Indexed OCR Text

Pages 1-20

◌ُ النَّارِي
بشرح صحيح البخاريّ
تأليف
الإِكَّامِ الْحَافِظِ شَكَابِ الِّينِ أُحَدَ بِنْ عَلَيِّ بْنِ حَجَرِ العَسِّقَلَافِيّ
٧٧٣ - ٨٥٢ هـ
أشرفَ على تحقيق الكتَابُ ورَاجَعه
شُغَيْبُ الأُوُوَطْ عَادكٌ مُّشْد
شارك في تحقيقه
حقّق هَذّا الجزء وضّصَهُ وعَلَ عَلَيْ
سَلِيمِ عَامِرْ
محمد كَائِ قُرْ بَلَكِيٌ
الجزِّءُ السَّادِسُ عَشْرٌ
الرسالة العالمية

-3

فَُّ النَّارِي
بشرّح صِيُّح البُخَارِيّ
١٦

دار الرسالة العالمية
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب فو في جزء منه بجميع طرق
الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بإذن خطي من:
شركة الرسالة العالمية م.م.
M-Ressiah M-A Tomich .
Publishers
الإدارة العامة
Head Office
دمشق - الحجاز
شارع مسلم البارودي
بناء خولي وصلاحي
2625
(963)11-2212773
(963)11-2234305
الجمهورية العربية السورية
Syrian Arab Republic
info@resalabonline.com
http://www.rosalabonline.com
فرع بيروت
BEIRUT/LEBANON
TELEFAX: 815112- 319039- 818615
P.O. BOX:117460
7i
جَمْعَ الحَقُوقُ محفوظَةٌ لِلنَّاشِرْ
الطّبْعَة الأولىُ
١٤٣٤ ھ -٢٠١٣م

٥
باب ١ / ح ٥٢٥١
كتاب الطلاق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كتاب الطلاق
١ - وقول الله تعالی:
﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ وَأَحْصُواْ أَلْعِدَّةَ ﴾ [الطلاق: ١]
وطلاقُ السُّنّةِ: أن يُطلِّقَها طاهراً من غيرِ جماعٍ، ويُشهِدَ شاهدَينٍ.
﴿أَحْصَيْنَهُ﴾ [النبأ: ٢٩]: حَفِظْناه.
٥٢٥١- حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عمرَ
رضي الله عنهما: أنَّه طَلَّقَ امرأته وهي حائضٌ على عَهْدِ رسولِ اللهِِّ، فسألَ عمرُ بنُّ الخطَّاب
رسولَ الله وَلِّر عن ذلك، فقال رسولُ اللهِوََّ: «مُرْهُ فِلْيُراجِعْها، ثمَّ لِيُمْسِكْها حتَّى تَطْهُرَ، ثمَّ
تَحِيضَ ثمَّ تَطْهُرَ، ثمّ إن شاءَ أمسَكَ بَعْدُ،/ وإن شاءَ طَلَّقَ قبلَ أن يَمَسَّ، فتلكَ العِدّةُ التي أُمَرَ اللهُ أن ٣٤٦/٩
تُطلَّقَ لها النِّساءُ» .
قوله: ((بسم الله الرّحمن الرحيم. كتاب الطَّلاق)) الطَّلاق في اللُّغة: حَلُّ الوَثَاق، مُشتَقٌّ من
الإطلاق: وهو الإرسال والتَّرْك، وفلانٌ طَلْقُ اليدِ بالخير، أي: كثير البَذْل.
وفي الشّرع: حَلُّ عُقْدة التَّزويج فقط، وهو موافقٌ لبعضٍ أفراد مَدلُوله اللُّغَويّ.
قال إمام الحرمَينِ: هو لفظٌ جاهلٌّ وَرَدَ الشَّرع بتقريره.
وطَلُقَت المرأة بفتح الطاء وضمِّ اللّام، وبفتحها أيضاً وهو أفصَحُ(١)، وطُلِّقَت أيضاً بضمٍ
أوَّله وكسر اللّام الثَّقيلة، فإن خُفِّفَت فهو خاصٌّ بالولادة، والمضارع فيهما بضمِّ اللّام، والمصدَر
في الولادة: طَلْقاً ساكنة اللّام، فهي طالقٌ فيهما.
(١) ولكن ذكر ابنُ الأعرابيّ كما في ((اللسان)) و(انتاج العروس)) مادة (طلق): أنَّ طَلُقَت من الطلاق أجودُ، وطَلَقت
بفتح اللام جائز.

٦
باب ١ / ح ٥٢٥١
فتح الباري بشرح البخاري
ثُمَّ الطَّلاق قد يكون حراماً، أو مكروهاً، أو واجباً، أو مندوباً، أو جائزاً، أمَّا الأوَّل:
ففيما إذا كان بِدْعِيّاً، وله صُوَر، وأمَّا الثّاني: ففيما إذا وَقَعَ بغيرِ سَبَبٍ معَ استقامة الحال،
وأمَّا الثّالث: ففي صُوَر، منها: الشِّقاقُ إذا رأى ذلك الحَكَمانِ، وأمَّا الرَّابع: ففيما إذا كانت
غيرَ عفيفة، وأمَّا الخامس: فَنَفاه النَّوَويُّ، وصَوَّرَه غيرُه بما إذا كان لا يريدها ولا تَطِيبُ
نفسُه أن يَتَحمَّل مُؤنتَها من غير حُصولٍ غَرَض الاستمتاع، فقد صَرَّحَ الإمام(١) أنَّ الطَّلاق في
هذه الصُّورة لا يُكرَه.
قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿يَتُهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ وَأَحْصُواْ أَلْعِدَةَ ﴾)) أمَّا
قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَقْتُمُ الْنِسَآءَ﴾ فخِطابٌ للنبِّ وَّهِ بلفظ الجمع، تعظيماً أو على إرادةَ ضَمِّ أُمَّته
إليه، والتَّقدير: يا أيُّها النبيُّ وَأُمَّتُه.
وقيل: هو على إضمار قُل، أي: قُلْ لأُمَّتِك. والثّاني أليقُ، فخَصَّ النبيَّ عليه الصلاة والسَّلام
بالنِّداءِ، لأنَّه إمام أُمَّته اعتباراً بتَقدُّمِه، وعَمَّ بالخِطاب، كما يقال لأمير القوم: يا فلان افعَلوا
کذا.
وقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ ﴾ أي: إذا أردتُم التَّطليقَ جَزْماً، ولا يُمكِنُ حَملُه على ظاهره.
وقوله: ﴿لِعِذَّتِرَ﴾ أي: عند ابتداء شُروعهنَّ في العِدّة، واللّام للتَّوقيتِ كما يقال:
لَقيتُه لليلةِ بَقِيَت من الشَّهر.
قال مجاهدٌ في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ﴾: قال ابن
عبَّاس: في قُبُل عِدَّتِهِنَّ، أخرجه الطَّبَرِيُّ (١٢٩/٢٨) بسندٍ صحيح، ومن وجه آخر
(١٣٠/٢٨): أنَّه قرأها كذلك. وكذا وَقعَ عند مسلم (١٤/١٤٧١) من رواية أبي الزُّبَير
عن ابن عمر في آخِرِ حديثه: قال ابن عمر: وقرأ رسول الله وَ له: (يا أيُّها النبيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ
فطلِّقوهُنَّ في قُبُل ◌ِدَّتِهِنَّ)، ونُقِلَت هذه القراءةُ أيضاً عن أَبيِّ وعثمانَ وجابٍ وعليّ بن الحسين
(١) يعني إمام الحرمين أبا المعالي الجُويني، وكلامه هذا في ((نهاية المطلب)) ١٢/١٤. والشافعية إذا أطلقوا القول
بالإمام فإنهم يقصدونه، هذا اصطلاحهم.

