Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
باب ٢٦ / ح ٥٣٠٥
كتاب الطلاق
جمعٌ بأنَّ الصَّوابِ النَّصب، أي: لعلَّ عِرْقاً نَزَعَه، وقال الصَّغَانيّ: ويحتمل أن يكون في الأصل:
لعلَّه، فسَقَطَت الهاء، ووَجَّهَه ابن مالكٍ باحتمال أنَّه حَذَفَ منه ضمير الشَّأن، ويُؤيِّد تَوجيهَه ما
وَقَعَ في رواية كَرِيمة، والمعنى: يحتمل أن يكون في أُصولها من(١) هو باللَّونِ المذكور، فاجتَذَبَه
إليه فجاء على لونه. وادَّعَى الدّاووديّ أنَّ((لعلَّ)) هنا للتَّحقيقِ.
قوله: ((ولعلَّ ابنَك هذا نَزَعَه)) كذا في رواية أبي ذرِّ بحذفِ / الفاعل، ولغيره (نَزَعَه عِرْق)) ٤٤٤/٩
وكذا في سائر الرِّوايات، والمراد بالعِرقِ: الأصلُ مِنَ النَّسَب شَبَّهه بعِرْقِ الشَّجَرة، ومنه قولهم:
فلان عَريق في الأَصالة، أي: أنَّ أصله مُتَنَاسِبٌ، وكذا: مُعْرِقٌ في الكَرَم أو اللُّؤم، وأصل
الشَّرْعِ الجَذْبُ، وقد يُطلَق على المَيْل، ومنه ما وَقَعَ في قَصَّة عبد الله بن سَلَام حين سَألَ(٢) عن
شَبَه الولد بأَبيهِ أو بأُمِّه: نَزَعَ إلى أبيه أو إلى أمّه.
وفي الحديث ضَرْبُ المَثَل، وتشبيهُ المجهول بالمعلوم تقريباً لفَهْمِ السائل.
واستُلِلَّ به لِصِحّة العَمَل بالقياس، قال الخطَّبيُّ: هو أصلٌّ في قياس الشَّبَه. وقال ابن
العربيّ: فيه دليل على صِحّة القياس والاعتبار بالنَّظير. وتَوَقَّفَ فيه ابن دقيق العيد فقال: هو
تَشبيةٌ في أَمْرٍ وُجوديّ، والنِّاعِ إِنَّما هو في التَّشبيه في الأحكام الشَّرعيَّة من طريق واحدة قويّة.
وفيه أنَّ الزَّوج لا يجوز له الانتِفاءُ من ولده بمُجرَّدِ الظَّنّ، وأنَّ الولد يَلحَق به ولو
خالَفَ لونُه لونَ أُمّه.
وقال القُرطُبيّ تَبَعاً لابنِ رُشد: لا خلاف في أنَّه لا يَحِلّ نَفْي الولد باختلاف الألوان المتقاربة
كالأُدْمة والسُّمْرة، ولا في البياض والسَّواد إذا كان قد أقَرَّ بالوَطِ ولم تَضٍ مُدّة الاستبراء.
وكأنّه أراد في مذهبه، وإلّا فالخلاف ثابت عند الشافعيَّة بتفصيلٍ فقالوا: إن لم يَنْضَمّ إليه قَرِينة
زِنّى لم يَجُزِ النَّفَيُّ، فإن التَّهَمَها فَأَتَّت بَوَلَدٍ على لون الرجل الذي اَّهَمَها به جازَ النَّفيُ على
الصَّحيح، وفي حديث ابن عبّاس الآتي في اللِّعان ما يُقوِّيه.
(١) في (س): ما.
(٢) تحرف في (س) إلى: سئل؛ وقصة عبد الله بن سلام سلفت برقم (٣٣٢٩).

٢٢٢
باب ٢٧ / ح ٥٣٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
وعند الحنابلة يجوز النَّفيُ معَ القَرِينة مُطلَقاً، والخلاف إنَّما هو عند عَدَمها، وهو عکسُ
ترتيب الخلاف عند الشافعيّة.
وفيه تقديم حُكم الفِراش على ما يُشعِر به مُخالَفة الشَّبَه.
وفيه الاحتياط للأنساب وإبقاؤها معَ الإمكان، والزَّجر عن تحقيق ظنّ السّوء.
وقال القُرطُبيّ: يُؤخَذ منه مَنع التَّسَلسُل، وأنَّ الحوادث لا بدَّ لها أن تَستَنِدِ إلى أوَّلٍ
لیس بحادثٍ.
وفيه أنَّ التَّعريض بالقَذفِ لا يُثبت حُكم القَذف حتَّى يقع التَّصريح، خلافاً
للمالكيَّة.
وأجابَ بعض المالكيَّة: أنَّ التَّعريض الذي يجب به القَذْف عندهم هو ما يُفْهَم منه
القَذف كما يُفهم من التَّصريح، وهذا الحديث لا حُجّة فيه لدفع ذلك، فإنَّ الرجل لم يُرِد
قَذْفاً، بل جاء سائلاً مُستَفتياً عن الحُكم لمَا وَقَعَ له من الرِّيبة، فلمَّا ضُرِبَ له المَثَل
أَذْعَنَ.
وقال المهلَّب: التَّعريض إذا كان على سبيل السُّؤال لا حَدَّ فيه، وإنَّما يجب الحدّ في التَّعريض
إذا كان على سبيل المواجَهة والمشائمة.
وقال ابن المنِّرِ: الفَرق بين الَّوج والأجنبيِّ في التَّعريض: أنَّ الأجنبيّ يَقصِد الأذيَّة
المَحْضة، والَّوج قد يُعذَر بالنّسبة إلى صيانة النَّسَب، والله أعلم.
٢٧ - باب إحلاف المُلاعِنِ
٥٣٠٦- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا جُوَيرِيةُ، عن نافع، عن عبدِ الله ﴾: أنَّ رجلاً
مِنَ الأَنصارِ قَذَفَ امرأتَه، فَأَحَلَفَهُمَا النبيُّ ◌ِِّ، ثمَّ فَرَّقَ بينَهما.
قوله: ((باب إحلاف المُلاعِن)) ذكر فيه حديث ابن عمر من رواية جُوَيرِية بن أسماء عن
نافع مختصراً بلفظ: فَأَحلَفَهما. وكذا سيأتي بعد ستّة أبواب (٥٣١٣) من طريق عُبيد الله بن عمر

٢٢٣
باب ٢٧ / ح ٥٣٠٦
كتاب الطلاق
عن نافع، وتقدَّم في تفسير النّور من وجهٍ آخَر عن عُبيد الله بن عمر بلفظ: لاعَنَ بین رجل
وامرأة(١).
والمراد بالإحلاف هنا: النُّطْقُ بكلمات اللِّعان، وقد تَمَسَّكَ به مَن قال: إنَّ اللِّعان
يمينٌ، وهو قول مالك والشافعيّ والجمهور، وقال أبو حنيفة: اللِّعان شهادة، وهو وَجهٌ
للشّافعيَّة، وقيل: شهادة فيها شائبةُ اليمينِ، وقيل بالعكس، ومن ثَمَّ قال بعض العلماء:
لیس بیمینٍ ولا شهادةٍ.
وانبَى على الخلاف أنَّ اللِّعان يُشرَع بين كلّ زوجَينِ مسلمَينٍ أو كافرَينٍ، حُرَّينِ أو عبدَينِ،
عَدَلَيْنِ أو فاسقَينٍ، بناءً على أنَّه يمين، / فمَن صَحَّ يمينُهُ صَحَّ لِعانُه. وقيل: لا يَصِحّ اللِّعان ٤٤٥/٩
إلّا من زوجَينِ حُرَّينِ مسلمَين، لأنَّ اللِّعان شهادة ولا يَصِحّ من محدود في قَذْفٍ.
وهذا الحديث حُجّة للأوَّلينَ لتسوية الراوي بين ((لاعَنَ)) و ((حَلَفَ))، ويُؤْيِّده أنَّ اليمين
ما دلَّ على حَثٍّ أو مَنْع أو تحقیقِ خَرٍ، وهو هنا کذلك، ويدلّ عليه قوله ێ في بعض
طُرق حديث ابن عبّاس: ((فقال له: احلِف بالله الذي لا إله إلّا هو إنّ لَصادِقٌ)) يقول ذلك
أربع مرَّات، أخرجه الحاكم (٢/ ٢٠٢) والبيهقيُّ (٣٩٥/٧) من رواية جَرِير بن حازم عن أيوبَ
عن عِكْرمة عنه، وسيأتي قريباً: ((لولا الأيمان لكان لي ولها شأنٌ))(٢).
واعتَلَّ بعض الحنفيَّة بأنَها لو كانت يميناً لمَا تَكَرَّرَت. وأُجيب بأنَّهَا خَرَجَت عن
القياس تغليظاً لخُرْمة الفُروج، كما خَرَجَت القَسامة لحرمة الأنفُس، وبأنَّها لو كانت شهادة
لم تَتَكَرَّرْ أيضاً.
والذي تَحَرَّر لي أنَّها من حيثُ الجَزمُ بنَفْي الكَذِب وإثبات الصِّدق يمينٌ، لكن أُطلِقَ
(١) هذا اللفظ سيأتي برقم (٥٣١٤)، وأما الذي سلف في سورة النور من الطريق المذكورة برقم (٤٧٤٨) فهو بلفظ:
أنَّ رجلاً رمى امرأته .... وفَّق بين المتلاعنين.
(٢) جاء ذلك في بعض طرق حديث ابن عباس الآتي في قصة هلال بن أمية لما لا عَنَ امرأته، وهو باللفظ
المذكور عند أحمد (٢١٣١) وأبي داود (٢٢٥٦)، وتقدم عند البخاري برقم (٤٧٤٧) لكن بلفظ: («لولا
ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن)).

