Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ باب ٧ كتاب الطلاق القَصْدِ إليه، وضابطُ ذلك أنَّ كَلَّ كلام أفهَمَ الفُرقةَ، ولو معَ دِقَّته، يقع به الطَّلاق معَ القَصْدِ، فأمَّا إذا لم يُفهَم الفُرقةُ من اللَّفظ، فلا يقع الطَّلاق ولو قَصَدَ إليه، كما لو قال: كُلي أو اشربي، أو نحو ذلك، وهذا تحريرُ مذهب الشافعيّ في ذلك، وقاله قبلَه الشَّعبيُّ وعطاءٌ وعمرُو بن دینار وغيرهم. وبهذا قال الأوزاعيُّ وأصحاب الرَّأي. واحتَجَّ لهم الطَّحاويُّ بحديثِ أبي هريرة الآتي قريباً(١): (تَجاوَزَ الله عن أمَّتِي عَّا حدَّثت به أنفُسَها ما لم تَعمَل به أو تَكلَّم))، فإنَّه يدلّ على أنَّ النّيَّة وحدَها لا تُؤَثِّر إذا تَجَرَّدَت عن الكلام أو الفِعل. وقال مالك: إذا خاطَبَها بأيِّ لفظ كان وقَصَدَ الطَّلاقَ طَلُّقَت، حتَّى لو قال: یا فلانةُ، يريد به الطَّلاَقَ فهو طلاقٌ، وبه قال الحسن بن صالح بن حَيّ. قوله: ((وقالت عائشة: قد عَلم النبيُّ ◌َّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لم يكونا بأمراني بفِراقه)) هذا التَّعليق طَرَف من حديث التَّخيير، وقد تقدَّم عن عائشة في آخِرِ حديث عمر في ((باب مَوعِظة الرجل ابنتَه)) من كتاب النِّكاح (٢)، وبيان الاختلاف على الزُّهْريِّ في إسناده. وأرادت عائشة بالفِراق هنا الطَّلاق جَزماً، ولا نزاعَ في الحَمْلِ عليه إذا قَصَدَ إليه، وإنَّما النِّزاع في الإطلاق كما(٣) تقدَّمَ. ٧- باب من قال لامرأته: أنت عليَّ حرامٌ وقال الحسنُ: نِيَّتُه. وقال أهلُ العِلْم: إذا طَلَّقَ ثلاثاً فقد حَرُمَت عليه، فسَمَّوْه حراماً بالطَّلاق والفِراق. وليس هذا كالذي يُحرِّمُ الطَّعامَ، لأنَّه لا يقال للطَّعامِ الحِلِّ حرامٌ، ويقال لِلْمُطلَّقَةِ: حرامٌ، وقال الله تعالى في الطَّلاق ثلاثاً: ﴿فَلَا تَعِلُ لَهُ، مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. (١) برقم (٥٢٦٩)، وأخرجه مسلم برقم (١٢٧). (٢) إنما مضى هذا في كتاب التفسير، عند سورة الأحزاب، الحديث رقم (٤٧٨٥)، ولم يرد في الباب المذكور، إلا قول عائشة: ثم أنزل الله تعالى آية التخيير، وذكره الحافظ على الصواب في ((تغليق التعليق)) ٤٣٧/٤، فقال: أسنده المؤلف في التفسير. (٣) المثبت من (ب)، وتحرف في (أ) و(ع) و(س) إلى: إذا. ٦٢ باب ٧ / ح ٥٢٦٤ -٥٢٦٥ فتح الباري بشرح البخاري ٥٢٦٤ - وقال اللَّيثُ، حدَّثني نافعٌ، قال: كان ابنُ عمَ إذا سُئلَ عمَّن طَلَّقَ ثلاثاً، قال: لو طَلَّقْتَ مَرَّةً أو مرَّتَيْنٍ، فإنَّ النبيَّ ◌َِّ أُمَرَني بهذا، فإن طَلَّقْتَها ثلاثاً، حَرُمَت حتَّى تَنكِحَ زوجاً غيرَكَ. ٥٢٦٥- حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا أبو مُعاوِيةَ، حدَّثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: طَلَّقَ رجلٌ امرأتَه فتزوَّجَت زوجاً غيرَه، فطَلَّقَها، وكانت معه مِثْلُ الهُدْبةِ، فلم تَصِل منه إلى شيءٍ تُريدُه، فلم يَلْبَث أن طَلَّقَها، فأتتِ النبيَّ وَ فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ زوجي طَلَّقَنِي وإنّ تزوَّجْتُ زوجاً غيرَه، فدَخَلَ بي ولم يكن معه إلّا مِثلُ الهُدْبةِ، فلم يَقْرَبْنِي إِلَّ هَنَّةً واحدةٌ لم يَصِلْ منّي إلى شيءٍ، أفأَحِلُّ لِزوجي الأوَّلِ؟ فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((لا تَحِلِّينَ لِزوجِكِ الأوَّلِ حَتَّى يَذُوقَ الآخَرُ عُسَيلَتَكِ أو تَذُوقِي عُسَيلَتَه)). قوله: ((باب مَن قال لامرأتِه: أنتِ عليَّ حرام، وقال الحسنُ: نيَّتُه)) أي: يُحمَل على نيَّته. وهذا التَّعليق وَصَلَه البيهقيُّ (٧/ ٣٥١)، ووَقَعَ لنا عالياً في ((جُزء محمَّد بن عبد الله الأنصاريّ)) (٣٨) شيخ البخاريّ قال: حدَّثنا الأشعَث عن الحسن في الحرام إن نَوَى يميناً فيمينٌ، وإن طلاقاً فطلاقٌ. وأخرجه عبد الرَّزّاق (١١٣٧٣) من وجه آخر عن الحسن. وبهذا قال النَّخَعِيُّ ٣٧٢/٩ والشافعيّ / وإسحاق. ورُويَ نحوُه عن ابن مسعود وابن عمر وطاووسٍ(١). وبه قال النَّوَويّ، لكن قال: إن نَوَى واحدة فهي بائنٌ. وقال الحنفيَّة مِثلَه، لكن قالوا: إن نَوَى ثِتَينِ فهي واحدة بائنة، وإن لم يَنْوِ طلاقاً فهي يمينٌ ويصير مُؤلياً. وهو عَجيب، والأوَّل أعجب. وقال الأوزاعيُّ وأبو ثَور: الحرام يمينٌ(٢) تُكَفَّر، ورُويَ نحوُه عن أبي بكر وعمر وعائشة وسعيد بن المسيّب وعطاء وطاووسٍ(٢). واحتَجَّ أبو ثور بظاهرٍ قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآَ أَحَلَّ اَللّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، وسيأتي بيانُه في الباب الذي بعده. (١) انظر ((المصنف)) لعبد الرزاق (١١٣٦٦) و(١١٣٦٧)، ولابن أبي شيبة ٧٢/٥-٧٣. (٢) وقع في (س): يمين الحرام تكفَّر، والمثبت من الأصول هو الوجه. (٣) انظر رواياتهم في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ٥/ ٧٣ -٧٤ وانظر الأثر الآتي عند البخاري برقم (٤٩١١) عن ابن عباس. ٦٣ باب ٧ / ح ٥٢٦٤ -٥٢٦٥ كتاب الطلاق وقال أبو قلابةً وسعيد بن جُبَير: مَن قال لا مرأته: أنتِ عليَّ حرام، لَزِمَته كفَّارة الظِّهار. ومثلُه عن أحمدَ. وقال الطَّحاويُّ: يحتمل أنَّهم أرادوا: أنَّ مَن أراد به الظِّهارَ كان مُظاهراً، وإن لم ینوِه كان عليه كفَّارةُ يمين مُغَلَّظة وهي كفَّارة الظِّهار، لا أَنَّه يصير مُظاهراً حقيقة (١)، وفيه بُعدٌ. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يكون مُظاهراً ولو أرادَه. وروي عن عليّ وزيد بن ثابت(٢) وابن عمر(٣) والحَكَم وابن أبي ليلى: في الحرام ثلاث تطلیقات، ولا يسأل عن نيّته. وبه قال مالكٌ. وعن مسروق والشَّعبيّ ورَبيعة: لا شيءَ فيه، وبه قال أصبَغ من المالكيَّة (٤). وفي المسألة اختلافٌ كثيرٌ عن السَّلَف بَلَّغَها القُرطُبيّ المفسّر إلى ثمانيةَ عشرَ قولاً، وزاد غيرُه عليها، وفي مذهب مالكِ فيها تفاصيلُ أيضاً يَطول استيعابها. قال القُرطُبيّ: قال بعض عُلَمائنا: سببُ الاختلاف أنَّه لم يقع في القرآن صَريحاً ولا في السُّنّة نَصُّ ظاهرٌ صحيحٌ يُعتَمَدُ عليه في حُكم هذه المسألة، فتَجاذَبَها العلماء: فمَن تَسَّكَ بالبراءة الأصليّة قال: لا يَلزَمُه شيءٌ. ومَن قال: إنَّها يمينٌ، أخَذَ بظاهرِ قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] بعدَ قولِه تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]. ومَن قال: تَجِبُ الكَفَّارةُ وليست بيمينٍ، بَنَاهُ على أنَّ معنى اليمين التَّحريمُ، فوَقَعَت الكفَّارةُ على المعنى. ومَن قال: تقع به طَلقةٌ رَجْعِيَّةٍ، حَمَلَ اللَّفظ على أقلّ وُجوهِه الظّاهرة، وأقلَّ ما تَحِرُمُ به (١) وقع في (س): مظاهراً ظهاراً حقيقة، بإقحام لفظ ((ظهاراً)). (٢) أخرجه عنهما ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ٥/ ٧٢-٧٣. (٣) أخرجه عنه ابن المنذر في ((الأوسط)) (٧٦٧١)، لكن الأصح عنه والأشهر أنه يعدُّها يميناً، وفيها الكفارة، كما أخرجه عند حرب بن إسماعيل في «مسائله)) ٥٣٥/٢، وابن حزم في ((المحلى)) ١٢٦/١٠. (٤) وسيقوي الحافظ هذا القول عند شرحه للحديث (٥٢٦٧). ٦٤ باب ٧ / ح ٥٢٦٤ -٥٢٦٥ فتح الباري بشرح البخاري المرأة طَلقةٌ تُحرِّمُ الوَطءَ ما لم يَرْتَجِعْها. ومَن قال: بائنة، فلاِستمرار التَّحريم بها ما لم يُجَدِّد العَقدَ. ومَن قال: ثلاث، حَمَلَ اللَّفظ على مُنْتَهَى وُجوهِه. ومَن قال: ظِهار، نَظَرَ إلى معنى التَّحريم وقَطَعَ النَّظَر عن الطَّلاق، فانحَصَرَ الأمرُ عنده في الظِّهار، والله أعلم. قوله: ((وقال أهل العِلْم: إذا طَلَّقَ ثلاثاً، فقد حَرُمَت عليه، فسَمَّوْه حراماً بالطَّلاق والفِراق» أي: فلا بُدَّ أن يُصرِّح القائلُ بالطَّلاق أو يَقصِدَ إليه، فلو أطلقَ أو نَوَى غيرَ الطَّلاق، فهو مَحَلُّ النَّظَر. قوله: ((وليس هذا كالذي يُحُرِّمُ الطَّعام، لأَنَّه لا يقال للطعام الحِلُّ(١): حرام، ويقال للمُطلَّقةِ: حرام، وقال الله تعالى في الطَّلاق ثلاثاً: ﴿وَلَ غِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَّوْبًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]). قال المهلَّب: من نِعَم الله على هذه الأُمّة فيما خَفَّفَ عنهم أنَّ مَن قبلَهم كانوا إذا حَرَّموا على أنفُسهم شيئاً حَرُمَ عليهم، كما وَقَعَ ليعقوب عليه السلام، فخَفَّفَ الله ذلك عن هذه الأُمّة، وتَهاهم أن يُحرِّموا على أنفُسهم شيئاً مما أُحِلّ لهم، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٨٧]، انتهى. وأظنُّ البخاريَّ أشارَ إلى ما تقدَّم عن أَصبَغَ وغيرِهِ ثَمَّن سوَّى بين الزَّوجة وبين الطَّعام والشَّراب كما تقدَّم نَقلُه عنهم، فبيَّن أنَّ الشَّيئينِ وإنِ استَوَيا من جهةٍ، فقد يَفتَرِقان من جهة أُخرَى، فالزَّوجة إذا حَرَّمَها الرَّجل على نفسه وأراد بذلك تطليقَها حَرُمَت، والطَّعامُ والشَّراب إذا حَرَّمَه على نفسه لم يَحُرُم، ولهذا احتَجَّ باتِّفاقهم على أنَّ المرأة بالطَّلقة الثّالثة تَحُرُم على الَّوج لقولِه تعالى: ﴿فَلَ تِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَّوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. ووَرَدَ عن ابن عبّاس ما يُؤْيِّد ذلك، فأخرج يزيد بن هارون في ((كتاب النِّكاح))، ومن طريقه البيهقيُّ (٧/ ٣٥١) بسندٍ صحيح عن يوسف بن ماهَك: أنَّ أعرابيّاً أتى ابنَ عبَّاس فقال: (١) لفظة ((الِحِلِّ)) سقطت من أصولنا الخطية، وأثبتناها من (س). ٦٥ باب ٧ / ح ٥٢٦٤-٥٢٦٥ كتاب الطلاق إنّي جَعَلت امرأتي حراماً، قال: ليست عليك بحِرام. قال: أَرأيتَ قولَ الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيلُ عَلَى / نَفْسِهِ،﴾ الآية [آل عمران: ٩٣]؟ ٣٧٣/٩ فقال ابن عبّاس: إنَّ إسرائيلَ كان به عِرْق النَّسا، فجَعَلَ على نفسه إن شَفاه الله أن لا يأكل العُروق من كلّ شيء، وليست بحرام، يعني: على هذه الأُمّة. وقد اختَلَفَ العلماء فيمَن حَرَّمَ على نفسه شيئاً، فقال الشافعيّ: إن حَرَّمَ زوجتَه أو أَمَتَه ولم يَقصِدِ الطَّلَاقَ ولا الظِّهَارَ ولا العِتَقَ، فَعَلَيْه كفَّرةُ يمينٍ، وإن حَرَّمَ طعاماً أو شراباً فلَغْوٌ. وقال أحمد: عليه في الجميع كفَّارةُ يمينٍ. وتقدَّم بيان بَقيَّة الاختلاف في الباب الذي قبله. قال البيهقيُّ (٧/ ٣٥٢) بعد أن أخرج الحديث الذي أخرجه التِّرمِذيُّ (١٢٠١) وابن ماجَهْ (٢٠٧٢) بسندٍ رجاله ثقات(١) من طريق داود بن أبي هند عن الشَّعبيِّ عن مَسروق عن عائشة قالت: آلَى النبيُّ ◌َّهِ مِن نسائه وحَرَّمَ، فجَعَلَ الحرامَ حلالاً(٢)، وجَعَلَ في اليمين كفَّارةً. قال: فإنَّ في هذا الخبر تَقويةً لقولٍ مَن قال: إنَّ لفظ الحرام لا يكون بإطلاقه طلاقاً ولا ظِهاراً ولا يميناً. قوله: ((وقال اللَّيث، حدَّثني نافع قال: كان ابن عمر إذا سُئلَ عمَّن طَلَّقَ ثلاثاً قال: لو طَلَّقْتَ مَرَّة أو مرَّتَينٍ، فإنَّ النبيَّ وَِّ أَمَرَني بهذا، فإن طَلَّقْتَها ثلاثاً، حَرُّمَت عليك حتَّى تَنكِحَ زوجاً غيرَك)) كذا للأكثرِ، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: فإن طَلَّقَها، وحَرُمَت عليه، بضمير الغائب في الموضعين. وهذا الحديث مختصر من قصَّة تطليق ابن عمرَ امرأته، وقد سَبَقَ شرحُه في أوَّل الطَّلاق (٥٢٥١). (١) وقال الترمذي: رواه عليُّ بن مُسهِر وغيره عن داود عن الشعبي: أن النبي ◌َّ؛ مرسلاً، وهو أصح. (٢) قوله: ((فجعل الحرام حلالاً)) كذلك جاء في رواية الترمذي، قال ابن الأثير في ((النهاية)): تعني ما كان قد حرَّمه على نفسه من نسائه بالإيلاء، عادَ أحلَّه وجعل في اليمين الكفّارة. انتهى، ووقع عند ابن ماجه بلفظ: ((فجعل الحلال حراماً) وهو مقلوبٌ، لانفراد ابن ماجه به، فقد رواه كالترمذي ابن الأعرابي في ((معجمه)) (٣٨٨)، وتمام في ((فوائده)) (١٦٥٢)، والبيهقي ٣٥٢/٧. ٦٦ باب ٧ / ح ٥٢٦٤-٥٢٦٥ فتح الباري بشرح البخاري وظنَّ ابن التِّين أنَّ هذا جُملة الخبر فاستَشكَلَ على مذهب مالكٍ قولهم: إنَّ الجمع بين تطليقَتَينِ بِدْعة، قال: والنبيُّ وَّ لا يأمر بالبدعة. وجوابُه أنَّ الإشارة في قول ابن عمر: ((فإِنَّ النبيَّ وَ أَمَرَني بذلك)) إلى ما أمَرَه من ارتجاع امرأته في آخر الحديث، ولم يُرِدِ ابنُ عمر أنَّه أمَرَه أن يُطلِّق امرأته مرَّة أو مرَّتَينٍ، وإنّما هو كلام ابن عمر، ففَصَّلَ لسائِلِه حالَ المطلِّق. وقد رُوِّنا الحديث المذكور من طريق اللَّيث التي عَلَّقَها البخاريّ مُطوَّلاً موصولاً عالياً في ((جُزء أبي الجَهم العلاء بن موسى الباهليّ)) (٤١) رواية أبي القاسم البَغَويِّ عنه، عن اللَّيث، وفي أوَّله قصَّة ابن عمر في طلاق امرأته، وبعده: قال نافع: وكان ابن عمر ... إلى آخره، وأخرج مسلمٌ الحديث (١٤٧١) من طريق اللَّيث لكن ليس بتمامه(١). وقال الكِرْمانيُّ: قوله: ((لو طَلَّقت)) جَزاؤُه محذوف تقديره: لكان خيراً، أو هو للتَّمَنّي، فلا يحتاج إلى جواب. وليس كما قال، بل الجواب: لكان لك الرَّجعة، لقولِه: فإنَّ النبيَّ ◌َل أمَرَني بهذا، والتَّقدير: فإن كان في طُهر لم يُجامعْها فيه كان طلاقَ سُنّةٍ، وإِن وَقَعَ في الحيض كان طلاقَ بِدعة. ومُطلِّقُ البدعة ينبغي أن يُبادِرَ إلى الرَّجعة، ولهذا قال: فإنَّ النبيّ ◌ِّيه أمَرَني بهذا، أي: بالمراجَعة لمَّا طَلَّقتُ الحائضَ، وقَسيمُ ذلك قوله: وإن طَلَّقت ثلاثاً، وكأنَّ ابن عمر ألْحَقَ الجمعَ بين المَرَّتَينِ بالواحدة فسوَّى بينهما، وإلّا فالذي وَقعَ منه إنَّما هو واحدةٌ كما تقدَّم بيانه صريحاً هناك. وأراد البخاريُّ بإيرادِ هذا هنا الاستشهاد بقولِ ابن عمر: حَرُمَت عليك، فسَمّاها حراماً بالتطليق ثلاثاً، كأنَّه يريد أنَّها لا تصير حراماً بمُجرَّدٍ قوله: أنتِ عليَّ حرام، حتَّى يُرِيدَ به الطَّلاقَ، أو يُطلِّقها بائناً، وخَفيَ هذا على الشَّيخ مُغَلْطاي ومَن تَبَعَه فَنَفَوا مُناسَبة هذا الحديث للتَّرجمة، ولكن عَرَّجَ شيخنا ابن الملقِّن تَلويحاً على شيء ما أشرت إليه. ثم ذكر المصنّف حديث عائشة في قصَّة امرأة رِفاعة لقولِه فيه: ((لا تَحِّينَ لزوجِك الأوَّل (١) بل ذكره بتمامه في إحدى رواياته عن الليث. ٦٧ باب ٧ / ح ٥٢٦٤ -٥٢٦٥ كتاب الطلاق حتَّى يَذْوقَ الآخرُ عُسَيلَتك))، وسيأتي شرحه قريباً (٥٣١٧). وقوله في هذه الرِّواية: ((فلم يَقرَبْني إلّا هَنَةً واحدةً)) هو بلفظ حرف الاستثناء، والتي بعده بفتح الهاء وتخفيف النّون، وحكى الهَرَويُّ تشديدها، وقد أنكَرَه الأزهَريّ قبلَه. وقال الخليل: هي كلمة يُكْنى بها عن الشَّيءُ يُستَحيا من ذِكْره باسمِهِ. وقال ابن التِّين: معناه: لم يَطَأَني إلّا مَرَّةً واحدةً، يقال: هَنَّ امرأتَه: إذا غَشيَها. ونَقَلَ الكِرْمانيُّ أنَّه في أكثر النُّسَخ بموخَّدةٍ ثقيلة، أي: مرَّةً، والذي ذكر صاحب ((المشارق)) أنَّ الذي رواه بالموخَّدة هو ابن السَّكَن، قال: وعند الكافّة بالنّون، وحكى في معنى ((هَبَّ)) بالموخَّدة ما تقدَّم، وهو أنَّ المراد بها مرَّةً واحدةً، قال: / وقيل: المراد بالهبّة: ٣٧٤/٩ الوَقعة، يقال: احذَرْ (١) هَبََّ السَّيف، أي: وقُعَته، وقيل: هي من هَبَّ: إذا اهتاجَ (٣) للجِماعِ، يقال: هَبَّ التَّيسُ يَهُبُّ هَبِيباً. تنبيه: زَعَمَ ابنُ بَطّالٍ أنَّ البخاريَّ يَرى أنَّ التَّحريم يتنزَّل مَنزِلة الطَّلاق الثلاث، وشَرَحَ كلامه على ذلك، فقال بعد أنَّ ساقَ الاختلاف في المسألة: وفي قول مسروق: ما أُبالي حَرَّمتُ امرأتي أو جَفْنَةَ ثَرِيدٍ (٣)، وقولِ الشَّعبيِّ: أنتِ عليَّ حرامٌ، أهوَنُ من نَعْلي (٤): هذا القول شُذوذٌ، وعليه رَدَّ البخاريّ، قال: واحتَجَّ مَن ذهب أنَّ مَن حَرَّمَ زوجته: أنَّها ثلاث تطليقات بالإجماع على أنَّ مَن طَلَّقَ امرأته ثلاثاً أنَّها تَّحِرُمُ عليه. قال: فلمَّا كانت الثلاث تُحرِّمها كان التَّحريم ثلاثاً، قال: وإلى هذه الحُجّة أشارَ البخاريّ بإيرادِ حديث رِفاعة، لأنَّه طَلَّقَ امرأته ثلاثاً، فلم تَحِلّ له مُراجَعَتُها إلّا بعدَ زوجٍ، فكذلك مَن حَرَّمَ على نفسه امرأته، فهو کمَن طَلَّقَها، انتھی. (١) تحرَّف في (س) إلى: ((حدر)). (٢) تحرَّف في الأصول و(س) إلى: احتاج، بالحاء المهملة، وإنما هو بالهاء من الهيجان، كذلك جاء في مطبوع (المشارق)) ٢٦٤/٢، وانظر ((غريب الحديث)) للخطابي ١/ ٥٤٦، و((الدلائل)) لقاسم السَّرَ قُشْطي ٥٠٣/٢. (٣) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١١٣٧٥)، والبيهقي في ((الكبرى)) ٣٥٢/٧. (٤) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١١٣٧٨). ٦٨ باب ٨ / ح ٥٢٦٦-٥٢٦٨ فتح الباري بشرح البخاري وفيما قاله نظرٌ، والذي يظهر من مذهب البخاريِّ أنَّ الحرام يَنصَرِفُ إلى نَيَّة القائل، ولذلك صَدَّرَ الباب بقولِ الحسن البصريّ، وهذه عادته في مَوضع الاختلاف مهما صَدَّرَ به من النَّقْل عن صحابيٍّ أو تابعيٍّ فهو اختياره، وحاشا البخاريّ أن يَسْتَدِلّ بكَونِ الثلاث تُحِّم، أنَّ كلّ تحريم له حُكم الثلاث، معَ ظُهور مَنْعِ الحَصر، لأنَّ الطَّلقة الواحدة تُحرِّم غيرَ المدخول بها مُطلَقَاً، والبائنَ تُحُرِّم المدخول بها إلّا بعدَ عَقد جَديد، وكذلك الرَّجعيَّةَ إذا انقَضَت عِدَّتها، فلم يَنحَصِرِ التَّحريم في الثلاث، وأيضاً فالتَّحريم أعَمّ من التَّطليق ثلاثاً، فكيف يُستَدَلّ بالأعَمِّ على الأخصّ؟ وممّاً يُؤيِّد ما اختَرناه أوَّلاً تَعقيبُ البخاريِّ البابَ بترجمة ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَعَلَّ اَللَّهُ لَكَ﴾، وساقَ فيه قول ابن عباس: إذا حَرَّمَ امرأته فليس بشيءٍ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ٨- باب ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَّكَ﴾ [التحريم: ١] ٥٢٦٦ - حدَّثني الحسنُ بنُ الصَّاحِ، سمعَ الرَّبِيعَ بنَ نافعٍ، حدَّثنا مُعاوِيةٌ، عن يحيى بنِ أبي كَثير، عن يَعلَى بنِ حَكِيمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أَنَّه أخبَرَه، أنَّه سمعَ ابنَ عبَّاسٍ يقول: إذا حَرَّمَ امرأته ليس بشيءٍ، وقال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَّةٌ ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ٥٢٦٧ - حدَّثني الحسنُ بنُ محمَّدِ بنِ الصَّاحِ، حدَّثنا حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، قال: زَعَمَ عطاءٌ أنَّه سمعَ عُبيدَ بنَ عُمَيرٍ، يقول: سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ وَّ كان يَمْكُثُ عندَ زينبَ بنتِ جَحْشٍ ويَشْرَبُ عندَها عَسَلاً، فَتَواصَيتُ أنا وحَفصةُ: أنْ أَيُُّنَا دَخَلَ عليها النبيُّ ◌َ﴿ فَلْتَقُل: إنّي أجِدُ منكَ رِيحَ مَغافِيرَ، أُكَلْتَ مَغافيرَ؟ فَدَخَلَ على إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: ((لا بأسَ شَرِبتُ عَسَلاً عندَ زينبَ بنتٍ جَحْشٍ، ولن أعودَ له))، فنزلت: ﴿يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: ﴿إِن تَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم:٤] لعائشةَ وحفصةَ، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] لقوله: ((بل شَرِبتُ عَسَلاً)). ٥٢٦٨ - حدَّثني فَرْوةُ بنُ أبي المَغْراءِ، حدَّثنا عليٌّ بنُ مُسْهٍِ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان رسولُ اللهِ وَّهَ يُحِبُّ العَسَلَ والحَلْوَى، وكان إذا ٦٩ باب ٨ / ح ٥٢٦٦ -٥٢٦٨ كتاب الطلاق انصَرَفَ منَ العَصْرِ دَخَلَ على نسائه فيَدْنو من إحداهُنَّ، فَدَخَلَ على خَفصةَ بنتٍ عمرَ فاحتَبَسَ أكثرَ ما كان يَخْتَبِسُ، فغِرْتُ، فسألتُ عن ذلك فقِيلَ لي: أهدَتْ لها امرأةٌ من قَومِها عُكّةَ عَسَلٍ، فَسَقَتِ النبيَّ ◌َ مِنه شَرْبَةً، فقلتُ: أما والله لَنَحْتالَنَّ له، فقلتُ لِسْدةَ بنتٍ زَمْعةً: إنَّه سَيَدْنو مِنْكِ، فإذا دَنا مِنْكِ فقولي: أكَلْتَ مَغافيرَ؟ فإِنَّه سيقول لكِ: لا، فقولي له: ما هذه الرِّيحُ التي أجِدُ منكَ؟ فإِنَّه سيقول لكِ: سَقَتْني حفصةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فقولي له: جَرَسَتْ نَحْلُه العُرْفُطَ، وسَأقولُ ذلك، وقولي أنتِ يا صَفِيَّةُ ذلِكِ، قالت: تقولُ سَوْدةُ: فوالله ما هو إلّا أن قامَ على الباب، فأَرَدْتُ أن أُبادِئُهُ بما أمَرْتِنِي بِه فَرَقاً مِنْكِ، فلمَّا دَنا منها قالت له سَوْدةُ: يا رسولَ الله، أكَلْتَ مَغافيرَ؟ قال: ((لا)»، قالت: فما هذه الرِّيحُ التي أجِدُ منكَ؟ قال: ((سَقَّْني حفصةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ)) فقالت: جَرَسَت نَحْلُهُ العُرْفُطَ. فلمَّا دارَ إليَّ قلتُ نحوَ ذلك، فلمَّا دارَ إلى صَفِيَّةً قالت له مِثلَ ذلك، فلمَّا دارَ إلى حفصةَ قالت: يا رسولَ الله، ألا أَسقِيكَ منه؟ قال: ((لا حاجةَ لي فيه)) قالت: تقولُ سَوْدَةُ: والله لقد حَرَمْناه، قلتُ لها: اسكُتِي. قوله: ((باب ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾)) كذا للأكثرِ، وسَقَطَ من رواية النَّسَفيّ لفظ ٣٧٥/٩ (باب))، ووَقَعَ بَدَلَه: قوله تعالى . قوله: ((حدَّثني الحسن بن الصَّاح)) هو البزَّارُ، آخره راء مُهمَلة، وهو واسطيٌّ، نزلَ بغداد، وثَّقْه الجمهور وليّنه النَّسائيُّ قليلاً، وأخرج عنه البخاريُّ في الإيمان والصلاة وغيرهما فلم يُكثِرِ، وأخرج البخاريُّ عن الحسن بن الصَّاح الزَّعفَرانيّ، لكن إذا وَقعَ هكذا یکون نُسِبَ جدِّه، فهو الحسن بن محمَّد بن الصَّاح، وهو المرويُّ عنه في الحديث الثاني من هذا الباب. وفي الرُّواة من شيوخ البخاريّ ومَن في طَبَقَتهم محمّد بن الصَّاحِ الدُّولابيُّ، أخرج عنه البخاريُّ في الصلاة والبيوع وغيرهما، وليس هو أخاً للحسنِ بن الصَّاح، ومحمّد بن الصَّاح الجَرجَرائيُّ أخرج عنه أبو داود وابن ماجه، وهو غير الدُّولابِيِّ. وعبدُ الله بن الصَّاحِ العَطّار أخرج عنه البخاريُّ في البُيوع وغيره، وليس أحدٌ من هؤلاءِ أخاً للآخرِ. قوله: ((سمعَ الرَّبيعَ بنَ نافع)) أي: أنَّه سمعَ، ولفظ ((أَنَّه)) يُحْذَف خَطّاً ويُنطَق به، وقَلَّ مَن نَبَّهَ ٧٠ باب ٨ / ح ٥٢٦٦ -٥٢٦٨ فتح الباري بشرح البخاري عليه، كما وَقَعَ التَّنبيه على لفظ ((قال)). والرَّبيع بن نافع: هو أبو تَوبةَ، بفتح المثنّاة وسكون الواو بعدها موحّدة، مشهور بكُنْتِه أكثرَ من اسمِهِ، حَلَبِيٌّ نزلَ طَرَسوسَ، أخرج عنه السِّة إلّا التِّرمِذيَّ بواسطةٍ، إلّا أبا داود فأخرج عنه الكثيرَ بغير واسطةٍ، وأخرج عنه بواسطةٍ أيضاً، وأدرَكَه البخاريُّ، ولكن لم أرَ له عنه في هذا الكتاب شيئاً بغير واسطة، وأخرج عنه بواسطةٍ إلّ الموضع المتقدِّم في المزارَعة (٢٣٤١)، فإنَّه قال فيه: قال الرَّبيع بن نافع، ولم يَقُل: حدَّثنا، فما أدري لَقيَه أو لم يَلقَه، ولیس له عنده إلّا هذان الموضعان. قوله: ((حدَّثنا معاوية)) هو ابن سَلّامٍ، بتشديد اللّام، وشيخه يحيى ومَن فوقَه ثلاثةٌ من التابعينَ فِي نَسَقٍ. قوله: ((إذا حَرَّمَ امرأتَه ليس بشيءٍ)) كذا للكُشْمِيهنيّ، ولِلأكثرِ: ((ليست)) أي: الكلمة، وهي قوله: أنتِ عليَّ حرام، أو: مُرَّمٌ، أو نحو ذلك. قوله: ((وقال)) أي: ابن عبّاس مُستَدِلًا على ما ذهب إليه بقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، يشير بذلك إلى قصَّة التَّحريم، وقد وَقعَ بَسطُ ذلك في تفسير سورة التَّحريم(١)، وذكرت في ((باب مَوعِظة الرجل ابتَتَه)) في كتاب النِّكاح، في شرح الحديث المطوَّل في ذلك (٥١٩١) من رواية ابن عبّاس عن عمرَ، بيانَ الاختلاف، ٣٧٦/٩ هل المراد تحريم العَسَل أو تحريم ماريةً؟ وأنَّه قيل في السَّبَب/ غير ذلك، واستَوعَبْت ما يَتَعلَّق بوجه الجمع بين تلك الأقوال بحمد الله تعالی. وقد أخرج النَّسائيُّ (٣٩٥٩) بسندٍ صحيح عن أنس: أنَّ النبيَّ ◌َّكانت له أَمَة يَطَؤُها، فلم تَزَل به حفصة وعائشة حتَّى حَرَّمَها، فأنزلَ الله تعالى هذه الآية: ﴿يَتُهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكَ﴾. وهذا أصحّ طرق هذا السَّبَب، وله شاهدٌ مُرسَل أخرجه الطّرُّ بسندٍ صحيح (٢٨/ ١٥٥) عن زيد بن أسلَمَ التابعيِّ الشَّهير، قال: أصاب رسول الله وَهِ أُمَّ إِبراهيمَ ولِدِه في (١) في التفسير، عند شرح الحديث (٤٩١١). ٧١ باب ٨ / ح ٥٢٦٦ -٥٢٦٨ كتاب الطلاق بيت بعض نسائه، فقالت: يا رسول الله، في بيتي وعلى فِراشي! فجعلها عليه حراماً، فقالت: يا رسول الله، كيفَ تُحرِّم عليك الحلال؟! فحَلَفَ لها بالله لا يُصيبها، فنزلت ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِعَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]. قال زيد بن أسلَمَ: فقول الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ حرام لَغْوٌ، وإِنَّمَا تَلزَمه كَفَّارَةُ يمينٍ إِن حَلَفَ. وقوله: ((ليس بشيءٍ))، يحتمل أن يريد بالنَّفي التَّطليقَ، ويحتمل أن يريد به ما هو أعَمُّ من ذلك، والأوَّل أقرَب، ويُؤْيِّده ما تقدَّم في التَّفسير (٤٩١١) من طريق هشام الدَّستوائيّ عن يحيى بن أبي كثير بهذا الإسناد موضعَها: في الحرام يُكَفَّر. وأخرجه الإسماعيليّ(١) من طريق محمَّد بن المبارَك الصُّوريّ عن معاوية بن سَلّام بإسنادِ حديث الباب بلفظ: إذا حَرَّمَ الرجل امرأته، فإنَّما هي يمينٌ يُكفِّرِها. فعُرِفَ أنَّ المراد بقولِه: ليس بشيءٍ، أي: ليس بطلاقٍ. وأخرج النَّسائيُّ (٣٤٢٠) وابن مَرْدويه من طريق سالم الأفطَس عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس: أنَّ رجلاً جاءه فقال: إنّي جَعَلت امرأتي عليَّ حراماً، قال: كَذَبتَ ما هي عليكَ بحرامٍ، ثمَّ تلا ﴿يََّيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِمُ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثمّ قال له: عليك رَقَبَةٌ. انتهى، وكأنَّه أشارَ عليه بالرَّقَبة، لأنَّه عَرَفَ أنَّه مُوسِر، فأراد أن يُكَفِّر بالأغلَظِ من كفَّارة اليمين لا أنَّه تَعيَّنَ عليه عتقُ الرَّقَبة، ويدلّ عليه ما تقدَّم عنه من التَّصريح بكفَّارة الیمین. ثمَّ ذكر المصنّف حديثَ عائشة في قصَّة شُرب النبيِّ وَِّ العَسَل عند بعض نسائه، فأورَدَه من وجهَينِ: أحدهما: من طريق عُبيد بن عُمَير عن عائشة، وفيه: أنَّ شُرب العَسَل كان عند زينب بنت جحش. (١) وأخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١٤٧٣) (١٩) عن يحيى بن بشر الحريري عن معاوية بن سلّام بإسناد حديث الباب، وبرقم (١٤٧٣) (١٨) من طريق هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير بالإسناد نفسه وباللفظ المذكور. ٧٢ باب ٨ / ح ٥٢٦٦-٥٢٦٨ فتح الباري بشرح البخاري والثّاني: من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة، وفيه: أنَّ شُرب العَسَل كان عند حفصة بنت عمر، فهذا ما في ((الصحيحين)). وأخرج ابن مَرْدويه من طريق ابن أبي مُلَيكة عن ابن عبّاس: أنَّ شُرب العَسَل كان عند سَوْدة، وأنَّ عائشة وحَفصة هما اللَّتان تَوَاطَأتا على وَفْق ما في رواية عُبيد بن عُمَير وإن اختَلَفا في صاحبة العَسَل. وطريق الجمع بين هذا الاختلاف الحَمْلُ على التعدُّد، فلا يَمتَنِعِ تعدُّد السَّبَب للأمرِ الواحد، فإن جُنِحَ إلى التَّرجيح، فروايةٌ عُبيد بن عُمَير أثبَتُ لموافقة ابن عبّاس لها على أنَّ المتظاهرتَينِ حفصةٌ وعائشةُ على ما تقدَّم في التَّفسير (٤٩١٣)، وفي الطَّلاق(١) مِن جَزْم عمرَ بذلك، فلو كانت حفصة صاحبةَ العَسَل لم تُقرَن في التَّظاهُر بعائشة، لكن يُمكِنُ تعدُّد القصَّة في شُرب العَسَل وتحريمه واختصاص التُّزول بالقصَّة التي فيها أنَّ عائشة وحفصة هما المتظاهرَتان، ويُمكِن أن تكون القصّة التي وَقَعَ فيها شُرب العَسَل عند حفصة كانت سابقةً. ويُؤيِّد هذا الحَمْل أنَّه لم يقع في طريق هشام بن عُرْوة التي فيها أنَّ شُرب العَسَل كان عند حفصة تَعرُّضٌ للآية ولا لذِكْر سبب التُّزول. والرَّاجح أيضاً أنَّ صاحبة العَسَل زينبُ لا سَودةٌ، لأنَّ طريق عُبيد بن عُمَير أثبت من طريق ابن أبي مُلَيكة بكثيرٍ، ولا جائزٌ أن تَتَّحِد بطريق هشام بن عُرْوة، لأنَّ فيها أنَّ سَودة كانت مَمَّن وافَقَ عائشة على قولها: أجِد ریحَ مَغافير. ويُرجِّحه أيضاً ما مَضَى في كتاب الهِبة (٢٥٨١) عن عائشة: أنَّ نساء النبيِّي وَّلَ كُنَّ حِزبينٍ: أنا وسودة وحفصة وصَفيَّة في حِزب، وزينب بنت جَحْش وأُمّ سَلَمةَ والباقيات في حِزب، فهذا يُرجِّح أنَّ زينب هي صاحبة العَسَل، ولهذا غارَت عائشة منها لكونها من غير حِزبها، والله أعلم. وهذا أَوْلى من جَزْم الدّاووديِّ بأنَّ تسمية التي شَرَّبَت العسلَ حفصةٌ (١) کذا وقع في الأصول وفي (س)، والظاهر أنه سبق قلم من الحافظ رحمه الله، أراد أن يقول: في النكاح، فسبق قلمه فقال: في الطلاق، فإن الحديث الذي يشير إليه ليس في كتاب الطلاق، ولكنه في النكاح برقم (٥١٩١) في باب موعظة الرجل ابنته، أحال إليه الحافظ قريباً على انصواب. ٧٣ باب ٨ / ح ٥٢٦٦ -٥٢٦٨ كتاب الطلاق غَلَطٌ، وإنَّما هي صَفيَّة بنت حُبَيٍّ أو زينب بنت جَحْش. ومَمَّن جَنَحَ إلى التَّرجيح عياض، ومنه/ تَلَقَّفَ القُرطُبيُّ، وكذا نَقَلَه النَّوَويّ عن عياض ٣٧٧/٩ وأقَرَّه، فقال عياض: رواية عُبيد بن عُمَير أوْلى لموافَقَتِها ظاهر كتاب الله، لأنَّ فيه ﴿وَإِن تَظَهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم:٤]، فهما ثِنتان لا أكثر، ولحديث ابن عبّاس عن عمر، قال: فكأنَّ الأسماء انقَلَبَت على راوي الرّواية الأُخرَى. وتَعقَّبَ الكِرْمانيُّ مقالة عياض فأجادَ، فقال: متى جَوَّزنا هذا ارتَفَعَ الوُثوق بأكثر الرِّوايات. وقال القُرطُبيّ: الرّواية التي فيها أنَّ المتظاهرات عائشةُ وسودةُ وصَفيَّةُ ليست بصحيحة، لأنَّها مُخالِفة للتِّلاوة لِمَجيئها بلفظ خِطاب الاثنَينِ، ولو كانت كذلك جاءت بخطاب جماعة المؤنَّث. ثمَّ نَقَلَ عن الأَصِيليّ وغيره أنَّ رواية عُبيد بن عُمَير أصحّ وأولَى. وما المانع أن تكون قصّة حفصة سابقةً، فلمَّا قيل له ما قيل تَرَكَ الشُّرب من غير تصريح بتحريمٍ، ولم يَنزِل في ذلك شيءٌ، ثمَّ لمَّ شَرِبَ في بيت زينب تَظاهَرَت عائشةُ وحفصةٌ على ذلك القول، فحَرَّمَ حينئذِ العَسَل، فنزلتِ الآية. قال: وأمَّا ذِكْر سَودة معَ الجزم بالتَّثنية فيمَن تَظاهَرَ منهنَّ، فباعتبار أنَّها كانت كالتابعة لعائشة، ولهذا وهَبَت يومَها لها، فإن كان ذلك قبلَ الهِبة فلا اعتراض بدخوله عليها، وإن كان بعدَه فلا يَمْتَنِعِ هِبَتُها يومَها لعائشة أن يَتَرَدَّد إلى سَودة. قلت: لا حاجة إلى الاعتذار عن ذلك، فإنَّ ذِكْر سَوْدة إنَّما جاء في قصَّة شُرْب العَسَل عند حفصة ولا تثنيةَ فيه ولا نزول على ما تقدَّم من الجمع الذي ذَكَره. وأمَّا قصَّة العَسَل عند زينب بنت جَحْش فقد صَرَّحَ فيه بأنَّ عائشة قالت: تَواطَأْت أنا وحفصة، فهو مُطابق لمَا جَزَمَ به عمرُ من أنَّ المتظاهرتَينِ عائشةُ وحفصةُ وموافقٌ لظاهِرِ الآية، والله أعلم. ووَجَدتُ لقصَّة شُرب العسل عند حفصة شاهداً في تفسير ابن مردويه(١) من طریق یزید (١) وهو أيضاً عند الطبراني في ((الأوسط)) (٨٧٦٤). ٧٤ باب ٨ / ح ٥٢٦٦-٥٢٦٨ فتح الباري بشرح البخاري ابن رُومانَ عن ابن عبّاس، ورُواته لا بأس بهم، وقد أشرت إلى غالب ألفاظِهِ. ووَقَعَ في تفسير السُّدِّيّ: أنَّ شُرب العَسَل كان عند أمّ سَلَمةَ، أخرجه الطَّرِيُّ وغيره، وهو مَرجوح لإرساله وشُذوذه، والله أعلم. قوله: ((حدَّثنا حَجّاجٌ)) هو ابن محمَّد المِصِّيصيّ. قوله: ((زَعَمَ عطاء)» هو ابن أبي رَباح، وأهل الحِجاز يُطلِقونَ الَّعمَ على مُطلَقِ القولِ. ووَقعَ في رواية هشام بن يوسف عن ابن جُرَيج: عن عطاء، وقد مَضَى في التَّفسير (٤٩١٢). قوله: ((أنَّ النبيَّ وَِّ كان يَمْكُث عند زينبَ بنتٍ جَحْش ويَشْرَب عندها عَسَلاً)) في رواية هشام: يَشرَب عَسَلاً عند زينب، ثمَّ يَمكُث عندها، ولا مُغايَرَةَ بينهما، لأنَّ الواو لا تُرَتِّب. قوله: ((فَتَواصَيت)) كذا هنا بالصّادِ من المواصاة، وفي رواية هشام: فَتَواطَيت، بالطاءِ من المواطَأة، وأصله: تَواطَأْت بالهمزة، فسُهِّلَت الهمزة فصارت ياءً، وثَبَتَ كذلك في رواية أبي ذرِّ. قوله: ((أنْ أَيَّتْنَا دَخَلَ)) في رواية أحمد (٢٥٨٥٢) عن حَجّاج بن محمَّد: أن أيَّتنا ما دَخَلَ. بزیادة «ما)»، وهي زائدةٌ. قوله: ((إنّ أجِدُ منكَ رِيحَ مَغافِيرَ، أُكَلْت مَغافيرَ؟)) في رواية هشام (٤٩١٢) بتقديم: أكَلت مَغافير، وتأخير: إنّي أجِد. وأكَلتَ: استفهامٌ محذوف الأداة، والمغافيرُ بالغَينِ المعجَمة والفاء وبإثبات التَّحتانيَّة بعد الفاء في جميع نُسَخ البخاريِّ. ووَقَعَ في بعض النُّسَخ عن مسلم في بعض المواضع من الحديث بحذفِها، قال عياض: والصَّواب إثباتها لأنَّهَا عِوَضٌ من الواو التي في المفرَد، وإنَّما حُذِفَت في ضَرُورة الشِّعر. انتهى، ومُراده بالمُفرَد أنَّ المغافير جمع مُغفور بضمِّ أوَّله. ويقال بثاءٍ مُثَلَّثة بَدَل الفاء، حكاه أبو حنيفة الدِّينَوَريّ في ((النَّبَات)). وقال ابن قُتَية: ليس في الكلام مُفعولٌ، بضمِّ أوَّله إلّا مُغفور ومُغزول، بالغَينِ المعجَمة من أسماء الكَمْأة، ومُنخور، بالخاءِ المعجَمة، من أسماء الأنف، ومُغلوق، بالغَينِ المعجَمة، واحد المغاليق. قال: والمُغفور: صَمْغٌ حُلوٌ له رائحة كريهة. ٧٥ باب ٨ / ح ٥٢٦٦-٥٢٦٨ كتاب الطلاق وذكر البخاريّ(١): أنَّ المُغْفور شَبةٌ بالصَّمغ يكون في الرِّمْث - بكسرِ الرَّاء وسكون الميم بعدها مُثَلَّثة - وهو من الشَّجَر التي تَرعاها الإبل، وهو من الحَمْض، وفي الصَّمغ المذكور حَلاوة، يقال: أغَفَرَ الرِّمْتُ: إذا ظَهَرَ ذلك فيه. وذكر أبو زيد الأنصاريّ أنَّ المُغفور يكون أيضاً في العُشَر، بضمِّ المهمَلة وفتح المعجمة(٢)، ٣٧٨/٩ وفي الثُّامِ والسَّلَمِ والطَّلْحِ(٣). واختُلِفَ في مِيم مُغفور، فقيلَ: زائدة، وهو قول الفَرّاء، وعند الجمهور أنَّها من أصل الكلمة، ويقال له أيضاً: مِغْفار، بكسرٍ أوَّله، ومُغفَر، بضمِّ أوَّله وبفتحه وبکسرِه، عن الكِسائيّ، والفاء مفتوحة في الجميع. وقال عياض: زَعَمَ المهلَّب أنَّ رائحة المَغافير والعُرفُط حَسنة، وهو خلاف ما يقتضيه الحديث، وخلاف ما قاله أهل اللُّغة. انتهى، ولعلَّ المهلَّب قال: ((خبيثة)) بمُعجَمةٍ ثمَّ موحّدة ثمَّ تحتانيَّة ثمَّ مُثَلَّئة، فَتَصَحَّفَت، أو استَنَدَ إلى ما نُقِلَ عن الخليل وقد نَسَبَه ابن بَطّالٍ إلى ((العين)): أنَّ العُرفُط شَجَرُ العِضاهِ، والعِضاهُ: كلّ شَجَر له شَوك وإذا اسْتِيكَ به كانت له رائحة حَسنة تُشبه رائحة طيِّب النَّبيذ. انتهى، وعلى هذا فيكون ريح عِيدان العُرفُط طيِّباً، وريحُ الصَّمغ الذي يَسيل منه غير طيِّية، ولا مُنافاة في ذلك ولا تصحيف، وقد حكى القُرطُبيّ في ((المفهم)) أنَّ رائحة ورَق العُرفُط طيِّبة، فإذا رَعَته الإبل خَبُثَت رائحَته، وهذا طريق آخر في الجمع حَسَنٌ جدّاً. قوله: ((فَدَخَلَ على إحداهما)) لم أقِفْ على تَعيينِها، وأظنُّها حفصةَ. (١) كذا نقل الحافظ هذا عن البخاري، ولم نقف عليه في شيء من مواضع الحديث عنده في النسخة اليونينية، ولم ينقله عنه أحد من شراح البخاري، لكن نقل نحوَه ابنُ كثير في ((تفسيره)) عند تفسير الآية المذكورة من سورة التحريم، وأن البخاري قاله هنا عند شرح هذا الحديث، فلعله وقع ذلك لهما في نسخة من البخاري، مما لم يقع لنا، والله أعلم. (٢) العُشَر: شجر له صمغ. انظر ((اللسان)) (عشر). (٣) التُّام: نوع من النبات لا تأكله النَّعَم إلا في الجدُوبة. والسَّلَم: ضَربٌ من