Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
باب ٣٥ / ح ٥١٢٦
كتاب النكاح
قوله: ((فإذا أنتِ هيَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فإذا هي أنتِ)) وكذا تقدَّم في رواية أبي
أُسامة.
قوله: ((يُمْضِهِ)) بضمٍّ أوَّله، قال عِيَاض: يُحتمل أن يكون ذلك قبل البِعْثة فلا إشكال
فيه، وإن كان بعدها ففيه ثلاثة احتمالات: أحدها: التردُّد هل هي زوجته في الدُّنيا
والآخِرة، أو في الآخِرة فقط؟ ثانيها: أنَّه لفظ شَكِّ لا يُراد به ظاهره، وهو أبلَغ في التَّحَقُّق،
ويُسَمَّى في البلاغة مَزْجُ الشكّ باليقينِ، ثالثها: وجه التردُّد هل هي رُؤيا وحي على ظاهرها
وحقيقتها، أو رُؤيا منامٍ (١) لها تَعبير؟ وكِلا الأمرَينِ جائز في حَقّ الأنبياء.
قلت: الأخير هو المعتمَد، وبه جَزَمَ السُّهَيلُّ عن ابن العربيّ، ثمّ قال: وتفسيره باحتمال
غيرها لا أرضاه، والأوَّل يَرُدّه أنَّ السّياق يقتضي أنَّها كانت قد وُجِدَت، فإنَّ ظاهر قوله:
((فإذا هي أنتِ)) مُشعِر بأنَّه كان قد رآها وعَرَفَها قبل ذلك، والواقع أنَّها وُلِدَت بعد البِعْثة.
ويَرُدّ أوَّل الاحتمالات الثلاثة روايةُ ابن حِبّان (٧٠٩٤) في آخر حديث الباب: ((هيَ
زوجتُك في الدُّنيا والآخِرة))، والثّاني بعيد، والله أعلم.
٥١٢٦- حدَّثْنا قُتَيةٌ، حدَّنا يعقوبُ، عن أبي حازِمِ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ: أنَّ امرأةً جاءت
رسولَ اللهِ وَلَ فقالت: يا رسولَ الله، جِئْتُ لأَهَبَ لكَ نفسي. فَنَظَرَ إليها رسولُ الله ◌َّةِ فِصَعَّدَ
النَّظَرَ إِليها وصَوَّبَه، ثمَّ طَأْطَأْ رأسَه ... وذكر الحديثَ كلَّه.
الحديث الثاني: حديث سَهل في قصَّة الواهبة، والشّاهد منه للتَّرجمة: قوله فيه: «فصَعَّدَ النَّظَر
إليها وصَوَّبَه))، وسيأتي شرحه في ((باب التّزويج على القرآن وبغير صَداق)) (٥١٤٩).
قوله: (ثُمَّ طَأْطَأْ رأسه ... وذكر الحديث كلّه)) كذا في رواية أبي ذرِّ عن السَّرَخْسِيّ، وساقَ
الباقونَ الحديث بطولِه، قال الجمهور: لا بأس أن يَنظُر الخاطِب إلى المخطوبة، قالوا: ولا
يَنظُر إلى غير وجهها وكَفَّيها. وقال الأوزاعيُّ: يَجْتَهِد ويَنظُر إلى ما يريد منها إلّ العَورة.
وقال ابن خَزْمِ: يَنظُر إلى ما أقبَلَ منها وما أدَبَرَ منها. وعن أحمد ثلاث روايات: الأولى:
(١) العبارة في (أ) و(س): ((أو هي رؤيا وَحْي))، والمثبت من (ع).

٣٦٢
باب ٣٦ / ح ٥١٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
كالجمهورِ، والثّانية: يَنظُر إلى ما يظهر غالباً، والثّالثة: يَنظُر إليها مُتَجرِّدة. وقال الجمهور
أيضاً: يجوز أن يَنظُر إليها إذا أراد ذلك بغير إذنها. وعن مالك رواية: يُشتَرَط إذنها. ونَقَلَ
الطَّحاويُّ عن قومٍ: أَنَّه لا يجوز النَّظَر إلى المخطوبة قبل العَقْد بحالٍ، لأنَّها حينئذٍ أجنبيّة، ورُدَّ
عليهم بالأحاديثِ المذكورة.
٣٦- باب من قال: لا نكاح إلّ بوليٍّ
لقولِ الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فَدَخَلَ
فيه النَّيِّبُ وكذلكَ الِكْرُ.
وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقال: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَىّ
مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
٥١٢٧- وقال يحيى بنُ سليمانَ: حدّثنا ابنُ وَهْب، عن يونُسَ (ح) وحدَّثنا أحمدُ بنُ
صالح، حدَّثنَا عَنْبَسةُ، حدَّثنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيِ، أنَّ عائشةَ
زَوْجَ النبيِّ وََّ أخبَرَتُهُ: أنَّ النِّكَاحَ في الجاهليّةِ كان على أربعةِ أنْحاء:
فنكاحُ منها: نِكاحُ الناسِ اليومَ، تَخْطُبُ الرجلُ إلى الرجلِ وَلِيَّتَه أو ابنتَه، فيُصْدِقُها ثمَّ
ینکِگھا.
ونكاحُ الآخَر: كان الرجلُ يقول لامرأتِه إذا طَهُرَت من طَمْئِها: أرسِلي إلى فلانٍ
فاستَبْضِعي منه، ويَعتَزِلهُا زَوْجُها ولا يَمَشُّها أبداً حتّى يَتَبِيَّنَ حَمْلُها من ذلك الرجلِ الذي
١٨٣/٩ تَسْتَبْضِعُ منه، فإذا تَبيَّن ◌َملُها أصابها زَوْجُها/ إذا أحَبَّ، وإنَّما يَفْعَلُ ذلك رَغْبَةً في نَجابةِ الولدِ،
فكان هذا النِّكاحُ نِكاحَ الاسْتِبْضاع.
ونكاحٌ آخَرُ: يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ ما دونَ العَشَرَةِ فِيَدخُلونَ على المرأةِ، كلُّهم يُصِيبُها، فإذا حَلَت
ووَضَعَت ومَرَّ لَيَالٍ بعدَ أن تَضَعَ ◌َمْلَها، أرسَلَت إليهم، فلم يستطِعِ رجلٌ منهم أن يَمْتَنِعَ حتَّى
يَخْتَمِعوا عندَها، تقولُ لهم: قد عَرَفْتُمُ الذي كان من أمرِكم وقد ولدْتُ، فهو ابنُكَ يا فلانُ،
تُسمّي مَن أحَبَّت باسمِهِ، فَلْحَقُ به ولدُها لا يستطيعُ أنْ يَمْتَنِعَ به الرجلُ.

