Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١ باب ١٠٧ / ح ٥٢٢٤ كتاب النكاح عن أسماء: كنت أخدُمُ الزُّبَيرِ خِدمةَ البيت، وكان له فرسٌ، وكنتُ أسُوسُه فلم يكن من خِدمَته شيء أشدَّ عليَّ من سياسة الفرس، كنت أحتشُّ له وأقوم عليه. قوله: ((وأستَقي الماء)) كذا للأكثر، ولِلسَّرَخسيِّ: ((وأسقي)) بغير مُثنّة، وهو على حذف المفعول، أي: وأسقي الفرسَ أو الناضحَ الماءَ، والأوَّل أشمَلُ معنّى وأكثرُ فائدةً. قوله: ((وأخرِز)) بخاءٍ مُعجَمة ثمَّ راءٍ ثمَّ زاي ((غَرْبَه)) بفتح المعجَمة وسكون الرّاء بعدها موحّدة: هو الذَّلو. قوله: ((وأعجِن)) أي: الدَّقيق، وهو يُؤيِّد ما حَمَلنا عليه المالَ، إذلو كان المرادُ نفيَ أنواع المال لانتَفَى الدَّقيق الذي يُعجَن، لكن ليس ذلك مُرادَها، وقد تقدَّم في حديث الهجرة (٣٩٠٥): أنَّ الزُّبَيرِ لافَى النبيّ ◌َّه وأبا بكر راجِعاً من الشّام بتجارةٍ، وأنَّه كَساهما ثياباً. قوله: «ولم أكُن أُحْسِنُ أَخبزُ، فكان يَخِزُ جاراتٌ لي)) في رواية مسلم (٣٤/٢١٨٢): فكان يَخْبِز لي؛ وهذا محمولٌ على أنَّ في كلامها شيئاً محذوفاً، تقديره: تزوَّجَني الزُّبَير بمكَّة وهو بالصِّفة المذكورة، واستَمرَّ على ذلك حتَّى قَدِمْنا المدينة، وكنت أصنَع كذا ... إلى آخره، لأنَّ النّسوة من الأنصار إنَّما جاوَرْنَها بعد قُدومها المدينة قطعاً، وكذلكَ ما سيأتي من حكايةِ نَقْلِها : النَّوَى من أرض الزُّبَير. قوله: ((وكُنَّ نِسْوَ صِدْقٍ)) أضافَتُهُنَّ إلى الصِّدق مُبالَغة في تَلْبُّسهنَّ به في حُسْن العِشرة والوَفَاء بالعهدِ. قوله: ((وكنتُ أنْقُل النَّوَى من أرض الزُّبَيرِ التي أقطَعَه رسولُ الله ◌َّ)) تقدَّم في كتاب فرض الخُمُس (٣١٥١) بيانُ حال الأرض المذكورة، وأنَّها كانت ممَّ أفاءَ الله على رسوله من أموال بني النَّضير، وكان ذلك في أوائل قُدومه المدينةَ كما تقدَّم بيان ذلك هُناكَ. قوله: «وهيَ منِّي)» أي: من مكان سُكْناها. قوله: ((فَدَعَاني ثمَّ قال: إِخْ إِخْ)) بكسرِ الهمزة وسكون الخاء، كلمة تُقال للبعير لمن أراد أن يُنیخَه. ٦٤٣ باب ١٠٧ / ج ٥٢٢٤ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((ليَحْمِلَني خَلْفه)) كأنَها فهمَت ذلك من قَرِينة الحال، وإلّا فيحتمل أن يكون وَليه أراد أن يُركِبها وما معها ويَركَب هو شيئاً آخر غير ذلك قوله: ((فاستَحْيَيتُ أن أَسِيرَ معَ الرِّجال)» هذا بَنَتَهَ على ما فهمَته من الارتداف، وإلّا فعلى الاحتمال الآخر ما تَتَعيَّنُ المرافقةِ. قوله: ((وذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وغَيْرَتَه، وكان أغيَّر الناس)) هو بالنّسبة إلى مَن علمته، أي: أرادت تفضيله على أبناء جنسه في ذلك، أو ((من)) مُرادة، ثمَّ رأيتها ثابتةً في رواية الإسماعيليّ ولفظه: وكان مِن أغيَرِ الناس. قوله: والله لَحَمْلُكِ النَّوَى على رأسك كان أشَدَّ عليَّ مِن رُكويِك معه)) كذا للأكثر، وفي رواية السَّرَخْسيّ: ((كان أشدَّ عليكِ))، وسَقَطَت هذه اللَّفظة من رواية مسلم، ووجه ٣٢٤/٩ المفاضلة التي أشارَ إليها الزُّبَيرِ أنَّ رُكوبها معَ النبيّ :﴿ لا يَنشَأُ منه كبيرُ/ أمرٍ من الغَيْرة، لأنَّهَا أَخت امرأته، فهي في تلك الحالة لا يَحِلَّ لَه تزويجُها أن لو كانت خَلِيَّة من الَّوج، وجوازُ أن يقع لها ما وَقَعَ لزينبَ بنت جَحْش بعيدٌ جدّاً، لأَنَّه يزيد عليه لُزومُ فِراقِه الأختِها، فما بَقِيَ إلّ احتمال أن يقع لها من بعض الرِّجال مُزاحَمَةٌ بغير قصد، وأن يَنكَشِف منها حالةَ السَّير ما لا تُريد انكشافَه ونحو ذلك، وهذا كلّه أخَفُّ مَّا تَحقَّقَ من تَبَذُّلها بحَملٍ النّوَى على رأسها من مكان بعيد، لأنَّه قد يُتوهّم خِسَّةِ النَّفس ودناءة الهمّة وقِلّة الغَيْرِة، ولكن كان السَّبَبُّ الحامل على الصَّبر على ذلك شُغَلَ زوجها وأبيها بالجهاد وغيره ممّا يأمرهم به النبيُّ وَ﴿ ويُقِيمهم فيه، وكانوا لا يَتَفَرَّعونَ للقيامِ بأَمورِ البيت بأن يَتَعاطَوا ذلك بأنفُسِهم، ولِضِيق ما بأيديهم على استخدام مَن يقوم بذلكَ عنهم، فانحَصَرَ الأمرُ في نسائهم، فكُنَّ يكَفينَهم مَؤُونَةَ المنزِلِ ومَن فيه، لِيَتَوفّرواهم على ما هم فيه من نَصْرِ الإسلامِ معَ ما يَنضَمّ إلى ذلك من العادة المانعة من تسمية ذلك عاراً محضاً. قوله: ((حتَّى أرسَلَ إليَّ أبو بكر بخادِمِ تَكْفيني سياسةَ الفرس، فكأنَّما أعتَقَني)) في رواية مُسلمٍ؛ فَكَفَتَنِي، وهي أوجَه، لأنَّ الأولى تقتضى أنَّه أرسَلَها لذلكَ خاصّة، بخلاف رواية ٦٤٣ باب ١٠٧ / ح ٥٢٢٤ كتاب النكاح مسلم، وقد وَقَعَ عنده في رواية ابن أبي مُلَيكة: جاء النبيَّ هِ سَبْيٌ فأعطاها خادِماً، قالت كَفَتْني سياسةَ الفرس فألقَت عنِّي مؤونته؛ ويُجمَع بين الرِّوايتَينِ بأنّ السَّبي لمَّا جاء إلى النبيِّ وَّ أَعطَى أبا بكر منه خادِماً ليُرسِله إلى ابنته أسماء، فصَدَقَ أنّ النبيَّ ◌َّ هو المعطي، ولكن وَصَلَ ذلك إليها بواسطةٍ، ووَقَعَ عنده في هذه الرِّواية: أنَّها باعَتها بعد ذلك وتَصَدَّقَت بِثَمَنِها، وهو محمولٌ على أنَّهَا استَغنَت عنها بغيرها واستُدِلَّ بهذه القصّة على أنَّ على المرأة القيامَ بجميع ما يحتاج إليه زوجها من الخدمة، وإليه ذهب أبو ثَوْر، وَمَلَه الباقونَ على أنَّها تَطَوَّعَت بذلكَ ولم يكن لازِماً، أشار إليه المهلَّب وغيره، والذي يظهر أنَّ هذه الواقعة وأمثالها كانت في حال ضَرُورةً كما تقدّم، فلا يُطْرَد الحُكم في غيرها ممَّن لم يكن في مثل حالهم، وقد تقدَّم (٣١١٣) أن فاطمة سيّدة نساء العالمينَ شَكَتْ ما تَلقَى يَداها من الرَّحَى، وسألَت أباها خادِماً فدَلها على خير من ذلك وهو ذِكْر