل هي أفضل من صَدَقة التطوُّع. وقال المهلَّب: النَّفَقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإِنَّمَا سَمّها الشّارع صَدَقَةً خَشْية أن يَظُنّوا أنَّ قيامهم بالواجب لا أجرَ لهم فيه، وقد عَرَفوا ما في الصَّدَقة من الأجر، فعَرَّفَهم أنّها لهم صَدَقة، حتَّى لا يُجْرِجوها إلى غير الأهلِ إلّا بعد أن يَكفُوهم، ترغيباً لهم في تقديم الصَّدَقة الواجبة قبل صَدَقة التطوُّع. وقال ابن المنّيِّرِ: تسمية النَّفَقة صَدَقة من جِنس تسمية الصَّداق نِحْلةً، فلمَّا كان احتياجُ المرأة إلى الرجل كاحتياجِه إليها، في اللَّذّة والتَّأنيس والتَّحصين وطلب الوَلَد، كان الأصل أن لا يجب لها عليه شيء، إلّا أنَّ الله خَصَّ الرجل بالفضلِ على المرأة وبالقيام عليها، ورَفَعَه عليها بذلك درجةً، فمِن ثَمَّ جازَ إطلاق النِّحْلة على الصَّداق، والصَّدَقة على النَّفَقة. (١) في (س): الزوجة، بإسقاط الخافض، والمثبت من الأصول بإثباتها، وهو الوجه. ٣٣٦ باب ١ / ح ٥٣٥٢ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الثاني: ٥٣٥٢- حذَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ أنَّ رسولَ اللهَوَ ◌ِّ قال: «قال الله: أَنْفِقْ يا ابنَ آدَمَ أُنفِقْ عليكَ)). قوله: ((حدّثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أويس، وهذا الحديث ليس في ((الموطَّأ)) وهو على شرط شيخنا (١) في ((تقريب الأسانيد))، لكنَّه لمَّا لم يكن في ((الموطَّأ)) لم يُخْرِجه كأنظاره، لكنَّه أخرجه من رواية همَّام عن أبي هريرة، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق عبد الرَّحمن بن ٤٩٩/٩ القاسم، وأبو نُعَيم من / طريق عبد الله بن يوسف، كلاهما عن مالك. قوله: ((قال الله: أنِفِق يا ابن آدم أُنفِق عليك)» أنفِقِ الأولى: بفتح أوَّله وسكون القاف، بصيغة الأمر بالإنفاق، والثّانية: بضمِّ أوَّله وسكون القاف، على الجواب بصيغة المضارع، وهو وعد بالخَلَفِ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، وقد تقدَّم القَدر المذكور من هذا الحديث في تفسير سورة هود (٤٦٨٤) من طريق شُعَيب بن أبي حمزة عن أبي الزِّناد، في أثناء حديث، ولفظه: ((قال الله: أنِفِق أُنْفِقِ عليك)) وقال: ((يَدُ الله مَلْأى)) الحديث. وهذا الحديث الثّاني أخرجه الدّارَقُطنيُّ في ((غرائب مالك)) من طريق سعيد ابن داود عن مالك. وقال: صحيح، تفرَّد به سعيد عن مالك. وأخرج مسلم الأوَّل (٩٩٣/ ٣٧) من طريق همَّام عن أبي هريرة بلفظ: ((إنَّ الله تعالى قال لي: أَنْفِقِ أُنفِق عليك)) الحديث، وفَّقَه البخاريّ كما سيأتي في كتاب التَّوحيد (٧٤١١ ٧٤١٩ ٧٤٩٦)، وليس في روايته: «قال لي)» فدَلَّ على أنَّ المراد بقوله في رواية الباب: ((يا ابن آدَم)) النبيُّ ◌َِّ، ويحتمل أن يُراد جِنس بني آدم، ويكون تخصيصه وَ لّ بإضافَتِه إلى نفسه لكَونِه رأسَ الناس، فتَوَجَّهَ الخِطاب إليه ليعملَ به ويُبلِّغ أمَّتَه، وفي تَرك تقييد النَّفَقة بشيءٍ مُعيَّنٍ ما يُرشِد إلى