Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
باب ٤٨ / ح ٥١٤٧
كتاب النكاح
منّي، فَجَعَلَت جوَيِرِياتٌ لنا يَضْرِبِنَ بالدُّفِّ ويَنْدُبنَ مَن قُتِلَ من آبائي يومَ بَدْرٍ، إذ قالت
إحداهُنَّ:
وفينا نبيٌّ يَعْلَمُ ما فِي غَدٍ
فقال: ((دَعِي هذا، وقولي بالذي كنتِ تقولِينَ)).
قوله: ((باب ضَرْبِ الدُّفّ في النِّكاح والوَلِيمة)) يجوز في الدُّفّ ضَمُّ الدَّال وفتحها،
وقوله: ((والوليمة)) معطوف على النِّكاح، أي: وضربِ الدُّفّ في الوليمة، وهو من العامّ
بعد الخاصّ، ويحتمل أن يريد وليمة النّكاح خاصّة، وأنَّ ضرب الدُّفّ يُشرَع في النِّكاح
عند العَقد، وعند الدُّخول مثلاً، وعند الوليمة كذلك، والأوَّل أشبه، وكأنَّه أشارَ بذلك إلى
ما في بعض طرقه على ما سأُبِّنُه.
قوله: ((حدَّثْنا خالد بن ذَكْوانَ)) هو المدنيّ يُكْنى أبا الحسين، وهو من صِغار التابعينَ.
قوله: ((جاء النبيّ ◌َّ يَدخُل عليَّ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فَدَخَلَ عليَّ)) ووَقَعَ عند ابن
ماجه (١٨٩٧) في أوَّله قصَّة من طريق حَمَّاد/ بن سَلَمةَ عن أبي الحسين - واسمه خالد المدنيّ - ٢٠٣/٩
قال: كنَّا بالمدينة يوم عاشوراء، والجَواري يَضرِبِنَ بالدُّفِّ ويَتَغْنَينَ، فدَخَلنا على الرُّبَيّع
بنت مُعَوِّد، فذَكَرنا ذلك لها، فقالت: دَخَلَ عليّ ... الحديث، هكذا أخرجه من طريق يزيد
ابن هارون عنه، وأخرجه الطبرانيُّ (٦٩٥/٢٤) من طريق [عفان](١) عن حَمَّد بن سَلَمةَ،
فقال: عن أبي جعفر الخَطْمَيّ، بَدَل ((أبي الحسين)).
قوله: ((حين بُنيَ عليَّ)) في رواية حَمَّاد بن سَلَمةَ(٢): ((صَبِيحَة عُرْسي))، والبناء: الدُّخول
بالَّوجة، وبيَّن ابن سعد (٤٤٧/٨) أنَّها تزوَّجَت حينئذٍ إياس بن البُكَيرِ اللَّيِيّ، وأنَّها ولدَتْ
له محمّد بن إیاس، قیل: له صُحْبة.
قوله: ((كمَجلِسِك)) بكسرِ اللّام، أي: مكانك، قال الكِرْمانيُّ: هو محمول على أنَّ ذلك كان
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصلين و(س)، ولا بدَّ منه فأثبتناه من الطبراني.
(٢) عند ابن ماجه (١٨٩٧)، والطبراني في «الكبير)) (٦٩٥/٢٤).

٤٠٢
باب ٤٨ / ح ٥١٤٧
فتح الباري بشرح البخاري
من وراء حجاب، أو كان قبل نزول آية الحجاب، أو جازَ النَّظَر للحاجة، أو عند الأمن من
الفتنة. انتهى، والأخير هو المعتمد، والذي وَضَحَ لنا بالأدلّة القوَّة أنَّ من خصائص النبيّ
جواز الخَلْوة بالأجنبيّة والنَّظَر إليها، وهو الجواب الصَّحيح عن قصَّة أمّ حَرَام بنت
مِلْحانَ في دخوله عليها، ونَومِه عندها وتَفليَتَها رأسه، ولم يكن بينهما مَحَرَميَّة ولا زوجيَّةٌ (١)،
وجَوَّزَ الکِرْمانيُّ أن تكون الرِّواية «مجلسك» بفتح اللام، أي: جلوسك، ولا إشكال فيها.
قوله: ((فجَعَلَت جُوَيرباتٌ لنا) لم أقِفْ على تَسْمِيتهنَّ، ووَقَعَ في رواية حمّاد بن سَلَمَةَ
بلفظ: ((جاريَتان تُغَنّان))، فيحتمل أن تكون الثُّنتان هما المغَنّتان، ومعهما مَن يَتَبَعهما أو
يُساعِدهما في ضرب الدُّفّ من غير غِناء، وسيأتي في ((باب النِّسوة اللّاتي يُهدينَ المرأة إلى
زوجها» زيادة في هذا (٥١٦٢).
قوله: ((ويَنْدُبْنَ)) من النُّدبة: بضمِّ النُّون :- وهي ذِكرُ أوصاف الميِّت بالثَّنَاءِ عليه، وتعديد
تَحَاسِنه بالكَرَمِ والشَّجاعة ونحوها.
قوله: ((مَن قُتِلَ من آبائي يوم بَدْر)) تقدَّم بيان ذلك في المغازي (٤٠٠١)، وأنَّ الذي قُتِلَ
من آبائها إِنَّما قُتِلَ بأُحُدٍ، وآبَاؤُها الذينَ شَهِدوا بدراً مُعَوِّذ ومعاذ وعَوْف، واحدهم أبوها
والآخران عمّاها، أطلقَت الأُبوّة عليهما تغليباً.
قوله: ((فقال: دَعِي هذا)) أي: اتركي ما يَتَعلَّق بمَدْحي الذي فيه الإطراء المنهيّ عنه، زاد
في رواية حمّاد بن سَلَمةَ: ((لا يعلم ما في غَدٍ إلّا الله)) فأشارَ إلى عِلّة المنع.
قوله: ((وقولي بالذي كنت تقولينَ)) فيه إشارة إلى جواز سماع المدح والمرئية ممَّا ليس فيه
مُبالَغة تُفضي إلى الغُلوّ. وأخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٣٤٠١) بإسنادٍ حسن من حديث
عائشة: أنَّ النبيّ ◌َ ◌ّهَمَرَّ بنساءٍ من الأنصار في عُرس لهنَّ وهُنَّ يُغَنّيْنَ:
وأهدَى لها كَبْشاً تَنحنَحَ في الْمِرِبَدِ وَزوجُكِ في النادي ويعلمُ ما فِي غَدِ
فقال: ((لا يعلم ما في غَدٍ إلّا الله)).
(١) سلف عند المصنف برقم (٢٧٨٨) و(٢٧٨٩)، وأخرجه مسلم برقم (١٩١٢) (١٦٠).

٤٠٣
باب ٤٩ / ح ٥١٤٨-٥١٤٨م
كتاب النكاح
قال المهلَّب: في هذا الحديث إعلان النِّكاح بالدُّفِّ وبالغِناءِ المباح، وفيه إقبال الإمام
إلى العُرس وإن كان فيه لهو ما لم يَخْرُج عن حَدّ المباح، وفيه جواز مَدْح الرجل في وجهه ما
لم يخرُج إلى ما ليس فيه.
وأغرَبَ ابن التِّين فقال: إنَّما نهاها لأنَّ مَدْحه حَقّ، والمطلوب في النّكاح اللهو، فلمَّا أدخَلَت
الجدّ في اللهو مَنَعَها، كذا قال، وتمام الخبر الذي أشرت إليه يَرُدّ عليه، وسياق القصّة يُشعِر بأنَّما
لو استَمَرَّتا على المرائي لم يَنْهَهُما، وغالب حسن المرائي جِدٌّ لا لَهْو، وإِنَّا أَنكَرَ عليهما ما ذُكِرَ من
الإطراء حيثُ أُطلقَ عِلم الغيب له، وهو صِفَة تَخْتَصّ بالله تعالى، كما قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَنْ
فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيَّبَ إِلَّ اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله لنبيِّه: ﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا
إِلَّا مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف:١٨٨]، وسائر ما كان
النبيّ وَّهِ يُخْبِرِ به من الغُيوب بإعلام الله تعالى إيّاه لا أنَّه يَستَقِلّ بعِلم ذلك، كما قال تعالى:
﴿عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا (٦) إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]،
وسيأتي مزيد بحث في مسألة الغِناء في العُرْس بعد اثنَي عشر باباً (٥١٦٢).
٤٩ - باب قولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَءَاتُوْلِنِسَآءَ صَدُقَئِنَ عِلَةٌ﴾ [النساء: ٤]
وكَثْرةِ المَهْرِ، وأدْنَى ما يجوزُ منَ الصَّداق
٢٠٤/٩
وقوله تعالى: ﴿وَءَاتَّيْتُمْ إِحْدَدُهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]
وقوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]
وقال سَهْلٌ: قال النبيُّ وَ الَ: ((ولو خاتماً من حديدٍ)).
٥١٤٨- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيبٍ، عن أنسٍ: أنَّ
عبد الرَّحمنِ بنَ عَوْفٍ تزوَّجَ امرأةً على وزْنِ نَواةٍ، فَرَأى النبيُّ ◌َارِ بَشاشةَ العُرْسِ، فسألَه، فقال:
إنّ تزوَّجْتُ امرأةً على وزْنِ نَواٍ.
٥١٤٨م- وعن قَتَادةَ، عن أنسٍ: أنَّ عبد الرَّحمنِ بنَ عَوْفٍ تزوَّجَ امرأةً على وَزْنِ نَواةٍ من
ذهب.