٧
باب ١ / ح ٥٢٥١
كتاب الطلاق
وغيرِهم(١)، وسيأتي في حديث ابن عمرَ في الباب مزيدُ بيانٍ في ذلك.
قوله: «وطلاقُ السُّنّة أن يُطلِّقها طاهراً من غیر چماع)) روى الطّبريُّ (١٢٩/٢٨) بسند صحيح
عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ ﴾ قال: في الطَّهر من غير جماع. وأخرجه
عن جَمَع من الصَّحابة ومَن بعدَهم كذلك، وهو عند التِّرمِذيِّ(٢) أيضاً.
قوله: ((وُشهِدَ شاهدَينٍ)) مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]،
وهو واضح، وكأنّه لَمَّحَ بما أخرجه ابن مَرْدويه عن ابن عبّاس قال: كان نَفَرٌ من المهاجِرِينَ
يُطلِّقونَ لغير عِدّةٍ ويُراجِعونَ بغير شُهود، فنزلت.
وقد قَسَّمَ الفقهاء الطَّلَاقَ إلى سُنِّيّ وبِدْعيّ، وإلى قسم ثالث لا وَصْفَ له.
فالأوَّل: ما تقدَّمَ.
والثّاني: أن يُطلِّق في الحيض أو في طُهرِ جامعَها فيه، ولم يَتَبَّن أمرُها أحَمَلَت أم لا، ومنهم مَن
أضافَ له أن يزيدَ على طَلقةٍ، ومنهم مَن أضافَ له الخُلْعَ.
والثّالث: تطليق الصَّغيرة والآيِسَةِ والحاملِ التي قَرُبَت وِلادَتُها، وكذا إذا وَقعَ السُّؤال منها
في وجهٍ بشرطِ أن تكون عالمةً بالأمر، وكذا إذا وَقعَ الخُلْع بسؤالها وقلنا: إنَّه طلاقٌ.
ويُستَثَنَى من تحريم طلاق الحائض صُوَرٌّ:
منها: ما لو كانت حاملاً ورأت الدَّمَ وقلنا: الحاملُ تَحيض،/ فلا يكون طلاقُها بِدْعِيّاً ٣٤٧/٩
ولا سيَّما إن وَقعَ بقُرب الولادة.
(١) هذه القراءة، وإن صحَّ إسنادُها، فهي من القراءات الشاذَّة التي لا يثبت بها قرآن بالإجماع، ولهذا قال
الإمام النووي في (شرحه على مسلم)) ٦٩/١٠: ولا يكون لها حُكم خبر الواحد عندنا وعند محفِّقي
الأصوليِّين. وقال أبو حيَّان في تفسيره ((البحر المحيط)) ٢٧٨/٨: ما رُوي عن جماعة من الصحابة والتابعين
رضي الله تعالى عنهم من أنهم قرؤوا ((فطلِّقوهنَّ في قُبُل عَّتِهِنَّ)) وعن عبد الله (القُبُل ◌ُهْرِهِنَّ) هو على سبيل
التفسير لا على أنه قرآن، لخلافه سوادَ المصحف الذي أجمع عليه المسلمون شرقاً وغرباً.
(٢) الذي في ((جامعه)) تحت الحديث (١١٧٦) هو قوله: ((والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيِّ تَيّ
وغيرهم أنَّ طلاق السُّنة أن يُطلقها طاهراً من غير جماع)) ولم يخرجه مسنداً عن ابن مسعود.

٨
باب ١ / ح ٥٢٥١
فتح الباري بشرح البخاري
ومنها: إذا طَلَّقَ الحاكم على المؤلي، واتَّفَقَ وقوع ذلك في الحيض، وكذا في صُورة الحَكَمَينِ
إذا تَعيَّنَ ذلك طريقاً لرفع الشِّقاق، وكذلك الخُلْع، والله أعلم.
قوله: (﴿أَحْصَيْنَهُ﴾: حَفِظناُ)) هو تفسير أبي عبيدة. وأخرج الطَّبَريُّ معناه عن السُّدِّيّ
(١٣٢/٢٨). والمراد: الأمرُ بحِفْظ ابتداء وقتِ العِدّة، لئلا يَلْتَبسَ الأمر بطُولِ العِدّة، فتَتَأْذَّى
بذلك المرأةُ.
قوله: (أَنَّه طَلَّقَ امرأتَه)) في مسلم (١/١٤٧١) من رواية اللَّيث عن نافع: أنَّ ابن
عمر طَلَّقَ امرأةً له. وعنده (١٤٧١/ ٢) من رواية عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن
عمر: طَلَّقتُ امرأتي. وكذا في رواية شُعْبة عن أنس بن سِيرِين عن ابن عمر
(١٢/١٤٧١). قال النَّوَويّ في ((تهذيبه)): اسمها آمنة بنت غِفَار، قاله ابن باطيشٍ.
ونَقَلَه عن النََّويّ جماعةٌ ثَمَّن بعدَه منهم الذَّهَبيُّ في ((تجريد الصَّحابة)) لكن قال: في
(( مُبِهَاته))، فكأنَّه أراد مُبهَمَات ((التَّهذيب))، وأورَدَها الذَّهَبِيُّ في آمِنة، بالمدِّ وكسر الميم
ثمَّ نون.
وأبوها غِفَار، ضَبَطَه ابن نُقْطة بكسرِ المعجَمة وتخفيف الفاء.
ولكنّي رأيت مُستنَد ابن باطيشٍ في ((أحاديث قُتَيبة)) جَمْع سعيد العَيّار(١) بسندٍ فيه ابن
لَهِيعة: أنَّ ابن عمر طَلَّقَ امرأته آمِنة بنت عمَّر(٢). كذا رأيتُها في بعض الأُصول بمُهمَلةٍ مفتوحة
ثمَّ ميم ثقيلة، والأوَّل أَولى.
وأقوى من ذلك ما رأيته في ((مُسنَد أحمد)) قال: حدَّثنا يونس حدَّثنا اللَّيث عن نافع: أنَّ
عبد الله طَلَّقَ امرأته وهي حائض، فقال عمر: يا رسولَ الله، إنَّ عبدَ الله طَلَّقَ امرأته النَّارِ،
(١) هو: سعيد بن أحمد بن محمد بن نُعيم بن إشكاب النيسابوري، المعروف بالعَيَّر. انظر ترجمته في ((السير))
للذهبي ٨٨/١٨.
(٢) وروى هذا الأثر أيضاً ابنُ سعد في ((طبقاته) ٢٦٩/٨، لكن وقع في المطبوع: آمنة بنت عفّان، مع أن ابن نقطة لما
ضبطه عزاهُ إلى ((طبقات ابن سعد))، وقال: نقلته مجوّداً من خط الحافظ أبي الفضل محمد بن ناصر. ((الإكمال))
لابن نقطة ٤/ ١٨١.