أنَّ الحَثّ على الإنفاق يَشمَل جميع أنواع الخير، وسيأتي شرح حديث شُعَيب مبسوطاً في التَّوحيد إن شاء الله تَعالَى. (١) يعني به أبا الفضل العراقي. ٣٣٧ باب ١ / ح ٥٣٥٣ كتاب النفقات الحديث الثالث: ٥٣٥٣- حدَّثنا يحيى بنُ قَزَعَةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن ثَوْرِ بنِ زيدٍ، عن أبي الغَيثِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال النبيُّ ◌َِّ: (الساعي على الأرمَلةِ والمِسْكينِ كالمجاهدِ في سبيلِ الله، أو القائمِ اللَّيلَ الصّائِ النَّهَارَ)). [طرفاه في: ٦٠٠٧،٦٠٠٦] قوله: ((عن ثَوْر بن زيد)) في رواية محمَّدٍ بن الحسن في ((الموطَّأ)) (٩٦٠) عن مالك: ((أخبرني ثَورِ)) . قوله: ((الساعي على الأرمَلة والمِسكين كالمجاهدِ في سَبيل الله)) كذا قال جميع أصحاب مالك عنه في ((الموطَّ)) وغيره، وأكثرهم ساقَه على لفظ رواية مالك عن صفوان بن سُلَيم به، مُرسَلاً، ثمَّ قال: وعن ثَور بسندِه مِثله. وسيأتي في كتاب الأدب (٦٠٠٦) عن إسماعيل بن أبي أُوَيس عن مالك كذلك، واقتَصَرَ أبو قُرّة موسى بن طارق على رواية مالك عن ثَور فقال: ((الساعي على الأرمَلة والمِسْكين له صَدَقة)) بَيَّن ذلك الدّارَ قُطنيُّ في ((الموطَّآت)). قوله: ((أو القائم اللَّيلَ، الصّائم النَّهارَ)) هكذا للجميع عن مالك بالشكِّ، لكن لأكثرهم مِثْلِ مَعْن بن عيسى وابن وَهْب وابن بُكَير في آخرينَ، بلفظ: ((أو كالذي يصومُ النَّهار ويقوم اللَّيل))، وقد أخرجه ابن ماجه (٢١٤٠) من رواية الدَّراوَرْديِّ عن ثَور بمِثلِ هذا اللَّفظ، لكن قاله بالواو لا بلفظ ((أو))، وسيأتي في الأدب (٦٠٠٧) من رواية القَعنبيّ عن مالك بلفظ: وأحسَبه قال: ((كالقائمِ لا يَفتُّر، والصّائم لا يُفطِرِ)) شَكَّ القَعنبيّ. وقد ذكره الأكثر بالشكِّ عن مالك، لكن بمعناه، فيحتمل(١) اختصاص القَعنبيّ باللَّفظِ الذي أورَدَه. ومعنى الساعي: الذي يذهب ويجيء في تحصيل ما يَنفَع الأرمَلة، والمِسْكين. والأرمَلة، بالرَّاءِ المهمَلة: التي لا زوج لها. والمِسْكين تقدَّم بيانه في كتاب الزكاة (١٤٧٦). وقوله: ((القائمُ اللَّيل)) يجوز في اللَّيل الحَرَكات الثلاث، كما في قولهم: الحسن الوجه، (١) تحرَّف في (أ) و(ب) و(س) إلى: فيحمل، والمثبت على الصواب من (ع). ٣٣٨ باب ١ / ح ٥٣٥٤ فتح الباري بشرح البخاري ومُطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة إمكان اتِّصاف الأهل - أي: الأقارب - بالصِّفَتَيْنِ المذكورتَين، فإذا ثَبَتَ هذا الفضل لمن يُنفِقِ على مَن ليس له بقريبٍ مَمَّن اتَّصَفَ بالوصفَين، فالمنفِقِ على المنَّصِف أَولى. ٥٣٥٤ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، عن سَعْدِ بنِ إبراهيمَ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن سعٍ ◌َُ، قال: كان النبيُّنٍَّ يعودُني وأنا مريضٌ بِمَكّةَ، فقلتُ: لي مالٌ، أُوصي بمالي كلِّ؟ قال: ((لا) قلتُ: فالشَّطْرُ؟ قال: ((لا)) قلتُ: فالثُّلُثُ؟ قال: ((الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَن تَدَعَ وَرَثَتَكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تَدَعَهم عالةً يَتَكَفَّفونَ الناسَ في أيدِيهم، ومَهْمَا أنْفَقْتَ فهو لكَ صَدَقةٌ (١)، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُها في فِي امرأتِكَ، ولعلَّ اللهَ يرفعُكَ، يَنتَفِعُ بكَ ناسُ ويُضَرُّ بِكَ آخَرونَ)). الحديث الرابع: حديث سعد بن أبي وقّاص في الوَصيّة بالثُّلث، وقد تقدَّم شرحه في الوصايا (٢٧٤٢)، والمراد منه هنا قوله: ((ومَهْما أنفَقْت فهو لك صَدَقة، حتَّى اللُّقْمة تَرْفَعها في فِي امرأتك)»، وقد أخرج مسلم (٩٩٥) من حديث مجاهد عن أبي هريرة رَفَعَه: ((دينار أعطَيْتَه مِسْكيناً، ودينار أعطَيتَه في رَقَبَةٍ، ودينار أعطَيته في سبيل الله، ودينار أنفَقتَه على أهلك)) قال: ((الدّينار الذي أنفَقتَه على أهلك أعظم أجراً». ومن حديث أبي قلابةً عن أبي أسماء عن ثوبانَ رَفَعَه (٩٩٤): ((أفضلُ دينار يُنفقه الرجل دينارٌ يُنفقه على عياله، ودينار يُنفقه على دابته في سبيل الله، ودینار یُنفقه على أصحابه في سبيل الله)). قال أبو قلابةَ: وبَدَأ بالعِيال، وأُّ رجلٍ أعظم أجراً من رجل يُنِفِقِ على عياله، يُعِفُّهم ويَنفَعُهم الله به؟ قال الطَّبَرُّ: البِداءة في الإنفاق بالعيال، يَتَنَاوَل النَّفْس، لأنَّ نفس المرء ٥٠٠/٩ من ◌ُملة عِياله، بل هي أعظم / حَقّاً عليه من بقيَّة عياله، إذليس لأحدٍ إحياءُ غيره بإتلاف نفسه، ثمَّ الإنفاق على عياله كذلك. (١) ضبط في اليونينية بالرفع على أنه خبر هو، وبالنصب على الحاليّة. انظر ((شواهد التوضيح والتصحيح)) لا بن مالك ص١٥٣ -١٥٤. ٣٣٩ باب ٢ / ح ٥٣۵۵ - ٥٣٥٦ كتاب النفقات ٢ - باب وُجوبِ النَّفْقةِ على الأهلِ والعيال ٥٣٥٥- حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَثُ، حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني أبو هريرةَ ﴾، قال: قال النبيُّ ◌َّهَ: «أفضلُ الصَّدَقةِ ما تَرَكَ غِنَّى، واليَدُ العُلْيا خيرٌ منَ الَدِ السُّفْلَى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ)) تقولُ المرأةُ: إمّا أن تُطْعِمَني وإمّا أن تُطلِّقَني، ويقول العبدُ: أَطْعِمْني واستَعْمِلْني، ويقول الابنُ: أطْعِمْني، إلى مَن تَدَعُنِي؟ فقالوا: يا أبا هريرةَ، سمعتَ هذا من رسولِ الله وَلَّ؟ قال: لا، هذا من كِيسٍ أبي هريرةَ. ٥٣٥٦- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالدٍ ابن مُسافِرٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن ابنِ المسيّبٍ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَ ◌ّه قال: ((خيرٌ الصَّدَقةِ ما كان عن ظَهْرِ غِنَّى، وابْدَأْ بمَن تَعُولُ)). قوله: ((باب وجوب النَّفَقة على الأهل والعيال)) الظّاهر أنَّ المراد بالأهلِ في الَّرجمة الزَّوجة، وعَطْفُ العِيال عليها من العامّ بعد الخاصّ، أو المراد بالأهلِ: الزَّوجة والأقارب، والمراد بالعيال: الَّوجة والخَدَم، فتكون