Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
باب ٨ / ح ٥٢٦٦ -٥٢٦٨
كتاب الطلاق
قوله: ((والله لقد حَرَمْناه)) بتخفيف الرَّاء، أي: مَنَعْناه.
قوله: ((قلت لها: اسكُتِي)) كأنَّهَا خَشِيَت أن يَفشُوَ ذلك فيظهرَ ما دَبَّرَتْه من كَيَدِها لحفصةَ.
وفي الحديث من الفوائد: ما جُبلَ عليه النِّساءُ من الغَيرة، وأنَّ الغَيْرِى(١) تُعذَر فيما يقع
منها من الاحتيال فيما يَدِفَعُ عنها تَرفُّعَ ضَرَّتِها عليها بأيِّ وجهٍ كان، وتَرجَمَ عليه المصنّف
في كتاب تَرْك الحِيَل (٦٩٧٢): «ما يُكرَه من احتيال المرأة مع (٢) الَّوج والضَّرائر)).
وفيه الأخذُ بالخَزم في الأُمور وتَرك ما يَشتَبَه الأمرُ فيه من المُباحِ خَشْيَةً من الوقوع في
المحذور.
وفيه ما يَشهَد بعُلِّ مَرتَبَة عائشة عند النبيِّ وَِّ، حتَّى كانت ضَرَّتُها تَهَابُها وتُطيعها في كلّ
شيء تأمُرُها به، حتَّى في مثل هذا الأمر معَ الزَّوج الذي هو أرفَع الناس قَدْراً.
وفيه إشارةٌ إلى وَرَع سَوْدة لمَا ظَهَرَ منها من التَّنَدُّم على ما فعَلَت، لأنَّها وافَقَت أَوَّلاً
على دَفْع تَرَفُّع حفصة عليهنَّ بمزيدِ الجلوس عندها بسَبب العَسَل، ورأت أنَّ التَّوَصُّل إلى
بلوغ المراد من ذلك بِحَسْمِ(٣) مادّة شُرب العَسَل الذي هو سَبب الإقامة، لكن أنكَرَت
بعدَ ذلك أنَّه يَتَرتَّب عليه مَنْعُ النبيِّ ◌َّهِ من أمرٍ كان يَشتَهيه، وهو شُرْب العَسَل معَ ما
تقدَّم من اعتراف عائشة الآمِرةِ لها بذلك في صَدر الحديث، فأخَذَت سَوْدة تَتَعَجَّب ممّا
وَقَعَ منهنَّ في ذلك، ولم تَجِسُر على التَّصريح بالإنكار، ولا راجَعَت عائشةَ بعدَ ذلك لمَّا
قالت لها: اسكُتي، بل أطاعَتها وسَكَتَت لِمَا تقدَّم من اعتذارها في أنَّها كانت تَهابُها، وإنّما
كانت تَهاُها لمَا تعلم من مَزِيدِ حُبِّ النبيِّ وَّ لها أكثرَ منهنَّ، فخَشيَت إذا خالَفَتها أن
تُغْضِبَها، وإذا أغضَبَتها لا تأمَنُ أن تُغيِّرِّ عليها خاطَرَ النبيِّ وََّ، ولا تَحتمِل ذلك، فهذا
معنی خوفها منها.
(١) وقع في (س): الغيراء.
(٢) تحرف في الأصول و(س) إلى: من، والمثبت على الصواب من شرح الحافظ للترجمة في موضعها، وهو الذي
جميع رواه البخاري دون خلاف كما في اليونينية.
(٣) تحرف في (س) إلى: لحسم.

٨٢
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه أنَّ عِمَادَ القَسْمِ اللَّيلُ، وأنَّ النَّهار يجوز الاجتماع فيه بالجميع، لكن بشرطِ أن لا
تقع المجامَعة إلّا معَ التي هو في نَوبَتها كما تقدَّم تقریرُه.
وفيه استعمال الكِنايات فيما يُستَحيا من ذِكْرِه لقولِه في الحديث: فيَدنُو منهنَّ، والمراد:
فيُقبِّلُ ونحو ذلك، ويُحقِّقُ ذلك قولُ عائشة لسَودة: إذا دَخَلَ عليك فإنَّه سيدنُو مِنك،
فقولي له: إنّ أجِدُ كذا. وهذا إنَّما يَتَحقَّق بقُرب الفَم من الأنف، ولا سيَّما إذا لم تكن
الرَّائحة طافحةً، بل المقام يقتضي أنَّ الرَّائحة لم تكن طافحةً، لأنَّها لو كانت طافحة لكانت
بحيثُ يُدرِكها النبيُّ وَّةِ، ولَأَنْكَرَ عليها عَدَمَ وُجودها منه، فلمَّا أقَرَّ على ذلك دَلَّ على ما
قَرَّرناه أنَّها لو قُدِّرَ وُجودها لكانت خَفيَّةٌ، وإذا كانت خَفيَّة لم تُدرَك بمُجرَّدِ المجالَسة
والمحادثة من غير قُرب الفَم من الأَنَف، والله أعلم.
٩ - بابٌ لا طلاقَ قبل نِكاحٍ
٣٨١/٩
وقول الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَ طَلَّقْتُهُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ
تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَ وَسَرِجُوهُنَّ سَرَاحًا جِيلًا﴾.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: جَعَلَ اللهُ الطَّلاَقَ بعدَ النِّكاحِ.
ورُويَ في ذلك عن عليٍّ وسعيدِ بنِ المسيّبِ وعُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ
وعُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ وأبانَ بنِ عُثْمانَ وعليٍّ بنِ حُسَينٍ وشُرَيحٍ وسعيدِ بنِ جُبَيَرٍ والقاسمِ
وسالمٍ وطاووسٍ والحسنِ وعِكْرمةَ وعطاءٍ وعامرِ بنِ سعدٍ وجابرِ بنِ زيدٍ ونافعٍ بنِ جُبَيْرٍ ومحمَّدٍ
ابنِ كَعْبٍ وسليمانَ بنِ يَسارٍ ومجاهدِ والقاسمِ بنِ عبدِ الَّحمنِ وعَمْرِو بنِ هَرِمِ والشَّعْبِيِّ: أنَّها لا
تَطلُقُ.
قوله: ((باب لا طلاق قبل نِكاح، وقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ
ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا فَمَنِعُوهُنَّ وَسَرِجُوهُنَّ
سَرَاحَا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٤٩])) سَقَطَ من رواية أبي ذرٍّ: ((لا طلاق قبل نِكاح)) وثَبَتَ عنده:
((باب ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾)) فساقَ من الآية إلى قوله: ﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾

٨٣
باب ٩
كتاب الطلاق
وحَذَفَ الباقي، وقال: الآية. واقتَصَرَ النَّسَفيّ على قوله: ((باب ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ
اُلْمُؤْمِنَتِ ﴾ الآية)).
قال ابن التِّين: احتجاجُ البخاريِّ بهذه الآية على عَدَم الوقوع لا دلالة فيه.
وقال ابن المنيِّرِ: ليس فيها دليل، لأنَّها إخبارٌ عن صورةٍ وَقعَ فيها الطَّلاق بعد النِّكاح،
ولا حصرَ هُناك، وليس في السّياق ما يقتضيه.
قلت: المحتَجّ بالآية لذلك قبلَ البخاريّ تَرجُمانُ القرآن عبدُ الله بن عبَّاس كما سأذكره.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: جَعَلَ الله الطَّلاَقَ بعدَ النِّكاح)) هذا التَّعليقِ طَرَف من أَثْرِ
أخرجه أحمدُ فيما رواه عنه حرب من ((مَسائله)) من طريق قَتَادة عن عِكْرمة عنه (١)، وقال:
سندُه جیِّدٌ.
وأخرج الحاكم (٢٠٥/٢) من طريق يزيد النَّحويِّ، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس قال:
ما قالها ابن مسعود، وإن يكن قالها فزَلّةٌ من عالم في الرَّجل يقول: إذا تزوَّجت فلانةَ فهي
طالق، قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]،
ولم يَقُل: إذا طَلَّقْتُم المؤمنات ثمَّ نَكَحتُموهُنَّ.
وروى ابن خُزَيمةَ والبيهقيُّ(٢) من طريقه من وجه آخر عن سعيد بن جُبَير: سُئلَ ابن عبّاس
عن الرجل يقول: إذا تزوَّجتُ فلانةَ فهي طالق، قال: ليس بشيءٍ، إنَّما الطَّلاق لمَا مَلكَ.
قالوا: فابن مسعود قال: إذا وقَّتَ وقتاً فهو كما قال، قال: يرحمُ الله أبا عبد الرّحمن لو كان كما
قال ◌َقال الله: إذا طَلَّقْتُم المؤمنات ثمَّ نَكَحتُموهُنَّ.
(١) لم نقف عليه من هذه الطريق في المطبوع من ((مسائل حرب))، وقد رأيناه فيه ٣٧٩/١ من طريق عاصم الأحول
عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في ((المصنف)) (١١٤٤٨) من طريق ابن جريج عن
عطاء، عنه.
(٢) لم نقف عليه في شيء من كتب ابن خزيمة المطبوعة، وكذا لم نقف عليه مسنداً في كتب البيهقي، لكن أورده في
((معرفة السنن والآثار)) برقم (١٤٦١٣)، وفي ((السنن الصغرى)) (٢٦٥١)، وقد أسنده حربٌ في ((مسائله))
٣٨٠/١.