٣٦٣
باب ٣٦ / ح ٥١٢٧
كتاب النكاح
وَنكاحُ الرّابعِ: يَجِتَمِعُ الناسُ الكَثيرُ، فَيَدخُلونَ على المرأةِ لا تَنَعُ مَن جاءها، وهُنَّ البَغايا
كُنَّ يَنْصِينَ على أبوابِهِنَّ راياتٍ تكونُ عَلَماً، لِمَن أرادَهُنَّ، دَخَلَ عليهنَّ، فإذا حَمَلَت إحداهُنَّ
ووَضَعَت ◌َمْلَها مُمِعوا لها: ودَعَوْا لهمُ القافةَ، ثُمَّ ألحَقوا ولدَها بالذي يَرَوْنَ، فالتَاطَتْه به،
ودُعِيَ ابنَه لا يَمْتَنِعُ من ذلك.
فلمَّا بُعِثَ محمَّدٌ وَّهِ بالحقِّ هَدَمَ نِكاحَ الجاهليَّةِ كلَّه، إلّا نِكاحَ الناسِ اليومَ.
قوله: ((باب مَن قال: لا نِكاح إلّ بَوَلِّ) استَنبَطَ المصنِّف هذا الحُكمَ من الآيات
والأحاديث التي ساقها، لكَونِ/ الحديث الوارد بلفظ التَّرجمة على غير شرطِه، والمشهور ١٨٤/٩
فيه حديث أبي موسى مرفوعاً بلفظه، أخرجه أبو داود (٢٠٨٥) والتِّرمِذيّ (١١٠١) وابن
ماجَهْ (١٨٨١)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٤٠٧٧ و٤٠٧٨) والحاكم (١٦٩/٢ و١٧١)، لكن قال
التُّرمِذيّ بعد أن ذكر الاختلاف فيه: وإنَّ من جُملة مَن وَصَلَه: إسرائيل عن أبي إسحاق عن
أبي بُرْدة عن أبيه، ومن جُملة مَن أرسَلَه: شُعْبة وسفيان الثَّوْريّ عن أبي إسحاق عن أبي
بُرْدة ليس فيه أبو موسى راويه، ومَن رواه موصولاً أصحُّ، لأنَّهم سمعوه في أوقات
مُخْتَلِفة، وشُعْبة وسفيان وإن كانا أحفظ وأثبت من جميع مَن رواه عن أبي إسحاق، لكنَّهما
سمعاه في وقتٍ واحد. ثمَّ ساقَ من طريق أبي داود الطَّيالسيِّ عن شُعْبة قال: سمعت
سفيان الثَّوْريّ يسأل أبا إسحاق: أسمعت أبا بُرْدة يقول: قال رسول الله وَّ: ((لا نكاح
إلّ بَوَلِيٍّ؟)) قال: نعم. قال: وإسرائيل ثَبتٌّ في أبي إسحاق. ثمَّ ساقَ من طريق ابن مَهديّ
قال: ما فاتَني الذي فاتَني من حديث الثَّوْريّ عن أبي إسحاق إلّا لمَا اتَّكَلت به على
إسرائيل، لأنَّه كان يأتي به أتمّ.
وأخرج ابن عَديٍّ عن عبد الرَّحمن بن مَهديّ قال: إسرائيل في أبي إسحاق أثبَتُ من
شُعْبة وسفيان.
وأسنَدَ الحاكم من طريق عليّ بن المَدِينيّ ومن طريق البخاريّ والذَّهْلِيّ وغيرهم: أنَّهم
صَخَّحوا حدیث إسرائيل.

٣٦٤
باب ٣٦ / ح ٥١٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
ومَن تأمَّلَ ما ذكرته عَرَفَ أنَّ الذينَ صَحَّحوا وَصْلَه لم يَستَنِدوا في ذلك إلى گونه زيادة
ثقة فقط، بل للقَرائنِ المذكورة المقتضية لترجيحِ رواية إسرائيل الذي وَصَلَه على غيره،
وسأُشيرُ إلى بَقيَّة طرق هذا الحديث بعد ثلاثة أبواب (٥١٣٥).
على أنَّ في الاستدلال بهذه الصّيغة في مَنْع النِّكاح بغير ولِيٍّ نظراً، لأنَّها تحتاج إلى تقدير:
فمَن قَدَّرَه نفيَ الصِّحّة استَقَامَ له، ومَن قَدَّرَه نفيَ الكمال عَكَّرَ عليه، فيحتاج إلى تأييد
الاحتمال الأوَّل بالأدلّة المذكورة في الباب وما بعده.
قوله: ((لقولِ الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]))
أي: لا تَمنَعوهُنَّ. وسيأتي في حدیث معقِل آخر أحاديث الباب (٥١٣٠) بیان سبب نزول
هذه الآية، ووجه الاحتجاج منها للتَّرجمة.
قوله: ((فدَخَلَ فيه الثَِّّب وكذلكَ البكْر)) ثَبَتَ هذا في رواية الكُشْمِيهنيّ، وعليه شرح
ابن بَطّال، وهو ظاهر لعُمومٍ لفظ النِّساء.
قوله: ((وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ﴾) ووَجْه الاحتجاج من الآية والتي
بعدها: أنَّه تعالى خاطَبَ بإنكاح الرِّجال ولم يُخَاطِب به النِّساء، فكأنَّه قال: لا تُنكِحوا أيُّها
الأولياء مَوليّاتكم للمشرِكينَ.
قوله: ((وقال: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُرْ﴾)) والأيامَى: جمعُ أيِّم، وسيأتي القول فيه بعد
ثلاثة أبواب (٥١٣٦).
ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب أربعة أحاديث:
الأول: حديث عائشة، ذكره من طريق ابن وَهْب، ومن طريق عَنبَسةً بن خالد جميعاً
عن يونس بن يزيد عن ابن شِهاب الزُّهْريِّ.
وقوله: ((وقال يحيى بن سليمان)) هو الجُعْفيُّ من شيوخ البخاريّ، وقد ساقه المصنّف
على لفظ عَنْبَسةً.

٣٦٥
باب ٣٦ / ح ٥١٢٧
كتاب النكاح
وأمَّا لفظ ابن وَهْب فلم أرَه من رواية يحيى بن سليمان إلى الآن، لكن أخرجه
الدَّارَ قُطنيُّ (٣٥١٢) من طريق أصبَغ، وأبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق أحمد بن
عبد الرَّحمن بن وَهْب، والإسماعيليّ والجَوزَقيّ من طريق عثمان بن صالح، ثلاثتهم عن ابن
وَهْب.
قوله: ((على أربعة أنْحاء)) جمع نَحْوٍ، أي: ضَرْبٍ وزناً ومعنَى، ويُطلَق النَّحو أيضاً على
الجهة والنَّوع، وعلى العِلْم المعروف اصطلاحاً.
قوله: ((أربعة)) قال الدَّاوُوديُّ وغيره: بَقيَ عليها أنحاء لم تَذكُرها: الأوَّل: نِكاح الخِدن
وهو في قوله تعالى: ﴿ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: ٢٥]، كانوا يقولون: ما استَتَرَ فلا
بأس به، وما ظَهَرَ فهو لَومٌ. الثّاني: نكاح المتعة، وقد تقدَّم بيانه (٥١١٥). الثّالث: نِكاح
البَدَل، وقد أخرج الدَّارَ قُطنيُّ (٣٥١٣) من حديث أبي هريرة: ((كان البَدَل في الجاهليَّة: أن
يقول الرجل للرجلِ: انزِل لي عن امرأتك، وأنزِل لك عن امرأتي وأزيدك)) ولكن إسناده
ضعيف جدّاً.
قلت: والأوَّل لا يَردُ لأنَّها أرادت ذِكْرَ بيان نِكاح مَن لا زوج لها، أو مَن أذِنَ لها زوجها
في ذلك، والثّاني يحتمل أن لا يَرِد لأنَّ الممنوع منه كَونه مُقدَّراً بوَقتٍ، لا/ أنَّ عَدَم الوَليّ فيه ١٨٥/٩
شرط، وعَدَم وُرود الثّالث أظهَر من الجميع.
قوله: ((وليَّتَه أو ابنَتَه)) هو للتَّنويع لا للشَّكِّ.
قوله: ((فُيُصْدِقها)) بضمٍّ أوَّله ((ثُمَّ يَنْكِحِها)) أي: يُعيِّ صَداقها ويُسَمّ ◌ِمِقدارَه ثمَّ يَعقِد عليها.
قوله: ((ونِكاحُ الآخَر)) كذا لأبي ذرِّ بالإضافة، أي: ونِكاح الصنف الآخر، وهو من
إضافة الشَّيء لنفسِه على رأي الكوفيّينَ. ووَقَعَ في رواية الباقينَ: ((ونِكاحٌ آخَر)) بالتَّنوين بغير
لام وهو الأشهر في الاستعمال.
قوله: ((إذا طَهُرَت من طَمْئها)) بفتح المهمَلة وسكون الميم بعدها مُثلَّة، أي: حَيضِها، وكأنَّ
السِّ في ذلك أن يُسرِع عُلوقها منه.