٤٠٤
باب ٤٩ / ح ٥١٤٨م
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلّ: ﴿وَءَاتُواْ النِّسَآءَ صَدُقَتِهِنَّ ◌ِلَةً ﴾ وكَثْرة المهر، وأدنى ما
يجوز من الصَّداق، وقوله عزَّ وجلّ: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَثُهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾،
وقوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ﴾)) هذه التَّرجمة معقودة، لأنَّ المهر لا يَتَقَدَّر أقلّه، والمخالف
في ذلك المالكيَّة والحنفيَّة، ووجه الاستدلال ممَّا ذكره الإطلاق من قوله: ﴿صَدُقَئِنَّ﴾
ومن قوله: ﴿فَرِيضَةٌ﴾، وقوله في حديث سَهْل: ((ولو خاتَماً من حديد)).
وأمَّا قوله: ((وكَثْرة المهر)) فهو بالجرِّ عُطِفَ على ((قول الله)).
والآية التي تَلَاها، وهي قوله: ﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَثُهُنَّ قِنْطَارًا﴾، فيه إشارة إلى جواز كَثْرة
المهر، وقد استَدَلَّت بذلك المرأة التي نازَعَت عمرَ رضي الله تعالى عنه في ذلك، وهو ما
أخرجه عبد الرَّزّاق (١٠٤٢٠) من طريق أبي عبد الرّحمن السُّلَمَيّ قال: قال عمر: لا تُغالُوا
في مُهُور النِّساء، فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إنَّ الله يقول: ((وآتَيْتُم إحداهُنَّ
قنطاراً من ذهب)) - قال: وكذلك هي في قراءة ابن مسعود - فقال عمر: امرأةٌ خاصَمَت
عمرَ فخَصَمَته. وأخرجه الزُّبَير بن بكّارٍ من وجه آخر مُنقَطِع: فقال عمر: امرأةٌ أصابت
ورجل أخطأَ. وأخرجه أبو يَعْلى من وجه آخر عن مسروق عن عمر، فذكره مُتَّصِلاً
مُطوَّلاً، وأصل قول عمر: ((لا تُغالُوا في صَدُقات النِّساء)) عند أصحاب ((السُّنَن))(١)،
وصَخَّحَه ابن حِبّان (٤٦٢٠) والحاكم (٢/ ١٧٥ - ١٧٦)، لكن ليس فيه قصَّة المرأة،
ومُحُصَّل الاختلاف: أنَّه أقلُّ ما يُتَمَّوَّل، وقيل: أقلُّه ما يجب فيه القطعُ، وقيل: أربعونَ،
وقيل: خمسونَ، وأقلُّ ما يجب فيه القطع مُخْتَلَف فيه، فقيلَ: ثلاثة دَرَاهم، وقيل: خمسة،
وقيل: عشرة.
قوله: ((وقال سَهْل: قال النبيّ ◌َّه: ولو خاتماً من حديد)) هذا طَرَف من حديث الواهبة،
وسيأتي شرحه مُستَوَى بعد هذا، ويأتي مزيد في هذه المسألة بعد قليل أيضاً.
ثَّ ذكر حديث أنس في قصَّة تزويج عبد الرَّحمن بن عَوْف، وفيه قوله: تزوَّجتُ امرأة
(١) أخرجه أبو داود (٢١٠٦)، وابن ماجه (١٨٨٧)، والنسائي (٣٣٤٩). وانظر تمام تخريجه في ((المسند)) (٢٨٥).

٤٠٥
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
كتاب النكاح
على وزن نَواةٍ، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في ((باب الوليمة ولو بشاةٍ)) بعد بضعة عشر باباً
(٥١٦٧).
قوله: ((وعن قَتَادةَ، عن أنس)) هو معطوف على قوله: ((عن عبد العزيز بن صُهَیب)»،
وهو من رواية شُعْبة عنهما، فبيَّن أنَّ عبد العزيز بن صُهَيب أطلقَ عن أنس النَّواة، وقَتَادة
زاد أنَّها من ذهبٍ. ويحتمل أن يكون قوله: ((وعن قَتَادة)) مُعلَّقاً، وقد أخرج الإسماعيليّ
الحديث عن يوسف القاضي عن سليمان بن حَرْب بطريق عبد العزيز فقط، وأخرج طريق
فَتَادة من رواية عليٍّ بن الجَعْد وعاصم بن عليٍّ كلاهما عن شُعْبة، وكذا صَنَعَ أبو نُعَيم
أخرج من رواية سليمان طريقَ عبد العزيز وحده، وأخرج طريق فَتَادة من رواية أبي داود
الطَّيالسيِّ عن شُعْبة، والله أعلم.
٥٠- باب الّزويج على القرآن وبغير صَدَاقٍ
٢٠٥/٩
٥١٤٩- حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، سمعتُ أبا حازِمِ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ
الساعدِيِّ يقول: إنّ لَفي القومِ عندَ رسولِ اللهِوَّةِ، إذ قامَتِ امرأةٌ فقالت: يا رسولَ الله، إنَّها
قد وهَبَت نفسَها لكَ، فَرَ فيها رأيَكَ. فلم يُحِبْها شيئاً، ثمَّ قامَت فقالت: يا رسولَ الله، إنَّها قد
وهَبَت نفسَها لكَ، فَرَ فيها رأيُكَ. فلم يُحِيْها شيئاً، ثمَّ قامَتِ الثّالثةَ فقالت: إنَّها قد وهَبَت
نفسَها لكَ، فَرَ فيها رأيُكَ. فقامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، أنكِحْنِيها، قال: ((هل عندَكَ من
شيءٍ؟)) قال: لا، قال: اذهب فاطْلُب ولو خاتماً من حديدٍ))، فذهب فطَلَبَ، ثمَّ جاء فقال: ما
وَجَدْتُ شيئاً، ولا خاتَماً من حديدٍ، فقال: ((هل مَعَكَ منَ القرآنِ شيءٌ؟)) قال: معي سورةُ كذا،
وسورةُ كذا، قال: ((اذهبْ، فقد أنكَحْتُكَها بما مَعَكَ منَ القرآنِ».
قوله: ((باب التّزْويج على القرآن وبغيرِ صَداق» أي: على تعليم القرآن وبغير صَدَاقٍ ماليٍّ
عينيّ، ويحتمل غیر ذلك كما سيأتي البحث فيه.
قوله: ((حدَّثنا سُفْيان)) هو ابن عُيَينةَ، وقد ذكره المصنّف من رواية سفيان الثَّوْريّ بعد
هذا، لكن باختصارٍ (٥١٥٠)، وأخرجه ابن ماجه (١٨٨٩) من روايته أتمّ منه، والإسماعيليّ