٨٤
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
وروى عبد الرَّزّاق (١١٤٤٩) عن الثَّوريّ عن عبد الأعلى عن سعيد بن جُبير عن ابن
عبَّاس قال: سألَه مروان عن نَسيبٍ له وَقَّتَ امرأةً: إن تزوَّجَها فهي طالقٌ، فقال ابن عبّاس: لا
طلاق حتَّى تَنكِحَ، ولا عِتقَ حتَّى تَلِكَ.
وأخرج ابن أبي حاتم (١٠/ ٣١٤٢) من طريق آدم مولى خالد عن سعيد بن جُبَير عن
ابن عبّاس، فيمَن قال: كلّ امرأة أتزَوَّجُها فهي طالق: ليس بشيءٍ، من أجل أنَّ الله يقول:
﴿َّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ الآية، وأخرجه ابن أبي شَيْبة (١٨/٥) من هذا
الوجه بنحوه.
ورُوِّيناه مرفوعاً في ((فوائد أبي إسحاق بن أبي ثابت)) بسندِه إلى أبي أُميّة أيوب بن سليمان قال:
حَجَجت سنة ثلاثَ عشرةَ ومئةٍ، فَدَخَلت على عطاء فسُئلَ عن رجل عُرِضَت عليه امرأة
لِيَتزوَّجها فقال: هي يومَ أَتَزَوَّ جها طالقٌ البَنَّةَ، قال: لا طلاقَ فیما لا يَملِك ◌ُقدَته. یَاثُرُ ذلك عن
ابن عبّاس عن النبيِّ وَّهِ، وفي إسناده مَن لا يُعرَف(١).
٣٨٢/٩
قوله: ((ورويَ في ذلك عن عليٍّ وسعيد بن المسيّب وعُرْوة بن / الزُّبَير وأبي بكر بن عبد الرّحمن
وعُبيد الله بنِ عبد الله بن عُثْبةَ وأبانَ بن عُثْمان وعليّ بن حُسَين وشُرَيح وسعيد بن جُبَير
والقاسم وسالم وطاووسٍ والحسنِ وعِكْرمة وعطاء وعامر بن سَعْد وجابر بن زيد ونافع بن
جُبَير ومحمَّد بن كَعْب وسليمان بن يَسار ومجاهد والقاسم بن عبد الرَّحمن وعَمْرو بن هَرِمٍ
والشَّعْبِيِّ: أنَّها لا تَطْلُق)) قلت: اقتَصَرَ البخاريّ في هذا الباب على الآثار التي ساقها فيه ولم يذكُر
فيه خَبَراً مرفوعاً صريحاً، رمزاً منه إلى ما سأُبيِّنُه في ضِمنها من ذلك.
فأمَّا الأثر عن عليٍّ في ذلك، فرواه عبد الرَّزّاق (١١٤٥٤) من طريق الحسن البصريّ
قال: سألَ رجل عليّاً قال: قلت: إن تزوَّجتُ فلانةَ فهي طالق؟ فقال عليٌّ: ليس بشيءٍ.
(١) وأخرجه الدولابي في ((الكنى)) (٦١٩)، ومحمد بن سعيد الحراني في ((تاريخ الرقة)) (٣٠١)، والطبراني في
((الكبير)) برقم (١١٤٦٧) من طريق أيوب بن سليمان الجزري عن عطاء عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ،
وأخرجه كذلك الحاكم ٢/ ٤٢٠ لكن زاد بين أيوب بن سليمان وبين عطاء: ربيعة بن أبي عبد الرحمن.
٠

٨٥
باب ٩
كتاب الطلاق
ورجاله ثقات إلّا أنَّ الحسن لم يسمع من عليٍّ، وأخرجه البيهقيُّ (٧/ ٣٢٠) من وجه آخر
عن الحسن عن عليٍّ، ومن طريق النَّزّال بن سَبْرة عن عليٍّ.
وقد رُويَ مرفوعاً أيضاً أخرجه البيهقيُّ وأبو داود من طريق سعيد بن عبد الرَّحمن بن
رُقَيش أنَّه سمعَ خالَه عبد الله بن أبي أحمد بن جَحش يقول: قال عليّ بن أبي طالبٍ: حَفِظت من
رسول الله وَلّ: ((لا طلاق إلّا من بعد نِكاح، ولا يُثْمَ بعد احتلام)) الحديث، لفظ البيهقيّ،
ورواية أبي داود مختصرة(١)، وأخرجه سعيد بن منصور (١٠٣٠) من وجه آخر عن عليّ مُطوَّلاً،
وأخرجه ابن ماجَهْ (٢٠٤٩) مختصراً، وفي سنده ضعف(٢).
وأمَّا سعيد بن المسيّب، فرواه عبد الرَّزّاق (١١٤٦٠) عن ابنِ جُرَيج أخبرني عبد الكريم
الجَزَريُّ: أنَّه سألَ سعيد بن المسيّب وسعيد بن جُبَير وعطاء بن أبي رباح عن طلاق الرَّجل ما
لم يَنكِحِ، فكلّهم قال: لا طلاقَ قبلَ أن يَنكِحَ، إن سَمّها وإن لم يُسمِّها. وإسناده صحيح.
وروى سعيد بن منصور (١٠٣٢) من طريق داود بن أبي هند (٣) عن سعيد بن المسيّب قال:
لا طلاق قبلَ نِكاح. وسنده صحيح أيضاً، ويأتي له طريق أُخرى معَ مجاهد. وقال سعيد
ابن منصور (١٠٣٧): حدَّثنا هُشَيم، أخبرنا محمَّد بن خالد، حدثني عَديُّ بن كعب قال:
جاء رجل إلى سعيد بن المسيّب فقال: ما تقول في رجل قال: إن تزوَّجت فلانة فهي طالق،
فقال له سعيدٌ: كم أصدَقَها؟ قال له الرَّجل: لم يَتزوَّجْها بعدُ، فكيف يُصدِقُها؟ فقال له
سعيد: فكيف يُطلِّق مَن لم يَتَزوَّجْ؟!
وأمَّا عُرْوة بن الزُّبَير، فقال سعيد بن منصور (١٠٥٤): حدَّثنا حَمَّاد بن زيد عن هشام
(١) رواية البيهقي في ((سننه الكبرى)) ٥٧/٦ كرواية أبي داود (٢٨٧٣) مختصرة أيضاً، دون ذكر
الشاهد، بلفظ: ((لا يُتْمَ بعد احتلام، ولا صُمَاتَ يومٍ إلى الليل))، وأخرجه بتمامه من الطريق
المذكورة عن عليٍّ الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٢٩٠) وفي ((الصغير)) (٢٦٦)، والطحاوي في ((شرح
المشكل)» (٦٥٨).
(٢) في إسناده جُويبر بن سعيد الأزدي، وهو متروك الحديث.
(٣) وقُرِنَ به عنده يحيى بن سعيد الأنصاري.

