Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
باب ٨٣ / ح ٥١٩١
كتاب النكاح
وعشرينَ. وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن عمر بهذا اللَّفظ الأخير الذي جَزَمَت به
عائشة، وبيَّنْتُه قبل هذا عند الكلام على ما وَقَعَ في رواية سِماك بن الوليد من الإشكال(١).
قوله: ((قالت عائشة: ثمَّ أنزَلَ الله آية التَّخْيير)) في رواية عُقَيل (٢٤٦٨): ((فَأُنزِلَت))،
وسيأتي الكلام عليه مُستَوفَّى في كتاب الطَّلاق (٥٢٦٢) إن شاءَ الله تعالى.
وفي الحديث سؤالُ العالِم عن بعض أُمور أهله، وإن كان عليه فيه غَضَاضة إذا كان في
ذلك سُنّة تُنقَل ومسألة تُحفَظ، قاله المهلَّب، قال: وفيه توقير العالِمِ ومَهابَتُه عند استفسار
ما يُخْشَى من تَغْيُرِه عند ذِكْره، وتَرَقُّبُ خَلَوات العالِمِ لِيُسألَ عَّا لعلَّه لو سُئلَ عنه بحَضْرة
الناس أنكَرَه على السائل، ويُؤْخَذ من ذلك مُراعاة المُروءَة.
وفيه أنَّ شِدّة الوَطْأة على النِّساء مذموم، لأنَّ النبيّ ◌َّ أَخَذَ بسيرة الأنصار في نسائهم،
وتَرَك سيرة(٢) قومه.
وفيه تأديبُ الرجل ابنتَه وقرابتَه بالقول لأجلِ إصلاحها لزوجِها.
وفيه سياق القصَّة على وجهها، وإن لم يَسأل السائلُ عن ذلك، إذا كان في ذلك
مَصلَحةٌ من زيادة شرح وبيان، وخُصُوصاً إذا كان العالِمِ يَعلَم أنَّ الطالب يُؤثِر ذلك.
وفيه مَهابةُ الطالب للعالِمِ وتَواضُعُ العالِم له، وصَبرُه على مُساءَلَته، وإن كان عليه في
شيء من ذلك غَضَاضة.
وفيه جواز ضرب الباب ودَقِّه إذا لم يَسمع الدَّاخلُ بغير ذلك. ودخولُ الآباء على
البنات ولو كان بغير إذن الَّوج، والتَّنقيبُ عن أحوالهنَّ، لا سيّما ما يَتَعلَّق بالمزوَّجات.
وفيه حُسْن تَلَطُّف ابن عبّاس، وشِدَّة حِرْصه على الاطِّلاع على فُنون التَّفسير.
وفيه طلب عُلوّ الإسناد، لأنَّ ابن عبّاس أقامَ مُدّة طويلة ينتظر خَلْوةَ عمر ليأخُذ عنه،
و کان يُمكِنه أخذُ ذلك بواسطةٍ عنه ممَّن لا يهاب سؤاله کما کان یهاب عمر.
(١) والتي هي عند مسلم (١٤٧٩) (٣٠).
(٢) في (ع): سنة.

٥٨٢
باب ٨٣ / ح ٥١٩١
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه حِرصُ الصَّحابة على طلب العلم والضَّبط بأحوال الرَّسول وَّهِ. وفيه أنَّ طالبَ
العِلم يجعل لنفسِه وقتاً يَتَفَرَّغ فيه لأمرِ مَعاشه وحال أهله. وفيه البحثُ في العِلم في الطُّرق
والخَلَوات وفي حال القُعُود والمشي.
وفيه إيثار الاستجمار في الأسفار وإبقاءُ الماء للوضوءِ.
وفيه ذِكْر العالِم ما يقع من نفسه وأهله مما يَتَرتَّب عليه فائدة دينيَّة، وإن كان في ذلك
حکایةُ ما يُستَهجن، وجواز ذِكْر العَمَل الصالح لسیاق الحديث على وجهه، وبیان ذِكْر
وقت التّحَمُّل.
وفيه الصَّبر على الزَّوجات والإغضاءُ عن خِطابهنَّ، والصَّفح عمَّا يقع منهنَّ من زَلَل في
حَقّ المرء، دون ما يكون من حَقّ الله تعالی.
وفيه جواز اتّخاذ الحاكم عند الخَلْوة بوَّاباً يَمنَع مَن يَدخُل إليه بغير إذنه، ويكون قولُ
أنس الماضي في كتاب الجنائز (١٢٨٣) في المرأة التي وَعَظَها النبيُّ ◌َِّ فلم تَعرِفِه: ((ثمّ
جاءت إليه فلم تَجِد له بوَّابِينَ)) محمولاً على الأوقات التي يَجلِس فيها للنّاس. قال المهلَّب:
وفيه أنَّ للإمام أن يحتجِب عن بطانَته وخاصَّته عند الأمر يَطرُقُه من جهة أهله، حتَّى
٢٩٢/٩ يذهب غَيظُه، ويَخرُج إلى الناس وهو مُنبَسِط إليهم، / فإنَّ الكبير إذا احتَجَبَ لم يَحِسُن(١)
الدُّخول إليه بغير إذن، ولو كان الذي يريد أن يَدخُل جليلَ القَدْر عظيمَ المنزلة عنده.
وفيه الرِّفق بالأصهار والحياءُ منهم إذا وَقَعَ للرجلِ من أهله ما يقتضي مُعاتَبَتهم.
وفيه أنَّ السُّكوت قد يكون أبلَغَ من الكلام وأفضلَ في بعض الأحايين، لأَنَّه عليه الصلاة
والسَّلام لو أمَرَ غلامه برَدِّ عمر لم يَجُزُ لعمر العَودُ إلى الاستئذان مرَّة بعد أُخرَى، فلمَّا سَكَتَ
فَهمَ عمر من ذلك أنَّه لم يُؤثِرِ رَدَّه مُطلَقاً، أشارَ إلى ذلك المهَّب.
وفيه أنَّ الحاجب إذا عَلِمَ مَنْعَ الإذن بسُكوتِ المحجوب، لم يَأذَنْ.
(١) في (ع): لم يجز.

٥٨٣
باب ٨٣ / ح ٥١٩١
كتاب النكاح
وفيه مشروعيّة الاستئذان على الإنسان وإن كان وحده، لاحتمال أن يكون على حالة
يَكرَه الاطّلاع عليها. وفيه جواز تكرار الاستئذان لمن لم يُؤْذَن له إذا رَجا حصولَ الإذن،
وأن لا يَتَجاوَز به ثلاث مرَّات، كما سيأتي إيضاحه في كتاب الاستئذان (٦٢٤٥) في قصَّة
أبي موسى معَ عمر، ولا استِدراكَ على عمر من هذه القصَّة، لأنَّ الذي وَقَعَ من الإذن له في
المّة الثّالثة وَقَعَ اتِّفاقاً، ولو لم يُؤْذَن له فالذي يظهر أنَّه كان يعود إلى الاستئذان، لأنَّه صَرَّحَ
كما سيأتي في حديث أبي موسى بأنَّه لم يَبلُغه ذلك الحُكم.
وفيه أنَّ كلّ لَذّة أو شَهْوة قَضَاها المرء في الدُّنيا فهو استعجالٌ له من نَعِيم الآخِرة، وأنَّه
لو تَرَكَ ذلك لادُّخِرَ له في الآخرة، أشارَ إلى ذلك الطَّبَرِيُّ، واستَنَبَطَ منه بعضُهم إيثارَ الفقر
على الغِنَى، وخَصَّه الطَّبَرِيُّ بمَن لم يَصرِفه في وجوهه، ويُفرِّقه في سُبُله التي أمَرَ الله بوضعه
فيها، قال: وأمَّا مَن فعل ذلك فهو من منازِل الامتحان، والصَّبرُ على المِحَن معَ الشُّكر
أفضل من الصَّبر على الضَّرّاء وحدها. انتهى، قال عياض: هذه القصَّة ممَّا يَحَتَجّ به مَن
يُفَضِّل الفقير على الغني، لمَا في مفهوم قوله: إنَّ مَن تَنَعَّمَ في الدُّنيا يَفوتُه في الآخِرة بمقداره،
قال: وتأوَّله الآخرونَ بأنَّ المراد من الآية: أنَّ حَظّ الكفَّار هو ما نالوه من نَعِيم الدُّنيا، إذ لا حَظّ
لهم في الآخِرة. انتهى، وفي الجواب نظر، وهي مسألةٌ اختَلَفَ فيها السَّلَف والخَلَف، وهي
طويلةُ الذَّيل سيكون لنا بها إلمامٌ إن شاءَ الله تعالى في كتاب الرِّقاق(١).
وفيه أنَّ المرء إذا رأى صاحبه مَهمُوماً استُحِبَّ له أن يُحدِّثه بما يُزيل هَّه، ويُطيِّب نفسه،
لقول عمر: لأقولَنّ شيئاً يُضحِك النبيّ ێ. ويُستحبّ أن یکون ذلك بعد استئذان الگبير
في ذلك كما فَعَلَ عمر.
وفيه جواز الاستِعانة في الوضوء بالصَّبِّ على المتوضِّئ، وخدمةُ الصَّغيرِ الكبيرَ، وإن
كان الصَّغير أشَرَف نَسَباً من الكبير.
وفيه التَّجَمُّل بالثَّوب والعِمَامَة عند لقاء الأكابر.
(١) تحت شرح حديث رقم (٦٤٤٧).

