Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ باب ١١٢ / ح ٥٢٣٤ كتاب النكاح قوله: ((باب ما يجوزُ أن يَخْلُوَ الرجلُ بالمرأةِ عند الناس)) أي: لا يَخْلُو بها بحيثُ تحتجِبُ أشخاصهما عنهم، بل بحيثُ لا يسمعونَ كلامَهما إذا كان بما يُحَافَت به كالشَّيءِ الذي تَستَحي المرأة من ذِكْره بين الناس. وأخَذَ المصنِّف قوله في التَّرجمة: ((عند الناس))، من قوله في بعض طرق الحديث: ((فخَلَا بها في بعض الطّرق أو في بعض السِّكَكِ))(١)، وهي الطّرق المسلوكة التي لا تَنفَكّ عن مُرور الناس غالباً. قوله: ((عن هشام)) هو ابن زيد بن أنس، وقد تقدَّم في ((فضائل الأنصار)) (٣٧٨٦) من طريق بَهْز بن أسَد عن شُعْبة: أخبرني هشام بن زيد، وكذا وَقَعَ في رواية مسلم (٢٥٠٩). قوله: ((جاءت امرأةٌ من الأنصار إلى النبيّ ◌َ ﴿)) زاد في رواية بهز بن أسَد: ومعها صبيٌّ لها فكَلَّمَها رسولُ الله ◌َّه. قوله: ((فخَلَا بها رسولُ اللهِوَّ) أي: في بعض الطُّرق، قال المهلَّب: لم يُرِدْ أنس أنَّه خَلا بها بحيثُ غابَ عن أبصار مَن كان معه، وإنَّمَا خَلَا بها بحيثُ لا يسمعُ مَن حَضَرَ شَكْواها ولا ما دار بينهما من الكلام، ولهذا سمعَ أنسٌُ آخر الكلام فتَقَلَه، ولم يَنقُل ما دار بينهما لأنَّه لم يسمعه. انتهى، ووَقَعَ عند مسلم (٧٦/٢٣٢٦) من طريق حمّاد بن سَلَمةَ عن ثابت عن أنس: أنَّ امرأة كان في عقلها شيء، قالت: يا رسول الله، إنَّ لي إليك حاجةً، فقال: ((يا أمَّ فلان، انظُري أيَّ السِّكَك شِئتِ حتَّى أقضي لك حاجتك»، وأخرج أبو داود (٤٨١٨) نحو هذا السّياق من طريق مُميدٍ عن أنس، لكن ليس فيه أنَّه كان في عَقْلها شيء. قوله: ((فقال: والله إنَّكم لَأحَبُّ الناس إليَّ)) زاد في رواية بهز: مرَّتَينٍ، وأخرجه في الأيمان والتُّذور (٦٦٤٥) من طريق وَهْب بن جَرِير عن شُعْبة بلفظ: ثلاث مرّات. وفي الحديث مَنقَبة للأنصار، وقد تقدَّم في فضائل الأنصار (٣٧٨٦) توجيهُ قوله: ((أنتم أحَبّ الناس إليَّ)، وقد تقدَّم فيه (٣٧٨٥) من حديث عبد العزيز بن صُهَيب عن أنس مِثلُ هذا اللَّفظ أيضاً في حديث آخر. (١) أخرجه مسلم (٢٣٢٦). ٦٦٢ باب ١١٣ / ح ٥٢٣٥ فتح الباري بشرح البخاري وفيه سَعَةُ حِلْمِه وتَواضُعه بََّ، وصَبْره على قضاء حوائج الصَّغير والكبير. وفيه أنَّ مُفاوَضة المرأة الأجنبيَّة سِرّاً، لا يَقدَح في الدِّين عند أَمْن الفتنة، ولكنَّ الأمر كما قالت عائشة: ((وأيّكم يَملِك إربَه كما كان نَّهِ يَملِك إربَه؟))(١). ١١٣ - باب ما ينهى من دخول المتشبّهين بالنّساء على المرأة ٥٢٣٥ - حدّثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا عَبْدةُ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أمِّ سَلَمَةَ، عن أمّ سَلَمَةَ: أنَّ النبيَّنَّهِ كان عندَها وفي البيتِ مُخَنَّثٌ، فقال المخَنَّثُ لأخي أمّ سَلَمَةَ عبدِ الله بنِ أبي أُميَّةَ: إن فتَحَ الله لكمُ الطّائِفَ غَداً أدُلُّكَ على ابنةِ غَيْلانَ، فإنََّا تُقْبِلُ بأربع وتُدْبِرُ بثمانٍ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((لا يَدخُلَنَّ هذا عليكُم)). قوله: ((بابُ ما يُنْهَى من دخولِ المتشَبّهين بالنِّساء على المرأةِ» أي: بغير إذنِ زوجِها، وحيثُ تكون مُسافرً مثلاً. قوله: ((حدَّثْنا عَبْدة)) هو ابن سليمان ((عن هشام)) هو ابن عُرْوة ((عن أبيه، عن زينب بنت أمّ سَلَمَةَ، عن أمّ سَلَمَةَ)) في رواية سفيان عن هشام في غزوة الطائف (٤٣٢٤): عن أمّها أمّ ٣٣٤/٩ سَلَمَةَ، هكذا قال أكثر أصحاب هشام بن عُرْوة، وهو المحفوظ، وسيأتي/ في اللِّباس (٥٨٨٧) من طريق زُهَير بن معاوية عن هشام: أنَّ عُرْوة أخبَرَه، أنَّ زينب بنت أمّ سَلَمةَ أخبَرَته، أنَّ أمّ سَلَمَةَ أخبَرَتها، وخالَفَهم حَمَّاد بن سَلَمةَ عن هشام فقال: عن أبيه عن عُمر ابن أبي سَلَمةَ (٢)، وقال مَعمَر: عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة (٣)، ورواه مَعمَر أيضاً عن الزُّهْريّ عن عُرْوة، وأرسَلَه مالك(٤) فلم يَذكُر فوق عُرْوة أحداً، أخرجها النَّسائيُّ (ك٩٢٠٢)، ورواية مَعمَر عن الزُّهْريِّ عند مسلم (٢١٨١) وأبي داود (٤١٠٧ و ٤١٠٨) أيضاً. (١) سلف عند البخاري برقم (٣٠٢). (٢) عند النسائي في ((الكبرى)) (٩٢٠٤). (٣) عند أبي داود (٤١٠٧)، وقرن معمرٌ في روايته بهشام الزهريّ. (٤) أي: عن هشام. ٦٦٣ باب ١١٣ / ح ٥٢٣٥ كتاب النكاح قوله: ((أنَّ النبيّ ◌َّ كان عندها وفي البيت)) أي: التي هي فيه. قوله: ((مُنَّث)) تقدَّم في غزوة الطائف أنَّ اسمه هِيتُ، وأنَّ ابن عُيَينةَ ذكره عن ابن جُرَيج بغير إسناد، وذكر ابن حبيب في ((الواضحة)) عن حَبيبٍ كاتب مالك قال: قلت لمالك: إنَّ سفيان بن عُيَينةَ زاد في حديث بنت غَيْلان أنَّ المخَنَّث هِيتٌ، وليس في كتابك هِيتٌ، فقال: صَدَقَ هو كذلكَ، وأخرج الجُوزَجانيُّ في ((تاريخه)) من طريق الزُّهْريِّ عن عليّ بن الحسين بن عليّ قال: كان مُنَّث يَدخُل على أزواج النبيّ وَّ يقال له: هِيت، وأخرج أبو يَعْلِى وأبو عَوَانة وابن حِبّان (٤٤٨٨) كلّهم من طريق يونس عن الزُّهْريِّ عن عُرْوة عن عائشة: أنَّ هِيتاً كان يَدخُل ... الحديث. وروى المستَغفِريّ من مُرسَل محمَّد بن المنكَدِر: أنَّ النبيّ وَّ نَفَى هِيتاً في كَلِمِتَيْنِ تَكلَّمَ بهما من أمر النِّساء، قال لعبد الرَّحمن بن أبي بكر: إذا افتَتَحتُم الطائف غَداً فعليك بابنة غَيْلان، فذكر نحو حديث الباب، وزادَ: ((اشتَدَّ غَضَبُ الله على قوم رَغِبوا عن خَلْق الله وتَشَبَّهوا بالنِّساءِ)). وروى ابن أبي شَيْبة والدَّورَقيّ(١) وأبو يَعْلى (٧٥٨) والبزَّار (١٠٨٣) من طريق عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه: أنَّ اسم المخَنَّث هِيت، أيضاً، لكن ذكر فيه قصّة أُخرَى. وذكر ابن