٨٦
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
ابن عُرْوة، أنَّ أباه كان يقول: كلَّ طلاقٍ أو عِتق قبلَ المِلْكِ فهو باطِلٌ. وهذا سندٌ
صحيحٌ.
وأمَّا أبو بكر بن عبد الرّحمن وعُبيد الله بن عبد الله، فجاء في أثرٍ واحدٍ مجموعاً عن
سعيد بن المسيّب والثلاثةِ المذكورينَ بعدَه، وزيادةُ أبي سَلَمةَ بن عبد الرَّحمن، فرواه
يعقوب بن سفيان(١) والبيهقيُّ (٧/ ٣٢١) من طريقه من رواية يزيد بن الهاد عن المنذر بن
عليّ بن أبي الحَكَم: أنَّ ابن أخيه خَطَبَ ابنةَ عَمِّه فتَشاجَروا في بعض الأمر، فقال الفَتَى:
هي طالق إن نَكَحتها حتَّى آكُل الغَضِيضَ - قال: والغَضيضُ: طَلْعُ النَّخلِ الذَّكَر - ثمَّ
نَدِموا على ما كان من الأمر، فقال المنذر: أنا آتيكم بالبيان من ذلك. فانطَلَقَ إلى سعيد بن
المسيّب فذكر له، فقال ابن المسيّب: ليس عليه شيءٌ، طَلَّقَ ما لا يَملِك. قال: ثمَّ إنّي سألت
عُرْوة بن الزُّبَيرِ فقال مِثل ذلك، ثمَّ سألت أبا سَلَمَةَ بن عبد الرَّحمن فقال مِثل ذلك، ثمَّ
سألت أبا بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام فقال مِثل ذلك، ثمّ سألت عُبيد الله بن
عبد الله بن عُتبةَ بن مسعود فقال مِثل ذلك، ثمَّ سألت عمر بن عبد العزيز فقال: هل
سألت أحداً؟ قلت: نعم، فسَمّاهم، قال: ثمَّ رجعت إلى القوم فأخبَرُهم.
وقد رويَ عن عُرْوة مرفوعاً، فذَكر التِّرمِذيُّ في ((العِلَل))(٢) أنَّه سألَ البخاريَّ: أيُّ
حديث في الباب أصحّ؟ فقال: حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه(٣)، وحديث
هشام بن سعد عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة عن عائشة. قلت: إنَّ بِشْر بنَ السَّريِّ وغيرَه
قالوا: عن هشام بن سعد عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة مُرسَلاً(٤)، قال: فإنَّ حَمَّاد بن خالد
(١) في ((المعرفة والتاريخ)) له ٣٥٢/١ و٥٥٨.
(٢) ((العلل الكبير)) طبعة حمزة ديب مصطفى (٤٦٥/١-٤٦٦)، وطبعة صبحي السامرائي وأصحابه
(٣٠٣).
(٣) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٦٧٦٩)، وأبو داود (٢١٩٠)، والترمذي (١١٨١)، وابن ماجه (٢٠٤٧)
وإسناده حسن.
(٤) أخرجه كذلك مرسلاً ابن عدي في ((الكامل)) ٧/ ١٠٩ من طريق علي بن الحسين بن واقد عن هشام بن
سعد عن عروة، ثم قال: وبعضھم یوصله.

٨٧
باب ٩
كتاب الطلاق
رواه عن هشام بن سعد فوَصَلَه(١).
قلت: أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٦/٥) عن حمّاد بن خالد كذلك، وخالَفَهم عليُّ بن الحسين
ابن واقد، فرواه/ عن هشام بن سعد، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوة، عن المِسوَر بن مَخَرَمةَ مرفوعاً، ٣٨٣/٩
أخرجه ابنُ ماجَهْ (٢٠٤٨) وابنُ خُزيمةَ في «صحيحه))، لكنَّ هشام بن سعد أخرَجا له في
المتابَعات، ففيه ضعف، وقد ذكر ابنُ عَديٍّ(٢) هذا الحديث في مَناکیره.
وله طريق أُخرى عن عُروة عن عائشة، أخرجه الدّارَ قُطْنِيُّ (٣٩٣٦) من طريق مَعمَر
ابن بَكّارِ السَّعديّ، عن إبراهيم بن سعد، عن الزُّهْريِّ، فذكره بلفظ: أنَّ النبيَّ ◌َِّ بَعَثَ
أبا سفيان على نَجرانَ. فذكر قصَّةً، وفي آخره: فكان فيما عَهِدَ إلى أبي سفيان أوصاه بتَقْوَى الله
وقال: ((لا يُطلِّقَنَّ رجل ما لم يَنكِح، ولا يُعتِقْ ما لم يَملِك، ولا نَذْرَ في معصية الله))، ومَعمَر
لیس بالحافظ.
وأخرجه الدّارَ قُطنيُّ أيضاً (٣٩٣٥) من رواية الوليد بن سَلَمةَ الأَرْدُنِّيِّ عن يونسَ عن
الزّهْريِّ. والوليد واهٍ. ولمَّا أورَدَ التِّرمِذيُّ في «الجامع)) (١١٨١) حديث عَمْرو بن شُعَيب قال:
ليس بصحيح (٣)، وفي الباب عن عليٍّ ومعاذ وجابر وابنِ عبَّاس وعائشة.
وقد ذكرتُ في أثناء الكلام على تخريج أقوال مَن عَلَّقَ عنهم البخاريُّ في هذا الباب روايات
(١) يعني وصله بذكر عائشة، وهو موقوفٌ عليها، لا كما يُوهمه اختصار الحافظ رحمه الله، لأن نصَّ كلام
البخاري: إن خالد بن حماد روى عن هشام بن سعد عن الزهري عن عروة عن عائشة موقوفاً. كذلك
جاء في ((العلل الكبير)) طبعة السامرائي وأصحابه، وكذلك هي رواية ابن أبي شيبة عن حماد بن خالد
التي أشار إليها الحافظ، وأخرجه كذلك البيهقي في ((الكبرى)) ٣٢١/٧، ونصَّ عليه الدارقطني في
(«العلل)) (٣٨١٦)، ووقع في طبعة حمزة ديب من ((العلل الكبرى)) سقط وإقحام، حيث أسقط ذِكرَ
عروة، وأقحم ذِكرَ النبي ◌ُّ بعد عائشة.
(٢) في ((الكامل)) ١٠٩/٧. لكن وقع في إسناده زيادة ذكر الحسين بن واقد والد عليٍّ، وأخرجه من طريق ابن
عدي حمزة بن یوسف السهمي في «تاریخ جرجان)) ٢٥٧.
(٣) كذا وقع في الأصول و(س): ليس بصحيح! وهو مخالف لقول الحافظ في ((الدراية)) ٢/ ٧٢، وفي («بلوغ
المرام)» (١٠٨٤): أن الترمذي صححه، وهو الذي في أصولنا الخطية من «جامع الترمذي» حیث جاء
فيها أنه قال: حسن صحيح.

٨٨
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
هؤلاء المرفوعة، وفاتَ التِّرمِذيَّ أنَّه وَرَدَ من حديث المِسوَر بن ◌َرَمةَ وعائشة(١) كما تقدَّمَ،
ومن حديث عبد الله بن عمر، ومن حديث أبي ثَعْلبة الُشَنيِّ، فحديثُ ابنِ عمر يأتي ذِكْره
في أثر سعيد بن جُبَير، وحديث أبي ثَعْلبة أخرجه الدّارَ قُطنيُّ (٣٩٨٧) بسندٍ شاميٍّ فيه بَقِيَّة
ابن الوليد وقد عَنعَنَه، وأظنُّ فيه إرسالاً أيضاً.
وأمَّا أبانُ بنُ عثمان، فلم أقِف إلى الآن على الإسناد إليه بذلك(٢)، وأمَّا عليُّ بن الحسينِ،
فُرُوِّيناه في ((الغَيْلانيّات)) (٩١) من طريق شُعْبة عن الحَكَم - هو ابن عُتَية - سمعت عليّ بن
الحسين يقول: لا طلاق إلّا بعد نِكاح. وكذا أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٧/٥) عن غُندَر عن
شُعْبة، ورُوِّينا في ((فوائد عبد الله بن أيوب المُخَرِّميِّ)) من طريق أبي إسحاق السَّبيعيِّ عن عليّ
ابن الحسینمِثله، وکلا السَّندینِ صحیح، وله طریق أُخرى عنه تأتي مع سعيد بن جُبیر.
ورواه سعيد بن منصور (١٠٣٣) عن حمّاد بن شُعَيب عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاء
رجل إلى عليّ بن الحسين فقال: إنّ قلت: يومَ أتَزَوَّجُ فلانةَ فهي طالقٌ، فقرأ هذه الآية ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُوْإِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمَّ طَلَّفْسُهُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ﴾ قال عليّ بن الحسين: لا
أرَى الطَّلاق إلّا بعد نكاح.
وأمَّا شُرَيحٌ فرواه سعيد بن منصور (١٠٢٤) وابنُ أبي شَيْبة (١٧/٥-١٨) من طريق
سعيد بن جُبَير عنه، قال: لا طلاق قبلَ نِكاح. وسنده صحيح، ولفظ ابنِ أبي شَيْبة عن
رجل قال: يومَ أتَزَوَّجُ فلانةَ فهي طالق ثلاثاً.
وأمَّا سعيد بن جُبَير، فرواه أبو بكر بن أبي شَيْبة (١٧/٥) عن عبد الله بن نُمَير عن
عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جُبَير، في الرجل يقول: يومَ أتَزَوَّجُ فلانة فهي
طالقٌ، قال: ليس بشيءٍ، إنّما الطَّلاق بعد النكاح. وسنده صحيح، وله طريق أُخرى تأتي
معَ مجاهد.
(١) لم یَفُتِ الترمذيَّ ذکرُ عائشة، بل ذكره، ونقله عنه الحافظ نفسه قبل سطرين !!
(٢) أخرجه عنه حرب بن إسماعيل في ((مسائله)) ٥١١/٢.