٤٠٦
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
أتمّ من ابن ماجه، والطبرانيُّ (٥٩٦١) مقروناً برواية مَعمَر، وأخرج رواية ابن عُيَينةَ أيضاً
مسلم (٧٧/١٤٢٥)، والنَّسائيُّ (٣٢٠٠).
وهذا الحديث مَدارُه على أبي حازِم سَلَمَةَ بن دينار المدنيّ، وهو من صِغار التابعينَ،
حدَّث به كِبار الأئمّة عنه مثل: مالك، وقد تقدَّمَت روايته في الوكالة (٢٣١٠)، وقبل أبواب
هنا (٥١٣٥)، ويأتي في التَّوحيد (٧٤١٧)، وأخرجه أيضاً أبو داود (٢١١١) والتِّرمِذيّ
(١١١٤) والنَّسائيُّ (٣٣٥٩)، والثَّوْريِّ كما ذكرتُه، وحَمَّادِ بن زيد وروايتُه في فضائل القرآن
(٥٠٢٩)، وتقدَّمَت قبل أبواب هنا أيضاً (٥١٤١)، وأخرجها مسلم (١٤٢٥/ ٧٧)،
وفُضَيلِ بنِ سليمان ومحمَّد بن مُطرِّف أبي غَسّان، وقد تقدَّمَت روايتهما قريباً في النكاح(١)،
ولم يُخْرِجهما مسلم، ويعقوبِ بنِ عبد الرّحمن الإسكندرانيّ وعبدِ العزيز بن أبي حازم،
وروايتهما في النكاح أيضاً(٢)، ويعقوب أيضاً في فضائل القرآن (٥٠٣٠)، وعبد العزيز يأتي
في اللِّباس (٥٨٧١)، وأخرجهما مسلم (٧٦/١٤٢٥)، وعبدِ العزيز بن محمَّد الدَّراوَرديّ
وزائدةَ بنِ قُدامةَ، وروايتهما عند مسلم (١٤٢٥ / ٧٧)، ومَعمَرٍ وروايته عند أحمد (٢٢٨٣٢)
والطبرانيّ (٥٩٦١)، وهشامٍ بنِ سعد وروايته في ((صحيح أبي عَوَانة))(٣) والطبرانيّ (٥٧٥٠)،
ومُبِّرٍ بن مُكَسِّر (٤) وروايته عند الطبرانيّ (٥٩٣٨)، وعبدِ الملِك بن جُرَيج وروايته عند
أبي الشَّيخ في كتاب ((النِّكاح))، وقد روى طَرَفاً منه سعيد بن المسيّب عن سَهْل بن سعد
أخرجه الطبرانيّ.
وجاءت القصَّة أيضاً من حديث أبي هريرة عند أبي داود (٢١١٢) باختصارٍ، والنَّسائيّ
(١) رواية فضيل بن سليمان سلفت برقم (٥١٣٢)، ورواية أبي غسان محمد بن مطرف سلفت برقم (٥١٢١).
(٢) رواية يعقوب سلفت برقم (٥١٢٦)، ورواية عبد العزيز بن أبي حازم سلفت برقم (٥٠٨٧).
(٣) رواية هشام بن سعد ليست عند أبي عوانة، ولم يعزها المصنِّف نفسه له في ((إتحاف المهرة))، وإنما أخرجها
الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٦/٣-١٧، والطبراني في «الكبير» (٥٧٥٠)، أمّا أبو عوانة فقد
أخرج رواية مالك (٤١٦٠)، ورواية سفيان بن عيينة (٤١٦١)، وروايات كلٍّ من ابن عيينة والثوري
ومعمر وحماد بن زيد ويعقوب بن عبد الرحمن (٤١٦٢).
(٤) تحرَّفت في الأصلين إلى: ميسر، وفي (س) إلى: مبشر، والتصويب من ((معجم الطبراني)).

٤٠٧
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
كتاب النكاح
مُطوَّلاً (ك٥٤٨٠)، وابن مسعود عند الدَّارَقُطنيِّ (٣٦١٣)، ومن حديث ابن عبّاس عند أبي
عمر بن حَيّويه(١) في ((فوائده)، وضُمَيرةَ جَدِّ حُسَين بن عبد الله عند الطبرانيّ (٨١٥٣)، وجاءت
مختصرة من حديث أنس كما تقدَّم قبل أبواب (٥١٢٠)، وعند التِّرمِذيّ (٢٨٩٥) طَرَف منه
آخر، ومن حديث أبي أمامةً عند تمام في «فوائده» (١٢١٦)، ومن حديث جابر وابن عبّاس عند
أبي الشَّيخ في كتاب ((النكاح))، وسأذكر ما في هذه الرِّوايات من فائدة زائدة إن شاء الله تعالى.
قوله: ((عن سَهْل بن سَعْد)) في رواية ابن جُرَيج: حدَّثني أبو حازِم، أنَّ سهل بن سعد
أخبَرَه.
قوله: ((إنّ لَفي القوم عند رسول الله وَ لَّ، إذ قامَت امرأة)» في رواية فُضَيلِ بن سليمان: كنّا
عند النبيّ وَّ جُلوساً، فجاءته امرأة، وفي رواية هشام بن سعد: بينما نحنُ عند النبيّ ◌َّ
أتت امرأةٌ إليه، وكذا في / مُعظَم الرِّوايات: أنَّ امرأة جاءت إلى النبيّ ێ، ويُمكِن رَدّ رواية ٢٠٦/٩
سفيان إليها بأن يكون معنى قوله: ((قامَت)): وقَفَت، والمراد به: أنَّها جاءت إلى أن وقَفَت
عندهم، لا أنَّها كانت جالسة في المجلِس فقامَت، وفي رواية سفيان الثَّوْريِّ عند الإسماعيليّ:
جاءت امرأة إلى النبيّ وَله وهو في المسجد، فأفادَ تعيين المكان الذي وَقَعَت فيه القصّة.
وهذه المرأة لم أقِفْ على اسمها، ووَقَعَ في ((الأحكام)) لابنِ الطلاع(٢): أنَّها خولة بنت
حَكِيم، أو أمّ شَرِيك، وهذا نُقل من اسم الواهبة الواردة في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرَةً مُؤْمِنَةً إِن
وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وقد تقدَّم بيان اسمها في تفسير الأحزاب، وما يدلّ
على تعدُّد الواهبة.
قوله: ((فقالت: يا رسول الله، إنَّها قد وهَبَت نفسها لك)) كذا فيه على طريق الالتفات،
وكذا في رواية حمّاد بن زيد، لكن قال: إنَّها قد وهَبَت نفسها لله ولرسوله، وكان السّياق
(١) تحرَّفت في (س) إلى: حيوة؛ وهو في الثالث من ((مشيخته)) برقم (٣)، وإسانيد هذه الأحاديث التي
ذكرها الحافظ هنا ضعيفة وبعضها أشدُّ ضعفاً من بعض غير حديث أنس فهو عند البخاري، وغير
حديثي ابن عباس وجابر اللذين عند أبي الشيخ فإننا لم نقف على كتابه لمعرفة إسنادهما.
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: القصاع.

٤٠٨
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
يقتضي أن تقول: إنّ قد وهَبتُ نفسي لك، وبهذا اللَّفظ وَقَعَ في رواية مالك، وكذا في رواية
زائدة عند الطبرانيّ، وفي رواية يعقوب، وكذا الثَّوْريّ عند الإسماعيليّ: فقالت: يا رسول الله،
جِئْت أهَبُ نفسي لك، وفي رواية فُضَيلٍ بن سليمان: فجاءته امرأة تَعرِض نفسها عليه، وفي
كلّ هذه الرِّوايات حذفُ مُضافٍ تقديره: أمر نفسي، أو نحوه، وإلّا فالحقيقة غير مُرَادة، لأنَّ
رَقَبة الحُرّ لا تُملَك، فكأنَّها قالت: أتزَوَّجك من غير عِوَض.
قوله: ((فَرَ فيها رأيك)» كذا للأكثرِ: براءٍ واحدة مفتوحة بعد(١) فاء التَّعقيب، وهي فِعلُ
أمر من الرَّأي، ولِبعضِهم: بهمزةٍ ساكنة بعد الرّاء، وكلَّ صَواب، ووَقَعَ بإثبات الهمزة في
حديث ابن مسعود أيضاً.
قوله: ((فلم يُحِيْها شيئاً) في رواية مَعمَر والثَّوْريِّ وزائدة: فصَمَتَ، وفي رواية يعقوب
وابن أبي حازم وهشام بن سعد: فَنَظَرَ إليها، فصَعَّدَ النَّظَر إليها وصَوَّبَه، وهو بتشديد العين
من صَعَّدَ، والواو من صَوَّبَ، والمراد أنَّه نظرَ أعلاها وأسفَلها، والتَّشديد إمّا للمُبالَغة في
التَّأْمُّل، وإمّا للتَّكريرِ، وبالثّاني جَزَمَ القُرطُبيّ في ((المفهم)) قال: أي: نظرَ أعلاها وأسفَلها
مِراراً. ووَقَعَ في رواية فُضَيلٍ بن سليمان: فخَفَّضَ فيها البَصَرِ وَرَفَّعَه، وهما بالتَّشديدِ أيضاً،
ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ من هذا الوجه: ((النَّظَر)) بَدَل ((البَصَر))، وقال في هذه الرِّواية:
ثُمَّ طَأْطَأً رأسه، وهو بمعنى قوله: فصَمَتَ، وقال في رواية فُضَيلٍ بن سليمان: فلم يُرِدْها،
وقد قَدَّمت ضبط هذه اللَّفظة في ((باب إذا كان الوَليّ هو الخاطِب)) (٥١٣٢).
قوله: ((ثُمَّ قامَت فقالت)) وَقَعَ هذا في رواية المُستَمْلِي والكُشْمِيهني، وسياق لفظها
كالأوَّلِ، وعندهما أيضاً: ((ثُمَّ قامَت الثّالثة)) وسياقها كذلك، وفي رواية مَعمَر والثَّوْرِيِّ معاً
عند الطبرانيّ: فصَمَتَ، ثمَّ عَرَضَت نفسها عليه فصَمَتَ، فلقد رأيتها قائمة مَليّاً تَعرِض
نفسها عليه وهو صامت، وفي رواية مالك: فقامَت طويلاً، ومثله للثَّوريِّ عنه، وهو نَعْتُ
مصدَرٍ محذوف، أي: قياماً طولاً، أو لظَرفٍ محذوف، أي: زمناً طويلاً، وفي رواية مُبشّر:
(١) تحرَّفت في (س) إلى: بعدها.

