Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
باب ٣١ / ح ٥٥١٧-٥٥١٨
كتاب النكاح
طريق سعيد بن جُبَير قال: قلت لابنِ عبَّاس: لقد سارَت بفُتياكَ الرُّكْبان، وقال فيها
الشُّعَراء، يعني في المتعة، فقال: والله ما بهذا أفتَيتُ وما هي إلّا كالميتة لا تَحِلّ إلّا للمُضطَرِّ.
وأخرجه البيهقيُّ من وجه آخر عن سعيد بن جُبَير وزاد في آخره: ألا إنَّما هي كالميتة والدَّم
ولحم الخنزير، وأخرجه محمَّد بن خَلَف المعروف بوَكيع في كتاب ((الغُرَر من الأخبار)»
بإسنادٍ أحسن منه عن سعيد بن جُبَير بالقصَّة، لكن ليس في آخره قول ابن عبّاس المذكور.
وفي حديث سَهْل بن سعد الذي أشرتُ إليه/ قريباً (١) نحوه، فهذه أخبار يَقوَى بعضها ١٧٢/٩
ببعضٍ، وحاصلها أنَّ المتعة إنَّما رُخِّصَ فيها بسبب العُزْبة في حال السَّفَر، وهو يوافق حديثَ
ابن مسعود الماضي في أوائل الفِّكاح (٥٠٧١ و ٥٠٧٥).
وأخرج البيهقيُّ (٧/ ٢٠٧) من حديث أبي ذرِّ بإسنادٍ حسن: إنَّما كانت المتعةُ لحربنا
وخَوْفنا، وأمَّا ما أخرجه التِّرمِذيّ (١١٢٢) من طريق محمّد بن كعبٍ عن ابن عبّاس قال:
إنَّما كانت المتعة في أوَّل الإسلام، كان الرجل يَقدَمُ البلدَ ليس له بها مَعرِفة، فَيَتَزوَّج المرأة
بقَدْرِ ما يُقيم، فتَحفَظُ له مَتاعَه، فإسناده ضعيف، وهو شاذِّ مخالف لما تقدَّم من عِلّة
إباحتها.
الحديث الثالث:
٥١١٧، ٥١١٨- حذَّثنا عليٌّ، حذَّثنا سفيانُ، قال عَمْرٌو، عن الحسن بنِ محمَّدٍ، عن جابرٍ
ابن عبدِ الله وسَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ، قالا: كنَّا في جيشٍ، فأتانا رسولُ رسولِ الله ◌َّله فقال: إنَّه قد
أُذِنَ لكم أن تَسْتَمْتِعوا، فاستَمْتَعوا.
قوله: ((قال عَمْرو)) هو ابن دينار، في رواية الإسماعيليّ من طريق إبراهيم بن أبي الوزير
عن سفيان: عن عَمْرو بن دينار، وهو غريب من حديث ابن عُيَينةَ، قَلَّ مَن رواه من
أصحابه عنه، وإنَّما أخرجه البخاريّ معَ كَونِهِ مُعَنعَناً لوُرودِه عن عَمْرو بن دينار من غير
طريق سفيان، نَبَّهَ على ذلك الإسماعيليّ، وهو كما قال، قد أخرجه مسلم (١٤٠٥/ ١٣ و١٤)
(١) في أواخر شرح الحديث السابق.

٣٤٢
باب ٣١ / ح ٥٥١٨
فتح الباري بشرح البخاري
من طريق شُعْبة ورَوْح بن القاسم، وأخرجه عبد الرَّزّاق (١٤٠٢٣) عن ابن جُرَيج، كلّهم
عن عَمْرو.
قوله: ((عن الحسن بن محمَّد)) أي: ابن عليّ بن أبي طالب، ووَقَعَ في رواية ابن جُرَيج:
الحسن بن محمّد بن علي، وهو الماضي ذِكرُه في الحديث الأوَّل، وفي رواية شُعْبة المذكورة
عن عَمْرو: سمعتُ الحسن بن محمَّد.
قوله: ((عن جابر بن عبد الله وسَلَمَةَ بن الأكوع)) في رواية رَوْح بن القاسم تقديم سَلَمةَ
على جابر، وقد أدرَكَهما الحسنُ بن محمَّد جميعاً لكن روايته عن جابر أشهر.
قوله: ((كنَّا في جيش)) لم أقِفْ على تعيينه، لكن عند مسلم (١٨/١٤٠٥) من طريق أبي
العُمَيسِ عن إياس بن سَلَمَةَ بن الأكوع عن أبيه قال: رَخَّصَ رسول الله وَ ◌ِّ عامَ أوطاس
في المتعة ثلاثاً ثمَّ نَهَى عنها.
تنبيه: ضُبِطَ ((جيش)) في جميع الرِّوايات بفتح الجيم وسكون التَّحْتَانيَّة بعدها مُعجَمة،
وحكى الكِرْمانيُّ: أنَّ في بعض الرِّوايات: (حُنَين)) بالمهمَلة ونونَينِ باسم مكان الوَقْعة
المشهورة ولم أقِفْ عليه.
قوله: ((فأتانا رسولُ رسولِ الله وَلِ)) لم أقِفْ على اسمه، لكن في رواية شُعْبة: ((خَرَجَ
علينا مُنادي رسول الله وَّ)) فُيُشبِه أن يكون هو بلالاً.
قوله: ((إنَّه قد أُذِنَ لكم أن تَسْتَمْتِعوا، فاستَمْتَعوا)) زاد شُعْبة في روايته: يعني مُتعةَ النِّساء،
وضُبطَ: ((فاستَمتَعوا)) بفتح المثنّاة وكسرها بلفظ الأمر ويلفظ الفعل الماضي.
وقد أخرج مسلم حديث جابر من طرق أُخرى، منها: عن أبي نَضْرة عن جابر
(١٧/١٤٠٥): أنَّ سُئلَ عن المتعة، فقال: فَعَلناها معَ رسول الله ◌َّ، ومن طريق عطاء عن جابر
(١٥/١٤٠٥): استَمتَعْنا على عهد رسول الله وَله وأبي بكر وعمر، وأخرج (١٦/١٤٠٥)
عن محمَّد بن رافع عن عبد الرَّزّاق عن ابن جُرَيج: أخبرني أبو الزُّبَير سمعتُ جابراً، نحوه،
وزاد: حتَّى نَهَى عنها عمرُ في شأن عَمْرو بن حُرَيثٍ، وقصَّة عَمْرو بن حُرَيثٍ أخرجها

٣٤٣
باب ٣١ / ح ٥١١٩
كتاب النكاح
عبد الرَّزّاق في ((مُصنَّفْه)) (١٤٠٢٩) بهذا الإسناد عن جابر قال: قَدِمَ عَمْرو بن حُرَيثٍ
الكوفةَ فاستَمْتَعَ بمولاةٍ فأُتيَ بها عمرُ(١) حُبلَى، فسألَه فاعتَرَفَ، قال: فذلك حين نَهَى عنها
عمرُ. قال البيهقيُّ (٧/ ٢٠٤) في رواية سَلَمَةَ بن الأكوع التي حَكَيناها عن تخريج مسلم
«ثُمَّ نَهَى عنها»: ضَبَطَناه (نَهَى)) بفتح النُّون، ورأيته في رواية مُعتمَدة: (نَها)) بالألفِ، قال:
فإن قيل: بل هي بضمِّ النُّون، والمراد بالناهي في حديث سَلَمةَ: عمرُ كما في حديث جابر،
قلنا: هو مُتَمَل، لكن ثَبَتَ نَهيُ رسول الله وَّه عنها في حديث الرَّبيع بن سَبْرة بن مَعبَد عن
أبيه بعد الإذن فيه، ولم نَجِدْ عنه الإذنَ فيه بعد النَّهي عنه، فنَهيُ عمر موافقٌ لِنَّهِهِ وََّ.
قلت: وتمامه أن يقال: لعلَّ جابراً ومَن نُقِلَ عنه استمرارُهم على ذلك بعده وَ له إلى أن
نَهَى عنها عمرُ لم يَبلُغْهم النَّهيُّ. وممّا يُستَفاد أيضاً أنَّ عمر لم يَنْهَ عنها اجتهاداً، وإنَّما نَهَى
عنها مُستَنِداً إلى نهي رسول الله وَّهِ، وقد وَقَعَ التَّصريحُ عنه بذلك فيما أخرجه ابن ماجه
(١٩٦٣) من طريق أبي بكر بن حفص عن ابن عمر قال: لمَّا وليَ عمرُ خَطَبَ فقال: إنَّ
رسول الله ◌َّ أذِنَ لنا في المتعة ثلاثاً ثمَّ حَرَّمَها.
وأخرج ابن المنذر والبيهقيّ (٧/ ٢٠٦) من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ١٧٣/٩
قال: صَعِدَ عمر المِنْبَر فحَمِدَ اللهَ وأثنَى عليه، ثمَّ قال: ما بالُ رجال يَنكِحونَ هذه المتعةَ؟!
فقد نهى رسول الله وَلّر عنها، وفي حديث أبي هريرة الذي أشرتُ إليه في «صحيح ابن
حِبّان)) (٤١٤٩): فقال رسول الله وَّهِ: ((هَدَمَ المتعةَ النِّكاحُ والطَّلاقُ والعِدّةُ والميراثُ))،
وله شاهد صحيح عن سعيد بن المسيّب أخرجه البيهقيُّ (٧/ ٢٠٧).
٥١١٩ - وقال ابنُ أبي ذِئْبٍ: حدَّثني إِياسُ بنُ سَلَمَةَ بنِ الأكوَعِ، عن أبيه، عن رسولِ الله وَله
((أَيُّما رجلٍ وامرأةٍ تَوافَقا فِعِشْرةُ ما بينَهما ثلاثُ لَيَالٍ، فإن أحَبّا أن يَتَزَايَدا، أو يَتَتَارَ كا تَتارَكا»،
فما أدري أشيءٌ كان لنا خاصّةٌ، أم للنّاسِ عامّةً.
قال أبو عبد الله، وقد بيَّته عليٌّ عن النبيِّ وَّل أنَّه منسوخٌ.
(١) في (س): عمرو، وهو خطأ.