إسحاق في ((المغازي)) أنَّ اسم المخنَّث في حديث الباب ماتِعٌ، وهو بمُثنّاةٍ وقيل: بنونٍ، فُرُويَ عن محمَّد بن إبراهيم التَّيْميِّ قال: كان معَ النبيّ وَّه في غزوة الطائف مَولَّى لخالَتِهِ فاختة بنت عَمْرو بن عائذٍ مُنَّث، يقال له: ماتع، يَدخُل على نساء النبيّ ◌َىالّه وَسَـ ويكون في بيته لا يرى رسولُ اللهِوَّ أنَّه يَفطُن لشيءٍ من أمر النِّساء ممّا يَفطُن له الرِّجال، ولا أنَّ له إرْبَةً في ذلك، فسمعَه يقول لخالد بن الوليد: يا خالد إن افتتحتُم الطائف، فلا تَنفَلِتَنَّ منك باديةُ بنت غَيْلان بن سَلَمَةَ، فإنَّهَا تُقبِل بأربع وتُدبِر بثمانٍ، فقال رسول الله وَل حين سمعَ ذلك منه: ((لا أُرَى هذا الخبيثَ يَفطُن لمَا أسمَع)) ثمَّ قال لنسائه: ((لا تُدخِلنَ هذا (١) ابن أبي شيبة في ((الأدب)) (٢١٧)، والدورقي في ((مسند سعد)) (٣٥). ٦٦٤ باب ١١٣ / ح ٥٢٣٥ فتح الباري بشرح البخاري عليكُنَّ)) فحُجِبَ عن بيت رسول الله بَّه. وحكى أبو موسى المدينيّ في كون ماتِعِ لَقَبَ هِيتٍ أو بالعكس أو أنَّهما اثنان خِلَافاً، وجَزَمَ الواقديُّ بالتَّعَدُّدِ فإنَّه قال: كان هيتٌ مولى عبد الله بن أبي أُميَّة، وكان ماتعٌ مولى فاختة، وذُكِرَ أنَّ النبيّ ◌ََّنَفَاهما معاً إلى الحِمَى. وذكر البَاوَرْدي في ((الصَّحابة)) من طريق إبراهيم بن مُهاجِر عن أبي بكر بن حفص: أنَّ عائشة قالت لمخنَّثٍ كان بالمدينة يقال له: أنَّة - بفتح الهمزة وتشديد النّون - ألا تَدُلّنا على امرأةٍ نَخطُبها على عبد الرَّحمن بن أبي بكر؟ قال: بَلَى، فوَصَفَ امرأة تُقبل بأربعٍ وتُدبر بثمانٍ، فسمعَه النبيّ ◌َ له فقال: يا أنّهُ اخرُجْ من المدينة إلى حمراء الأسد، وليكن بها مَنْزِلُك)): والرّاجح أنَّ اسم المذكور في حديث الباب هِيت، ولا يَمتَنِعِ أن يَتَوَارَدوا في الوصف المذكور، وقد تقدَّم في غزوة الطائف ضبط هِيت، ووَقَعَ في أوَّل رواية الزُّهْريّ عن عُرْوة عن عائشة عند مسلم: ((كان يَدخُل على أزواج النبيّ ◌َ لَ مُخَنَّث، وكانوا يَعُدّونَه من غير أولي الإربة، فدَخَلَ النبيُّ ◌َ لقر يوماً وهو عند بعض نسائه، وهو يَنعَت امرأة)» الحديث، وعُرِفَ من حديث الباب تسميةُ المرأة وأنَّها أمّ سَلَمَةَ. والمخَنَّث بكسرِ النُّون وبفتحها: مَن يُشبِهِ خُلُقُه النِّساءَ في حَرَكاته وكلامه وغير ذلك، فإن كان من أصل الخِلقة لم يكن عليه لَومٌ وعليه أن يتكلَّف إزالة ذلك، وإن كان بقصدٍ منه وتكلّف له فهو المذموم، ويُطلَق عليه اسم مُخُنَّث سواء فعل الفاحشة أو لم يَفعَل، قال ابن ٣٣٥/٩ حبيب: المخَنَّث هو المؤنَّث من الرِّجال وإن/ لم تُعرَف منه الفاحشة، مأخوذ من التَّكَسُّر في المشي وغيره، وسيأتي في كتاب الأدب(١) لَعِنُ مَنْ فَعَلَ ذلك. وأخرج أبو داود (٤٩٢٨) من حديث أبي هريرة: أنَّ النبيّ وَّلِ أَتِيَ بمُخَنَّثٍ قد خَضَبَ يَدَيه ورِ جَلَيه، فقيلَ: يا رسولَ الله، إنَّ هذا يَتَشَبَّه بالنِّساءِ، فتَفاه إلى النَّقَيع، فقيلَ: ألا تَقتُله؟ فقال: ((إنّ نُهِيتُ عن قتل المصلِينَ)). قوله: ((فقال لأخي أمّ سَلَمَةَ)) تقدَّم شرح حاله في غزوة الطائف (٤٣٢٤)، ووَقَعَ في مُرسَل (١) بل في اللباس (٥٨٨٥) كما سيشير الحافظ نفسُه في آخر الباب. ٦٦٥ باب ١١٣ / ح ٥٢٣٥ كتاب النكاح ابن المنكَدِر أنَّه قال ذلك لعبد الرَّحمن بن أبي بكر، فيُحمَل على تعدُّد القول منه لكلٍّ منهما، لأخي عائشة ولأخي أمّ سَلَمَةَ. والعَجَبُ أنَّه لم يُقدَّر أنَّ المرأة الموصوفة حَصَلَت لواحدٍ منهما، لأنَّ الطائف لم يُفتَحِ حينئذٍ، وقُتِلَ عبد الله بن أبي أُميَّة في حال الخِصار، ولمَّا أسلَمَ غَيْلان بن سَلَمةَ وأسلَمَت بنتُه باديةُ تزوَّجَها عبدُ الرَّحمن بن عَوْف، فَقُدِّرَ أنَّها استُحيضَت عنده وسألَت النبيَّ نَّهِ عن المستحاضة، وقد تقدَّمَت الإشارة إلى ذلك في كتاب الطَّهارة(١)، وتزوَّجَ عبدُ الرَّحمن بن أبي بكر ليلى بنت الجُودِيِّ وقِصَّتُه معها مشهورة، وقد وَقَعَ في حديث سعد بن أبي وقّاص(٢): أنَّه خَطَبَ امرأة بمكّة فقال: مَن يُحْبِني عنها؟ فقال تُنَّث يقال له: هيت: أنا أصِفُها لك. فهذه قصص وَقَعَت لهيت. قوله: ((إن فَتَحَ الله لكم الطّائف غَداً)) وَقَعَ في رواية أبي أُسامة عن هشام في أوَّله: وهو مُحَاصِرٌ الطائفَ يومئذٍ، وقد تقدَّم ذلك في غزوة الطائف واضحاً(٣). قوله: ((فعليكَ)) هو إغراءٌ، معناه: احِرِصْ على تحصيلها والزَمْها. قوله: ((غَيْلان)) في رواية حَمَّاد بن سَلَمةٍ(٤): لو قد فُتِحَتْ لكم الطائفُ لقد أرَيتُك باديةَ بنت غَيْلان. واختُلِفَ في ضبط بادية فالأكثر بموخَّدةٍ ثمَّ تحتانيَّة، وقيل: بنونٍ بَدَلَ التَّحتانيَّة، حكاه أبو نُعَيم، ولِباديةَ ذِكْرٌ في المغازي، ذكر ابنُ إسحاق أنَّ خَوْلة بنت حكيم قالت للنبيِّ ◌ََّ: إِن فَتَحَ الله عليك الطائف أعطِنِي حُلِيَّ بادية بنت غَيْلان وكانت من أحلَى نساء ثَقيف، وغَيْلان: هو ابن سَلَمةَ بن مُعَنِّب - بمُهمَلة ثمَّ مُثنّة ثقيلة ثمَّ موخَّدة - بن مالك الثَّقَفيّ، وهو الذي أسلَمَ وتحته عشرُ نِسوة، فأمَرَه النبيّ وَّل أن يختار أربعاً (٥)، وكان من رُؤَساء ثقيف وعاشَ إلى أواخر خِلَافة عمر عُه. (١) في كتاب الحيض: باب (١٠) اعتكاف المستحاضة. (٢) سلف تخريجه قريباً. (٣) بإثر الحديث (٤٣٢٤). (٤) عند النسائي في ((الكبرى)) (٩٢٠٤). (٥) رُوي ذلك من حديث ابن عمر عند أحمد (٤٦٠٩)، وابن ماجه (١٩٥٣)، والترمذي (١١٢٨) وغيرهم، وهو حديث صحيح بطر قه وشواهده. ٦٦٦ باب ١١٣ / ح ٥٢٣٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((تُقبِل بأربع وتُدبِر بثمانٍ)) قال ابن حبيب عن مالك: معناه أنَّ أعكانها(١) يَنعَطِف بعضُها على بعض، وهي في بطنها أربع طَرائق، وتَبلُغ أطرافها إلى خاصرتها في