الزَّوجة ذُكِرَت مرَّتَينِ تأكيداً لحقِّها، ووجوب نَفَقة الَّوجة تقدَّم دليله أوَّلَ النَّفَقات. ومن السُّنّة: حديث جابر عند مسلم (١٢١٨ / ١٤٧): ((ولَهُنَّ عليكم رِزقُهُنَّ وكِسوَتُهُنَّ بالمعروفٍ». ومن جهة المعنى: أنَّها مَحَبوسة عن التَّكَسُّب لحقِّ الَّوج. وانعَقَدَ الإجماع على الوجوب، لكن اختَلَفوا في تقديرها، فذهب الجمهور إلى أنَّها بالكفاية، والشافعيّ وطائفة كما قال ابن المنذر: إلى أنَّها بالأمداد، ووافَقَ الجمهورَ من الشافعيَّة أصحابُ الحديث كابنٍ خُزَيمةَ وابن المنذر، ومن غيرهم: أبو الفضل بنُ عبدان، وقال الرّويانيّ في ((الحِلية)): هو القياس، وقال النَّوَويّ في ((شرح مسلم)) ما سيأتي في ((باب إذا لم يُنْفِقِ الرجل فللمرأة أن تأخذ)) بعد سبعة أبواب (٥٣٦٤). وَسَّكَ بعض الشافعيّة بأنَّها لو قُدِّرَت بالحاجة لَسَقَطَت نَفَقة المريضة والغنيّة في بعض ٣٤٠ باب ٢ / ح ٥٣۵۵ -٥٣٥٦ فتح الباري بشرح البخاري الأيام، فوَجَبَ إلحاقُها بما يُشبه الدَّوام، وهو الكفَّارة، لاشتراكهما في الاستقرار في الذِّمّة، ويُقوِّيه قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فاعتَبَرَ(١) الكفَّارة بها، والأمدادُ مُعتبَرَة في الكفَّارة. ويَخْدِش في هذا الدَّليل أَّهم صَخَّحوا الاعتِياض عنه، وبأنَّها لو أكَلَت معه على العادة سَقَطَت، بخلاف الكفّارة فيهما. والرَّاجح من حيثُ الدَّليلُ: أنَّ الواجب الكِفاية، ولا سيَّما وقد نَقَلَ بعضُ الأئمَّة الإجماعَ الفِعليّ في زمن الصَّحابة والتابعينَ على ذلك، ولا يُحِفَظ عن أحد منهم(٢) خلافُه. قوله: «أفضل الصَّدَقة ما تَرَكَ غِنِی) تقدَّم شرحه في أوائل الزكاة (١٤٢٦)، وبيان اختلاف ألفاظه، وكذا قوله: ((واليد العُليا)). وقوله: ((وابدَأْ بمَن تَعُول)) أي: بمَن تجب عليك نَفَقَتُه، يقال: عالَ الرجلُ أهلَه: إذا مانَهُم، أي: قامَ بما يحتاجونَ إليه من قُوتٍ وكِسوةٍ، وهو أمرٌ بتقديم ما يَجِبُ على ما لا یجب. وقال ابن المنذر: اختُلِفَ في نَفَقة مَن بَلَغَ من الأولاد ولا مالَ له ولا كَسبَ، فأوَجَبَت طائفة النَّفَقة لجميع الأولاد أطفالاً كانوا أو بالغينَ إناثاً وذُكراناً إذا لم يكن لهم أموالٌ يَسْتَغْنونَ ٥٠١/٩ بها، وذهب الجمهور: إلى أنَّ الواجب أن يُنفِقِ عليهم حتَّى / يَبلُغ الذَّكَر أو تَتزوَّج الأُنثَى، ثمَّ لا نَفَقة على الأب إلّا إن كانوا زَمنَى، فإن كانت لهم أموالٌ فلا وجوب على الأب. وأَلحَق الشافعيّ ولدَ الولدِ وإِن سَفَلَ بالولدِ في ذلك. وقوله: ((تقول المرأة)) وَقَعَ في رواية للَّسائيِّ (ك٩١٦٧) من طريق محمَّد بن عَجْلان عن زيد بن أسلمَ عن أبي صالح به: فقيلَ: مَن أَعُول يا رسول الله؟ قال: ((امرأتك)) الحديث. وهو وهمٌّ، والصَّواب ما أخرجه هو من وجه آخر عن ابن عَجْلان به، وفيه: فسُئلَ أبو هريرة: مَن (١) في (س): فاعتبروا، بصيغة الجمع. (٢) في (أ) و(ع): غيرهم، بدل: منهم، والمثبت من (ب) و(س)، هو الصحيح لما سبق ذكره قريباً ممن قال بخلاف ما قالوه.