٨٩
باب ٩
كتاب الطلاق
وقال سعيد بن منصور (١٠٢٩): حدَّثنا سفيان عن سليمان بن أبي المغيرة: سألت
سعيد بن جُّبَير وعليّ بن حُسَين عن الطَّلاق قبلَ النِّكاح، فلم يَرَياه شيئاً.
وقد رُويَ مرفوعاً أخرجه الدّارَ قُطنيُّ (٣٩٣٧) من طريق أبي هاشم الزُّمّانيّ عن سعيد
ابن جُبير، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ ◌َِّ: أنَّه سُئلَ عن رجل قال: يومَ أَتَزَوَّجُ فلانة فهي طالق،
فقال: ((طَلَّقَ ما لا يَملِك))، وفي سنده أبو خالد الواسطيّ، وهو واهٍ(١).
ولحديثِ ابنِ عمر طريق أُخرى أخرجها ابن عَديٌّ (٢٣٢/٥) من رواية عاصم بن هلال
عن أيوب عن نافع عن ابنِ عمر، رَفَعَه: ((لا طلاق إلّا بعد نِكاح)). قال ابن عَديٍّ: قال ابنُ
صاعِد لمَّا حدَّث به: لا أعلمُ له عِلّة.
قلت: استَنكَروه على ابنٍ صاعِد ولا ذَنب له فيه، وإنَّما عِلَّته ضَعفُ حِفْظ عاصم.
وأمَّا القاسم - وهو ابن محمّد بن أبي بكر الصِّدّيق - وسالم - وهو ابن عبد الله بن عمر -
فرواه أبو عُبيد في كتاب ((النِّكاح)) له عن هُشَيم ويزيد بن هارونَ، كلاهما عن يحيى بن
سعيد قال: كان القاسم بن محمَّد وسالم بن عبد الله وعمر بن عبد العزيز لا يَرَونَ الطَّلاق
قبل النِّكاح. وهذا إسناد صحيح أيضاً.
وأخرجه ابن أبي شَيْبة من وجهٍ آخَر عن سالم والقاسم: وقوعه/ في المعَيَّنة (٢)، قال ابنُ ٣٨٤/٩
أبي شَيْبة (١٩/٥): حذَّثنا حفص - هو ابنُ غياث - عن حَنظَلة قال: سُئلَ القاسم وسالم
عن رجل قال: يوم أتزَوَّجُ فلانة فهي طالق، قالا: هي كما قال. وعن أبي أُسامة (٢٠/٥)
عن عمر بن حمزة: أنَّه سألَ سالماً والقاسم وأبا بكر بن عبد الرَّحمن وأبا بكر بن محمَّد بن
عَمْرو بن حَزْمِ وعبد الله بن عبد الرَّحمن عن رجل قال: يوم أتزَوَّجُ فلانة فهي طالقٌ البَّةَ، فقال
كلُّهم: لا يَتزوَّجها. وهو محمولٌ على الكراهة دونَ التَّحريم، لما أخرجه إسماعيل القاضي
في ((أحكام القرآن)) من طريق جَرِير بن حازم عن يحيى بن سعيد: أنَّ القاسم سُئلَ عن ذلك
فكَرهَه. فهذا طريق التَّوفيق بين ما نُقِلَ عنه من ذلك.
(١) وكذا الراوي عنه عبد الرحمن بن مُسْهِر متروك الحديث.
(٢) أي: المرأة المعيّنة من قِبَل الرجل القائل: يوم أتزوَّج فلانة فهي طالق.

٩٠
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا طاووسٌ، فأخرجه عبد الرَّزّاق (١١٤٦٩) عن مَعمَر قال: كَتَبَ الوليد بن يزيد
إلى أُمَراء الأمصار أن يَكتُبُوا إليه بالطَّلاق قبلَ النِّكاح، وكان قد ابتُليَ بذلك، فَكَتَبَ إلى
عاملِهِ باليمن فدَعَا ابنَ طاووسٍ وإسماعيل بن شَروسٍ وسِماك بن الفضل، فأخبَرَهم ابنُ
طاووسٍ عن أبيه، وإسماعيلُ بن شَروسٍ عن عطاء، وسِماكُ بن الفضل عن وَهْب بن مُنِّه،
أنَّهم قالوا: لا طلاق قبل النِّكاح. قال سماك مِن عنده: إنَّما النِّكاح عُقدة تُعقَد والطَّلاق
يَحُلّها، فكيف تُحُلُّ عُقدةٌ قبل أن تُعقَد.
وأخرجه سعيد بن منصور (١٠٣٨) من طريق خُصَيف، وابنُ أبي شَيْبة (١٧/٥) من طريق
اللَّيث بن أبي سُلَيم، كلاهما عن عطاء وطاووسٍ جميعاً.
وقد رُويَ مرفوعاً، قال عبد الرَّزاق (١١٤٥٧): عن الثَّوريِّ، عن ابنِ المنكَدِر، عمَّن
سمعَ طاووساً يُحدِّث عن النبيِّ ◌َّ أنَّه قال: ((لا طلاق لمن لم يَنكِحِ)). وكذا أخرجه ابنُ أبي
شَيْبة (١٦/٥) عن وكيع عن الثَّوريِّ. وهذا مُرسَل وفيه راوٍ لم يُسَمَّ، وقيل فيه: عن
طاووسٍ عن ابنِ عبَّاس، أخرجه الدّارَقُطنيُّ (٣٩٣٠) وابنُ عَديِّ (٢/ ٢٩٠) بسندَينِ
ضعيفَينِ عن طاووسٍ. وأخرجه الحاكم (٤١٩/٢) والبيهقيُّ (٧/ ٣٢٠) من طريق ابنِ
جُرَيج عن عَمْرو بن شُعَيب(١)، عن طاووسٍ عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله وَل:
((لا طلاق إلّا بعدَ نِكاح، ولا عِتق إلّا بعدَ مِلك))، ورجاله ثقات إلّا أنَّه مُنقَطِعٍ بين
طاووسٍ ومعاذ، وقد اختُلِفَ فيه على عَمْرو بن شُعَيب، فرواه عامر الأحوَل ومَطَر الوَرّاق
وعبد الرَّحمن بن الحارث وحُسَين المعلِّم، كلُّهم عن عمرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه،
والأربعة ثقات وأحاديثهم في ((السُّنَن)) ومن ثَمَّ صَخَّحَه مَن يُقوِّي حديث عَمْرو بن شُعَیب،
وهو قويّ لكن فيه عِلّة الاختلاف.
(١) کذا ذکر الحافظ رحمه الله عمرو بن شعيب في إسناد الحاكم والبيهقي، مع أن الذي في إسنادهما عمرو بن دینار،
بدل عمرو بن شعيب، والبيهقي إنما يرويه عن الحاكم، وهذا الذي وقع للحاكم خطأ، لأن الحديث أخرجه عبد
الرزاق (١١٤٥٥)، وعبد بن حميد (١٢١)، والحسين المحاملي في ((أماليه)) بروايه ابن مهدي الفارسي (١٥٨)،
والدار قطني (٣٩٣٠) من طرق عن ابن جريج، فقالوا فيه: عن عمرو بن شعيب. فكأن الحافظ أراد تصحيح ما
وقع في إسناد الحاكم، فذكره على الصواب، والله أعلم.

٩١
باب ٩
كتاب الطلاق
وقد اختُلِفَ عليه فيه اختلافاً آخر، فأخرج سعيد بن منصور (١٠٢١) من وجه آخر:
عن عَمْرو بن شُعَيب، أنَّه سُئلَ عن ذلك فقال: كان أبي عَرَضَ عليَّ امرأةٌ يُزوِّ جُنِيها، فَأَبِيتُ
أن أتزَوَّجَها وقلت: هي طالق البََّّةَ يومَ أَتَزَوَّجُها، ثمَّ نَدِمت، فقَدِمت المدينة فسألت سعيد
ابن المسيّب وعُروة بن الزُّبَير فقالا: قال رسول الله وَّه: ((لا طلاق إلّا بعدَ نِكاح))، وهذا
يُشعِر بأنَّ مَن قال فيه: عن أبيه عن جَدِّه، سَلكَ الجادّةَ، وإلّا فلو كان عنده: عن أبيه عن
جَدِّه لمَا احتاجَ أن يَرحَل فيه إلى المدينة، ويَكتَفي فيه بحديثٍ مُرسَل، وقد تقدَّم أنَّ التِّرمِذيَّ
حكى عن البخاريِّ أنَّ حديث عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدِّه أصُّ شيء في الباب،
وكذلك نَقَلَ مُهَنّا(١) عن الإمام أحمد، فالله أعلم.
وأمَّا الحسن، فقال عبد الرَّزّاق (١١٤٦٥) عن مَعمَر عن الحسن وقَتَادة قالا: لا طلاق قبل
النِّكاح، ولا عِتق قبل المِلك، وعن هِشَام عن الحسن مِثله (١١٤٦٦)، وأخرج ابن منصور
(١٠٣١) عن هُشَيم عن منصور ويونس عن الحسن أنَّه كان يقول: لا طلاق إلّا بعد المِلك.
وقال ابنُ أبي شَيْبة (١٧/٥): حدَّثنا خَلَف بن خليفة، سألت منصوراً عمَّن قال: يوم
أَتَزَوَّجُها فهي طالق، فقال: كان الحسن لا يراه طلاقاً.
وأمَّا عِكْرمة فرواه أبو بكر الأثرَم عن الفضل بن دُكَينٍ، عن سُوَيد بن نَجِيح قال:
سألْت ◌ِكْرمة مولى ابنِ عبَّاس قلت: رجل قالوا له: تزوَّجْ فلانة، قال: هي يوم أتزَوَّجُها
طالق كذا وكذا، قال: إنَّما الطَّلاق بعد النكاح.
وأمَّا عطاء فتقدَّم معَ طاووسٍ، ويأتي له طريق معَ مجاهد، وجاء من طريقه مرفوعاً
أخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٨٢٢٤) عن موسى بن هارونَ، حدَّثنا / محمَّد بن المنهال، حدَّثنا ٣٨٥/٩
أبو بكر الحنفيُّ، عن ابنِ أبي ذِئْب، عن عطاءٍ، عن جابر، أنَّ رسول الله وَلَه قال: «لا طلاق إلّا
بعد النِّكاح، ولا عِتق إلّا بعد مِلك))، قال الطبرانيُّ: لم يَروِه عن ابنِ أبي ذِئْب إلّا أبو بكر الحنفيُّ
ووكيع، ولا رواه عن أبي بكر الحنفيِّ إلّا محمّد بن المنهال، انتهى.
(١) تحرف في (ع) إلى: ههنا، وفي (س) إلى: ما هنا، ومُهَنًا المذكور هو ابن يحيى الشامي أحد كبار أصحاب الإمام
أحمد له ترجمة في ((الثقات)) لابن حبان ٩/ ٢٠٤، وفي ((تاريخ بغداد)» للخطيب ٢٦٦/١٣.

٩٢
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرجه أبو يَعْلى (١) عن محمَّد بن المنهال أيضاً وصَرَّحَ فيه بتحديثِ عطاء من (٢) ابنِ أبي
ذِئْب، وكذلك قال أيوب بن سُوَيد(٣) عن ابنِ أبي ذِئْب: حدَّثنا عطاء، لكن أيوب بن سُوَيدِ
ضعيف. وكذا أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٢/ ٢٠٤) من طريق محمَّد بن سِنان القَزّاز عن أبي
بكر الحنفيّ، وصَرَّحَ فيه بتحديثِ عطاء لابنِ أبي ذِئْب وتحديثِ جابرٍ لعطاءٍ.
وفي كلٍّ من ذلك نظرٌ، والمحفوظ فيه العَنعَنة، فقد أخرجه الطَّالسيُّ في ((مُسنَد)) (١٧٨٧)
عن ابنِ أبي ذِئْب، عمَّن سمعَ عطاء، وكذلك رُوِّيناه في ((الغَيْلانيّات)) (٦٢٧) من طريق حُسَين
ابن محمَّد المُوذِيّ عن ابنِ أبي ذِئْب، وكذلك أخرجه أبو قُرّة في ((السُّنَن)) عن ابن أبي ذِئْب.
ورواية وكيع التي أشارَ إليها الطبرانيُّ أخرجها ابن أبي شَيْبة (١٦/٥) عنه عن ابنِ أبي
ذِئْب، عن عطاء، وعن محمّد بن المنگدِر، عن جابر قال(٤): لا طلاقَ قبل نِكاح.
ولرواية محمَّد بن المنكَدِر عن جابر طريق أُخرى أخرجها البيهقيُّ (٣١٩/٧) من طريق
صَدَقة بن عبد الله قال: جئتُ محمَّد بن المنكَدِر وأنا مُغضَب فقلت: أنتَ أحلَلتَ للوليدِ بن
يزيد أمَّ سَلَمةَ؟ قال: ما أنا، ولكن رسولُ الله ◌َّهِ، حدَّثني جابر بن عبد الله أنَّه سمعَ
رسول الله ◌َ ل﴿ يقول: «لا طلاقَ لمن لا يَنكِح، ولا عِتَقَ لمن لا يَملِك».
(١) في ((مسنده)) الذي برواية ابن المقرئ، وكذا في ((مسنده)) الذي برواية ابن حمدان، كما رواه الحافظ من
طريقيهما في ((التغليق)) ٤٤٨/٤، لكنه سقط من ((مسند أبي يعلى)) المطبوع الذي برواية ابن حمدان، ورواه
ابن عدي في ((الكامل)) ١٨/٦ عن أبي يعلى.
(٢) كذا في الأصول و(س)، وهو صحيح على أن ((من)) هنا زائدة أو بمعنى اللام الزائدة، إذ إن ابن أبي ذئب
هو الذي صرح بتحديث عطاء له، ونحوه قول القائل: بعت من فلان كذا، وتزوجت من فلانة.
(٣) أخرجه من طريق البزار كما في ((المطالب العالية)) للحافظ (١٧١٤)، وكذلك أخرجه من طريقه ابن
المنذر في «الأوسط)» (٧٧٠٨). ونسبه الحافظ في ((التغليق)) أيضاً ٤/ ٤٤٩ لأبي علي الحسن بن حبيب
الحصائري في «جزئه».
(٤) كذا وقع في الأصول و(س)، وظاهره يُوهم أنه من قول جابر، وليس كذلك، فإن الذي في ((المصنف)) لابن أبي
شيبة: عن جابر رَفَعَه، وكذلك أخرجه الحاكم ٢/ ٤٢٠ مرفوعاً، وأخرجه حرب في «مسائله)) ١/ ٣٨٧ بذکر
عطاء وحده مرفوعاً أيضاً، وضبطه البزار في روايته كما في ((مختصره)) للحافظ (١٠٦٧)، فقال: رفعه محمد
وأوقفه عطاء. وانظر لزاماً تعليل أبي حاتم وأبي زرعة لهذا الحديث في ((العلل)) لابن أبي حاتم (١٢٢٠).