٩
باب ١ / ح ٥٢٥١
كتاب الطلاق
فأمَرَه أن يُراجِعها، الحديث(١)، وهذا الإسناد على شرط الشَّيخَين، ويونس شيخ أحمدَ: هو
ابن محمَّد المؤَدِّب من رجالهما، وقد أخرجه الشَّيخان(٢) عن قُتَيبة عن اللَّيث، ولكن لم تُسمَّ
عندهما، ويُمكِن الجمع بأن يكون اسمُها آمِنة، ولقبُها النَّوّار.
قوله: (وهي حائض)) في رواية قاسم بن أصبَغ(٣) من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن
نافع، عن ابن عمر: أنَّه طَلَّقَ امرأته وهي في دمها حائضٌ. وعند البيهقيِّ (٣٢٦/٧) من طريق
ميمون بن مهرانَ عن ابن عمر: أنَّه طَلَّقَ امرأته في حيضها.
قوله: ((على عَهْد رسول الله وَلَ)) كذا في رواية مالك، ومثله عند مسلم (١٤/١٤٧١)
من رواية أبي الزُّبَير عن ابن عمر، وأكثر الرُّواة لم يَذكُرُوا ذلك استغناءً بما في الخبر أنَّ عمرَ
سألَ عن ذلك رسولَ الله وَّه فاستَلزَمَ أنَّ ذلك وَقعَ في عَهْده، وزاد اللَّيث عن نافع:
تطليقةً واحدةً. أخرجه مسلم (١/١٤٧١)، وقال في آخره: جَوَّدَ اللَّيث في قوله: تطليقةً
واحدة. انتهى، وكذا وَقعَ عند مسلم (٧/١٤٧١) من طريق محمَّد بن سِيرِين قال: مَكَثْتُ
عشرينَ سنةً يُحدِّثْني مَن لا أنَّهم: أنَّ ابنَ عمر طَلَّقَ امرأته ثلاثاً وهي حائض، فَأُمِرَ أن يُراجِعَها،
فكنتُ لا أَتَهَمُهم ولا أعرِفُ وجهَ الحديثَ، حتَّى لَقِيتُ أبا غَلّاب يونسَ بن جُبِير، وكان ذا
ثَبَتٍ، فحدَّثني أنَّه سألَ ابن عمر فحدَّثه: أنَّه طَلَّقَ امرأته تطليقةً وهي حائض. وأخرجه
الدّارَ قُطنيُّ (٣٩١٨) والبيهقيُّ (٧/ ٣٢٦) من طريق الشَّعبيّ قال: طَلَّقَ ابن عمر امرأته وهي
حائض واحدةً. ومن طريق عطاء الخُراسانيّ (٧/ ٣٣٠) عن الحسن عن ابن عمر: أنَّه طَلَّقَ
امرأته تطليقةً وهي حائضٌ.
قوله: ((فسألَ عمرُ بن الخطّاب رسولَ الله وَلِّ عن ذلك)) في رواية ابن أبي ذِئْب عن نافع: فأتى
عمرُ النبيَّ ◌َّ فذكر له ذلك، أخرجه الدّارَ قُطنيُّ (٣٩١٠)، وكذا سيأتي للمصنِّ (٥٢٥٨) من
(١) هو في ((مسند أحمد)) (٦٠٦١) بالإسناد المذكور بلفظه لكن من دون تسمية المرأة، وقد سبق الحافظ إلى نسبة ذلك
للمسند ابنُ الملقن في ((البدر المنير)) ٧١/٨!
(٢) البخاري (٥٣٣٢)، ومسلم (١٤٧١) (١).
(٣) ومن طريقه أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٥٤/١٥، لكن قال فيه: عن نافع ومحمد بن قيس عن
عبد الله بن عمر.

١٠
باب ١ / ح ٥٢٥١
فتح الباري بشرح البخاري
رواية قَتَادة عن يونس بن جُبَير عن ابن عمر، وكذا عند مسلم (٩/١٤٧١) من رواية
يونس بن عُبيد، عن محمَّد بن سِيرِين، عن يونس بن جُبَير، وكذا عنده في رواية طاووسٍ
(١٣/١٤٧١) عن ابن عمر، وكذا في رواية الشَّعبيّ المذكورة، وزاد فيه الزُّهْريُّ في روايته
كما تقدَّم في التَّفسير (٤٩٠٨) عن سالم: أنَّ ابن عمر أخبَرَه، فَتَغيَّظَ فيه رسول اللهعَ ل﴾. ولم أرَ هذه
الزّيادة في رواية غير سالم، وهو أجَلَّ مَن روى الحديث عن ابن عمر، وفيه إشعار بأنَّ الطَّلاق في
الحيض كان تقدَّم النَّهيُ عنه، وإلّا لم يقع التغيُّظ على أمرٍ لم يَسْبِقِ النَّهيُ عنه.
ولا يُعكِّر على ذلك مُبادَرة عمر بالسُّؤال عن ذلك، لاحتمال أن يكون عَرَفَ حُكم الطَّلاق
في الحيض وأنَّه مَنهيٌّ عنه، ولم يَعرِف ماذا يصنع مَن وَقَعَ له ذلك.
قال ابن العربيّ: سؤال عمرَ مُحْتَمِلٌ لأن يكون أنَّهم لم يَرَوْا قبلَها مِثْلَها فسألَ ليَعلَمَ،
ويحتمل أن يكون لمَّا رأى في القرآن قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِرَ﴾ وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ
٣٤٨/٩ بِأَنفُسِهِنَّ ثَثَةَ / قُرُوْءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أراد أن يعلم أنَّ هذا قُرْءٌ أم لا؟ ويحتمل أن يكون سمعَ
من النبيِّ ◌َّهِ النَّهيَ، فجاء ليسألَ عن الحُكم بعدَ ذلك.
وقال ابن دَقِيق العيد: وتَغيُّظُ النبيِّ ◌َِّ إمَّا لأنَّ المعنى الذي يقتضي المنعَ كان ظاهراً،
فكان مُقتَضَى الحال التثُبُّت في ذلك، أو لأنّه كان مُقتَضَى الحال مُشاوَرة النبيِّ وَّ في ذلك إذا
عَزَمَ علیه.
قوله: ((مُرْهُ فلْيُراجِعْها)) قال ابن دقيق العيد: يَتَعلَّق به مسألةٌ أُصوليّةٌ، وهي أنَّ الأمر بالأمرِ
بالشّيءٍ هل هو أمرٌ بذلك أم لا؟ فإنَّه ◌َلِ قال لعمر: ((مُرْهُ))، فأمَرَه بأن يأمرَه.
قلت: هذه المسألة ذكرها ابنُ الحاجب فقال: الأمرُ بالأمرِ بالشّيءٍ ليس أمراً بذلك الشّيء،
لنا: لو كان لكان: مُرْ عبدَك بكذا تَعَدّياً، ولَكان يُناقض قولَك للعبد: لا تَفْعَل. قالوا: فُهِمَ ذلك
من أمر الله رسُولَه(١)، ومن قول الملِك لوزيره: قل لفلانٍ: افعَلْ. قلنا: للعلم بأنَّه مُبلِّغ.
(١) وقع في الأصلين و(س): ورسوله، بالعطف، وهو خطأ، والمراد: أمر الله لرسوله بأن يأمر. هذا ما يقتضيه المقام.
وانظر ((مختصر ابن الحاجب)) المطبوع مع شرحه (بيان المختصر)) لشمس الدين الأصفهاني ٢/ ٧٤.

