Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ باب ٢٠ / ح ٥١٠١ كتاب النكاح فلا تَعْرِضْنَ عليَّ بناتِكُنَّ ولا أخَواتِكُنَّ). قال عُرْوةُ: وتُوَيبةُ مَوْلاَةٌ لأبي لهبٍ، كان أبو لهبٍ أعتَقَها فأرضَعَتِ النبيَّ ◌َِّ، فلمَّا ماتَ أبو لهبٍ أُرِيَه بعضُ أهلِهِ بِشَرِّ حِيبَةٍ، قال له: ماذا لَقِيتَ؟ قال أبو لهبٍ: لم ألقَ بعدَكم غيرَ أنّ سُقِيتُ في هذه بعَتَاقَتِي ثُوَيبةً. [أطرافه في: ٥١٠٦، ٥١٠٧، ٥١٢٣، ٥١٧٢] الحديث الثالث: حديث أمّ حبيبة وهي زوج النبيّ ◌َيّ. قوله: «انکحْ أُختي» أي: تزوَّجْ. قوله: ((بنتَ أبي سُفْيان)) في رواية يزيد بن أبي حبيب عن ابن شِهاب عند مسلم (١٦/١٤٤٩)، والنَّسائيِّ في هذا الحديث(١): انكِحْ أُختي عَزّة بنت أبي سفيان، ولابنِ ماجه (١٩٣٩) من هذا الوجه: انكِحْ أُختي عَزّة، وفي رواية هشام بن عُرْوة عن أبيه في هذا الحديث عند الطبرانيّ (٤١٥/٢٣): أنَّها قالت: يا رسول الله، هل لك في حَمْنة بنت أبي سفيان؟ قال: ((أصنَعُ ماذا؟)) قالت: تَنكِحُها، وقد أخرجه المصنِّف بعد أبواب (٥١٠٦) من رواية هشام لكن لم يُسمِّ بنت أبي سفيان، ولفظه: ((فقال: فأفعَلُ ماذا؟»، وفيه شاهد على جواز تقديم الفعل على ((ما)) الاستفهاميَّة خِلَافاً لمن أنكَرَه من النُّحاة. وعند أبي موسى في ((الذَّيل)»: دُرّة بنت أبي سفيان، وهذا وَقَعَ في رواية الحميديّ/ في ١٤٣/٩ ((مُسنَده)) (٣٠٧) عن سفيان عن هشام، وأخرجه أبو نُعَيم والبيهقيُّ (٧/ ٤٥٣) من طريق الحُميديّ وقالا: أخرجه البخاريّ عن الحميديّ. وهو كما قالا قد أخرجه عنه لكن حَذَفَ هذا الاسم وكأنَّه عَمداً، وكذا وَقَعَ في هذه الرِّواية: ((زينب بنت أمّ سَلَمَةَ) وحَذَفَه البخاريّ أيضاً منها، ثمَّ نَبَّهَ على أنَّ الصَّواب دُرّة، وسيأتي بعد أربعة أبواب (٥١٠٦). وجَزَمَ المنذِريُّ: بأنَّ اسمها حَمْنة كما في الطبرانيِّ (٤١٥/٢٣)، وقال عِيَاض: لا نعلمُ لعَزّة ذِكْراً في بنات أبي سفيان إلّا في رواية يزيد بن أبي حبيب، وقال أبو موسى: الأشهرُ فيها عَزّة. (١) طريق يزيد بن أبي حبيب عند النسائي مختصر برقم (٣٢٨٦) ليس فيه هذا الحرف. ٢٨٢ باب ٢٠ / ح ٥١٠١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أوَتُحِبِّنَ ذلكِ؟!)) هو استفهامٍ تَعَجُّب من كونها تَطلُب أن يَتزوَّجِ غيرَها معَ ما طُبعَ عليه النِّساء من الغَيْرة. قوله: ((لستُّ لك بمُخْلِيةٍ)) بضمٌّ الميم وسكون المعجَمة وكسر اللّام: اسم فاعل من أخلَى يُحْلي، أي: لست بمُنْفَرِدةٍ بك ولا خالية من ضَرّة. وقال بعضهم: هو بوزنِ فاعلِ الإخلاء متعدّياً ولازِماً، من: أخلَيتُ، بمعنى: خَلَوتُ من الضَّرّة، أي: لست بمُتَفرِّغةٍ ولا خالية من ضَرّة، وفي بعض الرِّوايات بفتح اللام بلفظ المفعول، حکاها الکرمانيّ. وقال عِيَاض: مُخُلِية، أي: مُنْفَرِدة، يقال: أَخْلِ أمْرَك وأخْلِ به، أي: انفرد به. وقال صاحب (النّهاية)): معناه: لم أجِدك خالياً من الزَّوجات، وليس هو من قولهم: امرأة مُلية: إذا خَلَت من الأزواج. قوله: ((وأحَبُّ مَن شارَكَني)) مرفوع بالابتداءِ، أي: إليَّ، وفي رواية هشام الآتية قريباً (٥١٠٦): ((مَن شَرِكَني)) بغير ألفٍ، وكذا في الباب الذي بعده، وكذا عند مسلم (١٤٤٩). قوله: ((في خيرٍ)) كذا للأكثرِ بالتَّكير، أي: أيِّ خيرٍ كان، وفي رواية هشام(١): ((في الخير))، قيل: المراد به صُحْبة رسول الله وَله المتضَمِّنة لسَعادة الدَّارَينِ، الساترة لمَا لعلَّه يَعرِض من الغَيْرة التي جَرَت بها العادة بين الزَّوجات، لكن في رواية هشام المذكورة (٥١٠٦): ((وأحَبّ مَن شَرِكَني فيك أختي)) فعُرِفَ أنَّ المراد بالخير ذاتُهُ وَّةِ، ويُحْتَمل أن يتفق المعنَيَان(٢). قوله: ((فإنّا نُحَدَّث)) بضمٍّ أوَّله وفتح الحاء على البناء للمجهولِ، وفي رواية هشام المذكورة (٥١٠٦): قلت: بَلَغَني، وفي رواية عُقَيل في الباب الذي بعدها (٥١٠٧): قلت: يا رسول الله فوالله إنّا لَتحدَّث، وفي رواية زهير عن هشام عند أبي داود (٢٠٥٦): فوالله لقد أُخِرْتُ. (١) عند مسلم (١٤٤٩) (١٥). (٢) قوله: ((ويحتمل أن يتفق المعنيان)) من (ع) وحدها. ٢٨٣ باب ٢٠ / ح ٥١٠١ كتاب النكاح قوله: ((أنَّك تريد أن تَنكِح)) في رواية هشام الآتية: ((بَلَغَني أنَّك تَخْطُب)»، ولم أقِفْ على اسم مَن أَخبر بذلك، ولعلَّه كان من المنافقينَ فإنَّه قد ظَهَرَ أنَّ الخبر لا أصل له، وهذا ممّاً يُستَدَلّ به على ضعف المراسيل. قوله: ((بنت أبي سَلَمَةَ)) في روايةٍ عُقَيل الآتية (٥١٠٧) وكذا أخرجه الطبرانيُّ من طريق ابن أخي الزُّهْريّ عن الزُّهْريّ (٤١٣/٢٣)، ومن طريق مَعمَر عن هشام بن عُرْوة عن أبيه (٤١٨/٢٣)، ومن طريق عِراك عن زينب بنت أمّ سَلَمةَ (٤١٩/٢٣): «دُرّة بنت أبي سَلَمَةَ)) وهي بضمِّ المهمَلة وتشديد الرّاء، وفي رواية حكاها عِيَاض وخَطَّأها بفتح المعجَمة، وعند أبي داود (٢٠٥٦) من طريق هشام عن أبيه عن زينب عن أمّ سَلَمةَ: ((دُرّة أو ذَرّة)) على الشكّ، شكّ زُهَیر راويه عن هشام. ووَقَعَ عند البيهقيِّ (٧/ ٤٥٣) من رواية الحُميديّ عن سفيان عن هشام: ((بَلَغَني أنَّك تَخْطُب زينب بنت أبي سَلَمَةَ))، وقد تقدَّم التَّنبيه على خَطَئِه. ووَقَعَ عند أبي موسى في ((ذَيْل المعرفة)): حَمْنة بنت أبي سَلَمَةَ، وهو خطأ. وقوله: ((بنت أمّ سَلَمةَ؟)) هو استفهام استثباتٍ لرفع الإشكال، أو استفهام إنكار، والمعنى: أنَّها إن كانت بنتَ أبي سَلَمةَ من أمّ سَلَمةً، فیکون تحریمُها من وجھین کما سيأتي بيانه، وإن كانت من غيرها فمن وجه واحد، وكأنَّ أمّ حبيبة لم تَطَّلِعْ على تحريم ذلك، إمّا لأَنَّ ذلك كان قبل نزول آية التَّحريم، وإمّا بعد ذلك وظنَّت أنَّه من خصائص النبيّ وََّ، كذا قال الكِرْمانيّ، والاحتمال الثّاني هو المعتمد، والأوَّل يَدِفَعُه سياقُ الحديث، وكأنَّ أمّ حبيبة