٢٢٤
باب ٢٨ / ح ٥٣٠٧
فتح الباري بشرح البخاري
عليها شهادةٌ لاشتِراطِ أن لا يُكتَفَى في ذلك بالظَّنِّ، بل لا بدَّ من وجود عِلم كلٌّ منهما
بالأمرَينِ عِلماً يَصِحّ معه أن يَشهَد به، ويُؤيِّد كَونَها يميناً أنَّ الشّخص لو قال: أشهَد بالله
لقد كان كذا لَعُدَّ حالفاً.
وقد قال القَفّل في ((مَحاسن الشَّريعة)): كُرِّرَت أَيمَانُ اللِّعان لأنَّهَا أُقيمت مقامَ أربع
شُهودٍ في غيره، ليُقَامَ عليها الحدُّ، ومن ثَمَّ سُمّيَت شهاداتٍ.
٢٨ - باب يَبدأ الرّجل بالتَّلامُن
٥٣٠٧- حذَّثني محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن هشامِ بنِ حسَّانَ، حدَّثنا
عِكْرمةُ، عن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ هلاَلَ بنَ أُميَّةَ قَذَفَ امرأته، فجاء فشَهِدَ والنبيُّ ◌َّه
يقول: ((اللهُ يَعلَمُ أنَّ أحدَكُما كاذِبٌ، فهل منكما تائبٌ؟)) ثمَّ قامَت فَشَهِدَتْ.
قوله: ((باب يَبدَأ الرَّجل بالتَّلاعُنِ)) ذكر فيه حديث ابن عبّاس في قصَّة هلال بن أُميَّة
مختصراً، وكأنَّه أخَذَ التَّرجمة من قوله: ثُمَّ قامَت فشَهِدَت. فإنَّه ظاهرٌ في أنَّ الرجل يُقدَّم قبل
المرأة في المُلاعَنة، وقد وَرَدَ ذلك صريحاً من حديث ابن عمر كما سأذكره في ((باب صَداق
الملاعَنة))(١)، وبه قال الشافعيُّ ومَن تَبَعَه وأَشَبُ من المالكيَّة، ورَجِّحَه ابن العربيّ، وقال ابن
القاسم: لو ابتَدَأْت به المرأة صَحَّ واعتُدَّ به، وهو قول أبي حنيفة، واحتَجُّوا بأنَّ الله عَطَفَه بالواو،
وهي لا تقتضي التَّرتیبَ.
واحتُجَّ لَلأوَّلِينَ بأنَّ اللِّعان شُرِعَ لِدَفْع الحدِّ عن الرجل، ويُؤْيِّده قوله ◌َّ الهلالِ: ((البيِّنَةَ وإلّا
حَدٌّ في ظَهرك)(٢)، فلو يُدِيَ بالمرأة لكان دَفْعاً لأَمْرٍ لم يَثْبُت، وبأنَّ الرجل يُمكِنه أن يَرجِع بعد أن
يَلْتَعِنَ كما تقدَّم فيَندَفِع عن المرأة، بخلاف ما لو بَدَأْت به المرأةُ.
قوله: ((عن عِكْرمة عن ابن عبَّاس)) كذا وَصَلَه هشام بن حسَّان عن عِكْرمة، وتابَعَه عَبّاد
بن منصور عن عِكْرمة، أخرجه أبو داود في ((السُّنَن)) (٢٢٥٦)، وساقَه أبو داود الطَّيالسُّ
(١) بل في ((باب اللعان ومَن طَلَّق)) وهو الباب التالي، عند حديثه عن صفة التلاعُن في أواخر شرح حديث الباب.
(٢) سلف برقم (٢٦٧١) و(٤٧٤٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

٢٢٥
باب ٢٨ / ح ٥٣٠٧
كتاب الطلاق
في «مُسنَده)) (٢٧٨٩) مُطوَّلاً(١). واختُلِفَ على أَيوبَ: فرواه جَرِير بن حازم عنه موصولاً
أخرجه الحاكم (٢٠٢/٢) والبيهقيُّ في ((الخلافيّات)) وغيرها(٢)، وكذا أخرجه النَّسائيُّ
(ك ٨١٦٩) وابن أبي حاتم (٢٥٢٨/٨) وابن المنذر وابن مَرْدويه(٣) من رواية حمّاد بن زيد
عن أيوب موصولاً، وأخرجه الطَّبَرَيُّ (٨٢/١٨) من طريق حَمَّاد(٤) مُرسَلاً، قال التِّرمِذيّ:
سألت محمَّداً عن هذا الاختلاف فقال: حديث ◌ِكْرمة عن ابن عبّاس في هذا محفوظ.
قوله: ((أنَّ هلال بن أُميَّ قَذَفَ امرأتَه فجاء فشَهِدَ)) كذا أورَدَه هنا مختصراً، وتقدَّم في
تفسير النّور (٤٧٤٧) مُطوَّلاً، وفيه شرح قوله: ((البيِّنَّةَ أو حَدٌّ في ظَهرِك))، وفيه قول هلالٍ:
لَيُنزِلَنَّ اللهُ ما يُبَرِّئِ ظَهْري من الحَدِّ(٥)،/ فنزلت. ووَقَعَ فيه أنَّه التَّهَمهما بشَرِيكِ بن سَحْماءَ.
٤٤٦/٩
ووَقَعَ في رواية مسلم (١٤٩٦) من حديث أنس: أنَّ شَرِيك بن سَحْماء كان أخا البراء بن
مالكِ لأُمِّه. وهو مُشكِلٌ، فإنَّ أمّ البراء هي أُمّ أنس بن مالك وهي أُمّ سُلَيم، ولم تكن سَحْماءَ،
ولا تُسمَّى سَحْمَاءَ، فلعلَّ شَرِيكاً كان أخاه من الرَّضاعة.
وقد وَقَعَ عند البيهقيِّ في ((الخلافيّات)) من مُرسَل محمَّد بن سِيرِين: أنَّ شَرِيكاً كان يأوي إلى
مَنزِل هلال. وفي ((تفسير مُقاتل)): أنَّ والدة شَرِيك التي يقال لها: سَحْماء، كانت حَبَشيَّة، وقيل:
كانت يَمَانيَّة. وعند الحاكم (٢٠٢/٢) من مُرسَل ابن ◌ِيرِين: كانت أَمَّةً سوداءَ.
واسمُ والد شَرِيك عَبَدة بن مُغِيث بن الجَدّ بن العَجْلان، وحكى عبد الغني بن
سعيد وأبو نُعَيم في ((الصَّحابة)) أنَّ لفظ شَرِيك صِفَةٌ له لا اسمٌ، وأنَّه كان شَرِيكاً لرجلٍ
يهوديّ، يقال له: ابن سَحْماء، وحكى البيهقيُّ في ((المعرفة)) عن الشافعيّ أنَّ شَرِيك بن سَحْماء
(١) فات الحافظ أنه أيضاً في ((مسند أحمد)» مطوَّل (٢١٣١).
(٢) وفي ((السنن الكبرى)) ٣٩٥/٧.
(٣) كما في ((الدر المنثور)) ١٠/ ٦٣٥، ورواية النسائي المذكورة مختصرة، اقتصر فيها على قصة سعد بن عبادة ﴾ دون
ذكر قصة هلال بن أمية.
(٤) بل من طريق ابن عُليّة عن أيوب.
(٥) وقع في الأصول و(س) هنا: الجلد، وتقدم في شرح الحافظ للحديث (٤٧٤٧) بلفظ: الحَدِّ. وهو الذي
في اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري فيه، فلذلك أثبتناه هنا.