٩٣
باب ٩
كتاب الطلاق
وأمَّا عامر بن سعد، فهو البَجَليُّ الكوفيُّ، من كبار التابعينَ، وجَزْمَ الكِرْمانيُّ في ((شرحه)) بأنَّه
ابنُ سعد بن أبي وقّاص، وفيه نظرٌ.
وأمَّا جابر بن زيد - وهو أبو الشَّعثاء البصريُّ - فأخرجه سعيد بن منصور (١٠٢٦)
من طريقه، وفي سنده رجل لم يُسَمَّ.
وأمَّا نافع بن جُبَير، أي: ابن مُطعِم، ومحمَّد بن كعب، أي: القُرَظيُّ، فأخرجه ابن أبي شَيْبة
(١٨/٥) عن جعفر بن عَوْن عن أسامة بن زيد عنهما، قالا: لا طلاق إلّا بعد نكاح.
وأمَّا سليمان بن يسار، فأخرجه سعيد بن منصور (١٠٣٩) عن عَتّاب بن بشير، عن
خُصَيف، عن سليمان بن يَسار: أنَّه حَلَفَ في امرأة: إنْ أَتَزَوَّجها فهي طالق، فتزوَّجَها،
فأخبر بذلك عمرَ بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة، فأرسَلَ إليه: بَلَغَني أنَّك حَلَفتَ في
كذا؟ قال: نعم، قال: أفَلا تُّخُلِّيّ سبيلَها؟ قال: لا، فَتَرَكَه عمرُ ولم يُفرِّق بينهما.
وأمَّا مجاهد، فرواه ابن أبي شَيْبةَ (١٨/٥) من طريق الحسن بن الرَّمّاح(١): سألتُ سعيد
ابن المسيّب ومجاهداً وعطاءً عن رجل قال: يوم أتزَوَّج فلانة فهي طالق، فكلّھم قال: ليس
بشيءٍ، زاد سعيد: أيكون سَيلٌ قبلَ مَطَرِ؟ وقد رويَ عن مجاهد خِلافُه، أخرجه أبو عُبيد
من طريق خُصيف: أنَّ أمير مكّة قال لامرأتِه: كلّ امرأة أتَزَوَّجُها فهي طالق، قال خُصيف:
فذكرت ذلك لمجاهدٍ وقلت له: إنَّ سعيد بن جُبَير قال: ليس بشيءٍ، طَلَّقَ ما لم يَملِك، قال:
فگرِهَ ذلك مجاهدٌ وعابَه.
وأمَّا القاسم بن عبد الرَّحمن - وهو ابنُ عبد الله بن مسعود - فرواه ابن أبي شَيْبة (١٨/٥) عن
وكيع، عن مُعرِّف(٢) بن واصلٍ، قال: سألت القاسمَ بن عبد الرَّحمن فقال: لا طلاقَ إلّا بعد
نِکاح.
(١) كذا وقع في الأصول و(س): الرمّاح، والذي في الطبعات المحققة من ((مصنف ابن أبي شيبة)): رواح،
بالواو، وبالحاء المهملة أو الجيم، وجاء في ((السنن الكبرى)) للبيهقي ٣٢١/٧ وفي ((الاستذكار)) لابن
عبد البر (٢٧١٦٥): رواح، بالواو والحاء المهملة، وكذلك جاء في أثرين آخرين غير هذا عند سعيد بن
منصور في «سننه» (١٠٢٨) و(١٣٢٤)، وابن حزم في ((المحلى)) ١٠/ ٢٥٤.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: معروف.

٩٤
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
وأمَّا عَمْرو بن هَرِم - وهو الأزديُّ، من أتباع التابعينَ - فلم أقِف على مَقالته موصولةً،
إلّا أنَّ في كلام بعض الشُّرّاح أنَّ أبا عُبيد أخرجه من طريقه.
وأمَّا الشَّعبيُّ، فرواه وَكيع في ((مُصنَّفه)) عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشَّعبيّ، قال: إن
قال: كلُّ امرأة أتزَوَّجها فهي طالق، فليس بشيءٍ، وإذا وقَّتَ لَزِمَه، وكذلك أخرجه
عبد الرَّزّاق (١١٤٧٣) عن الثَّوريّ عن زكريّا بن أبي زائدة وإسماعيل بن أبي خالد عن الشَّعبيّ
قال: إذا عَمَّمَ فليس بشيءٍ.
وثمّن رأى وُقوعه في المعَيَّنَة دونَ التَّعميم - غير من تقدَّم - إبراهيمُ النَّخَعِيُّ، أخرجه
ابن أبي شَيْبة (١٩/٥ و٢١) عن وكيع، عن سفيان، عن منصور عنه، قال: إذا وقَّتَ وَقَعَ.
وبإسنادِهِ إذا قال: ((كلُّ)) فليس بشيءٍ، ومن طريق حَمَّد بن أبي سليمان (١٩/٥) مِثْلَ قول
إبراهيم. وأخرجه (٢٠/٥) من طريق الأسوَد بن يزيد عن ابنِ مسعود، وإلى ذلك أشارَ
٣٨٦/٩ ابن عبّاس/ كما تقدَّمَ، فابنُ مسعود أقدَمُ مَن أفتَى بالوُقوع، وتَبَعَه مَن أخَذَ بمذهبه كالنَّخَعيِّ ثمَّ
حمّاد.
وأمَّا ما أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٩/٥ -٢٠) عن القاسم أنَّه قال: هي طالق، واحتَجَّ بأنَّ
عمر سُئلَ عمَّن قال: يوم أتَزَوَّجُ فهي عليَّ كَظَهرِ أُمّي، قال: لا يَتزوَّجُها حتَّى يُكَفِّر. فلا
يَصِحُّ عنه، فإِنَّه من رواية عبد الله (١) بن عمر العُمريِّ عن القاسم، والعُمريُّ ضعيف، والقاسم
لميُدرِك عمر.
وكأنَّ البخاريَّ تَبعَ أحمدَ في تكثير النََّل عن التابعينَ، فقد ذكر عبد الله بن أحمد بن
حَنبَلٍ في ((العِلَل)) أنَّ سفيان بن وكيع حدَّثه قال: أحفَظُ عن أحمد مُنذُ أربعينَ سنة أنَّه سُئلَ
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله: عبد الله، مكبَّراً، وهو كذلك في بعض النسخ الخطية من ((مصنف ابن أبي شيبة))
كما في طبعة عوامة وطبعة اللحيدان والجمعة، وفي بعضها الآخر: عبيد الله مصغراً، وهذا ثقة خلافاً لأخيه،
وهذا هو الراجح هنا، فقد روى هذا الخبرَ الطحاويَّ في (مشكل الآثار)) ٢/ ١٣٦ بإثر الحديث (٦٦٠) من
طريق الليث بن سعد عن يحيى بن عبد الله بن سالم العُمري، عن عُبيد الله بن عمر العُمري، عن القاسم،
عن عمرو بن سليم، عن عمر، فسمَّى الراوي عن القاسم عُبيد الله ووَصَلَه، وإسناده حسن.

٩٥
باب ٩
كتاب الطلاق
عن الطَّلاق قبل النِّكاح فقال: يُروَى عن النبيِّ وَِّ وعن عليٍّ وابنِ عبَّاس وعليّ بن حُسَين
وابنِ المسيّب ونَيِّفٍ وعشرينَ من التابعينَ: أنَّهم لم يَروا به بأساً، قال عبد الله: فسألت أبي
عن ذلك فقال: أنا قلتُه.
قلت: وقد تَّجَوَّزَ البخاريّ في نِسبة جميع مَن ذَكَرَ عنهم إلى القول بعَدَمِ الوقوع
مُطلَقاً، معَ أنَّ بعضَهم يُفَصِّل وبعضَهم يُخْتَلَف عليه، ولعلَّ ذلك هو النُّكتة في تَصديره
النَّقْلَ عنهم بصيغة التَّمريض، وهذه المسألة من الخلافيّات الشَّهيرة، ولِلعلماءِ فيها
مذاهب: الوقوع مُطلَقاً، وعَدَم الوقوع مُطلَقاً، والتَّفصيل بين ما إذا عَيَّنَ أو عَمَّمَ، ومنهم مَن
تَوَقَّفَ.
فقال بعَدَمِ الوقوع الجمهورُ كما تقدَّم، وهو قول الشافعيّ وابنٍ مَهديّ وأحمد وإسحاقَ
وداودَ وأتباعِهم وجُهورِ أصحاب الحديث.
وقال بالوقوع مُطلَقاً أبو حنيفة وأصحابُه.
وقال بالتَّفصيلِ رَبيعةُ والثَّوريُّ واللَّيث والأوزاعيُّ وابن أبي ليلى ومَن قبلَهم ممَّن تقدَّم
ذِكْره، وهو ابن مسعود وأتباعه، ومالكٌ في المشهور عنه، وعنه: عَدَم الوقوع مُطلَقاً ولو عَّنَ.
وعن ابنِ القاسم مِثْلُه، وعنه: أنَّه تَوَقَّفَ، وكذا عن الثّوريِّ وأبي ◌ُبید.
وقال ◌ُهور المالكيَّة بالتَّفصيل، فإن سَمَّى امرأةً أو طائفةً أو قبيلةً أو مكاناً أو زماناً يُمكِّن أن
يعيش إليه: لَزِمَه الطَّلاقُ والعِتَقُّ.
وجاء عن عطاءٍ مذهبٌ آخر مُفَصَّل بين أن يَشرِط ذلك في عقد نكاح امرأته أو لا، فإن
شَرَطَه لم يَصِحّ تَزويجُ مَن عَيَّها وإلّا صَحَّ، أخرجه ابنُ أبي شَيْبة (١٩/٥).
وتأوَّلَ الزُّهْرِيُّ ومَن تَبعَه قوله: ((لا طلاقَ قبلَ نِكاح)) أنَّه محمول على مَن لم يَتزوَّج
أصلاً، فإذا قيل له مثلاً: تزوَّج فلانة فقال: هي طالق البَتّةَ، لم يقع بذلك شيءٌ، وهو الذي
وَرَدَ فيه الحديث، وأمَّا إذا قال: إن تزوَّجت فلانة فهي طالقٌ، فإنَّ الطَّلاق إنَّما يقع حين
تزُّجِها.