٣٤٤
باب ٣١ / ح ٥٥١٩
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الرابع: تقدمت له طريق في الذي قبله.
قوله: ((وقال ابن أبي ذِئْب)) إلى آخره، وَصَلَه الطبرانيُّ (٦٢٦٦) والإسماعيليّ وأبو نُعَيم
من طرق عن ابن أبي ذِئْب.
قوله: ((أيُّما رجل وامرأة تَوافَقًا فعِشْرةُ ما بينَهما ثلاث لَيَالٍ)) وَقَعَ في رواية المُستَمْلي:
(بعِشْرةٍ)) بالموخَّدة المكسورة بَدَل الفاء المفتوحة، وبالفاءِ أصحّ، وهي رواية الإسماعيليّ
وغيره، والمعنى: أنَّ إطلاق الأجَل محمول على التَّقييد بثلاثة أيام بلَيالِيهِنَّ.
قوله: ((فإن أحَبّا)) أي: بعد انقضاء الثلاث ((أن يَتَزايد)) أي: في المدّة، يعني: تَزايدا،
ووَقَعَ في رواية الإسماعيليّ التَّصريحُ بذلك، وكذا في قوله: ((أن يَتَتَارَكا)) أي: يَتَفَارَقا
(تَتَارَكا))، وفي رواية أبي نُعَيم: ((أن يَتَنَاقَضا، تَناقَضا)» والمراد به التَّارُق.
قوله: ((فما أدري أشيءٌ كان لنا خاصّةً أم للنّاسِ عامّة؟)) ووَقَعَ في حديث أبي ذرِّ التَّصريح
بالاختصاص أخرجه البيهقيُّ (٢٠٧/٧) عنه قال: إنَّما أُحِلَّت لنا أصحابَ رسول الله وَ ل
مُتعةُ النِّساء ثلاثة أيام، ثمَّ نَهَى عنها رسول الله ◌َّ.
قوله: ((وقد بيَّته عليٍّ عن النبيّ ◌َّ﴿ أَنَّه منسوخ)) يريد بذلك تصريحَ عليّ عن النبيّ ◌َِّ
بالنَّهي عنها بعد الإذن فيها، وقد بَسَطْناه في الحديث الأوَّل، وأخرج عبد الرَّزّاق
(١٤٠٤٦) من وجه آخر عن عليّ قال: نَسَخَ رمضانُ كلَّ صوم، ونَسَخَ المتعةَ الطَّلَاقُ والعِدّةُ
والميراثُ.
وقد اختَلَفَ السَّلَف في نكاح المتعة، قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرُّخصةُ فيها،
ولا أعلمُ اليوم أحداً يُجيزها إلّا بعض الرّافضة، ولا معنى لقولٍ يخالف كتابَ الله وسُنّة
رسوله، وقال عِيَاض: ثمَّ وَقَعَ الإجماعُ من جميع العلماء على تحريمها إلّا الرّوافض.
وأمَّا ابنُ عبَّاس فُرُوِيَ عنه أنَّه أباحَها، ورويَ عنه أنَّه رَجَعَ عن ذلك، قال ابن بَطّال:
روى أهل مكَّة واليمن عن ابن عبّاس إباحة المتعة، ورويَ عنه الرُّجوعُ بأسانيد ضعيفة،
وإجازة المتعة عنه أصحّ، وهو مذهب الشّيعة. قال: وأجمعوا على أنَّه متى وَقَعَ الآن أُبطِل،

٣٤٥
باب ٣١ / ح ٥٥١٩
كتاب النكاح
سواء كان قبل الدُّخول أم بعده، إلّا قول زُفَر أَنَّه جعلها كالشُّروطِ الفاسدة، ويَرُدّه قوله وَّه
(فمَن كان عنده منهنَّ شيء فليُخلِّ سبيلَها)». قلت: وهو في حديث الرَّبيع بن سَبْرة عن أبيه
عند مسلم (١٩/١٤٠٦).
وقال الخطَّبيُّ: تحريم المتعة كالإجماع إلّا عن بعض الشّيعة، ولا يَصِحّ على قاعِدَتهم في
الرّجوع في المختَلِفات إلى عليّ وآلِ بيته، فقد صَحَّ عن عليّ أنَّهَا نُسِخَت. ونَقَلَ البيهقيُّ عن
جعفر بن محمَّد: أنَّه سُئلَ عن المتعة فقال: هيَ الزِّنى بعينِهِ، قال الخطَّبيُّ: ويُحكَى عن ابن
جُرَيج جوازُها. انتهى، وقد نَقَلَ أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٤٠٨٧) عن ابن جُرَيج: أنَّه
رَجَعَ عنها بعد أن روى بالبصرة في إباحتها ثمانيةَ عشرَ حديثاً.
وقال ابن دقيق العيد: ما حكاه بعض الحنفيَّة عن مالك من الجواز خطأ، فقد بالَغَ
المالكيَّة في مَنْع النِّكاح الموَقَّت حتَّى أبطَلُوا توقيتَ الِحِلّ بسببه، فقالوا: لو عَلَّقَ على وقتٍ لا
بدَّ من مَجَيْئِه وَقَعَ الطَّلَاقُ الآن، لأنَّه توقيت للحِلِّ فيكون في معنى نِكاح المتعة.
قال عِيَاض: وأجمعوا على أنَّ شرط البُطْلان التَّصريحُ بالشَّرطِ، فلو نَوَى عند العَقد أن
يُفارِق بعد مُدّة صَحَّ نِكاحُه، إلّ الأوزاعيّ فأبطَلَه. واختَلَفوا هل يُحَدُّ ناكِحُ المتعة أو
يُعزّر؟ على قولَينِ، مَأخَذُهما أنَّ الاتّفاق بعد الخِلَاف هل يَرفَع الخِلافَ المتقدِّم؟ وقال
القُرطُبيّ: الرِّوايات كلّها مُتَّفِقة على أنَّ زمن إباحة المتعة لم يَطُلْ وأنَّه حُرِّمَ، ثمَّ أجمع السَّلَف
والخَلَف على تحريمها إلّا مَن لا يُلتَفَت إليه من الرَّوافض.
وجَزَمَ جماعة من الأئمّة بتَفُّدِ ابن عبّاس بإباحَتِها، فهي من المسألة المشهورة: وهي
نُدْرة المخالف، ولكن قال ابن عبد البَرّ: أصحاب ابن عبّاس من / أهل مكَّة واليمن على ١٧٤/٩
إباحتِها، ثمَّ اتَّفَقَ فقهاءُ الأمصار على تحريمها.
وقال ابن حَزْم: ثَبَتَ على إباحتِها بعدَ رسول الله وَ ◌ّه ابنُ مسعود ومعاويةٌ وأبو سعيد
وابنُ عبَّاس وسَلَمةُ ومَعبَدٌ ابنا أُميَّة بن خَلَف وجابرٌ وعَمْرُو بن حُرَيثٍ، ورواه جابر عن
جميع الصَّحابة مُدّةَ رسول الله وَّهِ وأبي بكر وعمر إلى قُرب آخر خِلَافة عمر، قال: ومن

