Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣-٥٢٧٧ كتاب الطلاق من طريق أُخرى كما ذكره في الباب أيضاً. قوله: ((حدَّثنا خالدٌ)) هو ابنُ مِهِرانَ الحَذّاء. قوله: ((أنَّ امرأةً ثابتِ بن قيس)) أي: ابن شَّاس، بمُعجَمةٍ ثمَّ مُهمَلة، خطيبُ الأنصار، تقدَّم ذِكْره في المناقب (٣٦١٣)، وأبهَمَ في هذه الطَّريق اسمَ المرأة وفي الطّرق التي بعدها، وسُمّيَت في آخر الباب في طريق حمّاد بن زيد عن أيوب عن عِكْرمة مُرسَلاً: جميلةَ، وَوَقَعَ في الرّواية الثّانية: ((أنَّ أُخت عبد الله بن أُبيّ)، يعني: كبير الخَزَرَج ورأسَ النِّفاق الذي تقدَّم خَبَره في تفسير سورة براءة (٤٦٧٢) وفي تفسير سورة المنافقينَ (٤٩٠١)، فظاهره أنَّها جميلة بنت أبيٍّ، ويُؤيِّده أنَّ في رواية قَتَادة عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: أنَّ جميلة بنت سَلُولَ جاءت، الحديثَ، أخرجه ابن ماجَهْ (٢٠٥٦) والبيهقيُّ (٣١٣/٧). وسَلول: امرأةٌ اختُلِفَ فيها هل هي أُمُّ أيٍّ أو امرأتُه. ووَقَعَ في رواية النَّسائيِّ (٣٤٩٧) والطبرانيّ(١) من حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ: أنَّ ثابت بن قيس بن شَّاس ضَرَبَ امرأته فكَسَرَ يدَها، وهي جَميلةُ بنت عبد الله بن أُبيّ، فأتى أخوها يَشتَكي إلى رسول الله وَله، الحديثَ، وبذلك جَزَمَ ابن سعد في ((الطَّقات)) (٣٨٢/٨) فقال: جَميلة بنت عبد الله بن أُبيّ، أسلَمَت وبايعَت، وكانت تحت حَنظَلة بن أبي عامٍ غَسيل الملائكة، فقُتِلَ عنها بأُحُدٍ وهي حاملٌ فَوَلَدَت له عبدَ الله بن حَنظَلة، فخَلَفَ عليها ثابت بن قيس فَوَلَدَت له ابنَه محمَّداً، ثمَّ اختَلَعَت منه فتزوَّجَها مالك بن الدُّخْشُم ثمَّ خُبَيبُ بن إساف. ووَقَعَ في رواية حَجّاج بن محمَّد عن ابن جُرَيج: أخبرني أبو الزُّبَير: أنَّ ثابت بن قيس بن شَّاس كانت عنده زينبُ بنت عبد الله بن أُبيِّ ابنِ سَلُول، وكان أصدَقَها حديقةً فكَرِهَته، الحديثَ، أخرجه الدّارَقُطنيُّ (٣٦٢٩) والبيهقيُّ (٣١٤/٧)، وسندُه قويٌّ معَ إرساله (٢)، ولا (١) في ((الأوسط)) برقم (٦٩٦٣). (٢) لكن وقع في آخره عندهما وعند عبد الرزاق مِن قبلها (١١٨٤٣): سمعه أبو الزبير من غير واحد. ورواية عبد الرزاق عن ابن جريج، ولهذا صحح إسناده ابن الجوزي في ((التحقيق)) (١٦٩٣)، وجوّد إسناده الذهبي في ((تنقيحه)) ٢٠٢/٢، والظاهر أن هذه العبارة لابن جريج، ونسبتها للدارقطني - كما قال ابن الجوزي، وتبعه الذهبي وغيره - خطأ، منشؤه عدم وقوفهم على رواية عبد الرزاق. ١٢٢ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣-٥٢٧٧ فتح الباري بشرح البخاري تَنافيَ بينه وبين الذي قبلَه لاحتمال أن يكون لها اسمانٍ أو أحدُهما لَقَبٌ، وإن لم يُؤْخَذ بهذا الجمعِ فالموصولُ أصحُّ، وقد اعتَضَد بقولِ أهل النَّسَب: إنَّ اسمَها جَميلةُ، وبه جَزَمَ الدِّمياطيّ وذكر أنَّها كانت أُختَ عبد الله بن عبد الله بن أُبيِّ شَقِيقتَه، أمُّهما خولة بنت المنذِر ابن حرام. قال الدِّمياطيّ: والذي وَقَعَ في البخاريّ من أنَّهَا بنت أُبيِّ وَهْمٌ. قلت: ولا يَلِيق إطلاق كَونه وَهْماً، فإنَّ الذي وَقَعَ فيه: أُخت عبد الله بن أُبيِّ، وهي أُخت عبد الله بلا شَكّ، لكن نُسِبَ أخوها في هذه الرِّواية إلى جَدّه أُبيِّ، كما نُسِبَت هي في رواية قَتَادة إلى جَدَّتها سَلول، فبهذا يُجمَع بين المختلف من ذلك. وأمَّا ابن الأثير وتَبَعَه النَّوَويّ فجَزَما بأنَّ قول مَن قال: إنَّها بنت عبد الله بن أُبيِّ، وَهْمٌ، وأنَّ الصَّواب أنّها أُخت عبد الله ابن أُبيِّ، وليس كما قالا بل الجمعُ أَولى. وَمَعَ بعضُهم باتِّحادِ اسم المرأة وعَمَّتِها وأنَّ ثابتاً خالَعَ الشِّتَينِ واحدةً بعد أُخرَى، ولا ٣٩٩/٩ يَخْفى بُعدُه، ولا سيَّمَا معَ اتّحاد المخرَج،/ وقد كَثُرَت نسبة الشّخص إلى جَدّه إذا كان مشهوراً، والأصل عَدَم التعدُّد حتَّى يَثْبُت صريحاً. وجاء في اسم امرأة ثابت بن قيس قولان آخران: أحدهما: أنَّها مريم المَغَاليَّةُ، أخرجه النَّسائيُّ (٣٤٩٨) وابن ماجَهْ (٢٠٥٨) من طريق محمَّد بن إسحاق، حدَّثني عُبَادةُ بن الوليد بن عُبَادة بن الصّامت، عن الرُّبِيِّع بنت مُعوِّذ قالت: اختَلَعتُ من زوجي، فَذَكَرتْ قصَّةً فيها: وإنَّما تَبعَ عثمان في ذلك قضاءَ رسول الله وَّه في مريمَ المَغَاليَّة، وكانت تحت ثابت بن قيس فاختَلَعَت منه. وإسناده جیِّد. قال البيهقيُّ: اضطَرَبَ الحديث في تَسمية امرأة ثابت، ويُمكِن أن يكون الخُلع تَعَدَّدَ من ثابتٍ. انتهى، وتَسميتُها مريمَ يُمكِن رَدُّه للأوَّل، لأنَّ المَغَاليَّة - وهي بفتح الميم وتخفيف الغَين المعجَمة - نِسبةٌ إلى مَغالة، وهي امرأة من الخَزَرَج ولدَت لعَمرِو بن مالك بن النَّجّار ولدَه عَدّاً، فَبَنو عَديّ بن النَّجّارِ يُعرَفونَ كلُّهم ببَنِي مَغَالَة، ومنهم عبد الله بن أبيٍّ وحسَّان بن ثابت ١٢٣ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣ -٥٢٧٧ كتاب الطلاق وجماعةٌ من الخَزَرَج، فإذا كان آل عبد الله بن أَبيّ من بني مَغالة فيكون الوَهْمُ وَقَعَ في اسمها، أو يكون مريم اسماً ثالثاً، أو بعضُها لَقَبُّ لها. والقول الثّاني في اسمها: أنَّها حبيبة بنت سَهْل، أخرجه مالك في ((الموطَّأ)) (٥٦٤/٢) عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عَمْرة بنت عبد الرَّحمن، عن حبيبة بنت سَهل: أنَّها كانت تحت ثابت بن قيس بن شَّاس، وأنَّ رسول الله وَلّةٍ خَرَجَ إلى الصُّبح فَوَجَدَ حَبيبة عند بابه في الغَلَس فقال: ((مَن هذه؟)) قالت: أنا حَبيبة بنت سَهل. قال: ((ما شأنُكِ؟)) قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس - لزوجِها ... الحديث، وأخرجه أصحاب السُّنَن الثلاثة(١)، وصَحَّحَه ابن خُزيمةَ وابن حِبّان (٤٢٨٠) من هذا الوجه، وأخرجه أبو داود (٢٢٢٨) من طريق عبد الله بن أبي بكر بن