٤٠٩
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
كتاب النكاح
فقامَت حتَّى رَثَينا لها من طول القيام، زاد في رواية يعقوب وابن أبي حازم: فلمَّا رأت المرأة
أنَّه لم يَقْضِ فيها شيئاً جَلَسَت، ووَقَعَ في رواية حَمَّاد بن زيد: أنَّها وهَبَت نفسها لله ولرسوله
فقال: ((ما لي في النِّساء حاجة)). ويُجمَع بينها وبين ما تقدَّم أنَّه قال ذلك في آخر الحال،
فكأنَّه صَمَتَ أوَّلاً لتَفْهَم أنَّه لم يُرِدها، فلمَّا أعادت الطََّب أفصَح لها بالواقعِ.
ووَقَعَ في حديث أبي هريرة عند النَّسائيِّ (ك٥٤٨٠): جاءت امرأة إلى رسول الله وَيه
فَعَرَضَت نفسها عليه، فقال لها: ((اجلِسي)) فجَلَسَت ساعة ثمَّ قامَت، فقال: ((اجلِسي بارَكَ
الله فيك، أمَّا نحنُ فلا حاجة لنا فيك)).
فيُؤْخَذ منه وُفُورُ أَدب المرأة معَ شِدّة رغبتها، لأنَّها لم تُبالغ في الإلحاح في الطََّب،
وفَهمَت من السُّكوت عَدَمِ الرَّغبة، لكنَّها لمَّا لم تَيأس من الردّ جَلَسَت تَنْتَظِرِ الفَرَجَ،
وسُكوته ربَّيه إمّا حياء من مواجَهَتها بالردِّ - وكان وَ لّ شديد الحياء جدّاً، كما تقدَّم في
صِفَته (٣٥٦٢): أنَّه كان أشدَّ حياءً من / العَذْراء في خِدْرها - وإمّا انتظاراً للوَحْي، وإمّا ٢٠٧/٩
تَفَكُّراً في جواب يناسب المقام.
قوله: ((فقامَ رجل)) في رواية فُضَيلٍ بن سليمان: ((من أصحابه))، ولم أقِفْ على اسمه،
لكن وَقَعَ في رواية مَعمَر والثَّوْريِّ عند الطبرانيِّ (٥٩٦١): فقامَ رجل أحسَبُه من الأنصار،
وفي رواية زائدة عنده: فقال رجل من الأنصار، ووَقَعَ في حديث ابن مسعود: فقال
رسول الله قال: ((مَن ینکِح هذه؟)) فقام رجل.
قوله: ((فقال: يا رسول الله، أنكِحْنيها)) في رواية مالك: زَوِّجْنيها إن لم یکن لك بها
حاجة، ونحوه ليعقوب وابن أبي حازم ومَعمَر والثّوريِّ وزائدة، ولا يعارض هذا قوله في
حديث حمّاد بن زيد: ((لا حاجة لي)) لجوازٍ أن تَتَجدَّد الرّغبة فيها بعد أن لم تكن.
قوله: ((قال: هل عندك من شيء؟)) زاد في رواية مالك: «تُصدِقُها»، وفي حديث ابن
مسعود: ((ألك مال؟)).
قوله: ((قال: لا)) في رواية يعقوب وابن أبي حازم: قال: لا والله يا رسول الله، زاد في رواية

٤١٠
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
هشام بن سعد: قال: ((فلا بُدَّ لها من شيء))، وفي رواية الثَّوْريّ عند الإسماعيليّ: ((عندك
شيء؟)) قال: لا، قال: ((إنَّه لا يَصلُح)).
ووَقَعَ في حديث أبي هريرة عند النَّسائيِّ بعد قوله: ((لا حاجة لي)): ((ولكن تُلِكيني
أمركِ؟)) قالت: نعم. فنَظَرَ في وجوه القوم فدَعَا رجلاً، فقال: ((إنّ أُرِيدَ أن أُزَوِّجكِ هذا إن
رضيتٍ)) قالت: ما رضيتَ لي فقد رضيتُ؛ وهذا إن كانت القصَّة مُتَّحِدة، يحتمل أن يكون
وَقَعَ نظره في وجوه القوم بعد أن سألَه الرجل أن يُزوِّجها له، فاسترضاها أوَّلاً ثمَّ تَكلَّمَ
معه في الصَّداق، وإن كانت القصَّة متعدِّدة فلا إشكال.
ووَقَعَ في حديث ابن عبّاس في ((فوائد أبي عمر بن حَيّويه(١)»: أنَّ رجلاً قال: إنَّ هذه
المرأة رَضيَتْ بي فَزَوِّجها مِنِّي، قال: ((فما مَهرُها؟)) قال: ما عندي شيء، قال: ((أَمهِرْها ما
قَلَّ أو كَثُرَ)) قال: والذي بَعَثَك بالحقِّ ما أملك شيئاً؛ وهذه الأظهَرُ فيها التعدُّد.
قوله: ((قال: اذهب، فاطلُبْ ولو خاتماً من حديد)» في رواية يعقوب وابن أبي حازِم وابن
جُرَيج: ((اذهب إلى أهلك، فانظُر هل تَجِد شيئاً)، فذهب ثمَّ رَجَعَ، فقال: لا والله يا
رسول الله، ما وَجَدتُ شيئاً، قال: ((انظُر ولو خاتماً من حديد)) فذهب ثمَّ رَجَعَ، فقال: لا
والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد، وكذا وَقَعَ في رواية مالك: ثمَّ ذهب يَطلُب مرَّنَينٍ،
لكن باختصارٍ، وفي رواية هشام بن سعد: فذهب فالتَمَسَ فلم يَجِد شيئاً، فَرَجَعَ فقال: لم
أجِدْ شيئاً، فقال له: ((اذهَبْ فالتَمِس)) وقال فيه: فقال: ولا خاتَم من حديد لم أجِده، ثمَّ
جَلَسَ.
ووَقَعَ في ((خاتَم)) النَّبُ على المفعوليَّة لـ((التَمِسْ))، والرّفع على تقدير: ما حَصَلَ لي
ولا خاتَمٌ، ((ولو)) في قوله: ((ولو خاتماً) تقليليَّة، قال عِيَاض: ووَهِمَ مَن زَعَمَ خِلاف ذلك.
ووَقَعَ في حديث أبي هريرة: ((قال: قُمْ إلى النِّساء)) فقامَ إليهنَّ، فلم يَجِد عندهنَّ شيئاً، والمراد
بالنِّساءِ: أهل الرجل، كما دَلَّت عليه رواية يعقوب.
(١) تحرَّفت في (س) إلى: حيوة.

٤١١
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
كتاب النكاح
قوله: ((هل مَعَك من القرآن شيء؟)) كذا وَقَعَ في رواية سفيان بن عُيَينَةَ باختصارِ ذِكْر
الإزار، وثَبَتَ ذِكرُه في رواية مالك وجماعة، منهم مَن قَدَّمَ ذِكْره على الأمر بالتِماس الشَّيء
أو الخانَم، ومنهم مَن أخّرَه، ففي رواية مالك(١) قال: ((هل عندك من شيء تُصدِقها إيّاه؟))
قال: ما عندي إلّا إزاري هذا، فقال: ((إزارك إن أعطَيتَها جلستَ لا إزارَ لك، فالتَمِسَ
شيئاً))، ويجوز في قوله: ((إزارك)) الرَّفع على الابتداء، والجملة الشَّرْطيّة الخبر، والمفعول
الثّاني محذوف تقديره: إيّاه، وثَبَتَ كذلك في روايةٍ (٥١٣٥)، ويجوز النَّصب على أنَّه مفعول
ثانٍ لأعطَيتَها، والإزار يُذكَّر ويُؤْنَّث، وقد جاء هنا مُذَّراً.
ووَقَعَ في رواية يعقوب وابن أبي حازم بعد قوله: ((اذهَب إلى أهلك)) إلى أن قال: ولا خاتماً
من حديد، ولكن هذا إزاري: قال سهل - أي: ابن سعد الراوي: ما له رِداء - فلها نصفُه،
قال: ((ما تَصنَعُ بإزارك، إن لَبِسَتْه)) الحديث؛ ووَقَعَ للقُرطُبيِّ في هذه الرِّواية وهمٌّ، فإنّه ظنَّ أنَّ
قوله: ((فلَها نصفُه)) من كلام سَهْل بن سعد، فشَرَحَه بما نَصُّه: وقول سَهْل: ما له رِداء فلَها
نصفه، ظاهره: لو كان له رِداء لَشَرَّكَها/ النبيُّ ◌َلێ فيه. وهذا بعيد، إذ ليس في كلام النبيّ ولا ٢٠٨/٩
الرجل ما يدلّ على شيء من ذلك، قال: ويُمكِن أن يقال: إنَّ مُراد سَهل: أنَّه لو كان عليه ◌ِداء
مُضاف إلى الإزار لكان للمرأة نصف ما عليه، الذي هو إمّا الرِّداء وإمّا الإزار، لتعليلِه المنع
بقولِه: ((إن ◌َبِسَتْه لم يكن عليك منه شيء)) فكأنَّه قال: لو كان عليك ثوب تَنفَرِد أنتَ بلُبِسِه،
وثوب آخر تأخذه هي تَنفَرِد بلبسِه، لكان لها أخذه، فأمّا إذا لم يكن ذلك فلا، انتهى.
وقد أخَذَ كلامه هذا بعضُ المتأخّرينَ فذكره مُلخَّصاً، وهو كلام صحيح لكنَّه مَبنيٌّ
على الفَهْم الذي دَخَلَه الوَهم، والذي قال: ((فَلَها نصفُه)) هو الرجل صاحب القصّة،
وكلام سَهْل إنَّما هو قوله: ((ما له رداء)) فقط وهي ◌ُملة مُعتَرضة، وتقدير الكلام: ولكن
هذا إزاري فلَها نصفُه، وقد جاء ذلك صريحاً في رواية أبي غسّان محمّد بن مُطَرِّف، ولفظه:
ولكن هذا إزاري ولها نصفه، قال سَهل: وما له رِداء. ووَقَعَ في رواية الثَّوْريّ عند الإسماعيليّ:
فقام رجل علیه إزار، وليس عليه رِداء.
(١) رواية مالك بهذا اللفظ أخرجها أبو داود (٢١١١)، وسلفت بنحوها عند البخاري برقم (٥١٣٥).

٤١٢
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
ومعنى قول النبيّ وَّ: ((إن ◌َبِسَتْه ... )) إلى آخره، أي: إن ◌َبِسَتْه كاملاً، وإلّا فمن
المعلوم من ضيق حالهم وقِلّة الثّياب عندهم: أنَّها لو لَيسَتْه بعد أن تَشُقّه لم يَستُرها،
ويحتمل أن يكون المراد بالنَّفي نفيَ الكمال، لأنَّ العرب قد تنفي جملة الشَّيء إذا انتَفَى
كماله، والمعنى: لو شَقَقْته بينكما نصفَينٍ لم يَحَصُل كمال سِترك بالنِّصفِ إذا لَبِسْتَه، ولا هيَ،
وفي رواية مَعمَر عند الطبرانيّ: ما وجَدتُ والله شيئاً غير ثوبي هذا، أشقُقه بيني وبينها،
قال: ((ما في ثوبك فضل عنك))، وفي رواية فُضَيلٍ بن سليمان: ولكنّي أشُقّ بُردَتي هذه
فأُعطيها النِّصف وآخُذ النِّصف، وفي رواية الدَّراوَرديّ: قال: ما أملِك إلّا إزاري هذا،
قال: ((أرأيت إن لَبِسَتْه، فأيّ شيءٍ تَلبَس؟))، وفي رواية مُبشِّر: هذه الشَّملةُ التي عليَّ، ليس
عندي غيرها، وفي رواية هشام بن سعد: ما عليه إلّا ثوب واحد، عاقدٌ طَرَفَيه على عُنُقُه،
وفي حديث ابن عبّاس وجابر: والله ما لي ثوب إلّا هذا الذي عليَّ؛ وكلَّ هذا ممَّا يُرجِّح
الاحتمال الأوَّل، والله أعلم.
ووَقَعَ في رواية حَمَّاد بن زيد: فقال: ((أعطِها ثوباً) قال: لا أجِد، قال: ((أعطِها ولو خاتَماً
من حديد)» فاعتَلَّ له، ومعنى قوله: ((فاعتَلَّ له)) أي: اعتَذَرَ بعَدَم وجدانه، كما دَلَّت عليه
رواية غيره، ووَقَعَ في رواية أبي غَسّان قبل قوله: ((هل مَعَك من القرآن شيء؟)): فجَلَسَ
الرجل حتَّى إذا طالَ مَجَلِسُه قامَ، فرآه النبيّ وَّهِ فِدَعاه، أو دُعِيَ له، وفي رواية الثّوْريّ عند
الإسماعيليّ: فقامَ طويلاً ثمَّ وَّى، فقال النبيّ وَّ: ((عليّ الرجل))، وفي رواية عبد العزيز بن
أبي حازم ويعقوب مِثله، لكن قال: فرآه النبيّ وَّ مَوَلّياً، فأمَرَ به فدُعي له، فلمَّا جاء قال:
((ماذا مَعَك من القرآن؟))، ويحتمل أنَّ يكون هذا بعد قوله - كما في رواية مالك -: ((هل
مَعَك من القرآن شيء؟)) فاستَفْهَمَه حينئذٍ عن كميَّتِهِ، ووَقَعَ الأمران في رواية مَعمَر: قال:
((فَهَل تقرأ من القرآن شيئاً؟)) قال: نعم، قال: ((ماذا؟)) قال: سورة كذا، وعُرِفَ بهذا المرادُ
بالمعيَّة، وأنَّ معناها: الحِفظ عن ظَهرِ قلبه، وقد تقدَّم تقرير ذلك في فضائل القرآن، وبيان
مَن زاد فيه: ((أتقرَؤُهُنَّ عن ظَهرِ قلبك؟))، وكذا وَقَعَ في رواية الثَّوْريّ عند الإسماعيليّ:
قال: معي سورة كذا ومعي سورة كذا، قال: ((عن ظَهرِ قلبك؟)) قال: نعم.

٤١٣
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
كتاب النكاح
قوله: ((سورة كذا، وسورة كذا)) زاد مالك تسميتها، وفي رواية يعقوب وابن أبي حازم:
عَدَّهُنَّ، وفي رواية أبي غَسّان: لسوَرٍ يُعَدِّدها، وفي رواية سعيد بن المسيّب عن سَهْل بن
سعد: أنَّ النبيّ ◌ََّ زَوَّجَ رجلاً امرأةً على سورتَينِ من القرآن يُعلِّمها إيّاهما، ووَقَعَ في
حديث أبي هريرة: قال: ((ما تَحَفَظ من القرآن؟)) قال: سورة البقرة، أو التي تليها، كذا في
كتابي أبي داود (٢١١٢) والنَّسائيِّ (ك ٥٤٨٠) بلفظ: ((أو))، وزَعَمَ بعض مَن لَقِيناه: أنَّه عند
أبي داود بالواو، وعند النَّسائيِّ بلفظ ((أو))، ووَقَعَ في حديث ابن مسعود: قال: نعم، سورة
البقرة وسورة المفصَّل، وفي حديث ضُمَيرة: أنَّ النبيَّ ◌َليهِ زَوَّجَ رجلاً على سورة البقرة، لم
يكن عنده شيء، وفي حديث أبي / أُمامةَ: زَوَّجَ النبيّ وَّر رجلاً من أصحابه امرأةً على ٢٠٩/٩
سورة من المفصَّل، جعلها مَهْرها وأدخَلَها عليه، وقال: ((عَلِّمها))، وفي حديث أبي هريرة
المذكور: ((فعَلِّمها عشرينَ آية، وهي امرأتك)»، وفي حديث ابن عبّاس: ((أُزَوِّجها منك على
أن تُعلِّمها أربع - أو خمس - سُوَر من كتاب الله))، وفي مُرسَل أبي النُّعمان الأزديّ عند سعيد
ابن منصور (٦٤٢): زَوَّجَ رسول الله وَ يُّ امرأةً على سورة من القرآن، وفي حديث ابن
عبَّاس وجابر: ((هل تقرأ من القرآن شيئاً؟)) قال: نعم: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ﴾. قال:
((أصدِقْها إيّاها)). ويُجمَع بين هذه الألفاظ بأنَّ بعض الرُّواة حَفِظَ ما لم يحفظ بعضُ، أو أنَّ
القَصَص متعدِّدة.
قوله: ((اذهب فقد أنكَحْتُكها بما مَعَك من القرآن)» في رواية زائدة مِثله، لكن قال في
آخره: ((فعَلِّمها من القرآن)»، وفي رواية مالك: قال له: «قد زَوَّجتُكها بما مَعَك من
القرآن))، ومثله في رواية الدَّراوَرديّ عن إسحاق بن راهويه، وكذا في رواية فُضَيلٍ بن
سليمان ومُبشِّر، وفي رواية الثَّوْريّ عند ابن ماجه: ((قد زَوَّجتكها على ما مَعَك من القرآن))،
ومثله في رواية هشام بن سعد، وفي رواية الثَّوْريّ عند الإسماعيليّ: ((أنكَحتُكها بما مَعَك من
القرآن))، وفي رواية الثَّوْريّ ومَعمَر عند الطبرانيّ: ((قد مَلَّكتُكها بما مَعَك من القرآن))، وكذا
في رواية يعقوب وابن أبي حازِم وابن جُرَيج وحَمَّاد بن زيد في إحدَى الرِّوايتَينِ عنه، وفي