استَدَلَّت على جواز الجمع بين الأُختَينِ بجوازِ الجمع بين المرأة وابنتها بطريق الأَولى، لأَنَّ الرّبيبة حَرُمَت على التَّابيد، والأُخت حَرُمَت في صورة الجمع فقط، فأجابَهَا وَلِّ بأنَّ ذلك لا يَحِلّ، وأنَّ الذي بَلَغَها من ذلك ليس بحَقٍّ، وأنََّا تَحُرُم عليه من جِهَتَينِ. قوله: ((لو أنَّها لم تكن / رَبِيبَتي في حَجْري ما حَلَّت لي)) قال القُرطُبيّ: فيه تعليل الحكم ١٤٤/٩ بعِلَّتَيْنِ، فإنَّه عَلَّلَ تحريمها بكونها ربيبةً وبكونها بنتَ أخ من الرَّضاعة. كذا قال، والذي ٢٨٤ باب ٢٠ / ح ٥١٠١ فتح الباري بشرح البخاري يظهر أنَّه نَبَّهَ على أنَّها لو كان بها مانع واحد لكَفَى في التَّحريم، فكيف وبها مانعان، فليس من التَّعليل بعِلَتَيْنِ في شيء، لأنَّ كلّ وصفَينِ يجوز أن يُضاف الحُكم إلى كلٍّ منهما لو انْفَرَدَ، فإمّا أن يَتَعاقَبَا فُيُضاف الحكمُ إلى الأوَّل منهما كما في السَّبَبينِ إذا اجتَمَعا، ومِثالُه: لو أحدَثَ ثمَّ أحدَثَ بغير تَخُلُّل طهارة، فالحَدَث الثّاني لم يعمل شيئاً، أو يُضاف الحكمُ إلى الثّاني كما في اجتماع السَّبَب والمباشَرة، وقد يُضاف إلى أشبَهِهما وأنسَبِهما سواء كان الأوَّل أم الثّاني، فعلى كلّ تقدير لا يُضاف إليهما جميعاً، وإن قُدِّرَ أنَّه يُوجَد فالإضافة إلى المجموع، ويكون كلٌّ منهما جزءً عِلّة لا عِلّةً مُستَقِلّة، فلا تَجَتَمِعُ عِلَّتان على معلول واحد، هذا الذي يظهر، والمسألة مشهورة في الأُصول وفيها خِلَاف، قال القُرطُبيّ: والصَّحيح جوازه لهذا الحدیث وغيره. وفي الحديث إشارة إلى أنَّ التَّحريم بالرَّبيبة أشدُّ من التَّحريم بالرَّضاعة. وقوله: ((رَبيبَتَي)) أي: بنت زوجتي، مُشتَقّة من الرَّبّ: وهو الإصلاح، لأنَّه يقوم بأمرها، وقيل: من التّربية، وهو غَلَطٌ من جهة الاشتقاق. وقوله: ((في حَجْري)) راعَى فيه لفظ الآية وإلّا فلا مفهوم له، كذا عند الجمهور وأنَّه خَرَجَ تَخَرَجَ الغالب، وسيأتي البحث فيه في باب مُفرَد (١). وفي رواية عِرَاك عن زينب بنت أمّ سَلَمةَ عند الطبرانيِّ (٤١٩/٢٣): «لو أنّي لم أنكِحْ أمَّ سَلَمَةَ ما حَلَّت لي، إنَّ أباها أخي من الرَّضاعة))، ووَقَعَ في رواية ابن عُيَينَةَ عن هشام(٢): ((والله لو لم تكن رَبِيبَتَي ما حَلَّت لي)»، فذكر ابنُ حَزْمِ: أنَّ منهم مَن احتجَّ به على أن لا فرقَ بين اشتراط كونها في الحَجْر أو لا، وهو ضعيف لأنَّ القصّة واحدة والذينَ زادوا فيها لفظ: (في حَجْري)) حُفّاظٌ أثبات. قوله: ((أرضَعَتْني وأبا سَلَمَةَ)) أي: وأرضَعَت أبا سَلَمةَ، وهو من تقديم المفعول على الفاعل. (١) في باب رقم (٢٥): باب ﴿وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُمْ﴾. (٢) عند البخاري (٥١٠٦). ٢٨٥ باب ٢٠ / ح ٥١٠١ كتاب النكاح قوله: (ثُوَيبة)) بمُثَلَّثٍ وموخَّدة مُصفَّر، كانت مولاةً لأبي لهب بن عبد المطَّلِب عمِّ النبيّ وَه كما