٢٢٦
باب ٢٩ / ح ٥٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
كان يهوديّاً، وأشارَ عياض إلى بُطْلان هذا القول، وجَزَمَ بذلك النَّوَويّ تَبَعاً له وقال: كان
صحابياً، وكذا عَدَّه جمعٌ في الصّحابة، فيجوز أن یکون أسلم بعد ذلك. ويُعگِّر على هذا قول ابن
الكَلْبِيّ: إِنَّه شَهِدَ أُحُداً، وكذا قول غيرِهِ: إنَّ أباه شَهِدَ بدراً وأُحُداً، فالله أعلم.
قوله في هذه الرّواية: «فجاء فشَهِدَ والنبيُّ بَّه يقول: الله يَعْلِم(١) أنَّ أحدَكُما كاذِب)) ظاهره أنَّ
هذا الكلام صَدَرَ منه ◌ِّهِ في حال مُلاعَتهما، بخلاف مَن زَعَمَ أنَّه قاله بعد فراغهما، وزاد في
تفسير النّور (٤٧٤٧) من هذا الوجه بعد قوله: فشَهِدَت: فلمَّا كان عند الخامسة وَقَّفُوها
وقالوا: إنَّهَا مُوجِبةٌ. ووَقَعَ عند النَّسائيِّ في هذه القصَّة: فأمَرَ رجلاً أن يَضَع يَدَه عند الخامسة
على فِيهِ، ثُمَّ على فِيها، وقال: ((إِنَّهَا مُوجِبة))(٢). قال ابن عبّاس(٣): فتَلَكَّأْتْ ونَكَصَتْ حتَّى قلنا:
إِنَّهَا تَرجِع، ثمَّ قالت: لا أفضَحُ قومي سائرَ اليوم، فمَضَت. وفيه أيضاً قوله وَّ: ((أَبِصِرُوها،
فإنْ جاءت ... )) إلى آخره، وسأذكر شرحه في ((باب الثَّلاعُن في المسجد)) (٥٣٠٩).
٢٩ - باب اللِّعان ومن طلَّق
٥٣٠٨ - حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، أنَّ سَهْلَ بنَ سعدِ الساعِدِيَّ
أخبَرَهُ: أنَّ عُوَيمِراً العَجْلانيَّ جاء إلى عاصمِ بنِ عَدِيِّ الأنصاريِّ فقال له: يا عاصمُ، أَرأيتَ
رجلاً وجَدَ معَ امرأتِه رجلاً، أَيَقتُلُه فتَقْتُلُونَه؟ أَم كيفَ يَفْعَلُ؟ سَلْ لي يا عاصمُ عن ذلك
رسولَ اللهِوَّ، فسألَ عاصمٌ رسولَ اللهَ وَّلِ عن ذلك، فَكَرِهَ رسولُ الله ◌َّهِ المَسائلَ وعَابَهَا،
حَتَّى كَبرَ على عاصمٍ ما سمعَ من رسولِ اللهِ وَّةِ، فلمَّا رَجَعَ عاصمٌ إلى أهلِه جاءَه عُوَيمِرٌ،
فقال: يا عاصمُ، ماذا قال لكَ رسولُ الله ◌ِّهِ؟ فقال عاصمٌ لعُوَيمِرٍ: لم تَأْتِنِي بخيرٍ، قد كَرِه
(١) كذا وقعت الرواية للحافظ: الله يعلم، وكذلك وقعت قبله لابن العربي حيث أشار إلى هذه الرواية في
((عارضة الأحوذي))، وهي أيضاً رواية أبي داود (٢٢٥٤) عن محمد بن بشار شيخ البخاري هنا، والذي
في الیونینیة دون حکایة خلاف بین رواه البخاري: ((إن الله یعلم»، بزیادة «إن».
(٢) رواية النسائي (٣٤٧٢) من طريق كليب بن شهاب عن ابن عباس، وهي أيضاً عند أبي داود (٢٢٥٥)، لكنها
عندهما مختصرة بلفظ: أن ◌َّه أمر رجلاً حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا أن يضع يده عند الخامسة على فيه،
وقال: «إنها مُوجبة))، وقد أخرجه باللفظ المذكور مطوَّلاً ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ٢٥٣٤/٨ و٢٥٣٧.
(٣) رجع إلى الحديث (٤٧٤٧).

٢٢٧
باب ٢٩ / ح ٥٣٠٨
كتاب الطلاق
رسولُ الله ◌َِّ المَسْألَةَ التي سألتُه عنها، فقال عُوَيمِرٌ: والله لا أنتَهي حتَّى أسألَه عنها، فأقبَلَ
عُوَيْمِرٌ حَتَّى جاء رسولَ الله ◌َ﴿ وَسَطَ الناسِ، فقال: يا رسولَ الله، أَرأيتَ رجلاً وجَدَ معَ امرأتِه
رجلاً، أَيُقْتُلُه فَتَقْتُلُونَه؟ أَمْ كيفَ يَفْعَلُ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّ: «قد أُنزِلَ فيكَ وفي صاحبَتِكَ،
فاذهَبْ فأْتِ بها)) قال سَهْلٌ: فَتَلاعَنا، وأنا معَ الناسِ عندَ رسولِ الله ◌ََّ، فلمَّا فرَغا من تَلاُنِهما،
قال عُوَيمِرٌ: كَذَبتُ عليها يا رسولَ الله إن أمسَكْتُها، فطَلَّقَها ثلاثاً قبلَ أن يأمرَه رسولُ الله ◌ِ.
قال ابنُ شِهابٍ: فكانت سُنّةَ المتلاعنَينِ.
٤٤٧/٩
قوله: ((باب اللِّعان)) تقدَّم معنى اللِّعان قبلُ، وهو يَنقَسِم إلى واجب ومكروه وحرام.
فالأوَّل: أن يراها تَزني أو أقَرَّت بالزِّنى فصَدَّقَها، وذلك في طُهر لم يُجامعها فيه، ثمَّ اعْتَزَلهَا مُدّةَ
العِدّة فَأَتْت بوَلَدٍ، لَزِمَه قَذفُها لِنَفْي الولد لئلا يَلحَقَه، فَيَتَرتَّب عليه المفاسدُ.
الثّاني: أن يرى أجنبيّاً يَدخُل عليها بحيثُ يَغلِب على ظنّه أَنَّه زَنَى بها، فيجوز له أن يُلاعِن،
لكن لو تَرَكَ لكانَ أَولى للسَّرِ، لأنَّه يُمكِنُهُ فِراقُها بالطَّلاق.
الثّالث: ما عدا ذلك، لكن لو استَفاضَ فوَجهان لأصحاب الشافعيّ وأحمد، فمَن أجازَ
تَسَّكَ بحديثِ: ((انظُرُوا، فإن جاءت به)(١)، فجَعَلَ الشَّبَهَ دالاً على نَفْيه منه، ولا حُجّة فيه لأنَّه
سَبَقَ اللِّعانُ في الصُّورة المذكورة كما سيأتي (٥٣٠٩)، ومَن مَنَعَ تَسَّكَ بحديثِ الذي أنكَرَ شَبَه
ولده به(٢).
قوله: ((ومَن طَلَّقَ)) أي: بعد أن لا عَنَ. في هذه التَّرجمة إشارة إلى الخلاف: هل تقع الفُرقة
في اللِّعان بنفسِ اللِّعان، أو بإيقاع الحاكم بعد الفراغ أو بإيقاع الزَّوجِ؟ فذهب مالكٌ والشافعيِّ
ومَن تَبعَهما إلى أنَّ الفُرقة تقع بنفسِ اللِّعان، قال مالكٌ وغالبُ أصحابه: بعدَ فراغ المرأة،
وقال الشافعيّ وأتباعه وسَحْنون من المالكيَّة: بعدَ فراغ الَّوجِ، واعتُلَّ بأنَّ التِعانَ المرأة إنَّما شُرِعَ
الدفع الحدِّ عنها بخلاف الرجل، فإنَّه يزيد على ذلك في حَقّه نَفْيُ النَّسَب ولَحاق الولد وزَوال
(١) سلف برقم (٤٧٤٧).
(٢) سلف قريباً برقم (٥٣٠٥).

٢٢٨
باب ٢٩ / ح ٥٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
الفِراش، وتظهر فائدة الخلاف في الثَّوارُث لو ماتَ أحدُهما عَقِب فراغ الرجل، وفيما إذا عَلَّقَ
طلاقَ امرأةٍ بفِراق أُخرى ثمَّ لا عَنَ الأُخرَى.
وقال الثَّوريّ وأبو حنيفة وأتباعُهما: لا تقع الفُرقة حتَّى يُوقِعها عليهما الحاكم، واحتَجُّوا
بظاهرٍ ما وَقَعَ في أحاديث اللِّعان كما سيأتي بيانه، وعن أحمد روايتان، وسيأتي مزيدُ بحثٍ في ذلك
بعد خمسة أبواب (٥٣١٣).
وذهب عثمان البَتِّيّ أنَّه لا تقع الفُرقة حتَّى يُوقِعها الزَّوج، واعتَلَّ بأنَّ الفُرقة لم تُذكَر في
القرآن، ولأنَّ ظاهر الأحاديث أنَّ الَّوج هو الذي طَلَّقَ ابتداءً، ويقال: إنَّ عثمان تفرّد
بذلك، لكن نَقَلَ الطَّبَرِيُّ عن أبي الشَّعثاء جابر بن زيد البصريّ -أحدِ أصحاب ابن عبّاس،
من فقهاء التابعينَ - نحوَه.
ومُقابلُه قول أبي عُبيد: إنَّ الفُرقة بين الزَّوجَينِ تقع بنفسِ القَذف ولو لم يقع اللِّعان، وكأنَّه
مُفرَّعٌ على وُجوب اللِّعان على مَن تَحَقَّقَ ذلك من المرأة، فإذا أخَلَّ به ◌ُوقِبَ بالفُرقة تغليظاً
علیه.
قوله: ((عن ابن شهاب)) في رواية الشافعيّ (٣٠٧/٥) عن مالك: حدَّثني ابن شِهابٍ.
قوله: ((أنَّ عُوَيمِراً العَجْلانيّ)) في رواية القَعْنبيّ(١) عن مالك: عُوَيمِر بن أشقَر، وكذا
أخرجه أبو داود (٢٢٥٠) وأبو عَوَانة (٤٦٧٦) من طريق عياض بن عبد الله الفِهريّ عن
الزّهْريّ. ووَقَعَ في ((الاستيعاب)): عُوَيمِر بن أبيض، وعند الخطيب في ((المبهَمات)): عُوَيِر
ابن الحارث، وهذا هو المعتمد، فإنَّ الطَّبَرِيَّ نَسَبه في ((تهذيب الآثار))(٢) فقال: هو عُوَيِر
ابن الحارث بن زيد بن الجَدّ بن عَجْلان، فلعلَّ أباه كان يُلقَّب أشقَرَ أو أبيضَ، وفي
الصَّحابة ابنُ أشقَر آخرَ، وهو مازنيٍّ، أخرج له ابن ماجَهْ (٣١٥٣).
واتَّفَقَتِ الرّوايات عن ابن شِهاب على أنَّه مِن(٣) مُسنَد سهل، إلّا ما أخرجه النَّسائيُّ
(١) أبو داود (٢٢٤٥).
(٢) وقبلَه ابنُ سعد في ((طبقاته)) (طبعة علي محمد عمر) ٢٩٤/٤، وأسند حديثه هذا.
(٣) تحرَّف في (س) إلى: في.