عمرٍو بن حَزْم، عن عَمْرة، عن عائشة: أنَّ حبيبة بنت سَهل کانت عند ثابت. قال ابن عبد البَرّ: اختُلِفَ في امرأة ثابت بن قيس، فذكر البصريُّونَ أنَّها جميلة بنت أُبيّ، وذكر المدنُّونَ أنَّها حبيبة بنت سهل. قلت: والذي يظهر أنَّهما قِصَّتان وقَعَتا لامرأتينِ لشُهرة الخبرَينِ وصِحّة الطَّريقينِ واختلاف السِّياقَين، بخلاف ما وَقَعَ من الاختلاف في تَسمية جميلة ونَسَبها، فإِنَّ سياق قِصَّتها مُتَقارب فأمكَنَ رَدّ الاختلاف فيه إلى الوِفاق، وسأُبِّنُ اختلاف القِصَّتَينِ عند سياق ألفاظ قصَّة جميلة. وقد أخرج البزَّار (٢٩٨) من حديث عمر قال: أوَّل مُختَلِعة في الإسلام حبيبة بنت سَهل كانت تحت ثابت بن قيس، الحديثَ(٢). وهذا على تقدير التعدُّد يقتضي أنَّ ثابتاً تزوَّجَ حَبيبة قبل جميلة، ولو لم يكن في ثُبُوت ما ذكره البصريُّونَ إلّا كَون محمَّد بن ثابت بن قيس من جَميلة (١) أخرجه أبو داود (٢٢٢٧)، والنسائي (٣٤٦٢) من الطريق المذكورة، وهو أيضاً عند ابن ماجه (٢٠٥٧) لكن من طريق حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وحجاج ضعيف، واختلف عنه كما بيناه في ((مسند أحمد)) (١٦٠٩٥). (٢) في إسناده عبد الله بن لهيعة، وهو سيء الحفظ. ١٢٤ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣ -٥٢٧٧ فتح الباري بشرح البخاري لکان دليلاً على صحّة تزوُّج ثابتٍ بجميلة. تنبيه: وَقَعَ لابنِ الجَوْزيّ في ((تنقيحه)): أنَّهَا سَهلة بنت حَبيب، فما أظنُّهُ إلّا مقلوباً، والصَّواب حبيبة بنت سَهل، وقد تَرجَمَ لها ابن سعد في ((الطَّقات)) (٤٤٥/٨) فقال: بنت سَهل بن ثَعْلبة بن الحارث، وساقَ نَسَبها إلى مالك بن النَّجّار، وأخرج حديثها عن حَمَّاد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال: كانت حبيبة بنت سَهل تحت ثابت بن قيس، وكان في خُلُقه شِدّة، فذَكَر نحوَ حديث مالكٍ وزاد في آخره: وقد كان رسول الله وَلَ هَمَّ أَن يَتزوَّجها ثمَّ كَرِه ذلك لغيرة الأنصار، وکَرِه أن يسوؤهم في نسائهم(١). قوله: ((أنت النبيَّ ◌َل﴿ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس)) في رواية إبراهيم بن طَهْمان عن أيوبَ، وهي التي عُلِّقَت هنا، ووَصَلَها الإسماعيليّ(٢): جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شَّاس الأنصاريّ، وفي رواية سعيد عن قَتَادة عن عِكْرمة في هذه القصَّة: فقالت: بأبي وأُمّي، أخرجها البيهقيُّ (٣١٣/٧). قوله: ((ما أَعْتُبُ عليه)) بضمِّ المثنّة من فوق، ويجوز كسرها، من العِتاب، يقال: عَتَبتُ على فلان أَعتُبُ عَتْباً، والاسم المَعْتبة، والعِتاب: هو الخطاب بالإدلال. وفي رواية بکسٍ العين بعدها تحتانيَّة ساكنة، من العَيْب، وهي اليَقُ بالمرادِ. قوله: ((في خُلُق ولا دينٍ)) بضمِّ الخاء المعجَمة واللّم ويجوز إسكانُها، أي: لا أُريدُ ٤٠٠/٩ مُفارَقَته لسُوءِ خُلُقه ولا لنُقْصان دِينه، زاد في رواية أيوب المذكورة: / ولكنّي لا أُطيقه، كذا فيه لم يَذْكُر مُميِّ عَدَم الطاقة، وبيَّنَه الإسماعيليّ في روايته ثمَّ البيهقيُّ (٣١٣/٧) بلفظ: لا أُطيقه بُغضاً. وهذا ظاهره أنَّه لم يصنع بها شيئاً يقتضي الشَّكوَى منه بسَيِبه، لكن تقدَّم من رواية النَّسائيِّ (٣٤٩٧): أنَّ كَسَرَ يدَها، فيُحمَل على أنَّها أرادت أنَّه سيِّئُ الخُلُق، لكنَّها ما تَعِیبه بذلك بل بشيءٍ آخر. (١) روي ذلك مرفوعاً من حديث أنس بن مالك عند النسائي (٣٢٣٣) قالوا: يا رسول الله، ألا تتزوج من نساء الأنصار؟ قال: ((إن فيهم لغيرةً شديدةً)). وإسناده صحيح. (٢) ووصلها أيضاً ابن الجارود (٧٥٠). ١٢٥ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣-٥٢٧٧ كتاب الطلاق وكذا وَقَعَ في قصَّة حبيبة بنت سَهْل عند أبي داود (٢٢٢٨): أنَّ ضَرَبَهَا فَكَسَرَ بعضَها، لكن لم تَشكُه واحدة منهما بسَببِ ذلك، بل وَقَعَ التَّصريح بسببٍ آخر، وهو أنَّه كان دَمِيمَ الخِلْقة، ففي حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه عند ابن ماجَهْ (٢٠٥٧): كانت حبيبة بنت سَهل عند ثابت بن قيس، وكان رجلاً دَميماً، فقالت: والله لولا مخافة الله إذا دَخَلَ عليَّ لَبَصَقت في وَجْهِهِ. وأخرج عبد الرَّزّاق (١١٧٥٩) عن مَعمَر قال: بَلَغَني أنَّها قالت: يا رسول الله، بي منَ الجَمال ما تَرَى، وثابتٌ رجلٌ دَميم. وفي رواية مُعتَمِر بن سليمان، عن فُضَيلِ، عن أبي حَرِيز (١)، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس: أوَّل خُلع كان في الإسلام امرأة ثابت بن قيس، أتت النبيَّ ◌َ ﴿ فقالت: يا رسول الله، لا يَجْتَمِع رأسي ورأسُ ثابت أبداً، إنّ رَفَعتُ جانبَ الخِباء فرأيته أقبَلَ في ◌ِدّةٍ، فإذا هو أشدُّهم سَواداً، وأقصَرُهم قامةً، وأقبَحُهم وجهاً. فقال: ((أترُدِّينَ عليه حديقَته؟)) قالت: نعم، وإن شاءَ زِدْتُه. ففَرَّقَ بينهما(٢). قوله: ((ولكنّي أكرَه الكُفْرَ في الإسلام)) أي: أكرَه إن أقَمت عنده أن أقَع فيما يقتضي الكُفر، وانتَفَى أنَّها أرادت أنَّه يَحمِلُها على الكُفر ويأمرُها به نِفاقاً بقولها: لا أعتُب عليه في دِين. فَتَعيَّنَ الحَمْلُ على ما قلناه. ورواية جَرِير بن حازِم في أواخر الباب تُؤيِّد ذلك حيثُ جاء فيها: إلّا أنّ أخاف الكُفرَ، وكأنَّها أشارت إلى أنَّها قد تَحمِلها شِدّةُ كَرامَتها له على إظهار الكُفر لِيَنفَسِخِ نِكاحُها منه، وهي كانت تَعرِف أنَّ ذلك حرام لكن خَشِيَت أن تَحمِلها شِدّة البُغض على الوقوع فيه، ويحتمل أن تريد بالكُفرِ: كُفرانَ العَشير، إذ هو تقصيرُ المرأة في حَقّ الَّوج. وقال الطِّييُّ: المعنى: أخاف على نفسي في الإسلام ما يُنافي حُكمَه من نُشوزٍ وفَرْكٍ وغيره ممَّا يُتَوَقَّع من الشّابّة الجميلة المُبغِضة لزوجِها إذا كان بالضِّدِّ منها، فأطلقَت على ما يُنافي مُقتَضى الإسلام الكُفرَ. ويحتمل أن يكون في كلامها إضمار، أي: أَكرَهُ لوازمَ الكُفر من