سيأتي في الحديث. قوله: ((فلا تَعْرِضْنَ)) بفتح أوَّله وسكون العين وكسر الرّاء بعدها مُعجَمة ساكنة ثمَّ نون: على الخِطاب لجماعة النِّساء، ويكسر المعجَمة وتشديد النُّون: خِطابٌ لأُمِّ حبيبة وحدها، والأوَّل أو جَهُ. وقال ابن التِّين: ضُبِطَ بضمِّ الضّاد في بعض الأُمَّهات، ولا أعلم له وجهاً، لأنَّه إن كان الخِطاب لجماعة النِّساء - وهو الأبيَن - فهو بسكونِ الضّاد، لأنَّه فعلٌ مُستَقبَل مبنيّ على أصله، ولو أدخلتَ عليه التَّأكيد فشَدَّدتَ النُّون لكان: تَعرِ ضْنَانٌّ، لأنَّه تَجَتَمِع ثلاث نونات فيُفرَّق بينهنَّ بألِفٍ، وإن كان الخطاب لأُمِّ حبيبة خاصّةً فتكون الضّاد مكسورة والنُّون مُشدَّدة. وقال القُرطُبيّ: جاء بلفظ الجمع وإن كانت القصَّة لاثنين وهما أمّ حبيبة وأُمّ سَلَمَةَ، رَدْعاً وزَجْراً أن تعود واحدة منهما أو غيرهما إلى مثل ذلك، وهذا كما لو رأى رجل امرأةً تُكلِّم رجلاً، فقال لها: أتكلِّمينَ الرِّجال؟ فإنَّه مُستَعمَل شائع. وكان لأُمِّ سَلَمَةَ من الأخَوات: قَرِيبة زوج زَمْعة بن الأسوَد، وقَرِيبة الصُّغْرَى زوج عمر ثمَّ معاوية، وعَزّة بنت أبي أُميَّة زوج مُنبِّه بن الحجّاج، ولها من البنات: زينب راوية الخبر، ودُرّة التي قيل: إنَّها مخطوبة. وكان لأُمِّ حَبيبة من الأخوات: هند زوج الحارث بن نَوفَل، وجُوَيِرِيَة زوج السائب بن أبي حُبَيَش، وأُمَيمة زوج صفوان بن أُميَّة، وأُمّ الحَكَم زوج عبد الله بن عثمان، وصخرة زوج سعيد بن الأخنَس، وميمونة زوج عُرْوة بن مسعود، ولها من البنات: حبيبة وقد رَوَت عنها الحديث ولها صُحْبة. وكان لغيرهما من أمَّهات المؤمنينَ من الأخوات: أمّ كُلثوم وأُمّ حبيبة ابتَنَا زَمْعة أُختا سَوْدة، وأسماء أُخت عائشة، وزينب بنت عمر أُخت حفصة، وغيرهنَّ، والله أعلم. ٢٨٦ باب ٢٠ / ح ٥١٠١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال عُرْوة)) هو بالإسناد المذكور، وقد عَلَّقَ المصنّف طَرَفاً منه في آخر النَّفَقات (٥٣٧٢) فقال: ((قال شُعَيب عن الزُّهْريِّ قال عُرْوة)) فذكره، وأخرجه الإسماعيليّ من ١٤٥/٩ طريق الذُّهْلِيِّ عن / أبي اليَمَان بإسنادِه. قوله: ((وتُوَيبةُ مَوْلاةٌ لأبي لهب)) قلت: ذكرها ابن مَندَهْ في ((الصَّحابة)) وقال: اختُلِفَ في إسلامها. وقال أبو نُعَيم: لا نعلمُ أحداً ذكر إسلامها غيره، والذي في السّيَر: أنَّ النبيّ ◌َله كان يُكرِمُها، وكانت تَدخُل عليه بعدَما تزوَّجَ خديجة، وكان يُرسِل إليها الصِّلة من المدينة، إلى أن كان بعد فتح خَيْبر ماتت وماتَ ابنها مسروح. قوله: ((وكان أبو لهب أعتَقَها فأرضَعَت النبيَّ نَّة)) ظاهره أنَّ عِتقَه لها كان قبل إرضاعها، والذي في السّيَر يخالفه، وهو أنَّ أبا لهب أعتَقَها قبل الهجرة وذلك بعد الإرضاع بدَهرِ طويل، وحكى السُّهَيلِيُّ أيضاً: أنَّ عِتقَها كان قبل الإرضاع، وسأذكر كلامه. قوله: ((أُرِيَه)) بضمِّ الهمزة وكسر الرّاء وفتح التَّحتانيَّة على البناء للمجهولِ. قوله: ((بعضُ أهله)) بالرَّفع على أنَّه النائب عن الفاعل. وذكر السُّهَيلِيُّ: أنَّ العبَّاس قال: لمَّا ماتَ أبو لهب رأيته في مَنامي بعد حولٍ في شَرّ حال، فقال: ما لَقِيتُ بعدكم راحةً، إلّا أنَّ العذاب يُحُفَّف عنِّي كلَّ يوم اثنَيْنِ، قال: وذلك أنَّ النبيّ ◌َّهِ وُلِدَ يوم الاثنينِ، وكانت تُوَيبة بَشَّرَت أبا لهب بمَولِدِه فأعتَقَها. قوله: ((بشَرِّ حِيبَةٍ)) بكسرِ المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة بعدها موحّدة، أي: سوءِ حال، وقال ابن فارس: أصلها: الحَوْبة وهي المسكنة والحاجة، فالياء في حِيبَة مُنقَلِبة عن واو لانكِسار ما قبلها. ووَقَعَ في ((شرح السُّنّة)) للبَغويِّ (٢٢٨٢): بفتح الحاء (١)، ووَقَعَ عند المُستَمْلي بفتح الخاء المعجَمة، أي: في حالة خائبة من كلّ خير، وقال ابن الجَوْزيّ: هو تصحيف، وقال القُرطُبيّ: يُروَى بالمعجَمة، ووَجَدتُه في نُسخة مُعتمَدة بكسرِ المهمَلة، وهو المعروف، وحكى في ((المشارق)) عن رواية المُستَمْلي بالجيم، ولا أظنّه إلّا تصحيفاً؛ وهو تصحیف كما قال. (١) أي: بحال سوء بفتح الحاء، ثم قال البغوي: والحِيبة بكسر الحاء: الهمُّ والحاجَة. ٢٨٧ باب ٢٠ / ح ٥١٠١ كتاب النكاح قوله: ((ماذا لَقِيتَ؟)) أي: بعد الموت. قوله: ((لم ألقَ بَعْدَكُم، غير أنّ)) كذا في الأُصول بحذفِ المفعول، وفي رواية الإسماعيليّ: لم ألقَ بعدكم رَخاءً، وعند عبد الرَّزّاق (١٣٩٥٥) عن مَعمَر عن الزُّهْريِّ: لم ألقَ بعدكم راحةً. قال ابن بَطّال: سَقَطَ المفعول من رواية البخاريّ، ولا يستقيم الكلام إلّا به. قوله: ((غير أنّ سُقِيتُ في هذه)) كذا في الأُصول بالحذفِ أيضاً، ووَقَعَ في رواية عبد الرَّزّاق المذكورة: وأشارَ إلى النُّقْرة التي تحت إبهامه، وفي رواية الإسماعيليّ المذكورة: وأشارَ إلى النُّقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع، وللبيهقيِّ في (الدَّلائل)) من طريق(١) مِثْلُه بلفظ: ((يعني: النُّقرة ... )) إلى آخره، وفي ذلك إشارة إلى حَقارة ما سُقيَ من الماء. قوله: ((بعَتَاقتي)) بفتح العين، في رواية عبد الرَّزّاق: ((بعِتقي)) وهو أوجَهُ، والوجه أن يقول: بإعتاقي، لأنَّ المراد التَّخليص من الرِّقّ. وفي الحديث دلالة على أنَّ الكافر قد يَنفَعُه العمل الصالح في الآخِرة، لكنَّه مخالف لظاهرِ القرآن، قال الله تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَّا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلِ فَجَعَلْنَهُ هَبَلَهُ مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. وأُجيبَ أوَّلاً: بأنَّ الخبر مُرسَلٌ أرسَلَه عُرْوة، ولم يَذكُر مَن حدَّثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولاً فالذي في الخبر رُؤيا منام، فلا حُجّة فيه، ولعلَّ الذي رآها