٤١٤
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
رواية مَعمَر عند أحمد: «قد أملكتُكها)» والباقي مِثله، وقال في آخره(١): فرأيته يمضي وهي
تَتَبَعه، وفي رواية أبي غَسّان: ((أمكنّاكَها)) والباقي مِثله، وفي حديث ابن مسعود: «قد أنكَحتُكها
على أن تُقرِئها وتُعلِّمها، وإذا رَزَقَك الله عَوَّضتها)» فتزوَّجَها الرجل على ذلك.
وفي هذا الحديث من الفوائد أشياء غير ما تَرجَمَ به البخاريّ في كتاب الوكالة، وفضائل
القرآن، وعِدّة تَراجِم في كتاب النِّكاح، وقد بيَّنتُ في كلّ واحد توجيه التَّرجمة، ومُطابَقَتها
للحديثِ ووجه الاستنباط منها. وتَرجَمَ عليه أيضاً في كتاب اللِّباس والتَّوحيد كما سيأتي
تقريره.
وفيه أيضاً أن لا حَدّ لأقلّ المهر، قال ابن المنذر: فيه رَدٌّ على مَن زَعَمَ: أنَّ أقلّ المهر
عشرة دَرَاهم، وكذا مَن قال: رُبْع دينار، قال: لأنَّ خاتماً من حديد لا يساوي ذلك. وقال
المازَرِيّ: تَعلَّقَ به مَن أجازَ النِّكاح بأقلّ من رُبْع دينار، لأنَّه خَرَجَ تَخَرَج التقليل(٢)، ولكن
مالك قاسَه على القطع في السَّرِقة. قال عِيَاض: تفرَّد بهذا مالك عن الحِجازيّينَ، لكن
مُستَنَده الالتِفات إلى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وبقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ
يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوّلًا﴾ [النساء: ٢٥]، فإنَّه يدلّ على أنَّ المراد ما لَهُ بالٌ من المال، وأقلّه ما
استُبِيحَ به قطع العُضْو المحتَرَم، قال: وأجازَه الكافّة بما تَراضَى عليه الزّوجان أو مَن العَقدُ
إليه بما فيه مَنْفَعة، كالسَّوطِ والنَّعل إن كانت قيمته أقلّ من دِرْهم، وبه قال يحيى بن سعيد
الأنصاريّ وأبو الزِّناد ورَبِيعَة وابن أبي ذِئْب وغيرهم من أهل المدينة - غيرَ مالك ومَن تَبعَه۔
وابنُ جُرَيج ومسلمُ بن خالد وغيرهما من أهل مكَّة، والأوزاعيُّ من أهل الشّام، واللَّيث
من أهل مِصْر، والثَّوْرِيُّ وابنُ أبي ليلى وغيرهما من العراقيِّينَ - غيرَ أبي حنيفة ومَن تَبعَه -
والشافعيُّ وداودُ وفقهاء أصحاب الحديث، وابنُ وَهْب من المالكيَّة.
وقال أبو حنيفة: أقلّه عشرة، وابن شُبْرُمةَ: أقلّه خمسة، ومالك: أقلّه ثلاثة أو رُبع
دينار، بناءً على اختلافهم في مقدار ما يجب فيه القطع. وقد قال الدَّرَاوَرْديّ لمالكِ لمَّا سمعَه
(١) تحرَّفت في (س) إلى: أخرى.
(٢) تحرَّفت في (أ) و(س) إلى: التعليل، والمثبت من (ع).

٤١٥
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
كتاب النكاح
يَذكُر هذه المسألة: تَعرّقتَ يا أبا عبد الله، أي: سَلَكْتَ سبيل أهل العراق في قياسهم مقدار
الصَّداق على مقدار نِصَاب السَّرِقة.
وقال القُرطُبيّ: استَدَلَّ مَن قاسَه بنِصَاب السَّرقة بأنَّه عضوُ آدميٍّ مُحْتَرَمٌ، فلا يُستَباحِ
بأقلّ من كذا؛ قياساً على يد السارق، وتَعقَّبَه الجمهور: بأنَّه قياس في مُقابِل النَّصّ، فلا
يَصِحّ، وبأنَّ اليد تُقطَع وتَبِينُ، ولا كذلك الفَرْج، وبأنَّ القَدْر المسروق يجب على السارق
رَدّه مِعَ القطع، ولا كذلك الصَّداق.
وقد ضَعَّفَ جماعة من المالكيَّة أيضاً هذا القياس،/ فقال أبو الحسن اللَّخميّ: قياس ٢١٠/٩
قَدْر الصَّداق بنِصاب السَّرِقة ليس بالبيِّنِ، لأنَّ اليد إنَّما قُطِعَت في رُبع دينار نَكالاً
للمعصية، والنِّكاح مُستَباح بوجهٍ جائز، ونحوه لأبي عبد الله بن الفَخّار منهم. نعم قوله
تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ يدلّ على أنَّ صَدَاق الحُرّة لا بدَّ وأن يكون ما يَنطَلِقِ
عليه اسم مال له قَدْر، ليَحصُل الفَرق بينه وبين مَهْر الأَمَة، وأمَّا قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ
بِأَمْوَلِكُم﴾ فإنَّه يدلّ على اشتراط ما يُسَمَّى مالاً في الجملة، قَلَّ أو كَثُرَ، وقد حَدّه بعض
المالكيَّة بما تجب فيه الزكاة، وهو أقوى من قياسه على نِصاب السَّرِقة، وأقوَى من ذلك
رَدّه إلى المتعارَف.
وقال ابن العربيّ: وزنُ الخائَم من الحديد لا يُساوي ربع دينار، وهو ما لا جواب عنه
ولا عُذْر فيه، لكنَّ المحَقِّقينَ من أصحابنا نظروا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ
طَوْلًا﴾ فمَنَعَ الله القادر على الطَّول من نكاح الأمَّة، فلو كان الطَّول دِرْهماً ما تَعذَّرَ على
أحد. ثمَّ تَعقَّبَه بأنَّ ثلاثة دراهم كذلك، يعني: فلا حُجّة فيه للتَّحديدِ، ولا سيَّمَا معَ
الاختلاف في المراد بالطَّولِ.
وفيه أنَّ الهِبة في النِّكاح خاصّة بالنبيِّ وَِّ؛ لقولِ الرجل: زَوِّ جنيها، ولم يَقُل: هَبْها لي.
ولقولها هي: وَهَبتُ نفسي لك، وسَكَتَ زَلّ على ذلك، فدَلَّ على جوازه له خاصّة، معَ
قوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].