المعاداة والشِّقاق (١) تصحف في (أ) و(ب) و(س) إلى: أبي جرير، بالجيم وآخره راء مهملة، وجاء على الصواب في (ع)، وهو أبو حريز، بالحاء المهملة ثم بالزاي، عبد الله بن الحسين الأزدي. (٢) أخرجه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ٢/ ٤٦١. ١٢٦ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣ - ٥٢٧٧ فتح الباري بشرح البخاري والخصومة. ووَقَعَ في رواية إبراهيم بن طَهْمان: ((ولكنّي لا أُطيقه))، وفي رواية المُستَمْلي: ((ولكن)) وقد تقدَّم ما فيه. قوله: ((أَترُدِّينَ)) في رواية إبراهيم بن طَهْمانَ: ((فَتَرُدِّينَ))، والفاء عاطِفةٌ على مُقدَّر محذوفٍ، وفي رواية جَرِير بن حازِم: ((تَرُدّينَ)) وهي استفهامٌ محذوفُ الأداة كما دَلَّت عليه الرِّواية الأُخرَى. قوله: ((حديقته)) أي: بُستانه، ووَقَعَ في حديث عمر: أنَّه كان أصدَقها الحديقة المذكورةَ، ولفظُه: وكان تزوَّجَها على حديقة نَخلٍ(١). قوله: ((قالت: نعم)) زاد في حديث عمر: فقال ثابت: أيَطيبُ ذلك يا رسول الله؟ قال: ((نعم)). قوله: ((اقبَل الحديقةَ وطَلِّقْها تَطْليقةً)) هو أمرُ إرشادٍ وإصلاح لا إيجابٍ، ووَقَعَ في رواية جَرِير بن حازِمٍ: فَرَدَّت عليه، وأمَرَه ففارَقَها(٢). واستُدِلَّ بهذا السّياق على أنَّ الخُلع ليس بطلاقٍ، وفيه نظرٌ، فليس في الحديث ما يُثبتُ ذلك ولا ما يَنفيه، فإنَّ قوله: ((طَلِّقها ... )) إلى آخره، يحتمل أن يُراد: طَلِّقها على ذلك، فيكون طلاقاً صريحاً على عِوَض، وليس البحث فيه، إنَّما الاختلاف فيما إذا وَقَعَ لفظ الخُلع أو ما كان في حُكمه من غير تَعرُّض لطلاقٍ بصَراحةٍ ولا كِناية، هل يكون الخُلع طلاقاً أو فَسخاً؟ وكذلك ليس فيه التَّصريح بأنَّ الخُلع وَقَعَ قبل الطَّلاق أو بالعكس. نعم، في رواية خالد المرسَلة ثانية أحاديث الباب: ((فَرََّتها وأمَرَه فطَلَّقَها)) وليس صريحاً في تقديم العَطيَّة على الأمر بالطَّلاق، بل يحتمل أيضاً أن يكون المراد: إن أعطَتك طَلِّقها، وليس فيه أيضاً التَّصريح بوقوع صيغة الخُلع، ووَقَعَ في ٤٠١/٩ مُرسَل أبي الزُّبَيرِ (٣) عند الدّارَ قُطنيِّ (٣٦٢٩): فأخَذَها له وخَلَّى سبيلَها. وفي حديث حبيبة بنت سَهلِ: فَأَخَذَ/ منها وجَلَسَت في أهلها. لكن مُعظَم الرِّوايات في الباب تَسمِيَتُه خُلعاً، (١) لكن حديث عمر في قصة حبيبة بنت سهل وليس في قصة جميلة صاحبة القصة هنا. (٢) تحرف في (س) إلى: بفراقها. (٣) قدَّمنا أنه موصول وبيان من صححه قريباً. ١٢٧ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣ -٥٢٧٧ كتاب الطلاق ففي رواية عَمْرو بن مسلم عن عِكْرمة عن ابن عبّاس: أنَّها اختَلَعَت من زوجها. أخرجه أبو داود (٢٢٢٩) والتِرمِذيّ (١١٨٥م). قوله: ((قال أبو عبد الله)) هو البخاريّ. قوله: ((لا يُتابع فیه عن ابن عبّاس» أي: لا يُتابع أزهر بن جميل على ذِكْر ابن عبّاس في هذا الحديث بل أرسَلَه غيرُه، ومُراده بذلك خُصوص طريق خالد الخَذّاء عن عِكْرمة، ولهذا عَقَّبَه برواية خالدٍ: وهو ابن عبد الله الطَّحّان، عن خالد: وهو الحَذّاء، عن عِكْرمة مُرسَلاً، ثمَّ برواية إبراهيم بن طَهْمان عن خالد الخَذّاء مُرسَلاً، وعن أيوب موصولاً، ورواية إبراهيم بن طَهْمان عن أيوبَ الموصولة وَصَلَها الإسماعيليّ(١). قوله: ((حدَّثْنَا قُرَاد)) بضمِّ القاف وتخفيف الرَّاء وآخره دالٌ مُهمَلة، وهو لَقَبٌّ، واسمُه عبد الرَّحمن بن غَزْوانَ، بفتح المعجَمة وسكون الزّاي، وأبو نوح كُنْيته، وهو من كبار الحُفّاظ وَتَّقُوه، ولكن خَطَّؤْوُه في حديث واحد حدَّث به عن اللَّيث خُولِفَ فيه (٢)، وليس له في البخاريّ سوى هذا الموضع، ووَقَعَ عنده في آخره: فَرَدَّت عليه، وأمَرَه ففارَقَها. كذا فيه: فَرَدَّت عليه، بحذفِ المفعول، والمراد الحديقة التي وَقَعَ ذِكْرِها. ووَقَعَ عند الإسماعيليّ من هذا الوجه: فأمَرَه أن یأخُذ ما أعطاها ويخلي سبيلها. قوله في هذه الرِّواية (٣): ((لا أَطيقه) تقدَّم بيانُه، وهو في جميع النُّسَخ بالقاف، وذكر الكِرْمانيُّ أنَّ في بعضها: أُطيعه، بالعين المهملة، وهو تصحيف. ثمَّ أشارَ البخاريّ إلى أنَّه اختُلِفَ على أيوب أيضاً في وَصْل الخبر وإرسالِهِ، فاتَّفَقَ إبراهيم بن طَهْمان وجَرِير بن حازِم على وَصْلِهِ، وخالَفَهما حماد بن زيد فقال: عن أيوب عن عِكْرمة، مُرسَلاً. (١) وكذلك ابن الجارود (٧٥٠). (٢) يعني حديثه عن الليث عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة في قصة رجل أخبر النبي وَلّ أن له مماليك يضربهم. وقد أخرجه أحمد (٢٦٤٠١) وغيره، وانظر تمام الكلام عليه في ((المسند)). (٣) يعني في رواية إبراهيم بن طهمان عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس. ١٢٨ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣ -٥٢٧٧ فتح الباري بشرح البخاري ويُؤخَذ من إخراج البخاريِّ هذا الحديث في ((الصَّحيح) فوائد: منها أنَّ الأكثر إذا وصلوا وأرسَلَ الأقلُّ قُدِّمَ الواصِلُ ولو كان الذي أرسَلَ أحفَظَ، ولا يَلزَم منه أنَّه تُقدَّم رواية الواصِلِ على المرسل دائماً. ومنها أنَّ الراوي إذا لم يكن في الدَّرَجة العُليا من الضَّبط ووافَقَه مَن هو مِثْلُه اعتَضَدَ وقاوَمَت الرِّوايتان روايةَ الضّابط المُتْقِن. ومنها أنَّ أحاديث الصّحيح متفاوتة المرتبة إلى صحيح وأصحّ. وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: أنَّ الشِّقاق إذا حَصَلَ من قِبَل المرأة فقط جازَ الخُلع والفِدْية، ولا يَتَقَيَّد ذلك بوجودِهِ منهما جميعاً، وأنَّ ذلك يُشرَع إذا كَرهَت المرأة عِشْرةَ الرجل ولو لم يَكرَهها ولم يَرَ منها ما يقتضي فِراقها. وقال أبو قِلابةَ ومحمَّد بن سِيرِين: لا يجوز له أخْذُ الفِدْية منها إلّا أن يَرى على بَطْنها رجلاً، أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٠٧/٥)، وكأنَّهما لم يَبلُغهما الحديثُ، واستَدَّلَّ ابن سِيرِين بظاهرٍ قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِيَنَ بِفَحِشَةٍ مُّبَيِّنَةِ﴾ [النساء: ١٩]. وتُعقّبَ بأنَّ آية البقرة فَسَّرَت المراد بذلك معَ ما دَلَّ عليه الحديث. ثمَّ ظَهَرَ لي لمَا قاله ابن سِيرِين توجيهٌ، وهو تَخصيصُه بما إذا كان ذلك من قِبَل الَّوجِ بأن يَكرَهها وهي لا تَكرَهه، فيُضاجِرُها لتَفْتَديَ منه، فَوَقَعَ النَّهيُ عن ذلك، إلّا أن يراها على فاحشة ولا يَجِد بَيِّنَةً ولا يُحِبّ أن يَفضَحها، فيجوز حينئذٍ أن يَفتَديَ منها ويأخذ منها ما تَراضَيا عليه ويُطلِّقها، فليس في ذلك مُخالَفةٌ للحديثِ، لأنَّ الحديث وَرَدَ فيما إذا كانت الكراهة من قِبَلها، واختارَ ابن المنذر أنَّه لا يجوز حتَّى يقع الشِّقاق بينهما جميعاً، وإن وَقَعَ من أحدهما لا يَندَفِعِ الإثمُ، وهو قويٌّ موافقٌ لظاهرِ الآيتَينِ، ولا يخالف ما وَرَدَ فیه، وبه قال طاووس والشَّعبيّ وجماعة من التابعينَ. وأجابَ الطَّبَرِيُّ وغيره عن ظاهر الآية: بأنَّ المرأة إذا لم تَقُم بحقوقِ الَّوج التي أُمِرَت بها كان ذلك مُنَفِّراً للزَّوج عنها غالباً ومُقتَضياً لبُغضِه لها، فنُسِبَتِ المخافة إليهما لذلك، وعن الحديث: بأنَّه ◌ِ لّهلم يَسْتَفْسِر ثابتاً: هل أنتَ كارِهُها كما كَرِهَتْكَ أم لا؟ ١٢٩ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣-٥٢٧٧ كتاب الطلاق وفيه أنَّ المرأة إذا سألَت زوجَها الطَّلاقَ على مالٍ فطَلَّقَها وَقَعَ الطَّلاقُ، فإن لم يقع الطَّلاق صريحاً ولا نَوَياه/ ففيه الخلاف المتقدِّم من قبلُ. ٤٠٢/٩ واستُدِلَّ لمن قال بأنَّه فَسْخٌ بما وَقَعَ في بعض طرق حديث الباب من الزّيادة، ففي رواية عَمْرو بن مسلم، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس عند أبي داود والِّرمِذيّ في قصَّة امرأة ثابت بن قيس: فأمَرَها أن تَعتَذَّ بحَيضةٍ. وعند أبي داود والنَّسائيِّ وابن ماجَهْ (١) من حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّد: أنَّ عثمان أمَرَها أن تَعَدّ بحيضةٍ، قالت: وتَبعَ عثمان في ذلك قضاءَ رسول الله وَاليه في امرأة ثابت بن قيس. وفي رواية للنَّسائيِّ (٣٤٩٧) والطبرانيّ(٢) من حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّد: أنَّ ثابت بن قيس ضَرَبَ امرأته، فذَكر نحوَ حديث الباب، وقال في آخره: ((خُذِ الذي لها وخَلّ سبيلَها)) قال: نعم، فأمَرَها أن تَتَرَبَّص حَيضةً، وتَلحَق بأهلِها. قال الخطَّبيُّ: في هذا أقوى دليل لمن قال: إنَّ الخُلع فَسخٌ وليس بطلاقٍ، إذ لو كان طلاقاً لم تَكتَفِ بحيضةٍ للعِدّة. انتهى. وقد قال الإمام أحمد: إنَّ الخُلع فَسخٌ. وقال في رواية: وإنَّها لا تَحِلّ لغير زوجها حتَّى تَضِيَ ثلاثةُ أقَراءِ. فلم يكن عنده بين كونه فَسْخاً وبين النَّقص من العِدّة تَلازُمّ. واستُدِلَّ به على أنَّ الِدْية لا تكون إلّا بما أعطَى الرجلُ المرأة عَيناً أو قَدْرَها لقولِه ◌َلّ: «انُدین علیه حدیقته؟)) وقد وقع في رواية سعید عن قتادة عن عكرمة عن ابن عبّاس في آخر حديث الباب عند ابن ماجَهْ (٢٠٥٦) والبيهقيّ (٣١٣/٧): فأمَرَه أن يأخُذ منها (٣) ولا يزداد. وفي رواية عبد الوهّاب بن عطاء(٤) عن سعيد: قال أيوب: لا أحفظ: ولا تَزْدَد. ورواه (١) تقدم عزو الحافظ هذه الرواية للنسائي (٣٤٩٨) وابن ماجه (٢٠٥٨) فقط، وزاد هنا ذكر أبي داود خطاً، فلعله أراد أن يذكر الترمذي إذ الحديث عنده برقم (١١٨٥)، فسبق قلمه وذكر أبا داود، والله أعلم. (٢) في ((الأوسط)) برقم (٦٩٦٣)، وقد تحرف في (س) إلى: الطبري، وقد سلف تخريج حديث الرُّبيع عند شرح الحديث (٥٢٧٣)، وعزاه الحافظ هناك للنسائي والطبراني. (٣) كذا وقع في الأصول و(س) بحذف المفعول، وهو ثابت في الرواية، فوقع عند ابن ماجه : أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد. وعند البيهقي: أن يأخذ منها ما ساق إليها ولا يزداد. (٤) رواية عبد الوهاب بن عطاء هذه مرسلة ليس فيها ابنُ عباس، لا كما يُوهم صنيع الحافظ رحمه الله. ١٣٠ باب ١٢ / ح ٥٢٧٣ -٥٢٧٧ فتح الباري بشرح البخاري ابن جُرَيج عن عطاء مُرسَلاً: ففي رواية ابن المبارك وعبد الوهّاب عنه: ((أمَّا الزّيادة فلا))، زاد ابن المبارك: «من مالِكَ(١)»، وفي رواية الثَّوريّ: وكَرِهَ أن يأخُذ منها أكثر ممَّا أعطَى. ذكر ذلك كلّه البيهقيُّ (٣١٣/٧-٣١٤)، قال: ووَصَلَه الوليد بن مسلم عن ابن جُرَيج بذِكْر ابن عبّاس فيه، أخرجه أبو الشَّيخ قال: وهو غير محفوظ، يعني: الصَّواب إرسالُه. وفي مُرسَل أبي الزُّبَيرِ عند الدّارَ قُطنيِّ (٣٦٢٩) والبيهقيّ (٧/ ٣١٤): ((أَتْرُدّينَ عليه حديقتَه التي أعطاكِ؟)) قالت: نعم وزيادة، قال النبيّ وَّ: ((أمَّا الزّيادة فلا، ولكن حديقتُه))، قالت: نعم، فأخَذَ مالَه وخَلَّى سبيلها. ورجال إسناده ثقات، وقد وَقَعَ في بعض طرقه: سمعَه أبو الزُّبَير من غير واحد، فإن كان فيهم صحابيّ فهو صحيح (٢)، وإلّا فيَعتَضِد بما سَبَقَ، لكن ليس فيه دلالة على الشَّرط، فقد يكون ذلك وَقَعَ على سبيل الإشارة رِفقاً بها. وأخرج عبد الرَّزّاق (١١٨٤٤) عن عليٍّ: لا يأخُذ منها فوقَ ما أعطاها. وعن طاووسٍ وعطاء والزُّهْرِيّ مِثْلَه، وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق، وأخرج إسماعيل بن إسحاق عن ميمون بن مهرانَ: مَن أخَذَ أكثرَ ممَّا أعطَى لم يُسَرِّح بإحسان. ومُقابل هذا ما أخرج عبد الرَّزّاق (١١٨٤٦) بسندٍ صحيح عن سعيد بن المسيّب قال: ما أُحِبّ أن يأخذ منها ما أعطاها، لِيَدَع لها شيئاً. وقال مالكٌ: لم أزَل أسمَع أنَّ الِدْية تَجوز بالصَّداق وبأكثرَ منه لقولِه تعالى: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهِ،﴾ [البقرة: ٢٢٩] ولحديثٍ حبيبة بنت سهل، فإذا كان النُّشوز من قِبَلها، حَلَّ للزَّوج ما أخَذَ منها برِضَاها، وإن كان من قِبَله لم يَحِلَّ له ويَرُدّ عليها إن أخَذَ وتمضى الفُرقة. وقال الشافعيّ: إذا كانت غير مُؤَدّية لحقِّه كارهةً له حَلَّ له أن يأخذ، فإنَّه يجوز أن يأخذ منها ما طابَت به نَفْساً بغيرِ سَببٍ فبالسَّبَب أَولى. وقال إسماعيل القاضي: ادَّعَى بعضُهم أنَّ المراد بقوله تعالى: ﴿فِيَا أَقْتَدَتْ بِهِ ﴾؛ أي: بالصَّداق، وهو مردودٌ لأنَّه لم يُقيّد في الآية بذلك. (١) تحرف في (ع) و(س) إلى: عن مالك. (٢) قدّمنا أن ابن الجوزي قد اعتمد على ذلك فصحح إسناده، وكذلك الذهبي فجوّد إسناده. ١٣١ باب ١٣ / ح ٥٢٧٣ -٥٢٧٧ كتاب الطلاق وفيه أنَّ الخُلع جائز في الحيض لأنَّه ◌َّه لم يَستَفْصِلها: أَحائضٌ هي أم لا؟ لكن يجوز أن يكون تَرَكَ ذلك لسَبْقِ العلم به أو كان قبلَ تقريره، فلا دلالة فيه لمَن يَخُصُّهُ مِنْ مَنْع طلاق الحائض، وهذا كلُّه تفريعٌ على أنَّ الخُلع طلاق. وفيه أنَّ الأخبار الواردة في تَرهيب المرأة من طَلَب طلاق زوجها محمولةٌ على ما إذا لم يكن بسببٍ يقتضي ذلك لحديثٍ ثوبانَ: ((أُما امرأةٍ سألَت زوجَها الطَّلاقَ، فحرامٌ عليها رائحةُ الجنَّةِ)) رواه أصحاب / السُّنَن(١) وصَحَّحَه ابن خُزَيمةَ وابن حِبّان (٤١٨٤)، ويدلّ ٤٠٣/٩ على تخصيصه قولُه في بعض طُرقه (٢): ((من غير ما بَأسٍ))، ولِحديثِ أبي هريرة: ((المُنْتَزِّعات والمُختَلِعات هُنَّ المنافقاتُ)) أخرجه أحمد (٩٣٥٨) والنَّسائيُّ (٣٤٦١)، وفي صِحته نظرٌ، لأنَّ الحسن عند الأكثر لم يسمع من أبي هريرة، لكن وَقَعَ في رواية النَّسائيِّ: قال الحسن: لم أسمَع من أبي هريرة غير هذا الحديث. وقد تأوَّلَه بعضهم على أنَّه أراد لم يسمع هذا إلّا من حديث أبي هريرة، وهو تكلُّفٌ، وما المانع أن يكون سمعَ هذا منه فقط وصارَ يُرسِل عنه غير ذلك، فتكون قِصَّته في ذلك كقِصَّتِهِ معَ سَمُرة في حديث العَقيقة كما يأتي في بابه (٥٤٧٢) إن شاءَ الله تعالى. وقد أخرجه سعيد بن منصور من وجه آخر(٣) عن الحسن مُرسَلاً لم یذكُر فيه أبا هريرة. وفيه أنَّ الصَّحابِيَّ إذا أفَتَى بخلاف ما روى أنَّ المعتبَر ما رواه لا ما رآه، لأنَّ ابن عبّاس روى قصَّة امرأة ثابت بن قيس الدّالَّةَ على أنَّ الخُلع طلاق وكان يُفتي بأنَّ الخُلع ليس بطلاقٍ، لكن اذَّعَى ابن عبد البَرّ شُذوذ ذلك عن ابن عبّاس إذ لا يُعرَفُ له أحدٌ نَقَلَ عنه أَنَّه فَسْخٌ وليس بطلاقٍ إلّا طاووسٌ، وفيه نظرٌ لأنَّ طاووساً ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ فلا يَضُرُّه تَفُرُّدُه، وقد تَلَقَّى العلماء ذلك بالقَبُولِ، ولا أعلم مَن ذكر الاختلافَ في المسألة إلّ وجَزَمَ أنَّ ابن عبّاس كان يراه فَسْخاً. (١) أبو داود برقم (٢٢٢٦)، وابن ماجه برقم (٢٠٥٥)، والترمذي برقم (١١٨٧). (٢) بل وقع ذلك عند جمیع من خرّجه. (٣) بل من وجهين آخرين (١٤٠٨) و(١٤٠٨)، وعند ابن أبي شيبة ٢٧١/٥ من وجه ثالث. وانظر ((علل الدار قطني)) (٢٠٠٢). ١٣٢ باب ١٣ / ح ٥٢٧٨ فتح الباري بشرح البخاري نعم، أخرج إسماعيل القاضي بسندٍ صحيح عن ابن أبي نَجِيحِ: أنَّ طاووساً لمَّا قال: إنَّ الخُلع ليس بطلاقٍ، أنكَرَه عليه أهل مَّة، فاعتَذَرَ وقال: إنَّما قاله ابن عبَّاس. قال إسماعيل: لا نعلم أحداً قاله غيره. انتهى، ولكن الشَّأن في كَون قصَّة ثابت صريحة في كون الخُلع طلاقاً. تكميلٌ: نَقَلَ ابن عبد البَرّ عن مالكِ: أنَّ المختَلِعة: هي التي اختَلَعَت من جميع مالِها، وأنَّ المُفتَدية: التي افتَدَت ببعضِ مالِها، وأنَّ المُبارِئة: التي بارأَتْ زوجَها قبلَ الدُّخول. قال ابن عبد البَرّ: وقد يُستَعمَل بعضُ ذلك موضعَ بعضٍ. ١٣ - باب الشِّقاق، وهل يُشير بالخُلْع عند الضَّرورة؟ وقول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الآية [النساء: ٣٥]. ٥٢٧٨- حدّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن المِسْوَرِ بنِ تَخَرَمَة الزُّهْريِّ، قال: سمعتُ النبيَّ ◌ََّ يقول: ((إنَّ بَنِي المُغِيرةِ استَأَذَنوا في أن يَنكِحَ عليٌّ ابنتَهم فلا آذَنُ». قوله: ((باب الشِّقاق، وهل يشير بالخُلْعِ عند الضَّرورة؟ وقول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الآية)) كذا لأبي ذرِّ والنَّسَفيّ، ولكن وَقَعَ عنده ((الضَّرَر))، وزاد غيرهما: ﴿فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿خَبِيرًا﴾. قال ابن بَطّالٍ: أجمَعَ العلماء على أنَّ المخاطَب بقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ الحُكّامُ، وأنَّ المراد بقوله: ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا﴾، الْحَكَمَانِ، وأنَّ الْحَكَمَينِ يكون أحدهما من جهة الرجل والآخَر من جهة المرأة إلّا أن لا يُوجَد من أهلهما مَن يَصلُح، فيجوز أن يكون من الأجانب مَمَّن يَصلُح لذلك، وأَّهما إذا اختَلَفا لم يَنفُذ قولُهُما، وإن اتَّفَقا نَفَذَ في الجمع بينهما من غير توكيل. واختَلَفوا فيما إذا اتَّفَقا على الفُرقة: فقال مالكٌ والأوزاعيُّ وإسحاقٌ: يَنفُذ بغير تَوكيلٍ ولا إذنٍ من الزَّوجَين. وقال الكوفيُّونَ والشافعيُّ وأحمدُ: يحتاجان إلى الإذن. فأمَّا مالكٌ ومَن تَابَعَه فألحَقوه بالعِنِينِ والمَولَى، فإنَّ الحاكم يُطلِّق عليهما فكذلك هذا، ١٣٣ باب ١٣ / ح ٥٢٧٨ كتاب الطلاق وأيضاً فلمَّا كان المخاطَب بذلك الحُكّام وأنَّ الإرسال إليهم، دَلَّ على أنَّ بلوغ الغاية من الجَمع أو التَّفريق إليهم. وجَرَى الباقونَ على الأصل: وهو أنَّ الطَّلاق بَيَدِ الزَّوج، / فإنْ أذِنَ في ذلك وإلّا طَلَّقَ ٤٠٤/٩ علیه الحاكمُ. ثمَّ ذكر طَرَفاً من حديث المِسوَر في خِطبة عليٍّ بنتَ أبي جهل، وقد تقدَّمَت الإشارة إليه في النِّكاح (٥٢٣٠). واعتَرَضَه ابن التِّين بأنَّه ليس فيه دلالة على ما تَرجَمَ به. ونَقَلَ ابن بَطّالٍ قبلَه عن المهلَّب قال: إنَّما حاوَلَ البخاريّ بإيرادِه أن يجعل قولَ النبيِّ ◌َّ: ((فلا آذَنُ) خُلعاً، ولا يقوَى ذلك، لأَنَّه قال في الخبر (١): ((إلّا