٣٦٦
باب ٣٦ / ح ٥١٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فاستَبْضِعي منه)) بموخَّدةٍ بعدها ضاد مُعجَمة، أي: اطلُبي منه المباضَعة، وهو
الجِماع. ووَفَعَ في رواية أصبَغَ عند الدَّارَ قُطنيِّ (٣٥١٢): ((استَرضِعي)) براءٍ بَدَل الموحّدة.
قال راويه محمَّد بن إسحاق الصَّغَانيِّ: الأوَّل هو الصَّواب - يعني بالموخَّدة - والمعنى: اطلُبي منه
الجِماع لتَحمِلي منه، والمباضَعة: المجامَعة مُشتَقّة من البُضْع، وهو الفَرْج.
قوله: ((وإنَّما يَفْعَل ذلك رَغْبة في نَجَابة الولد)) أي: اكتساباً من ماء الفَحل، لأنَّهم كانوا
يَطلُبُونَ ذلك من أكابرهم ورُؤَسائهم في الشَّجاعة والكرم، وغير ذلك.
قوله: ((فكان هذا النِّكاح نِكاح الاستيْضاع» بالنَّصب، والتَّقدير: يُسَمَّى، وبالرَّفعِ، أي: هو.
قوله: ((ونكاح آخَر: يَجْتَمِعِ الرَّهْط ما دون العَشَرة)) تقدَّم تفسير الرَّهط في أوائل الكتاب
(٢٧)، ولمَّا كان هذا النِّكاح يَجِتَمِع عليه أكثر من واحد، كان لا بدَّ من ضبطِ العدد الزّائد
لئلّا يَنْتَشِر.
قوله: ((كلّهم يُصيبُها)) أي: يَطَؤُها، والظّاهر أنَّ ذلك إنَّما يكون عن رِضاً منها، وتَواطُقٍ
بینهم وبینھا.
قوله: ((ومَّ لَيَالٍ)) كذا لأبي ذرٍّ، وفي رواية غيره: ((ومَرَّ عليها لَيَالِيَ)).
قوله: ((قد عَرَفْتُمْ)) كذا للأكثرِ بصيغة الجمع، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((عَرَفتَ)) على
خطاب الواحد.
قوله: ((وقد ولدْتُ)) بالضَّمِّ لأنَّه كلامها.
قوله: ((فهو ابنُك)) أي: إن كان ذَكَراً، فلو كانت أُنثَى لَقالت: هي ابنَتَك، لكن يحتمل أن
يكون لا تَفعَل ذلك إلّا إذا كان ذَكَراً، لمَا عُرِفَ من كَرَاهَتهم في البنت، وقد كان منهم مَن
يَقتُل بنته التي يَتَحقَّق أنَّها بنتُه، فضلاً عمَّن تجيءُ بمثلِ هذه الصِّفة.
قوله: ((فيَلْحَق به ولدُها)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((فِيَلْتَحِقِ)) بزيادة مُثنّاة.
قوله: ((لا يستطيع أن يَمْتَنِع به» في روایة الگُشْمِیھنیّ: ((منه)).
قوله: ((ونِکاح الرّابع» تقدَّم توجیهه.

٣٦٧
باب ٣٦ / ح ٥١٢٧
كتاب النكاح
قوله: ((لا تَمنَعَ مَن جاءها)) ولِلأكثرِ: ((لا تَتَنِع مَمَّن جاءها».
قوله: ((وهُنَّ البَغايا، كُنَّ يَنْصِبْنَ على أبوابهنَّ راياتٍ تكون عَلَمً)) بفتح اللّام، أي: علامة.
وأخرج الفاكهيّ من طريق ابن أبي مُلَيكة، قال: تَبَرَّزَ عمر بأجياد، فَدَعَا بماءٍ، فأتته أمّ
مَهزول - وهي من البَغَايا التِّسع اللائي كُنَّ في الجاهليّة - فقالت: هذا ماء ولكنَّه في إناء لم
يُدَبَغ، فقال: هَلُمَّ فإنَّ الله جَعَلَ الماءِ طَهوراً.
ومن طريق القاسم بن محمَّد عن عبد الله بن عمر: أنَّ امرأة كانت يقال لها: أمّ مَهزول،
تُسافح في الجاهليّة، فأراد بعض الصَّحابة أن يَتزوَّجها، فنزلت: ﴿الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةٌ أَوْ
مُشْرِكَةً ﴾ [النور:٣].
ومن طريق مجاهد في هذه الآية قال: هُنَّ بَغايا، كُنَّ في الجاهليّة معلومات، هنَّ رایات
يُعرَفنَ بها.
ومن طريق عاصم بن المنذر عن عُرْوة بن الزُّبَير مِثله، وزادَ: كَرايات البَيْطار.
وقد ساقَ هشام بن الكَلْبِيّ في ((كتاب المثالب)) أسامي صَوَاحبات الرّايات في الجاهليَّة،
فسَمَّى منهنَّ أكثر من عشر نِسوة مشهورات، تَرَكتُ ذِكْرهنَّ اختياراً.
قوله: ((لمَن أرادَهُنَّ) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فمَن أرادَهُنَّ».
قوله: ((القافة)) جمع قائف - بقافٍ ثُمَّ فاء - وهو الذي يَعرِف شَبَه الولد بالوالدِ بالآثار الخَفيَّة.
قوله: ((فالتاطَتْه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فالتاطَةْ)) بغير مُثنّة، أي: استَلحَقَهُ به، وأصل
اللَّوْط - بفتح اللّم -: اللُّصوق.
قوله: ((هَدَمَ نِكاحَ الجاهليَّةُ)) في رواية الدَّارَ قُطنيِّ (٣٥١١): ((نكاح أهل الجاهليّة)).
قوله: ((كلَّه)) دَخَلَ فیه ما ذَكَرَتْ، وما استُدرِك عليها.
قوله: ((إلّا نِكاحَ الناس اليوم)) أي: الذي بَدَأتْ بذِكْره، وهو أن يَخْطُب الرجل إلى الرجل
فیُزوِّجه.

٣٦٨
باب ٣٦ / ح ٥١٢٨ - ٥١٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
١٨٦/٩
احتجَّ بهذا على اشتراط / الوَليّ، وتُعقِّبَ بأنَّ عائشة وهي التي رَوَت هذا الحديث كانت
تُجيز النّكاح بغير وليٍّ، كما روى مالك (٢/ ٥٥٥): أنَّهَا زَوَّجَت بنت عبد الرَّحمن أخيها وهو
غائب، فلمَّا قَدِمَ قال: مِثلي يُفتاتُ عليه في بناته؟ وأُجيب: بأنَّه لم يَرِد في الخبر التَّصريحُ بأنَّها
باشَرَت العَقد، فقد يحتمل أن تكون البنت المذكورة ثَيِّاً، ودَعَت إلى كُفء وأبوها غائب،
فانتَقَلَت الولاية إلى الوَليّ الأبعَد، أو إلى السُّلطان. وقد صَحَّ عن عائشة: أنَّها أنكَحَت رجلاً
من بني أخيها، فضَرَبَت بينهم بسِتٍ، ثمَّ تَكلَّمَت حتَّى إذا لم يَبقَ إلّ العَقد أمَرت رجلاً
فأنكَحَ، ثمَّ قالت: ليس إلى النِّساء نِكاح. أخرجه عبد الرَّزّاق (١٠٣٤٠).
٥١٢٨- حدَّثنا يحيى، حدَّثنا وكِيعٌ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: ﴿وَمَا يُتْلَى
عَلَيْكُمْ فِ الْكِتَبِ فِ يَتَمَى الْنِسَآءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ
تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] قالت: هذا في اليَتِيمةِ التي تكونُ عندَ الرجلِ، لعلَّها أن تكونَ
شَرِيكَتَه في ماله وهو أوْلَى بها، فيَرْغَبُ أن يَنْكِحَها فَيَعْضُلَها لمالها، ولا يُنْكِحَها غيرَه كراهيةً أن
يَشْرَكَه أحدٌ في مالها.
٥١٢٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا هشامٌ، أخبرنا مَعْمَرٌ، حدَّثنا الزُّهْرِيُّ، قال:
أخبرني سالمٌ، أنَّ ابنَ عمرَ أخبَرَهُ: أنَّ عمرَ حينَ نَأيَّمَت حفصةُ بنتُ عمرَ من ابنِ حُذافةً
السَّهْميِّ - وكان من أصحاب النبيِّ وَّ من أهلِ بَدْرٍ تُوقِّيَ بالمدينةِ - فقال عمرُ: لَقِيتُ عُثْمانَ
ابنَ عَفّانَ فعَرَضْتُ عليه، فقلتُ: إن شئتَ أنكَحْتُكَ حفصةَ، فقال: سَأَنظُرُ في أمري، فَلَِئْتُ
لَيَالِيَ ثُمَّ لَقِيَتي، فقال: بَدا لي أن لا أتزَوَّجَ يومي هذا. قال عمرُ: فَلَقِيتُ أبا بَكْرٍ فقلتُ: إن شئتَ
أَنكَحْتُكَ حفصةَ.
٥١٣٠- حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي عَمرو، قال: حذَّثني أبي، قال: حدَّثني إبراهيمُ، عن يونُسَ،
عن الحسنِ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، قال: حذَّثني مَعقِلُ بنُ يَسارٍ: أنَّها نزلت فيه، قال: زَوَّجْتُ أُخْتاً لي
من رجلٍ، فطَلَّقَها، حتَّى إذا انقَضَت ◌ِدَُّها جاء يَخْطُها، فقلتُ له: زَوَّجْتُكَ وَأَفْرِشْتُكَ وأكرَمْتُكَ،
فِطَلَّقْتَها، ثمَّ جِئْتَ تَخْطُها، لا والله لا تعودُ إليكَ أبداً، وكان رجلاً لا بَأْسَ به، وكانت المرأةُ تريدُ أن