٥٨٤
باب ٨٣ / ح ٥١٩١
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه تذكيرُ الحالِف بيمينه إذا وَقَعَ منه ما ظاهرُه نِسْيانها، لا سيّما ممَّن له تَعلُّق بذلكَ،
لأَنَّ عائشة خَشِيَت أن يكونِ وَ ◌ّ نَسِيَ مِقدارَ ما حَلَفَ عليه وهو شهر، والشَّهر ثلاثونَ
يوماً أو تسعة وعشرونَ يوماً، فلمَّ نزلَ في تِسْعة وعشرينَ ظنَّت أنَّه ذَهَلَ عن القَدْر أو أنَّ
الشَّهر لم يَهِلٌ، فأعلمَها أنَّ الشَّهر استُهِلَّ، فإنَّ الذي كان الحَلِفِ وَقَعَ فيه جاء تِسعاً
وعشرينَ يوماً.
وفيه تقويةٌ لقولٍ مَن قال: إنَّ يمينَهِِّ اَنَّفَقَ أنَّها كانت في أوَّل الشَّهر، ولهذا اقتَصَرَ على
تِسِعَة وعشرينَ، وإلّا فلو اتَّفَقَ ذلك في أثناء الشَّهر فالجمهور على أنَّه لا يقع البِرُّ إلّا
بثلاثينَ. وذهبت طائفة إلى الاكتِفاء بتسعةٍ وعشرينَ، أخذاً بأقلّ ما يَنطَلِقِ عليه الاسم، قال
ابن بَطّال: يُؤْخَذ منه أنَّ مَن حَلَفَ على فِعل شيء، يَبَرُّ بِفِعْل أقلِّ ما يَنطَلِقِ عليه الاسم،
والقصَّة محمولة عند الشافعيّ ومالك على أنَّه دَخَلَ أوَّلَ الهلال وخَرَجَ به، فلو دَخَلَ في
أثناء الشَّهر لم يَبَرَّ إلّا بثلاثينَ.
وفيه سُكْنَى الغُرْفة ذات الدَّرَج، واتّحَاذُ الخِزانة لأثاثِ البيت والأمتِعة.
وفيه التَّنَاؤُب في مَجلِس العالِم إذا لم تَتَيسَّرِ المواظَبة على حضوره لشاغِلٍ شَرعيّ من أمرٍ
دينيّ أو دُنيويّ.
وفيه قَبُول خَبَر الواحد، ولو كان الآخِذ فاضلاً والمأخوذُ عنه مفضولاً، وروايةُ الكبير
عن الصَّغير، وأنَّ الأخبار التي تُشاع ولو كَثُرَ ناقِلوها، إن لم يكن مَرجِعها إلى أمر حِسِّّ
٢٩٣/٩ من مُشاهَدة أو سماع، لا تَستَلِزِمِ الصِّدق، فإنَّ جَزْمَ الأنصاريّ في روايةٍ / بوقوع التطليق،
وكذا جَزْمَ الناس الذينَ رآهم عمر عند المِبَرَ بذلكَ، محمولٌ على أنَّهم شاعَ بينهم ذلك من
شَخص بناهُ على التَّوَهُّم الذي تَوَّمَه من اعتزال النبيِّينَ﴿ نساءَه، فظنَّ لكَونِه لم تَجِرِ عادته
بذلكَ أنَّه طَلَّقَهُنَّ، فأشاعَ أنَّه طَلَّقَهُنَّ، فشاعَ ذلك، فتَحدَّث الناس به، وأخلِقٍ بهذا الذي
ابتَدَأ بإشاعة ذلك أن يكون من المنافقينَ كما تقدَّمَ.
وفيه الاكتِفاء بمَعرِفة الحُكم بأخذِه عن القَرِين معَ إمكان أخذه عالياً عمَّن أخَذَه عنه

٥٨٥
باب ٨٣ / ح ٥١٩١
كتاب النكاح
القَرِين، وأنَّ الرَّغبة في العُلوّ حيثُ لا يَعوقُ عنه عائق شَرعيّ(١)، ويُمكِن أن يكون المراد
بذلكَ أن يَستَفيد منه أُصول ما يقع في غَيِبَتَه، ثمَّ يَسأَل عنه بعد ذلك مُشافَهة، وهذا أحدُ
فوائد كتابة أطراف الحديث.
وفيه ما كان الصَّحابة عليه من مَحَبّة الاطّلاع على أحوال النبيِّ وَِّ جَلَّت أو قَلَّت،
واهتِمامِهِم بما يَهَتَمّ له، لإطلاق الأنصاريِّ اعتزالَه نساءَه الذي أشعَرَ عنده بأَنَّه طَلَّقَهُنَّ،
المقتَضِيَ وقوعَ غَمِّه ◌ِ له بذلكَ أعظَمَ من طُرُوق مَلِك الشّام الغَسَانيّ بجيوشِه المدينةَ لغَزْوِ مَن
بها، وكان ذلك بالنَّظَرِ إلى أنَّ الأنصاريّ كان يَتَحقَّق أنَّ عدوّهم ولو طَرَقَهم مغلوب
ومَهُزُوم، واحتمال خِلاف ذلك ضعيف، بخِلَاف الذي وَقَعَ بما تَوهَّمَه من التطليق الذي
يَتَحقَّق معه حصول الغَمّ، وكانوا في الطَّرَف الأقصَى من رِعاية خاطِرِهِ نَّ أَن تَحَصُل له
تشويشٌ ولو قَلَّ، والقَلَقِ لمَا يُقْلِقه، والغَضَبِ لمَا يُغْضِبِهِ، والهَمِّ لمَا يُهِمّه، رضي الله عنهم.
وفيه أنَّ الغضَب والحزن يَحمِل الرجل الوَقُور على تَركِ الثَّأنّي المألوف منه، لقولٍ عمر:
(ثُمَّ غَلَبني ما أجِد)» ثلاث مرَّات.
وفيه شِدّة الفَزَع والجَزَع للأُمورِ المهمّة، وجوازُ نظر الإنسان إلى نواحي بيت صاحبه وما
فيه إذا عَلِم أنَّه لا يَكرَه ذلك، وبهذا يُجمَع بين ما وَقَعَ لعمر وبين ما وَرَدَ من النَّهي عن فُضُول
النَّظَرِ، أشارَ إلى ذلك النَّوَويّ. ويحتمل أن يكون نظرُ عمر في بيت النبِّ وَّهَ وَقَعَ أوَّلاَ اتِّفاقاً،
فرأى الشَّعير والقَرَظ مثلاً فاستَقَلَّه، فَرَفَعَ رأسه ليَنظُر هل هناك شيء أنفَس منه، فلم يَرَ إلّا
الأُهُب، فقال ما قال، ويكون النَّهيُ محمولاً على مَن تَعَمَّدَ النَّظَر في ذلك والتَّفتيش ابتداء.
وفيه كراهة تَسخُّط النِّعمة، واحتقارِ ما أنعَمَ الله به ولو كان قليلاً، والاستغفارُ من
وقوع ذلك، وطلبُ الاستغفار من أهل الفَضْل، وإيثارُ القَناعة، وعَدَم الالتفات إلى ما
خُصَّ به الغَيْرِ من أُمور الدُّنيا الفانية.
وفيه المعاقَبةُ على إفشاء السِّرّ بما يَلِيق بمَن أفشاه.
(١) وقع في (ع) بدل عبارة ((حيث لا يعوق عنه عائق شرعي)) كلمة: ((مطلوبة)).