١١
باب ١ / ح ٥٢٥١
كتاب الطلاق
قلت: والحاصل أنَّ النَّفَيَ إنَّما هو حيثُ تَجَرَّدَ الأمرُ، وأمَّا إذا وُجِدَت قَرِينةِ تَدُلّ على أنَّ
الآمِرِ الأوَّلَ أمَرَ المأمورَ الأوَّلَ أن يُبلِّغ المأمورَ الثّاني فلا، وينبغي أن يُنَزَّلَ كلام الفريقَينِ على هذا
التَّفصیل، فیرتَفِع الخلاف.
ومنهم مَن فَرَّقَ بين الآمِرِينِ، فقال: إن كان الآمر الأوَّل بحيثُ يَسُوغُ له الحُكمُ على
المأمور الثّاني، فهو آمِرٌ له وإلّا فلا، وهذا قويٌّ، وهو مُستَفادٌ من الدَّليل الذي استَدَلَّ به ابن
الحاجب على النَّفي، لأنَّه لا يكون متعدّياً إلّا إذا أمَرَ مَن لا حُكمَ له عليه، لئلا يصيرَ
مُتَصَرِّفاً في مِلك غيره بغير إذنه، والشّارع حاكمٌ على الآمِر والمأمور، فوُجِدَ فيه سُلطان
التَّكليف على الفريقَين، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ﴾ [طه: ١٣٢]، فإنَّ كلَّ أحد
يَفهم منه أمرَ الله لأهلِ نَبِّهِ (١) بالصلاة. ومثلُه حديث الباب، فإنَّ عمر إنَّما اسْتَفْتَى النبيَّ وَّ
عن ذلك ليَمتَثِلَ ما يأمرُه به ويُلزِمَ ابنَه به، فمَن مَثَّلَ بهذا الحديث لهذه المسألة فهو غالطٌ،
فإنَّ القَرِينَةَ واضحةٌ في أنَّ عمر في هذه الكائنة كان مأموراً بالتَّبليغ، ولهذا وَقعَ في رواية
أيوب عن نافع: «فأمره أن يُراجعها»، وفي رواية أنس بن سِیرین ویونس بن جُبير وطاووسٍ
عن ابن عمر. وفي رواية الزُّهْريِّ عن سالم: «فليُراجِعْها»، وفي روايةٍ لمسلمٍ (١٤٧١/ ٤):
((فراجَعَها عبدُ الله كما أمَرَه رسول الله وَلَ))، وفي رواية أبي الزّبَير عن ابن عمر ((ليُراجِعْها))،
وفي رواية اللَّيث عن نافع عن ابن عمر: ((فإِنَّ النّبِيّ ◌َّ أَمَرَني بهذا)). وقد اقتَضَى كلام سُلَيم
الرَّازيّ(٢) في ((التَّقريب)): أنَّه يجب على الثّاني الفِعلُ جَزْماً، وإنَّما الخلاف في تسميته آمِراً، فَرَجَعَ
الخلاف عنده لفظياً.
وقال الفخر الرَّازيّ في ((المحصول)): الحقُّ أنَّ الله تعالى إذا قال لزيدٍ: أوجَبتُ على عَمْرو
كذا، وقال لعَمِرٍو: كلَّ ما أَوجَبَ عليك زيدٌ، فهو واجبٌ عليك، كان الأمر بالأمرِ بالشَّيءٍ أمراً
بالشَّيءٍ.
(١) تحرف في (س) إلى: بيته.
(٢) وهو سُليم بن أيوب الرازي أبو الفتح، فقيه أصولي، له ترجمة في ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي في قسم
الأسماء .

١٢
باب ١ / ح ٥٢٥١
فتح الباري بشرح البخاري
قلت: وهذا يُمكِن أن يُؤخَذ منه التَّفرِقةُ بين الأمر الصّادِر من رسول الله وَالال ومن
غيره، فمهما أمَرَ الرَّسول أحداً أن يأمر به غيرَه وجَبَ، لأنَّ الله أوجَبَ طاعتَه، وهو
أو جَبَ طاعةَ أميره، كما ثَبَتَ في ((الصَّحيح))(١): ((مَن أطاعَني فقد أطاعَ الله، ومَن أطاعَ
أميري فقد أطاعَني))، وأمَّا غيره ثمّن بعدَه فلا، وفيهم تظهرُ صورة التعدِّي التي أشارَ
إليها ابن الحاجب.
وقال ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يُتَرَدَّد في اقتضاء ذلك الطَّلَب، وإنَّما ينبغي أن يُنظَر في أنَّ
لوازم صيغة الأمر، هل هي لوازم صيغة الأمر بالأمرِ أو لا؟ بمعنى أنَّهما [هل] (٢) يَستَويان في
الدّلالة على الطََّب من وجه واحد أو لا؟
قلت: وهو حَسنٌ، فإنَّ أصل المسألة التي انبَنَى عليها هذا الخلاف حديث: ((مُرُوا أولادكم
بالصلاة لسبع)(٣)، فإنَّ الأولاد ليسوا بمُكلَّفِينَ، فلا يَتَّجِه عليهم الوُجوبُ، وإنَّما الطَّلَب مُتَوَجِّه
على أوليائهم أن يُعلِّموهم ذلك، فهو مطلوبٌ من الأولاد بهذه الطَّريق وليس مُساوياً للأمرِ
الأوَّل، وهذا إنَّما عَرَضَ من أمرٍ خارج، وهو امتناع تَوَجُّه الأمر على غير المكلّف، وهو بخلاف
القصّة التي في حديث الباب.
والحاصل أنَّ الخِطاب إذا تَوَجَّهَ لمُكلَّفٍ أن يأمرَ مُكلَّفاً آخَر بفِعلِ شيءٍ، كان المكلّف
الأوَّل مُبلِّغاً مَحْضاً، والثّاني مأمورٌ من قِبَل الشّارع،/ وهذا كقوله لمالك بن الحوَيرِث ٣٤٩/٩
وأصحابه: ((ومُروهم بصلاةِ كذا في حينِ كذا)»(٤)، وقوله لرسولِ ابنَتْهُ وََّ: «مُرْها فلتَصِرْ
ولْتَحْتسِبْ))(٥)، ونظائرُه كثيرة.
(١) البخاري برقم (٢٩٥٧)، ومسلم برقم (١٨٣٥) من حديث أبي هريرة ﴾
(٢) ما بين المعقوفين من ((إحكام الأحكام)) ١ / ٤٠٤، وسقط من الأصلين و(س) ولا بدَّ منه في هذا السياق.
(٣) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٦٦٨٩)، وأبو داود (٤٩٥) و(٤٩٦) من طريق سوَّار بن داود عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جدِّه. وإسناده حسن.
(٤) سيأتي عند المصنف برقم (٦٠٠٨) بلفظ: ((ارجعُوا إلى أهليكم، فعلِّموهم ومُروهم، وصَلُّوا كما رأيتموني
اُصلّ .. )).
(٥) سلف برقم (١٢٨٤).