٣٤٦
باب ٣١ / ح ٥٥١٩
فتح الباري بشرح البخاري
التابعينَ: طاووسٌ وسعيدُ بن ◌ُبَير وعطاءٌ وسائرُ فقهاء مكَّة.
قلت: وفي جميع ما أطلقَه نظرٌ، أمَّا ابن مسعود فمُستَنَده فيه الحديث الماضي في أوائل
النِّكاح (٥٠٧١ , ٥٠٧٥)، وقد بيَّنْتُ فيه ما نَقَلَه الإسماعيليّ من الزّيادة فيه المصَرِّحة عنه
بالتَّحريم، وقد أخرجه أبو عَوَانة (٤٠٩٧) من طريق أبي معاوية عن إسماعيل بن أبي خالد
وفي آخره: ففَعَلْنا ثمَّ تُرك ذلك.
وأمَّا معاوية فأخرجه عبد الرَّزّاق (١٤٠٢١) من طريق صفوان بن يَعْلى بن أُميَّة:
أخبرني يَعْلى: أنَّ معاوية استَمتَعَ بامرأةٍ بالطائفِ، وإسناده صحيح، لكن في رواية أبي الزُّبَير
عن جابر عند عبد الرَّزّاق أيضاً (١٤٠٢٦): أنَّ ذلك كان قديماً ولفظه: «استَمتَعَ معاويةٌ
مَقدِمَه الطائفَ بمولاةٍ لبني الحَضرَميّ يقال لها: مُعَانة، قال جابر: ثمَّ عاشَت مُعانة إلى خِلَافة
معاوية، فكان يُرسِل إليها بجائزةٍ كلَّ عام، وقد كان معاوية مُتَّبِعاً لعمر مُقتَدياً به، فلا يُشَكّ أنَّه
عَمِل بقولِه بعد النَّهي، ومن ثَمَّ قال الطَّحَاوُّ: خَطَبَ عمرُ فَنَهَى عن المتعة، ونَقَلَ ذلك عن
النبيّ وَّه، فلم يُنكِرِ عليه ذلك مُنكِرٍ، وفي هذا دليل على مُتَابَعِتهم له على ما نَهَى عنه(١).
وأمَّا أبو سعيد فأخرج عبد الرَّزّاق (١٤٠٢٢) عن ابن جُرَيج: أنَّ عطاء قال: أخبرني
مَن شِئتُ عن أبي سعيد قال: لقد كان أحدنا يَستَمتِعِ بمِلءِ القَدَحِ سَوِيقاً، وهذا معَ كَونِه
ضعيفاً للجهلِ بأحدٍ رواته، ليس فيه التَّصريحُ بأنَّه كان بعد النبيّ ◌َّهِ.
وأمَّا ابنُ عبّاس فتقدَّم النَّقُلُ عنه والاختلاف هل رَجَعَ أو لا؟
وأمَّا سَلَمةُ ومَعبَد فِقِصَّتُهما واحدة اختُلِفَ فيها: هل وَقَعَت لهذا أو لهذا؟ فروى
عبد الرَّزّاق (١٤٠٢٤) بسندٍ صحيح عن عَمْرو بن دينار عن طاووسٍ عن ابن عبّاس قال:
لم يَرُعْ عمرَ إلّا أمُّ أَرَاكة قد خَرَجَتِ حُبلَى، فسألَمَا عمرُ فقالت: استَمْتَعَ بي سَلَمةُ بن أُميَّة،
وأخرج (١٤٠٢٧) من طريق أبي الزُّبَير عن طاووسٍ فسَّه مَعبَد بن أُميَّة.
(١) ذكر ذلك الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٢٧/٣، لكن فيه مكان قوله: ((ونقل ذلك عن النبي)):
بحضرة أصحاب النبي.

٣٤٧
باب ٣٢ / ح ٥١٢٠ - ٥١٢١
كتاب النكاح
وأمَّا جابر فمُستنَده قوله: ((فَعَلْنا)) وقد بيَّتُه قبلُ (٥١١٧)، ووَقَعَ في رواية أبي نَضْرة
عن جابر عند مسلم (١٧/١٤٠٥): فنَهانا عمرُ فلم نفعله بعدُ، فإن كان قوله: ((فعَلنا» یَعُمّ
جميع الصَّحابة فقوله: ((ثُمَّ لم نَعُدْ)) يَعُمّ جميع الصَّحابة فيكون إجماعاً، وقد ظَهَرَ أنَّ مُستنَدَه
الأحاديثُ الصَّحيحة التي بَيِّنَّاها.
وأمَّا عَمْرو بن حُرَيثٍ، وكذا قوله: ((رواه جابر عن جميع الصَّحابة))، فعجيبٌ، وإنَّما
قال جابر: ((فَعَلْناها))، وذلك لا يقتضي تعميمَ جميع الصَّحابة بل يَصدُق على فِعْل نفسه
وحدَه، وأمَّا ما ذكره عن التابعينَ فهو عند عبد الرَّزّاق عنهم بأسانيد صحيحة، وقد
ثَبَتَ عن جابر عند مسلم: فعلناها معَ رسول الله وَّهِ ثمَّ نَهَانا عمرُ فلم نَعُدْ لها؛ فهذا
يَرُدّ عَدَّه جابراً فيمَن ثَبَتَ على تحليلها، وقد اعتَرَفَ ابن حَزْم مع ذلك بتحريمِها
لُبوتٍ قوله وَّ: ((إنَّهَا حَرامٌ إلى يوم القيامة))(١)، قال: فأمِنًا بهذا القول نَسْخَ الَّحريم،
والله أعلم.
٣٢- باب عَرْض المرأة نفْسَها على الرّجل الصالح
٥١٢٠- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا مَرْ حومٌ، قال: سمعتُ ثابتاً البُنانيَّ، قال: كنتُ عندَ
أنسٍ وعندَه ابنةٌ له، قال أنس: جاءتِ امرأةٌ إلى رسولِ الله ◌َّ تَعْرِضُ علیه نفسها، قالت: يا
رسولَ الله، ألَكَ بي حاجةٌ؟ فقالت بنتُ أنسٍ: ما أقلَّ حَيَاءَها، واسَوْأَتَاهْ، واسَوْأَتَاهْ، قال: هي
خيرٌ مِنْكِ، رَغِبَت في النبيِّ ◌َّ فِعَرَضَت عليه نفسَها.
[طرفه في: ٦١٢٣]
٥١٢١ - حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، حدَّثنا أبو غَسّانَ، قال: حدَّثني أبو حازِمِ، عن سَهْلٍ: ١٧٥/٩
أنَّ امرأةً عَرَضَت نفسَها على النبيِّ ◌َّهِ، فقال له رجلٌ: يا رسولَ الله، زَوِّجْنِيها، فقال: ((ما
عندَكَ؟)) قال ما عندي شيءٌ. قال: ((اذهب فالتَمِسْ ولو خاتماً من حديدٍ)). فذهب ثمَّ رَجَعَ،
فقال: لا والله ما وَجَدْتُ شيئاً، ولا خاتَماً من حديدٍ، ولكن هذا إزاري ولها نِصْفُه - قال سهلٌ:
(١) وهو عند مسلم (١٤٠٦) (٢١) من حديث سَبْرة بن معبد.