٥٨٦
باب ٨٤- ٨٥ / ح ٥١٩٢ - ٥١٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
٨٤ - باب صوم المرأةِ بإذن زوجها تطوّعاً
٥١٩٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتِل، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا مَعْمَرٌ، عن هَّامِ بنِ مُنِيِّهِ، عن أبي
هُرَيرةَ، عن النبيِّ ◌َّ: ((لا تَصومُ المرأةُ وبَعْلُها شاهدٌ إلّا بإذْنِهِ)).
قوله: ((باب صوم المرأة بإِذْنِ زَوْجها تَطَوُّعاً)) هذا الأصل لم يَذكُره البخاريّ في كتاب
الصيام، وذكره أبو مسعود في أفراد البخاريّ من حديث أبي هريرة، وليس كذلكَ، فإنَّ
مسلماً ذكره في أثناء حديث في كتاب الزكاة، ووَقَعَ للمِزّيّ في «الأطراف)» فيه وهمٌّ بيَّنْتُه فيما
گتبته علیه.
قوله: ((لا تصومُ)) كذا للأكثر، وهو بلفظ الخبَرَ، والمرادُ به النَّهي، وأغرَبَ ابن التِّين
والقُرطُبيّ، فخَطَّاً رواية الرَّفع، ووَقَعَ في رواية للمُستَمْلي: ((لا تصومَنّ)) بزيادة نون التَّوكيد،
ولمسلمٍ (١٠٢٦) من طريق عبد الرَّزّاق عن مَعمَر بلفظ: ((لا تَصُمْ)) وسيأتي شرحه مُستَوفَّى
بعد باب واحد (٥١٩٥).
٨٥ - بابٌ إذا باتت المرأة مُهاجرةً فراش زوجها
٥١٩٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بشَارٍ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبةَ، عن سُليمانَ، عن أبي
٢٩٤/٩ حازِم، عن أبي هُرَيرةَ عُ، / عن النبيِّ ◌َّم قال: «إذا دَعَا الرجلُ امرأته إلى فِراشِه، فأبت أن تَجِيءَ،
لَعَنَنْها الملائكةُ حتَّى تُصْبِحَ».
٥١٩٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرَةَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن قَتَادةَ، عن زرارةَ، عن أبي هريرةَ، قال:
قال النبيُّ ◌ََّ: ((إذا باتَتِ المرأةُ مُهاجِرةٌ فِراشَ زَوْجِها، لَعَنَتْها الملائكةُ حتَّى تَرْجِعَ)).
قوله: ((بابٌ إذا باتت المرأة مُهاجِرةً فِراش زَوْجها)) أي: بغير سبب، لم يَجُزُ لها ذلك.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن بشَار)) هو بُنْدار، وذكر أبو عليّ الجَيَّانيّ أنَّه وَقَعَ في بعض النُّسَخ
عن أبي زيد المروَزيِّ: ((ابن ◌ِنان)) بمُهمَلةٍ ثمَّ نونَينٍ، وهو غَلَط.
قوله: ((عن سُلَيمان)) هو الأعمَش، و((أبو حازِم)) هو سَلْمان الأشجَعيّ.

٥٨٧
باب ٨٥ / ح ٥١٩٤
كتاب النكاح
وقوله في الرّواية الثّانية: ((عن زرارة)) هو ابن أوفَى(١) قاضي البصرة، يُكْنی أبا حاجِب، له
عن أبي هريرة في ((الصحيحين)) حديثان فقط: هذا، وآخر مَضَى في العِتق (٢٥٢٨)، وله في
البخاريّ عن عمرانَ بن حُصَينٍ حديث آخر يأتي في الدّيات (٦٨٩٢)، وتقدَّم له في تفسیر
عَبَسَ (٤٩٣٧) حديث من روايته عن سَعْد بن هِشامٍ عن عائشة، وهذا جميع ما له في
(الصَّحيح))، وكلّها من رواية قَتَادة عنه.
قوله: ((إذا دَعَا الرجلُ امرأتَه إلى فِراشه)) قال ابن أبي جَمْرة: الظّاهر أنَّ الِفِراش كِناية
عن الجِماع، ويُقوِّيه قوله: ((الولد للفراش))(٢)، أي: لمن يَطَأ في الفِراش، والكناية عن
الأشياء التي يُسْتَحيَى منها كثيرةٌ في القرآن والسُّنّة، قال: وظاهر الحديث اختصاصُ اللَّعن
بما إذا وَقَعَ منها ذلك ليلاً، لقولِه: ((حتَّى تُصبح))، وكأنَّ السِّ فيه تأكُّد ذلك الشَّأن في
اللَّيل، وقوّة الباعِث عليه، ولا يلزم من ذلك أنَّه يجوز لها الامتناع في النَّهار، وإنَّما خُصَّ
اللَّيل بالذِّكرِ لأنَّه المظِنّة لذلكَ، انتهى.
وقد وَقَعَ في رواية يزيد بن كَيْسانَ عن أبي حازِم عند مسلم (١٢١/١٤٣٦) بلفظ:
((والذي نفسي بيده، ما من رجل يَدعُو امرأته إلى فِراشِها فتأبَى عليه، إلّا كان الذي في
السماء ساخطاً عليها حتَّى يَرضَى عنها))، ولابنِ خُزَيمةَ (٩٤٠) وابن حِبّان (٥٣٥٥) من
:
حديث جابر رَفَعَه: ((ثلاثة لا تُقبَل لهم صَلاة، ولا يَصعَد لهم إلى السماء حَسَنة: العَبدُ الآبِقُ
حتَّى يَرجِع، والسَّكرانُ حتَّى يَصْحو، والمرأةُ السَّاخطُ عليها زوجُها حتَّى يَرضَى))(٣)، فهذه
الإطلاقاتُ تَتَنَاوَل اللَّيل والنَّهار.
قوله: ((فأبَتْ أن تَجِيءَ)) زاد أبو عَوَانة عن الأعمَش كما تقدَّم في بَدْء الخلق (٣٢٣٧):
((فباتَ غَضْبانَ عليها))، وبهذه الزّيادة يُتَّجَه وقوع اللَّعن، لأنَّهَا حينئذٍ يَتَحقَّقْ تُبُوتُ معصيتها،
(١) في (أ) و(س): ابن أبي أوفى، وهو خطأ.
(٢) سلف ضمن حديث برقم (٢٠٥٣)، وأخرجه مسلم (١٤٥٧).
(٣) إسناده ضعيف، فيه هشام بن عمار كبر فصار يتلقن، وزهير بن محمد - وهو التميمي الخراساني - رواية
أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببها، وهذا منها ..

٥٨٨
باب ٨٥ / ح ٥١٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
بخلاف ما إذا لم يَغضَبْ من ذلك، فإنَّه يكون إمّا لأَنَّه عَذَرَها، وإمّا لأنَّه تَرَك حَقَّه من
ذلك.
وأمَّا قوله في رواية زُرَارة: ((إذا باتت المرأة مُهاجِرةً فِراشَ زوجِها)) فليس هو على
ظاهره في لفظ المفاعلة، بل المراد أنَّها هي التي هَجَرَتْ، وقد تأتي لفظ المفاعلة ويُراد بها
نفسُ الفِعل، ولا يَتَّجِه عليها اللَّوم إلّا إذا بَدَأت هي بالهَجْرِ فَغَضِبَ هو لذلكَ، أو هَجَرَها
وهي ظالمة، فلم تتنصَّل من ذَنبها وهَجَرَته، أمَّا لو بَدَأ هو بهَجْرها ظالماً لها فلا، ووَقَعَ في
رواية مسلم (١٢٠/١٤٣٦) من طريق غُندَر عن شُعْبة: ((إذا باتت المرأةُ هاجِرةً) بلفظ اسم
الفاعل.
قوله: ((لَعَنَتْها الملائكة حتَّى تُصْبح)) في رواية زُرارة: ((حتَّى تَرجِع)) وهي أكثر فائدة،
والأولى محمولة على الغالب كما تقدَّمَ. وللطََّرانيّ(١) من حديث ابن عمر رَفَعَه: ((اثنان لا
تُجاوز صلاتُهما رُؤوسَهما: عبدٌ آبق، وامرأة عَصَتْ(٢) زوجها حتَّى تَرجِع))، وصَخَّحَه
الحاكم (٤/ ١٧٣).
قال المهلَّب: هذا الحديث يوجِب أنَّ مَنْع الحقوق - في الأبدان كانت أو في الأموال -
ممّا يوجِب سَخَط الله، إلّا أن يَتَغَمَّدها بعَفِه.
وفيه جواز لَعْن العاصي المسلم إذا كان على وجه الإرهاب عليه، لئلا يُواقع الفِعل،
فإذا واقَعَه فإنَّما يُدعَى له بالتَّوبة والهداية. قلت: ليس هذا التَّقييد مُستَفاداً من هذا الحديث
٢٩٥/٩ بل من أدلّة أُخرَى، وقد ارتَضَى / بعضُ مشايخنا ما ذكره المهلَّب من الاستدلال بهذا الحديث
على جواز لَعنِ العاصي المعيَّن، وفيه نظرٌ، والحقّ أنَّ مَن مَنَعَ اللَّعْن أراد به معناه اللُّغَويّ،
وهو الإبعاد من الرَّحمة، وهذا لا يَلِيق أن يُدعَى به على المسلم، بل يُطلَب له الهداية والتَّوبة
والرُّجوع عن المعصية، والذي أجازَه أراد به معناه العُرْفيّ وهو مُطلَق السَّبّ، ولا يخفى أنَّ
(١) هو عنده في ((الأوسط)) (٣٦٢٨) و((الصغير)) (٤٧٨).
(٢) تصحفت في (س) إلى: غضب.