٢٢٩
باب ٢٩ / ح ٥٣٠٨
كتاب الطلاق
(٣٤٦٦) من طريق عبد العزيز بن أبي سَلَمةَ وإبراهيم بن سعد، كلاهما عن الزُّهْريِّ فقال فيه:
عن سَهل عن عاصم بن عَديّ، قال: كان عُوَيمِر رجلاً من بَنِي العَجْلانِ، فقال: أيْ
عاصمُ، فذكر الحديث. والمحفوظ الأوَّل، وسيأتي عن سَهل أنَّه حَضَرَ القصَّة، فستأتي في
الحدود (٦٨٥٤) من رواية سفيان بن عُبَينة عن الزُّهْريِّ قال: قال سَهل بن سعدٍ: شَهِدت
المُتَلَاعِنَينِ وأنا ابن خمسَ عشرةَ سنةً. ووَقَعَ في «نُسخة أبي اليَمَان عن شُعَيب)) عن الزُّهْرِيِّ
عن سهل بن سعد قال: تُوُلِّ رسول الله وَ﴿ وأنا ابن خمسَ عشرةَ سنةً(١). فهذا يدلُّ على أنَّ
قصَّة اللِّعان كانت في السَّنة الأخيرة من زمان النبيِّ وَّةِ، لكن جَزَمَ الطَّبَريُّ وأبو حاتم ابن
حِبّان(٢) بأنَّ اللِّعان كان في شَعبان سنة تِسع، وجَزَمَ به غير واحد من المتأخِّرِينَ(٣)، ووَقَعَ في
حديث عبد الله بن جعفر عند الدّارَ قُطنيِّ (٣٧٠٩): أنَّ قصَّة اللِّعان كانت بمُنصَرَفِ النبيِّ ◌َّ
من تَبُوك، وهو قريب من قول الطََّريّ ومَن وافَقَه، لكن/ في إسناده الواقديُّ، فلا بُدَّ من ٤٤٨/٩
تأويل أحد القولَين، فإن أمكّنَ وإلّا فطريق شُعَيب أصحّ.
وممّا يُوهِن رواية الواقديِّ ما اتَّفَقَ عليه أهل السِّيَرِ: أنَّ التَّوَجُّه إلى تَبُوك كان في رَجَب،
وما ثَبَتَ في ((الصحيحين))(٤): أنَّ هلال بن أُميَّة أحدُ الثلاثة الذينَ تِيْبَ عليهم، وفي قِصَّته:
أنَّ امرأته استأذَنَت له النبيَّ ◌َ ◌ّهِ أَن تَخْدُمَه، فَأَذِنَ لها بشرطِ أن لا يَقرَبها فقالت: إنَّه لا حِراكَ
به، وفيه: أنَّ ذلك كان بعد أن مَضَى لهم أربعون يوماً، فكيف تقع قصّة اللِّعان في الشّهر
الذي انصَرَفُوا فيه من تَبُوك ويقع لهلال معَ كَونه فيما ذَكر من الشُّغل بنفسِه وهِجْران
الناس له وغير ذلك؟ وقد ثَبَتَ في حديث ابن عبّاس: أنَّ آية اللِّعان نزلت في حَقّه، وكذا عند
مسلم (١٤٩٦) من حديث أنس: أنَّه أوَّل مَن لاعَنَ في الإسلام. ووَقَعَ في رواية عَبّاد بن
(١) أخرجه أحمد (٢١١٠٤).
(٢) وقع في (ب) و(س): وأبو حاتم وابن حبان، بواو العطف، وهي مقحمة، لأن أبا حاتم كنية ابن حبان
نفسه، فالصحيح ما وقع في (أ) و(ع) بحذفها. وهذا الذي ذكره الطبري وابن حبان سبقهما إليه ابنُ
سعد في ((طبقاته)) (طبعة علي محمد عمر) ٤/ ٢٩٤.
(٣) كابن عبد البر في ((الاستيعاب))، وابن الأثير في ((أسد الغابة)) في ترجمة عويمر.
(٤) سلف برقم (٤٤١٨)، وأخرجه مسلم برقم (٢٧٦٩).

٢٣٠
باب ٢٩ / ح ٥٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
منصور في حديث ابن عبّاس عند أبي داود (٢٢٥٦) وأحمد (٢١٣١): حتَّى جاء هلال بن
أُميَّة - وهو أحد الثلاثة الذينَ تِيْبَ عليهم - فوَجَدَ عند أهله رجلاً، الحديث. فهذا يدلُ
على أنَّ قصّة اللِّعان تأخّرَت عن قصَّة تَبُوك(١)، والذي يظهر أنَّ القصّة كانت مُتَأخِّرة،
ولعلَّها كانت في شعبان سنة عشرٍ لا تِسعِ، وكانت الوفاة النبويَّة في شهر رَبِيعِ الأوَّلِ سنة إحدَى
عشرةَ باتِّفاقٍ، فيَلَئِم حينئذٍ معَ حديث سَهل بن سعد، ووَفَعَ عند مسلم (١٠/١٤٩٥) من
حديث ابن مسعود: كنَّا ليلةَ جُمعةٍ في المسجد إذ جاء رجل من الأنصار، فذكر القصَّة في اللِّعان
باختصار، فعَيَّنَ اليومَ لكن لم يُعيِّن الشَّهرَ ولا السَّنَةَ.
قوله: ((جاء إلى عاصم بن عَديّ)) أي: ابن الجَدّ بن العَجْلان العجلانيّ، وهو ابن عمّ
والد عُوَيمِر، وفي رواية الأوزاعيِّ عن الزُّهْريِّ التي مَضَت في التَّفْسير (٤٧٤٥): وكان
عاصم سَيِّد بني عَجْلان. والجَدّ بفتح الجيم وتشديد الدّال، والعَجْلان، بفتح المهمَلة
وسكون الجيم: هو ابن حارثة بن ضُبَيعةً من بني بَلِيٍّ بن عَمْرو بن الحاف بن قُضاعة،
وكان العَجلان حالَفَ بني عَمْرو بن عَوْف بن مالك بن الأوس من الأنصار في الجاهليّة،
وسَكَنَ المدينة فدخلوا في الأنصار.
وقد ذكر ابن الكَلْبيّ أنَّ امرأة عُوَيمِر هي بنت عاصم المذكور وأنَّ اسمها خَولة. وقال ابن
مَندَهْ في ((كتاب الصَّحابة)): خولة بنت عاصم التي قَذَقَها زوجها فلاعَنَ النُّ ێ بينهما، ها ذِكْر
ولا تُعرف ها رواية، وتبعه أبو نُعیم، ولم يذكراسَلَفهما في ذلك و کآنَّه ابن الكلبيّ.
وذكر مُقاتل بن سليمان فيما حكاه القُرطُبيّ أنَّها خولة بنت قيس، وذكر ابن مَرْدویه أنَّها بنت
أخي عاصم، فأخرج من طريق الحَكَم عن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى: أنَّ عاصم بن عَديّ لمَّا
نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرِّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ [النور: ٤] قال: يا رسول الله، أين لأحدِنا أربعة شُهَداء؟ فابتُليَ
به في بنت أخيه. وفي سنده معَ إرساله ضعف. وأخرج ابن أبي حاتم في ((الَّفسير)) (٢٥٣٥/٨)
(١) هذا البحث من الحافظ رحمه الله مبنيٌّ على ما مالَ إليه عند شرح الحديث (٤٧٤٧) أن قصة عويمر
العجلاني وقصة هلال بن أمية كانتا متزامنتين. وسيقرر هذا مرة أخرى في شرح هذا الحديث.