الله تعالى، والذي يَتَرَجَّح حَملُ الأمر في ذلك على عوائد البلاد، فإنَّهَا مُخْتَلِفة في هذا الباب. قال المهلَّب: وفيه أنَّ المرأة الشَّريفةَ إذا تَطَوَّعَت بخِدْمة زوجها بشيءٍ لا يَلِزَمها، لم يُنكِرْ عليها ذلك أبٌ ولا سُلطان، وتُعقّبَ بأنَّه بناه على ما أصَّله من أنَّ ذلك كان تَطَوُّعاً، ولخَصْمِه أن يَعكِس فيقول: لو لم يكن لازِماً ما سَكَتَّ أبوها مثلاً على ذلك معَ ما فيه من المشَقّة عليه وعليها، ولا أقَرَّ النبيُّ وَ ﴿ ذلك معَ عَظَمة الصِّدّيق عنده، قال: وفيه جواز ارتداف المرأة خلفَ الرجل في مَوكِب الرِّجال، قال: وليس في الحديث أنَّهَا اسْتَتَرَت، ولا أَنَّ النبيَّ وَّهِ أَمَرَها بذلكَ، فيُؤخَذ منه أنَّ الحجاب إنَّما هو في حَقّ أزواج النبيّ وَّه خاصّة، انتھی. والذي يظهر أنَّ القصّة كانت قبل نزول الحجاب ومشروعيَّته، وقد قالت عائشة كما تقدَّم في تفسير سورة النّور (٤٧٥٩): لمَّا نزلت ﴿وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَى جُيُوبِنَ﴾ [النور: ٣١]، أَخَذْنَ أُزُرَهنَّ من قِبَل الحواشي فشَقَقْنَهنَّ فَاخْتَمَرْنَ بها. ولم تَزَلْ عادةُ النّساءِ قديماً وحديثاً ٦٤٤ باب ١٠٧ / ح ٥٢٢٥-٥٢٢٧ فتح الباري بشرح البخاري يَستُرُنَ وجوهَهنَّ عن الأجانب، والذي ذكر عياض أنَّ الذي اختصَّ به أمَّهاتُ المؤمنينَ ◌ِترُ شُخوصهنَّ زيادة على سِتر أجسامهنَّ، وقد ذكرتُ البحث معه في ذلك في غير هذا الموضع. قال المهلَّب: وفيه غَيْرةُ الرجل عند ابتذال أهله فيما يَشُقُّ من الخدمة وأنَفَة نفسِه من ذلك، لا سيّما إذا كانت ذاتَ حَسَبٍ. انتهى، وفيه مَنقَبة لأسماء ولِلزُّبَير ولأبي بكر ولِنساءِ الأنصار. ٥٢٢٥ - حدَّثنا عليٌّ، حدّثنا ابنُ عُليَّةَ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ قال: كان النبيُّ ◌َّ عندَ بعضِ نسائه، فأرسَلَت إحدَى أمَّهاتِ المؤمنينَ بصَحْفةٍ فيها طعامٌ، فضَرَبَتِ التي النبيُّ ◌َّ﴿ في بيتِها يَدَ الخادِمِ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفةُ فانفَلَقَت، فَجَمَعَ النبيُّ نَّهَ فِلَقَ الصَّحْفِةِ، ثمَّ جَعَلَ يَجِمَعُ فيها الطَّعامَ الذي كان في الصَّحْفةِ ويقول: ((غارَتْ أمُّكم))، ثمَّ حَبَسَ الخادِمَ حتَّى أَتِيَ بصَحْفةٍ من عندِ التي هو في بيتِها، فدَفَعَ الصَّحْفةَ الصَّحِيحَةَ إلى التي كُسِرَتْ صَحْفَتُها، وأمسَكَ المَكْسورةَ في بيتِ التي کسَرَتْ. ٥٢٢٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ أبي بكرِ المُقدَّمِيُّ، حدَّثنا مُعتَمِرٌ، عن عُبيدِ الله، عن محمَّدِ بنِ المتْكَدِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَّم قال: «دَخَلْتُ الجنَّةَ أو أتيتُ الجنَّةَ فأبصَرْتُ قَصْراً، فقلت: لمن هذا؟ قالوا: لِعمرَ بنِ الخطّاب، فأَرَدْتُ أن أدْخُلَه، فلم يَمْنَعْني إلَّا عِلْمِي بِغَيْرَتِكَ)) قال عمرُ بنُ الخطّاب: يا رسولَ الله، بأبي أنتَ وأُمّي يا نبِيَّ الله، أوَعليكَ أغارٌ؟! ٥٢٢٧- حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، عن يونُسَ، عن الزُّهْريِّ، قال: أخبرني ابنُ المسيّبِ، عن أبي هريرةَ قال: بينما نحنُ عندَ رسولِ الله وَّهِ جُلوسٌ، فقال رسولُ الله ◌َيَتَ: ((بينما أنا نائمٌ رأيتُني في الجنَّةِ، فإذا امرأةٌ تَتَوضَّأُ إلى جانبٍ قَصْرِ، فقلتُ: لمن هذا؟ قال: هذا لِعِمَرَ، فَذَكَرْتُ غَيرَتَه فَوَلَّيْتُ مُذْبِراً) فبَكَى عمرُ وهو في المَجْلِسِ، ثمَّ قال: أوَعليكَ يا رسولَ الله أغارٌ؟! ٦٤٥ باب ١٠٧ / ح ٥٢٢٧ كتاب النكاح الحديث السابع: قوله: ((حدَّثنا عليّ)) هو ابن المَدِينيّ، وابن عُليَّة: اسمه إسماعيل. وقوله: ((عن أنس)) تقدَّم في المظالم (٢٤٨١) بيان مَن صَرَّحَ عن حُميدٍ بسماعِه له من أنس، وكذا تسمية المرأتينِ المذكورتَينِ، وأنَّ التي كانت في بيتها هي عائشة، وأنَّ التي أرسَلَت الطَّعامَ زینبُ/ بنت جحش، وقيل غير ذلك. ٣٢٥/٩ قوله: ((غارَت أمُّكُمْ)) الخِطابُ لمن حَضَرَ، والمراد بالأُمِّ هي التي كَسَرَت الصَّحْفة، وهي من أمَّهات المؤمنينَ كما تقدَّم بيانه، وأغرَبَ الدَّاووديُّ فقال: المراد بقوله: ((أُمّكُم)) سارَة، وكأنَّ معنى الكلام عنده: لا تَتَعَجَّبوا ممّا وَقَعَ من هذه من الغَيْرة، فقد غارَت قبلَ ذلك أمُّكم حتَّى أخرج إبراهيمُ ولدَه إسماعيل وهو طِفِلٌ معَ أمّه إلى وادٍ غيرِ ذي زَرْع، وهذا وإن كان له بعضُ توجيه لكنَّ المراد خِلَافُه، وأنَّ المراد كاسرَةُ الصَّحْفة، وعلى هذا حَمَلَه جميعُ مَن شَرَحَ هذا الحديث، وقالوا: فيه إشارة إلى عَدَم مُؤاخذة الغَيْرى بما يَصدُر منها، لأنَّها في تلك الحالة يكون عقلُها محجوباً بشِدّة الغضب الذي أثارته الغَيْرة. وقد أخرج أبو يَعْلى (٤٦٧٠) بسندٍ لا بأس به عن عائشة مرفوعاً: ((إنَّ الغَيْراء لا تُبِصِرُ أسفلَ الوادي من أعلاه)) قاله في قصَّة، وعن ابن مسعود رَفَعَه: ((إنَّ الله كَتَبَ الغَيْرة على النِّساء، فمَن صَبَرَ منهنَّ كان لها أجرُ شهيد)) أخرجه البزَّار (١٤٩٠) وأشارَ إلى صِخَّته ورجاله ثقات، لكن اختُلِفَ في عُبيد بن الصَّاح منهم(١). وفي إطلاق الدَّاووديّ على سارة أنَّها أمُّ المخاطَبين نظرٌ أيضاً، فإنَّهم إن كانوا من بني إسماعيل فأُمّهم هاجَرُ لا سارة، ويَبِعُدُ أن يكونوا من بني إسرائيل حتَّى يَصِحَّ أنَّ أمّهم سارة. الحديث الثامن: قوله: (مُعتَمِر)) هو ابن سليمان التَّيْمِيُّ، وعُبيد الله: هو ابن عمر العُمَريّ، وقد تقدَّم الحديث عن جابر مُطوَّلاً في مناقب عمر معَ شرحه (٣٦٧٩). (١) ضعَّفه أبو حاتم الرازي کما في «الجرح والتعديل)) ٤٠٨/٥، وقال في حديثه هذا - فيما نقله ابنه عنه