٣٤٨
باب ٣٢ / ح ٥١٢١
فتح الباري بشرح البخاري
وما له رِداءٌ - فقال النبيُّ ◌َِّ: ((وما تَصْنَعُ بإزارِكَ؟ إن لَبِسْتَه لم يكن عليها منه شيءٌ، وإن لَبِسَتْه
لم يكن عليكَ منه شيءٌ».
فجَلَسَ الرجلُ، حتَّى إذا طالَ مَجَلِسُه قامَ، فرآه النبيُّ نَّهِ فِدَعاه - أو دُعِيَ له - فقال له:
((ماذا مَعَكَ منَ القرآنِ؟)) فقال: معي سورةُ كذا، وسورةُ كذا - لِسوَرٍ يُعَدِّدُها - فقال النبيُّ ◌ِلّ:
((أمَلَكْناكَها بما مَعَكَ منَ القرآنِ».
قوله: ((باب عَرْض المرأة نفسَها على الرجل الصالح)) قال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): من
لطائف البخاريّ أنَّه لمَّا علم الخَصُوصيَّة في قصَّة الواهبة استَنْبَطَ من الحديث ما لا
خَصُوصيّة فيه، وهو جواز عَرضِ المرأة نفسها على الرجل الصالح رغبةً في صلاحه، فيجوز لها
ذلك، وإذا رَغِبَ فيها تزوَّجَها بشرطِهِ.
قوله: ((حدَّثْنا مَرْحوم)) زاد أبو ذَرِّ: ((ابن عبد العزيز بن مهرانَ)) وهو بصريّ مولى آل أبي
سفيان، ثقة ماتَ سنة سبع وثمانينَ ومئة، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وقد
أو رَدَه عنه في كتاب الأدب أيضاً (٦١٢٣)، وذكر البزَّار أنَّه تفرَّد به عن ثابت.
قوله: ((وعنده ابنةٌ له)) لم أقِفْ على اسمها، وأظنّها أُمَينة، بالتَّصغيرِ.
قوله: ((جاءت أمرَأة)» لم أقِفْ على تعيينِها، وأشبَه مَن رأيت بقِصَّتِها ممَّن تقدَّم ذِكرُ
اسمِهِنَّ في الواهبات: ليلى بنت(١) قيس بن الخَطِيم، ويظهر لي أنَّ صاحبة هذه القصّة غيرُ
التي في حديث سَهْلٍ.
قوله: («واسَوْأتاهْ واسَوْأتاهُ(٢)) أصل السَّوْءة - وهي بفتح المهمَلة وسكون الواو بعدها
همزة -: الفعلة القبيحة، وتُطلَق على الفَرْج، والمراد هنا: الأوَّل، والألف للتُّدبة، والهاء
للسَّكتِ.
(١) كذا في الأصلين و(س)، وهو خطأ، والصواب: ليلى أخت قيس بن الخطيم، انظر ((الطبقات الكبرى))
لابن سعد ١٥٠/٨ و٣٣٧، و ((الإصابة)) لابن حجر ٣٠٣/٨.
(٢) ((واسوْأتاه)) الثانية سقطت من (س)، وأثبتناها من الأصلين.

٣٤٩
باب ٣٣ / ح ٥١٢٢-٥١٢٣
كتاب النكاح
ثمَّ ذكر المصنِّف حديث سهل بن سعد في قصَّة الواهبة مُطوَّلاً، وسيأتي شرحُه بعد ستّة
عشر باباً (٥١٤٩).
وفي الحديثَينِ جواز عَرضِ المرأة نفسها على الرجل وتعريفه رغبتها فيه، وأن لا غَضَاضة
عليها في ذلك، وأنَّ الذي تَعرِض المرأة نفسها عليه بالاختيار، لكن لا ينبغي أن يُصرِّح لها
بالردِّ بل يكفي السُّكوت.
وقال المهلَّب: فيه أنَّ على الرجل أن لا يَنكِحها إلّا إذا وجَدَ في نفسه رغبة فيها، ولذلك
صَعَّدَ النَّظَر فيها وصَوَّبه، انتهى. وليس في القصّة دلالة لما ذكره، قال: وفيه جواز سُكوت
العالم ومَن سُئلَ حاجة إذا لم يُرِدِ الإسعاف، وأنَّ ذلك ألْيَن في صَرفِ السائل وآدَبُ من
الردّ بالقولِ.
٣٣ - باب عَرْض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير
٥١٢٢- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحِ بنِ كَيْسانَ،
عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني سالمُ بنُ عبدِ الله أنَّه سمعَ عبدَ الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما
يُحدِّثُ: أنَّ عمرَ بنَ الخطَّبِ حينَ تَأيَّمَت حفصةُ بنتُ عمرَ من خُنَيسِ بنِ حُذَافَةَ السَّهْميِّ
- وكان من أصحاب رسولِ الله ◌ِّهِ فتُوفِّيَ بالمدينة - فقال عمرُ بنُ الخطّاب: أتيتُ عثمانَ بنَ
عَفّانَ فَعَرَضْتُ عليه حفصةَ، فقال: سَأنظُرُ في أمري، فلَبِتُ ليالِيَ ثُمَّ لَقِيَتي، فقال: قد/ بَدَا لي ١٧٦/٩
أن لا أنزَوَّجَ يومِيَ هذا. قال عمرُ: فلَقِيتُ أبا بَكْرِ الصِّدّيقَ، فقلتُ: إن شئتَ زَوَّجْتُكَ حفصةَ
بنتَ عمرَ، فصَمَتَ أبو بكرٍ فلم يَرجِعْ إليَّ شيئاً، وكنتُ أوْجَدَ عليه منّي على عُثْمَانَ، فلَبْتُ
لَيَالِيَ ثُمَّ خَطَبَها رسولُ الله ◌َِّ، فأنكَحْتُها إيّاه، فَلَقِيَتي أبو بكرٍ فقال: لقد وَجَدْتَ عليَّ حينَ
عَرَضْتَ عليَّ حفصةَ فلم أَرجِعْ إليكَ شيئاً؟ قال عمرُ: قلتُ: نعم، قال أبو بكرٍ: فإنَّه لم يَمْنَعْني
أن أَرجِعَ إليكَ فيما عَرَضْتَ عليّ إلّا أنّي كنتُ علمتُ أنَّ رسولَ الله ◌ُ لآل قد ذكرها، فلم اكُن
لِأَفْشِيَ سِرَّ رسولِ اللهِوَ ◌ّةِ، ولو تَرَكَها رسولُ اللهِّ قَبِلتُها.
٥١٢٣- حدَّثْنَا قُتَيِيةُ، حدَّثنا اللَّيْثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن عِراكِ بنِ مالكٍ، أنَّ زينبَ

٣٥٠
باب ٣٣ / ح ٥١٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
ابنةً أبي سَلَمَةَ أخبَرَتْه، أنَّ أَمَّ حبيبةَ قالت لِرسولِ الله وَّةِ: إنّا قد تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ ناكِحٌ دُرّةَ بنتَ أبي
سَلَمَةَ، فقال رسولُ الله ◌َّةِ: ((أَعَلى أمِّ سَلَمَةَ؟ لو لم أنكِحْ أمَّ سَلَمَةَ ما حَلَّت لي، إنَّ أباها أخي
منَ الرَّضاعةِ)).
قوله: ((باب عَرْض الإنسان ابنتَه أو أُختَه على أهل الخير)) أورَدَ عَرْضَ البنت في الحديث
الأوَّل، وعَرْضَ الأُخت في الحديث الثاني.
قوله: ((حين تَأيَّمَت)) بهمزةٍ مفتوحة وتحتانيَّة ثقيلة، أي: صارت أيِّماً، وهي التي يموت
زوجها أو تَبِين منه، وتَنقَضي عِدَّتها، وأكثر ما تُطلَق على مَن ماتَ زوجها. وقال ابن بَطّال:
العرب تُطلِقٍ على كلّ امرأة لا زوج لها وكلّ رجل لا امرأة له: أيِّ، زاد في ((المشارق)):
وإن كان بِكْراً. وسيأتي مزيد لهذا في ((باب لا يُنكِح الأب وغيرُه البِكرَ ولا القَّيِّبَ إلّا
برِضاها))(١).
قوله: ((من خُنَيس)) بخاءِ مُعجَمة ونون وسين مُهمَلة مُصفَّر.
قوله: ((ابن حُذافة)) عند أحمد (٧٤) عن عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن ابن شِهاب - وهي
رواية يونس عن الزّهْريّ _(٢): ((ابن حُذافة أو حُذَيفة)) والصَّواب: حُذافة، وهو أخو
عبد الله بن حُذافة الذي تقدَّم ذِكرُه في المغازي (٤٠٠٥). ومن الرُّواة من فتَحَ أوَّل
(خُنَيَس)) وكَسَرَ ثانيه، والأوَّل هو المشهور بالتَّصغيرِ، وعند مَعمَر كالأوَّل، لكن بحاءٍ
مُهمَلة وموخَّدة وشينٍ مُعجَمة. وقال الدَّارَ قُطنيُّ: اختُلِفَ على عبد الرَّزّاق، فُرُوِيَ عنه
على الصَّواب ورُوِيَ عنه بالشكِّ.
قوله: ((وكان من أصحاب النبيّ وَّ﴿) زاد في رواية مَعمَر كما سيأتي بعد أبواب (٥١٢٩):
«من أهل بدر)).
(١) ورقم هذا الباب (٤٢).
(٢) رواية يونس عن الزهري أشار إليها البخاري بإثر الحديث (٥١٤٥)، ووصلها الطبراني في ((الكبير))
٢٣/ (٣٠٢) لكنه لم يذكر لفظها وإنما لفظ رواية موسى بن عقبة وابن أبي عتيق، وعندهما: ((خنيس بن
حذافة)) بدون شك، کروایة صالح بن کیسان هذه.