١٣
باب ١ / ح ٥٢٥١
كتاب الطلاق
فإذا أمَرَ الأوَّلُ الثّانيَ بذلك فلم يَمتَئِلْه كان عاصياً، وإن تَوَجَّهَ الخِطاب من الشّارع
المُكلَّفٍ أن يأمر غيرَ مُكلَّفٍ، أو تَوَجَّهَ الخِطاب من غير الشّارع بأمرٍ مَن له عليه الأمرُ أن
يأمر مَن لا أمرَ للأوَّل عليه، لم يكنِ الأمرُ بالأمرِ بالشَّيءٍ أمراً بالشَّيءٍ، فالصّورة الأُولى هي
التي نَشَأَ عنها الاختلاف، وهو أمر أولياء الصِّبيان أن يأمروا الصِّبيان، والصُّورة الثّانية
هي التي يُتُصَوَّر فيها أن يكون الأمر متعدّياً بأمره للأوَّل أن يأمر الثّاني، فهذا فَصْل الخِطاب
في هذه المسألة، والله المستعان.
واختلف في وُ جوب المراجعة، فذهب إليه مالٌ وأحمد في روايةٍ، والمشهور عنه - وهو
قول الجمهور - أنَّهَا مُستَحَبّة، واحتَجُّوا بأنَّ ابتداءَ النِّكاح لا يجب، فاستدامتُه كذلك.
لكن صَحَّحَ صاحب ((الهداية))(١) من الحنفيّة أنَّها واجبة. والحُجّة لمَن قال بالوُجوب
وُرود الأمر بها.
ولأنَّ الطَّلاق لمَّا كان مُحُرَّماً في الحيض كانت استدامة النِّكاح فيه واجبةً، فلو تَمَادَى الذي
طَلَّقَ في الحيض حتَّى طَهُرَت، قال مالكٌ وأكثرُ أصحابه: يُحِبَرَ على الرَّجعة أيضاً. وقال أشھَب
منهم: إذا طَهُرَت انتهى الأمر بالرَّجعة، واتَّفَقوا على أنَّه إذا انقَضَت عِدَّتُها أن لا رَجْعَةَ، وأَنَّه لو
طَلَّقَ في طُهرٍ قد مَسَّها فيه لا يُؤْمَرِ بِمُراجَعَتِها. كذا نَقَلَه ابن بَطّالٍ وغيرُه.
لكنَّ الخلاف فيه ثابتٌ قد حكاه الخَّطيّ(٢) من الشافعيَّة وجهاً، واتَّفَقوا على أنَّه لو طَلَّقَ
قبلَ الدُّخول وهي حائض، لم يُؤْمَر بالمراجَعة إلّا ما نُقِلَ عن زُفَرَ، فطَرَدَ الباب (٣).
قوله: (ثُمَّ لُمْسِكْها)» أي: يَستَمِرَّ بها في عِصمته.
قوله: ((حتَّى تَطْهُرَ ثمَّ ◌َحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ)) في رواية عُبيد الله بن عمر عن نافع(٤): (ثُمَّ لَيَدَعْها
(١) هو عليّ بن أبي بكر بن عبد الجليل الفَرْغاني المَرْغِيناني، ترجم له الذهبي في ((السير)) ٢٣٢/٢١.
(٢) هو الحسين بن محمد بن عبد الله، أبو عبد الله الحنّاطي الطبري، له ترجمة في ((طبقات الشافعية الكبرى))
للسبكي ٤ / ٣٦٧.
(٣) أي: جعل الكلام في المسألة مطرداً على باب واحدٍ.
(٤) عند مسلم برقم (١٤٧٠) (٢).

١٤
باب ١ / ح ٥٢٥١
فتح الباري بشرح البخاري
حتَّى تَطْهُر، ثمَّ تَحِيضَ حيضةً أُخرى، فإذا طَهُرَت فليُطلِّقْها))، ونحوه في رواية اللَّيث وأيوبَ
عن نافع(١)، وكذا عند مسلم من رواية عبد الله بن دينار (٦/١٤٧١)، وكذا عندهما من رواية
الزُّهْريِّ عن سالم(٢)، وعند مسلم (٥/١٤٧١) من رواية محمَّد بن عبد الرَّحمن عن سالم بلفظ:
((مُره فليُراجِعْها، ثمَّ ليُطلِقْها طاهراً أو حاملاً).
قال الشافعيّ: غيرُ نافع إنَّما روى: ((حتَّى تَطهُرَ من الحيضة التي طَلَّقَها فيها، ثمَّ إن شاءَ
أمسَكَ، وإن شاءَ طَلَّقَ)) رواه يونس بن جُبَير وأنس بن سِيرِين وسالم.
قلت: وهو كما قال، لكنَّ رواية الزّهْريِّ عن سالم موافقةٌ لرواية نافع، وقد نَبَّهَ على ذلك
أبو داود(٣)، والزّيادة من الثِّقة مقبولة ولا سيّما إذا كان حافظاً.
وقد اختُلِفَ في الحكمة في ذلك، فقال الشافعيّ: يحتمل أن يكون أراد بذلك - أي: بما
في رواية نافع - أن يَستَبِرِئها بعد الحيضة التي طَلَّقَها فيها بطُهرٍ تامٌّ، ثمَّ حيضٍ تامّ ليكونَ
تطليقُها وهي تعلم عِدَّتها، إمّا بحَملِ أو بحيضٍ، أو ليكونَ تطليقُها بعد عِلمه بالحَملِ وهو
غير جاهل بما صَنَعَ، أو(٤) يَرغَب فيُمسِكُ للحَملِ، أو لتكونَ إن كانت سألَت الطَّلاق غير
حامل أن تَكُفّ عنه.
وقيل: الحكمة فيه أن لا تصير الرَّجعة لغَرَضِ الطَّلاق، فإذا أمسَكَها زماناً يَحِلّ له فيه
طلاقُها ظَهَرَت فائدة الرَّجعة، لأنَّه قد يَطول مُقامُه معها، فقد يُجامعها فيذهب ما في نَفِسه
من سببٍ طلاقِها فيُمسِكُها.
وقيل: إنَّ الطُّهر الذي يَلي الحيضَ الذي طَلَّقَها فيه كقُرْءٍ واحد، فلو طَلَّقَها فيه لكان كمَن
طَلَّقَ في الحيض، وهو يُمْتَنَعٌ من الطَّلاق في الحيض، فلَزِمَ أن يَتأخّر إلى الطُّهر الثّاني.
(١) ستأتي رواية الليث برقم (٥٣٣٢)، ورواية أيوب عند مسلم برقم (١٤٧١) (٣).
(٢) عند البخاري برقم (٤٩٠٨) و(٧١٦٠)، وعند مسلم برقم (١٤٧١) (٤).
(٣) في ((سننه)) بإثر الحديث (٢١٨٥).
(٤) تحرف في (أ) و(س) إلى: إذ، وفي (ع) إلى: أن. وانظر ((السنن الكبرى)) للبيهقي ٣٣١/٧، و((معرفة السنن)) له
أيضاً (١٤٦٥٥).