٩٦
باب ٩
فتح الباري بشرح البخاري
وما ادَّعاه من التَّويل تَرُدّه الآثار الصَّريحة عن سعيد بن المسيّب وغيره من مشايخ الزُّهْرِيِّ
في أنَّهم أرادوا عَدَم وقوع الطَّلاق عمَّن قال: إن تزوَّجْتُ فهي طالق، سواءٌ خَصَّصَ أم
عَمَّمَ: أَنَّه لا يقع، ولِشُهرة الاختلاف كَرِهَهُ(١) أحمدُ مُطلَقاً، وقال: إن تزوَّجَ لا آمُره أن يُفارقَ.
وكذا قال إسحاق في المعَيَّنة.
قال البيهقيُّ بعد أن أخرج كثيراً من الأخبار، ثمَّ من الآثار الواردة في عَدَم الوقوع: هذه
الآثار تَدُلّ على أنَّ مُعظَم الصَّحابة والتابعينَ فَهِموا من الأخبار أنَّ الطَّلاق أو العَتاق الذي
عُلِّقَ قبل النِّكاح والمِلك لا يعمل بعدَ وقوعهما، وأنَّ تأويل المخالف في حَمله عَدَم الوقوع
على ما إذا وَقَعَ قبلَ المِلك، والوقوع فيما إذا وَقَعَ بعدَه، ليس بشيءٍ، لأنَّ كلّ أحدٍ يعلم بعَدَمِ
الوقوع قبلَ وجود عَقد النِّكاح أو المِلك، فلا يَبقَى في الإخبار فائدة، بخلاف ما إذا حَمَلناه
على ظاهره، فإنَّ فيه فائدةً وهو الإعلام بعَدَمِ الوقوع ولو بعد وجود العَقد، فهذا يُرجِّح ما
ذهبنا إليه من حَمل الأخبار على ظاهرها، والله أعلم.
وأشارَ البيهقيُّ بذلك إلى ما تقدَّم عن الزُّهْريِّ وإلى ما ذَكره مالكٌ في ((الموطَّا)) (٢/ ٥٨٤):
أنَّ قوماً بالمدينة كانوا يقولون: إذا حَلَفَ الرجل بطلاق امرأة قبلَ أن يَنكِحها ثمَّ حَنِثَ: لَزِمَ
إذا نَكَحَها، حكاه ابن بَطّالٍ، قال: وتأوَّلوا حديث: ((لا طلاقَ قبل نِكاح)) على مَن يقول:
امرأةٌ فلاٍ طالق.
وعُورِضَ مَن ألزَمَ بذلك بالاتِّفاق على أنَّ مَن قال لامرأةٍ: إذا قَدِمَ فلان فأُذَني لوَليِّك أن
يُزُوِّجَنيك، فقالت: إذا قَدِمَ فلان فقد أذِنت لوَلِّي في ذلك، أنَّ فلاناً إذا قَدِمَ لم يَنْعَقِد التَّزويُ
٣٨٧/٩ حتَّى يُنشِئَ عَقداً جديداً. وعلى أنَّ/ مَن باعَ سِلعة لا يَملِكها ثمَّ دَخَلت في مِلكه لم يَلَزَم ذلك
البيعُ. ولو قال لامرأتِه: إن طَلَّقْتك فقد راجَعتُك، فطَلَّقَها: لا تكونُ مُرتَجَعَةً، فكذلك الطَّلاق.
وممّا احتَجَّ به مَن أوقَعَ الطَّلاق قولُه تعالى: ﴿بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾
[المائدة: ١]، قال: والتَّعليق عَقدُ التَزَمَه بقولِه، وَرَبَطَه بنيَّتِه، وعَلَّقَه بشرطِهِ، فإن وُجِدَ الشَّرط
(١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(س): ((كره))، وتحرف في (ع) إلى: «ذكره)).

٩٧
باب ١٠
كتاب الطلاق
نَفَذَ. واحتَجَّ آخرُ بقولِه تعالى: ﴿يُوقُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وآخَرُ بمشروعيَّة الوَصيّة، وكلّ
ذلك لا حُجّة فيه، لأنَّ الطَّلاق ليس من العُقود، والنَّذْر يُتَقَرَّب به إلى الله، بخلاف الطَّلاق، فإنَّه
أبغض الحلال إلى الله ..
ومن ثَمَّ فَرَّقَ أحمدُ بين تعليق العِتق وتعليق الطَّلاق، فأوقَعَه في العِتق دون الطَّلاق،
ويُؤيِّده أنَّ مَن قال: لِلّهِ عليَّ عِتْقٌ، لَزِمَه، ولو قال: لِلَّهِ عليَّ طلاقٌ، كان لَغواً، والوَصيّة إنَّما
تَنفُذُ بعدَ الموت، ولو عَلَّقَ الحِيُّ الطَّلاَقَ بما بعد الموت لم يَنفُذ.
واحتَجَّ بعضُهم بصِحّة تعليق الطَّلاق، بأن(١) مَن قال لامرأتِه: إن دَخَلتِ الدّارَ فأنتِ
طالق، فدَخَلَت طَلُقَت.
والجواب: أنَّ الطَّلاق حَقٌّ مَلَكَه(٢) الَّوج، فله أن يُنجِزَه ويُؤَجِّله وأن يُعلِّقْه بشرطٍ، وأن
يجعله بيدٍ غيره كما يَتَصَرَّف المالك في مِلكه، فإذا لم يكن زوجاً فأيُّ شيءٍ مَلكَ حتَّى يَتَصَرَّف؟
وقال ابنُ العربيّ من المالكيَّة: الأصل في الطَّلاق أن يكون في المنكوحة المقَيَّدة بقَيدِ النِّكاح،
وهو الذي يقتضيه مُطلَق اللَّفظ، لكنَّ الوَرَع يقتضى التوقُّف عن المرأة التي يقال فيها ذلك،
وإن كان الأصل تجويزُه وإلغاء التَّعليق، قال: ونَظَرَ مالكٌ ومَن قال بقولِه في مسألة الفَرق
بين المعَيَّنَة وغيرِها: أنَّه إذا عَمَّ سَنَّ على نفسه باب النِّكاح الذي نَدَبَ الله إليه، فعارَضَ عنده
المشروع فسَقَطَ، قال: وهذا على أصلِ مُختَلَف فيه، وهو تخصيص الأدلّة بالمصالح، وإلّا فلو كان
هذا لازِماً في الخُّصوص لَلَزِمَ في العُموم، والله أعلم.
١٠ - باب إذا قال لامرأته وهو مُكرَهُ: هذه أختي، فلا شيء عليه
قال النبيُّ ◌َّ: ((قال إبراهيمُ لِسارةَ: هذه أُخْتي))، وذلك في ذات الله.
قوله: ((باب إذا قال لامرأتِه وهو مُكْرَةٌ: هذه أُختي، فلا شيء عليه. قال النبيُّ ◌َّ: قال إِبراهيمُ
لسارةً: هذه أُخْتي. وذلك في ذات الله)) قال ابن بطّالٍ: أراد بذلك رَدَّ مَن گرِه أن يقول لامرأته: یا
(١) تحرَّف في (أ) و(س) إلى: وأن، وجاء على الصواب في (ب) و(ع).
(٢) في (ب) و(س): حُّ ملكِ.