٣٥١
باب ٣٣ / ح ٥١٢٣
كتاب النكاح
قوله: ((فتُوُلِّ بالمدينةِ)) قالوا: ماتَ بعد غزوة أُحُدٍ من چِراحَة أصابته بها، وقيل: بل بعد
بدر، ولعلَّه أولى، فإنَّهم قالوا: إنَّ النبيّ ◌َّه تزوَّجَها بعد خمسة وعشرينَ شهراً من الهجرة،
وفي رواية: بعد ثلاثينَ شهراً، وفي روايةٍ: بعد عشرينَ شهراً، وكانت أُحُد بعد أكثرَ(١) من
ثلاثينَ شهراً، ولكنَّه يَصِحّ على قول مَن قال: بعد ثلاثينَ على إلغاء الكسر، وجَزَمَ ابن سعد:
بأنَّه ماتَ عَقِب قُدُوم النبيّ وَّ من بدر، وبه جَزَمَ ابن سَيِّد الناس، ووَهَى(٢) قول ابن عبد البَرّ:
إِنَّه شَهِدَ أُحُداً وماتَ من جِراحةٍ بها، وكانت حفصة أسَنّ من أخيها عبد الله، فإنَّهَا وُلِدَت قبل
البعثة بخمسٍ سنين، وعبد الله وُلِد بعد البِعْثة بثلاثٍ أو أربع.
قوله: ((فقال عمر بن الخطّاب)) أعادَ ذلك لوقوع الفَصل، وإلّا فقوله أوَّلاً: «إنَّ عمر بن
الخطَّب)) لا بدَّ له من تقدير: قال، ووَقَعَ في رواية مَعمَر عند النَّسائيِّ (٣٢٤٨) وأحمد (٧٤):
عن ابن عمر عن عمر قال: تأيَّمَت حفصة.
قوله: «أتيتُ عُثْمان فعَرَضْتُ عليه حفصة؟ فقال: سَأنظُرُ في أمري» إلى أن قال: «قد بدا لي
أن لا أنزَوَّج)) هذا هو الصَّحيح، ووَقَعَ في رواية رِبعيّ/بن حِراش عن عثمان عند الطََّريِّ، ١٧٧/٩
وصَحَّحَه هو والحاكم (١٠٦/٣- ١٠٧): أنَّ عثمان خَطَبَ إلى عمر بنته فرَدَّه، فبَلَغَ ذلك
النبيّ ◌َلّ، فلمَّا راحَ إليه عمر قال: ((يا عمر ألا أدلك على خَتَنِ خير من عثمان، وأدُلُّ عثمان
على خَتَنٍ خير مِنك؟)) قال: نعم يا نبيّ الله. قال: ((تُزَوِّجني بنتك وأُزَوِّج عثمان بنتي)) قال
الحافظ الضّياء: إسناده لا بأس به، لكن في ((الصَّحيح)): أنَّ عمر عَرَضَ على عثمان حفصة،
فَرَدَّ عليه: قد بَدَا لي أن لا أتزوَّجَ.
قلت: أخرج ابن سعد (٨٢/٨-٨٣) من مُرسَل الحسن نحو حديث رِبعيّ، ومن مُرسَل
سعيد بن المسيّب أتمّ منه (٨٣/٨)، وزاد في آخره: ((فخارَ الله لهما جميعاً)). ويحتمل في الجمع
بينهما: أن يكون عثمان خَطَبَ أوَّلاً إلى عمر، فَرَدَّه كما في رواية رِبْعيّ، وسبب رَدّه يحتمل أن
(١) في (س): ((بعد بدر بأكثر)) وهو خطأ، والمثبت من الأصلين وهو الصواب، فأُحد بعد أكثر من ثلاثين
شهراً من الهجرة وليس من بدر.
(٢) تحرَّفت في (س) إلى: وهو.

٣٥٢
باب ٣٣ / ح ٥١٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
يكون من جِهَتها، وهي أنَّها لم تَرغَب في التزوّج عن قُربٍ من وفاة زوجها، ويحتمل غير
ذلك من الأسباب التي لا غَضَاضَة فيها على عثمان في رَدّ عمر له، ثمَّ لمَّ ارتَفَعَ السَّبَب بادَرَ عمر
فعَرَضَها على عثمان رِعایةً خاطِره كما في حديث الباب، ولعلَّ عثمان بَلَغَه ما بَلَغَ أبا بكر من ذِكْر
النبيّ وَّ لها، فصَنَعَ كما صَنَعَ من تَركِ إفشاء ذلك، ورَدَّ على عمر بجميلِ.
ووَقَعَ في رواية ابن سعد (٨/ ٨١-٨٢): فقال عثمان: ما لي في النِّساء من حاجة. وذكر
ابن سعد (٨٣/٨) عن الواقديِّ بسندٍ له: أنَّ عمر عَرَضَ حفصة على عثمان حين تُوُقِيت
رُقَيَّة بنتُ رسول الله وَّهِ وعثمانُ يومئذٍ يريد أمَّ كُلثوم بنتَ النبيّ ◌ََِّ.
قلت: وهذا ممّا يُؤيِّد أنَّ موت خُنَيس كان بعد بدر، فإنَّ رُقَيَّة ماتت لَيَالِيَ بدر، وتَخَلَّفَ
عثمان عن بدر لتَمريضِها. وقد أخرج إسحاق في ((مُسنَده))، وابن سعد (٨٢/٨) من مُرسَل
سعيد بن المسيّب قال: تأيَّمَت حفصة من زوجها، وتأيَّمَ عثمان من رُقَيَّة، فمرَّ عمر بعثمان
وهو حَزِينٌ، فقال: هل لك في حفصة؟ فقد انقَضَت عِدَّتها من فلان. واستُشكِلَ أيضاً بأنَّه
لو كان ماتَ بعد أُحُد لَلَزِمَ أن لا تَنْقَضي ◌ِدَّتها إلّا في سنة أربع، وأُجيبَ: باحتمال أن تكون
وضَعَت عَقِب وفاته ولو سَقْطاً، فحَلَّت.
قوله: ((سَأَنظُرُ في أمري)) أي: أتفَكَّر، ويُستَعمَلِ النَّظَر أيضاً بمعنى الرَّأفة (١)، لكن
تَعدیَته باللّام، وبمعنى الرُّؤية وهو الأصل ويُعَدَّی بإلى، وقد يأتي بغير صِلة وهو بمعنى
الانتظار.
قوله: ((قال عمر: فلَقيتُ أبا بكر)) هذا يُشعِر بأنَّه عَقِب رَدّ عثمان له، عَرَضَها على أبي
بکر.
قوله: ((فصَمَتَ أبو بكر)) أي: سَكَتَ وزناً ومعنَى، وقوله بعد ذلك: ((فلم يرجع إليَّ
شيئاً)) تأكيد لرفع المجاز، لاحتمال أن يُظَنّ أنَّه صَمَتَ زماناً ثمَّ تَكلَّمَ، وهو بفتح الياء من
((یرجِع)).
(١) في (ع): ((المراقبة)) بدل ((الرأفة))، والمثبت من (أ) و(س).