في «العلل)) (٩٤٠) -: هذا حديث منكر، وقال مرة أخرى: هذا حديث موضوع بهذا الإسناد. وساق العقيلي في «الضعفاء)) ١١٧/٣ هذا الحديث في ترجمة عبيد بن الصبّاح وقال: لا يتابع عليه ولا يعرف إلّا به، وكذا ساقه الذهبي في ترجمته من ((الميزان)) وعدّه من مناکیره. ٦٤٦ باب ١٠٨ / ح ٥٢٢٨ فتح الباري بشرح البخاري الحديث التاسع: قوله: ((بينما أنا نائمٌ رأيتُني في الجنَّة)) هذا يُعيِّن أحد الاحتمالَينِ في الحديث الذي قبله، حيثُ قال فيه: ((دَخَلتُ الجنَّة أو أتيتُ الجنَّة)) وأنَّه يحتمل أنَّ ذلك كان في اليَقِظة أو في النَّوم، فبيّن هذا الحديث أنَّ ذلك كان في النَّومِ. قوله: ((فإذا امرأةٌ تَتَوضَّأ) تقدَّم النَّقْل(١) عن الخطَّابيّ في زعمِه أنَّ هذه اللَّفظة تصحيفٌ، وأنَّ القُرطُبَيّ عَزَا هذا الكلام لابنِ قُتَيبة، وهو كذلكَ، أورَدَه في ((غريب الحديث)) من طريق أُخرى عن الزُّهْريِّ عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة، وتَلَقّاه عنه الخطَّبيُّ فذكره في ((شرح البخاريّ))، وارتَضاه ابنُ بَطّال فقال: يُشبِه أن تكون هذه الرِّواية الصَّواب، وتَتَوضَّأ تصحيفٌ، لأنَّ الحُورَ طاهراتٌ لا وضوءَ عليهنَّ، وكذا كلُّ مَن دَخَلَ الجنَّة لا تَلزَمُه طهارة، وقد قَدَّمتُ البحثَ معَ الخطَّبيّ في هذا في مناقب عمر بما أغنى عن إعادته، وقد استَدَلَّ الدَّاووديُّ بهذا الحديث على أنَّ الحور في الجنَّة يتوضَّأْنَ ويُصَلِّينَ، قلت: ولا يَلْزَم مِن كَوْن الجنَّة لا تكليف فيها بالعبادة أن لا يَصدُر من أحدٍ من العِباد باختياره ما شاءَ من أنواع العبادة. ثمَّ قال ابن بَطّال: يُؤخَذ من الحديث أنَّ مَن عَلِمَ من صاحبه خُلُقاً لا ينبغي أن يَتعرَّض لما یُنافِره، انتھی. وفيه أنَّ مَن نُسِبَ إلى مَن اتَّصَفَ بصِفَة صلاحِ ما يُغايِرِ ذلك، يُنكَر عليه. وفيه أنَّ الجنَّة موجودة وكذلكَ الحورُ، وقد تقدَّم تقرير ذلك في بَدْء الخلق (٣٢٤٠)، وسائر فوائده تقدَّمَت في مناقب عمر (٣٦٨٠). ١٠٨ - باب غَيْرةِ النِّساء ووَجْدِهنَّ ٥٢٢٨- حدَّثْنا عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةً رضي الله عنها قالت: قال لي رسولُ الله ◌َّةَ: ((إنّي لَأَعلَمُ إذا كنتِ عنِّي راضيةً، وإذا كنتِ عليّ غَضْبَى)) قالت: فقلتُ: من أينَ تَعْرِفُ ذلك؟ فقال: ((أمَّا إذا كنتِ عنِّي راضيةً، فإنَّكِ تقولِينَ: .- (١) عند شرح الحديث (٣٦٨٠). 1 ٦٤٧ باب ١٠٨ / ح ٥٢٢٩ كتاب النكاح لا وَرَبِّ محمَّدٍ، وإذا كنتِ غَضْبَى قلتِ: لا وَرَبِّ إبراهيمَ)) قالت: قلتُ: أجَلْ والله يا رسولَ الله، مَا أهجُرُ إلَّ اسمَكَ. [طرفه في: ٦٠٧٨] ٥٢٢٩- حدَّثْني أحمدُ بنُ أبي رَجَاءٍ، حدَّثْنا النَّضْرُ، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن ٣٢٦/٩ عائشةَ أنَّها قالت: ما غِرْتُ على امرأةٍ لِرسولِ اللهِ وَِّ كما غِرْتُ على خَدِيجَةَ، لَكَثْرَةِ ذِكْرِ رسولِ الله وَّه إيّاها وثَنائِهِ عليها، وقد أُوحِيَ إلى رسولِ الله وَّهِ أَن يُبِّرَها بيتٍ لها في الجنَّةِ من قَصَبٍ. قوله: ((باب غَيْرة النِّساء ووَجْدِهنَّ) هذه التَرجمة أخصُّ من التي قبلها، والوَجْدُ بفتح الواو: الغضب، ولم يَبْتَّ المصنّف حُكمَ التَّرجمة، لأنَّ ذلك يختلفُ باختلاف الأحوال والأشخاص، وأصلُ الغَيْرة غير مُكتَسَب للنِّساءِ، لكن إذا أفرَطَتْ في ذلك بقَدْرٍ زائد عليه تُلام، وضابط ذلك ما وَرَدَ في الحديث الآخر عن جابر بن عَتِيك الأنصاريّ رَفَعَه: ((إنَّ من الغَيْرة ما يُحِبُّ الله، ومنها ما يُغِضُ الله: فأمَّا الغَيْرةُ التي يُحِبّ الله، فالغَيْرة في الرِّيبة، وأمَّا الغَيْرة التي يُبْغِض، فالغَيْرة في غير رِيبة))(١)، وهذا التَّفصيل يَتمَحّضُ في حَقّ الرِّجال لضَرُورة امتناع اجتماع زوجَينِ للمرأة بطريق الحِلّ، وأمَّا المرأة فحيثُ غارَتْ مِن زوجها في ارتكاب مُحرَّم، إمّا بالزّنى مثلاً، وإمّا بنقصِ حَقّها وجَوْره عليها لضَرَّتِها وإيثارها عليها، فإذا تَحَقَّقَت ذلك أو ظَهَرَت القَرائنُ فيه، فهي غَيْرة مشروعة، فلو وَقَعَ ذلك بمُجرَّدِ التَّوَهُم عن غير دليلٍ، فهي الغَيْرة في غير رِيبة، وأمَّا إذا كان الَّوجُ مُقسِطاً عادِلاً وأدَّى لكلٍّ من الضَّرَّتَيْنِ حَقَّها، فالغَيْرة منهما إن كانت لمَا في الطِّباع البشريّة التي لم يَسلَمْ منها أحدٌ من النِّساء، فتُعذَر فيها ما لم تَتَجاوَز إلى ما يَحِرُم عليها من قولٍ أو فِعل، وعلى هذا يُحمَل ما جاء عن السَّلَف الصالح من النِّساء في ذلك. (١) أخرجه أحمد (٢٣٧٤٧)، وأبو داود (٢٦٥٩)، والنسائي (٢٥٥٨)، وصحَّحه ابن حبان (٤٧٦٢)، والحافظ ابن حجر في ترجمة جابر بن عتيك من ((الإصابة)). ٦٤٨ باب ١٠٨ / ح ٥٢٢٩ فتح الباري بشرح البخاري ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب حديثَينِ عن عائشة: أحدهما: قوله: ((حدّثنا عُبید» في رواية أبي ذرٍّ: حدَّثني، بالإفرادِ. قوله: ((إنّ لَأعلمُ إذا كنتِ عنِّي راضيةً)) إلى آخره، يُؤْخَذ منه استقراءُ الرجل حالَ المرأة مِن فِعْلها وقولها فيما يَتَعلَّق بالميلِ إليه وعَدَمه، والحُكم بما تقتضيه القَرائنُ في ذلك، لأَنَّه ◌ِّلـ جَزَمَ بِرِضا عائشة وغَضَبها بمُجرَّدِ ذِكْرِها لاسمِه وسُكوتها، فَبَنَى على تَغيُّرُ الحالتَينِ من الذِّكر والسُّكوت تَغيُّرَ الحالتَينِ من الرِّضا والغضب، ويحتمل أن يكون انضَمَّ إلى ذلك شيءٌ آخر أصرَحُ منه لكن لم يُنقَل. وقول عائشة: ((أجَلْ يا رسولَ الله، ما أهجُرُ إلّا اسمك)) قال الطِّييُّ: هذا الخَصرُّ لطيفٌ جدّاً، لأنَّها أخبَرَت أنَّا إذا كانت في حال الغضب الذي يَسلُبُ العاقلَ اختيارَه لا تَتَغيَّرُ عن المحبّة