٥٨٩
باب ٨٦ / ح ٥١٩٥
كتاب النكاح
مَحَلّه إذا كان بحيثُ يَرتَدِعِ العاصي به ويَنزَجِر، وأمَّا حديث الباب فليس فيه إلّا أنَّ الملائكة
تَفْعَل ذلك، ولا يَلَزَم منه جوازه على الإطلاق.
وفيه أنَّ الملائكة تَدْعو على أهل المعصية ما داموا فيها، وذلكَ يدلّ على أنَّهم يَدْعونَ
لأهلِ الطاعة ما داموا فيها، كذا قال المهلَّب، وفيه نظر أيضاً، قال ابن أبي جَمْرة: وهل
الملائكةُ التي تَلعنُها هم الحَفَظة أو غيرهم؟ يحتمل الأمرَينِ. قلت: يحتمل أن يكون بعض
الملائكة موَكَّلاً بذلكَ، ويُرشِد إلى التَّعميم قولُه في رواية مسلم (١٢١/١٤٣٦): ((الذي في
السماء» إن كان المراد به سُكّانها.
قال: وفيه دليل على قَبُول دعاء الملائكة من خير أو شَرّ لكَونِهِ وَلَ خَوَّفَ بذلك.
وفيه الإرشادُ إلى مُساعَدة الزَّوج وطلب مرضاتِهِ.
وفيه أنَّ صَبْر الرجل على تَرك الجِماع أضعَفُ من صَبر المرأة.
قال: وفيه أنَّ أقوَى التَّشويشات على الرجل داعية النِّكاح، ولذلكَ حَضَّ الشّارعُ
النِّساء على مُساعَدة الرِّجال في ذلك. انتهى، أو السَّبَب فيه الحضُّ على التَّنَاسُل، ويُرشِد
إليه الأحاديث الواردة في التَّرغيب في ذلك، كما تقدَّم في أوائل النِّكاح(١).
قال: وفيه إشارة إلى مُلازمة طاعة الله، والصَّبر على عِبادَته جزاءً على مُراعاته لعبده، حيثُ لم
يَتْرُّكُ شيئاً من حُقوقِه إلّا جَعَلَ له مَن يقوم به، حتَّى جَعَلَ ملائكته تَلعَن مَن أَغضَب عبده بمَنع
شَهوةٍ من شَهَواته، فعلى العَبد أن يُوفيَ حقوق رَبّه التي طلبها منه، وإلّا فما أقبَح الجَفاء من
الفقير المحتاج إلى الغَنِّي الكثيرِ الإحسان. انتهى مُلخَّصاً من كلام ابن أبي جَمْرة رحمه الله.
٨٦ - بابٌ لا تأذن المرأةُ في بيت زوجها لأحدٍ إلا بإذنه
٥١٩٥- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ غُ،
أنَّ رسولَ اللهِِّ قال: ((لا يَحِلُّ لِلمَرْأةِ أن تصومَ وزَوْجُها شاهدٌ إلّا بإذْنِهِ، ولا تَأْذَنَ في بيتِه إلّا
بإِذْنِهِ، وما أنفَقَتْ من نَفَقةٍ عن غيرِ أمرِه، فإنَّه يُؤَدَّى إليه شَطْرُه)).
(١) حديث رقم (٥٠٦٣) وما بعده.

٥٩٠
باب ٨٦ / ح ٥١٩٥
فتح الباري بشرح البخاري
ورواه أبو الزِّنادِ أيضاً عن موسى، عن أبيه، عن أبي هريرةَ في الصَّومِ.
قوله: ((باب لا تَأْذَن المرأة في بيت زَوْجها لأحدٍ إلّا بإذْنِهِ)) المراد ببيتِ زوجها: سَكَنُه،
سواء كانمِلگه أو لا.
قوله: ((عن الأعرج)) كذا يقول شُعَيب عن أبي الزِّناد، وقال ابن عُيَينةَ عن أبي الزناد:
عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، وقد بيَّنَه المصنّف بعدُ.
قوله: ((لا تَحِلّ للمرأةِ أن تصوم وزَوْجُها)) يَلتَحِقِ به السَّيِّد بالنِّسبة لأمَتِهِ التي يَحِلّ له
وطوُها، ووَقَعَ في رواية هَّام (٥١٦٢): ((وبَعْلُها)) وهي أفيَد، لأنَّ ابن خَزْم نَقَلَ عن أهل
اللّغة: أنَّ الْبَعْلِ اسم للَّوج والسَّيِّد، فإن ثَبَتَ وإلّا أُلْحِقَ السَّيِّد بالَّوجِ للاشتِراكِ في
المعنى.
قوله: «شاهد» أي: حاضر.
قوله: ((إلّا بإذْنِهِ)) يعني: في غير صيام أيام رمضان، وكذا في غير رَمَضان من الواجب
إذا تَضَيّقَ الوقت، وقد خَصَّه المصنّف في التَّرجمة الماضية قبل بابٍ بالتطوُّع (٥١٩٢)، وكأنَّه
تَلَقّاه من رواية الحسن بن عليّ عن عبد الرَّزّاق، فإنَّ فيها: ((لا تصوم المرأة غير رمضان))(١)،
وأخرج الطبرانيُّ من حديث ابن عبّاس مرفوعاً في أثناء حديث: ((ومن حَقّ الَّوج على
٢٩٦/٩ زوجته: أن لا تصوم/ تَطَوُّعاً إلّا بإذنِهِ، فإن فعَلَت لم يُقبَلْ منها))(٢)، وقد قَدَّمتُ اختلافَ
الرِّوايات في لفظ: ((ولا تَصومُ))، ودَلَّت رواية الباب على تحريم الصوم المذكور عليها، وهو
قول الجمهور.
قال النَّويّ في ((شرح المهذَّب)): وقال بعض أصحابنا: يُكرَه، والصَّحيح الأوَّل، قال:
فلو صامَتْ بغير إذنه صَحَّ وأثِمَتْ، لاختلاف الجهة، وأمرُ قَبُوله إلى الله، قاله العِمرانيّ.
قال النَّوَويّ: ومُقتَضَى المذهب عَدَمِ الثَّواب، ويُؤَكِّد التَّحريمَ ثُبُوتُ الخبر بلفظ النَّهي، ووُرودُه
(١) أخرجه أبوداود (٢٤٥٨).
(٢) لم نقع في مصنفات الطبراني على رواية بهذا اللفظ، وإنما أخرجها كذلك البزار (١٤٦٤ - كشف الأستار)،
وابن أبي الدنيا في كتاب ((العيال)) (٥٢٣)، وفي ((مداراة الناس)) (١٧٥).