٣٥٣
باب ٣٣ / ح ٥١٢٣
كتاب النكاح
قوله: ((وكنت أوجَدَ عليه)) أي: أشدّ مَوجِدةً، أي: غَضَباً على أبي بكر من غَضَبي على
عثمان، وذلك لأمرَينِ: أحدهما: ما كان بينهما من أكيد الموَدّة، ولأنَّ النبيّ ◌َّ كان آخَى
بينهما، وأمَّا عثمان فلعلَّه كان تقدَّم من عُمرَ رَدُّه فلم يَعتَبْ عليه، حيثُ لم يُجِبِه لمَا سَبَقَ منه
في حَقّه، والثّاني: لكَونِ عثمان أجابَه أوَّلاً ثمَّ اعتَذَرَ له ثانياً، ولِكَونِ أبي بكر لم يُعِد عليه
جواباً. ووَقَعَ في رواية ابن سعد (٨/ ٨١- ٨٢): ((فغَضِبَ على أبي بكر)) وقال فيها: كنتُ
أشدَّ غَضَباً حين سَكَتَّ منّي على عثمان.
قوله: ((لقد وَجَدْتَ عليَّ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((لعلَّك وَجَدتَ)) وهي أوجَه.
قوله: ((فلم أرجع)) بكسرِ الجيم، أي: أُعِد عليك الجواب.
قوله: ((إلّا أنّي كنتُ علمْتُ أنَّ رسول الله وَّةٍ قد ذَكَرها)» في رواية ابن سعد (٨١/٨-٨٢):
فقال أبو بكر: إنَّ النبيّ وَّل قد كان ذكر منها شيئاً وكان سِرّاً.
قوله: ((فلم أكن لأَفْشِيَ سِرّ رسول الله وَّ)) في رواية ابن سعد: وكرهتُ أن أُفشِيَ سِرّ
و
رسول الله گچ.
قوله: «ولو تَرَكَها رسول الله وَلَه قبلْتُها)» في رواية مَعمَر المذكورة(١): ((نكَحتُها»، وفيه أَنَّه
لولا هذا العُذر لَقبلها، فيُستَفاد منه عُذره في كونه لم يَقُل كما قال عثمان: قد بَدَا لي أن لا
أَتَزَوَّج، وفيه فضلُ كِتمان السِّ، فإذا أظهَره صاحبَه ارتَفَعَ الخَرَج عمَّن سمعَه.
وفيه عِتاب الرجل لأخيه، وعَتَبه عليه واعتذاره إليه، وقد جُبلَت الطِّباع البشريَّة على
ذلك، ويحتمل أن يكون سبب كِتمان أبي بكر ذلك: أنَّه خَشِيَ أن يَبدُوَ لرسولِ الله وَّةٍ/ أن ١٧٨/٩
لا يَتزوَّجها، فيقع في قلب عمر انكِسار، ولعلَّ اطّلاع أبي بكر على أنَّ النبيّ ◌َّلْ قَصَدَ خِطبة
حفصة كان بإخباره له وَّة، إمّا على سبيل الاستشارة وإمّا لأنَّه كان لا يَكتُم عنه شيئاً ممَّاً
يريده، حتَّى ولو كان فيها في العادة عليه غَضَاضة، وهو كَونُ ابنَته عائشة عنده، ولم يَمنَعه
ذلك من إطلاعه على ما يريد لوثوقِه بإيثاره إيّاه على نفسه، ولهذا اطَّلَعَ أبو بكر على ذلك
(١) عند أحمد في «مسنده)) (٧٤).

٣٥٤
باب ٣٣ / ح ٥١٢٣
فتح الباري بشرح البخاري
قبل اطّلاع عمر الذي يقع الكلام معه في الخِطبة.
ويُؤخَذ منه أنَّ الصَّغير لا ينبغي له أن يَخِطُب امرأة أراد الكبير أن يَتزوَّجها، ولو لم تقع
الخِطبة فضلاً عن الرُّكون.
وفيه الرُّخصة في تزويج مَن عَرَّضَ النبيّ وَّهِ بِخِطِبَتِها، أو أراد أن يَتزوَّجها لقولٍ
الصِّدّيق: لو تَرَكَها لَقبلتُها.
وفيه عَرْض الإنسانِ بنتَه وغيرها من مَوْلِيّاته على مَن يُعتَقَد خيرُه وصَلاحُه، لمَا فيه
من النَّفع العائد عليها وعلى المعروضة عليه، وأنَّه لا استحياء في ذلك.
وفيه أنَّه لا بأس بعَرْضِها عليه ولو كان مُتزوِّجاً، لأنَّ أبا بكر كان حينئذٍ مُتزوِّجاً.
وفيه أنَّ مَن حَلَفَ لا يُفشي سِرَّ فلان، فأفشَى فلان سِرَّ نفسِه ثمَّ تَحَدَّث به الحالف، لا
يَجِنَث، لأنَّ صاحب السِّ هو الذي أفشاه، فلم يكن الإفشاء من قِبَل الحالف، وهذا بخلاف ما
لو حدَّث واحدٌ آخرَ بشيءٍ، واستَحلَفَه لَيتكتُمنَّه، فَلَقيَه رجل فذكر له أنَّ صاحب الحديث
حدَّثه بمثل ما حدَّثه به، فأظهَرِ التَّعَجُّب وقال: ما ظَنَنت أنَّه حدَّث بذلك غيري، فإنَّ هذا
يَحْنَث، لأنَّ تَحليفه وَقَعَ على أنَّه يَكتُم أنَّه حدَّثه، وقد أفشاه.
وفيه أنَّ الأَب يُطَب إليه بنتُهُ الشَّيِّب كما يُخْطَب إليه البِكر، ولا تَخْطُّب إلى نفسها، كذا
قال ابن بَطّال، وقوله: ((لا تَخْطُب إلى نفسها)) ليس في الخبر ما يدلّ عليه. قال: وفيه أنَّه
يُزُوِّج بنته الثَّيِّب من غير أن يَستأمِرها إذا علم أنَّها لا تَكرَه ذلك، وكان الخاطِب كُفْؤًا لها،
وليس في الحديث تصريح بالنَّفي المذكور إلّا أنَّه يُؤخَذ من غيره، وقد تَرجَمَ له النَّسائيُّ:
((إنكاح الرجل بنتَه الكبيرةَ)) (٣٢٥٩) فإن أراد بالرِّضا، لم يُخالِف القواعد، وإن أراد
بالإجبار، فقد يُمنَع، والله أعلم.
ثمَّ ذكر المصنّف طَرَفاً من حديث أمّ حبيبة في قصَّة بنت أمّ سَلَمةَ، وقد تقدَّم شرحه
قريباً (٥١٠١)، ولم يَذكُر فيه هنا مقصود التَرجمة استغناء بالإشارة، وهو قولها: ((انكِح
أُختي بنت أبي سفيان)»، والله أعلم.

٣٥٥
باب ٣٤ / ح ٥١٢٤
كتاب النكاح
٣٤- باب قولِ الله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ﴾
الآية إلى قوله: ﴿غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]: أضمَرتُم، وكلِّ شيءٍ صُنتَه وأضمرتَه فهو
مَکنونٌ.
٥١٢٤- وقال لي طَلْقٌ: حدَّثنا زائدةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: ﴿فِيمَا
عَرَّضْتُمْ﴾ يقول: إنّ أُرِيدُ التَّزْوِيجَ، ولَوَ دِدْتُ أنَّه يُبَسَّر لي امرأةٌ صالحٌ.
وقال القاسمُ: يقول: إِنَّكِ عليَّ لَكَرِيمةٌ، وإنّي فيكِ لَراغِبٌ، وإِنَّ اللهَ لَسائقٌ إليكِ خيراً، أو
نحوَ هذا.
وقال عطاءٌ: يُعرِّضُ ولا يَبوحُ، يقول: إنَّ لي حاجةً، وأبشِري، وأنتِ بحَمْدِ الله نافِقةٌ،
وتقولُ هي: قد أسمَعُ ما تقولُ. ولا تَعِدُ شيئاً، ولا يواعدُ ولِيُّها بغيرِ عِلْمِها، وإن واعَدَت
رجلاً في عِدَّتِها ثمَّ نَكَحَها بَعْدُ لم يُفرَّق بينَهما.
وقال الحسنُ: ﴿لَّا تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرًّا ﴾: الزّنى.
ويُذكَرُ عن ابنِ عبَّاسٍ: ﴿حَّى يَبْلُغَ الْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾: انقضاء العِدّة.
قوله: ((باب قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ الْنِسَآءِ أَوْ
أَكْتَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمَّ عَلِمَ اللَّهُ﴾ الآية/ إلى قوله: ﴿غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥])) كذا للأكثر، ١٧٩/٩
وحُذِفَ ما بعد: ((أكنَنتُم)» من رواية أبي ذرٍّ، ووَقَعَ في ((شرح ابن بَطّال)) سياق الآية والتي
بعدها إلى قوله: ((أجَله)) الآية. قال ابن التِّين: تَضَمَّنَت الآية أربعة أحكام: اثنان مُباحان:
التَّعريض والإكنان، واثنان ممنوعان: النِّكاح في العِدّة والمواعَدة فيها.
قوله: «أضْمَرْتُم في أنفُسكُم، وكلّ شيء صُنْته وأضْمَرْته فهو مَكْنون)) كذا للجميع، وعند
أبي ذرِّ بعده: إلى آخر الآية. والتَّفسير المذكور لأبي عبيدة.
قوله: ((وقال لي طَلْقٌ)) هو ابن غَنّام، بفتح المعجَمة وتشديد النّون.
قوله: ((عن ابن عبّاس: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾)) أي: أنَّه قال في تفسير هذه الآية.