المستَقِرّة، فهو كما قيلَ(١): إنّي لأمنَحُك الصُّدودَ وإِنَّني قَسَماً إليك معَ الصُّدود لَأَمْيَلُ وقال ابن المنيِّر: مُرادها أنَّها كانت تَترُكُ التَّسمية اللَّفظيَّة ولا يَترُكُ قلبُها التَّعَلُّقَ بذاته الكَرِيمَة مَوَدّةً وَحَبّة. انتهى، وفي اختيار عائشة ذِكْر إبراهيم عليه السلام دون غيره من الأنبياء دلالةٌ على مزيد فِطَتَها، لأنَّ النبيَّ وَّل أولى الناس به كما نَصَّ عليه القرآن، فلمَّا لم يكن لها بُدٌّ من هَجْر الاسم الشَّريف، أبدَلَته بمَن هو منه بسبيلٍ، حتَّى لا تَخْرُج عن دائرة التَّعلُّق في الجملة. وقال المهلَّب: يُستَدَلّ بقولِ عائشة على أنَّ الاسم غير المسَمَّى، إذ لو كان الاسم عين المسَمَّى لكانت بهَجْره تَهجُر ذاته وليس كذلكَ. ثمَّ أطالَ في تقرير هذه المسألة، ومحلّ البحث فيها كتاب التَّوحيد حيثُ ذكرها المصنّف(٢)، أعانَ الله تعالى على الوصول إلى ذلك بحوله وقوّته. (١) القائل هو الأحوص الأنصاري، من قصيدة يمدح بها عمر بن عبد العزيز، انظر ((خزانة الأدب)) للبغدادي ٤٨/٢. (٢) عند باب (١٤): ما يُذكَر في الذات والنعوت وأسامي الله. ٦٤٩ باب ١٠٩ / ح ٥٢٣٠ كتاب النكاح ثانيهما: قوله: ((حدَّثني أحمد بن أبي رَجَاء)) هو أبو الوليد الهَرَويّ، واسم أبي رَجَاء: عبد الله بن أيوب. قوله: ((ما غِرْتُ على امرأة)) بيَّنتْ سببَ ذلك، وأنَّه كَثْرة ذِكْر رسول الله وَّ لها، وهي وإن لم تكن موجودةً وقد أَمِنَت مُشارَكتَها لها فيه، لكنَّ ذلك يقتضي ترجيحها عنده، فهو الذي هَيَّجَ الغضبَ الذي يُثير الغَيْرَةَ بحيثُ قالت ما تقدَّم في مناقب خديجة(١): «أبدَلكَ اللهُ خيراً منها، فقال: ما أبدَلَني الله خيراً منها))، ومع ذلك فلم يُنقَل أنَّه واخَذَ عائشةَ لقيام ٣٢٧/٩ مَعِذِرَتها بالغَيْرة التي جُبِلَ عليها النِّساء، وقد تقدَّمَت مباحث الحديث في كتاب المناقب (٣٨١٦) مُستَوفاة. ١٠٩ - باب ذبِّ الرّجل عن ابنته في الغَيْرة والإنصاف ٥٢٣٠- حدَّثْنَا قُتَبةُ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن ابنِ أبي مُلَيكةَ، عن المِسْوَرِ بنِ تَخْرَمَةَ، قال: سمعتُ رسولَ الله وَلّهيقول وهو على المِنْيِ: ((إنَّ بني هشامِ بنِ المغِيرةِ استَأذَنوا في أن يُنكِحِوا ابنَتَهم عليَّ بنَ أبي طالبٍ، فلا آذَنُ، ثمَّ لا آذَنُ، ثمَّ لا آذَنُ، إلّا أن يُرِيدَ ابنُ أبي طالبٍ أن يُطَلَّقَ ابنَتِي ويَنْكِحَ ابنَتَهم، فأَّما هي بَضْعَةٌ منّي يُرِيبُني ما أَرابَها، ويُؤْذِيني ما آذاها». قوله: ((باب ذَبّ الرجل عن ابنته في الغَيرة والإنصاف)) أي: في دفع الغَيْرة عنها وطلب الإنصاف لها. قوله: ((عن ابن أبي مُلَيكة، عن المِسْوَر)) كذا رواه اللَّيث وتابَعَه عَمْرو بن دينار(٢) وغيرُ واحد، وخالَفَهم أيوب فقال: عن ابن أبي مُلَيكة عن عبد الله بن الزُّبَير، أخرجه التِّرمِذيّ (٣٨٦٩) وقال: حسن، وذكر الاختلاف فيه، ثمَّ قال: يحتمل أن يكون ابن أبي مُلَيكة حَمَلَه عنهما جميعاً. انتهى، والذي يظهر ترجيحُ رواية اللَّيث لكَونِهِ تُوبعَ، ولِگونِ الحديث قد جاء عن المِسوَر من غير رواية ابن أبي مُلَيكة، فقد تقدَّم في فرض الخُمُس (٣١١٠) وفي المناقب (١) عند شرح الحديث (٣٨٢١). (٢) وروايته سلفت عند البخاري برقم (٣٧١٤) و(٣٧٦٧). ٦٥٠ باب ١٠٩ / ح ٥٢٣٠ فتح الباري بشرح البخاري (٣٧٢٩) من طريق الزّهْريِّ عن عليّ بن الحسين بن عليّ عن المِسوَر، وزاد فيه في الخُمُس قصَّة سيفِ النبيِّ وَّةِ، وذلكَ سبب تحديث المِسوَر لعليِّ بن الحسين بهذا الحديث، وقد ذكرتُ ما يَتَعلَّق بقصَّة السَّيف منه هُناكَ. ولا أزال أتعجّب من المِسوَر كيف بالَغَ في تَعَضُّبه لعليٍّ بن الحسين حتَّى قال: إنَّه لو أَودَعَ عنده السَّيف لا يُمَكِّن أحداً منه حتَّى تَزْهَق روحُه، رِعايةً لكَونِهِ ابنَ ابنِ فاطمة مُحْتَجّاً بحديثِ الباب، ولم يُراعِ خاطِرَه في أنَّ في ظاهر سياق الحديث المذكور غَضَاضةً على عليّ بن الحسين لما فيه من إيهام غَضِّ من جَدّه عليّ بن أبي طالب، حيثُ أقدَمَ على خِطْبة بنت أبي جهل على فاطمة حتَّى اقتَضَى أن يقع من النبيِّ وَّ في ذلك من الإنكار ما وَقَعَ، بل أتعجَّبُ من المِسوَر تَعَجُّباً آخرَ أبلَغَ من ذلك، وهو أن يَبذُل نفسَه دون السَّيف رِعايةً لخاطِرِ ولِدِ ابن فاطمة، وما بَذَلَ نفسَه دونَ ابن فاطمة نفسِه، أعني الحسينَ والد عليّ الذي وَقَعَت له معه القصَّة حتَّى قُتِلَ بأيدي ظَلَمة الوُلاة، لكن يحتمل أن يكون عُذْره أنَّ الحسين لمَّا خَرَجَ إلى العراق ما كان المِسوَر وغيرُه من أهل الحجاز يَظُنّونَ أنَّ أمرَه يؤول إلى ما آلَ إليه، والله أعلم. وقد تقدَّم في فرض الخُمُس وجه المناسَبة بين قصَّة السَّيف وقصَّة الخِطبة بما یُغني عن إعادته. قوله: ((سمعتُ رسول الله وَ لَّ يقول وهو على المِبَ)) في رواية الزّهْريّ عن عليّ بن حُسَين عن المِسوَر الماضية في فرض الخُمُس: يَخْطُب الناس على مِنبَرَه هذا وأنا يومئذٍ مُحْتَلِم، قال ابن سَيِّد الناس: هذا غلطٌ، والصَّواب ما وَقَعَ عند الإسماعيليّ بلفظ: ((كالمحتَلمِ)) أخرجه من طريق يحيى بن مَعِين عن يعقوب بن إبراهيم بسندِه المذكور إلى عليّ بن الحسين، قال: والِسْوَر لم يَحَتَلِم في حياة النبيّ وَِّ، لأنَّه وُلِدَ بعد ابن الزُّبَيرِ، فيكون عمرُه عند وفاة النبيّ وَّ ثماني سنين. قلت: كذا جَزَمَ به، وفيه نظرٌ، فإنَّ الصَّحيح أنَّ ابن الزُّبَيرِ وُلِدَ في السَّنة الأولى، فيكون عمره عند الوفاة النبويَّة تسعَ سنين، فيجوز أن يكون احتَلَمَ في أوَّل ◌ِني الإمكان، أو يُحمَل ٦٥١ باب ١٠٩ / ح ٥٢٣٠ كتاب النكاح قوله: ((مُحْتَلم)) على المبالَغة والمراد التَّشبيه، فتَلَئِمِ الرِّوايتان، وإلّا فابنُ ثمان سنين لا يقال له: مُتَلِم ولا كالمحتَلِم، إلّا أن يريد بالتَّشبيه أنَّه كان كالمحتَلم في الحِذْق/ والفَهْم والحِفظ، ٣٢٨/٩ والله أعلم. قوله: ((إنَّ بني هشام بن المغيرة)) وَقَعَ في رواية مسلم: هاشم(١) بن المغيرة، والصَّواب هشام، لأنَّه جَدُّ المخطوبة. قوله: ((استأذَنوا)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((استأذَنوني)) ((في أن يُنْكِحوا ابنتَهم عليّ بن أبي طالب)) هكذا في رواية ابن أبي مُلَيكة أنَّ سبب الخُطبة استئذانُ بني هشام بن المغيرة، وفي رواية الزُّهْريِّ عن عليّ بن الحسين سببٌ آخر ولفظه: إنَّ عليّاً خَطَبَ بنت أبي جهل على فاطمة، فلمَّا سمعت بذلكَ فاطمةُ أتتِ النبيّ وَِّ فقالت: إنَّ قومك يَتَحدَّثونَ، كذا في رواية شُعَيب، وفي رواية عبيد الله بن أبي زياد عنه في ((صحيح ابن حِبّان)) (٦٩٥٧): فبَلَغَ ذلك فاطمةَ فقالت: إنَّ الناس يَزِعُمونَ أنَّكَ لا تَغضَبُ لبناتك، وهذا عليٌّ ناكِحٌ بنتَ أبي جهل؛ هكذا أطلقت عليه اسم فاعل مَجازاً، لكَونِه أراد ذلك وصَمَّمَ عليه، فنزَّلَتَه مَنزِلة مَن فَعَلَه، ووَقَعَ في رواية عُبيد الله بن أبي زياد: ((خَطَبَ))، ولا إشكال فيها، قال المِسوَر: فقامَ النبيّ ◌َلّر ... فذكر الحديث. ووَقَعَ عند الحاكم (١٥٩/٣) من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي حَنظَلة: أنَّ عليّاً خَطَبَ بنت أبي جهل، فقال له أهلها: لا نُزَوِّجُك على فاطمة. قلت: فكأنَّ ذلك كان سبب استئذانهم، وجاء أيضاً أنَّ علیاً استأذَنَ بنفسِه، فأخرج الحاكم (١٥٨/٣) بإسنادٍ صحيح إلى سُوَيد بن غَفَلة - وهو أحد المخَضرَ مينَ مَّن أسلَمَ في حياة النبيّ ◌َّهِ ولم يَلقَه - قال: خَطَبَ عليٌّ بنتَ أبي جهل إلى عَمّها الحارث بن هشام، فاستشارَ النبيَّ وَّ فقال: ((أعن حَسَبها تسألني؟)) فقال: لا، ولكن أتأمُرُني بها؟ قال: ((لا، فاطمة مُضْغَةٌ مِنِّي، ولا أحسَبُ إلّا أَّها تَحَزَنُ أو تَجَزَعُ)) فقال عليّ: لا آتي شيئاً تَكرَهُه. ولعلَّ هذا الاستئذان وَقَعَ بعد خُطبة (١) في نسخة مخطوطة لدينا من ((صحيح مسلم)) وهو كذلك في المطبوع (٢٤٤٩) (٩٣): هشام، على الصواب. ٦٥٢ باب ١٠٩ / ح ٥٢٣٠ فتح الباري بشرح البخاري النبيِّ وَّه بِمَا خَطَبَ ولم يَحَضُر عليٌّ الخُطبة المذكورة فاستشارَ، فلمَّا قال له: ((لا)) لم يَتعرَّض بعد ذلك لطلبها، ولهذا جاء في آخر حديث شُعَيب عن الزّهْريّ(١): فَتَرَكَ عليّ الخِطبة؛ وهي بكسرِ الخاء المعجَمة، ووَقَعَ عند أبي داود (٢٠٧٠) من طريق مَعمَر عن الزُّهْريّ عن عُرْوة: فسَكَتَ عليٌّ عن ذلك النِّكاح. قوله: ((فلا آذَنُ، ثمَّ لا آذَنُ، ثمَّ لا آذَن)) كَرَّرَ ذلك تأكيداً، وفيه إشارة إلى تأبيد مُدّة مَنْع الإذن، وكأنَّه أراد رفعَ المجاز لاحتمال أن يُحمَل النَّفي على مُدّة بعينِها، فقال: ((ثُمَّ لا آذَن)) أي: ولو مَضَت المدّة المفروضة تقديراً، لا آذَنُ بعدها ثمَّ كذلكَ أبداً، وفيه إشارة إلى ما في حديث الزُّهْريِّ(٢) من أنَّ بني هشام بن المغيرة استأذَنوا. وبنو هشام هم أعمامُ بنت أبي جهل، لأنَّه أبو الحَكَم عَمْرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلَمَ أخَواه الحارثُ بن هشام وسَلَمةُ بن هشام عامَ الفتح وحَسُنَ إسلامهما، ويُؤْيِّد ذلك جوابُهما المتقدِّم لعليٍّ، ومَن يَدخُل في إطلاق بني هشام بن المغيرة عِكْرمةُ بن أبي جهل بن هشام، وقد أسلَمَ أيضاً وحَسُنَ إسلامه، واسم المخطوبة تقدَّم بيانه في «باب ذِكْر أصهار النبيِّ ◌ََّ)) من كتاب المناقب (٣٧٢٩)، وأنَّه تزوَّجَها عَتّابُ بنُ أَسِيد بن أبي العِيص لمَّا تَرَكَها عليٌّ، وتقدَّم هناك زيادة في رواية الزُّهْريّ في ذِكْر أبي العاص بن الرَّبيع، والكلام على قوله وََّ: ((حدَّثني فصَدَقَنِي، وَوَعَدَني ووَفَ لي))، وتوجيه ما وَقَعَ من عليّ في هذه القصَّة أغنى عن إعادته. قوله: ((إلّا أن يريد ابنُ أبي طالب أن يُطلِّق ابنَتي ويَنْكِحَ ابنتَهم)) هذا محمول على أنَّ بعض مَن يُبغِض عليّاً وَشَى به أنَّه مُصَمِّم على ذلك، وإلّا فلا يُظَنّ به أنَّه يَستَمِّرّ على الخِطبة بعد أن استشارَ النبيَّ ◌َّهِ فِمَنَعَه، وسياق سُوَيد بن غَفَلة يدلّ على أنَّ ذلك وَقَعَ قبل أن تعلم به فاطمة، فكأنَّه لمَّ قيل لها ذلك وشَكَتْ إلى النبيّ وَّ بعد أن أعلمَه عَلَيٍّ أنَّه تَرَك، أنكَرَ عليه ذلك، وزاد في رواية الزُّهْريّ (٣١١٠): ((وإنّي لست أُحَرِّم حلالاً، ولا أُحَلِّل حَراماً، (١) سلف عند البخاري برقم (٣٧٢٩). (٢) ذَهَلَ الحافظُ رحمه الله في عزوه هذا الحرف للزهري، مع کونِه في حديث الباب من رواية ابن أبي مليكة. ٦٥٣ باب ١٠٩ / ح ٥٢٣٠ كتاب النكاح ولكن والله لا تجتمعُ بنتُ رسولِ الله وبنتُ عدوِّ الله أبداً))، وفي رواية مسلم (٩٥/٢٤٤٩): ((مكاناً واحداً أبداً))، وفي رواية شُعَيب(١): ((عند رجل واحد أبداً)). قال ابن التِّين: أصحّ ما تُحمَل عليه هذه القصَّة أنَّ النبيّ وََّ حَرَّمَ على عليٍّ أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل، لأنَّه عَلَّلَ / بأنَّ ذلك يُؤذيه وأذيَّتُه حَرامٌ بالاتّفاق، ومعنى قوله: ٣٢٩/٩ ((لا أُحَرِّم حلالاً)) أي: هي له حلالٌ لو لم تكن عنده فاطمة، وأمَّا الجمع بينهما الذي يَستَلِم تأذّيَ النبيِّ وَّ لتأذِّي فاطمة به، فلا. وزَعَمَ غيره أنَّ السِّياق يُشعِر بأنَّ ذلك مُباحٌ لعليٍّ، لكن مَنَعَه النبيّ ◌َِّ رِعايةً لخاطِرِ فاطمة، وقَبِلَ هو ذلك امتثالاً لأمرِ النبيّ ◌َِّ. والذي يظهرُ لي أنَّه لا يَبعُدُ أن يُعَدَّ في خصائص النبيّ وَِّ أن لا يُتزوَّج على بناته، ويحتمل أن يكون ذلك خاصّاً