٤١٦
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
وفيه جواز انعقاد نكاحه وَ لّ بلفظ الهِبة دون غيره من الأُمّة، على أحد الوجهَينِ
للشّافعيّة، والآخر: لا بدَّ من لفظ النِّكاح أو التَّزويج، وسيأتي البحث فيه.
وفيه أنَّ الإمام يُزُوِّج مَن ليس لها ولِيٌّ خاصٍّ لمن يراه كُفُؤاً لها، ولكن لا بدَّ من رِضاها
بذلك، وقال الدَّاوُوديُّ: ليس في الخبر أنَّه استأذَنها ولا أنَّها وكَلَّته، وإنَّما هو من قوله تعالى:
﴿الَِّىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، يعني: فيكون خاصّاً به وَّ أنَّه يُزوِّج
مَن شاءَ من النِّساء بغير استئذانها لمن شاءَ، وبنحوِه قال ابن أبي زيد. وأجابَ ابن بَطّال:
بأنَّها لمَّا قالت له: وهَبتُ نفسي لك، كان كالإذنِ منها في تزويجها لمن أرادَ، لأنَّها لا تُلَك
حقيقة، فيصير المعنى: جَعَلتُ لك أن تَتَصَرَّف في تزويجي. انتھی، ولو راجعا حدیث أبي
هريرة لمَا احتاجا إلى هذا التَّكَلُّف، فإنَّ فيه كما قَدَّمته: أنَّ النبيّ وَ ◌ّهِ قال للمرأة: ((إنّي أُريدُ
أن أُزَوِّجَكِ هذا إن رَضيتٍ»، فقالت: ما رضيتَ لي فقد رضيتُ.
وفيه جواز تأمُّل مَحاسِن المرأة لإرادة تزويجها، وإن لم تَتقدَّم الرَّغبة في تزويجها ولا
وَقَعَتْ خِطْبَتها، لأَنَّهِ وَّةِ صَعَّدَ فيها النَّظَرِ وصَوَّبَه، وفي الصّيغة ما يدلّ على المبالَغة في
ذلك، ولم يَتقدَّم منه رَغبةٌ فيها ولا خِطْبة، ثمَّ قال: ((لا حاجة لي في النِّساء))، ولو لم يَقصِد
أنَّه إذا رأى منها ما يُعجِبه أنَّه يقبلها، ما كان للمُبالَغة في تأمُّلها فائدة. ويُمكِن الانفصال
عن ذلك بدَعوَى الخَصُوصيّة له لمَحَلِّ العِصْمة، والذي تَحرَّرَ عندنا أنَّهِ وَل ◌َ كان لا يَحُرُم
عليه النَّظَر إلى المؤمنات الأجنبيّات، بخلاف غيره. وسَلكَ ابن العربيّ في الجواب مَسْلكاً
آخر فقال: يحتمل أنَّ ذلك قبل الحجاب، أو بعده لكنها كانت مُتَلَفِّفة، وسياق الحديث
يُبعِد ما قال.
وفيه أنَّ الِهِبة لا تَتِمّ إلّا بالقَبُولِ، لأنَّها لمَّا قالت: وهَبتُ نفسي لك، ولم يَقُل: قبلت، لم
يَتِمّ مقصودها، ولو قبِلَها لَصارت زوجاً له، ولذلك لم يُنكِرِ على القائل: زَوِّجْنيها.
وفيه جواز الخِطبة على خِطبة مَن خَطَبَ إذا لم يقع بينهما رُكُون، ولا سيَّما إذا لاحَت
تَحَايِل الردّ، قاله أبو الوليد الباجيّ، وتَعقَّبَه عِيَاض وغيره بأنَّه لم يَتقدَّم عليها خِطْبة لأحدٍ

٤١٧
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
كتاب النكاح
ولا مَيلٌ، بل هي أرادت أن يَتزوَّجها النبيّ وَّةِ، فَعَرَضَت عليه نفسها مجّاناً مُبالَغةً منها في
تحصيل مقصودها، فلم يقبل، ولمَّا قال: ((ليس لي حاجة في النِّساء)) عَرَفَ الرجل أنَّه لم
يقبلها، فقال: زَوِّجْنيها، ثمَّ بالَغَ في الاحتراز فقال: إن لم يكن لك بها حاجة، وإنَّما قال ذلك
بعد تصريحه بنفي الحاجة لاحتمال أن يَبدُوَ له بعد ذلك ما يَدعُوه إلى إجابتها، فكان ذلك
دالاً على وُفُور فِطنة الصَّحابيّ المذكور، وحُسْن أدَبه. قلت: ويحتمل أن يكون الباجيّ أشارَ
إلى أنَّ الحُكْم الذي / ذكره يُستَنْبَط من هذه القصَّة، لأنَّ الصَّحابيّ لو فهمَ أنَّ النبيِّ ◌َّ فيها ٢١١/٩
رغبةً لم يَطلُبها، فكذلك مَن فهمَ أنَّ له رغبةً في تزويج امرأة، لا يَصلُح لغيره أن يُزاحمَه فيها
حتَّى يظهر عَدَم رغبته فيها، إمّا بالتَّصريحِ أو ما في حُكمِه.
وفيه أنَّ النِّكاح لا بدَّ فيه من الصَّداق لقولِه: ((هل عندك من شيء تُصدِقها؟)) وقد
. أجمعوا على أنَّه لا يجوز لأحدٍ أن يَطَأ فرجاً وُهِبَ له دون الرَّقَبة بغيرِ صَدَاق.
وفيه أنَّ الأوْلى أن يُذكَرِ الصَّداق في العَقْد، لأنَّه أقطَعُ للنِّاعِ وأنفَعُ للمرأة، فلو عَقَدَ
بغير ذِكْر صَدَاق صَحَّ، ووَجَبَ لها مَهرُ المِثِل بالدُّخولِ على الصَّحيح، وقيل: بالعَقدِ. ووجه
كونه أنفَع لها: أنَّه يَثْبُت لها نصف المسَمَّى أن لو طُلِّقَت قبل الدُّخول.
وفيه استحبابُ تعجیل تسلیم المهر.
وفيه جواز الخَلِفِ بغير استحلاف للتَّأكيدِ، لكنَّه يُكرَه لغير ضَرُورة.
وفي قوله: ((أعندَكَ شيء؟ فقال: لا)) دليلٌ على تخصيص العُموم بالقَرِينة، لأنَّ لفظ
((شيء)) يَشمَل الخطير والتافه، وهو كان لا يَعدَم شيئاً تافهاً كالنَّواة ونحوها، لكنَّه فهمَ أنَّ
المراد ما له قيمة في الجملة، فلذلك نَفَى أن يكون عنده. ونَقَلَ عِياض الإجماع على أنَّ مِثل
الشَّيء الذي لا يُتَمَوَّل ولا له قيمة لا يكون صَداقاً، ولا يَحِلّ به النِّكاح، فإن ثَبَتَ نَقلُه فقد
خَرَقَ هذا الإجماع أبو محمَّد بن خَزْم، فقال: يجوز بكلِّ ما يُسَمَّى شيئاً، ولو كان حَبّة من
شَعِير، ويُؤيِّد ما ذهب إليه الكافّة قوله بَّهِ: ((التَمِس ولو خاتَماً من حديد))، لأنَّه أورَدَه
مَورِدِ التَّقليل بالنّسبة لمَا فوقه، ولا شكَّ أنَّ الخاتَم من الحديد له قيمة، وهو أعلى خَطَراً

٤١٨
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
من النَّواة وحَبّة الشَّعير، ومَساقُ الخبر يدلّ على أنَّه لا شيء دونه يُستَحَلّ به البُضع، وقد
ورَدَت أحاديث في أقلّ الصَّداق لا يَثْبُت منها شيء، منها: عند ابن أبي شَيْبة (١٨٦/٤) من
طريق أبي لَبِبة رَفَعَه: ((مَن استَحلَّ بدِرْهمٍ في النِّكاح فقد استَحلَّ))، ومنها: عند أبي داود
(٢١١٠) عن جابر رَفَعَه: «مَن أعطَى في صَدَاق امرأة سَوِيقاً أو تَراً، فقد استَحلَّ))، وعند
التِّرمِذيّ (١١١٣) من حديث عامر بن رَبِيعَة: ((أنَّ النبيّ ◌َِّ أجازَ نِكاح امرأة على نَعلَينِ)»،
وعند الدَّارَقُطنيِّ من حديث أبي سعيد(١) في أثناء حديث المهر: ((ولو على سواك من أراك))،
وأقوى شيء وَرَدَ في ذلك حديث جابر عند مسلم (١٦/١٤٠٥): كنّا نَستَمتِع بالقَبضة من
التَّمر والدَّقيق على عهد رسول الله وَّهِ، حتَّى نَهَى عنها عمر. قال البيهقيُّ: إنَّما ◌َهَى عمر
عن النِّكاح إلى أجلٍ، لا عن قَدْرِ الصَّداق، وهو كما قال.
وفيه دليل للجمهورِ بجواز النِّكاح بالخاتَمِ الحديد، وما هو نَظير قيمته. قال ابن
العربيّ من المالكيَّة كما تقدَّمَ: لا شكّ أنَّ خاتم الحدید لا يُساوي رُبْع دینار، وهذا لا جواب
عنه لأحدٍ ولا عُذرَ فيه، وانفَصَلَ بعض المالكيَّة عن هذا الإيراد معَ قوَّته بأجوبةٍ، منها: أنَّ
قوله: ((ولو خاتماً من حديد)» خَرَجَ تَخَرَج المبالَغة في طلب التَّيسير عليه، ولم يُرِد عين الخاتم
الحديد، ولا قَدْرَ قيمته حقيقة، لأنَّه لمَّا قال: لا أجِد شيئاً، عُرِفَ أنَّه فهمَ أنَّ المراد بالشَّيءِ
ما له قيمة، فقيلَ له: ولو أقلّ ما له قيمة كخاتَمِ الحديد، ومثله: («تَصَدَّقوا ولو بظِلْفٍ
مُحُرَّقٍ، ولو بفِرسِنِ شاة)(٢)، معَ أنَّ الظِّلف والفِرِن لا يُنتَفَع به ولا يُتَصَدَّق به، ومنها:
احتمال أنَّه طلب منه ما يُعَجِّل نَقْدَه قبل الدُّخول، لا أنَّ ذلك جميع الصَّدَاق، وهذا جواب
(١) إنما وقع هذا عنده من حديث ابن عباس برقم (٣٦٠٠) ولفظه: ((ما تراضى عليه الأهلون، ولو قضيب
من أراك))، وأما رواية أبي سعيد عنده (٣٥٩٢) فقد اقتصر فيها على قوله: ((ما اصطلح عليه الأهلون))،
وعنده أيضاً (٣٥٩٦) من حديث أبي سعيد بلفظ: ((لا يضر أحدكم بقليل من ماله تزوَّج أم بكثيره بعد
أن یُشهِد)».
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٦٧)، والترمذي (٢٥٦٥ و٢٥٧٤)، والنسائي (٢٥٦٥) و(٢٥٧٤)، وابن خزيمة
(٢٤٧٢) و(٢٤٧٣) من حديث ابن نجاد عن جدته أم بجيد، وانظر تمام تخريجه والتعليق عليه في
((المسند)) (١٦٦٤٨).