٢٣١
باب ٢٩ / ح ٥٣٠٨
كتاب الطلاق
عن مُقاتِل بن حَيّان قال: لمَّا سألَ عاصم عن ذلك ابتُليَ به في أهل بيته، فأتاه ابن عمّه تحته
ابنة عَمّه، رَماها بابنِ عَمِّه المرأةُ والَّوجُ والخليلُ(١)، ثلاثتُهم بنو عَمِّ عاصم(٢).
وعن ابن مَرْدويه في مُرسَل ابن أبي ليلى المذكورة: أنَّ الرجل الذي رَمَى عُوَيمِر امرأته
به هو شَرِيك بن سَحْماء. وهو يَشهَد لصِحّة هذه الرّواية لأنَّه ابن عمِّ عوَيمِر كما بيَّنْت
نَسَبه في الباب الماضي، وكذا في مُرسَل مُقاتل بن حَيّان عند ابن أبي حاتم، فقال الَّوج
لعاصمٍ: يا ابن عمِّ، أَقْسِمُ بالله لقد رأيت شَرِيك بن سَحْمَاءَ على بَطْنها وإنَّهَا لَحُبلَى وما
قَرُبْتُها منذُ أربعة أشهُر، وفي حديث عبد الله بن جعفر عند الدّارَ قُطْنِيِّ (٣٧٠٩): ((لاعَنَ
بين عُوَيمِر العَجلانيّ وامرأتِهِ، فأنكَرَ حَمْلَها الذي في بَطْنها وقال: هو لابنِ سَحماء)) ولا
يَمْتَنِعِ أن يُتَّهَمِ شَرِيك بن سَحماء بالمرأتينِ معاً.
وأمَّا قول ابن الصَّبّاغ في ((الشّامل)) أنَّ المُزَنيّ ذكر في ((المختصر)): أنَّ العَجلانيَّ قَذَفَ
زوجته بشَرِيكِ بن سَحْماء؛ وهو سَهُوٌ في النَّقْل، وإنَّما القاذِف بشَرِيكِ هلالُ بن أُميَّة، فكأنَّه
لم يَعرِف مُستنَد المُزَنِّ في ذلك، وإذا جاء الخبر من طرق متعدِّدة فإنَّ بعضها يَعضُد بعضاً،
والجمع مُمكِن فَيَتعيَّنُ المصير إليه، فهو أولى من التَّغليط(٣).
قوله: «آرایت رجلاً» أي: أخبرني عن حُكْم رجلٍ.
قوله: ((وجَدَ معَ امرأته رجلاً))/ كذا اقتَصَرَ على قوله: ((مَعَ)) فاستعملَ الكِناية، فإنَّ مُراده مَعيَّةٌ ٤٤٩/٩
خاصّةٌ، ومُراده أنَّه يكون وحدَه(٤) عند الرُّؤية.
(١) تصحف في (س) إلى ((الحليل)) بالجاء المهملة.
(٢) وروي هذا أيضاً من طريق الشعبي عن عاصم بن عدي، عند العُقيلي في ((الضعفاء)) ٢/ ١٣٧، وابن أبي حاتم في
(تفسيره)) ٢٥٢٨/٨، والطبراني في «الكبير)) ١٧/ (٤٦٠)، وفي ((الأوسط)) (٨٥٥). وقال أبو حاتم: الشعبي لم
يدرك عاصم بن عدي، وقال العقيلي: رواه الناس عن حصين عن الشعبي مرسلاً.
(٣) وقد بحث البيهقي ذلك أيضاً في ((بيان خطأ من أخطأ على الشافعي)) ص٢٥٩ - ٢٦٦، وأسند فيه وفي ((معرفة
السنن والآثار)) (١٥١٢٢)، وفي ((السنن الكبرى)) ٧/ ٤٠٧ عن القاسم بن محمد عن ابن عباس: أن العجلاني
رمى امرأته بابن السحماء. وهذا أيضاً أخرجه أحمد (٣١٠٦) من طريق القاسم بن محمد عن ابن عباس، ورواه
الشافعي في ((الأم)) ٧/ ٣١١ من مرسل هشام بن عروة.
(٤) تصخَّف في (ب) و(س) إلى: وجده.

٢٣٢
باب ٢٩ / ح ٥٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أيُقتُلُه فَتَقْتُلُونَه)) أي: قِصاصاً لِتَقدُّمِ عِلمه بحُكمِ القِصاص لعُمومٍ قوله تعالى:
﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، لكنْ طَرَقَه (١) احتمالُ أن يُخَصَّ من ذلك ما يقع بالسَّبَب
الذي لا يُقدَر على الصَّبر عليه غالباً من الغَيرة التي في طَبْع البشر، ولأجلِ هذا قال: ((أَمْ كيف
يفعل؟)) وقد تقدَّم في أوَّل (باب الغَيرة)) استشكال سعد بن عُبَادة مِثل ذلك وقوله: لو رأيتُه
لَضَرَ بْتُه بالسَّيفِ غير مُصْفَح(٢)، وتقدَّم في تفسير النّور (٤٧٤٧) قولُ النبيِّوَِّلهلال بن أُميَّةً لمَّاً
سألَه عن مِثل ذلك: ((البيَِّةَ، وإلّا حَدٌّ في ظَهرك))، وذلك كلّه قبل أن يَنزِل اللِّعان.
وقد اختَلَفَ العلماء فيمَن وجَدَ معَ امرأته رجلاً فتَحقَّقَ الأمرَ فقَتَلَه، هل يُقْتَل به؟
فمَنَعَ الجمهور الإقدامَ، وقالوا: يُقْتَصّ منه إلّا أن يأتيَ بَبَيِّنة الزِّنى، أو على المقتول بالاعتراف،
أو يَعتَرِف به وَرَثَتُه، فلا يُقْتَل القاتلُ به بشَرْطِ أن يكون المقتول مُحصَناً، وقيل: بل يُقتَل به،
لأنَّه ليس له أن يُقيم الحدَّ بغير إذن الإمام.
وقال بعض السَّلَف: بل لا يُقتَل أصلاً ويُعزَّر فيما فعَلَه إذا ظَهَرَت أماراتُ صِدْقه، وشَرَطَ
أحمد وإسحاق ومَن تَبعَهما أن يأتي بشاهدَينِ أنَّه قتلَه بسبب ذلك، ووافَقَهم ابن القاسم وابن
حَبيب من المالكيَّة، لكن زاد: أن يكون المقتول قد أُحصِنَ. قال القُرطُبيّ: ظاهر تقرير عُوَيمِر على
ما قال يُؤدِّد قولهم. كذا قال، والله أعلم.
وقوله: ((أَمْ كيف يفعل؟)) يحتمل أن تكون ((أَمْ)) مُتَّصِلة، والتَّقدير: أَم يَصبر على ما به
من المَضَض، ويحتمل أن تكون مُنقَطِعة بمعنى الإضراب، أي: بل هناك حُكم آخر لا
يَعِرِفه ويريد أن يَطَلِعِ عليه، فلذلك قال: سَلْ لي يا عاصم. وإِنَّا خَصَّ عاصماً بذلك لمَا تقدَّم
من أنّه کان کبیر قومه وصِهْره على ابنته أو ابنة أخيه، ولعلَّه كان اطَلَعَ علی نایِل ما سألَ عنه،
لكن لم يَتَحقَّقه فلذلك لم يُفصِح به، أو الطَّلَعَ حقيقةً لكن خَشِيَ إذا صَرَّحَ به من العُقوبة
التي تَضَمَّنَها مَن رَمَى المحصَنة بغير بَيِّنة. أشارَ إلى ذلك ابن العربيّ، قال: ويحتمل أن يكون لم
يقع له شيء من ذلك لكن اّفقَ انَّه وَقَعَ في نفسه إرادة الاطلاع على الحكم فابتلي به، كما يقال:
(١) وقع في (س): لكن في طرقه، وهو خطأ.
(٢) سيأتي برقم (٦٨٤٦).