كلّ جانبٍ أربع، ولِإرادة العُكَن ذَكَرَ الأربع والثَّان، فلو أراد الأطراف لَقال: بثمانيةٍ. ثمَّ رأيت في (باب إخراج المتشَبِّهينَ بالنِّساءِ من البيوت)) عَقِبَ هذا الحديث (٥٨٨٧) من وجه آخر عن هشام بن عُرْوة في غير رواية أبي ذرٍّ: قال أبو عبد الله: تُقبِل بأربع يعني: بأربع عُكَن ببطنِها، فهي تُقبِل بهنَّ، وقوله: وتُدبِر بثمانٍ، يعني أطرافَ هذه العُكَن الأربع، لأنَّها مُحيطة بالجنب حين يَتَجَعَّد، ثمَّ قال: وإنَّما قال: بثمانٍ ولم يَقُل: بثمانيةٍ - وواحد الأطراف مُذكَّر - لأنَّه لم يَقُل: ثمانية أطراف، انتهى. وحاصله: أنَّ لقولِه: ثمانٍ، بدون الهاء توجيهَينِ: إمّا لكَونِه لم يُصرِّح بلفظ الأطراف، وإمّا لأَنَّه أراد العُكَن، وتفسير مالك المذكور تَبِعَه فيه الجمهور، قال الخطَّبيُّ: يريد أنَّ لها في بطنها أربع معُكَن، فإذا أقبَلَت رُئيَتَ مواضعُها بارزةً مُتَكَسِّراً بعضها على بعض، وإذا أدبَرَت كانت أطراف هذه العُكَن الأربع عند مُنقَطع جنبيها ثمانيةً. وحاصله: أنَّه وَصَفَها بأنَّهَا مملوءة البَدَن بحيثُ يكونُ لبطنِها مُكَن، وذلكَ لا يكون إلّا للسَّمينة من النِّساء، وجَرَت عادة الرِّجال غالباً في الرَّغبة فيمَن تكون بتلك الصِّفة، وعلى هذا فقوله في حديث سعد: إنْ أقبَلَت قلتَ: تمشي بستٍّ، وإن أدبَرَت قلتَ: تمشي بأربعٍ؛ كأَنَّه يعني: يَدَيها ورِجَلَيها، وطَرَفَ ذاكَ منها مُقبِلَةً ورِدْفَيها مُدبرةً، وإنَّما نَقَصَ إذا أدَبَرَت، لأَنَّ الثَّديَينِ يحتجبان حينئذٍ. وذكر ابن الكَلْبيّ في الصِّفة المذكورة زيادة بعد قوله: ((وتُدِر بثمانٍ)»: بِثَغْرِ كالأُفْحوان، إن قَعَدَت تَثَنَّتْ، وإِن تَكلَّمَت تَغَنَّتْ، وبين رِجلَيها مِثل الإناء المكفوء؛ معَ شِعرٍ آخر، وزاد المدينيّ من طريق يزيد بن رُومَان عن عُرْوة مُرسَلاً في هذه القصَّة: ٣٣٦/٩ أسفَلُها/ كَثيب وأعلاها عَسِيب. قوله: ((فقال النبيّ وَّ: لا يَدخُلَنَّ هذا عليكُم)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((علیگُنَّ» وهي رواية (١) جمع عُكْنة: وهي الطيُّ في البطن من السِّمَن. ٦٦٧ باب ١١٣ / ح ٥٢٣٥ كتاب النكاح مسلم (٢١٨١)، وزاد في آخر رواية الزُّهْريِّ عن عُرْوة عن عائشة: فقال النبيّ ◌َّ: (ألا أَرَى هذا يَعِرِف ما هاهُنا، لا يَدخُل عليكُنَّ) قالت: فحَجَبوه، وزاد أبو يَعْلى(١) في روايته من طريق يونس عن الزّهْريِّ في آخره: وأخرجه فكان بالبَيداءِ يَدخُل كلَّ يوم جمعة يَستَطْعِم، وزاد ابن الكَلْبيّ في حديثه: فقال النبيّ ◌َّ: ((لقد غَلَغَلْتَ النَّظرَ إليها يا عدوّ الله)) ثمَّ أجْلاه عن المدينة إلى الحِمَى. ووَقَعَ في حديث سعد الذي أشرتُ إليه: أنَّه خَطَبَ امرأة بمكَّة، فقال هِيتُ: أنا أنعَتُها لك: إذا أقبَلَت قلتَ: تمشي بستٌّ، وإذا أدَبَرَت قلتَ: تمشي بأربع، وكان يَدخُل على سَوْدة فقال النبيّ ◌َّ: ((ما أُراه إلّا مُنكَرًا)) فمَنَعَه، ولمَّا قَدِمَ المدينةَ نَفاه، وفي رواية يزيد بن رُومان المذكورة: فقال النبيّ وَّ: «ما لكَ قاتَلكَ الله، إن كنتُ لَأحسبُك من غير أُولي الإربة من الرِّجال)) وسَيَّرَه إلى خاخ، بمُعجَمَتَينٍ، وقد ضُبطَت في حديث عليّ في قصَّة المرأة التي حَت كتابَ حاطِب إلى قُرَيش(٢). قال المهلَّب: إنَّمَا حَجَبَه عن الدُّخول إلى النِّساء لمَّا سمعَه يَصِفُ المرأة بهذه الصِّفة التي تُهيِّج قلوب الرِّجال، فمَنَعَه لئلّا يَصِفَ الأزواج للنّاس فيَسقُط معنى الحجاب. انتهى، وفي سياق الحديث ما يُشعِر بأنَّه حَجَبَه لذاته أيضاً لقولِه: ((ألا أَرَى هذا يَعرِف ما هاهُنا)) ولقوله: ((وكانوا يَعُدُّونَه من غير أُولي الإربة))، فلمَّا ذكر الوصف المذكور دلَّ على أنَّه من أُولِي الإربة فتَقاه لذلكَ، ويُستَفاد منه حَجْبُ النِّساء عمَّن يَفطُن لمحاسنِهِنَّ، وهذا الحديث أصلٌّ في إبعاد مَن يُستَراب به في أمرٍ من الأُمور. قال المهلَّب: وفيه حُجّة لمن أجازَ بيع العَيْن الموصوفة بدون الرُّؤية، لقيام الصِّفة مقام الرُّؤية في هذا الحديث، وتَعقَّبَه ابن المنيِّر بأنَّ مَن اقتَصَرَ في بيع جارية على ما وَقَعَ في الحديث من الصِّفة، لم يَكفِ في صِحّة البيع اتّفاقاً، فلا دلالةَ فيه. قلت: إنَّما أراد المهلَّب أنَّه (١) كذا قال، ولم نقف عليه في ((مسند أبي يعلى))، وهذه الزيادة من هذا الطريق عند أبي داود (٤١٠٩)، وابن حبان (٤٤٨٨). (٢) سلف برقم (٣٠٠٧). ٦٦٨ باب ١١٤ / ح ٥٢٣٦ فتح الباري بشرح البخاري يُستَفاد منه أنَّ الوصف يقوم مقامَ الرُّؤية، فإذا استُوْعِبَ الوصفُ حتَّى قامَ مقامَ الرُّؤية المعتبرة أجزا، هذا مُراده، وانتزاعه من الحديث ظاهر. وفي الحديث أيضاً تَعزيرُ مَن يَتَشَبَّه بالنِّساءِ بالإخراج من البيوت والنَّفَيُّ إذا تَعيَّنَ ذلك طريقاً لرَدْعِه، وظاهر الأمر وجوبُ ذلك، وتَشَبُّه النِّساءِ بالرِّجالِ والرِّجالِ بالنِّساءِ من قاصدٍ مُتَارِ حَرامٌ اتِّفاقاً، وسيأتي لَعنُ مَن فعل ذلك في كتاب اللِباس (٥٨٨٥). ١١٤ - باب نَظرِ المرأة إلى الحَبَش ونحوهم من غير ريبةٍ ٥٢٣٦- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، عن عيسى، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهْريِّ، عن عُزْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: رأيتُ النبيَّ وَّهِ يَسْتُرُفي بِرِدائِه وأنا أَنظُرُ إلى الحَبَشةِ يَلْعَبونَ في المسجدِ، حتَّى أكونَ أنا الذي أَسأَمُ، فاقدُروا قَدْرَ الجاريةِ الحديثةِ السِّنِّ الحريصةِ على اللهْوِ. قوله: ((باب نظر المرأة إلى الحَبَشة ونحوِهم من غير ريبة)» وظاهر التَّرجمة أنَّ المصنّف كان يذهب إلى جواز نظر المرأة إلى الأجنبيّ بخِلَاف عكسه، وهي مسألة شهيرة، واختَلَفَ التَّرجيح فيها عند الشافعيَّة، وحديث الباب