٥٩١
باب ٨٦ / ح ٥١٩٥
كتاب النكاح
بلفظ الخبر لا يَمنَع ذلك، بل هو أبلَغ، لأنَّه يدلّ على تأكُّد الأمر فيه، فيكون تأكُّده بحَمِلِه
على التّحریم.
قال النَّوَويّ في ((شرح مسلم): وسببُ هذا التَّحريم أنَّ للَّوجِ حَقَّ الاستمتاع بها في
كلّ وقت، وحَقُّه واجبٌ على الفَوْر، فلا يَفوتُه بالتطوُّع ولا بواجبٍ على التَّراخي، وإنَّما لم
يَجُز لها الصوم بغير إذنه، وإذا أراد الاستمتاع بها جازَ، ويُفسدُ صومها، لأنَّ العادة أنَّ
المسلم يَهَابُ انتَهاكَ الصوم بالإفساد، ولا شكَّ أنَّ الأولى له خِلَافُ ذلك إن لم يَثُبُتْ دليل
كَراهَته، نعم لو كان مُسافراً فمفهومُ الحديث في تقييده بالشّاهِدِ يقتضي جوازَ التطوُّع لها إذا
كان زوجُها مُسافراً، فلو صامَت وقَدِمَ في أثناء الصيام فله إفسادُ صومها ذلك من غير
كراهة، وفي معنى الغَيْبة أن يكون مريضاً بحيثُ لا يستطيع الجِماعِ، وَمَل المهلَّب النَّهيَ
المذكور على التَّنزيه، فقال: هو من حُسنِ المعاشَرة، ولها أن تَفعَل من غير الفرائض بغير
إذنه ما لا يَضُرُّه ولا يَمنَعه من واجباته، وليس له أن يُبطِل شيئاً من طاعة الله إذا دَخَلت فيه
بغير إذنه. انتهى، وهو خِلَافُ الظّاهر.
وفي الحديث أنَّ حَقّ الَّوج آكَدُ على المرأة من التطوُّع بالخيرِ، لأنَّ حَقَّه واجبٌ، والقيام
بالواجب مُقدَّم على القيام بالتطوُّعِ.
قوله: ((ولا تَأْذَن في بيته)) زاد مسلم (١٠٢٦) من طريق همَّام عن أبي هريرة: ((وهو شاهد
إلّا بإذنِهِ)، وهذا القَيدُ لا مفهوم له، بل خَرَجَ مَخَرَج الغالب، وإلّا فغَيْبةُ الَّوج لا تقتضي
الإباحةَ للمرأة أن تأذَنَ لمن يَدخُلُ بيتَه، بل يَتأكَّدُ حينئذٍ عليها المنعُ، لتُبُوتِ الأحاديث
الواردة في النَّهي عن الدُّخول على المُغِيبات، أي: مَن غابَ عنها زوجُها، ويُحتمل أن
يكون له مفهوم، وذلكَ أنَّه إذا حَضَّرَ تيسَّر استئذانُه، وإذا غابَ تَعذَّرَ، فلو دَعَت الضَّرورُ
إلى الدُّخول عليها لم تَفْتَقِرْ إلى استئذانه لتَعذُّرِهِ.
ثمَّ هذا كلُّه فيما يَتَعلَّقِ بالدُّخولِ عليها، أمَّا مُطلَق دخول البيت بأن تأذَن لشَخصٍ في
دخول موضعٍ من حقوق الدَّار التي هي فيها، أو إلى دار مُنفَرِدةٍ عن سَكَنَها، فالذي يظهر

٥٩٢
باب ٨٦ / ح ٥١٩٥
فتح الباري بشرح البخاري
أنَّه مُلتَحِقٌّ بالأوَّلِ، وقال النَّوَويّ: في هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّه لا يُفتَأَت على الزَّوج
بالإذنِ في بيته إلّا بإذنِهِ، وهو محمولٌ على ما لا تعلمُ رِضا الَّوج به، أمَّا لو علِمَت رِضا
الَّوج بذلكَ فلا حَرَج عليها، كمَن جَرَت عادتُه بإدخال الضّيفان موضعاً مُعَدّاً لهم، سواء
كان حاضراً أم غائباً، فلا يَفتَقِرُ إدخالهم إلى إذنٍ خاصٍّ لذلك، وحاصله: أنَّه لا بدَّ من
اعتبار إذنه تفصيلاً أو إجمالاً.
قوله: ((إلّا بإذْنِهِ)) أي: الصَّريح، وهل يقومُ ما يَقتَرِّنُ به علامةُ رِضاه مقامَ التَّصريح
بالرِّضا؟ فیه نظرٌ.
قوله: ((وما أنفَقَتْ مِن نَفَقة عن غيرِ أمرِه، فإنَّه يُؤَدَّى إليه شَطْرُه)) أي: نصفُه، والمراد نصفُ
الأجر، كما جاء واضحاً في رواية همَّام عن أبي هريرة في البيوع (٢٠٦٦)، ويأتي في النَّفَقات
(٥٣٦٠) بلفظ: «إذا أنفَقَت المرأةُ من كَسْب زوجها عن غير أمره، فله نصفُ أجرِه)»، وفي رواية
أبي داود (١٦٨٧): «فلَها نصفُ أجره))، وأغرَبَ الخطَّبيُّ(١)، فحَمَلَ قوله: ((يُؤَدَّى إليه شَطُرُه))
على المال المنفَق، وأَنَّه يَلزَمُ المرأةَ إذا أنفَقَتْ بغير أمر زوجها زيادةً على الواجب لها أن تَغْرَم
القَدْر الزائد، وأنَّ هذا هو المراد بالشَّطْرِ في الخبر، لأنَّ الشَّطْر يُطلَق على النّصف وعلى الجزء،
قال: ونَفَقَتها مُعاوَضة، فتُقَدَّر بما يوازيها من الفَرْض وتَرُدُّ الفضل عن مِقْدار الواجب، وإنّما
جازَ لها في قَدْر الواجب لقصَّة هند: ((خُذي من ماله بالمعروفِ)) انتهى. وما ذَكَرناه من الرِّواية
الأُخرى يَرِد عليه، وقد استَشعَرَ الإيراد فحَمَل الحديث الآخر على معنى آخر، وجعلَهما
٢٩٧/٩ حديثَينٍ مُخْتَلِفَي / الدّلالة، والحقّ أنَّهما حديث واحد رُوِيا بألفاظٍ مُختلفة.
وأمَّا تقييده بقولِه: ((عن غير أمره)) فقال النَّوويّ: عن غير أمرِهِ الصّرِيح في ذلك القَدْر
المعَيَّن، ولا يَنفي ذلك وُجودُ إذن سابقٍ عامٌ يَتَنَاوَلُ هذا القَدْر وغيرَه، إمّا بِالصَّرِيحِ وإمّا
بالعُرفِ، قال: ويَتَعيَّن هذا التَّأويلُ لجَعلِ الأجر بينهما نصفَينٍ، ومعلوم أنَّها إذا أنفَقَت من
مالِه بغير إذنه، لا الصَّريح ولا المأخوذ من العُرف، لا يكون لها أجرٌ بل عليها وِزْر، فيَتَعيَّن
(١) في ((أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري)) ٣/ ٢٠٠٢.

٥٩٣
باب ٨٦ / ح ٥١٩٥
كتاب النكاح
تأويله. قال: واعلَمْ أنَّ هذا كلَّ مَفروضٌ في قَدْر يسير يُعلَم رِضا المالك به عُرفاً، فإن زاد
على ذلك لم يَجُز. ويُؤيِّده قوله : - يعني كما مرَّ في حديث عائشة في كتاب الزكاة (١٤٢٥)
والبيوع (٢٠٦٥) -: ((إذا أنفَقَت المرأةُ مِن طعام بيتها غيرَ مُفسِدة))، فأشارَ إلى أنَّه قَدْرٌ يُعلَم
رِضا الزَّوج به في العادة، قال: ونَبَّهَ بالطَّعام أيضاً على ذلك لأنَّه مَمَّا يُسمَح به عادةً، بخلاف
النَّقْدَينِ في حَقّ كثيرٍ من الناس، وكثيرٍ من الأحوال. قلت: وقد تقدَّمَت في شرح حديث
عائشة في الزكاة مباحثُ لطيفةٌ وأجوبةٌ في هذا.
ويحتمل أن يكون المرادُ بالتَّنصيفِ في حديث الباب، الحَمْلَ على المال الذي يُعطيه
الرجلُ فِي نَفَقة المرأة، فإذا أنفَقَتْ منه بغير عِلْمه كان الأجر بينهما: للرجلِ لكَونِهِ الأصْلَ في
اكتِسابه، ولِكَونِهِ يُؤجَر على ما يُنفِقه على أهله كما ثَبَتَ من حديث سعد بن أبي وقّاص
وغيره، وللمرأة لكَونِه من النَّفَقة التي تَخْتَصُّ بها.
ويُؤيِّد هذا الحَمَلَ ما أخرجه أبو داود (١٦٨٨) عَقِب حديث أبي هريرة هذا، قال في
المرأة: تَصَدَّق من بيت زوجها؟ قال: ((لا، إلّا من قُوتِها والأجرُ بينهما، ولا يَحِلّ لها أن
تَصَدَّقَ من مال زوجها إلّا بإذنِه)) قال أبو داود - في رواية أبي الحسن بن العَبد - عَقِبه: هذا
يُضَعِّف حديث همَّام. انتهى، ومُراده أنَّه يُضَعَّف حَمَلَه على التَّعميم، أمَّا الجمعُ بينهما بما دَلَّ
عليه هذا الثّاني فلا، وأمَّا ما أخرجه أبو داود (١٦٨٦) وابن خُزيمة(١) من حديث سعد
قال: قالت امرأة: يا نبيَّ الله، إنّ كَلِّ على آبائنا وأزواجنا وأبنائنا، فما يَحِلُّ لنا من أموالهم؟
قال: ((الرُّطَبُ تأكُلنَه وتُهدينَه)). وأخرج التِّرمِذيّ (٦٧٠) وابن ماجه (٢٢٩٥) عن أبي أُمامةَ
رَفَعَه: ((لا تُنفِقِ امرأةٌ شيئاً من بيت زوجها إلّا بإذنِه)) قيلَ: ولا الطَّعام؟ قال: ((ذاكَ أفضلُ
أموالِنا»، وظاهرهما التَّعارُض، ويُمكِن الجمع بأنَّ المراد بالرُّطَب: ما يَتَسارَعُ إليه الفساد،
فأذِنَ فيه، بخِلَاف غيرِه ولو كان طعاماً، والله أعلم.
(١) لم نقف عليه في القسم المطبوع من ((صحيح ابن خزيمة))، ولم يعزه له الحافظ نفسُه في («إتحاف المهرة))
١١٧/٥، وإنما عزاه للحاكم في ((المستدرك)» ١٣٤/٤ فحسب.
قلنا: وأخرجه أيضاً عبد بن حميد في ((المنتخب)) (١٤٧) والبيهقي ١٩٢/٤ و١٩٣.