٢٣٣
باب ٢٩ / ح ٥٣٠٨
كتاب الطلاق
البلاء مُوكَّل بالمَنْطِقِ، ومن ثَمَّ قال: إنَّ الذي سألتُك عنه قد ابتُليتُ به.
وقد وَقَعَ في حديث ابن عمر عند مسلم (٤/١٤٩٣) في قصَّة العَجلانيّ: فقال: أرأيتَ إن
وجَدَ رجلٌ مِعَ امرأته رجلاً، فإن تَكلَّمَ به تَكلَّمَ بأمرٍ عظيم، وإن سَكَتَ سَكَتَ على مثل ذلك.
وفي حديث ابن مسعود عنده أيضاً (١٠/١٤٩٥): إن تَكلَّمَ جَلَدتُوه، أو قَتَلَ قَتَلتُموه، وإن
سَكَتَ سَكَتَ على غَيظٍ. وهذه أتمّ الرِّوايات في هذا المعنى.
قوله: ((فَكَرِهَ رسولُ اللهِ وَِّ المَسائلَ وعابَها، حتَّى كَبُرَ)) بفتح الكاف وضمّ الموحّدة،
أي: عَظُمَ، وزناً ومعنّى، وسَببُهُ أنَّ الحامل لعاصمٍ على السُّؤال غيرُه، فاختُصَّ هو بالإنكار
عليه، ولهذا قال لعُوَيمِر لمَّا رَجَعَ فاستَفْهَمَه عن الجواب: لم تأتِني بخيرٍ.
تنبيهان:
الأوَّل: تقدَّم في تفسير النّور أنَّ النَّوَويّ نَقَلَ عن الواحديّ: أنَّ عاصماً أحدُ مَن لاعَنَ،
وتقدَّم إنكار ذلك. ثمَّ وقَفت على مُستنَده، وهو مذكور في ((معاني القرآن)) للفَرّاءِ (٢٤٦/٢)
لكنَّه غَلَط.
الثّاني: وَقَعَ في ((السِّيرة)) لابنِ حِبّان في حوادث سنة تسع: ثُمَّ لاعَنَ بين عُوَيِر بن
الحارث العجلانيّ - وهو الذي يقال له: عاصم - وبين امرأته بعد العصر في المسجد. وقد
أنكَرَ بعض شيوخنا قوله: وهو الذي يقال له عاصم. والذي يظهر لي أنَّه تحريف، وكأنّه
كان في الأصل : الذي سألَ له عاصم، والله أعلم.
وسبب كراهة ذلك ما قال الشافعيُّ: كانت المسائل فيما لم ینزِلْ فیه حُكمٌ زمنَ نزول
الوحي ممنوعةً، لئلا يَنزِلَ الوحيُّ بالتَّحريمِ فيما لم يكن قبلَ ذلك مُرَّماً فيُحرَّمِ، ويَشهَد له
الحديث المخرَّج في ((الصَّحيح)): ((أعظَم الناس جُرماً مَن سألَ عن شيءٍ لم يُحرَّم فحُرِّمَ من
أجل مسألَتِهِ))(١).
وقال النَّوَويّ: المراد كراهة المَسائل التي لا يُحتاج إليها، لا سيّما ما كان فيه هَتْكُ سِتِ
مسلم، أو إشاعةُ فاحشةٍ أو شَناعةٍ عليه، وليس المراد المَسائلَ المُحتاجَ إليها إذا وقَعَت،/ فقد ٤٥٠/٩
(١) سیأتي برقم (٧٢٨٩)، وأخرجه مسلم برقم (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقاص

٢٣٤
باب ٢٩ / ح ٥٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
كان المسلمونَ يسألونَ عن النَّوازِل فِيُجِيبُهمِ وَّه بغير كراهة، فلمَّا كان في سؤال عاصم شَناعةٌ
ويَتَرتَّب عليه تسليط اليهود والمنافقينَ على أعراض المسلمينَ كَرِهَ مسألته. ورُبّما كان في المسألة
تضييقٌ، وكان وَِّ يُحِبّ التَّيسير على أُمَّته وشواهدُ ذلك في الأحاديث كثيرة، وفي حديث
جابر: ما نَزَلت آيةُ اللِّعان إلّا لكَثْرة السُّؤال. أخرجه الخطيب في ((المبهَمات)) (١) من طريق مُجُالد
عن عامر عنه.
قوله: ((فقال عُوَيمِر: والله لا أَنْتَهي)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ما أَنْتَهي؛ أي: ما أرجِع عن
السُّؤال ولو ◌ُپیتُ عنه، زاد ابن أبي ذِئب في روايته عن ابن شهاب في هذا الحدیث کما سيأتي
في الاعتصام (٧٣٠٤): فَأَنزَلَ اللهُ القرآنَ خَلْفَ عاصمٍ. أي: بعد أن رَجَعَ من عند رسول الله
وَلّ. وفي رواية ابن جُرَيج (٥٣٠٩) في الباب الذي بعد هذا: فأنزَلَ الله في شأنه ما ذَكر في
القرآن من أمر المُلاعَنة (٢). وفي رواية إبراهيم بن سعد: فَأَتَاه فوَجَدَه قد أُنزِلَ عليه(٣).
قوله: ((فأقبَلَ عُوَيمِرٌ حتَّى جاء رسولَ الله وََّ)) بالنَّصب ((وَسَط الناسِ)) بفتح السِّين
وبسُکونها.
قوله: ((فقال رسول الله وَالَ: قد أُنْزِلَ فيكَ وفي صاحبَتَك)) ظاهر هذا السّياق أنَّه كان
تقدَّم منه إشارةٌ إلى خُصوص ما وَقَعَ له معَ امرأته، فَيَتَرَجَّح أحد الاحتمالات التي أشارَ
إليها ابن العربيّ، لكن ظَهَرَ لي من بَقِيَّة الطُّرق أنَّ في السِّياق اختصاراً، ويُوضِّح ذلك ما وَقَعَ في
حديث ابن عمر في قصَّة العَجلانيّ بعد قوله: ((إن تَكلَّمَ تَكلَّمَ بأمرٍ عظيم، وإن سَكَتَ سَكَتَ
على مِثل ذلك، فسَكَتَ عنه النبيُّ ◌َّةِ، فلمَّا كان بعد ذلك أتاه، فقال: إنَّ الذي سألتُك عنه قد
ابتُليتُ به)) (٤)، فدَلَّ على أنَّه لم يَذكُر امرأته إلّا بعد أن انصَرَفَ ثمّ عادَ.
(١) ص ٤٨١.
(٢) كذا وقعت الرواية للحافظ، وفي الأصل الذي عندنا برواية أبي ذرِّ الهروي: من أمر التلاعن، والذي في
اليونينية دون حكاية خلاف بين رواة البخاري: من أمر المتلاعنين. وقد ذكر الحافظ هذا الحديث في
الجزة الخامس من ((معجم الشيخة مريم الأذرعية)) برقم (١) باللفظ الذي وقع له هنا.
(٣) أخرجها أحمد في ((مسنده)) برقم (٢٢٨٣٠)، وابن ماجه برقم (٢٠٦٦).
(٤) أخرجه مسلم برقم (١٤٩٣) (٤)، والنسائي برقم (٣٤٧٣).

٢٣٥
باب ٢٩ / ح ٥٣٠٨
كتاب الطلاق
ووَقَعَ في حديث ابن مسعود أنَّ الرجل لمَّا قال: وإن سَكَتَ سَكَتَ على غَيظ، قال
النبيُّ وَّةِ: ((اللهمَّ افتَح)) وجَعَلَ يَدعو، فنزلت آية اللِّعان(١). وهذا ظاهره أنَّ الآية نزلت
عَقِب السُّؤال، لكن يحتمل أن يَتَخلَّل بين الدُّعاء والتُّزول زمنٌ بحيثُ يذهب عاصمٌ ويعود
عُوَيمِرٌ، وهذا كلُّه ظاهر جدّاً في أنَّ القصَّة نزلت بسبب عُوَيمِر.
ويُعارضه ما تقدَّم في تفسير النّور من حديث ابن عبّاس (٤٧٤٧): أنَّ هلال بن أُميَّة
قَذَفَ امرأته بشَرِيكِ بن سَحماء، فقال النبيُّ وَّهِ: ((البَيِّئَةَ أَو حَدٍّ في ظَهرك)) فقال هلال: والذي
بَعَثَك بالحقِّ إِنَّني لَصادِقٌ، ولَيُنزِلَنَّ الله فيَّ ما يُبَرِّئُ ظَهري من الحدّ، فنزلَ جِبْرِيل فأنْزَلَ
عليه: ﴿ وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾، الحديث.
وفي رواية عَبّاد بن منصور عن عِكْرمة عن ابن عبّاس في هذا الحديث عند أبي داود
(٢٢٥٦): فقال هلال: وإنّي لَأرجو أن يجعل الله لي فَرَجاً. قال: فبينا رسول الله ◌َ ◌ّ﴾ كذلك إذنزلَ
عليه الوحيُ.
وفي حديث أنس عند مسلم (١٤٩٦/ ١١): أنَّ هلال بن أُميَّةً قَذَفَ امرأته بشَرِيكِ بن
سَحماءَ، وكان أخا البراء بن مالك لأُمِّه، وكان أوَّل رجل لا عَنَ في الإسلام.
فهذا يدلُّ على أنَّ الآية نزلت بسَبب هلال، وقد قَدَّمت اختلاف أهل العلم في الرَّاجح من
ذلك، وبيَّنت كيفيَّة الجمع بينهما في تفسير سورة النّور: بأن يكون هلالٌ سألَ أوَّلاً ثمّ سألَ
عُوَيمٌِ، فنزلت في شأنهما معاً، وظَهَرَ لي الآنَ احتمالُ أن يكون عاصم سألَ قبل التُّزول ثمَّ
جاء هلالٌ بعده فنزلت عند سؤاله، فجاء عُوَيمِرٌ في المّة الثّانية التي قال فيها: إنَّ الذي
سألتُك عنه قد ابتُليتُ به. فَوَجَدَ الآية نزلت في شأن هلال، فأعلمَه النبيُّ وَلّ بأنَّها نزلت
فيه، يعني أنَّا نزلت في كلّ مَن وَقَعَ له ذلك، لأنَّ ذلك لا يَخْتَصّ بهلالٍ. وكذا يُجاب على سياق
حديث ابن مسعود، يحتمل أنَّه لمَّا شَرَعَ يَدعُو بعدَ تَوُّهِ العَجلانيّ جاء هلال فذكر قِصَّته
فنزلت، فجاء عوَیمِرٌ فقال: «قد نزلَ فِيك وفي صاحبتك».
(١) أخرجه مسلم برقم (١٤٩٥) (١٠).