الشجر، واحدها سَلَمة، يُدبغ به. والطَّلح: شجر له شوك ينبت في بطون الأودية. انظر ((اللسان)) (ثمم) و(سلم)، و(طلح). ٧٦ باب ٨ / ح ٥٢٦٦ -٥٢٦٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فقال: لا بأس شَرِبْتُ عَسَلاً)) كذا وَقع هنا في رواية أبي ذرٍّ عن شيوخه، ووَقعَ للباقينَ: ((لا بل شَرِبتُ عَسَلاً) وكذا وَقَعَ في كتاب الأيمان والنُّذُور (٦٦٩١) للجميع، حيثُ ساقَه المصنّف من هذا الوجه إسناداً ومتناً، وكذا أخرجه أحمد (٢٥٨٥٢) عن حَجّاج، ومسلمٌ (١٤٧٤/ ٢٠) وأصحاب السُّنَن(١) والمستخرَجات من طريق حَجّاج، فظَهَرَ أنَّ لفظة (بَأس)) هنا مُغيَّرة من لفظة ((بَل))، وفي رواية هشام: فقال: ((لا، ولكنّي كنت أشرَبُ عَسَلاً عند زينبَ بنتِ جَحْش))(٢). قوله: ((ولن أعودَ لَه)) زاد في رواية هشام: ((وقد حَلَفتُ، لا تُخبري بذلك أحداً))، وبهذه الزّيادة تَظهَرُ مُناسَبةُ قولِه في رواية حَجّاج بن محمَّد(٣): فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]. قال عياض: حُذِفَت هذه الزّيادة من رواية حَجّاج بن محمَّد، فصارَ النَّظم مُشكِلاً، فزالَ الإشکال برواية هشام بن یوسف. واستَدَلَّ القُرطُبيُّ وغيره بقولِه: ((حَلَفت)) على أنَّ الكفَّارة التي أُشير إليها في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنْكُمْ﴾ هي عن اليمين التي أشارَ إليها بقولِه: ((حَلَفتُ))، فتكون الكفَّارة لأجلِ اليمين لا لمُجرَّدِ التَّحريم، وهو استدلالٌ قويٌّ لمَن يقول: إنَّ التَّحريم لَغْوٌ لا كفَّارةَ فيه بمُجرَّدِه(٤)، وحَلَ بعضهم قوله: ((حَلَفتُ)) على التَّحريم ولا يخفى بُعدُه، والله أعلم. قوله: ((﴿إِن تَنُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾)) أي: تلا من أوَّل السّورة إلى هذا الموضع فقال: ((لعائشةَ وحفصةً)» أي: الخِطاب لهما. ووَقَعَ في رواية غير أبي ذرٍّ فنزلت: ﴿يَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِن تَنُوبَآ إِلَى اُللَّهِ﴾، وهذا أوضَحُ من رواية أبي ذرٍّ. (١) أبو داود برقم (٣٧١٤)، والنسائي بالأرقام (٣٤٢١) و(٣٧٩٥) و(٣٩٥٨). (٢) سلفت برقم (٤٩١٢). (٣) يعني رواية الباب، وستأتي أيضاً برقم (٦٦٩١). (٤) كمسروق والشعبي وربيعة، وهو قول أصبغ من المالكية، وقد قدَّم الحافظُ ذكرهم في شرحه للباب السابع من هذا الكتاب. ٧٧ باب ٨ / ح ٥٢٦٦-٥٢٦٨ كتاب الطلاق قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِهِ، حَدِيثًا﴾، لقولِه: بل شَرِبْت عَسَلاً)) هذا القَدر بَقيَّة الحديث، وكنت أظنّه من ترجمة البخاريّ على ظاهر ما سأذكره عن رواية النَّسَفيِّ، حتَّى وجدته مذكوراً في آخر الحديث عند مسلم (١٤٧٤) (٢٠)، وكأنَّ المعنى: وأمَّا المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَجِهِ حَدِيثًا﴾ فهو لأجلِ قوله: ((بل شَرِبت عَسَلاً))، والنُّكتة فيه أنَّ هذه الآية داخلة في الآيات الماضية، لأنَّها قبل قوله: ﴿إِن نَنُبًا إِلَى اللَّهِ﴾، واتَّفَقَت الرِّوايات عن البخاريّ على هذا إلّا النَّسَفيّ، فَوَقعَ عنده بعد قوله: فنزلت: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكَ﴾ ما صُورتُه: قوله تعالى: ﴿إِن نَنُوبَآ إِلَى اَللَّهِ﴾ لعائشةَ وحفصةَ ﴿وَإِذْ أَسَرِّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِ حَدِيثًا﴾ لقولِه: ((بل شَرِبت عَسَلاً))، فجَعَلَ بَقِيَّة الحديث ترجمةً للحديثِ الذي يَليه، والصَّواب ما وَقعَ عند الجماعة، لموافَقة مسلمٍ وغيرِه على أنَّ ذلك من بَقيَّة حدیث ابن عُمَیر. قوله: ((كان رسول الله وَلَ يُحِبّ العَسَل والحَلْوَى)) قد أفرَدَ هذا القَدر من هذا الحديث كما سيأتي في الأطعمة (٥٤٣١)، وفي الأشربة (٥٥٩٩)، وفي غيرهما (٥٦١٤ و٥٦٨٢ و٦٩٧٢) من طريق أبي أسامة عن هشام بن عُرْوة، وهو عنده بتقديم الحَلوَى على العَسَل، ولِتقديم كلٌّ منهما على الآخر جهةٌ من جِهات التَّقديم، فتقديمُ العَسَل لشَرَفِهِ، ولأنَّه/ أصلٌ من أُصول الحَلوَى، ولأنَّه مُفرَد والحَلَوَى مُرَكَّبة، وتقديم الحَلوَى لشُمولِها وتَنَوُّعها لأنَّها تُتَّخَذُ من العَسَل ومن غيره، وليس ذلك من عَطف العامّ على الخاصّ كما زَعَمَ بعضُهم، وإنَّما العامّ الذي يَدخُل الجميعُ فيه. ٣٧٩/٩ والحُلْو بضمِّ أوَّله وليس بعد الواو شيءٌ(١)، ووَقَعَت ((الحَلْواء)) في أكثر الرِّوايات عن أبي أسامة بالمدِّ، وفي بعضها بالقَصرِ، وهي رواية عليٍّ بن مُسِهِر (٢)، وذَكَرَت عائشة هذا القَدْرَ (١) لا ندري ما وجه إيراد الحافظ لهذه اللفظة بهذا الضبط، إلا إن أراد أن ينبه على أن في هذه الكلمة ثلاث لغات، وأن هذه ثالثها، لكن لم ترد في شيء من روايات الصحيح، وإنما جاءت في رواية ابن سعد في ((الطبقات)) ١/ ٣٩١ عن أبي أسامة عن هشام بن عروة. (٢) يعني رواية هذا الباب، وستأتي في مواضع أخرى من ((الصحيح)). ٧٨ باب ٨ / ح ٥٢٦٦-٥٢٦٨ فتح الباري بشرح البخاري في أوَّل الحديث تمهيداً لمَا ستَذكُرُه من قصَّة العَسَل، وسأذكر ما يَتَعلَّق بالحَلْواء والعَسَل مبسوطاً في كتاب الأطعمة (٥٤٣١) إن شاءَ الله تعالى. قوله: ((وكان إذا انصَرَفَ من العَصْر)) كذا للأكثر، وخالَفَهم حَمَّد بن سَلَمَةَ عن هشام بن عُرْوة فقال: ((الفجر))، أخرجه عبدُ بن حُميدٍ في ((تفسيره)) عن أبي النُّعمان عن حَمَّاد، ويُساعِده رواية يزيد بن رُومان عن ابن عبّاس، ففيها: وكان رسول الله وَّهِ إذا صَلَّى الصُّبح جَلسَ في مُصَلّه، وجَلَسَ الناس حولَه حتَّى تَطلُع الشمس، ثمَّ يَدخُل على نسائه امرأةً امرأة، يُسَلِّم عليهنَّ ويَدعُو لهنَّ، فإذا كان يوم إحداهُنَّ كان عندها، الحديثَ، أخرجه ابن مَرْدويه(١). ويُمكِن الجمع بأنَّ الذي كان يقع في أوَّل النَّهار سَلاماً ودعاءً مَحْضاً(٢)، والذي في آخره معه جُلوس واستئناس ومُحادثة، لكنَّ المحفوظ في حديث عائشة ذِكْر العصر، ورواية حمّاد بن سَلَمَةَ شاذٌّ. قوله: ((دَخْلَ على نسائهِ)) في رواية أبي أُسامة (٦٩٧٢): ((أجازَ إلى نسائه)) أي: مَشَى، ويَجيء بمعنى قَطَعَ المسافةَ، ومنه: ((فأكون أنا وأُمَّتي أوَّل مَن يُجيز))(٣)، أي: أوَّل مَن يَقطَع مسافة الصِّراط. قوله: ((فَيَدْنو منهنَّ)) أي: فيُقُبِّلُ ويُباشر من غير جماع، كما في الرِّواية الأُخرَى(٤). قوله: ((فاحتَبَسَ)) أي: أقامَ، زاد أبو أُسامة: عندَها. قوله: ((فسألت عن ذلك)) ووَقعَ في حديث ابن عبّاس بيانُ ذلك، ولفظه: فأنكَرَت عائشة احتباسَه عند حفصة، فقالت لجُوَيريةٍ حَبَشِيَّةٍ عَندها يقال لها خضراء: إذا دَخَلَ على حفصة فادخُلي عليها، فانظري ما يصنع. (١) تقدمت إشارة الحافظ لهذه الرواية قريباً، وهي أيضاً عند الطبراني في «الأوسط)) (٨٧٦٤). (٢) كذا جاءت هذه الألفاظ بالنصب، وكان الوجه رفعها إلا على تقدير أن تكون اسم أنَّ مؤخراً، والله أعلم. (٣) هذه قطعة من حديث سيأتي برقم (٧٤٣٧)، وأخرجه مسلم برقم (١٨٢) من حديث أبي هريرة ﴾. (٤) يعني رواية يزيد بن رومان عن ابن عباس، ووقع التصريح به في حديث آخر لعائشة من رواية ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عنها عند أحمد (٢٤٧٦٥) وأبي داود (٢١٣٥). ٧٩ باب ٨ / ح ٥٢٦٦ -٥٢٦٨ كتاب الطلاق قوله: ((أهدَت لها امرأةٌ من قومها عُكّةَ عَسَل)) لم أقِفْ على اسم هذه المرأة، ووَقعَ في حديث ابن عبَّاس: أنَّهَا أُهديَت لحفصةَ عُكَّةٌ فيها عَسَل من الطائف. قوله: ((فقلت لسَوْدَةَ بنتِ زَمْعَةَ: إِنَّه سَيَدْنو مِنك)) في رواية أبي أُسامة: فذَكرتُ ذلك لسَودةَ وقلت لها: إنَّه إذا دَخَل عليك سَيَدنو مِنك، وفي رواية حمّاد بن سَلَمَةَ: إذا دَخَلَ على إحداكُنَّ فلتأخُذ بأَنِها، فإذا قال: ما شأنك؟ فقولي: ريحُ المَغافير. وقد تقدَّم شرح المَغافير قبلُ. قوله: ((سَقَتْنِي حَفصةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ)) في رواية حَمَّاد بن سَلَمَةَ: ((إنَّما هي عُسَيلة سَقَتْنيها حفصةٌ)). قوله: ((جَرَسَت)) بفتح الجيم والرَّاء بعدها مُهمَلة، أي: رَعَتِ نَحلُ هذا العَسَل الذي شَرِبْتَهُ الشَّجَرَ المعروفَ بالعُرفُط. وأصل الجَرْس: الصَّوتُ الخَفيّ، ومنه في حديث صِفَة الجنَّة: سَمع جَرْس الطَّيرِ(١). ولا يقال: جَرَسَ بمعنى: رَعَى، إلّا لِلنَّحل، وقال الخليل: جَرَسَت النَّحِلُ العَسَلَ تَجْرُسُه جَرْساً: إذا لَحِسَتْهُ، وفي رواية حمّاد بن سَلَمَةَ: جَرَسَت نَحلُها العُرفُط إذاً. والضَّمير للعُسَيلة على ما وَقَعَ في روايته. قوله: ((العُرْفُط)) بضمِّ المهمَلة والفاء بينهما راءٌ ساكنة وآخره طاءٌ مُهمَلة: هو الشَّجَر الذي صَمْغُه المَغافيرُ. قال ابن قُتَيبة: هو نبات مُرِّ له وَرَقةٌ عَريضة تَفْرُشُ بالأرضِ، وله شَوكة وثَمَرة بيضاءُ كالقُطْنِ، مِثل زِرِّ القميص، وهو خبيث الرَّائحة. قلت: وقد تقدَّم في حكاية عياض عن المهلَّب ما يَتَعلَّقِ برائحة العُرفُط والبحث معه فيه قبلُ. قوله: ((وقولي أنتِ يا صَفيَّةُ)) أي: بنت حُبَيٍّ أمّ المؤمنينَ، وفي رواية أبي أُسامة: وقُولِيهِ أنتِ يا صَفيَّة؛ أي: قولي الكلام الذي عَلَّمتُه لسَوْدة، زاد أبو أُسامة في روايته: وكان (١) لم نقف عليه فيما بين أيدينا من المصادر، وأسند الخطيب في ((الكفاية في علم الرواية)) ص٢٥٦ من طريق الأصمعي قال: كنت في مجلس شعبة، قال: فيسمعون جَرْشَ طير الجنة، فقلت: جَرْس؟! فنظر إليَّ فقال: خُذوها عنه، فإنه أعلم بهذا منّا. وهذا الخبر أورده ابن الأثير في ((النهاية))، والجوهري في (الصحاح)) مادة (جرس). ٨٠ باب ٨ / ح ٥٢٦٦-٥٢٦٨ فتح الباري بشرح البخاري رسول الله وَّيهِ يَشتَدّ عليه أن يُوجَد منه الرِّيحُ، أي: الغير الطيِّب، وفي رواية يزيد بن رُومان عن ابن عبّاس: وكان أشدّ شيء عليه أن يُوجَد منه ريحُ شيءٍ(١)، وفي رواية حَمَّاد بن سَلَمةَ: وكان يَكرَه أن يُوجَد منه ريحٌ كريهةٌ، لأنَّه يأتيه الملَك، وفي رواية ابن أبي مُلَيكة عن ابن عبّاس: وكان يُعجِبُهُ أن يُوجَد منه الرِّيحُ الطيِّبُ . ٣٨٠/٩ قوله: ((قالت: / تقول سَوْدة: فوَالله ما هو إلّا أن قامَ على الباب، فأرَدْت أن أُبادِئَه بالذي أُمَرْتِنِي بِه فَرَقاً مِنكِ)) أي: خَوفاً، وفي رواية أبي أُسامة: فلمَّا دَخَلَ على سَودةَ قالت: تقول سَودة: وَالله لقد كِدتُ أن أُبادِرَه بالذي قلتٍ لي. وضُبطَ ((أُبادِئه)) في أكثر الرِّوايات بالموخَّدة من المبادَأة، وهي بالهمزة، وفي بعضها بالنّونِ بغير همزة من المناداة، وأمَّا (أُبادِره» في رواية أبي أسامة فمِن المبادَرة، ووَقَعَ فيها عند الكُتْمِيهنيّ والأَصِيلِيّ وأبي الوَقْت كالأوَّل بالهمزة بَدَل الرَّاء، وفي رواية ابن عساكر بالنُّونِ. قوله: «فلمَّا دارَ إليَّ قلت نحوَ ذلك، فلمَّا دارَ إلى صَفيَّةً قالت له مِثلَ ذلك» كذا في هذه الرّواية بلفظ: ((نحوَ)) عند إسناد القول لعائشة، وبلفظ: ((مِثل)) عند إسناده لصَفيَّة، ولعلَّ السَّّ فيه أنَّ عائشة لمَّا كانت المبتَكِرة لذلك عَبَّرَت عنه بأيِّ لفظٍ حَسَنٍ ببالها حينئذٍ، فلهذا قالت: نحوَ، ولم تَقُل: مِثلَ. وأمَّا صَفيَّة فإنها مأمورة بقولِ شيءٍ فليس لها فيه تَصَرُّف، إذ لو تَصَرَّفَت فيه لَخَشِيَت من غَضَب الآمِرة لها، فلهذا عَبَّرَت عنه بلفظ: ((مِثل))، هذا الذي ظَهَرَ لي في الفَرق أوَّلاً، ثمَّ راجَعت سِياق أبي أُسامة فوَجَدته عَبَّرَ بالمثلِ في الموضعين، فغَلَبَ على الظَّنّ أنَّ تغييرَ ذلك من تَصَرُّف الرُّواة، والله أعلم. قوله: ((فلمَّا دارَ إلى حَفصةَ)) أي: في اليوم الثّاني. قوله: ((لا حاجةَ لي فيه)) كأَنَّه اجتَنَبَه لمَا وَقعَ عنده من تَوارُد النِّسوة الثلاث، على أنَّه نَشَأْت من شُربه له ریحٌ مُنكَرة، فتَرَكَه حسماً للمادة. قوله: ((تقول سَوْدة)) زاد أبو(٢) أُسامة في روايته: سبحانَ الله! (١) تحرف في (س) إلى: سيء. (٢) تحرف في (س) إلى: ابن أبي.