أن يريد ابن أبي طالب أن يُطلِّق ابنتي)) فدَلَّ على الطَّلاق، فإن أراد أن يَسْتَدِلّ بالطَّلاق على الخُلع فهو ضعيف، وإنَّما يُؤخَذ منه الحُكم بقطع الذَّرائع. وقال ابن المنيِّرِ في ((الحاشية)): يُمكِن أن يُؤْخَذ من كَونِه ◌ِوَ لَ أشارَ بقولِه: «فلا آذَنُ)) إلى أَنَّ عليّاً يَترُك الخِطبة، فإذا ساغَ جواز الإشارة بعَدَمِ النِّكاح التَحَقَ به جواز الإشارة بقطع النِّكاح. وقال الكِرْمانيُّ: تُؤخَذ مُطابقة التَّرجمة من كَون فاطمة ما كانت تَرضَى بذلك، فكان الشِّقاق بينها وبين عليٍّ مُتَوَقَّعاً، فأراد وَ لَّ دَفْعَ وقوعه بمَنع عليٍّ من ذلك بطريق الإيماء والإشارة، وهي مُناسَبة جيِّدة. ويُؤْخَذ من الآية ومن الحديث العَمَلُ بسَدِّ الذَّرائع، لأنَّ الله تعالى أمر ببعثة الحَكَمَينِ عند خَوف الشِّقاق قبلَ وُقوعِه. كذا قال المهلَّب، ويحتمل أن يكون المراد بالخوفِ وجودُ علامات الشِّقاق المقتضى لاستمرار النَّكَد وسُوء المعاشَرة. (١) جاء هذا في الرواية المتقدمة برقم (٥٢٣٠). ١٣٤ باب ١٤ / ح ٥٢٧٩ فتح الباري بشرح البخاري ١٤ - باب لا يكون بيع الأَمة طلاقاً ٥٢٧٩- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن رَبِيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ، عن القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها زوجِ النبيِّ وَّ، قالت: كان في بَرِيرةَ ثلاثُ سُنَنٍ: إحدَى السُّنَنِ أنَّهَا أُعْتِقَت فخُيِّرَت في زوجِها. وقال رسولُ اللهِ وَّةَ: ((الولاءُ لمَن أَعْتَقَ))، ودَخَلَ رسولُ اللهِ وَّهِ وَالْبُرْمةُ تَفُورُ بلَحْم، فقُرَّبَ إليه خُبْزٌ وَأُدْمٌ من أَدْمِ البيتِ، فقال: ((ألَمْ أَرَ البُرْمَةَ فيها لحمٌّ؟)) قالوا: بلى، ولكن ذلك لحمٌ تُصُدِّقَ به على بَرِيرةَ، وأنتَ لا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قال: ((عليها صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ)). قوله: ((باب لا يكون بَيع الأمَّةِ طلاقاً) في رواية المُستَمْلي: ((طلاقها)) ثمَّ أورَدَ فیه قصَّة بريرة. قال ابن التِّين: لم يأتِ في الباب بشيءٍ ممّا يدلّ عليه الشَّويبُ، لكن لو كانت عِصمَتها عليه باقيةً ما خُيِّرَت بعد عِتقها، لأنَّ شِراء عائشة كان العِتقُ بإزائه. وهذا الذي قاله عَجيب، أمَّا أوَّلاً: فإنَّ التَّرجمة مُطابقة، فإنَّ العِتق إذا لم يَسْتَلِزِمِ الطَّلاَقَ فالبيعُ بطريق الأَولى، وأيضاً فإنَّ التَّخيير الذي جَرَّ إلى الفِراق لم يقع إلّا بسبب العِتق لا بسبب البيع. وأمَّا ثانياً: فإنَّها لو طَلُقَت بمُجرَّدِ البيع لم يكن للتَّخيير فائدةٌ. وأمَّا ثالثاً: فإنَّ آخِرَ كلامه يَرُدّ أوَّله، فإنَّه يُثبتُ ما نَفاه من المطابقة. قال ابن بَطّالٍ: اختَلَفَ السَّلَف هل يكون بيع الأَمة طلاقاً؟ فقال الجمهور: لا يكون بيعُها طلاقاً، ورُوي عن ابن مسعود وابن عبَّاس وأُبيّ بن كعب، ومن التابعينَ عن سعيد بن المسيّب والحسن ومجاهد، قالوا: يكون طلاقاً، وتَسَّكوا بظاهرٍ قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَنتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. وحُجّة الجمهور حديثُ الباب، وهو أنَّ بَريرة عَتَقَت فخُيِّرَت في زوجها، فلو كان طلاقها يقع بمُجرَّدِ البيع لم يكن للتَّخيير معنَى. ومن حيثُ النَّظَرُّ أَنَّه عَقْدٌ على مَنَفَعَةٍ فلا يُبطِلُه بيعُ الرَّقَبة كما في العَين المؤَجَّرة، والآية نزلت في المَسبّات فهُنَّ المراد بمِلكِ اليمين على ما ثَبَتَ في ١٣٥ باب ١٤ / ح ٥٢٧٩ كتاب الطلاق الصَّحيح من سبب نزولها(١)، انتهى مُلخَّصاً. وما نَقَلَه عن الصَّحابة أخرجه ابن أبي شَيْبة (٨٤/٥ و٨٥) بأسانيدَ فيها انقطاع، وفيه عن جابر وأنس أيضاً، وما نَقَلَه عن التابعينَ فيه بأسانيدَ صحيحةٍ، وفيه أيضاً عن عِكْرمة والشَّعبيّ نحوُه، وأخرجه سعيد بن منصور (١٩٤٧) عن ابن / عبَّاس بسندٍ صحيحٍ، وروى ٤٠٥/٩ حمّاد بن سَلَمَةَ عن هشام بن عُرْوة عن أبيه قال: إذا زَوَّجَ عَبْدَه بأَمَتِهِ فالطَّلاق بيَدِ العَبد، وإذا اشتَرَى أَمةً لها زوج فالطَّلاق بيدِ المشتري. وأخرج سعيد بن منصور (١٩٤٨) من طريق الحسن قال: إِبَاقُ العَبد طلاقُه. وحديثُ عائشة في قصَّة بَريرة أورَدَهُ المصنِّف في أوَّل الصلاة (٤٥٦) وفي عِدّة أبواب مُطوَّلاً ومختصراً، وطريق رَبيعة التي أورَدَها هنا أورَدَها موصولة من طريق مالكٍ عنه، عن القاسم، عن عائشة (٥٢٧٩)، وأوردها في الأطعمة (٥٤٣٠) من طريق إسماعيل بن جعفر، عنه، عن القاسم مُرسَلاً، ولا يَضُرّ إرساله لأنَّ مالكاً أحفَظُ من إسماعيل وأنقَن، وقد وافَقَه أُسامة بن زيد(٢) وغيرُ واحدٍ عن القاسم، وكذلك رواه عبد الرَّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، لكن صَدَّرَه بقصَّة اشتراط الذينَ باعُوها على عائشة أن يكون لهم الوَلاءُ، وقد تقدَّم مُستَوقَى في كتاب العِتق (٢٥٣٦ و٢٥٦١ و٢٥٦٣ وما بعده)، وكذا رواه عُرْوة وعَمْرة والأسوَد وأيمَن المكِّيّ، عن عائشة(٣)، وكذا رواه نافع عن ابن عمر أنَّ عائشة(٤)، ومنهم مَن قال: عن ابن عمر عن عائشة(٥)، وروى قصَّة البُرْمة واللَّحم أنسٌٌ، وتقدَّم حديثه في الهِبة (٢٥٧٧) ويأتي(٦)، وروى (١) يشير إلى حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه مسلم (١٤٥٦) في سبايا أوطاس. (٢) أخرجه من روايته أحمد (٢٥٤٦٨)، وابن ماجه (٢٠٧٦). (٣) سلفت هذه الروايات على الترتيب المذكور بالأرقام (٢١٥٥) و(٤٥٦) و(١٤٩٣) و(٢٥٦٥). (٤) سلف برقم (٢١٥٦). (٥) عند مسلم (١٥٠٤) (٥). (٦) أخرج البخاري قصة البرمة واللحم عن أنس في موضعين من ((صحيحه))، الأول في الزكاة برقم (١٤٩٥)، والثاني في الهبة برقم (٢٥٧٧)، فقوله: ((ويأتي)) ليس صحيحاً إلّا إن أراد حديث الباب، فإنه سيأتي برقم (٥٤٣٠). ١٣٦ باب ١٤ / ح ٥٢٧٩ فتح الباري بشرح البخاري ابن عبَّاس قصَّة تخييرِها