٣٥٦
باب ٣٤ / ح ٥١٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((يقول: إنّ أُرِيدَ التَّزْويج)) إلى آخره، وهو تفسير للتَّعريضِ المذكور في الآية، قال
الزَّتَشَريّ: التَّعريض: أن يَذكُر المتكلِّم شيئاً يدلّ به على شيءٍ لم يَذْكُرُه. وتُعقّبَ بأنَّ هذا
التَّعريف لا يُخْرِج المجاز، وأجابَ سعد الدّين: بأنَّه لم يَقصِد التَّعريف، ثمَّ حَقَّقَ التَّعريض:
بأنَّه ذِكرُ شيء مقصود بلفظ حقيقيّ أو مجازيّ أو كِنائيّ، ليدلّ به على شيء آخر لم يُذكَر في
الكلام، مِثل أن يَذكُر المجيء للتَّسليمِ ومُراده التَّقاضي، فالسَّلام مقصوده، والتَّقاضي
عَرَض، أي: أَميل إليه الكلام عن عُرْضٍ، أي: جانب. وامتازَ عن الكناية فلم يَشتَمِل على
جميع أقسامها. والحاصل: أنَّهما يَتَمِعان ويَفتَرِقان، فمثل: ((جِئت لأُسَلِّم عليك)) كِناية
وتعريض، ومثل: ((طويل النِّجاد)) كِناية لا تعريض، ومثل: ((آذَيتني فسَتَعرِفُ)) - خِطاباً لغير
المؤذي - تعريضُ بتَهديدِ المؤدي، لا کِنایة، انتهى مُلخَّصاً. وهو تحقيق بالغ.
قوله: ((ولَوَدِدْت أَنَّه يَُسَّر)) بضمِّ التَّحتانيَّة وفتح أُخرى مثلها بعدها وفتح المهمَلة، وفي
رواية الكُشْمِيهنيّ: ((يُسِّرَ)) بتحتانيَّةٍ واحدة وكسر المهمَلة، وهكذا اقتَصَرَ المصنّف في هذا
الباب على حديث ابن عبَّاس الموقوف. وفي الباب حديث صحيح مرفوع وهو قوله وَل
لفاطمة بنت قيس: ((إذا حَلَلتِ فآذِنيني))، وهو عند مسلم (٤٧/١٤٨٠)، وفي لفظ: ((لا
تُفَوِّتينا بنفسِك)) أخرجه أبو داودَ (٢٢٨٧).
واتَّفَقَ العلماء على أنَّ المراد بهذا الحُكم مَن ماتَ عنها زوجها، واختَلَفوا في المعتَدّة في
الطَّلاق البائن، وكذا مَن وُقِفَ نِكاحها، وأمَّا الرَّجعيَّة فقال الشافعيّ: لا يجوز لأحدٍ أن
يُعرِّض لها بالخِطبة فيها. والحاصل: أنَّ التصريح بالخِطبة حَرام لجميع المعتَدّات،
والتَّعريض مُباح للأولى، حرام في الأخيرة، مُتَلَف فيه في البائن.
قوله: ((وقال القاسم)) يعني: ابن محمَّد ((إِنَّكِ عليَّ لَكريمةٌ)) أي: يقول ذلك، وهو تفسیر
آخر للتَّعريضِ، وكلّها أمثلة، ولهذا قال في آخره: ((أو نحو هذا». وهذا الأثر وصَلَه مالك
(٥٢٤/٢) عن عبد الرَّحمن بن القاسم عن أبيه: أنَّه كان يقول في قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [البقرة: ٢٣٥]: أن يقول الرجل للمرأة وهي
في عِدَّتها من وفاة زوجها: إنَّك .. إلى آخره.

٣٥٧
باب ٣٤ / ح ٥١٢٤
كتاب النكاح
وقوله في الأمثلة: ((إنّ فيك لَراغِب)) يدلّ على أنَّ تصريحه بالرَّغبة فيها لا يَمْتَنِعِ، ولا
يكون صريحاً في خطبتها حتَّى يُصرِّح بمُتعلِّقِ الرَّغبة، كأن يقول: إنّي في نِكاحك لَراغِب،
وقد نَصَّ الشافعيّ على أنَّ ذلك من صوَر التَّعريض - أعني ما ذكره القاسم - وأمَّا ما
مَثَّلت به فحكى الرُّويَانيّ فيه وجهاً، وعَبَّرَ النَّوَويّ في ((الرَّوضة)) بقولِه: رُبّ راغِب فيك،
فأوهَمَ أنَّه لا يُصرّح بالرَّغبة مُطلَقاً، وليس كذلك.
وأخرج البيهقيُّ (٧/ ١٧٨-١٧٩) من طريق مجاهد من صُوَر التَّصريح: لا تَسِقيني
بنفسِك فإنّ ناكِحُك، ولو لم يَقُل: فإنّي ناكِحك فهو من صوَر التَّعريض، لحديثٍ فاطمة
بنت قيس كما بيَّنته قريباً. وقد ذكر الرّافعيّ من صُوَر التَّصريح: لا تُفَوِّتي عليَّ نفسَك،
وتَعقَبوه. وروى الدَّارَ قُطنيُّ (٣٥٢٨) من طريق عبد الرَّحمن بن سليمان بن الغَسيل عن
عَمَّته سُكَينة قالت: استأذَنَ عليَّ أبو جعفر محمَّد بن عليّ بن الحسين ولم تَنقَضِ عِدَّتي من
مَهلِك زوجي، فقال: قد عَرَفتِ قَرابَتي من رسول الله وَِّ ومن عليٍّ، وموضعي في العرب،
فقلت: غَفَرَ الله لك يا أبا جعفر، أنتَ رجل يُؤْخَذ عنك، تَخْطُبني في عِدَّني؟ قال: إنَّما أخبَرَتُك
بقَرابَتي من رسول الله وَلا/ ومن عليٍّ.
١٨٠/٩
قوله: ((وقال عطاء: يُعرِّض ولا يَبوح)) أي: لا يُصرِّح ((يقول: إنَّ لي حاجة، وأبشِري)) .
قوله: ((نافِقة)) بنونٍ وفاء وقاف، أي: رايجة، بالتَّحتانيَّة والجيم.
قوله: ((ولا تَعِدُ شيئاً)) بكسرِ المهمَلة وتخفيف الدَّال، وأثر عطاء هذا وصَلَه عبد الرَّزّاق
(٢٢١٥٠) عن ابن جُرَيج عنه مُفرَّقاً، وأخرجه الطََّرِيُّ (٥١٨/٢) من طريق ابن المبارك
عن ابن جُرَيج، قال: قلت لعطاءٍ: كيفَ يقول الخاطِب؟ قال: يُعرِّض تعريضاً ولا يَبوحُ
بشيءٍ، فذكر مثله إلى قوله: ولا تَعِدُ شيئاً.
قوله: ((وإن واعَدَتْ رجلاً في عِدَّتها ثمَّ نَكَحَها)) أي: تزوَّجَها (بَعْدُ)) أي: عند انقضاء العِدّة (لم
يُفرَّق بينهما)) أي: لم يَقْدَح ذلك في صِحّة النِّكاح وإن وَقَعَ الإثم. وذكر عبد الرّزّاق (١٢١٦١)
عن ابن جُرَيج عَقِب أثر عطاء قال: وبَلَغَني عن ابن عبّاس: قال: خيرٌ لك أن تُفارقها.