٢٣٦
باب ٢٩ / ح ٥٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فاذهب فأتِ بها)) يعني: فذهب فأتى بها. واستُدِلَّ به على أنَّ اللِّعان يكون عند الحاكم
وبأمره، فلو تَراضَيا بمَن يُلاعِن بينهما فلاعَنَ لم يَصِحّ، لأنَّ في اللِّعان من التَّغليظ ما يقتضى أن
يَخْتَصَّ به الحُكّام. وفي حديث ابن عمر: فتَلاهُنَّ عليه - أي: الآيات التي في سورة النّور -
٤٥١/٩ ووَعَظَه وذَكَّرَه، وأخبَرَه أنَّ عذاب الدُّنيا/ أهوَن من عذاب الآخِرة، قال: لا والذي بَعَثَك بالحقّ
ما كَذَبتُ عليها، ثمَّ دَعاها فوَعَظَها وذَكَّرَها وأخبَرَها أنَّ عذاب الدُّنيا أهوَنُ من عذاب الآخرة
قالت: والذي بَعَثَك بالحقِّ إنَّه لكاذِبٌ.
قوله: «قال سَهْلٌ)) هو موصولٌ بالإسناد المُبدَأ به.
قوله: ((فتَلاعَنا)) فيه حذفٌ تقديره: فذهب فأَتى بها، فسألَمَا فأنكَرَت، فأُمِرا(١) باللِّعان
فتَلاعَنا.
قوله: ((وأنا معَ الناس عند رسول الله وَ ﴿) زاد ابن جُرَيج كما في الباب الذي بعده: في المسجد.
وزاد ابن إسحاق في روايته عن ابن شهاب في هذا الحديث: بعد العصر. أخرجه أحمد (٢)، وفي
حديث عبد الله بن جعفر: بعد العصر عند المنبر، وسنده ضعيف(٣).
واستُدِلَّ بمجموع ذلك على أنَّ اللِّعان يكون بحَضرة الحُكّام وبمَجمَع من الناس،
وهو أحد أنواع التَّغليظ. ثانيها: الزّمان. ثالثها: المكان. وهذا التَّغليظ مُستَحَبّ، وقيل:
واجب.
تنبيه: لم أرَ في شيءٍ من طرق حديث سَهل صِفَة تَلاعُنِهما إلّا ما في رواية الأوزاعيِّ
الماضية في التَّفسير (٤٧٤٥)، فإنَّه قال: فأمَرَهما بالملاعَنة بما سَمَّى اللهُ في كتابه. وظاهره
أنَّهما لم يَزِيدا على ما في الآية. وحديث ابن عمر عند مسلم (٤/١٤٩٣) صريح في ذلك
فإنَّ فيه: فبَدَأ بالرجلِ فشَهِدَ أربع شهادات بالله إنَّه لمن الصّادِقِينَ، والخامسةَ أنَّ لَعنة الله
(١) كذا في (أ)، ووقع في (ع) و(س): فأمر. بصيغة الغائب المفرد، يعني النبي وَّ.
(٢) في («مسنده)) (٢٢٨٣١)، لكنه لم يذكر لفظه بتمامه، فلم يقع عنده ما ذكره الحافظ، وهو عند ابن المنذر في
((الأوسط)) (٧٧٥٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٥٦٨٨)، مطولاً، وفيه ما ذكره الحافظ.
(٣) أخرجه الدار قطني في ((السنن)) (٣٧٠٩)، والبيهقي في ((الكبرى)) ٣٩٨/٧.

٢٣٧
باب ٢٩ / ح ٥٣٠٨
كتاب الطلاق
عليه إن كان من الكاذِبينَ، ثمَّ ثَنَّى بالمرأة، الحديث. وحديث ابن مسعود (١٤٩٥/ ١٠) نحوه،
لكن زاد فيه: فذهبت لِتَلتَعِنَ فقال النبيُّ ێ: ((مَه)) فأَبَتْ، فالْتَعَنَت. وفي حديث أنس عند أبي
يَعْلى (٢٨٢٤) وأصله في مسلم (١٤٩٦): فدعاه النبيُّ ◌َ له فقال: «أتشهَدُ بالله إنَّك لمن الصّادِقِينَ
فيما رَمَيتَها به من الزِّنى؟)) فشَهِدَ بذلك أربعاً ثمَّ قال له في الخامسة: ((ولعنةُ الله عليك إن كنتَ من
الكاذِينَ؟)» ففَعَلَ، ثمَّ دَعاها، فذكر نحوَه، فلمَّا كان في الخامسة سَكَتَت سَكْنَةً حَتَّى ظنُّوا أَنَّهَا
سَتَعَتَرِف، ثمَّ قالت: لا أفضَح قومي سائرَ اليوم، فمَضَت على القول.
وفي حديث ابن عباس من طريق عاصم بن ◌ُلیب عن أبيه عنه عند أبي داود (٢٢٥٥)
والنَّسائيِّ (٣٤٧٢) وابن أبي حاتم (٢٥٣٤/٨): فدعا الرَّجلَ، فشَهِدَ أربع شهادات بالله إنَّه لمن
الصّادِقِينَ، فأمَرَ به فأُمْسِكَ على فِيهِ، فَوَعَظَه فقال: ((كلُّ شيءٍ أهوَنُ عليك من لَعنة الله)) ثمَّ أرسَلَه
فقال: (لَعنة الله عليه إن كان من الكاذِبِينَ)) وقال في المرأة نحوَ ذلك(١). وهذه الطَّريق لم يُسَمَّ فيها
الَّوج ولا الَّوجة، بخلاف حديث أنسٍ(٢) فصَرَّحَ فيه بأنّها في قصَّة هلال بن أُميَّةً، فإن كانت
القصَّة واحدةً ووقع الوَهْمُ في تَسمية الملاعِن كما جَزَمَ به غير واحد ثمّن ذكرته في التَّفسير، فهذه
زيادة من ثقة فتُعتَمَد، وإن كانت متعدِّدة فقد ثَبَتَ بعضها في قَصَّه امرأة هلال کما ذكرته في آخر
(باب يَدَأ الرجل بالتَّلامُنِ».
قوله: ((فلمَّا فَرَغا من تَلاعُنهما قال عُوَيمِر: كَذَبْت عليها يا رسول الله إن أمسَكْتُها)) في رواية
الأوزاعيِّ (٤٧٤٥): إن حَبَستُها فقد ظَلَمتُها.
قوله: ((فطَلَّقَها ثلاثاً) في رواية ابن إسحاق: ظَلَمتُها إن أمسَكتُها، فهي الطَّلاقُ، فهي
الطَّلاقُ، فهي الطَّلاق(٣)، وقد تفرَّد بهذه الزّيادة ولم يُتَابَعْ عليها، وكأنَّه رواه بالمعنى
(١) رواية أبي داود والنسائي مختصرة كما أوضحناه في آخر شرح الحديث السابق، واللفظ المذكور وقع عند
ابن أبي حاتم.
(٢) حديث أنس أخرجه مسلم برقم (١٤٩٦)، وأحمد في ((مسنده)) برقم (١٢٤٥٠)، والنسائي برقم (٣٤٦٨).
(٣) كذا في الأصول بتكرير قوله: ((فهي الطلاق)) ثلاث مرات، كما في ((مسند أحمد)» (٢٢٨٣١)، ووقع في
(س) مرتين، وأما رواية ابن المنذر (٧٧٥٣) والطبراني برقم (٥٦٨٨) فوقع فيها بلفظ: هي طالق البتة.

٢٣٨
باب ٢٩ / ح ٥٣٠٨
فتح الباري بشرح البخاري
لاعتقادِهِ مَنْعَ جَمْع الطَّلَقات الثلاث بكلمةٍ واحدة، وقد تقدَّم البحث فيه من قبلُ في
أوائل الطَّلاق (٥٢٥٩).
واستُذِلَّ بقولِه: طَلَّقَها ثلاثاً، أنَّ الفُرقة بين المتلاعِنَينِ تتوقّف على تطليق الرجل كما تقدَّم
نَقله عن عثمان البِّيّ، وأُجيب بقولِه في حديث ابن عمر: فَرَّقَ النبيّ نَّه بين المتلاعِنَينِ. فإنَّ
حديث سَهل وحديث ابن عمر في قصَّة واحدة، وظاهر حديث ابن عمر أنَّ الفُرقة وَقَعَت
بتفريق النبيِّ ◌َلّ.
وقد وَقَعَ في ((شرح مسلم)) للنَّوَويِّ: قوله: (كَذَبتُ عليها يا رسولَ الله إنْ أَمسَكْتُها)»
هو كلامٌ مستقِلٍّ، وقوله: ((فطَلَّقها)) أي: ثمَّ عَقَّبَ قولَه ذلك بطلاقها، وذلك لأنَّه ظنَّ أنَّ
اللِّعان لا يُرِّمها عليه، فأراد تَحريمَها بالطَّلاق فقال: هيَ طالق ثلاثاً، فقال له النبيُّ وَّل.
((لا سبيلَ لك عليها)) أي: لا مِلك لك عليها فلا يقع طلاقك. انتهى، وهو يُوهِم أنَّ
٤٥٢/٩ قوله: ((لا سبيلَ لك عليها)) وَقَعَ منه وََّ عَقِب/ قول الملاعِن: هي طالق ثلاثاً، وأنَّه
موجود كذلك في حديث سَهل بن سعد الذي شَرَحَه، وليس كذلك فإنَّ قوله: ((لا سبيلَ
لك عليها)) لم يقع في حديث سَهل، وإنَّمَا وَقَعَ في حديث ابن عمر عَقِب قوله: ((اللهُ يَعلمُ
أنَّ أحدَكُما کاذِب، لا سبيلَ لك عليها)» وفيه: قال: يا رسول الله، مالي، الحديث. كذا في
((الصحيحين))(١)، وظَهَرَ من ذلك أنَّ قوله: ((لا سبيلَ لك عليها)) إنَّمَا اسْتَدَلَّ مَن استَدَلَّ
به من أصحابنا لِوُقوع الفُرقة بنفسِ الطَّلاق من عُموم لفظه لا من خُصوص السّياق،
والله أعلم.
قوله: ((قال ابن شهاب: فكانت سُنَّةَ المتلاعِنَينِ)) زاد أبو داود (٢٢٤٥) عن القَعْنبيِّ عن
مالكٍ: فكانت تلكَ(٢). وهي إشارة إلى الفُرقة، وفي رواية ابن جُرَيج في الباب بعده:
(١) سيأتي برقم (٥٣١١) و(٥٣١٢)، وأخرجه مسلم برقم (١٤٩٣) (٥).
(٢) وهذه الزيادة وقعت عند البخاري في آخر الحديث الآتي برقم (٥٢٥٩)، فيما أخرجه عن عبد الله بن يوسف
عن مالكٍ باللفظ المذكور عند أبي داود، وقد فات الحافظ عزوها إليه.