٣٦٩
باب ٣٦ / ح ٥١٣٠
كتاب النكاح
تَرْجِعَ إليه، فَأَنزَلَ الله هذه الآيةَ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فقلتُ: الآن أَفعَلُ يا رسولَ الله، قال:
فَزَوَّجَها إِیّاه.
الحديث الثاني: قوله: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن موسى أو ابن جعفر كما بيَّنته في المقدِّمة،
وساقَ الحديث عن عائشة مختصراً، وقد تقدَّم شرحه في كتاب التَّفسير (٤٥٧٣).
الحديث الثالث: حديث ابن عمر: ((تأيَّمَتْ حفصة)) تقدَّم شرحه قريباً (٥١٢٢)، ووجه
الدّلالة منه: اعتبار الوَليّ في الجملة.
الحديث الرابع: حدیث معقل بن يسار.
قوله: «حدّثنا أحمد بن أبي عمرو» وهو النَّسابوريّ قاضیھا، يُكْنی أبا عليّ، واسم أبي
عَمْرو: حفص بن عبد الله بن راشد.
قوله: ((حذَّثني إبراهيم)) هو ابن طَهْمانَ، و(يونُس)) هو ابن عُبيد، و(الحسن)) هو البصريّ.
قوله: (﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾)) أي: في تفسير هذه الآية. ووَقَعَ في تفسير الطََّرَيِّ (٤٨٦/٢)
من حديث ابن عبّاس: أنَّها نزلت في وليّ النِّكاح أن يُضارّ وليّته، فَيَمنَعها من النِّكاح.
قوله: ((حدَّثْني مَعقِل بن يسار: أنَّها نزلت فيه)) هذا صريح في رفع هذا الحديث ووَصلِه، وقد
تقدَّم في تفسير البقرة (٤٥٢٩) مُعلَّقاً لإبراهيم بن طَهْمانَ، وموصولاً أيضاً لعبَّادِ بن راشد عن
الحسن، وبصورة الإرسال من طريق عبد الوارث بن سعيد عن يونس، وقويَت رواية إبراهيم
ابن طَهْمانَ بَوَصِلِه بمُتابعة عبَّاد بن راشد على تصريح الحسن بقولِه: حدَّثني معقل بن يسار.
قوله: ((زَوَّجْتُ أُخْتاً لي)) اسمها ◌ُميل - بالجيم مُصغَّر - بنت يَسار، وَقَعَ في ((تفسير
الطَّبَيِّ» (٤٨٥/٢) من طريق ابن جُرَيج، وبه جَزَمَ ابن ماكولا، وسَمّاها ابن فَتْحون
كذلك، لكن بغير تصغير وسيأتي مُستنَدُه، وقيل: اسمها ليلى، حكاه السُّهَيلِيُّ في ((مُبهَمات
القرآن))، وتَبِعَه البَدْريّ(١)، وقيل: فاطمة، وَقَعَ ذلك عند ابن إسحاق، ويحتمل التعدُّد بأن
(١) كذا في الأصلين و(س): ((البدري)) ولم نتبيَّنْه، ووقع في ((الإصابة)) للمصنف ٣٠٦/٨: المنذري، وكذلك
في ((عمدة القاري)» للعيني ١٢٤/٢٠، و((نيل الأوطار)» للشوكاني ٦/ ٢٥٧.

٣٧٠
باب ٣٦ / ح ٥١٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
يكون لها اسمان ولَقَب، أو لَقَبان واسم.
قوله: ((من رجل)) قيل: هو أبو البَدّاح بن عاصم الأنصاريّ، هكذا وَقَعَ في ((أحكام
القرآن)) لإسماعيل القاضي من طريق ابن جُرَيج: ((أخبرني عبد الله بن مَعِقِل: أنَّ جُميل بنت
يَسار أُخت مَعقِل كانت تحت أبي البَدّاح بن عاصم فطَلَّقَها، فانقَضَت عِدَّتها، فخَطَبَها)»،
وذكر ذلك أبو موسى في ((ذَيل الصَّحابة))، وذكره أيضاً الثَّعَلَبِيّ(١) ولفظه: ((نزلت في جُميلة بنت
يَسار أُخت مَعِقِل، وكانت تحت أبي البَدّاح بن عاصم بن عَديّ بن العَجلان))، واستَشكَلَه
الذهبي(٣) بأنَّ أبا(٣) البَدّاح تابعيّ على الصَّواب، فيحتمل أن يكون صَحابيّاً آخر.
وجَزَمَ بعض المتأخّرينَ: بأنَّه البَدّاح(٤) بن عاصم وكُنْيته أبو عَمْرو، فإن كان محفوظاً
فهو أبو أبي (٥) البَدّاح التابعيّ.
ووَقَعَ في كتاب ((المجاز)» للشّيخِ عِزّ الدّين بن عبد السَّلام: أنَّ اسم زوجها: عبد الله بن
رواحة، ووَقَعَ في رواية عبَّاد بن راشد عن الحسن عند البزَّار والدَّارَقُطنيّ (٣٥٢٦): ((فأتاني
ابن عمٍّ لي فخَطَبَها معَ الْخُطّاب)) وفي هذا نظر، لأنَّ مَعقِل بن يَسار مُزَنيّ وأبو البَدّاح
أنصاريّ، فيحتمل أنَّه ابن عمّه لأُمِّه أو من الرَّضاعة.
قوله: ((حتَّى إذا انقَضَت عِدَّتها)) في رواية عبَّاد بن راشد: فاصطَحَبا ما شاءَ الله، ثمَّ طَلَّقَها
طَلَاقاً له رَجعة، ثمَّ تَرَكَها حتَّى انقَضَت عِدَّتها فخَطَبَها.
قوله: ((جاءَ يَخْطُبها)) أي: من وليّها، وهو أخوها كما قال أوَّلاً: زَوَّجتَ أُختاًلي من رجل.
(١) في ((تفسيره)) ١٧٨/٢ -١٧٩.
(٢) تحرَّف في (س) إلى: الذهلي.
(٣) لفظة ((أبا)) سقطت من (أ) و(س)، وهي مثبتة في (ع).
(٤) كذا في الأصلين و(س): ((البداح))، وهو خطأ، صوابه: ((أبو البداح))، وهو: أبو البدَّاح بن عاصم بن
عدي بن الجَدِّ بن العجلان، يُكْنى أبا عَمرو، وأبو البداح لقبٌ غَلَبَ عليه. انظر: ((الطبقات الكبرى))
لابن سعد ٢٦١/٥، و(تهذيب الكمال)) للمزي ٥٨/٣٥.
(٥) في (أ): أخو أبي البداح، وفي (س): أخو البداح، والمثبت من (ع).