١٥
باب ١ / ح ٥٢٥١
كتاب الطلاق
واختُلِفَ في جواز تَطليقها في الطُّهر الذي يَلي الحيضة التي وَقَعَ فيها الطَّلاق والرَّجعة.
وفيه للشّافعيَّة وجهان، أصحُهما: المَنْعُ، وبه قَطَعَ المُتَولِي(١)، وهو الذي يقتضيه ظاهر
الزّيادة التي في الحديث. وعِبارة الغَزاليّ في ((الوسيط)) وتَبَعَه مُجَلِّ(٢): هل يجوز أن يُطلِّق في هذا
الطُّهر؟ وجهان. وكلام المالكيَّة يقتضي أنَّ التَّأخير مُستَحَبّ.
وقال ابن تَيميََّ في ((المحَرَّر)»: ولا يُطلِّقها في الطُّهر المتعَقِّب له، فإنَّه بِدْعٌ. وعنه - أي: عن
أحمدَ -: جواز ذلك.
٣٥٠/٩
وفي كتب الحنفيّة عن / أبي حنيفة: الجوازُ. وعن أبي يوسف ومحمَّد: المنعُ.
ووجه الجواز: أنَّالتَّحريم إنَّما كان لأجلِ الحيض، فإذا طَهُرَت زالَ مُوجِب التَّحريم، فجازَ
طلاقُها في هذا الطُّهر كما يجوز في الطُّهر الذي بعدَه، وكما يجوز طلاقُها في الطَّهر إن لم يَتقدَّم
طلاقٌ في الحيض.
وقد ذَكَرنا حُجَج المانعينَ، ومنها أنَّه لو طَلَّقَها عَقِب تلكَ الحيضة كان قد راجَعَها
ليُطلِّقها، وهذا عكْسُ مقصود الرَّجعة، فإنَّهَا شُرِعَت لإيواءِ المرأة، ولهذا سَمّاها إمساكاً،
فأمَرَه أن يُمسِكها في ذلك الطُّهر، وأن لا يُطلِّق فيه حتَّى تَحِيضَ حَيضةً أُخرى ثمَّ تَطْهُر،
لتكونَ الرَّجعة للإمساكِ لا للطَّلاق، ويُؤيِّد ذلك أنَّ الشّارعِ أكَّدَ هذا المعنى حيثُ أمَرَ بأن
يُمسِكها في الطُّهر الذي يَلي الحيضَ الذي طَلَّقَها فيه، لقولِه في رواية عبد الحميد بن جعفر:
(مُرِه أن يُراجِعها فإذا طَهُرَت مَسَّها(٣) حتَّى إذا طَهُرَت أُخرى، فإن شاءَ طَلَّقَها، وإن شاءَ
أمسَكَها)»، فإذا كان قد أمَرَه بأن يُمسِكها في ذلك الطُّهر، فكيف يُبيح له أن يُطلِّقها فيه؟
وقد ثَبَتَ النَّهيُ عن الطَّلاق في طُهرِ جامعَها فيه.
(١) هو عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري، أبو سعد المعروف بالمُتولِّ، انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)»
للذهبي ١٨/ ٥٨٥.
(٢) تحرف في (ع) إلى: الحليمي، ومُجَلِي: هو ابن جميع بن نَجا القرشي، شيخ الشافعية بمصر، انظر ترجمته في (سير
أعلام النبلاء)) ٣٢٥/٢٠.
(٣) تحرفت في (س) إلى: أمسكها.

١٦
باب ١ / ح ٥٢٥١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ثُمَّ إن شاءَ أمسَكَ بَعدُ، وإن شاءَ طَلَّقَ قبلَ أن يَمَسَّ)) في رواية أيوب: ((ثُمَّ يُطلِّقها
قبل أن يَمَسَّها))، وفي رواية عُبيد الله بن عمر: ((فإذا طَهُرَت فليُطلِّقها قبل أن يُجامعَها أو
يُمسِكْها))، ونحوه في رواية اللَّيث، وفي رواية الزُّهْريِّ عن سالم: ((فإن بدا له أن يُطلِّقها
فليُطلِّقْها طاهراً قبلَ أن يَمَسَّها))، وفي رواية محمَّد بن عبد الرّحمن عن سالم: ((ثُمَّ ليُطلِّقها
طاهراً أو حاملاً)).
وَمَسَّكَ بهذه الزّيادة مَن استَثَنَى من تحريم الطَّلاق في طُهرِ جامَعَ فيه ما إذا ظَهَرَ الحَمل،
فإنَّه لا يَحِرُم. والحكمة فيه أنَّه إذا ظَهَرَ الحَمل فقد أقدم على ذلك على بَصِيرة، فلا يَندَم على
الطَّلاق، وأيضاً فإنَّ زمن الحَمْل زمنُ الرَّغبة في الوَطْء، فإقدامُه على الطَّلاق فيه يدلّ على
رغبته عنها، ومَحَلُّ ذلك أن يكون الحمل من المطلِّق، فلو كان من غيره بأن نَكَحَ حاملاً
من زِنَّى ووَطِئَها ثمَّ طَلَّقَها، أو وُطِئَت مَنكوحةٌ بشُبهةٍ ثمَّ حَمَت منه فطَلَّقَها زوجُها، فإِنَّ
الطَّلاق يكون بِدْعيّاً، لأنَّ عِدّة الطَّلاق تقع بعدَ وَضْع الحَمل والنَّقَاءِ من النِّفاس، فلا تُشرَع
عَقِب الطَّلاق في العِدّة كما في الحامل منه.
قال الخطّبيُّ: في قوله: ((ثُمَّ إن شاءَ أمسَكَ، وإن شاءَ طَلَّقَ)) دليلٌ على أنَّ مَن قال لزوجتِه
وهي حائض: إذا طَهُرتِ فأنتِ طالق، لا يكون مُطلِّقاً للسُّنّة، لأنَّ المطلِّق للسُّنّة هو الذي
يكون مُخيَّراً عند وقوع طلاقهِ بين إيقاع الطَّلاق وتَرْكِه.
واستدِلَّ بقولِه: ((قبلَ أن يَمَسَّ)) على أنَّ الطَّلاق في طُهرٍ جامَعَ فيه حرامٌ، وبه صَرَّحَ الجمهور،
فلو طَلَّقَ هل يُحِبّر على الرّجعة كما يُحِبَرَ عليها إذا طَلَّقَها وهي حائض؟
طَرَدَه بعضُ المالكيَّة فيهما، والمشهور عنهم إجبارُه في الحائض دُون الطاهر، وقالوا فيما
إذا طَلَّقَها وهي حائض: يُحِبَ على الرَّجْعة، فإن امتَنَعَ أدَّبه الحاكم، فإن أصَرَّ ارتَجَعَ الحاكم
عليه، وهل يجوز له وطؤُها؟ بذلك روايتان لهم أصحُّهما الجوازُ.
وعن داودَ: يُحْبَرَ على الرَّجعة إذا طَلَّقَها حائضاً، ولا يُحِبَ إذا طَلَّقَها نُفَساءَ، وهو
◌ُود.