٩٨
باب ١٠
فتح الباري بشرح البخاري
أُختي، وقد روى عبد الرَّزاق (١٢٥٩٥ و١٥٩٣٠) من طريق أبي تميمة الهُجَيميِّ: مرَّ النبيُّ ◌َِله
على رجل وهو يقول لامرأتِه: يا أُخَيَّةُ، فَزَجَرَه.
قال ابن بَطّالٍ: ومن ثَمَّ قال جماعة من العلماء: يصير بذلك مُظاهراً إذا قَصَدَ ذلك،
فأرشَدَه النبيُّ وَّه إلى اجتناب اللَّفظ المشكِل. قال: وليس بين هذا الحديث وبين قصَّة
إبراهيم مُعارَضةٌ، لأنَّ إبراهيم إنَّما أراد أنَّها (١) أُختُه في الدِّين، فمَن قال ذلك ونَوَى أُخوَّةً
الدِّين لم يَضُرّه.
قلت: حديث أبي تَميمة مُرسَل، وقد أخرجه أبو داود (٢٢١٠) من طريق مُرسَلة، وفي
بعضها (٢٢١١): عن أبي تَميمة عن رجل من قومه: أنَّه سمعَ النبيَّ وََّ. وهذا مُتَّصِل(٢)،
وذكر أبو داود قبلَه(٣) (٢٢١٢) حديث أبي هريرة في قصَّة إبراهيمَ وسارة، فكأنَّه وافَقَ
البخاريَّ.
وقد قَيَّدَ البخاريُّ بِكَونِ قائل ذلك إذا كان مُكرَهاً لم يَضُرّه. وتَعقَّبَه بعض الشُّرّاح بأنَّه لم
يقع في قصَّة إبراهيم إكراهٌ، وهو كذلك لكن لا تَعقُّب على البخاريِّ، لأَنَّه أراد بذِكْر قصَّة
إبراهيمَ الاستدلالَ على أنَّ مَن قال ذلك في حالة الإكراه لا يَضُرّه، قياساً على ما وَقَعَ في قصَّة
إبراهيم، لأنَّه إنَّما قال ذلك خَوفاً من الملِك أن يَغْلِبَه على سارة، وكان من شأنهم أن لا يَقْرَبوا
الخَلَيَّة إلّا بخِطبة ورِضاً، بخلاف المتزوِّجة فكانوا يَغْتَصِبونَها من زوجها إذا أحَبُّوا ذلك كما
تقدَّم تقريره في الكلام على الحديث في المناقب، فلِخَوفِ إبراهيم على سارة قال: إنَّها أُخته
وتأوَّلَ أُخوَّةَ الدِّين، والله أعلم.
٣٨٨/٩
تنبيه: أوَرَدَ النَّسَفيُّ في هذا الباب جميع ما في التَّرجمة التي بعدَه، وعَكَسَ ذلك أبو نُعَيم في
((المستخرَج))، والله أعلم.
(١) في (ب) و(س): أراد بها.
(٢) لكن انفرد بوصله عبد السلام بن حرب راويه عن خالد الحذاء عن أبي تميمة، وخالفه غيره من الثقات
الحفاظ كما بيناه في ((سنن أبي داود)» بتحقيقنا، وفيه أيضاً علة الاضطراب.
(٣) بل بعده، ولیس قبله.

٩٩
باب ١١
كتاب الطلاق
١١ - باب الطّلاق في الإغلاق والكُرْه، والسَّكران والمجنونِ، وأمرٍ هما،
والغَلَطِ والنِّسيانِ في الطّلاق والشِّرك وغيره
لقول النبيِّ وَّ: ((الأعمالُ بالنِيَّةِ ولِكلِّ امرِئٍ ما نَوَى)).
وتلا الشَّعْبِيُّ ﴿لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وما لا يجوزُ من إقرارِ
المُوَسْوِسِ.
وقال النبيُّ ◌َّهلِلَّذِي أقَرَّ على نفسِه: ((أَبِكَ جنونٌ؟)).
وقال عليٌّ: بَقَرَ حمزةُ خَواصِرَ شَارِفَيَّ، فَطَفِقَ النبيُّ ◌َ﴿ يَلُومُ حمزةَ، فإذا حمزةُ قد ثَمِلَ، مُحْمَّرَّةٌ
عَيناه، ثمَّ قال حمزةٌ: وهل أنتم إلّا عَبِيدٌ لأبي، فعَرَفَ النبيُّ ◌َّ أَنَّه قد ثَمِلَ، فخَرَجَ وخَرَجْنا معه.
وقال عُثْمَانُ: ليس لمَجْنونٍ ولا لِسَكْرانَ طلاقٌ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: طلاقُ السَّكْرانِ والمستَكْرَوِ ليس بجائزٍ.
وقال عُقْبةُ بنُ عامرٍ: لا يجوزُ طلاقُ المَسْوِسِ.
وقال عطاءٌ: إذا بَدأَ بالطَّلَاق فلَه شَرْطُه.
وقال نافعٌ: طَلَّقَ رجلٌ امرأته البَتَّةَ إِن خَرَجَت، فقال ابنُ عمرَ: إن خَرَجَت فقد بُنَّت منه،
وإن لم تَخْرُج فليس بشيءٍ.
وقال الزُّهْرِيُّ فيمَن قال: إن لم أفعل كذا وكذا، فامرأتي طالقٌ ثلاثاً: يُسْألُ عمَّا قال وعقَدَ
عليه قَلْبَه حينَ حَلَفَ بتلكَ الْيَمِينِ، فإن سَمَّى أجَلاً أرادَه وعَقَدَ علیه قَلْبَه حينَ حَلَفَ جُعِلَ ذلك
في دِينِهِ وأمانَتِهِ.
وقال إبراهيمُ: إن قال: لا حاجةَ لي فيكِ: نِيَّتُه، وطلاقُ كلِّ قومٍ بلِسانهم.
وقال قَتَادةُ: إذا قال: إذا حَمَلْتٍ فأنتِ طالقٌ ثلاثاً: يَغْشاها عندَ كلِّ طُهْرِ مرَّةً، فإنِ استَبَانَ
خُلُها فقد بانَت مِنه.
وقال الحسنُ: إذا قال: الحَقي بأهلِكِ: نِيَّتُهُ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ: الطَّلَاقُ عن وَطَرٍ، والعَتاقُ: ما أُرِيدَ به وَجْهُ الله.

١٠٠
باب ١١
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الزُّهْريُّ: إن قال: ما أنتِ بامرأتي: ◌ِيَّتُه، وإن نَوَى طلاقاً فهو ما نَوَى.
وقال عليٍّ: أَلم تَعلَمْ أَنَّ القلمَ رُفِعَ عن ثلاثةٍ: عن المجنونِ حتَّى يُفِيقَ، وعن الصَّبيِّ حتَّى يُدْرِكَ،
وعن النائمِ حتَّى يَستَيقِظَ.
وقال عليٌّ: وكلُّ طلاقٍ جائزٌ إلّا طلاقَ المَعْتُوهِ.
وقال قَتَادةُ: إذا طَلَّقَ في نفسِه فليس بشيءٍ.
٣٨٩/٩
قوله: («باب الطَّلاق في الإغلاق والكُرْه، والسَّكْران والمجنون وأمرِهما، والغَلَط والنِّسْيان
في الطَّلاق والشِّرْكُ وغيره، لقولِ النبيِّ وَّهِ: الأعمالُ بالنِّيَّةِ، ولكلِّ امْرِئٍ ما نَوَى)) اشتَمَلَت
هذه التَّرجمة على أحكام يجمعُها: بأنَّ الحُكم إنَّما يَتَوجَّه على العاقل المُختار العامد
الذّاكِرِ، وشَمِلَ ذلك الاستدلالُ بالحديث، لأنَّ غيرَ العاقل المختار لا نيَّةً له فيما يقول أو
يفعل، وكذلك الغالطُ والناسي والذي يُكرَه على الشَّيء.
وحديث الأعمال بهذا اللَّفظ وَصَلَه المؤلِّف في كتاب الإيمان، أوَّل الكتاب، ووَصَلَه بألفاظٍ
أُخرى في أماكن أُخرَى، وتقدَّم شرحه مُستَوفّى هُناكَ.
وقوله: ((الإغلاق)) هو بكسر الهمزة وسكون المعجَمة: الإكراه على المشهور، قيل له ذلك،
لأنَّ المكرَه يَنْغَلِقُ عليه أمرُه ويَتَضَيَّقُ عليهِ تَصَرُّفه، وقيل: هو العَمَل في الغَضَب.
وبالأوَّل جَزَمَ أبو عُبيد وجماعة، وإلى الثّاني أشارَ أبو داود، فإنَّه أخرج حديث عائشة
(٢١٩٣): ((لا طلاق ولا عتاقَ في غَلاقٍ)) قال أبو داود: والغَلَاق: أظنّه الغَضَب، وتَرَجَمَ على
الحديث: ((الطَّلاق على غَيظٍ))(١)، ووَقَعَ عنده بغير ألفٍ في أوَّله، وحكى البيهقيُّ أنَّهُ رُويَ على
الوجهَين.
(١) كذا جزم الحافظ هنا بأن أبا داود ترجم على الحديث بقوله: على غيظ، مع أنه وقع في نسخته التي بخطه
من ((سنن أبي داود)): على غلط، وكَتَبَ في الهامش ما نصه: لعله ((غيظ)). قلنا: الذي جاء في سائر أصولنا
الخطية من ((سنن أبي داود): على غلط، لكن قال صاحب ((فتح الودود)) كما نقله عنه صاحب ((عون
المعبود» ١٨٧/٦: وقع في بعض النسخ: على غيظ، بدل قوله: على غلط، وهكذا في کثیر من النسخ،
وقال صاحب ((عون المعبود)): وفي بعض النسخ الموجودة عندي: على غضب، بدل قوله: على غلط.