٤١٩
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
كتاب النكاح
ابن القَصّار، وهذا يَلزَم منه الردّ عليهم حيثُ استَحَبّوا تقديم رُبْع دينار أو قيمته قبل
الدُّخول لا أقلّ، ومنها: دَعوَى اختصاص الرجل المذكور بهذا القَدْر دون غيره، وهذا
جواب الأبهَريّ، وتُعقِّبَ بأنَّ الخَصُوصيّة تحتاج إلى دليل خاصّ، ومنها: احتمال أن تكون
قيمته إذ ذاكَ ثلاثة دراهم أو رُبْع دينار. وقد وَقَعَ عند الحاكم (١٧٨/٢)، والطبرانيِّ
(٥٨٣٧) من طريق الثَّوْريّ(١) عن أبي حازم عن سهل بن سعد: أنَّ النبيّ وَ ◌َّ زَوَّجَ رجلاً
بخاتم من حديد، فصّه فِضّة.
واستُدِلَّ به على جواز التّخاذ الخاتم من الحديد، وسيأتي البحث فيه في كتاب اللِّباس
(٥٨٧١) إن شاءَ الله تعالى، وعلى وجوب تعجيل الصَّداق قبل الدُّخول، إذ لو ساغَ تأخيرُه
لَسألَه: هل يَقدِر على/ تحصيل ما يُمهِرها بعد أن يَدخُل عليها، ويَتَقرَّر ذلك في ذِمَّته؟ ٢١٢/٩
ويُمكِن الانفصال عن ذلك بأنَّه وَلِ أشارَ بالأَولى، والحامل على هذا التَّأويل ثُبُوتُ جواز
نِكاح المفوِّضة، وتُبوتُ جواز النِّكاح على مُسَمَّى في الذِّمّة، والله أعلم.
وفيه أنَّ إصداق ما يُتَمَوَّل يُخْرِجه عن يد مالكه، حتَّى إنَّ مَن أصدَقَ جارية مثلاً حَرُمَ
عليه وطؤُّها، وكذا استخدامها بغير إذنٍ مَن أصدَقها، وأنَّ صِحّة البيع (٢) تَتَوَقَّف على
صِحّة تسليمه، فلا يَصِحّ ما تَعذَّرَ، إمّا حِسّاً كالطَّير في الهواء، وإمّا شرعاً كالمرهونِ، وكذا الذي
لو زالَ إزاره لانگشَفَت عَورَته، کذا قال عِیَاض، وفيه نظر.
واستُدِلَّ به على جواز جَعْلِ المنفَعة صَدَاقاً ولو كان تعليمَ القرآن، قال المازَرِيّ: هذا
ينبني على أنَّ الباء للتَّعويضِ، كقولِك: بعتُك ثوبي بدينارٍ، وهذا هو الظّاهر وإلّا لو كانت
بمعنى اللّام على معنى تَكريمِه، لكَونِه حاملاً للقرآنِ، لصارت المرأة بمعنى الموهوبة،
والموهوبة خاصّة بالنبيِّ ێ، انتهى.
وانفَصَلَ الأَبهَريّ - وقبلَه الطَّحاويُّ ومَن تَبعَهما كأبي محمَّد بن أبي زيد - عن ذلك بأنَّ
(١) بل من طريق عبد الله بن مصعب عن أبي حازم عن سهل بن سعد.
(٢) في (أ) و(س): المبيع، والمثبت من (ع).

٤٢٠
باب ٥٠ / ح ٥١٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
هذا خاصّ بذلك الرجل، لكَونِ النبيّ وَّكان يجوز له نِكاحُ الواهبة، فكذلك يجوز له أن
يُنكِحِها لمن شاءَ بغير صَدَاق، ونحوه للدّاوُديّ، وقال: أنكَحَها إيّاه بغير صَداق لأنَّه أولى
بالمؤمنينَ من أنفُسهم، وقَوّاه بعضهم بأنَّه لمَّا قال له: ((مَلَّكتُكها)) لم يُشاوِرها ولا استأذَنها،
وهذا ضعيف، لأنَّها هي أوَّلاً فَوَّضَت أمرها إلى النبيّ وَ له كما تقدَّم في رواية الباب: ((فَرَ فيَّ
رأيك)) وغير ذلك من ألفاظ الخبر التي ذكرناها، فلذلك لم يَحَتَج إلى مُراجَعَتها في تقدير
المهر، وصارت كمَن قالت لوَليِّها: زَوِّجني بما تَرَى من قليل الصَّداق وكثيره. واحتجَّ لهذا
القول بما أخرجه سعيد بن منصور (٦٤٢) من مُرسَل أبي النَّعمان الأزديّ قال: زَوَّجَ
رسول الله وَ له امرأة على سورة من القرآن، وقال: ((لا تكون لأحدٍ بعدك مَهراً»، وهذا معَ
إرساله فيه مَن لا يُعرَف، وأخرج أبو داود (٢١١٣) من طريق مكحول قال: ليس هذا
لأحدٍ بعد النبيّ وَّ، وأخرج أبو عَوَانة من طريق اللَّيث بن سعد نحوه.
وقال عِيَاض: يحتمل قوله: ((بما مَعَك من القرآن)» وجهَينِ، أظهَرُهما: أن يُعلِّمها ما معه
من القرآن أو مقداراً مُعيَّناً منه، ويكون ذلك صَدَاقَها، وقد جاء هذا التَّفسير عن مالك.
ويُؤيِّده قوله في بعض طرقه الصَّحيحة: ((فعَلِّمها من القرآن)) كما تقدَّمَ، وعَيَّنَ في حديث أبي
هريرة(١) مِقدار ما يُعلِّمها، وهو عِشرونَ آية. ويحتمل أن تكون الباء بمعنى اللّام، أي:
الأجَلِ ما مَعَك من القرآن، فأكرَمه بأن زَوَّجَه المرأة بلا مَهْر لأجلِ كونه حافظاً للقرآنِ أو
لبعضِه، ونظيره قصَّة أبي طلحة معَ أمّ سُلَيم وذلك فيما أخرجه النَّسائيُّ وصَخَّحَه (٣٣٤١)
من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: خَطَبَ أبو طلحة أمّ سُلَيم، فقالت:
والله ما مِثْلُك يُردّ، ولكنَّك كافر وأنا مسلمة، ولا يَحِلّ لي أن أتَزَوَّجك، فإن تُسلِم فذاكَ
مَهْري، ولا أسألك غيره، فأسلَمَ، فكان ذلك مَهْرَها. وأخرج النَّسائيُّ (٣٣٤٠) من طريق
عبد الله بن عبد الله (٢) بن أبي طلحة عن أنس قال: تزوَّجَ أبو طلحة أمّ سُلَيم، فكان صَدَاق
ما بينهما الإسلام، فذكر القصَّة وقال في آخره: فكان ذلك صَدَاق ما بينهما، تَرجَمَ عليه
(١) عند أبي داود (٢١١٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٤٨٠).
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: عبيد الله.