٣٧١
باب ٣٦ / ح ٥١٣٠
كتاب النكاح
قوله: ((وأفَرَشْتُك)) أي: جَعَلْتُها لك فِراشاً، في رواية الثَّعَلَبِيّ: ((وأَفَرَشتُك كريمَتي، وآثَرتُك
بها على قومي))، وهذا ما يُبعِد أنَّه ابن عمّه.
قوله: ((لا والله لا تعود إليك أبداً) في رواية عبَّاد بن راشد: ((لا أُزوّجك أبداً))، زاد الثَّعلَبيّ:
وَيَ أَنْفاً(١)، وهو بفتح الهمزة والنُّون والفاء.
قوله: ((وكان رجلاً لا بأس به))/ في رواية الثَّعلَبيّ: ((وكان رجل صِدقٍ))، قال ابن التِّين: ١٨٧/٩
أي: كان جيِّداً، وهذا ممّا غَّرَته العامّة، فگنّوا به عمَّن لا خير فيه. كذا قال، ووَقَعَ في رواية
مُبارَك بن فَضَالة عن الحسن عند أبي مسلم الكَجِّيّ: قال الحسن: علم الله حاجة الرجل إلى
امرأته، وحاجة المرأة إلى زوجها، فأنزلَ الله هذه الآية.
قوله: «فَأَنزَلَ الله هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ))) هذا صريح في نزول هذه الآية في هذه
القصّة، ولا يَمنَع ذلك كَون ظاهر الخِطاب في السِّياق للأزواج، حيثُ وَقَعَ فيها: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ
النِّسَآءَ ﴾ لكنَّ قوله في بَقِيَّتَها: ﴿أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ ظاهر في أنَّ العَضل يَتَعلَّق بالأزواجِ(٣)،
وقد تقدَّم في النَّسير (٤٥٧٩) بيان العَضْلِ الذي يَتَعلَّق بالأولياءِ في قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ
أَنْ تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء:١٩]، فيُستَدَلّ في كلّ مكان بما يليق به.
قوله: ((فقلت: الآن أفعَل يا رسول الله. قال: فَزَوَّجَها إيّاه)) أي: أعادها إليه بعقدٍ جدید.
وفي رواية أبي نُعَيم في (المستخرَج): فقلت: الآن أقبَلُ أمرَ رسول الله ◌ََّ، وفي رواية أبي
مسلم الكَجِّيّ من طريق مُبارَك بن فضالة عن الحسن: فسمعَ ذلك مَعِقِل بن يسار فقال:
سَمْعاً لَرَبّ وطاعة، فدَعَا زوجها، فَزَوَّجَها إيّاه، ومن رواية الثَّعَلَبيّ: فإنّي أُومِنُ بالله،
فأنكَحَها إيّاه وكَفَّرَ يمينَه، وفي رواية عبّاد بن راشد: فكَفَّرتُ عن يميني، وأنكَحتُها إيّاه.
قال الثَّعَلَبِيّ: ثمَّ هذا قول أكثر المفسِّرِينَ.
وعن السُّدّيِّ: نزلت في جابر بن عبد الله، زوَّج بنت عَمّه فطَلَّقَها زوجها تَطليقة، وانقَضَت
عِدَّتها ثمَّ أراد تزويجها، وكانت المرأة تريده، فأبى جابر، فنزلت.
(١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: وحمزة أنفاً، والصواب ما أثبتناه، والمعنى: أخذَتْه الحميّةُ والأَنَفة.
(٢) في (أ) و(س): ((بالأولياء)) بدل ((بالأزواج))، وهو خطأ، والمثبت من (ع).

٣٧٢
باب ٣٦ / ح ٥١٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن بَطّال: اختَلَفوا في الوَليّ فقال الجمهور - ومنهم مالك والثَّوْرِيُّ واللَّيث
والشافعيّ وغيرهم -: الأولياء في النِّكاح هم العَصَبة، وليس للخال ولا والد الأُمّ ولا
الإخوة من الأُمّ ونحو هؤلاءٍ ولاية. وعن الحنفيَّة: هم من الأولياء، واحتجَّ الأبهريّ: بأنَّ
الذي يَرِث الولاء هم العَصَبة دون ذوي الأرحام، قال: فكذلك عُقدة النِّكاح.
واختَلَفوا فيما إذا ماتَ الأب فأوصَى رجلاً على أولاده، هل يكون أولى من الوَليّ
القريب في عقد النِّكاح، أو مِثله، أو لا ولاية لَه؟ فقال رَبيعة وأبو حنيفة ومالك: الوَصِيّ
أولى، واحتجَّ لهم: بأنَّ الأب لو جَعَلَ ذلك لرجلٍ بعينه في حياته لم يكن لأحدٍ من الأولياء
أن يَعتَرِض عليه، فكذلك بعد موته. وتُعقّبَ بأنَّ الولاية انتَقَلَت بالموتِ، فلا يُقاسَ بحال
الحياة.
وقد اختَلَفَ العلماء في اشتراط الوَليّ في النِّكاح، فذهب الجمهور إلى ذلك، وقالوا: لا
تُزَوِّج المرأة نفسها أصلاً، واحتجّوا بالأحاديثِ المذكورة، ومن أقواها هذا السَّبَب المذكور
في نزول الآية المذكورة، وهي أصَرحُ دليل على اعتبار الوَليّ، وإلّا لمَا كان لعَضْلِهِ معنّى،
ولأنَّها لو كان لها أن تُزَوِّج نفسها لم تحتج إلى أخيها، ومَن كان أمره إليه لا يقال: إنَّ غيره
مَنَعَه منه. وذكر ابن المنذر: أنَّه لا يُعرَف عن أحد من الصَّحابة خِلَاف ذلك، وعن مالك
رواية: أنَّها إن كانت غير شريفة زَوَّجَت نفسها.
وذهب أبو حنيفة إلى أنَّه لا يُشتَرَط الوَليّ أصلاً، ويجوز أن تُزَوِّج نفسها ولو بغير إذن
وليّها إذا تزوَّجَت كُفْواً، واحتجَّ بالقياس على البيع، فإنَّها تَستَقِلّ به، وحَمَلَ الأحاديثَ الواردة في
اشتراط الوَليّ على الصَّغيرة، وخَصّ بهذا القيام عُمومَها، وهو عَمَل سائغ في الأصول، وهو
جواز تخصيص العُموم بالقياس. لكنَّ حديث مَعِقِل المذكور رَفَعَ هذا القياس.
ويدلّ على اشتراط الوَليّ في النِّكاح دون غيره ليَندَفِعَ عن موليّته العار باختيار الكُفء،
وانفَصَلَ بعضهم عن هذا الإيراد بالتزامهم اشتراط الوَليّ، ولكن لا يَمنَع ذلك تزويجَها
نفسها، ويَتَوقَّف ذلك على إجازة الوَليّ كما قالوا في البيع، وهو مذهب الأوزاعيِّ. وقال

٣٧٣
باب ٣٧
كتاب النكاح
أبو ثَوْر نحوه، لكن قال: يُشتَرَط إذن الوَليّ لها في تزويج نفسها. وتُعقِّبَ: بأنَّ إذن الوَلِيّ لا
يَصِحّ إلّا لمن ينوب عنه، والمرأة لا تَنوب عنه، في ذلك لأنَّ الحقّ لها، ولو أذِنَ لها في إنكاح
نفسها صارت کمَن أذِنَ ها في البيع من نفسها ولا يصحّ.
وفي حديث مَعِقِل أنَّ الوَليّ إذا عَضَل لا يُزوِّج السُّلطان إلّا بعد أن يأمره بالرُّجوع عن ١٨٨/٩
العَضلِ، فإن أجابَ فذاكَ، وإن أصَرَّ زَوَّجَ عليه الحاكم، والله أعلم.
٣٧- بابٌ إذا كان الوليّ هو الخاطبَ
وخَطَبَ المغِيرةُ بنُ شُعْبَةَ امرأةً هو أوْلَى الناسِ بها، فأمُرَ رجلاً فَزَوَّجَه.
وقال عبدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ لأَمِّ حَكِيمٍ بنت قارظٍ: أَجْعَلِينَ أمَرَكِ إليَّ؟ قالت: نعم، فقال:
قد تَزوَّجتُكِ.
وقال عطاءٌ: لِيُشْهِدْ أنّ قد نَكَحْتُكِ، أو لِيأمرْ رجلاً من عَشِيرَتِها.
وقال سَهْلٌ: قالت امرأةٌ لِلنبيِّ وَّهِ: أَهَبُ لكَ نفسي. فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، إن لم تكن
لكَ بها حاجةٌ فزَوِّجْنِيها.
قوله: ((بابٌ إذا كان الوَليّ) أي: في النِّكاح ((هو الخاطِبَ)) أي: هل يُزوِّج نفسه، أو يحتاج
إلى وليّ آخر؟ قال ابن المنيِّر: ذكر في التَّرجمة ما يدلّ على الجواز والمنع معاً، ليَكِلَ الأمرَ في
ذلك إلى نظرِ المجتَهِد. كذا قال، وكأنَّه أخَذَه من تَركِه الجزم بالحُكمِ، لكنَّ الذي يظهر من
صنيعه أنَّه يرى الجواز، فإنَّ الآثار التي فيها أمر الوَليّ غيره أن يُزوِّجَه ليس فيها التَّصريح
بالمنع من تزويجه نفسه، وقد أورَدَ في التَّرجمة أثرَ عطاء الدَّالّ على الجواز، وإن كان الأوْلى
عنده أن لا يَتَوِلَّى واحدٌ طَرَفَي العقد.
وقد اختَلَفَ السَّلَف في ذلك، فقال الأوزاعيُّ ورَبيعة والثَّوْريّ ومالك وأبو حنيفة
وأكثر أصحابه واللَّيث: يُزُوِّج الوَليّ نفسه، ووافَقَهم أبو ثور. وعن مالك: لو قالت الشَّيِّب
لوَليِّها: زَوِّ جني بمَن رأيت، فَوَّجَها من نفسه أو ممّن اختارَ، لَزِمَها ذلك ولو لم تعلم عين
الَّوج. وقال الشافعيّ: يُزُوِّجهما السُّلطان، أو وليٌّ آخر مِثله أو أقعَدَ منه. ووافَقَه زُفَر