يُساعِد مَن أجازَ، وقد تقدَّم في أبواب العيدين (٩٥٠ و٩٨٨) جوابُ النَّوَويّ عن ذلك بأنَّ عائشة كانت صغيرةً دون البلوغ، أو كان قبلَ الحِجاب، وقَوّاه بقولِه في هذه الرّواية: «فاقدُروا قَدْرَ الجارية الحديثة السِّنّ))، لكن تقدَّم ما يُعكِّر عليه وأنَّ في بعض طرقه أنَّ ذلك بعد قُدوم وفدِ الخَبَشة، وأنَّ قُدومَهم كان سنة ٣٣٧/٩ سبع، ولعائشةَ يومئذٍ ستَّ عشرةَ سنة، / فكانت بالغةً، وكان ذلك بعد الحجاب. وحُجّة مَن مَنَعَ حديثُ أمّ سَلَمةَ الحديث المشهور: ((أفَعَمْياوان أنتما؟)» وهو حديث أخرجه أصحاب ((السُّنَن)) (١) من رواية الزُّهْريِّ عن نَبهان مولى أمّ سَلَمةَ عنها، وإسناده (١) أخرجه أبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩١٩٧) و(٩١٩٨)، وأخرجه أيضاً أحمد في ((مسنده)) (٢٦٥٣٧)، ونقل عنه صاحب ((المبدع)) ٧/ ١١ أنه ضعَّفه، وسند الحديث فيه نبهان مولى أم سلمة وقد جهَّله غير واحدٍ من أهل العلم كابن عبد البر وابن حزم. ٦٦٩ باب ١١٥ / ح ٥٢٣٧ كتاب النكاح قويّ، وأكثر ما عُلِّلَ به انفراد الزُّهْريِّ بالرِّواية عن نَبْهان، وليست بعِلّةٍ قادحة، فإنَّ مَن يَعرِفِه الزّهْرِيُّ ويَصِفُه بأنَّه مُكاتَب أمّ سَلَمَةَ، ولم يَجرَحْه أحدٌ، لا تُرَدّ روايته. والجمع بين الحديثَينِ: احتمالُ تَقَدُّم الواقعة، أو أن يكون في قصَّة الحديث الذي ذكره نَبهانُ شيءٌ يَمِنَعِ النِّساء من رُؤيَته، لكونِ ابن أمّ مكتوم كان أعمَى، فلعلَّه كان منه شيءٌ يَنْكَشِفُ ولا يَشعُر به، ويُقوِّي الجوازَ استمرارُ العَمَل على جواز خروج النِّساء إلى المساجد والأسواق والأسفار مُنتَقِباتٍ لئلّا يراهُنَّ الرِّجال، ولم يُؤْمَر الرِّجال قَطُّ بالانتِقاب لئلّا يراهم النِّساء، فدَلَّ على تَغايُر الحُكم بين الطائفتَينِ، وبهذا احتَجَّ الغَزاليّ على الجواز فقال: لسنا نقول: إنَّ وجه الرجل في حَقّها عَوْرة كوجه المرأة في حَقّه، بل هو كوجه الأمرَد في حَقّ الرجل، فَيَحُرُمِ النَّظَرُ عند خوف الفتنة فقط، وإن لم تكن فتنةٌ فلا، إذ لم تَزَل الرِّجالُ على ممرِّ الزَّمان مَكشُوفي الوجوه، والنِّساء يَخْرُ جنَ مُنتَقِبات، فلو استَوَوْا لَأُمِرَ الرِّجال بالتَّنَقُّب أو مُنِعنَ من الخروج. انتهى، وتقدَّمَت سائر مباحث حديث الباب في أبواب العيدَينِ. ١١٥ - باب خروج النّساء لحوائجهنّ ٥٢٣٧- حدَّثْنا فروةُ بنُ أبي المَغْراءِ، حدَّثنا عليٌّ بنُ مُسْهِرٍ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً قالت: خَرَجَتْ سَوْدةُ بنتُ زَمْعةَ ليلاً، فرآها عمرُ فعَرَفَها، فقال: إنَّكِ والله يا سَوْدةُ ما تَخْفَينَ علينا، فرَجَعَتْ إلى النبيِّ نَّهِ فَذَكَرَت ذلك له وهو في حُجْرَتِي يَتَعَثَّى، وإنَّ في يدِه لَعَرْقاً، فَأُنزِلَ عليه فُرُفِعَ عنه وهو يقول: ((قد أَذِنَ اللهُ لَكُنَّ أن تَخْرُجْنَ لحَوائچِكُنَّ). قوله: ((باب خروج النِّساء لحوائجِهِنَّ)) قال الدَّاووديُّ: في صيغة هذا الجمع نظرٌ، لأنَّ جمع الحاجة حاجَاتٌ، وجمعُ الجمع حاجٌ، ولا يقال: حَوَائج، وتَعقَّبَه ابن التِّين فأجادَ وقال: الحوائجُ جمع حاجَةٍ أيضاً، ودَعوَى أنَّ حاجٌ جمع الجمع ليس بصحيحٍ. وذكرَ المصنّف حديث عائشة: ((خَرَجَت سودةُ لحاجتها)) وقد تقدَّم شرحُه وتوجيهُ الجمع بينه وبين حديثها الآخر في نزول الحِجاب في تفسير سورة الأحزاب (٤٧٩٥)، وذكرتُ هناك ٦٧٠ باب ١١٦-١١٧ / ح ٥٢٣٨-٥٢٣٩ فتح الباري بشرح البخاري التَّعَقُّب على عياض في زَعمِه أنَّ أمَّهات المؤمنينَ كان يَحِرُم عليهنَّ إبرازُ أشخاصِهنَّ ولو كُنَّ مُتَقِبَاتٍ مُتَلَفِّفات، والحاصلُ فِي رَدّ قوله كَثْرةُ الأخبار الواردة أنَّهَنَّ كُنَّ يَحَجُجْنَ ويَطُفْنَ ويَخرُ جنَ إلى المساجِد في عهد النبيّ ◌َّ وبعده. ١١٦ - باب استئذان المرأةِ زوجَها في الخروج إلى المسجد وغيره ٥٢٣٨- حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيِّ ◌ََّ: ((إذا استأذنَتِ امرأةُ أحدِكم إلى المسجدِ فلا يَمْنَعْها)). قوله: ((باب استِئْذان المرأةِ زوجَها في الخروج إلى المسجد وغيره)) قال ابن التِّين: تَرجَمَ بالخروجِ إلى المسجد وغيره، واقتَصَرَ في الباب على حديث المسجد، وأجابَ الكِرْمانيُّ بأنَّه ٣٣٨/٩ قاسَه عليه، والجامع بينهما ظاهر، ويُشتَرَط / في الجميع أمنُ الفتنة. وقد تقدَّمَت مباحث حديث ابن عمر في ذلك في كتاب الصلاة (٨٦٥). ١١٧ - باب ما يَحِلّ من الدّخول والنّظرِ إلى النِّساء في الرَّضاع ٥٢٣٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّها قالت: جاء عَمّي منَ الرَّضاعةِ فاستأذَنَ عليَّ، فأبيتُ أن آذَنَ له حتَّى أسألَ رسولَ الله وَّةِ، فجاء رسولُ اللهِ وَِّ فسألتُه عن ذلك، فقال: ((إنَّه عَمُّكِ فَأْذَني له)» قالت: فقلتُ: يا رسولَ الله، إنَّما أرضَعَتْني المرأةُ، ولم يُرْضِعْني الرجلُ، قالت: فقال رسولُ الله ◌ِ: ((إنَّه عَمُّكِ، فَلْيَلِجْ عليكِ)) قالت عائشةُ: وذلكَ بعدَ أن ضُرِبَ علينا الحِجابُ. قالت عائشةُ: يَجِرُمُ منَ الرَّضاعةِ ما يَجِرُمُ منَ الولادةِ. قوله: ((باب ما يَحِلُّ من الدُّخول والنَّظَر إلى النِّساء في الرَّضاع)) ذكر فيه حديث عائشة قالت: ((جاء عَمّي من الرّضاعة فاستأذَنَ عليَّ) وقد تقدَّمَت مباحثه مُستَوفاةً في أوائل النِّكاح (٥١٠٣)، وهو أصلٌ في أنَّ للرَّضاع حُكمَ النَّسَب من إباحة الدُّخول على النِّساء وغير ذلك من الأحكام. ٦٧١ باب ١١٨ / ح ٥٢٤٠-٥٢٤١ كتاب النكاح ١١٨ - بابٌ لا تباشر المرأةُ المرأةَ فتنعتَها لزوجها ٥٢٤٠- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله ابن مسعودٍ ◌ّ، قال قال النبيُّ وَّهِ: ((لا تُباشرِ المرأةُ المرأةَ فتَنْعَتَهَا لِزَوْجِها كأنَّه يَنظُرُ إليها». [طرفه في: ٥٢٤١] ٥٢٤١- حدّثنا عمرُ بنُ حفصِ بنِ غِياثٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، قال: حدَّثني شَقِيقٌ، قال: سمعتُ عبدَ الله قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((لا تُباشِ المرأةُ المرأةَ فتَنْعَتَها لِزَوْجِها كأَنَّه يَنظُ إليها». قوله: ((باب لا تُباشر المرأةُ المرأةَ فتَنعَتها لزوجِها» كذا استعملَ لفظ الحديث في التَّرجمة بغير زيادة، وذكر الحديث من وجهَينِ: منصور عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود. والأعمَش حدَّثني شَقِيق سمعتُ عبدَ الله: وهو ابن مسعود، وشَقِيقٌ: هو أبو وائل. قوله: ((لا تُباشِر المرأةُ المرأةَ» زاد النَّسائيُّ (ك٩١٨٦) في روايته: «في الثَّوب الواحد)». قوله: ((فتَنْعَتَها لَزَوْجِها كأَنَّه يَنظُر إليها)) قال القابِسِيّ: هذا أصلٌ لمالك في سَدِّ الذَّرائع، فإنَّ الحكمة في هذا النَّهي خَشْيةُ أن يُعجِبَ الَّوجَ الوصفُ المذكور فيُفضي ذلك إلى تَطليق الواصفةِ، أو الافتِتان بالموصوفة. ووَقَعَ في رواية النَّسائيِّ (ك٩١٨٨) من طريق مسروق عن ابن مسعود بلفظ: ((لا تُباشر المرأةُ المرأةَ، ولا الرجلُ الرجلَ)) وهذه الزّيادة ثَبَتَت في حديث ابن عبّاس عنده ... (١)، وعند مسلم (٣٣٨) وأصحاب ((السُّنَن))(٢) من حديث أبي سعيد بأبسَطَ من هذا ولفظه: ((لا يَنظُر الرجلُ إلى عَوْرة الرجل، ولا تَنظُر المرأةُ إلى عَوْرة المرأة، ولا يُفضي الرجلُ إلى الرجل في الثَّوب الواحد، ولا تُفضي المرأةُ إلى المرأة في الثَّوب الواحد)». (١) هنا في الأصلين بياض، وضُبِّب على الهاء من ((عنده)) فيهما، والصواب أنَّ حديث ابن عباس ليس عند النسائي، وإنما هو عند أحمد (٢٧٧٣) والبزار (٤٧٦٨) وغيرهما. (٢) أبو داود (٤٠١٨)، وابن ماجه (٦٦١)، والترمذي (٢٧٩٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩١٨٥). صے ٦٧٢ باب ١١٩ / ح ٥٢٤٢ فتح الباري بشرح البخاري قال النَّوَويّ: فيه تحريمُ نظر الرجل إلى عَوْرة الرجل، والمرأة إلى عَوْرة المرأة، وهذا ممَّا لا خِلَاف فيه، وكذا الرجل إلى عورة المرأة، والمرأة إلى عورة الرجل حَرامٌ بالإجماعِ، وَبَّهَ وَّل ٣٣٩/٩ بنَظَرِ الرجل إلى عَوْرة الرجل، والمرأة/ إلى عَوْرة المرأة على ذلك بطريق الأولى، ويُستَنَى الَّوجان فِلِكلٍّ منهما النَّظَرُّ إلى عَوْرة صاحبه، إلّا أنَّ في السَّوْأة اختلافاً، والأصحّ الجوازُ لکن یُكرِه حیثُ لا سببَ. وأمَّا المحارم فالصَّحيح أنَّه يُباح نظرُ بعضهم إلى بعض لمَا فوق السُّرّة وتحت الرُّكبة، قال: وجميعُ ما ذَكَرْنا من التَّحريم حيثُ لا حاجةَ، ومن الجوازِ حيثُ لا شَهْوةَ. وفي الحديث تحريمُ مُلاقاة بَشَرَ الرجلينِ بغير حائل إلّا عند ضَرُورة، ويُسَنَى المصافَحة، ويحرُم لمس عورة غيره بأيِّ موضع من بَدَنه كان بالاتّفاق. قال النَّوَويّ: وممَّا تَعُمّ به البَلَوَى ويَتَساهَلُ فيه كثيرٌ من الناس الاجتماعُ في الحمّام، فيجب على مَن فيه أن يَصُونَ نظَرَه ويدَه وغيرهما عن عَوْرة غيره، وأن يَصُونَ عورته عن بَصَر غيره، ويجبُ الإنكارُ على مَن فعل ذلك لمن قَدَرَ عليه، ولا يَسقُط الإنكارُ بظنِّ عَدَم القَبُول إلّا إن خافَ على نفسه أو غيره فتنةً. وقد تقدَّم كثيرٌ من مَسائل هذا الباب في كتاب الطَّهارة(١). ١١٩ - باب قولِ الرّجل: لأطُوفنّ الليلةَ على نسائي ٥٢٤٢- حدَّثني محمودٌ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاووسٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ قال: ((قال سليمانُ بنُ داودَ عليهما السَّلام: لَأطوفَنَّ اللَّيلةَ بمئةٍ امرأةٍ، تَلِدُ كلُّ امرأةٍ غلاماً يقاتلُ في سبيلِ الله، فقال له الملَكُ: قل: إنْ شاءَ الله، فلم يَقُلْ ونَسِيَ، فأطافَ بِنَّ، ولم تَلِدْ منهنَّ إلّا امرأةٌ نِصْفَ إنسانٍ))، قال النبيُّ ◌َِّ: ((لو قال: إنْ شاء اللهُ، لم يَحْنَثْ، وكان أرجَی لحاجَتِه)). قوله: ((باب قول الرجل: لَأَطوفَنّ اللَّيلة على نسائي)) تقدَّم في كتاب الطَّهارة («باب من دارَ على نسائه في غُسلٍ واحد)) (٢٦٧) وهو قريبٌ من معنى هذه التَّرجمة، والحُكم في الشَّريعة (١) انظر كتاب الغسل: باب (٢٠) من اغتسل عُرياناً وحده ... إلخ. ٦٧٣ باب ١٢٠ / ح ٥٢٤٣- ٥٢٤٤ كتاب النكاح المحمَّديَّة أنَّ ذلك لا يجوزُ في الزّوجات إلّا إن ابتَدَأ الرجلُ القَسْم بأن تزوَّجَ دفعةً واحدة أو يَقْدَمَ من سَفَر، وكذا يجوز إذا أذِنَّ له ورَضِينَ بذلكَ. قوله: ((حدَّثنا محمود)) هو ابنُ غَيْلان، وقد رواه عن عبد الرَّزّاق شيخِه عبدُ بن حُميدٍ عند مسلم (١٦٥٤ / ٢٤)، وعبَّاسُ العَنبَريّ عند النَّسائيِّ (٣٨٥٦) فقالا: ((تسعينَ امرأة)(١)، وتقدَّم في ترجمة سليمان بن داود عليهما السَّلام من أحاديث الأنبياء (٣٤٢٤) بيانُ الاختلاف في ذلك مُستَوفَّى وكيفيَّة الجمع بين المختَلِف معَ شرح بقيَّة الحديث. قال ابن التِّين: قوله في هذه الرّواية: ((لم يَنَث)) أي: لم يَتَخلَّف مُرادُه، لأنَّ الِحِنث لا يكون إلّا عن يمين، قال: ويحتمل أن يكون سليمانُ حَلَفَ على ذلك. قلت: أو نَزَّلَ التَّأكيدَ المستفاد من قوله: ((لَأطوفَنّ)) مَنِزِلةَ اليمين. واستُدِلَّ به على جواز الاستثناء بعد تَخلُّل الكلام اليسير، وفيه نظرٌ سيأتي إيضاحه في كتاب الأيمان والنُّذور (٦٦٣٩) إن شاءَ الله تعالى. وقال ابن الرِّفعة: يُستَفاد منه أنَّ اتِّصال الاستثناء بالحلِفِ يُؤثِّر فیه وإن لم یقصِدْه قبلَ فراغ الیمین. ١٢٠ - بابٌ لا يَطْرُق أهلَه ليلاً إذا أطال الغَيْبة مخافةَ أن يتخوَّنَهم أو يَلتِمِسَ عَثَراتِهِم ٥٢٤٣- حدَّثْنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثْنا مُحاربُ بنُ دِثارٍ، قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما قال: كان النبيُّ ◌َِّ يَكْرَهُ أن يأتيَ الرجلُ أهلَهُ طُروقاً. ٥٢٤٤- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا عاصمُ بنُ سليمانَ، عن الشَّعْبِيِّ، أَنَّه سمعَ جابَرَ بنَ عبدِ الله / يقول: قال رسولُ اللهِوَّةِ: ((إذا أطالَ أحدُكُمُ الغَيْبةَ، فلا يَطْرُقْ أهلَه ليلاً)). ٣٤٠/٩ قوله: ((بابٌّ لا يَطْرُق أهلَه ليلاً إذا أطالَ الغَيبة تَخافةَ أن يَتَخَوّنَهم أو يَلْتَمِس عَثَراتِهِم)) كذا بالميمٍ في ((يَتَخَوّنَهم)) و((عَثَراتهم)) وقال ابن التِّين: الصَّواب بالنّونِ فيهما، قلت: بل وَرَدَ في (١) رواية عبد الرزاق عند مسلم بلفظ: ((سبعين امرأة))، وأما لفظ ((تسعين امرأة)) عنده فهو من رواية أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة. ٦٧٤ باب ١٢٠ / ح ٥٢٤٤ فتح الباري بشرح البخاري ((الصَّحيح)) بالميمِ فيهما على ما سأذكره، وتوجيهه ظاهر. وهذه التَّرجمة لفظُ الحديث الذي أورَدَه في الباب في بعض طرقه، لكن اختُلِفَ في إدراجه، فاقتَصَرَ البخاريّ على القَدْر المتَّفَق على رفعه، واستعملَ بَقِيَّتَه في التَّرجمة. فقد جاء من رواية وكيع عن سفيان الثَّوْريّ عن محارِب عن جابر قال: نَهَى رسولُ الله ◌َ ﴿ أن يَطْرُقَ الرجلُ أهلَه ليلاً يَتَخَوتُهم أو يَطلُبُ عَثَراتهم، أخرجه مسلم (١٨٤/١٩٢٨) عن أبي بكر ابن أبي شَيْبة عنه، وأخرجه النَّسائيُّ (ك٩٠٩٦) من رواية أبي نُعَيم عن سفيان كذلكَ، وأخرجه أبو عَوَانة (٧٥٣٢ و٧٥٣٣) من وجه آخر عن سفيان كذلكَ، وأخرجه مسلم من رواية عبد الرَّحمن بن مَهديّ عن سفيان به، لكن قال في آخره: قال سفيان: لا أدري هذا في الحديث أم لا، يعني: ((أن يَتَخَوّنهم أو يَطلُب عَثَراتِهِم))، ثمَّ ساقه مسلم من رواية شُعْبة عن مُحَارِب مُقتَصِراً على المرفوع كرواية البخاريّ. وقوله: ((عَثَراتِهِم)) بفتح المهمَلة والمثلَّئة: جمع عَثْرة وهي الزَّلَّة، ووَقَعَ عند أحمد (١٤٣٢٤) والتِّرمِذيّ (١١٧٢) في رواية من طريق أُخرى عن الشَّعبيّ عن جابر بلفظ: ((لا تَلِجُوا على المُغِيبات، فإنَّ الشَّيطان يجري من ابن آدم مَجَرَى الدَّم». قوله: ((يُكْرَه أن يأتي الرجلُ أهلَه طُروقاً» في حديث أنس: أنَّ النبيّ ◌َّ كان لا يَطُرُق أهلَه ليلاً، وكان يأتيهم غُدوةً أو عَشَّة، أخرجه مسلم (١٩٢٨). قال أهل اللُّغة: الطُّروق بالضَّمِّ: المجيء باللَّيلِ من سَفَرِ أو من غيرِه على غَفْلة، ويقال لكلِّ آتٍ باللَيلِ: طارقٌ، ولا يقال بالنَّهار إلّا مجازاً، كما تقدَّم تقريره في أواخر الحجّ (١٨٠١) في الكلام على الرِّواية الثّانية حيثُ قال: ((لا يَطْرُق أهلَه ليلاً)) ومنه حديث: طَرَقَ عليّاً وفاطمةَ(١). وقال بعضُ أهل اللُّغة: أصلُ الطُّروق الدَّفعُ والضَّرب، وبذلك سُمِّيَت الطَّريق لأنَّ المارّة تَدُقّها بأرجُلِها، وسُمِّي الآتي باللَّيلِ طارقاً، لأنَّه يحتاج غالباً إلى دَقّ الباب، وقيل: أصل الطُّروقِ السُّكون، ومنه: أطرَقَ رأسَه، فلمَّا كان اللَّيل يُسكَن فيه سُمِّي الآتي فيه طارقاً. (١) سلف عند البخاري برقم (١١٢٧). ٦٧٥ باب ١٢٠ / ح ٥٢٤٤ كتاب النكاح وقوله في طريق عاصم عن الشَّعبيّ عن جابر: ((إذا أطالَ أحدُكم الغَيْية فلا يَطْرُقْ أهله ليلاً)) التَّقييد فيه بطولِ الغَيبة يُشير إلى أنَّ عِلّة النَّهي إِنَّمَا تُوجَد حينئذٍ، فالحُكم يدور معَ عِلَّته وجوداً وعَدَماً، فلمَّا كان الذي يَخرُج لحاجته مثلاً نهاراً ويَرجِع ليلاً، لا يَتَأَتَّى له ما تَحَذَر من الذي يُطيل الغَيْبة، لأنَّ طول الغَيْبةِ مَظِنّة الأمن من الهجوم، فيقع للذي يَهجُم بعد طولِ الغَيبة غالباً ما يكره، إمّا أن يَجِدَ أهلَه على غير أُهْبة من التَّظُّف والتَّرُّن المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النَّفْرة بينهما، وقد أشار إلى ذلك بقوله في حديث الباب الذي بعده بقولِه: ((كَي تَستَحِدّ المُغِيبة، وتَتَشِطِ الشَّعِثة)). ويُؤخَذ منه كراهةٌ مُباشَرة المرأةِ في الحالة التي تكون فيها غير مُتَنَظِّقة، لئلّا يَطَّلِعَ منها على ما يكون سبباً لنَفرَتِه منها. وإمّا أن يَجِدَها على حالةٍ غير مُرْضية، والشَّرع مُحرِّض على السَّتر، وقد أشارَ إلى ذلك بقولِه: (أن يَتَخَوّنَهم ويَتَطَلَّب عَثَراتِهِم)) فعلى هذا مَن أعلَمَ أهله بوصولِهِ وأنَّه يَقدَم في وقت كذا مثلاً، لا يَتَنَاوَلُه هذا النَّهي، وقد صَرَّحَ بذلكَ ابن خُزيمةَ في «صحيحه»، ثمَّ ساقَ من حديث ابن عمر قال: قَدِمَ النبيّ ◌َّهِ من غزوة فقال: ((لا تَطرُقوا النِّساء)) وأرسَلَ مَن يُؤْذِنُ الناسَ أنَّهم قادِمونَ(١). قال ابن أبي جَمْرة نَفَعَ الله به: فيه النَّهيُ عن طُروق المسافر أهلَه على غِرّة من غير تَقَدُّم إعلام منه لهم بقُدومِه، والسَّبَبُ في ذلك ما وَقَعَت إليه الإشارة في الحديث. قال: وقد خالَفَ بعضُهم فرأى عند أهله رجلاً فعُوقِبَ بذلكَ على مُخَالَفَته. انتهى، وأشارَ بذلكَ إلى حديث أخرجه ابن خُزَيمةَ عن ابن عمر قال: نَهَى رسولُ الله ◌َِّ أَن/ تُطَرَق النِّساء ليلاً، فطَرَقَ ٣٤١/٩ رجلانٍ كلاهما وَجَدَ معَ امرأته ما یکرَه، وأخرجه من حديث ابن عبّاس نحوه، وقال فيه: فكلاهما وجَدَ معَ امرأته رجلاً(٢). (١) ليس في المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة))، وأخرجه أبو عوانة (٧٥٣٦)، والبيهقي ٩/ ١٧٤. (٢) وأخرجه أيضاً الدارمي (٤٤٤)، والطبراني في «الكبير» (١١٦٢٦) من طريق زَمْعة بن صالح عن سلمة ابن وَهْرام عن عكرمة عن ابن عباس. وسنده ضعيف لضعف زمعة وقد روى عن سلمةَ بن وهرام = ٦٧٦ باب ١٢١ / ح ٥٢٤٥-٥٢٤٦ فتح الباري بشرح البخاري ووَقَعَ في حديث مُحارِب عن جابر: أنَّ عبد الله بن رَوَاحة أتى امرأته ليلاً وعندها امرأةٌ تَشُطها فظنَّها رجلاً، فأشارَ إليها بالسَّيفِ، فلمَّا ذكر النبيِّ وَّل ◌َهَى أَن