٢٣٩
باب ٢٩ / ح ٥٣٠٨
كتاب الطلاق
صَلَلَى اللّهـ
وَسَّام
فطَلَّقَها ثلاثاً قبلَ أن يأمره رسول الله وٍَّ حين فَرَغا من التَّلاعُن، ففارَقَها عند النبيِّ
فقال: ذلك تَفْرِيقٌ بين كلّ مُتَلاعِنَينِ. كذا للمُستَمْلِي(١)، ولِلباقينَ: فكان ذلك تفريقاً،
ولِلكُشْمِيهني: ((فصارَ)) بَدَل ((فكان)).
وأخرجه مسلم (٣/١٤٩٢) من طريق ابن جُرَيج بلفظ: فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((ذلك التَّفريق
بين كلّ مُتَلاعِنَينِ)) وهو يُؤْيِّد رواية المُستَمْلي، ومن طريق يونس عن ابن شِهاب قال؛
بمِثلِ حديث مالكِ، قال مسلم: لكن أُدرِجَ قوله: وكان فِراقُه إيّاها بعدُ سُنّةً بين المتلاعِنَينِ.
وكذا ذكر الدّارَ قُطنيُّ في ((غرائب مالك)) اختلافَ الرُّواة على ابن شِهاب ثمَّ على مالك في
تعيين مَن قال: فكان فِراقُهما(٢) سُنّةً، هل هو من قول سَهلِ أو من قول ابن شِهاب، وذكر
ذلك الشافعيُّ وأشارَ إلى أنَّ نِسبته إلى ابن شِهاب لا تَمَنَعَ نِسبَتَه إلى سَهل، ويُؤيِّده ما وَقَعَ
عند أبي داود (٢٢٥٠) من طريق عياض بن عبد الله الفِهْريّ عن ابن شِهاب عن سهل قال:
فطَلَّقَها ثلاثَ تطليقاتٍ عند رسول الله وَّةِ، فَأَنفَذَه رسولُ الله ◌َِّ، وكان ما صُنِعَ عند
رسول الله وَلّهِ سُنّةَ، قال سهل: حَضَرت هذا عند رسول الله وَّه، فمَضَت السُّنّة بعدُ في
المتلاِنَينِ أن يُفرَّق بينهما ثمَّ لا يَتَمِعان أبداً؛ فقوله: فمَضَت السُّنّة، ظاهرٌ في أنَّه من تمام
قول سَهل، ويحتمل أنَّه من قول ابن شِهاب، ويُؤْيِّده أنَّ ابن جُرَيج كما في الباب الذي بعده
أورَدَ قول ابن شِهاب في ذلك بعدَ ذِكْر حديث سَهل فقال بعد قوله: ذلك تفريقٌ بين كلّ
مُتَلاعِنَينِ: قال ابن جُرَيج: قال ابن شِهاب: كانت السُّنّة بعدَهما أن يُفرَّق بين المتلاعِنَين. ثمَّ
وجدتُ في نُسخة الصَّغَانيّ في آخر الحديث: قال أبو عبد الله: قوله: ذلك تفريقٌ بين
المتلاعِنَينِ، من قول الزُّهْريِّ، وليس من الحديث. انتهى، وهو خلاف ظاهر سياق ابن
جُرَيج، فكأنَّ المصنِّ رأى أنَّه مُدَرَج فنَبَّهَ عليه(٣).
(١) كذا نسب الحافظ هذه الرواية للمستملي، مع أن الذي في اليونينية نسبتها للحقُِّيِّ!
(٢) وقع في (ب) و(س): ((فراقها)) بالإفراد.
(٣) وكذلك جزم بأنه مدرج الخطيبُ في ((الفصل للوصل)) ٣٠٦/١.

٢٤٠
باب ٣٠ / ح ٥٣٠٩
فتح الباري بشرح البخاري
٣٠- باب التَّلاعُن في المسجد
٥٣٠٩- حذَّثنا یحیی، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا ابنُ ◌ُرَیچ، قال: أخبرني ابنُ شِهابٍ عن
المُلاعَنةِ وعن السُّنّةِ فيها عن حديثٍ سَهْلٍ بنِ سعدٍ أخي بني ساعدةَ: أنَّ رجلاً منَ الأنصار
جاء إلى رسولِ الله وَّ﴿ فقال: يا رسولَ الله، أَرأَيتَ رجلاً وجَدَ معَ امرأتِه رجلاً، أَيَقتُلُه؟ أَمْ
كيفَ يَفْعَلُ؟ فَأَنزَلَ الله في شأنِه ما ذَكَر في القرآنِ من أَمْرِ الملاعَنَةِ(١)، فقال النبيُّ ◌َّ: ((قد فَضَى
اللهُ فيكَ وفي امرأتِكَ)) قال: فتَلاعَنا في المسجدِ وأنا شاهدٌ، فلمَّا فَرَغا قال: كَذَبتُ عليها يا
رسولَ الله إن أمسَكْتُها، فطَلَّقَها ثلاثاً قبلَ أن يأمرَه رسولُ اللهِ وَِّ حِينَ فَرَغا منَ التَّلاعُنِ،
ففارَفَها عندَ النبيِّ نَِّ، فقال: ((ذلك تَفْرِيقٌ بينَ كلِّ مُتَلاعَينِ)).
قال ابنُ جُرَيج: قال ابنُ شِهابٍ: فكانت السُّنَّةُ بعدَهما أن يُفرَّقَ بينَ المُتلاعنَينِ. وكانت حامِلاً،
٤٥٣/٩ وكان ابنُها يُدْعَى لِأُمَّه. قال: ثمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ في مِيراثِها أنَّها تَرِثُه ويَرِثُ / منها ما فَرَضَ اللهُ لها.
قال ابنُ جُرَيج: عن ابنِ شِهابٍ عن سَهْلِ بنِ سعدِ الساعدِيِّ في هذا الحديثِ: أنَّ النبيَّ ◌َه
قال: ((إنْ جاءَتْ به أَحمرَ قَصِيراً كأنَّه وَحَرةٌ، فلا أُراها إلّا صَدَقَت وكَذَبَ عليها، وإنْ جاءَتْ
به أسوَدَ أَعْيَنَّ، ذا أَلْيَتَينِ، فلا أُراهُ إلَّا قد صَدَقَ عليها)) فجاءتْ به على المَكْرُوهِ من ذلك.
قوله: ((باب التَّلاعُنِ في المسجد)) أشارَ بهذه التَّرجمة إلى خلاف الحنفيَّةَ أنَّ اللِّعان لا يَتَعيَّن في
المسجد، وإنَّما يكون حيثُ كان الإمام أو حيثُ شاءَ.
قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن جعفرٍ(٢).
قوله: ((أخبَرَني ابن شِهاب عن المُلاعَنة وعن السُّنّة فيها عن حديث سَهْل بن سَعْد أخي
بَنِي ساعِدة)) وَقَعَ عند الطََّرَيِّ (١٨/ ٨٥) في أوَّل الإسناد زيادة، فإنَّه أخرج من طريق حَجّاج بن
(١) كذا وقعت الرواية للحافظ كما تقدم عند شرح الحديث الذي قبل هذا.
(٢) ذكر الحافظ في المقدمة أن ابن السكن نسبه، فقال: يحيى بن موسى، وهو الملقّب بِخَتٌّ، وذَكَر أن البخاري
إذا روى عن يحيى بن جعفر فإنه ينسبه !! قلنا: وقد تقدم هذا الحديث بعينه مختصراً برقم (٤٢٣) وذكر
الحافظ هناك أن يحيى جاء مقيداً في رواية الكشميهني بابن موسى وأنَّ ابن السكن نسبه كذلك، وأنَّ من
قال فيه: ابن جعفر، فقد أخطأ!