٣٥٨
باب ٣٤ / ح ٥١٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
واختُلِفَ فيمَن صَرَّحَ بالخِطبة في العِدّة لكن لم يَعقِد إلّا بعد انقضائها: فقال مالك:
يُفارقها دَخَلَ بها أو لم يَدخُل، وقال الشافعيّ: صَحَّ العَقد وإن ارتَكَبَ النَّهيَ بالتَّصريحِ
المذكور لاختلاف الجهة، وقال المهلَّب: عِلّة المنع من التَّصريح في العِدّة: أنَّ ذلك ذَريعة إلى
المواقعة(١) في العِدّة التي هي محبوسة فيها على ماء الميِّت أو المطلِّق، انتهى.
وتُعقّبَ بأنَّ هذه العِلّة تَصلُح أن تكون لمنع العقد لا لمجرَّدِ التَّصريح، إلّا أن يقال: التَّصريح
ذَرِيعَة إلى العَقْدِ والعَقْدِ ذَرِيعَة إلى الوِقاعِ.
وقد اختَلَفوا لو وَقَعَ العَقد في العِدّة ودَخَلَ، فاتَّفَقوا على أنَّه يُفرَّق بينهما. وقال مالك
واللَّيث والأوزاعيُّ: لا يَحِلّ له نِكاحها بعدُ. وقال الباقونَ: بل يَحِلّ له إذا انقَضَت العِدّة أن
یتزوَّجها إذا شاءَ.
قوله: ((وقال الحسن: ﴿لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: الزِّنى)) وصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريق
عِمرانَ بن حُدَير، عنه بلفظه، وأخرجه عبد الرَّزّاق (١٢١٦٨) عن مَعمَر عن قَتَادة عن
الحسن قال: هو الفاحشة. قال قَتَادةُ: قوله: ((سِرّا)) أي: لا تأخُذ عهدَها في عِدَّتها أن لا
تَتزوَّج غيره. وأخرجه إسماعيل القاضي في ((الأحكام)) وقال: هذا أحسن من قول مَن
فَشَّرَه بالزّنى، لأنَّ ما قبلَ الكلام وما بعده لا يدلّ عليه، ويجوز في اللَّغة أن يُسَمَّى الجِماع:
سِّاً، فلذلك يجوز إطلاقه على العَقد، ولا شكَّ أنَّ المواعَدة على ذلك تَزيد على التَّعريض
المأذون فيه، واستُدِلَّ بالآية على أنَّ التَّعريض في القَذف لا يوجِب الحدّ، لأنَّ خِطبة المعتَدّة
حَرامِ، وفَرَّقَ فيها بين التَّصريح والتَّعريض، فمُنِعَ التَّصريح وأُجيزَ التَّعريض، معَ أنَّ المقصود
مفهوم منهما، فكذلك يُفرَّق في إيجاب حَدّ القَذف بين التَّصريح والتَّعريض. واعتَرَضَ ابن
بَطّال فقال: يَلزَمِ الشافعيَّة على هذا أن يقولوا بإباحة التَّعريض بالقَذْفِ، وهذا ليس بلازِمِ،
لأنَّ المراد أنَّ التَّعريض دون التَّصريح في الإفهام، فلا يَلتَحِق به في إيجاب الحدّ، لأنَّ للَّذي
يُعرِّض أن يقول: لم أُرِدِ القَذف، بخِلَاف المصَرِّح.
(١) تحرَّفت في (س) إلى: الموافقة.

٣٥٩
باب ٣٥ / ح ٥١٢٥
كتاب النكاح
قوله: ((ويُذكَر عن ابن عبّاس: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾: انقضاء العِدّة)) وصَلَه الطَّبَرِيُّ
(٢/ ٥٢٧) من طريق عطاء الخُراسانيّ عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ
النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] يقول: حتَّى تَنقَضي العِدّة.
٣٥- باب النّظر إلى المرأة قبل التّزويج
٥١٢٥- حدَّثْنَا مُسَّدٌ، حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها،
قالت: قال لي رسولُ الله وَّ: أُرِيتُكِ في المنامِ نَجِيءُ بكِ الملَكُ في سَرَقةٍ من حَرِيرٍ، فقال لي: هذه
امرأتُكَ، فَكَشَفْتُ عن وَجهِكِ الثَّوْبَ، فإذا أنتِ هي، فقلتُ: إن يَكُ هذا من عندِ اللهِيُمْضِه)).
قوله: ((باب النَّظَر إلى المرأة قبل التَّزْويج)) استنْبَطَ البخاريّ جواز ذلك من حديثَي ١٨١/٩
الباب، لكَونِ التَّصريح الوارد في ذلك ليس على شرطه، وقد وَرَدَ ذلك في أحاديث،
أصحّها: حديث أبي هريرة قال رجل: إنَّه تزوَّجَ امرأة من الأنصار، فقال رسول الله وَ ◌ّ:
((أنظَرتَ إليها؟)) قال: لا، قال: ((فاذهَبْ فانظر إليها، فإنَّ في أعيُن الأنصار شيئاً)) أخرجه
مسلم (١٤٢٤) والنَّسائيُّ (٣٢٣٤)، وفي لفظ له صحيح: ((أنَّ رجلاً أراد أن يَتزوَّج امرأة)»
فذكره. قال الغَزاليّ في «الإحياء)): اختُلِفَ في المراد بقولِه: ((شيئاً)) فقيلَ: عَمَش، وقيل:
صِغَر. قلت: الثّاني وَقَعَ في رواية أبي عَوَانة في («مُستَخرَجه)) (٤٠٣٤) فهو المعتمَد. وهذا
الرجل يحتمل أن يكون المغيرة، فقد أخرج التِّرمِذيَّ (١٠٨٧) والنَّسائيُّ (٣٢٣٥) من
حديثه: أنَّه خَطَبَ امرأة فقال له النبيّ ◌َّهِ: ((انظُر إليها، فإنَّه أحرَى أن يُؤدَم(١) بينكما)»
وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٠٤٣)(٢)، وأخرج أبو داود (٢٠٨٢) والحاكم (٢/ ١٦٥) من حديث
جابر مرفوعاً: ((إذا خَطَبَ أحدكم المرأة، فإن استطاعَ أن يَنظُر إلى ما يَدُوه إلی نِكاحها
فليفعل)) وسندُه حسنٌ، وله شاهد من حديث محمَّد بن مَسلَمةَ، صَخَّحَه ابن حِبّان
(٤٠٤٢) والحاكم (٤٣٤/٣)، وأخرجه أحمد (١٦٠٢٨) وابن ماجه (١٨٦٤)، ومن حديث أبي
حُميدٍ أخرجه أحمد (٢٣٦٠٢) والبزَّار (٣٧١٤).
(١) تحرَّفت في (س) إلى: يدوم.
(٢) لكن من حديث أنس بن مالك.

٣٦٠
باب ٣٥ / ح ٥١٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ ذكر المصنِّف فيه حدیثینِ:
الأول: حديث عائشة.
قوله: ((أُريْتُك)) بضمِّ الهمزة ((في المَنام)) زاد في رواية أبي أسامة في أوائل النِّكاح (٥٠٧٨):
(مرَّتَينِ)).
قوله: ((يَجِيء بكِ الملَك)) وَقَعَ في رواية أبي أسامة: ((إذا رجل يَحمِلُكِ)) فكأنَّ الملَكَ تَثَّل
له حينئذٍ رجلاً. ووقع في رواية ابن حبان (٧٠٩٤) من طريق أخرى عن عائشة: «جاء بي
جِبْريل إلى رسول الله وَلآ)).
قوله: ((فِي سَرَقة من حرير)) السَّرَقة، بفتح المهمَلة والرّاء والقاف: هي القِطعة، ووَقَعَ في
رواية ابن حِبّان (٧٠٩٤): «في خِرْقة حرير»، وقال الدَّاوُوديُّ: السَّرَقة: الثَّوب، فإن أراد
تفسيره هنا فصحيح، وإلّا فالسَّرَقة أعَمُّ. وأغرَبَ المهلَّب فقال: السَّرَقة كالكِلّة (١) أو
كالبُرقُع. وعند الآجُرِّيّ(٢) من وجهٍ آخر عن عائشة: لقد نزل جِبْريل بصورتي في راحَتِه
حين أُمِرَ رسول الله وَّهِ أَن يَتَزوَّ جني. ويُجمَع بين هذا وبين ما قبلَه: بأنَّ المراد أنَّ صورتها
كانت في الخِرْقة، والخِرِقة في راحَتِهِ، ويحتمل أن يكون نزل بالكيفيَّتَينِ، لقولها في نفس
الخبر: نزل مرَّتَينِ.
قوله: ((فكَشَفْتُ عن وَجهِكِ الثَّوْب)) في رواية أبي أُسامة: ((فأكشِفها)» فعَبَّرَ بلفظ
١٨٢/٩ المضارع استحضاراً لصورة الحال./ قال ابن المنيِّر: يحتمل أن يكون رأى منها ما يجوز
للخاطب أن يراه، ويكون الضَّمير في ((أكشِفها)) للسَّرَقة، أي: أكشِفها عن الوجه، وكأنَّه
حَمَلَه على ذلك أنَّ رُؤيا الأنبياء وحيٍّ، وأنَّ عِصمَتَهم في المنام كاليَقَظة. وسيأتي في اللِّباس
(٥٩٥٠) في الكلام على تحريم التَّصوير ما يَتَعلَّق بشيءٍ من هذا، وقال أيضاً: في الاحتجاج
بهذا الحديث للتَّرجمة نظرٌ، لأنَّ عائشة كانت إذ ذاكَ في ◌ِسِنّ الطُّفوليّة، فلا عَوْرةَ فيها البتّةَ،
ولكن يُستأنس به في الجملة في أنَّ النَّظَر إلى المرأة قبل العَقْد فيه مَصلَحةٌ تَرجِع إلى العَقْد.
(١) الكِلّة، بكسر الكاف: السِّتر الرقيق، وغشاء رقيق يُتوقَی به من البعوض.
(٢) في كتاب ((الشريعة)) (١٨٤٧) و(١٩٠١)، وإسناده ضعيف، فلا داعي بعد هذا للجمع المذكور.