يَطْرُق الرجلُ أهله ليلاً، أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٧٥٣٤). وفي الحديث الحثُّ على التَّوادِّ والتَّحابّ خُصوصاً بين الزَّوجَينِ، لأنَّ الشّارعِ راعَى ذلك بين الَّوجَينِ معَ اطِّلاع كلٌّ منهما على ما جَرَت العادة بسَتْرِه، حتَّى إنَّ كلّ واحد منهما لا يخفى عنه من عُيوب الآخر شيءٌ في الغالب، ومع ذلك فنَهَى عن الطُّروق لئلا يَطَّلِعَ على ما تَنِفِرُ نفسُه عنه، فيكون مراعاةُ ذلك في غير الزَّوجَينِ بطريق الأَولى، ويُؤخَذ منه أنَّ الاستحداد ونحوه ممَّا تَتَزَيَّنُ به المرأة ليس داخلاً في النَّهي عن تغيير الخِلقة، وفيه التَّحريض على تَركِ التَّعرُّض لمَا يُوجِب سوءَ الظَّنّ بالمسلم. ١٢١ - باب طَلَب الوَلَد ٥٢٤٥- حدَّثْنا مُسدَّدٌ، عن هُشَسيم، عن سَيّارٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن جابرٍ، قال: كنتُ معَ رسولِ اللهِوَّ فِي غَزْوةٍ: فلمَّا قَفَلْنَا تَعَجَّلْتُ على بَعِيرٍ قَطُوفٍ، فَلَحِقَني راكِبٌ من خَلْفي، فالتَّفَتُّ فإذا أنا برسولِ الله وَّةِ، قال: ((ما يُعْجِلُكَ؟)) قلتُ: إنّ حديثُ عَهْدٍ بعُرْسٍ، قال: (فِبِكْراً تزوَّجْتَ أم ثَيِّاً؟)) قلتُ: بل تَيِّاً، قال: ((فَهَلّا جاريةً تُلاعبُها وتُلاعبُكَ؟!)) قال: فلمَّا قَدِمْنا ذهبنا لِنَدْخُلَ فقال: ((أَمهِلوا حتَّى تَدْخُلوا ليلاً - أي: عِشاءً - لكَيْ تَمتَشِطَ الشَّعِئَةُ، وتَسْتَجِدَّ المُغِيبُ)). قال: وحدَّثني الثِّقةُ أنَّه قال في هذا الحديثِ: ((الكَيْسَ الكَيْسَ يا جابرُ)) يعني: الولدَ. ٥٢٤٦- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ الوَلِيدِ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفٍ، حدَّنا شُعْبةُ، عن سَيّارٍ، عن الشَّعْبِيِّ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال: ((إذا دَخَلْتَ ليلاً فلا تَدْخُلْ على أهلِكَ، حتَّى تَسْتَجِدَّ المُغِيبَةُ، وَتَمْتَشِطَ الشَّعِنثةُ))، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((فعليكَ بالكَيْسِ الکَیْسِ». = أحاديث مناكير، وهذا منها. وحديث ابن عمر أخرجه أيضاً أحمد (٥٨١٤) وفي سنده ضعف. ٦٧٧ باب ١٢١ / ح ٥٢٤٥-٥٢٤٦ كتاب النكاح تابَعَه عُبيدُ الله، عن وَهْب، عن جابٍ، عن النبيِّ ◌َّ فِي الكَيْسِ. قوله: ((باب طَلَب الوَلَد)) أي: بالاستكثار من جماع الزَّوجة، أو المراد الحثُّ على قصد الاستيلاد بالجِماع لا الاقتصار على مُجرَّد اللَّذّة، وليس ذلك في حديث الباب صريحاً، لكنَّ البخاريّ أشارَ إلى تفسير الكَيْس كما سأذكره. وقد أخرج أبو عَمْرو النُّقاتي في ((كتاب مُعاشَرة الأهلينَ)) من وجهٍ آخر عن محارِب رَفَعَه قال: ((اطلُبُوا الوَلَد والتَمِسوه، فإنَّ ثَمَرةُ القلوب وقُرّة الأعيُن، وإِيّاكم والعاقِرَ)) وهو مُرسَلٌ قويّ الإسناد. قوله: ((عن سَيّار)) بفتح المهمَلة وتشديد التَّحتانيَّة، وقد تقدَّم في ((باب تزويج الثِّبات)) (٥٠٧٩) عن أبي النُّعمان عن هُشَيم قال: حدَّثنا سَيّار، وكذا في الباب الذي بعده: حدَّثنا يعقوب الدَّورَقيّ، حدَّثنا هُشَيم، أخبرنا سَیّار. قوله: ((عن الشَّعْبيّ)) في رواية أبي عَوَانة (٧٥٢٦) من طريق سُريج بن النُّعمان عن هُشَيم: حدَّثنا سَيّار حدَّثنا الشَّعبيّ، ولأحمد (١٤٨٢٢) من وجه آخر: سمعتُ الشَّعبيّ. قوله: ((قَفَلْنا مَعَ النبيِّ ◌َ﴿) بفتح القاف وتخفيف الفاء، أي: رَجَعْنا، وقد تقدَّم شرحه في ((باب تزویج الثِیات)). قوله: ((حتَّى تَدْخُلوا ليلاً، أي: عِشاءً)) هذا التَّفسير في نفس الخبر، وفيه إشارةٌ إلى الجمع بين هذا الأمرِ بالدُّخولِ ليلاً والنَّهي عن الطُّروق ليلاً،/ بأنَّ المراد بالأمرِ: الدُّخولُ في أوَّل اللَّيل، ٣٤٢/٩ وبالنَّهي: الدُّخول في أثنائه، وقد تقدَّم في أواخر أبواب العمرة (١٨٠١) في طريق الجمع بينهما: أنَّ الأمر بالدُّخولِ ليلاً لمن أعلَمَ أهلَه بقُدومِه فاستعدّوا له، والنَّهي عمَّن لم يَفعَل ذلك. قوله: ((وحدَّثني الثِّقة أنَّه قال في هذا الحديث: الكَيْسَ الكَيْسَ يا جابر، يعني: الولدَ)) القائل: ((وحدَّثني)) هو هُشَيم، قال الإسماعيليّ: كأنَّ البخاريّ أشارَ إلى أنَّ هُشَيماً حَمَلَ هذه الزّيادة عن شُعْبة، لأنَّه أورَدَ طريق شُعْبة على إثر حديث هُشَيم. وأغرَبَ الكِرْمانيُّ فقال: القائل: ((وحدَّثني)) هو هُشَيمٌ أو البخاريّ. انتهى، وهو جارٍ على ظاهر اللَّفظ، والمعتمَدُ أنَّ القائل هُشَيم كما أشارَ إليه الإسماعيليّ. ٦٧٨ باب ١٢١ / ح ٥٢٤٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((إذا دَخَلْتَ ليلاً فلا تَدْخُلْ على أهلِك)) معنى الدُّخولِ الأوَّل القُدومُ، أي: إذا دَخَلتَ البلد فلا تَدخُل البيت. قوله: ((قال: قال)) في رواية النَّسائيِّ (ك٩١٠٠) عن أحمد بن عبد الله بن الحَكَم عن محمَّد ابن جعفر: ((قال: وقال)) بإثبات الواو، وكذا أخرجه أحمد (١٤١٨٤) عن محمّد بن جعفر ولفظه: ((قال: وقال رسول الله وَ لّ: إذا دَخَلتَ فعليكَ بالكَيْسِ الكَيْس)). قوله: ((تابَعَه عُبيد الله، عن وَهْب، عن جابر، عن النبيّ وَّ في الكَيْس)) عُبيد الله: هو ابن عمر العُمَريّ، ووَهْب: هو ابن كَيْسانَ، والمتابِعُ في الحقيقة هو وَهْب، لكنَّه نَسَبَها إلى عُبيد الله لتَفُرُّدِهِ بذلكَ عن وَهْب، نعم قد روى محمّد بن إسحاق(١) عن وَهْب بن كَيْسانَ هذا الحديث مُطوَّلاً وفيه مقصود الباب، لكن بلفظٍ آخرَ كما سأُبيِّنُه، ورواية عُبيد الله بن عمر تقدَّمَت موصولة في أوائل البيوع (٢٠٩٧) في أثناء حديثٍ أوَّله: كنتُ معَ النبيّ ◌َل في غَزاة فأبطَأْ بي ◌َلي، فذكر الحديث في قصَّة الْجَمَل بطولها، وفيه قصَّة تزويج جابر وقوله: ((أَفَلا جاريةً تُلاعِبُها وتُلاعِبُك))، وفيه: ((أمَا إِنَّك قادِمٌ، فإذا قَدِمتَ فالكَيْسَ الكَيسَ))، وقوله : (فالكَيْسَ)) بالفتح فيهما على الإغراء، وقيل: على التَّحذير من ترك الجِماع. قال الخطَّابيُّ: الكَيْس هنا بمعنى الحَذَر، وقد يكون الكَيْس بمعنى الرِّفق وحُسْن التَّاتي، وقال ابن الأعرابيّ: الكَيْس: العقل، كأنَّه جَعَلَ طلبَ الولد عقلاً. وقال غيره: أراد الحذر من العَجْز عن الجِماع، فكأنَّه حَثَّ على الجِماع. قلت: جَزَمَ ابن حِبّان في ((صحيحه)) (٢٧١٧) بعد تخريج هذا الحديث بأنَّ الكَيْس الجِماعُ، وتوجيهه على ما ذُكِرَ، ويُؤيِّده قوله في رواية محمَّد بن إسحاق: ((فإذا قَدِمتَ فاعمَل عَمَلاً كَيِّساً))، وفيه: قال جابر: فدَخَلْنا حين أمسَينا، فقلتُ للمرأة: إنَّ رسول الله وَّهِ أَمَرَني أن أعمَلَ عَمَلاً كَيساً، قالت: سَمعاً وطاعة، فدونَك، قال: فبتُّ معها حتَّى أصبحتُ، أخرجه ابن خُزَيمةَ في ((صحيحه)(٢). (١) انظر ((سيرة ابن هشام)) ٢٠٦/٢ -٢٠٧، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أحمد (١٥٠٢٦) بطوله. (٢) في الحج منه كما في («إتحاف المهرة)) لابن حجر ٥٩٢/٣. ٦٧٩ باب ١٢٢ / ح ٥٢٤٧ كتاب النكاح قال عياض: فَسَّرَ البخاريُّ وغيره الكَيْسَ بطلب الولد والنَّسْل، وهو صحيح، قال صاحبُ ((الأفعال)): كاسَ الرجلُ في عَمَله: حَذَقَ، وكاسَ: ولدَ ولداً كَيِّساً، وقال الكِسائيُّ: كاسَ الرجلُ: وُلِدَ له ولدٌ كَيِّس. انتهى، وأصل الكَيْسِ العقلُ كما ذكر الخطَّبيّ، لكنَّه بمُجرَّدِه ليس المرادَ هنا، والشّاهد لكَونِ الكَيْس يُراد به العقلُ قول الشّاعر(١): وإنَّما الشِّعرُ لُبُّ المرءِ يَعرِضُه على الرِّجال فإن كَيساً وإن حُمقا. فقابَلَه بالحُمْقِ وهو ضِدّ العقل، ومنه حديث: ((الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَه وعَمِلَ لمَا بعد الموت، والأحمقُ مَن أتبَعَ نفسَه هَواها)»(٢)، وأمَّا حديث: ((كلّ شيء بقَدَرٍ، حتَّى العَجْزُ والكَيْسُ))(٣) فالمراد به الفِطْنة. ١٢٢ - بابٌ تَستحِدُّ المُغِيبة وتمتشِط الشَّعِثَةُ ٥٢٤٧ - حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا هُشَيمٌّ، أخبرنا سَيّارٌ، عن الشَّعْبيِّ، عن جابرِ ابن عبدِ الله، قال: كَّا معَ النبيِّ وَ فِي غَزْوةٍ، فلمَّا قَفَلْنا كنَّا قريباً منَ المدينةِ، تَعَجَّلْتُ على بَعِيرِ لِي قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي راكِبٌ من خَلْفي فنَخَسَ/ بعيري بعنزةٍ كانت معه، فسارَ بَعیري کأحسنِ ٣٤٣/٩ ما أنتَ راءٍ منَ الإبلِ، فالتَفَتُّ فإذا أنا برسولِ الله وَّةِ، فقلتُ: يا رسولَ الله، إنّ حديثُ عَهْدٍ بعُرْسٍ، قال: ((أَنزَوَّجْتَ؟)) قلتُ: نعم، قال: ((أبِكْراً أم تَيِّاً؟)) قال: قلتُ: بل نَيِّاً، قال: ((فَهَلّا بِكْراً تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ؟)). قال: فلمَّا قَدِمْنا ذَهَبْنَا لِنَدخُلَ، فقال: ((أَمهِلوا حتَّى تَدْخُلوا ليلاً. أي: عِشاءً - لكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِنُةُ، وتَسْتَحِدَّ المُغِيبُ)). قوله: ((بابٌ تَسْتَحِدّ المُغِيبة وتَتَشِط الشَّعِثة)) تقدَّم ضبطُ ذلك في أواخر أبواب العمرة (١٨٠١)، وتقدَّم شرحُ الحديث في الباب الذي قبله. (١) هو حسّان بن ثابت رضي الله عنه، انظر ((ديوانه)) ص ٣٤٨، والرواية فيه: على المجالس، بدل: على الرجال. (٢) أخرجه أحمد (١٧١٢٣)، والترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠)، من حديث شدّاد بن أوس، وفي سنده ضعف، وعندهم جميعاً بلفظ: والعاجز، بدل: والأحمق. (٣) أخرجه مسلم (٢٦٥٥) من حديث ابن عمر. ٦٨٠ باب ١٢٣ / ح ٥٢٤٨ فتح الباري بشرح البخاري ١٢٣ - بابٌ ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ﴾ ٥٢٤٨ - حذَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي حازِمِ، قال: اختَلَفَ الناسُ بأيِّ شيءٍ دُورِيَ جُرْعُ رسولِ الله ◌ِّهِ يومَ أُحُدٍ، فسألوا سَهْلَ بنَ سعدِ الساعدِيَّ - وكان من آخِرِ مَن بَقِيَ من أصحاب النبيِّ ◌َّهِ بِالمدينةِ - فقال: ما بَقِيَ للنَّاسِ أحدٌ أعلمُ به منّي، كانت فاطمةُ عليها السَّلام تَفْسِلُ الدَّمَ عن وجهِهِ وعليٍّ يأتي بالماءِ على تُرْسِهِ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ فحُرِّقَ، فحُشِيَ به جُرْحُه. قوله: ((بابٌ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ﴾)) في رواية أبي ذرٍّ: إلى قوله: ﴿عَوْرَتِ اُلِّسَآءِ﴾، وبهذه الزّيادة تظهر المطابقةُ بين الحديث والتَّرجمة. قوله: ((سُفْيان)) هو ابن عُيَينة. قوله: ((عن أبي حازِم)) هو سَلَمةُ بن دينارٍ، ووَقَعَ في رواية عليّ بن عبد الله عن سفيان: حدَّثنا أبو حازم، تقدَّم في أواخر الجهاد (٣٠٣٧). قوله: (اختَلَفَ الناسُ)) إلى آخره، فيه إشعار بأنَّ الصَّحابة والتابعينَ كانوا يَتَبَّعونَ أحوالَ النبيِّ وٍَّ في كلّ شيء حتَّى في مِثل هذا، فإنَّ الذي يُداوَى به الجُرحُ لا يختلفُ الحكمُ فيه إذا كان طاهراً، ومع ذلك فَتَرَدَّدوا فيه حتَّى سألوا مَن شاهَدَ ذلك. قوله: ((وكان من آخِرِ مَن بَقيَ من الصَّحابة بالمدينةِ)) فيه احترازٌ عَمَّن بقيَ من الصَّحابة بالمدينة وبغير المدينة، فأمَّا المدينة فكان بها في آخِرِ حياة سهل بن سعد محمودُ بن الرَّبيع ومحمود(١) بن لَبيد، وكلاهما له رُؤية وعُدَّ في الصَّحابة، وأمَّا من الصَّحابة الذينَ ثَبَتَ سماعُهم من النبيّ وَِّ فما كان بقيَ بالمدينة حينئذٍ غيرُ سَهل بن سعدٍ على الصَّحيح، وأمَّا بغير المدينة فبقيَ أنس بن مالك بالبصرة، وغيرُه بغيرها، وقد استَوعَبتُ الكلام على ذلك في الكلام على ((علوم الحديث)) لابنِ الصَّلاح. قوله: ((ما بَقِيَ للنّاسِ أحدٌ أعلم به منِّي)) ظاهره أنَّه نَفَى أن يكون بقيَ أحدٌ أعلمُ منه، فلا (١) تحرَّف في (س) إلى: محمد.