بفاطمةَ عليها السَّلام. قوله: ((فإنَّما هي بَضْعة منِّي) بفتح الموحّدة وسكون الضّاد المعجَمة، أي: قِطعة، ووَقَعَ في حديث سُوَيد بن غَفَلة كما تقدَّم: ((مُضْغة) بضمِّ الميم وبغَينٍ مُعجَمة، والسَّبَب فيه ما تقدَّم في المناقب (٣٧٢٩): أنها كانت أُصيبَت بأُمِّها ثمَّ بأخواتها واحدةً بعد واحدة، فلم يَبَقَ لها مَن تَستأنِس به مَّن يُحُفِّف عليها الأمرَ مَّن تُفضي إليه بسِرِّها إذا حَصَلَت لها الغَيْرة. قوله: (يُرِيبني ما أرابَها)) كذا هنا من: أرابَ، رُباعيّاً، وفي رواية مسلم: ((ما رابَها)) من رابَ ثُلاثيّاً، وزاد في رواية الزّهْريّ: ((وأنا أتخوَّف أن تُفتَن في دينها)) يعني أنَّها لا تَصِر على الغَيْرة فيقع منها في حَقّ زوجها في حال الغضب ما لا يَلِيقُ بحالها في الدِّين، وفي رواية شُعَيب: ((وأنا أكره أن يَسوءَها)) أي: تزويجُ غيرها عليها، وفي رواية مسلم من هذا الوجه: ((أن يَفتِنوها)) وهي بمعنى: أن تُقْتَن. قوله: ((ويُؤْذيني ما آذاها)) في رواية أبي حَنظَلة: ((فمَن آذاها فقد آذاني))، وفي حديث عبد الله ابن الزُّبَير: ((يُؤذيني ما آذاها، ويَنْصِبني ما أَنصَبَها))(٢) وهو بنونٍ ومُهمَلة وموخَّدة، من النَّصَب (١) سلفت عند البخاري برقم (٣٧٢٩) لكن بدون لفظ ((أبداً))، وهي بهذا اللفظ عند مسلم (٢٤٤٩) (٩٦) وغيره. (٢) رواية أبي حنظلة عند الحاكم ١٥٩/٣، وحديث ابن الزبير عند الترمذي (٣٨٦٩). ٦٥٤ باب ١٠٩ / ح ٥٢٣٠ فتح الباري بشرح البخاري بفتحَتَينِ: وهو الثَّعَب، وفي رواية عُبيد الله بن أبي رافع عن المِسوَر: ((يَقبِضُني ما يَقبضُها، ويَبسُطني ما يَبْسُطها)) أخرجها الحاكم (١٥٨/٣). ويُؤخَذ من هذا الحديث أنَّ فاطمة لو رَضِيَت بذلكَ لم يُمنَع عليٌّ من التَّزويج بها أو بغيرها. وفي الحديث تحريمُ أذَى مَن يَتَأَذَّى النبيُّ نَ بِتأذِيه، لأَنَّ أَذَى النبيِّ وَّهِ حَرَامٌ اتِّفاقاً قليله وكثيرَه، وقد جَزَمَ بأنَّه يُؤذيه ما يُؤذي فاطمة، فكلّ مَن وَقَعَ منه في حَقّ فاطمة شيء فتأذَّت به، فهو يُؤذي النبيَّ ◌ََّ بشهادة هذا الخبر الصَّحيح، ولا شيءَ أعظَمُ في إدخال الأَذَى عليها من قتل ولدها، ولهذا عُرِفَ بالاستقراءِ مُعاجَلة مَن تَعاطَى ذلك بالعُقوبة في الدُّنيا، ولَعذابُ الآخِرة أشدّ. وفيه حُجّة لمن يقول بسَدِّ الذَّريعة، لأنَّ تزويج ما زاد على الواحدة حلال للرجل ما لم يُجاوِز الأربع، ومع ذلك فقد مُنِعَ من ذلك في الحال لمَا يَتَرتَّب عليه من الضَّرَر في المآل. وفيه بقاءُ عار الآباء في أعقابهم لقولِهِ: ((بنت عدوّ الله)) فإنَّ فيه إشعاراً بأنَّ للوصفِ تأثيراً في المنع، معَ أنَّها هي كانت مُسلمةً حَسَنةَ الإسلام، وقد احتَجَّ به مَن مَنَعَ كَفاءة مَن مَسَّ أباه الرِّقُّ ثمَّ أُعْتِقَ، بمَن لم يَمَسَّ أباها الرِّقْ، ومَن مَسَّه الرِّقَّ بمَن لم يَمَسَّها هي بل مَسَّ أباها فقط. وفيه أنَّ الغَيْرَى إذا خُشِيَ عليها أن تُقْتَن في دينها، كان لوَليِّها أن يَسعَى في إزالة ذلك كما في حُكْم الناشز، كذا قيل، وفيه نظر، ويُمكِن أن يُزاد فيه شرط أن لا يكون عندها مَن تَتَسَلَّى به ويُحُفِّف عنها الحملة كما تقدَّمَ، ومن هنا يُؤْخَذ جواب مَن استَشكَلَ اختصاصَ فاطمة بذلكَ، معَ أنَّ الغَيْرة على النبيِّ وَّهِ أَقْرَبُ إلى خَشْية الافتِتان في الدِّين، ومع ذلك فكان ◌َلِّ يَستَكثِرُ من الزَّوجات وتوجَد منهنَّ الغَيْرة كما في هذه الأحاديث، ومع ذلك ما راعَى ذلك نَّهِ فِي حَقّهنَّ كما راعاه في حَقّ فاطمة. ومُحُصَّل الجواب: أنَّ فاطمة كانت إذ ذاكَ كما تقدَّم فاقدةً مَن تَرْكَن إليه مَمَّن يُؤنِسها ويُزيل وَحْشتَها مِن أُمّ أو أُخت، بخِلَاف أمَّهات المؤمنينَ، فإنَّ كلّ واحدة منهنَّ كانت تَرجِع ٦٥٥ باب ١١٠ / ح ٥٢٣١ كتاب النكاح إلى مَن يَحصُل لها معه ذلك وزيادة عليه، وهو زوجُهنَّ وَّةِ، لما كان عنده من الملاطَفة وتطييب القلوب وجَبْر الخواطر، بحيثُ إنَّ كلّ واحدة منهنَّ تَرضَى منه لحُسنِ خُلُقه وجميل خَلْقه بجميع ما يَصدُر منه، بحيثُ لو وُجِدَ ما يُحْشَى وجوده من الغَيْرةِ لَزالَ عن قُربٍ. وقيل: فيه حُجّة لمن مَنَعَ الجمع بين الحُرّة والأَمة. ويُؤْخَذ من الحديث إكرامُ مَن يَنْتَسِب إلى الخير أو الشَّرَف / أو الدِّيانة. ٣٣٠/٩ ١١٠ - بابٌ يَقلُّ الرّجال ويكثرُ النِّساء وقال أبو موسى، عن النبيِّ وَّ: ((وتَرَى الرجلَ الواحدَ يَتْبَعُه أربعونَ نِسوةً يَلُذْنَ به من قِلّةِ الرِّجالِ، وكَثْرةِ النِّساءِ)). ٥٢٣١- حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ الَوْضِيُّ، حدَّثنا هشامٌ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ عَظُ، قال: لِأُحدِّ ثَنَّكم حديثاً سمعتُه من رسولِ اللهِ وَّهَ لا يُحدِّثُكم به أحدٌ غيري، سمعتُ رسولَ الله وَله يقول: ((إنَّ مِن أشراطِ الساعةِ أن يُرْفَعَ العِلْمُ، ويَكْثُرَ الجَهْلُ، ويَكْثُرَ الزِّنِى، ويَكْثُرَ شُرْبُ الخمرِ، ويَقِلَّ الرِّجالُ، وَيَكْثُرَ النِّساءُ، حَتَّى يكونَ لخمسينَ امرأةَ القَّيِّمُ الواحدُ)). قوله: ((بابٌ يَقِلُّ الرِّجالُ ويَكْثُرِ النِّساء)) أي: في آخر الَّمان. قوله: ((وقال أبو موسى، عن النبيّ وَّه: وتَرَى الرجلَ الواحد يَتْبَعه أربعونَ نِسْوة)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((امرأة)) والأوَّل على حذف الموصوف، وقوله: ((يَلُذنَ به)) قيلَ: لكَونِهِنَّ نساءَه وسَراريَّه، أو لكَونِنَّ قَراباتِه، أو من الجميع. وروى عليّ بن مَعبَد في كتاب ((الطاعة والمعصية)) من حديث حُذيفة قال: إذا عَمَّت الفتنةُ ميَّزَ الله أولياءَه، حتَّى يَتَبَعَ الرجلَ خمسونَ امرأة تقول: يا عبد