٣٧٤
باب ٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
وداود، وحُجَّتهم: أنَّ الولایة شرط في العقد، فلا یکون الناکِح مُنكِحاً، کما لا یبیع مِن
نفسه.
قوله: ((وخَطَبَ المغيرة بن شُعْبة امرأةً هو أوْلَى الناس بها، فأمَرَ رجلاً فَزَوَّجَه)) هذا الأثر
وَصَلَه وكيع في ((مُصنَّفْه)) والبيهقيُّ من طريقه عن الثَّوْريّ عن عبد الملك بن عُمَير: أنَّ
المغيرة بن شُعْبة أراد أن يَتزوَّج امرأة هو وليّها، فجَعَلَ أمرها إلى رجلِ المغيرةُ أولى منه،
فَزَوَّجَه. وأخرجه عبد الرَّزّاق (١٠٥٠٢) عن الثَّوْريّ وقال فيه: فأمَرَ أبعَد منه فَزَوَّجَه.
وأخرجه سعيد بن منصور (٥٤٩) من طريق الشَّعْبيّ ولفظه: إنَّ المغيرة خَطَبَ بنت عَمّه
١٨٩/٩ عُرْوة بن مسعود، فأرسَلَ / إلى عبد الله بن أبي عَقيل فقال: زَوِّجنيها، فقال: ما كنت لأفعَل،
أنتَ أمير البلد وابن عمّها، فأرسَلَ المغيرة إلى عثمان بن أبي العاص، فزَوَّجَها منه. انتهى،
والمغيرة: هو ابن شُعْبة بن مسعود بن مُعَتِّب، من ولد عَوف بن ثَقِيف، فهي بنت عَمّه لَحّاً،
وعبد الله بن أبي عَقيل هو ابن عمّهما معاً أيضاً، لأنَّ جَدّه هو مسعود المذكور. وأمَّا عثمان
ابن أبي العاص فهو وإن كان ثَقَفيّاً أيضاً لكنَّه لا يَجِتَمِع معهم إلّ في جَدّهم الأعلى ثَقِيف،
لأنَّه من ولد جُشَم بن ثَقِيف، فوَضَح المراد بقوله: ((هو أولى الناس))، وعُرِفَ اسم الرجل
المبهم في الأثر المعلَّق.
قوله: ((وقال عبد الرّحمن بن عَوْف لأُمِّ حَكيم بنت قارظ: أتجعلينَ أمرك إليَّ؟ قالت: نعم
فقال: قد تزوَّجْتُكِ)) وَصَلَه ابن سعد (٤٧٢/٨) من طريق ابن أبي ذِئْب عن سعيد بن خالد:
أنَّ أمّ حَكيم بنت قارظ قالت لعبد الرَّحمن بن عَوْف: إنَّه قد خَطَبني غير واحد، فَزَوِّ جني
أيّهم رأيت، قال: وتَجعلينَ ذلك إليَّ؟ فقالت: نعم، قال: قد تزوَّجتُك. قال ابن أبي ذِئْب:
فجازَ نِكاحه. وقد ذكر ابن سعد أمّ حَكِيم في النِّساء اللَّواقي لم يَروِينَ عن النبيِّ وَِّ ورَوَینَ
عن أزواجه، ولم يَزِد في التَّعريف بها على ما في هذا الخبر، وذكرها في تسمية أزواج
عبد الرّحمن بن عَوْف في ترجمته، فنَسَبها فقال: أمّ حَكِيم بنت قارظ بن خالد بن عُبيدٍ
حَلِيفِ بني زُهْرة.

٣٧٥
باب ٣٧ / ح ٥١٣١ -٥١٣٢
كتاب النكاح
قوله: ((وقال عطاء: ليُشهِدْ أنّي قد نَكَحْتُكِ، أو لِيأمرُ رجلاً من عشيرتها)) وَصَلَه
عبد الرَّزاق (١٠٥٠١) عن ابن جُرَيج قال: قلت لعطاءٍ: امرأة خَطَبَها ابن عمٍّ لها، لا رجلٌ
لها غيرُه، قال: فلتُشهِدْ أنَّ فلاناً خَطَبَها وإنّي أُشهِدكم أنّ قد نَكَحتُه، أو لِتأمُرْ رجلاً من
عشیرتها.
قوله: ((وقال سَهْل: قالت امرأة للنبيِّ يَّةِ: أَهَب لك نفسي، فقال رجل: يا رسول الله، إن
لم تكن لك بها حاجة فزَوِّجْنیها» هذا طَرَف من حديث الواهبة، وقد تقدّم موصولاً في ((باب
تزويج المعسِر)) (٥٠٨٧)، وفي ((باب النَّظَر إلى المرأة قبل التَّزويج)) (٥١٢٦) وغيرهما (١)،
ووَصَلَه في الباب بلفظ آخر، وأقرَبها إلى لفظ هذا التَّعليق رواية يعقوب بن عبد الرَّحمن
عن أبي حازِم بلفظ: ((إنَّ امرأة جاءت إلى رسول الله وَ لاهفقالت: يا رسول الله، جِئت لأهَب لك
نفسي - وفيه - فقامَ رجل من أصحابه فقال: أي: رسول الله)) مِثله(٢).
٥١٣١- حدّثنا ابنُ سَلام، أخبرنا أبو مُعاوِيةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله
عنها: في قولِه: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] إلى آخِرِ
الآيةِ، قالت: هي اليَتِيمةُ تكونُ في حَجْرِ الرجلِ، قد شَرِ كَتْه في ماله، فيَرْغَبُ عنها أن يَتزوَّجَها،
ويَكْرَه أن يُزْوِّجَها غيرَه، فيَدخُلَ عليه في ماله، فيَحْبِسُها، فنَهاهُمُ الله عن ذلك.
٥١٣٢- حدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدام، حدَّثنا فُضَيلُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا أبو حازِم، حدَّتنا سَهْلُ
ابنُ سعدٍ: كنَّا عندَ النبيِّ وَّ جُلوساً، فجاءتْه امرأةٌ تَعْرِضُ نفسَها عليه، فخَفَّضَ فيها النَّظَر
ورَفَعَه، فلم يُرِدْها، فقال رجلٌ من أصحابه: زَوِّجْنِيها يا رسولَ الله، قال: «أعندَكَ من شيءٍ؟»
قال: ما عندي من شيءٍ. قال: ((ولا خاتماً من حديدٍ؟)) قال: ولا خاتَماً من حديدٍ، وَلكن أشُُّ
بُرْدَتي هذه، فأُعْطِيها النِّصْفَ، وآخُذُ النِّصْفَ. قال: ((لا، هل مَعَكَ منَ القرآنِ شيءٌ؟)) قال:
نعم. قال: ((اذهب، فقد زَوَّجْتُكَها بما مَعَكَ منَ القرآنِ)).
(١) انظر ما سلف برقم (٢٣١٠) وانظر جميع أطراف الحديث فيه.
(٢) سلفت برقم (٥٠٣٠) و(٥١٢٦).