٥٩٤
باب ٨٧ / ح ٥١٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ورواه أبو الزِّناد أيضاً عن موسى عن أبيه عن أبي هريرة في الصوم)) يُشِير إلى أنَّ
رواية شُعَيب عن أبي الزناد عن الأعرج اشتَمَلَت على ثلاثة أحكام، وأنَّ لأبي الزِّناد في أحد
الثلاثة - وهو صيام المرأة - إسناداً آخر، وموسى المذكور: هو ابن أبي عثمان، وأبوه أبو
عثمان يقال له: التَّبّان، بمُثّةٍ ثمَّ موحّدة ثقيلة، واسمه سعد، ويقال: عِمرانَ، وهو مولى
المُغيرة بن شُعْبة، ليس له في البخاريّ سوى هذا الموضع، وقد وصَلَ حديثَه المذكور أحمد
(٩٧٣٥)، والنَّسائيُّ (ك٢٩٣٢) والدَّارِميُّ (١٧٢١)، والحاكم (٤/ ١٧٣) من طريق الثَّوْريّ
عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان بقصَّة الصوم فقط، والدَّارِميُّ أيضاً (١٧٢٠)، وابن
خُزَيمةَ (٢٢٦٨)، وأبو عَوَانة (٢٩٤٥)، وابن حِبّان(١) من طريق سفيان بن عُبَينَةَ عن أبي الزِّناد
عن الأعرج به، قال أبو عَوَانة (٢) في رواية عليٍّ بن المَدِينيّ: حدَّثنا به سفيان بعد ذلك عن أبي
الزِّناد عن موسى بن أبي عثمان، فراجَعتُه فيه، فَثَبَتَ على موسى ورَجَعَ عن الأعرَج. ورُوِّيناه
عالياً في ((جُزء إسماعيل بن نُجَيد)) من رواية المغيرة بن عبد الرّحمن عن أبي الزِّناد.
وفي الحديث حُجّة على المالكيَّة في تجويز دُخُول الأب ونحوه بيتَ المرأة بغير إِذْنِ
زوجها، وأجابوا عن الحديث: بأنَّه مُعارَضٌ بصِلة الرَّحِم، وأنَّ بين الحديثَيْنِ عُمُوماً
وخُصُوصاً وجهيّاً، فيحتاج إلى مُرَجِّح، ويُمكِن أن يُقال: صِلة الرَّحِم ◌ِنَّمَا تُندَب بما يَملِكه
الواصل، والتَّصَرُّف في بيت الَّوج لا تَمَلِكه المرأة إلّ بإذنِ الَّوج، فكما لأهلِها أن لا
تَصِلَهم بماله إلّا بإذنِه، فإذُها لهم في دخول البيت كذلك.
٨٧ - باب
٢٩٨/٩
٥١٩٦- حدَّثْنا مُستَّدٌ، حدَّثنا إسماعيلُ، أخبرنا التَّيْمِيُّ، عن أبي عثمانَ، عن أُسامةَ، عن
النبيِّ نَّهِ قال: ((قمتُ على باب الجنّة، فكان عامّة مَن دَخَلها المساكينُ، وأصحابُ الجَدّ
(١) رواية ابن حبان (٣٥٧٣) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه،
عن أبي هريرة، وليس فيه طريق ابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، ولم يعزها له الحافظ ابن حجر
نفسه في («إتحاف المهرة)) ٢١٦/١٥.
(٢) بإثر الحديث (٢٩٤٥).

٥٩٥
باب ٨٨ / ح ٥١٩٧
كتاب النكاح
تَحَبُوسُون، غير أنّ أصحابَ النار قد أَمِرَ بهم إلى النار، وقمتُ على باب النار، فإذا عامّةٌ
مَن دَخَلها النِّساء)).
[طرفه في: ٦٥٤٧]
قوله: ((باب)) كذا لهم بغير ترجمة، وأورَدَ فيه حديثَ أُسامة لقولِه فيه: ((وَقَفتُ على باب
النار، فإذا عامّة مَن دَخَلَها النِّساء)) وسَقَطَ لِلنَّسَفيِّ لفظ ((باب))، فصارَ الحديثُ الذي فيه
من ◌ُملة الباب الذي قبله، ومُناسَبته له من جهة الإشارة إلى أنَّ النِّساء غالباً يَرتَكِينَ النَّهي
المذكور، ومن ثَمَّ كُنَّ أكثر مَن دَخَلَ النار، والله أعلم.
٨٨- باب كُفران العَشِير وهو الزّوج، وهو الخَليطُ من المعاشَرَة
فيه عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ ◌ِكلّ.
٥١٩٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسار،
عن عبدِ الله بنِ عبَّاسِ أنَّه قال: خَسَفَتِ الشّمسُ على عَهْدِ رسولِ الله ◌َِّ، فصَلَّى رسولُ الله
وَلّ والناسُ معه، فقامَ قِياماً طويلاً نحواً من سورة البقرةِ، ثمَّ رَكَعَ رُكوعاً طويلاً، ثمَّ رَفَعَ فقامَ
قياماً طويلاً وهو دونَ القيامِ الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُكوعاً طويلاً وهو دونَ الرُّكوعِ الأَوَّلِ، ثمَّ سَجَدَ،
ثُمَّ قامَ، فقامَ قِياماً طويلاً وهو دونَ القيامِ الأَوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ رُكوعاً طويلاً وهو دونَ الرُّكوعِ
الأوَّلِ، ثمَّ رَفَعَ فقامَ قِياماً طويلاً وهو دونَ القيامِ الأوَّل، ثمَّ رَكَعَ رُكوعاً طويلاً وهو دونَ
الرُّكوعِ الأَوَّلِ، ثمَّ رَفَعَ ثمَّ سَجَدَ، ثمَّ انصَرَفَ وقد ◌َجَلَّتِ الشَّمسُ، فقال: ((إنَّ الشَّمسَ والقَمرَ
آيتانِ من آيات الله، لا يَخْسِفَان لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فاذْكُروا الله)) قالوا: يا
رسولَ الله، رأيناكَ تَناوَلْتَ شيئاً في مَقامِكَ هذا، ثمَّ رأيناكَ تَكَمْكَعْتَ! فقال: ((إنّ رأيتُ الجنَّةَ
- أو أُرِيتُ الجِنَّةَ - فَتَنَاوَلْتُ منها عُنْقوداً، ولو أخَذْتُه لأكَلْتُم منه ما بَقِيَتِ الدُّنْيا، ورأيتُ النارَ
فلم أرَ كاليومٍ مَنْظَراً قَطَّ، ورأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ)) قالوا: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: ((بكُفْرِ هِنَّ))
قيل: يَكْفُرْنَ بالله؟ قال: ((يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ويَكْفُرْنَ الإحسانَ، لو أحسنْتَ إلى إحداهُنَّ الدَّهْرَ،
ثُمَّ رَأتْ منكَ شيئاً، قالت: ما رأيتُ منكَ خيراً قَطُ)).