الله استُرني، يا عبد الله آوِني. وقد تقدَّم حديثُ أبي موسى موصولاً في ((باب الصَّدَقة قبل الردّ» (١٤١٤) من كتاب الزكاة في حديث أوَّله: «لَيأتيَنّ على الناس زمانٌ يَطُوف الرجل فيه بالصَّدَقة)) الحديث. قوله: ((حدَّثنا هشام)) هو الدَّسُوائيّ، كذا للأكثر، ووَقَعَ في رواية أبي أحمدِ الجُرجانيّ: ٦٥٦ باب ١١١ / ح ٥٢٣٢ فتح الباري بشرح البخاري ((هُمَّام)) والأوَّل أَولى، وهُمَّام وهشام كلاهما من شيوخ حفص بن عمر المذكور وهو الحوْضيّ، وسيأتي في الأشربة (٥٥٧٧) عن مسلم بن إبراهيم عن هشام. قوله: ((إنَّ من أشراط الساعة)) الحديث، تقدَّم في كتاب العلم (٨١) من رواية شُعْبة عن قَتَادة كذلكَ. قوله: ((حتَّى يكون لخمسينَ امرأةً)» هذا لا يُنافي الذي قبله، لأنَّ الأربعينَ داخلة في الخمسينَ، ولعلَّ العَدَد بعينِه غير مراد، بل أُريدَ المبالَغة في كَثْرة النِّساء بالنّسبة للرِّجال، ويحتمل أن يُجمَع بينهما بأنَّ الأربعينَ عَدَدُ مَن يَلُذْنَ به والخمسينَ عَدَد مَن يَتَبَعُه، وهو أعَمُّ من أنَّهُنَّ يَلُذْنَ به، فلا مُنافاً. قوله: ((القَيِّم الواحد)) أي: الذي يقوم بأُمورِهنَّ، ويحتمل أن يُكْنى به عن اتِّباعِهِنَّ له لطلب النِّكاح حلالاً أو حَراماً. وفي الحديث الإخبارُ بما سيقعُ فَوَقَعَ كما أخبَرَ، والصَّحيح من ذلك ما وَرَدَ مُطلَقاً، وأمَّا ما وَرَدَ مُقدَّراً بَوَقتٍ مُعيَّن فقال أحمد: لا يَصِحّ منه شيء، وقد تقدَّم كثيرٌ من مباحث هذا الحديث في كتاب العلم. ١١١ - بابٌ لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلّا ذو مَحرَم، والدُّخولُ على المغِيبةِ ٥٢٣٢- حدَّثْنَا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا ليثٌ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن عُقْبَةَ بنِ عامٍ، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((إيّاكم والدُّخولَ على النِّساءِ)) فقال رجلٌ منَ الأنصار: يا رسولَ الله، أفَرأيتَ الحمْوَ؟ قال: «الحمو الموت». ٣٣١/٩ قوله: ((باب لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلّا ذو مَخْرَم، والدُّخولُ على المغيبة)) يجوز في لام ((الدُّخول)) الخَفض والرَّفع. وأحد رُكنَي التَّرجمة أو رَدَه المصنّف صريحاً في الباب، والثّاني يُؤخَذ بطريق الاستنباط من أحاديث الباب، وقد وَرَدَ في حديث مرفوع صريحاً أخرجه التِّرمِذيّ (١١٧٢) من حديث جابر رَفَعَه: ((لا تَدخُلوا على المُغِيبات، فإنَّ الشَّيطان يجري من ابن آدم مَجَرَى الدَّم)) ورجاله مُوَثَّقونَ، لكنَّ ◌ُجالد بن سعيد مُخْتَلَف فيه، ولمسلمٍ (٢١٧٣) من ٦٥٧ باب ١١١ / ح ٥٢٣٢ كتاب النكاح حديث عبد الله بن عَمْرو مرفوعاً: ((لا يَدخُل رجلٌ على مُغِيبة إلّا ومعه رجلٌ أو اثنان)) ذكره في أثناء حديث. والمغيبة، بضمِّ الميم ثمَّ غَين مُعجَمة مكسورة ثمَّ تحتانيَّة ساكنة ثمَّ موحّدة: مَن غابَ عنها زوجُها، يقال: أغابَت المرأةُ: إذا غابَ زوجُها. ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب حدیثینِ: أحدهما: قوله: ((عن يزيد بن أبي حَبيب)) في رواية مسلم (٢١٧٢) من طريق ابن وَهْب عن اللَّيث وعَمْرو بن الحارث وحَيْوة وغيرهم: أنَّ يزيد بن أبي حبيب حدَّثهم. قوله: ((عن أبي الخير)) هو مَرْنَد بن عبد الله الیَزَنيّ. قوله: ((عن عُقْبة بن عامر)) في رواية ابن وَهْب عند أبي نُعَيم في ((المستخرَج)): سمعت عُقْبةَ بن عامر. قوله: ((إيّاكم والدُّخولَ)) بالنَّصب على التَّحذير، وهو تنبيهُ المخاطَب على محذور ليَحتَرِز عنه، كما قيل: إيّاكَ والأسَدَ، وقوله: ((إيّاكُم)) مفعول بفِعْل مُضمَر، تقديره: اتَّقُوا، وتقدير الكلام: أنَّقوا أنفُسَكم أن تَدخُلوا على النِّساء، والنّساء أن يَدخُلنَ عليكم. ووَقَعَ في رواية ابن وَهْب بلفظ: ((لا تَدخُلُوا على النِّساء))، وتَضَمَّنَ منعُ الدُّخول منعَ الخَلْوة بها بطريق الأَولى. قوله: ((فقال رجل من الأنصار)) لم أقِفْ على تسميته. قوله: ((أَفَرأيتَ الحَمْوَ)) زاد ابن وَهْب في روايته عند مسلم: سمعتُ اللَّيث يقول: الحَمْوُ أخو الَّوج وما أشبَهَه من أقارب الَّوج ابنُ العَمّ ونحوُه. ووَقَعَ عند التِّرمِذيّ بعد تخريج الحديث (١١٧١): قال التِّرمِذيّ: يقال: هو أخو الزَّوج، كُرِهَ له أن يَخْلُوَ بها. قال: ومعنى الحديث على نحو ما رُويَ: ((لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ فإنَّ ثالثهما الشَّيطان)). انتهى، وهذا الحديث الذي أشارَ إليه أخرجه أحمد (١٥٦٩٦) من حديث عامر بن ربيعة. ٦٥٨ باب ١١١ / ح ٥٢٣٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال النَّوَويّ: اتَّفَقَ أهل العلم باللُّغة على أنَّ الأحْماء أقاربُ زوج المرأة، كأبيه وعَمّه وأخيه وابن أخيه وابن عمّه ونحوهم، وأنَّ الأختان أقاربُ زوجةِ الرجل، وأنَّ الأصهار تقع على النَّوعينِ، انتهى. وقد اقتَصَرَ أبو عُبيد وتَبِعَه ابنُ فارس والدَّاووديّ على أنَّ الحَمْو أبو الزَّوجة، زاد ابنُ فارس: وأبو الَّوج، يعني: أنَّ والد الزَّوج حَمْوُ المرأة، ووالد الزَّوجة خَمْوُ الرجل، وهذا الذي عليه عُرْف الناس اليوم. وقال الأصمَعيّ وتَبعَه الطَّبَرُّ والخطَّبيّ ما نَقَلَه النَّوَويّ، وكذا نُقِلَ عن الخليل، ويُؤيِّده قولُ عائشة: ما كان بيني وبين عليٍّ إلّا ما كان بين المرأة وأحمائها(١). وقد قال النَّوَويّ: المراد في الحديث أقاربُ الَّوج غير آبائه وأبنائه، لأنَّهم تَحَارمُ للزَّوجة، يجوز لهم الخَلْوةُ بها ولا يُوصَفونَ بالموتِ. قال: وإنَّما المرادُ الأخ وابن الأخ والعَمّ وابن العَمّ وابن الأُخت ونحوهم ممّا يَحِلّ لها تزويجُه لو لم تكن مُتزوِّجة، وجَرَت العادةُ بالتَّساهُلِ فيه، فيخلُو الأخ بامرأة أخيه، فشَبَّهَه بالموتِ وهو أولى بالمنع من الأجنبيّ، انتهى. وقد جَزَمَ التِّرمِذيّ وغيره كما تقدَّم وتَبِعَه المازَرِيّ بأنَّ الْحَمْوَ أبو الَّوجِ، وأشارَ المازَرِيّ إلى أنَّه ذُكِرَ للتَّنبيه على مَنْع غيره بطريق الأَولى، وتَبعَه ابن الأثير في ((النِّهاية))، ورَدَّه النَّوَويّ فقال: هذا كلامٌ فاسد مردود لا يجوز حَلُ الحديث عليه. انتهى، وسَيظهرُ من كلام الأئمَّة في تفسير المراد بقولِه: ((الحَمْوُ الموت)) ما يتبيَّن منه أنَّ كلام المازَرِيّ ليس بفاسدٍ. ٣٣٢/٩ واختُلِفَ في ضبط الحَمْو،/ فصَرَّحَ القُرطُبيّ بأنَّ الذي وَقَعَ في هذا الحديث: حَمْء بالهمِزِ، وأمَّا الخطَّبيُّ فضَبَطَه بواوٍ بغير همز، لأنَّه قال: وزن دَلْو، وهو الذي اقتَصَرَ عليه أبو عُبيد الهَرَويُّ وابن الأثير وغيرهما، وهو الذي ثَبَتَ عندنا في روايات البخاريّ، وفيه لُغَتان أُخرَيان، إحداهما: حَمِّ بوزنِ أخ، والأُخرى: حَمَى بوزنِ عَصَا، ويَخْرُج من ضبط المهموز بتحریكِ المیم لُغةُ أُخری خامسة حكاها صاحب ((المحكم)). (١) أخرجه الآجري في ((الشريعة)) (٥٦) و(١٥٧٠). ٦٥٩ باب ١١١ / ح ٥٢٣٢ كتاب النكاح قوله: ((الحَمْوُ الموت)) قيلَ: المراد أنَّ الخَلْوة بالْحَمِ قد تُؤَدّي إلى هلاك الدِّين إن وَقَعَت المعصية، أو إلى الموت إن وَقَعَت المعصيةُ ووَجَبَ الرَّجم، أو إلى هلاك المرأة بفِراق زوجها إذا حَمَلَتَه الغَيْرةُ على تَطليقها، أشارَ إلى ذلك كلّه القُرطُبيّ. وقال الطَّبَرِيُّ: المعنى أنَّ خَلْوة الرجل بامرأة أخيه أو ابن أخيه تَنَّلُ مَنْزِلَةَ الموت، والعرب تَصِف الشَّيء المكروه بالموتِ، قال ابن الأعرابيّ: هي كلمة تقولها العرب مثلاً، كما تقول: الأسَدُ الموتُ، أي: لقاؤه فيه الموت، والمعنى: احذروه كما تَحَذَرونَ الموت. وقال صاحب ((مَجَمَع الغرائب)): يحتمل أن يكون المراد: أنَّ المرأة إذا خَلَت فهي مَحَلّ الآفة، ولا يُؤمَن عليها أحد، فليكن حَموها الموت، أي: لا يجوز لأحدٍ أن يخلوَ بها إلّا الموت، كما قيل: نِعِمَ الصِّهرُ القَبْرِ، وهذا لائق بكمال الغَيْرةِ وَالحَمِيَّة. وقال أبو عُبيد: معنى قوله: ((الحَمْو الموت)) أي: فليَمُت ولا يَفعَل هذا. وتَعقَّبَه النَّوَويّ فقال: هذا كلام فاسد، وإنَّما المراد أنَّ الخَلْوة بقريب الزَّوج أكثر من الخَلْوة بغيره، والشرّ يُتوَقَّع منه أكثر من غيره، والفتنة به أمكنُ لتمكُّنِه من الوصول إلى المرأة والخَلْوة بها من غير نكيرٍ عليه بخِلاف الأجنبيّ. وقال عياض: معناه: أنَّ الخَلوة بالأحْماءِ مُؤَدّية إلى الفتنة والهلاك في الدّين، فجعله كهلاكِ الموت، وأورَدَ الكلامَ مَورِدَ التَّغليظ. وقال القُرطُبيّ في ((المفهم)): المعنى: أنَّ دخول قريب الزَّوج على امرأة الَّوج يُشبِهِ الموت في الاستقباح والمفسَدة، أي: فهو مُحرَّم معلوم التَّحريم، وإنَّما بالَغَ في الزَّجر عنه وشَبَّهَه بالموتِ لتَسامُحِ الناس به من جهة الزَّوج والَّوجة لإِلِفِهم بذلكَ، حتَّى كأنَّه ليس بأجنبيٍّ من المرأة، فخَرَجَ هذا تَرَجَ قول العرب: الأسَدُ الموت، والحربُ الموت، أي: لقاؤه يُفضي إلى الموت، وكذلكَ دخوله على المرأة قد يُفضي إلى موت الدين، أو إلى موتها بطلاقِها عند غَيْرة الزَّوج، أو إلى الرَّجم إن وَقَعَت الفاحشة. وقال ابن الأثير في ((النِّهاية)): المعنى أنَّ خَلْوة المحرَم بها أشدُّ من خَلْوة غيره من الأجانب، ٦٦٠ باب ١١٢ / ح ٥٢٣٣ -٥٢٣٤ فتح الباري بشرح البخاري لأَنَّ رُبَّمَا حَسَّنَ لها أشياءَ وحَمَلَها على أُمور تَثْقُل على الزَّوج من التماس ما ليس في وُسْعه، فَتَسُوء العِشرةُ بين الزَّوجَينِ بذلكَ، ولأنَّ الَّوج قد لا يُؤثِرِ أن يَطَّلِع والد زوجته أو أخوها على باطن حاله، ولا على ما اشتَمَلَ. انتهى، فكأنَّه قال: الحَمْو الموت، أي: لا بدَّ منه ولا يُمكِن حَجبُه عنها، كما أنَّه لا بدَّ من الموت، وأشارَ إلى هذا الأخير الشَّيخُ تقيُّ الدّين في ((شرح العمدة)). تنبيه: مَحرَم المرأة: مَن حَرُمَ عليه نِكاحُها على التَّأبيد، إلّا أمَّ الموطوءة بشُبهةٍ والملاعَنة فإنَّهما حرامان على التَّأبيد ولا تَرَميَّة هُناكَ، وكذا أمَّهات المؤمنينَ، وأخرجَهنَّ بعضُهم بقولِه في التَّعريف: بسببٍ مُباح لا لحُرمَتِها، وخَرَجَ بقَيدِ التَّأبيد: أُخت المرأة وعَمَّتها وخالتها، وبنتُها إذا عَقَدَ على الأُمّ ولم يَدخُل بها. الحديث الثاني: ٥٢٣٣- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا عَمْرُو، عن أبي مَعْبَدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((لا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلّ معَ ذي نَخْرَم)) فقامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، امرأتي خَرَجَت حاجّةً واكْتُبتُ في غَزْوةٍ كذا وكذا، قال: ((ارجِعْ فحُجَّ معَ امرأتِكَ)». قوله: ((سُفْيان) هو ابن عُيِّينَةَ، وقوله: ((حدَّثنا عَمْرو)) هو ابن دينار. وقد وَقَعَ في الجهاد (٣٠٦١) بعضُ هذا الحديث عن أبي نُعَيم عن سفيان عن ابن جُرَيج عن عَمْرو بن دينار، وسفيان المذكور: هو الثَّوْريّ لا ابن عُيَينةَ، وقد تقدَّمَت مباحث الحديث المذكور مُستَوفاة في أواخر كتاب الحجّ (١٨٦٢)، وسياقه هناك أتمُّ، والله أعلم. ٣٣٣/٩ ١١٢ - باب ما يجوزُ أن يخلوَ الرّجلُ بالمرأةِ عندَ الناس ٥٢٣٤ - حذَّثنا محمَّدُ بنُ بشّارٍ، حدَّثنَا غُندَرٌّ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن هشامٍ، قال: سمعتُ أنسَ ابنَ مالكٍ ◌ّه قال: جاءتِ امرأةٌ منَ الأنصار إلى النبيِّ وََّ فِخَلَا بها، فقال: ((والله إنَّكُنَّ لَأَحَبُّ الناسِ إليّ)).