٣٧٦
باب ٣٨ / ح ٥١٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ ذكر المصنّف حديث عائشة في قوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ اُلِسَاءِ﴾، أورَدَه
مختصراً، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَّى في التَّفسير (٤٦٠٠)، ووجه الدّلالة منه: أنَّ قوله:
((فَرَغِبَ عنها أن يَتزوَّجها)) أعَمّ من أن يَتَولَّى ذلك بنفسِه، أو يأمر غيره فیُزُوِّجه، وبه احتجَّ
محمَّد بن الحسن على الجواز، لأنَّ الله لمَّا عاتَبَ الأولياء في تزويج مَن كانت من أهل المال
والجمال بدون سُنَّتها من الصَّداق، وعاتَبَهم على تَركِ تزويج مَن كانت قليلة المال والجمال،
دَلَّ على أنَّ الوَليّ يَصِحّ منه تزويجُها من نفسه، إذ لا يُعاتَب أحد على تَركِ ما هو حرام عليه،
ودَلَّ ذلك أيضاً على أنَّه يَتزوَّجها ولو كانت صغيرة، لأنَّه أُمِرَ أن يُقسِط لها في الصَّداق،
ولو كانت بالغاً لمَا امتَنَعَ أن يَتزوَّجها بما تَراضَيا عليه، فعُلمَ أنَّ المراد مَن لا أمْرَ لها في
نفسها. وقد أُجيب: باحتمال أن يكون المراد بذلك السَّفيهة، فلا أثر لرِضاها بدون مَهرِ
مِثلها کالبکرِ.
ثمَّ ذكر المصنِّف حديث سَهْل بن سعد في الواهبة، وسيأتي شرحه قريباً (٥١٤٩)،
ووجه الأخذ منه: الإطلاق أيضاً، لكن انفَصَلَ من مَنع ذلك بأنَّه مَعدود من خصائصه ◌َ لِّ أن
يُزوِّج نفسه وبغير وليّ ولا شُهود ولا استئذان، ويلفظ الهبة كما يأتي تقريره.
وقوله فيه: ((فلم يُرِدْها)) بسكونِ الدَّال من الإرادة، وحكى بعض الُّرّاح تشديد الدَّال
وفتح أوَّله، وهو مُتَمَل.
٣٨- باب إنكاح الرّجل ولدَه الصِّغار
١٩٠/٩
لقولِ الله تعالى: ﴿وَلَّتِى لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فَجَعَلَ عِدَّتَها ثلاثةَ أشهرٍ قبلَ البلوغ.
٥١٣٣- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله
عنها: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ تَزوَّجَها وهي بنتُ سِتِّ سنينَ، وأُدْخِلَت عليه وهي بنتُ تسعٍ، ومَكَفَت
عندَه تسعاً.
قوله: ((باب إنكاح الرجل ولدَه الصِّغار)) ضُبِطَ «وُلْدَه)) بضمِّ الواو وسكون اللّام على
الجمع، وهو واضح، ويفتحهما على أنَّه اسم جنس، وهو أعَمّ من الذُّكور والإناث.

٣٧٧
باب ٣٩ / ح ٥١٣٤
كتاب النكاح
قوله: «لقولِ الله تعالى: ﴿وَأَلَّتِى لَمْ يَحِضْنَ﴾، فجَعَلَ عِدَّتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ)) أي:
فدَلَّ على أنَّ نِكاحها قبل البلوغ جائز، وهو استنباط حسن، لكن ليس في الآية تخصيص
ذلك بالوالدٍ ولا بالبكرِ. ويُمكِن أن يقال: الأصل في الأبضاع التَّحريم، إلّا ما دَلَّ عليه
الدَّليل، وقد وَرَدَ حديث عائشة في تزويج أبي بكر لها وهي دون البلوغ، فبقيَ ما عَدَاه على
الأصل، ولهذا السِّ أورَدَ حديث عائشة، قال المهلَّب: أجمعوا أنَّه يجوز للأب تزويجُ ابنَتِه
الصَّغيرةِ البِكرِ، ولو كانت لا يوطَأَ مِثلها، إلّا أنَّ الطَّحاويّ حكى عن ابن شُبْرُمةَ مَنْعه
فيمَن لا توطَأ، وحكى ابن خَزْم عن ابن شُبْرُمةَ مُطلَقاً أنَّ الأب لا يُزِّج بنته البكر
الصَّغيرة حتَّى تَبلُغ وتأذَن، وزَعَمَ أنَّ تزويج النبيّ ◌َِّ عائشة وهي بنت ستّ سنين كان
من خصائصه، ومُقابله: تجويز الحسن والنَّخَعيِّ للأب إجبار ابنتِهِ، كبيرةً كانت أو صغيرة،
بكراً كانت أو ثَيِّباً.
تنبيه: وَقَعَ في حديث عائشة من هذا الوجه إدراجٌ يظهر من الطَّريق التي في الباب
الذي بعده.
٣٩ - باب تزويج الأب ابنته من الإمام
وقال عمرُ: خَطَبَ النبيُّ وَلّهِ إليَّ حفصةَ فأنكَحْتُه.
٥١٣٤- حدَّثْنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا وُهَيبٌ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ:
أنَّ النبيَّ فَ تَزوَّجَها وهي بنتُ سِتِّ سنينَ، وبَنَى بها وهي بنتُ تسعٍ سنينَ.
قال هشامٌ: وَأُنْبِئْتُ أنَّها كانت عندَه تسعَ سنينَ.
قوله: ((باب تَزْويج الأب ابنته من الإمام)) في هذه التَّرجمة إشارة إلى أنَّ الوَليّ الخاصّ
يُقدَّم على الوَليّ العامّ، وقد اختُلِفَ فيه عن المالكيَّة.
قوله: ((وقال عمر ... )) إلى آخره، هو طَرَف من حديثه الذي تقدَّم موصولاً قريباً (٥١٢٢).
ثُمَّ ذكر حديث عائشة، وقوله فيه: ((قال هشام)) يعني: ابن عُرْوة، وهو موصول بالإسناد
المذكور.

٣٧٨
باب ٤٠ / ح ٥١٣٥
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((وأُنبئت ... )) إلى آخره، لم يُسَمَّ مَن أنبأه بذلك، ويُشبه أن يكون ◌َلَه عن امرأته
فاطمة بنت المنذر عن جَدَّتها أسماء.
قال ابن بَطّال: دَلَّ حديث الباب على أنَّ الأب أولى في تزويج ابنَتِهِ من الإمام، وأنَّ
السُّلطان وليّ مَن لا وليّ لها، وأنَّ الوَليّ من شُروط النِّكاح.
قلت: ولا دلالة في الحديثَينِ على اشتراط شيء من ذلك، وإنَّما فيهما وقوع ذلك، ولا
يَلْزَم منه مَنعُ ما عَداه، وإنَّما يُؤْخَذ ذلك من أدلّة أُخرَى.
وقال: وفيه أنَّ النَّهي عن إنكاح البكر حتَّى تُستأذَن مخصوص بالبالغ حتَّى يُتصوَّر منها
الإذن، وأمَّا الصَّغيرة فلا إذن لها، وسيأتي الكلام على ذلك في باب مُفرَد (٥١٣٦).
٤٠- بابٌ السّلطانُ ولُّ
لقول النبيِّ وَّ: ((زَوَّ جْناكَها بما مَعَكَ منَ القرآنِ)).
٥١٣٥- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن أبي حازم، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ،
قال: جاءتٍ امرأةٌ إلى رسولِ اللهِ وَل﴿ فقالت: إنّ وهَبتُ من نفسي، فقامَت طويلاً، فقال رجلٌ:
زَوِّجْنِيها إن لم تكن لكَ بها حاجةٌ، قال: ((هل عندَكَ من شيءٍ تُصْدِقُها؟)) قال: ما عندي إلّا
إزاري، فقال: ((إن أعطَيْتَها إيّاه جَلَسْتَ لا إزارَ لكَ، فالتَمِس شيئاً» فقال: ما أجِدُ شيئاً، فقال:
((التَمِس ولو خاتَماً من حديدٍ)) فلم يَجِد، فقال: ((أمَعَكَ منَ القرآنِ شيءٌ؟)) قال: نعم سورةُ كذا،
وسورةُ كذا، لِسوَرِ سَّها. فقال: ((زَوَّجْتُكها بما مَعَكَ منَ القرآنِ)).
١٩١/٩ قوله: ((بابُ السُّلْطان وليّ، لقولِ النبيّ وَّ: زَوَّ جْناكها بما مَعَك من القرآن)» ثمَّ ساقَ
حديث سَهْل بن سعد في الواهبة من طريق مالك بلفظ: ((زَوَّجتُكها)) بالإفراد، وقد وَقَعَ
في رواية أبي ذرٍّ من هذا الوجه بلفظ: ((زَوَّ جناكها)» بنونِ التَّعظیم.
وقد وَرَدَ التَّصريح بأنَّ السُّلطان وليٌّ في حديث عائشة المرفوع: ((أيما امرأة نكَحَت بغير
إذن وليِّها، فنِكاحُها باطِل ... )) الحديث، وفيه: ((والسُّلطان وليُّ مَن لا وليَّ لها)) أخرجه
أبو داود (٢٠٨٣ و٢٠٨٤) والتِّرمِذيّ وحَسَّنَه (١١٠٢) وصَحَّحَه أبو عَوَانة (٤٠٣٧ و٤٠٣٨