١٧
باب ١ / ح ٥٢٥١
كتاب الطلاق
ووَقَعَ في رواية مسلم (٥/١٤٧١) من طريق محمَّد بن عبد الرَّحمن مولى آل طلحة عن سالم
عن ابن عمر: ((ثُمَّ ليُطلِّقْها طاهراً أو حاملاً))، وفي روايته (١٤٧١ / ٤) من طريق ابن أخي
الزُّهْريِّ عن الزُّهْريِّ: «فإن بدا له أن يُطلِّقَها فليُطلِّقْها طاهراً من حَيضَتِها».
واختَلَفَ الفقهاء في المراد بقوله: ((طاهراً)) هل المراد به انقطاعُ الدَّم أو التطهُّرُ بالغُسلِ؟
على قولَين، وهما روايتان عن أحمد، والرَّاجح الثّاني، لِمَا أخرجه النَّسائيُّ (٣٣٩٦) من
طريق مُعتَمِر بن سليمان، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع في هذه القصَّة قال: ((مُرْ عبدَ الله
فليُراجِعْها، فإذا اغتَسَلَت [فلْيَتْرُكُها حتَّى تَحِيضَ، فإذا اغتسلت](١) من حيضَتها الأُخرى فلا
يَمَسَّها حتَّى يُطلِّقَها، وإن شاءَ أن يُمسِكَها فليُمسِكْهَا))، وهذا مُفسِّرٌ لقولِهِ: ((فإذا طَهُرَت))
فليُحمَل عليه. ويَتَفَرَّع من هذا أنَّ العِدّة هل تَنْقَضي بانقطاع الدَّم وتَرتَفِعِ الرَّجعة، أو لا بدَّ
من الاغتسال؟ فيه خلاف أيضاً.
والحاصل أنَّ الأحكام المرتَّبة على الحيض نوعان:
الأوَّل: يَزول بانقطاع الدَّم كَصِحّة الغُسل والصَّوم وتَرَقُّبِ الصلاة في الذِّمّة.
الثّاني: لا يَزول إلّا بالغُسلِ كَصِحّة الصلاة والطَّوافِ، وجواز اللُّبث في المسجد، فهل ٣٥١/٩
يكون الطَّلاق من النَّوع الأوَّل أو من الثّاني؟ وَسَّكَ بقولِه: ((ثُمَّ ليُطلِّقها طاهراً أو حاملاً))
مَن ذهب إلى أنَّ طلاق الحامل سُنّيٌّ، وهو قول الجمهور، وعن أحمد رواية: أنَّه ليس بسُنّيّ
ولا بدعيّ.
قوله: ((فتلكَ العِدّة التي أُمَرَ اللهُ أن تُطلَّق لها النِّساءُ)) أي: أَذِنَ، وهذا بيانٌ لمُراد الآية،
وهي قوله تعالى: ((﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَ﴾ [الطلاق: ٢]. وصَرَّحَ
مَعمَر في روايته عن أيوب عن نافع بأنَّ هذا الكلام عن النبيِّ وٍَّ(٢). وفي رواية أبي الزُّبَير عند
(١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، وقد استدركناه من ((المجتبى))، وهو كذلك عند الدار قطني
في «السنن» (٣٩٠٤) من الطريق المذكورة.
(٢) أخرجها عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٠٩٥٤)، ووقع نحو ذلك في رواية إبراهيم بن سعد عن صالح عن
نافع عند الدار قطني في ((سننه)) (٢٢).

١٨
باب ٢ / ح ٥٢٥٢ - ٥٢٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
مسلم (١٤/١٤٧١) قال ابن عمر: وقرأ النبيُّ وَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ في
قُبُلٍ عِدَّتِهِنَّ(١)﴾ الآية [الطلاق: ١].
واستَدَلَّ به مَن ذهب إلى أنَّ الأقراء أطهارٌ للأمرِ بطلاقها في الطُّهر، وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَّ﴾، أي: وقتَ ابتداء عِدَّتِنَّ، وقد جَعَلَ للمُطلَّقة تَرَبُّص ثلاثة قُروء، فلمَّا نَهَى
عن الطَّلاق في الحيض وقال: إنَّ الطَّلاق في الطُّهر هو الطَّلاق المأذون فيه، عُلمَ أنَّ الأقراءَ
الأطهارُ، قاله ابن عبد البَرّ. وسأذكر بقيّة فوائد حديث ابن عمر في الباب الذي يَلي هذا إن
شاءَ الله تعالى.
٢ - باب إذا طُلِّقت الحائض تَعتدُّ بذلك الطّلاق
٥٢٥٢- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ عن أنسِ بنِ سِيرِينَ، قال: سمعتُ ابنَ
عمرَ: أنه طَلَّقَ امرأتَه وهي حائضٌ، فَذَكَر عمرُ لِلنبيِّ نَّه فقال: ((لِيُراجِعْها)) قلتُ: تُحْتَسَبُ؟
قال: فمَهْ؟
وعن قَتَادةَ، عن يونُسَ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عمرَ قال: ((مُرْهُ فَلْيُراجِعْها)» قلتُ: تُحْتَسَبُ؟ قال:
أَرْأَيْتَه إن عَجَزَ واستَحمَقَ.
٥٢٥٣ - حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ
عمرَ قال: حُسِبَت عليَّ بِتَطْلِيقةٍ.
قوله: (باب إذا طُلِّقَت الحائضُ تَعْتَدُّ بذلك الطَّلاق)) كذا بَتَّ الحُكمَ بالمسألة، وفيها خلافٌ
قديم عن طاووسٍ وعن خِلَاسِ بن عَمْرو وغيرهما: أنَّه لا يقع، ومن ثَمَّ نَشَأ سؤالُ مَن سألَ
ابنَ عمرَ عن ذلك.
قوله: ((شُعْبة عن أنس بن سِيرِينَ قال: سمعت ابنَ عمر: أنه طَلَّقَ امرأته وهي حائض، فذكر
ذلك عمرُ للنبيِّ وَّهِ فقال: لِيُراجِعْها. قلت: تُحْتَسَب؟ قال: فَمَهْ؟)) القائل: قلت: هو أنس بن
(١) وقع في (ع): ﴿فَطَلِقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ﴾ بدل ((في قُبل عِدَّتهن))، وسقط من (أ) و(س)، وقد تقدم ذكر هذه الرواية
على الصواب في شرح ترجمة هذا الباب وفاقاً لما في ((صحيح مسلم)).