٥٩٦
باب ٨٨ / ح ٥١٩٨
فتح الباري بشرح البخاري
٥١٩٨- حدَّثنا عُثْمَانُ بنُ الهيثم، حدَّثْنَا عَوْفٌ، عن أبي رَجَاءٍ، عن عِمْرانَ، عن النبيِّ ◌َّـ
قال: ((اطَّلَعْتُ في الجنَّةِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها الفُقَراءَ، واطَّلَعتُ في النار فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ)).
تَابَعَه أيوبُ وسَلْمُ بنُ زَرِیٍ.
قوله: ((باب كُفْران العَشير، وهو الزَّوْج، والعَشِير: هو الخَليط من المعاشَرَة)) أي: أنَّ لفظ
العَشِير يُطلَق بإزاءٍ شيئينٍ، فالمراد به هنا الزَّوج، والمراد به في الآية، وهي قوله تعالى:
٢٩٩/٩ ﴿وَبِْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣] المُخالِطُ، وهذا تفسير أبي عبيدة،/ قال في قوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ
اٌلْمَوْلَى وَلَبِفْسَ الْعَشِيرُ﴾: المولَى هنا: ابن العَمّ، والعَشيرُ: المُخالِطُ المُعاشِر، وقد تقدَّم شيءٌ
من هذا في كتاب الإيمان (٢٩).
ثمّ ذكر حديث ابن عبّاس في خُسوف الشمس بطولِهِ، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في
أواخر أبواب الكُسوف (١٠٥٢).
وقوله فيه: ((لو أحسَنتَ إلى إحداهُنَّ الدَّهرَ)) فيه إشارة إلى وجود سبب التَّعذيب، لأنَّها
بذلكَ كالمُصِرَّة على كُفر النِّعمة، والإصرارُ على المعصية من أسباب العذاب، أشارَ إلى
ذلك المهَّّب.
وذكر بعده حديث عمرانَ بن حُصَينٍ بمعنى حديث أُسامةَ الماضي في الباب قبله.
وقوله: ((تابَعَه أيوبُ وسَلْمُ بن زَرِير)) يعني أنَّهما تابَعا عَوفاً عن أبي رَجَاء - وهو العُطارديّ-
في رواية هذا الحديث عن عمرانَ بن حُصَينٍ، وسيأتي في ((باب فضل الفَقْر)) من الرِّقاق (٦٤٤٩)
أنَّ حمّاد بن نَجِيح وصَخْر بن جُوَيِرِيةَ خالَفا في ذلك عن أبي رَجَاء، فقالا: ((عنه، عن ابن
عبَّاس)). ومُتَابَعة أيوب وَصَلَها النَّسائيُّ (ك٩٢١٦)، واختُلِفَ فيه على أيوب فقال عبد الوارث
عنه هكذا، وقال الثَّقَفيّ وابن عُليَّة وغيرهما: عن أيوب، عن أبي رَجَاء، عن ابن عبّاس.
وأمَّا مُتَابَعة سَلْم بن زَرِير، فوَصَلَها المصنّف في صِفَة الجنَّة من بَدْء الخلق (٣٢٤١)، وفي
((باب فَضْلِ الفَقْر)) من الرِّقاق (٦٤٤٩)، ويأتي شرح الحديث معَ حدیث أُسامة في («باب
صِفَة الجنَّة والنار)) من كتاب الرِّقاق (٦٥٤٦)، إن شاء الله تعالى.

٥٩٧
باب ٨٩- ٩٠ / ح ٥١٩٩ - ٥٢٠٠
كتاب النكاح
٨٩ - بابٌ لِزَوجِكَ عليكَ حقّ
قاله أبو جُحَيفةَ، عن النبيِّ وَّهِ.
٥١٩٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا الأوْزاعيُّ، قال: حدَّثني يحيى بنُ
أبي كَثِير، قال: حدَّثني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ عَمْرِو بنِ العاص،
قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((يا عبدَ الله، ألم أُخبَرْ أَنَّكَ تصومُ النَّهارَ وتقومُ اللَّيلَ؟» قلتُ: بلى يا
رسولَ الله، قال: ((فلا تَفْعَلْ، صُمْ وأفطِرْ، وقُمْ ونَمْ، فإنَّ لِجَسَدِكَ عليكَ حَقّاً، وإنَّ لِعَينِكَ
عليكَ حَقّاً، وإنَّ لِزَوْجِكَ عليكَ حَقّاً».
قوله: «باب لزَوْجِك عليك حَقّ، قاله أبو جُحَيفةَ، عن النبيّ ◌َ) وهو طَرَفٌ من حديثه
في قصَّة سَلْمان وأبي الدَّرداء، وقد مَضَى موصولاً مشروحاً في كتاب الصِّيام (١٩٦٨)، ثمَّ
ذكر بعده حديث عبد الله بن عَمْرو في ذلك، وقد تقدَّم شرحه أيضاً (١٩٧٤).
قال ابن بَطّال: لمَّا ذَكَر في الباب قبله حَتَّ الَّوج على الزَّوجة، ذكر في هذا عكْسَه، وأنَّه
لا ينبغي له أن يُجِهِد نَفْسَه في العبادة حتَّى يَضعُفَ عن القيام بحَقُّها من جماعٍ واكتِساب،
واختَلَفَ العلماء فيمَن كَفَّ عن جماع زوجته، فقال مالك: إن كان بغير ضَرُورة أُلزِم به، أو
يُفرَّق بينهما، ونحوه عن أحمد، والمشهور عند الشافعيَّة: أنَّه لا يجب عليه، وقيل: يجب مرَّة، وعن
بعض السَّلَف: في كلّ أربعٍ ليلة، وعن بعضهم: في كلّ طُهْر مرَّة.
٩٠ - بابٌّ المرأةُ راعيةٌ في بيتِ زوجِها
٥٢٠٠- حدَّثنا عَبْدَانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ
رضي الله عنهما، عن النبيِّ وَِّ قال: ((كلَّكم راع وكلَّكم مَسْؤولٌ عن رَعِيَّتِه، والأمِيرُ راعٍ،
والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِه، والمرأةُ راعِيةٌ على بيتِ زَوْجِها وَلَدِه، فكلَّكم راع وكلَّكم مَسْؤولٌ
عن رَغِيَّتِه)).
قوله: ((بابٌّ المرأةُ راعيةٌ في بيت زَوْجها)» ذَكَر فيه حديثَ ابن عمر، وسيأتي شرحُه مُستَولَى ٣٠٠/٩
في كتاب الأحكام (٧١٣٨) إن شاء الله تعالی.

٥٩٨
باب ٩١-٩٢ / ح ٥٢٠١
فتح الباري بشرح البخاري
٩١ - باب قولِ الله تعالى:
﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]
٥٢٠١- حدَّثْنا خالدُ بنُ تَخَلَدٍ، حدَّثنا سُليمانُ، قال: حدَّثني مُميدٌ، عن أنسٍ عَظّه قال: آلَى
رسولُ الله ◌َِّ مِن نسائه شَهْراً، وقَعَدَ في مَشْرُبةٍ له، فنزلَ لِتَسْعِ وعِشْرِينَ، فِقِيلَ: يا رسولَ الله
إِنَّكَ آلَيتَ شَهْراً، قال: ((إنَّ الشَّهْرَ تسعٌّ وعِشْرونَ)).
قوله: ((باب قولِ الله تعالى: ﴿اَلِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾)) إلى هنا عند أبي ذرِّ، زاد
غيره: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيًّا كَبِيرًا﴾، وبسياق الآية
تَظهرُ مطابقةُ التَّرجمة، لأنَّ المراد منها قوله تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَ وَأَهْجُرُوهُنَّ فِ الْمَضَاجِعِ﴾
فهو الذي يُطابق قوله: ((آلَى النبيُّ ◌َِّ من نسائِه شهراً)) لأنَّ مُقْتَضاه أنَّه هَجَرَهُنَّ، وخَفِيَ
ذلك كلُّه على الإسماعيليّ، فقال: لم يَتَّضِحْ لي دخولُ هذا الحديث في هذا الباب، ولا تفسيرُ
الآية التي ذكرها.
وقد تقدَّم شرحُ حديث أنسٍ المذكور قريباً في آخر حديث عمر الطَّويل (٥١٩١).
وقوله فيه: ((إنَّك آلَيتَ شهراً)) في رواية المُستَمْلي والكُشْمِيهنيّ: ((آلَيتَ على شهر)»،
وقوله: ((فقيلَ: يا رسول الله)) قائل ذلك عائشة، كما تقدَّم واضحاً في آخر حديث عمر
المذكور، وتقدَّم فيه أنَّ عمر وغيره أيضاً سألوه عن ذلك.
٩٢ - باب هِجْرة النبيِّ وَّل نساءَهُ في غير بُيُوتِهِنّ
ويُذكَرُ عن مُعاوِيَةَ بنِ حَيْدَةَ رَفْعُه: ((ولا تهْجَرَ إلّا في البيتِ)) والأوَّلُ أُصحُّ.
٣٠١/٩
قوله: ((باب هِجْرة النبيّ وَل﴿ نساءه في غير بُيوتهنَّ)) كأنَّه يشير إلى أنَّ قوله: ﴿وَأَهْجُرُوهُنَّ
فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] لا مفهوم له، وأنَّه ◌َجوزُ الهجرةُ فيما زاد على ذلك، كما وَقَعَ للنبيِّ
وَلَّ مِن هَجْرِه لأزواجِه في المَشْرُبة. وللعلماءِ في ذلك اختلافٌ أذكُره بعدُ.
قوله: ((ويُذكَر عن معاوية بن حَيْدة)) بفتح الحاء المهمَلة وسكون التَّحتانيّة: صحابيّ مشهور،
وهو جَدّ بَهْز بن حكيم بن معاوية.