لمَّا عَتَقَت كما يأتي بعدُ(١)، وطرقُه كلُّها صحيحةٌ. قوله: ((كان في بَريرة)» تقدَّم ذِكْرُها وضبطُ اسمها في أواخر العِتق (٢٥٦١)، وقيل: إنَّها نَبَطِيَّة، بفتح النُّون والموخَّدة، وقيل: إنَّها قِبْطيّة، بكسرِ القاف وسكون الموحّدة، وقيل: إنَّ اسم أبيها صَفوان. وإنَّ له صُحْبة. واختُلِفَ في مَوَاليها، ففي رواية أُسامة بن زيد عن القاسم (٢) عن عائشة: أنَّ بَرِيرة كانت الناسٍ من الأنصار، وكذا عند النَّسائيِّ (٣٤٥٣) من رواية سماك عن عبد الرَّحمن. ووَقَعَ في بعض الشُّروحِ: (لآلِ أبِي لَهَبٍ)) وهو وَهْمٌ من قائله، انتَقَلَ وَهْمُه من أيمَنَ أَحدٍ رُواة قصَّة بَريرة(٣) عن عائشة إلى بَريرة. وقيل: لآلِ بني هلال، أخرجه التُّرمِذيّ من رواية جَرِير عن هشام بن عُرْوةٍ(٤). قوله: ((ثلاث سُنَن)) وفي رواية هشام بن عروة عن عبد الرّحمن بن القاسم عن أبيه: ثلاث قَضيّات(٥)، وفي حديث ابن عبّاس عند أحمد (٣٤٠٥) وأبي داود (٢٢٣٢) (٦): قَضَى فيها النبيُّ وَّهِ أربعَ قَضيّات، فذكر نحوَ حديث عائشة، وزادَ: وأمَرَها أن تَعَتَدّ عِدّة الحُرّة. أخرجه الدّارَ قُطنيُّ (٣٧٧٧)، وهذه الزّيادة لم تقع في حديث عائشة، فلذلك اقتَصَرَت على ثلاثٍ. لكن (١) في الباب التالي مباشرة. (٢) وقع في الأصول هنا وعند شرح الحديث (٥٢٨٤): أسامة بن زيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم، بزيادة ذكر عبد الرحمن بن القاسم، وهي زيادة مقحمة كما في مصادر تخريج الحديث التي خرجته من هذه الطريق، وسيذكره الحافظ مراراً على الصواب في شرح هذا الحديث والحديث الآتي برقم (٥٢٨٤). قلنا: أما رواية أسامة فأخرجها أحمد (٢٥٤٦٨)، وأبو يعلى (٤٤٣٦)، وأما رواية عبد الرحمن فأخرجها مسلم (١٥٠٤)، والنسائي (٣٤٥٣)، وذهل الحافظ عن وجوده عند مسلم فاقتصر على النسائي. (٣) يعني بها الرواية السالفة عند المصنف برقم (٢٥٦٥). (٤) كذا عزاه الحافظ هنا للترمذي من الطريق المذكورة، وليس هو في الطريق المذكورة عند الترمذي ولا عند غيره، وإنما هو في رواية أبي الزبير أنه سمع عروة بن الزبير، فذكره مرسلاً. أخرجه عبد الرزاق (١٣٠٠٨). (٥) أخرجه مسلم برقم (١٠٧٥) (١٧٢) و(١٥٠٤) (١٠). (٦) رواية أبي داود عن ابن عباس مختصرة بلفظ: أن زوج بريرة كان عبداً أسود يسمى مغيثاً، فخيرها النبي وَل وأمرها أن تعتد. ١٣٧ باب ١٤ / ح ٥٢٧٩ كتاب الطلاق أخرج ابن ماجَهْ (٢٠٧٧) من طريق الثَّوريّ عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسوَد، عن عائشة، قالت: أُمِرَتْ بَريرة أن تَعتَدَّ بثلاثِ حِيَض. وهذا مِثل حديث ابن عبّاس في قوله: تَعتَدّ عِدّة الحُرّة. ويُخالف ما وَقَعَ في رواية أُخرى عن ابن عبّاس: ((تَعتَدّ بحَيضةٍ))(١)، وقد تقدَّم البحثُ في عِدّة المختَلِعة وأنَّ مَن قال: الخُلْع فَسخٌ قال: تَعتَدّ بحيضةٍ، وهُنا ليس اختيار العَتيقةِ نفسَها طلاقاً، فكان القياس أن تَعتَدّ بحيضةٍ، لكنَّ الحديث الذي أخرجه ابن ماجَهْ (٢٠٧٧) على شرط الشَّيخَينِ، بل هو في أعلى دَرَجات الصِّحّة(٢)، وقد أخرج أبو يَعْلى (٤٩٢١) والبيهقيُّ (٧/ ٤٥١) من طريق أبي مَعشَر، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ جَعَلَ عِدّة بَرِيرة عِدّة المطلّقة. وهو شاهدٌ قويٌّ، لأنَّ أبا مَعشَر، وإن كان فيه ضعف، لكنَّه يَصلُح في المتابعات(٣). وأخرج ابن أبي شَيْبة (٨٢/٥-٨٣) بأسانيدَ صحيحةٍ عن عثمان وابن عمر وزيد بن ثابت وآخرينَ: أنَّ الأَمة إذا أُعْتِقَت تحت العَبد فطلاقُهُ(٤) طلاقُ عبدٍ، وعِدَّتها عِدّة حُرّة. وقد قَدَّمت في العِتق (٢٥٦٠) أنَّ العلماء صَنَّفوا في قصَّة بَرِيرة تصانيفَ، وأنَّ بعضهم أوصَلَها إلى أربع مئةِ فائدةٍ، ولا يُخالف ذلك قولُ عائشة: ((ثلاث سُنَن)) لأنَّ مُرادَ عائشة ما (١) الرواية الأولى أخرجها أحمد في ((المسند)) برقم (٣٤٠٥)، والثانية أخرجها الترمذي (١١٨٥). (٢) كذا قال الحافظ هنا، وخالف ذلك في ((بلوغ المرام)) (١١٠٤) فقال: رواته ثقات لكنه معلول، وسبقه إلى ذلك ابن عبد الهادي في ((المحرر)) (١٠٨٤)، وهذا هو الصحيح، ووجه إعلاله أمران: الأول: أنه لا يُحفظ في حديث عائشة في قصة بريرة ذكر العدة، فقد رواه البخاري في عدة مواضع من طريق منصور والحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، فلم يذكر في شيء منها العدة، ورواه كذلك في مواضع من طريق القاسم وعروة وعمرة وأيمن المكي، ليس في شيء منها ذكر العدة، والثاني: أن مذهب عائشة في تفسير القرء الوارد ذكره في عدة المطلقة الحرة أنه الطهر كما ثبت ذلك عنها عند مالك ٥٧٦/٢ والشافعي في ((الأم)) ٢٢٤/٥، وليس الحيضة كما يفيده حديث ابن ماجه، والله أعلم. (٣) لكن روى قصة بريرة عن هشام مالك في ((موطئه)) ٢/ ٧٨٠، وابن جريج عند عبد الرزاق (١٦١٦٤) وجرير بن عبد الحميد عند أحمد (٢٥٣٦٧) وغيرهم رووا قصة بريرة بطولها فلم يذكر أحد منهم العدة غیر أبي معشر. (٤) وقع في (س): ((فطلاقها))، وهو تحريف. ١٣٨ باب ١٤ / ح ٥٢٧٩ فتح الباري بشرح البخاري وَقَعَ من الأحكام فيها مقصوداً خاصّة، لكن لمَّا كان كلُّ حُكم منها يَشتَمِل على تَقعيد قاعِدة يَستَنبط العالم الفَطِن منها فوائدَ جَمَّةً وَقَعَ التكثُّر من هذه الحَيثيّة، وانضَمَّ إلى ذلك ما وَقَعَ في سياق القصَّة غيرَ مقصود، فإنَّ في ذلك أيضاً فوائدَ تُؤْخَذ بطريق التَّصيص أو الاستنباط، أو اقتَصَرَ على الثلاث أو الأربع لكونها أظهَرَ ما فيها، وما عداها إنَّما يُؤخَذ بطريق الاستنباط، أو لأنَّها أهمُّ والحاجة إليها أمَسُّ. ٤٠٦/٩ قال القاضي عياض: معنى ((ثلاث)) أو ((أربع)): أنَّها / شُرِعَت في قِصَّتها، وما يظهر فيها ما سوى ذلك فكان قد عُلمَ من غير قِصَّتها، وهذا أولى من قول مَن قال: ليس في كلام عائشة حَصْرٌ، ومفهوم العَدَد ليس بحُجّةٍ، وما أشبه ذلك من الاعتذارات التي لا تَدفَع سؤالَ: ما الحكمةُ في الاقتصار على ذلك؟ قوله: ((أنَّهَا أُعْتِقَت فخُيِّرَت)) زاد في رواية إسماعيل بن جعفر (٥٤٣٠): في أن تَقَرَّ تحتَ زوجها أو تُفارقَه، وتَقَرّ بفتح القاف(١) وتشديد الرَّاء، أي: تَدُوم، وتقدَّم في العِتق (٢٥٣٦) من طريق الأسوَد عن عائشة: فدَعَاها النبيُّ ◌َ لِّ فخيَّرها من زوجها فاختارت نفسَها، وفي رواية للدّارَ قُطنيّ (٣٧٦٠) من طريق أبان بن صالح، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ النبيَّ وَّ قال لبَريرة: ((اذهَبي فقد عُتِقَ معكِ بَضْعُكِ))(٢)، زاد ابن سعد (٢٥٩/٨) من طريق الشَّعبيّ مُرسَلاً: ((فاختاري))، ويأتي تمامُ ذلك في شرح الباب الذي بعد هذا ببابينٍ. قوله: ((وقال رسول الله وَل﴿: الوَلاء لمَن أعتَقَ)) هذه السُّنّة الثّانية، وقد تقدَّم بيان سَببُها مُستَوقَّى في العِتق (٢٥٣٦) والشُّروط (٢٧١٧)، وفي رواية نافع عن ابن عمر الماضية(٣)، وكذا من عِدّة طرق عن عائشة: ((إنَّما الوَلاءِ لمَن أَعْتَقَ))(٤)، ويُستَفاد منه أنَّ كلمة ((إِنَّ)) تُفيد (١) لفظة ((القاف)) سقطت من (س). (٢) قوله: ((عتق معك بَضْعُكِ)) قال ابن الأثير في ((النهاية)) ١/ ٣٤٥: أي صار فَرجُك بالعتق حُرّاً، فاختاري الثبات على زوجك أو مُفارقته. (٣) سلفت برقم (٢١٥٦). (٤) سلف الموضع الأول منه برقم (٤٥٦)، وانظر أطرافه فيه. ١٣٩ باب ١٤ / ح ٥٢٧٩ كتاب الطلاق الخَصْر، وإلّا لِمَا لَزِمَ من إثبات الوَلاء للمُعِقِ نفيُه عن غيره، وهو الذي أُريدَ من الخبر. ويُؤخَذ منه أنَّه لا وَلاءَ للإنسان على أحد بغير العِتق فيَنتَفي مَن أسلَمَ على يده أحدٌ، وسيأتي البحث فيه في الفرائض (٦٧٥١)، وأنَّه لا وَلاءَ للمُلْتَقِطِ خلافاً لإسحاق، ولا لمَن حَالَفَ إنساناً خلافاً لطائفةٍ من السَّلَف، وبه قال أبو حنيفة. ويُؤخَذ من عُمومه أنَّ الخَرْبِيَّ لو أعتَقَ عبداً ثمَّ أسلَما أَنَّه يَستَمِرُّ ولاؤه له، وبه قال الشافعيُّ، وقال ابن عبد البَرّ: إنَّه قياسُ قولِ مالكٍ، ووافَقَ على ذلك أبو يوسف، وخالَفَ أصحابُه فإنَّهم قالوا: للعَتيق في هذه الصُّورة أن يَتَوَلَّى مَن يَشاء. قوله: ((ودَخَلَ رسولُ الله ◌َّ)) زاد في رواية إسماعيل بن جعفر: بيتَ عائشة. قوله: ((والبُرْمَةُ تَفُور بلَحْم، فقُرِّبَ إليه خُبْزٌ وأَدٌْ)) في رواية إسماعيل بن جعفر: فدَعا بالغَداءِ فأُتيَ بخُبزٍ. قوله: ((أَلَمْ أَرَ البُرْمة فيها لحمٌّ؟ قالوا: بَلَى، ولكن ذاكَ لَحَمٌ تُصُدِّقَ به على بَريرة، وأنتَ لا تَأْكُلِ الصَّدَقة)) وَقَعَ في رواية الأسوَد عن عائشة في الزكاة (١٤٩٣): وأَتيَ النبيُّ ◌َّ بلحم فقالوا: هذا ما تُصُدِّق به على بَريرة. وكذا في حديث أنس في الهِبة (٢٥٧٧)، ويُجمع بينهما بأنَّه لمَّا سألَ عنه أُتيَ به وقيل له ذلك. ووَقَعَ في رواية عبد الرَّحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة في كتاب الهِبة (٢٥٧٨): فأُهديَ لها لحمٌّ فقيلَ: هذا تُصُدِّقَ به على بريرة. فإن كان الضَّمير لبَريرةَ فكأنَّه أطلقَ على الصَّدَقة عليها هَديَّة لها، وإن كان لعائشة فلأنَّ بَريرة لمَّا تَصَدَّقوا عليها باللَّحمِ أهدَت منه لعائشة. ويُؤيِّده ما وَقَعَ في رواية أسامة بن زيد عن القاسم عند أحمد (٢٥٤٦٨) وابن ماجَهْ(١): ودَخَلَ عليَّ رسول الله،وَله والِرْجَلُ يَفُور بلحم، فقال: ((من أين لكِ هذا؟» قلت: أهدَتْهُ لنا بَرِيرةُ وتُصُدِّقَ به عليها. وعند أحمد (٢٤١٨٧) ومسلم (١٠٧٥ / ١٧٢) من طريق أبي معاوية، عن هشام بن عُرْوة، عن عبد الرَّحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: وكان (١) رواية أسامة بن زيد عن القاسم عند ابن ماجه (٢٠٧٦) مختصرة ليس فيها هذا الذي ذكره الحافظ. ١٤٠ باب ١٥ / ح ٥٢٨٠-٥٢٨٢ فتح الباري بشرح البخاري الناس يَتَصَدَّقونَ عليها فتُهدي لنا. وقد تقدَّم في الزّكاة (١٤٩٢) ما يَتَعلَّق بهذا المعنى. واللَّحمُ المذكور وَقَعَ في بعض الشُّروح أنَّه كان لحمَ بَقَرٍ، وفيه نظرٌ، بل جاء عن عائشة: تُصُدِّقَ على مولاتي بشاةٍ من الصَّدَقة(١)، فهو أولى أن يُؤْخَذ به، ووَقَعَ بعد قوله: «هو عليها صَدَقة ولنا هَديَّة)) من رواية أبي معاوية المذكورة(٢): ((فكُلُوه))، وسأذكر فوائده بعد بابينٍ إن شاءَ الله تعالى. ١٥ - باب خيار الأمة تحت العبد ٥٢٨٠- حدّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ وهَّامٌ، عن قَتَادَةَ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: رأيتُه عبداً، يعني: زوجَ بَرِيرةَ. [أطرافه في: ٥٢٨١، ٥٢٨٢، ٥٢٨٣] ٥٢٨١- حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ حَمّادٍ، حدَّثنا وُهَيبٌ، حدَّثنا أيوبُ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبّاسٍ، قال: ذاكَ مُغِيثٌ عبدُ بَني فلانٍ - يعني: زوجَ بَرِيرةَ - كأنِّي أَنظُرُ إليه يَتَبَعُها في ◌ِكَكِ المدينةِ يَبْکی علیھا. ٥٢٨٢- حدَّثْنَا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، عن أيوبَ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كان زوجُ بَرِيرةَ عبداً أسوَدَ يقال له: مُغِيثٌ، عبداً لِبَني فلانٍ، كأنِّي أنظُرُ إليه يَطوفُ وَراءَها فِي سِكَكِ المدينةِ. ٤٠٧/٩ قوله: ((باب خِيار الأَمةِ تَحت العَبد)) يعني: إذا عَتَقَت، وهذا مَصِيرٌ من البخاريّ إلى تَرجيح قول مَن قال: إنَّ زوج بَريرة كان عبداً، وقد تَرجَمَ في أوائل النِّكاح لحديثِ عائشة (٥٠٩٧) في قصّة بَريرة: ((باب الحُرّة ◌َحت العَبد))، وهو جَزمٌ منه أيضاً بأنَّه كان عبداً، ويأتي بيانٌ ذلك في الباب الذي يَليه، واعتَرَضَ عليه هناك ابن المنيِّر بأنَّه ليس في حديث الباب أنَّ زوجَها (١) لم نقف عليه بهذا اللفظ، ولكنه تقدم من رواية الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة برقم (٦٧٥١) بلفظ: وأُهدي ها شاءٌ. وكذلك جاء في رواية عكرمة عن ابن عباس عند ابن حبان (٥١٢٠) وغيره. (٢) عند مسلم (١٠٧٥) (١٧٢) وغيره.