١٩
باب ٢ / ح ٥٢٥٢- ٥٢٥٣
كتاب الطلاق
سِيرِين، والمقُول له ابنُ عمر، بيَّن ذلك أحمدُ (٥٤٨٩) في روايته عن محمَّد بن جعفر عن شُعْبة،
وكذا أخرجه مسلم (١٢/١٤٧١) من طريق محمَّد بن جعفر، وقد ساقَه مسلم (١١/١٤٧١) من
طریق عبد الملك بن أبي سليمان عن ابن سیرین مُطوَّلاً كما سأذكره بعد ذلك.
قوله: (وعن قتادة، عن يونس بنِ جُبیر)» هو معطوف على قوله: عن أنس بن سِیرین، فهو
موصولٌ، وهو من رواية شُعْبة عن قَتَادة، وقد أفرَدَه مسلم (١٠/١٤٧١) من رواية محمَّد بن
جعفر، عن شُعبة، عن قتادة: سمعت يونس بن جُبیر.
قوله: ((عن ابن عمر قال: مُرْهُ فَلْيُراجِعْها)» هكذا اختَصَرَه، ومُراده أنَّ يونس بن جُبير حكى
القصَّة نحو ما ذَكرها أنس بن سِيرِين سوى ما بيَّن من سياقه.
قوله: ((قلت: تُحْتَسَبُ؟)) هو بضمٌّ أوَّله، والقائل: هو یونس بن جُبیر.
قوله: ((قال: أرأَيْتَه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: أرأيت(١) ((إن عَجَزَ واستَحمَقَ)) وقد اختَصَرَه
البخاريُّ اكتِفاءً بسياق أنس بن سِيرِين، وقد ساقَه مسلم (١٤٧١/ ١٠) حيثُ أفرَدَه، ولفظُه: / ٣٥٢/٩
سمعت ابنَ عمر يقول: طَلَّقتُ امرأتي وهي حائض، فأتى عمرُ النبيَّ ◌َّفذكر ذلك له فقال:
(ليُراجِعْها، فإذا طَهُرَت فإن شاءَ فليُطلِّقها)) قال: قلت لابنِ عمر: أَفتحتَسبُ بها؟ قال: ما
يَمنَعُه؟ أرأيتَ إن عَجَزَ واستَحمَقَ.
وقال أحمدُ (٥٠٢٥): حدَّثنا محمَّد بن جعفر وعبد الله بن بكرٍ(٢) قالا: حدَّثنا شُعْبة(٣)، فذكره
(١) هذا عكس ما جاء في اليونينية، حيث نسب هذه الرواية لغير الكُشمِيهني، وأن رواية الكُشميهني: أرأيته! فلعل
ما حصل هنا سبق قلم من الحافظ أو من بعض النُسَّاخ، ويؤيده أن الحافظ سيذكره قريباً على وفق رواية
الأكثر: أرأيت، بحذف الضمير.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: ((بكير)) بالتصغير. وعبد الله بن بكر: هو ابن حبيب السَّهْمي.
(٣) كذا وقع في الأصلين و(س): شُعبة، ووقع في ((مسند أحمد)» بتحقيقنا: سَعِيد، وهو الصواب، وما وقع هنا
تحريف عنه، لأن هذا اللفظ المذكور إنما هو لسعيد بن أبي عروبة وليس لشعبة، وقد أخرجه من طريق سعيد
ابن أبي عروبة أبو جعفر بن البختري في ((المنتقى من السادس عشر من حديثه)) مطبوع ضمن مجموع برقم
(٧٥١)، وأخرجه كذلك أبو طاهر المخلّص في الرابع من ((المخلصيات)) (٧٥٤) باللفظ المذكور تماماً، وقد
رواه أيضاً محمد بن جعفر عن شعبة، لكن بلفظ مغاير لهذا اللفظ، وروايته عند مسلم (١٤٧١) (١٠).
والنسائي في ((الكبرى)) (٥٧١٨).

٢٠
باب ٢ / ح ٥٢٥٢-٥٢٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
أتمَّ منه، وفي أوَّله: أنَّه سألَ ابن عمر عن رجل طَلَّقَ امرأته وهي حائضٌ؛ وفيه: فقال: ((مُرْهُ
فليُراجِعْها، ثمَّ إِن بَدَا له طلاقُها طَلَّقَها في قُبُل ◌ِدَّتها وفي قُبُل طُهرِها)). قال: قلت لابنِ عمر:
أَفْتَحتسِبُ طلاقَها ذلك طلاقاً؟ قال: نعم، أرأيتَ إن عَجَزَ واستَحمَقَ؟
وقد ساقَه البخاريّ في آخر الباب الذي بعد هذا (٥٢٥٨) نحو هذا السّياق من رواية همَّام،
عن قَتَادة بطُولِه، وفيه: قلت: فهل عُدَّ ذلك طلاقاً؟ قال: أرأيتَ إن عَجَزَ واستَحمَقَ؟ وسيأتي
في أبواب العِدَد في ((باب مُراجَعة الحائض)) (٥٣٣٣) من طريق محمَّد بن سِيرِين عن يونس بن
◌ُبَير مختصراً، وفيه: قلت: فَتَعَتَّ بتلكَ التَّطليقة؟ قال: أرأيتَ إن عَجَزَ واستَحمَقَ؟
وأخرجه مسلم (٩/١٤٧١) من وجهٍ آخَر عن محمَّد بن سِيرِين مُطوَّلاً، ولفظُه: فقلت له:
إذا طَلَّقَ الرَّجل امرأته وهي حائض أَيُعتَدُّ بتلكَ التطليقة؟ قال: فَمَهْ؟ أَوَ إِن عَجَزَ واسْتَحمَقَ.
وفي رواية له (٧/١٤٧١): فقلت: أفَحُسِبَتْ عليه. والباقي مِثله.
وقوله: ((فَمَهْ؟)) أصلُه: فما، وهو استفهامٌ فيه اكتفاء، أي: فما يكون إن لم تُحْتَسَب، وتحتمل
أن تكون الهاء أصليّة وهي كلمة تُقال للزَّجر، أي: كُفَّ عن هذا الكلام، فإنَّه لا بدَّ من وقوع
الطَّلاق بذلك. قال ابن عبد البَرّ: قول ابن عمر: ((فَمَهْ)) معناه: فأيُّ شيءٍ يكون إذا لم يُعَدّ
بها؟ إنكاراً لقولِ السائل: ((أيُعتَدُّ بها)) فكأنَّه قال: وهل من ذلك بُدُّ؟
وقوله: (أرأيتَ إن عَجَزَ واستَحمَقَ؟)) أي: إن عَجَزَ عن فَرْضٍ فلم يُقِمْهُ، أو استَحمَقَ فلم
يأتِ به، أيكون ذلك عُذراً لَه؟
وقال الخطَّبيُّ: في الكلام حذفٌ، أي: أَرأَيتَ إن عَجَزَ واسْتَحمَقَ، أَيُسقِطُ عنه الطَّلَاقَ حُقُه
أو يُبطِلُهُ عَجُزُه؟ وحُذِفَ الجواب لدلالة الكلام عليه.
وقال الكِرْمانيُّ: يَحتمل أن تكون ((إن)) نافية بمعنى ((ما))، أي: لم يَعجِز ابنُ عمَرَ ولا
استَحمَقَ، لأَنَّه ليس بطِفِلٍ ولا مجنون. قال: وإن كانت الرّواية بفتح ألِف ((أن)) فمعناه أظهَر.
والتاء من ((استَحمَقَ)) مفتوحةٌ، قاله ابن الخشَّاب، وقال: المعنى فَعَل فِعلاً يُصَيِّرُه أحمَقَ
عاجِزاً، فيُسقِطُ عنه حُكمَ الطَّلاق عَجْزُه أو حُقُه؟ والسِّين والتاء فيه إشارةٌ إلى أنَّه تَكلَّفَ الحُمق