٣٧٩
باب ٤١ / ح ٥١٣٦
كتاب النكاح
و٤٠٣٩) وابن خُزَيمةَ وابن حِبّان (٧٠٧٤) والحاكم (١٦٨/٢)، لكنَّه لمَّا لم يكن على
شرطِه استنْبَطَه من قصَّة الواهبة. وعند الطبرانيّ (١١٢٩٨) من حديث ابن عبّاس رَفَعَه:
((لا نِكاح إلّ بَوَلِيٌّ، والسُّلطان وليُّ مَن لا وليّ له))، وفي إسناده الحجّاج بن أرطاةَ وفيه مَقَال،
وأخرجه سفيان في ((جامعه))، ومن طريقه الطبرانيّ في ((الأوسط)) (٥٢١) بإسنادٍ آخر
حسن عن ابن عبّاس بلفظ: ((لا نِكاح إلّا بَوَلِيٍّ مُرشِد، أو سُلطان)).
٤١- بابٌ لا يُنكِحِ الأبُّ وغيرُه البكرَ والثَّب إلّا بِضَاها
٥١٣٦- حدَّثنا معاذُ بنُ فَضَالَةَ، حدَّثنا هشامٌ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، أنَّ أبا هريرةَ
حدَّثهم، أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال: ((لا تُنكَحُ الأيّمُ حتَّى تُسْتَأْمَرَ، ولا تُنكَحُ البِكْرُ حتَّى تُسْتَأْذَنَ»،
قالوا: يا رسولَ الله، وكيفَ إذُْها؟ قال: ((أن تَسْكُتَ)).
[طرفاه في: ٦٩٦٨، ٦٩٧٠]
قوله: ((بابٌ لا يُنْكِحِ الأَبُ وغيره البكْر والثَِّّ إلّا بِرِضاهما)) في هذه التَّرجمة أربع صوَر:
تزويج الأب البكر، وتزويج الأب الثَّيِّب، وتزويج غير الأب البكر، وتزويج غير الأب
الثَّيِّب. وإذا اعتَبَرْت الكِبَر والصِّغَر زادَت الصّوَر:
فالثَّيِّب البالغ لا يُزوِّجها الأب ولا غيره إلّا بِرِضاها اتّفاقاً، إلّا مَن شَذَّ كما تقدَّمَ،
والبكر الصَّغيرة يُزِّجها أبوها اتّفاقاً، إلّا مَن شَذَّ كما تقدَّمَ، والثَِّّ غير البالغ اختُلِفَ
فيها، فقال مالك وأبو حنيفة: يُزوِّجها أبوها كما يُزِّج البكر، وقال الشافعيّ وأبو يوسف
ومحمّد: لا يُزُوِّجها إذا زالَت البكارة بالوَطءِ لا بغيره، والعِلّة عندهم أنَّ إزالة البكارة تُزيل
الحياء الذي في البكر، والبكر البالغ يُزوِّجها أبوها وكذا غيره من الأولياء، واختُلِفَ في
استثمارها، والحديث دالٌ على أنَّه لا إجبار للأب عليها إذا امتَنَعَت، وحكاه التِّرمِذيّ عن
أكثر أهل العلم. وسأذكر مزيد بحث فيه. وقد ألحقّ الشافعيّ الجدَّ بالأب.
وقال أبو حنيفة والأوزاعيُّ في الثَّيِّب الصَّغيرة: يُزُوِّجها كلُّ وِيٍّ، فإذا بَلَغَت ثَبَتَ
الخيار. وقال أحمد: إذا بَلَغَت تِسعاً جازَ للأولياءِ غير الأب نِكاحها، وكأنَّه أقامَ المظِنّة مقام

٣٨٠
باب ٤١ / ح ٥١٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
المئِّنّة. وقال مالك: يَلتَحِقِ بالأب في ذلك وصيّ الأب دون بَقيَّة الأولياء، لأنَّه أقامَه مقامه
كما تقدَّمَت الإشارة إليه.
١٩٢/٩
ثُمَّ إِنَّ التَّرجمة معقودة لاشتراطِ / رِضا المزَوَّجة، بكراً كانت أو نَيِّباً، صغيرةً كانت أو
كبيرة، وهو الذي يقتضيه ظاهر الحديث، لكن تُستَثنَى الصَّغيرة من حيثُ المعنى، لأنَّها لا
عبارة لها.
قوله: ((حدّثنا هشام)) هو الدَّستُوائيّ، ویحیی: هو ابن أبي کثیر.
قوله: ((عن أبي سَلَمَةَ)) في رواية مسلم (١٤١٩ / ٦٤) من طريق خالد بن الحارث عن
هشام عن يحيى: حدَّثنا أبو سَلَمَةَ.
قوله: ((لا تُنْكح)) بكسر الحاء للنَّهِ، وبرفعِها للخَيَرِ وهو أبلَغُ في المنع.
وتقدَّم تفسير الأيِّم في «باب عَرْضِ الإنسان ابنتَه)) (٥١٢٢) وظاهر هذا الحديث: أنَّ
الأيِّم هي الثَّيِّب التي فارقت زوجها بموتٍ أو طلاق لمقابَلَتِها بالبكرِ، وهذا هو الأصل في
الأيِّم، ومنه قولهم: ((الغَزو مأيَمٌ)) أي: يَقتُل الرِّجال فتَصير النِّساء أيامَى، وقد تُطلَق على
مَن لا زوج لها أصلاً. ونَقَلَ عِيَاض عن إبراهيم الحَرْبيّ وإسماعيل القاضي وغيرهما أنَّه
يُطلَق على كلّ مَن لا زوج لها، صغيرةً كانت أو كبيرة، بكراً كانت أو ثَيِّياً. وحكى الماورديُّ
القولَينِ لأهلِ اللَّغة. وقد وَقَعَ في رواية الأوزاعيِّ عن يحيى في هذا الحديث عند ابن المنذر
والدَّارِمِيّ (٢١٨٦)، والدَّارَقُطْنيّ (٣٥٧٤): ((لا تُنْكَح الثِّب))، ووَقَعَ عند ابن المنذر في
رواية عمر بن أبي سَلَمَةَ عن أبيه في هذا الحديث: ((الثَّيِّب تُشاوَر)).
قوله: ((حتَّى تُسْتَأمَر)) أصل الاستثمار: طلب الأمر، فالمعنى: لا يُعقَد عليها حتَّى يُطلَب
الأمر منها، ويُؤخَذ من قوله: ((تُستأمَر)) أنَّه لا يُعقَد إلّا بعد أن تُؤامَرَ (١) بذلك، وليس فيه
دلالة على عَدَم اشتراط الوَليّ في حَقّها، بل فيه إشعار باشتراطِهِ.
قوله: ((ولا تُنكَح البكْر حتَّى تُسْتَأْذَن)) كذا وَقَعَ في هذه الرِّواية التَّفْرِقة بين الثَّيِّب والبكر،
(١) في (أ) و(س): تأمر، والمثبت من (ع).