٥٩٩
باب ٩٢ / ح ٥٢٠١
كتاب النكاح
قوله: ((رَفْعُه(١): ولا تُهُجَر إلّا في البيت)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((غيرَ أن لا تُهُجَر إلّا في
البيت)) وهذا طَرَف من حديث طويل أخرجه أحمد (٢٠٠١٣)، وأبو داود (٢١٤٢)، والخَرائطيّ
في ((مكارم الأخلاق))(٢)، وابن مَندَهْ في ((غرائب شُعْبة)) كلّهم من رواية أبي قَزَعة سُوَيد عن
حَكِيم بن معاوية عن أبيه، وفيه: ما حَقُّ المرأة على الزَّوج؟ قال: «يُطعِمُها إذا طَعِمَ، ويَكسُوها
إذا اكتَسَى، ولا يَضرِب الوجْهَ، ولا يُقَبِّح، ولا يَهْجُر إلّا في البيت)».
قوله: ((والأوَّل أصحّ)) يعني حديث أنس (٥٢٠١) أصحُّ من حديث معاوية بن حَيْدة،
وهو كذلكَ، ولكن يُمكِن الجمع بينهما كما سأذكره، واقتَضَى صَنيعُه أنَّ هذه الطَّريق تَصلُح
للاحتجاجِ بها، وإن كانت دون غيرها في الصِّحّة، وإنَّما صَدَّرَها بصيغة التَّمريض إشارةً
إلى انحِطاط رُتِبَتَها. ووَقَعَ في شرح الكِرْمانيّ: قوله: ((ويُذكَر عن معاوية بن حَيْدة رَفَعَه:
ولا تُهُجَر إلّا في البيت)) أي: ويُذكَر عن معاوية: ((ولا تُهجَر إلّا في البيت)) مرفوعاً إلى النبيّ ◌َِّ،
والأوَّل، أي: الهجرة في غير البيوت، أصحُّ إسناداً، وفي بعضها، أي: بعض النُّسَخ من
البخاريّ: ((غير أن لا تُهجَر إلّا في البيت))، قال: فحينئذٍ ففاعل: يُذكَر هَجْرُ النبيّ وَّ نساءَه
في غير بيوتهنَّ، أي: ويُذكَر عن معاوية رَفْعُه، غير أن لا تُهجَر، أي: رُويَت قصَّة الهجرة عنه
مرفوعة، إلّا أنَّه قال: ((لا تُهجَر إلّا في البيت)). وهذا الذي تَلمَّحه غَلَطْ مَحَض، فإنَّ معاوية
ابن حَيْدة ما روى قصَّة هَجْرِ النبيِّ وَّرَ أزواجَه، ولا يُوجَد هذا في شيءٍ من المسانيد ولا
الأجزاء، وليس مُراد البخاريّ ما ذكره، وإنَّما مُرادُه حكاية ما وَرَدَ في سياق حديث معاوية
ابن حَيْدة، فإنَّ في بعض طرقه: ((ولا يُقَبِّحْ ولا يَضِرِب الوجه، غيرَ أن لا يَهجُر إلّا في البيت»
فظنَّ الكِرْمانيُّ أنَّ الاستثناء من تَصَرُّف البخاريّ، وليس كذلكَ، بل هو حكاية منه عمَّا وَرَدَ
من لفظ الحديث، والله أعلم.
قال المهلَّب: هذا الذي أشارَ إليه البخاريّ كأنَّه أراد أن يَستَنَّ الناسُ بما فَعَلَه النبيُّ وَله
(١) كذا ضبطه القسطلاني ٨/ ١٠٠ بسكون الفاء وضم العين، عن اليونينية.
(٢) وتابع الحافظَ ابنَ حجر القسطلانيُّ في نسبة ذلك إلى الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)، ولیس کذلك، بل
هو في ((مساوئ الأخلاق)) له برقم (٦٩١) - طبعة مكتبة السوادي.

٦٠٠
باب ٩٢ / ح ٥٢٠٢-٥٢٠٣
فتح الباري بشرح البخاري
من الهَجْر في غير البيوت رِفقاً بالنِّساءِ، لأنَّ هِجرانهنَّ معَ الإقامة معهُنَّ فِي الْبُيوت آلَمَ
لأنْفُسِهِنَّ وأوجَعُ لقُلوبهنَّ بما يقعُ من الإعراض في تلك الحال، ولما في الغَيْبة عن الأعين
من التَّسلية عن الرِّجال، قال: وليس ذلك بواجبٍ، لأنَّ الله قد أمَرَ بِجْرانِنَّ في المضاجع
فضلاً عن البُيوت. وتَعقَّبَه ابن المنيِّر بأنَّ البخاريّ لم يُرِد ما فَهِمَه، وإنَّما أراد أنَّ الهِجْران
يجوز أن يكون في البُيوت وفي غير البيوت، وأنَّ الحَصْرَ المذكور في حديث معاوية بن حَيْدة
غير مَعمُول به، بل يجوز الهجرُ في غير البيوت كما فعل النبيُّ نَّهِ. انتهى، والحقّ أنَّ ذلك
يختلف باختلاف الأحوال، فُرُبَّما كان الهجران في البيوت أشدَّ من الهِجْران في غيرها،
وبالعكس، بل الغالبُ أنَّ الِهِجْران في غيرِ الْبُيوت آلَمُ للنُّفُوسِ وخُصُوصاً النِّساءِ لضعفٍ
نُفُوسِهنَّ، واختَلَفَ أهل التَّفسير في المراد بالهِجران، فالجمهور على أنَّه تَركُ الدُّخولِ عليهنَّ
والإقامةِ عندهنَّ على ظاهر الآية، وهو مِن الهجران وهو البُعد، وظاهره أنَّه لا يُضاجِعها.
وقيل: المعنى يُضاجِعها ويُوَلِّيها ظَهرَه، وقيل: يَمتَنِعِ من جِمَاعِها، وقيل: يُجامعُها ولا
يُكلِّمها، وقيل: ((اهجُروهُنَّ)» مُشتَقّ من المُجْر بضمِّ الهاء: وهو الكلامُ القبيح، أي:
أغلِظوا لهنَّ في القول، وقيل: مُشتَقٌ من الهِجار، وهو: الحبل الذي يُشَدّ به البعير، يقال:
هَجَرَ البعيرَ، أي: رَبَطَه، فالمعنى: أَوثِقوهُنَّ في البيوت واضرِبوهُنَّ، قاله الطَّبَرَيُّ وقَوّاه،
واستَدَلَّ له، ووَهّاه ابنُ العربيّ فأجاد.
ثمَّ ذکر في الباب حدیثینِ:
٥٢٠٢- حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جُرَيج. وحدَّثني محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، أخبرنا عبدُ الله،
أخبرنا ابنُ جُرَيج، قال: أخبرني يحيى بنُ عبدِ الله بنِ صَيفِيٍّ، أنَّ عِكْرمةَ بنَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ
الحارثِ أخبَرَه، أنَّ أَمَّ سَلَمَةَ أخبَرَتْهُ: أنَّ النبيَّ ◌َ حَلَفَ لا يَدخُلُ على بعضِ أهلِهِ شَهْراً، فلمَّا
مَضَى تسعةٌ وعِشْرونَ يوماً غَدا عليهنَّ - أو راحَ - فِقِيلَ له: يا نبيَّ اللهِ، حَلَفْتَ أن لا تَدْخُلَ
عليهنَّ شَهْراً، قال: ((إنَّ الشَّهْرَ يكونُ تسعةً وعِشْرِينَ يوماً)).
٥٢٠٣ - حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثْنا مَرْوانُ بنُ مُعاوِيةَ، حدَّثنا أبو يَعْفورٍ، قال: تَذاكَرْنا