لم يكن إذ ذاكَ أسلَمَ بعدُ، فلا يُحتجّ به، وثانياً: على تقدير القَبُول، فيحتمل أن يكون ما يَتَعلَّق بالنبيِّ وَُّ مخصوصاً من ذلك، بدليلٍ قصَّة أبي طالب كما تقدَّم أنَّه خُفِّفَ عنه، فنُقِلَ من الغَمَرات إلى الضَّحْضاح. (١) كذا في أصول ((الفتح)) بياض هنا، ولم نقف على هذا اللفظ عند البيهقي في ((الدلائل)) لكن عنده فيه ١٤٨/١ -١٤٩ من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع - شيخ البخاري فيه بلفظ: وأشار إلى ... كرواية الإسماعيلي. ٢٨٨ باب ٢١ / ح ٥١٠٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال البيهقيُّ: ما وَرَدَ من بُطْلان الخير للكفَّار، فمعناه أنَّهم لا يكون لهم التَّخَلَّص من النار ولا دخولُ الجِنَّة، ويجوز أن يُحُفَّف عنهم من العذاب الذي يَستَوجِبونَه على ما ارتكبوه من الجرائم سوى الكفر بما عَمِلوه من الخيرات. وأمَّا عِيَاض فقال: انعَقَدَ الإجماع على أنَّ الكفَّار لا تَنفَعُهم أعمالهم، ولا يُثابُونَ عليها بنَعيم ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشدَّ عذاباً من بعض. قلت: وهذا لا يَرُدّ الاحتمال الذي ذكره البيهقيّ، فإِنَّ جميع ما وَرَدَ من ذلك فيما يَتَعلَّق بذَنْب الكفر، وأمَّا ذنبُ غير الكفر فما المانع من تخفيفه؟ وقال القُرطُبيّ: هذا التَّخفيف خاصٍّ/ بهذا وبمَن وَرَدَ النَّصُّ فيه. ١٤٦/٩ وقال ابن المنيِّر في ((الحاشية)): هنا قضيَّتان: إحداهما: مُحالٌ، وهي اعتبار طاعة الكافر مع كفره، لأنَّ شرط الطاعة أن تقعَ بقصدٍ صحيح، وهذا مفقود من الكافر، الثّانية: إثابة الكافر على بعض الأعمال تَفَضُّلاً من الله تعالى، وهذا لا يُحِيلِه العقلُ، فإذا تَقرَّرَ ذلك لم يكن عِتقُ أبي لهب لثُوَيبة قُرْبة مُعتبَرَة، ويجوز أن يَتَفَضَّل الله عليه بما شاءَ كما تَفَضَّلَ على أبي طالب، والمتَّع في ذلك التَّوقيفُ نفياً وإثباتاً. قلت: وتَتِمّة هذا أن يقع التَّفَضُّل المذكور إكراماً لمن وَقَعَ من الكافر البرُّله ونحو ذلك، والله أعلم. ٢١ - باب من قال: لا رضاعَ بعد حولين لقولِه عزَّ وجلّ: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وما يُحرِّمُ من قليلِ الرَّضَاع و كثيره ٥١٠٢ - حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن الأشعَثِ، عن أبيه، عن مسروقٍ، عن عائشةً رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ وَّرَ دَخَلَ عليها وعندَها رجلٌ، فكأنَّه تَغيَّرَ وجهُه، كأنَّه كَرِهَ ذلك، فقالت: إنَّه أخي، فقال: ((انظُرُنَ ما إخْوانُكُنَّ، فإِنََّا الرَّضَاعةُ منَ المَجَاعِةِ)). قوله: ((باب مَن قال: لا رَضَاعِ بَعْد حَوْلَينِ، لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾)) أشارَ بهذا إلى قول الحنفيَّة: إنَّ أقصَى مُدّة الرَّضاع ثلاثون شهراً، وحُجَّتهم ٢٨٩ باب ٢١ / ح ٥١٠٢ كتاب النكاح قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ, ثَلَثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، أي: المدّة المذكورة لكلِّ من الحَمْل والفِصَال، وهذا تأويل غريب، والمشهور عند الجمهور: أنَّها تقدير مُدّة أقلّ الحمل وأكثر مُدّة الرَّضاع، وإلى ذلك صارَ أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن، ويُؤيِّد ذلك أنَّ أبا حنيفة لا يقول: إنَّ أقصَى الحَمْل سنتان ونصف. وعند المالكيَّة روايةٌ توافق قول الحنفيَّة، لكنَّ مَنزِعهم في ذلك أنَّه يُغْتَفَر بعد الحولَينِ مُدّةٌ يُدمِن الطِّفل فيها على الفِطام، لأنَّ العادة أنَّ الصبيّ لا يُفطَم دَفْعة واحدة بل على التَّدريج في أيام قليلات، فلِلأيام التي يُحاوَل فيها فِطامُه حكمُ الحولَينِ. ثمَّ اختلفوا في تقدیر تلك المدة، قيل: يُغتَفَر نصف سنة، وقيل: شهران، وقيل: شهر ونحوه، وقيل: أيام يسيرة، وقيل: شهر، وقيل: لا يُزاد على الحولَينِ، وهي رواية ابن وَهْب عن مالك، وبه قال الجمهور، ومن حُجَّتهم حديث ابن عبّاس رَفَعَه: ((لا رَضاعَ إلّا ما كان في الحولَينِ)) أخرجه الدَّارَ قُطنيُّ (٤٣٦٤)، وقال: لم يُسنِده عن ابن عُيَينَةَ غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ، وأخرجه ابن عَديّ (٧/ ١٠٣) وقال: غيرُ الهيثم يُوقِفه على ابن عبَّاس وهو المحفوظ (١)؛ وعندهم متى وَقَعَ الرَّضاع بعد الحولَينِ ولو بلحظةٍ لم يَتَرَّب عليه حكم، وعند الشافعيّة: لو ابتَدَأْ الرَّضعُ في أثناء الشَّهر ◌ُبِرَ المنكَسِر من شهر آخر ثلاثينَ يوماً. وقال زُفَر: يَستَمِّ إلى ثلاث سنين إذا كان يَجَتَزِئ باللَّبَنِ ولا يَتَزِئ بالطَّعام. وحكى ابن عبد البَرّ عنه: أنَّه يُشتَرَط معَ ذلك أن يكون يَتَزِئ باللَّبَنِ، وحكى عن الأوزاعيِّ مِثلَه، لكن قال: بشرطِ أن لا يُفْطَم، فمَتَى نُطِمَ ولو قبل الحوْلَينِ فما رَضَعَ بعده لا يكون رَضاعاً. قوله: ((وما يُرِّم من قليل الرَّضاع وكَثيره)) هذا مصيرٌ منه إلى التَّمَسُّك بالعُمومِ الوارد في الأخبار مثل حديث الباب وغيره، وهذا قول مالك وأبي حنيفة والثَّوْريِّ والأوزاعيِّ (١) وممن وقفه عن ابن عيينة ابنُ أبي شيبة ٤/ ٢٩٠، وسعيد بن منصور في ((سننه)) (٩٨٠)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (١٣٩٠٣)، وهو صحیح من قول ابن عباس. ٢٩٠ باب ٢١ / ح ٥١٠٢ فتح الباري بشرح البخاري واللَّيث، وهو المشهور عند أحمد. وذهب آخرونَ إلى أنَّ الذي يُحرِّم ما زاد على الرَّضعة الواحدة، ثمَّ اختَلَفوا: فجاء عن عائشة: عشرُ رَضَعات، أخرجه مالك في ((الموطَّأ)) (٦٠٣/٢)، وعن حفصة کذلك. وجاء عن عائشة أيضاً: سبع رضعات، أخرجه ابن أبي خَيْئمةَ بإسناد صحيح عن ١٤٧/٩ عبد الله بن الزُّبَير عنها، وعبد الرَّزاق (١٣٩١١)/ من طريق عُرْوة: كانت عائشة تقول: لا يُحرِّم دون سبع رَضَعات أو خمس رَضَعات. وجاء عن عائشة أيضاً: خمس رضعات، فعند مسلم (١٤٥٢) عنها: کان فیما نزل من القرآن: عشر رَضَعات معلومات، ثمَّ نُسِخنَ بخمسٍ رَضَعات معلومات، فتُوُفِّ رسول الله وَلَهُ وهُنَّ مَمَّا يُقرأ، وعند عبد الرَّزّاق (١٣٩١٢) بإسنادٍ صحيح عنها قالت: لا يُحُرِّمُ دون خمس رَضَعات معلومات؛ وإلى هذا ذهب الشافعيّ، وهي رواية عن أحمد، وقال به ابن خَزْم. وذهب أحمد في روايةٍ وإسحاقُ وأبو عُبيد وأبو ثَوْر وابن المنذر وداودُ وأتباعه إلّا ابن خَزْم، إلى أنَّ الذي يُحرِّم ثلاثُ رَضَعات لقولِهِ وَّةِ: ((لا تُحُرِّم الرَّضعة والرَّضعَتان))(١)، فإنَّ مفهومه أنَّ الثلاث تُحُرِّم، وأغرَبَ القُرطُبيّ فقال: لم يَقُل به إلّا داودُ. وتَخَرَّج ممّا أخرجه البيهقيُّ (٧/ ٤٥٧) عن زيد بن ثابت بإسنادٍ صحيح أنَّه يقول: لا تُحرِّم الرّضعة والرَّضعَتان والثلاث، أنَّ(٢) الأربع هي التي تُحُرِّم. والثّابت من الأحاديث حديث عائشة في الخمس، وأمَّا حديث: ((لا تُحُرِّم الرَّضعة والرَّضعَتان)) فلعلَّه مِثال لمَا دون الخمس، وإلّا فالتَّحريم بالثلاثِ فما فوقها إنَّما يُؤخَذ من الحديث بالمفهوم، وقد عارَضَه مفهوم الحديث الآخر المخرَّج عند مسلم وهو الخمس، (١) أخرجه مسلم (١٤٥١) (٢٠) من حديث أم الفضل زوجٍ العباس. (٢) في (س): وأن، بزيادة واو، وهو خطأ. ٢٩١ باب ٢١ / ح ٥١٠٢ كتاب النكاح فمفهوم: ((لا تُحرِّم المصّة ولا المصَّتان))(١): أنَّ الثلاث ◌ُحرِّم، ومفهوم: ((خمس رَضَعات)) أنَّ الذي دون الأربع لا يُحرِّم، فتَعارَضا، فيُرجَع إلى التَّرجيح بين المفهومَينِ، وحديث الخمس جاء من طرق صحيحة، وحديث المصَّتان جاء أيضاً من طرق صحيحة، لكن قد قال بعضهم: إنَّه مُضطَرِب، لأنَّه اختُلِفَ فيه هل هو عن عائشة أو عن الزُّبَير أو عن ابن الزُّبَير أو عن أمّ الفضل؟ لكن لم يَقدَح الاضطِرابُ عند مسلم (١٩/١٤٥١) فأخرجه من حديث أمّ الفضل زوج العبَّاس: أنَّ رجلاً من بني عامر قال: يا رسول الله، هل تُحرِّمِ الرَّضعةُ الواحدة؟ قال: ((لا)) وفي رواية له عنها (٢٠/١٤٥١): ((لا تُحرِّمُ الرَّضعة ولا الرَّضعَتان، ولا المصّة ولا المصَّتان)). قال القُرطُبيّ: هو أنصُّ ما في الباب، إلّا أنَّه يُمكِن حَملُه على ما إذا لم يَتَحقَّق وصوله إلى جوف الرَّضيع؛ وقوَّى مذهب الجمهور بأنَّ الأخبار اختَلَفَت في العدد، وعائشة التي رَوَت ذلك قد اختُلِفَ عليها فيما يُعتَبَرَ من ذلك، فوَجَبَ الرُّجوع إلى أقلِّ ما يَنطَلِقِ عليه الاسم، ويَعضُدُه من حيثُ النَّظَرِ: أنَّه معنَى طارئ يقتضي تأبيدَ التَّحريم فلا يُشتَرَط فيه العدد كالصِّهرِ، أو يقال: مائع يَلِجُ الباطنَ فُيُحرِّم، فلا يُشتَرَط فيه العدد كالمنيِّ، والله أعلم، وأيضاً فقول عائشة: ((عشر رَضَعات معلومات، ثمَّ نُسِخنَ بخمسٍ معلومات، فِماتَ النبيّ ◌َّهِ وهُنَّ ◌َمَّا يُقرأ)) لا يَنْتَهِضُ للاحتجاجِ على الأصحّ من قولي الأُصولِّينَ، لأنَّ القرآن لا يَثْبُت إلّا بِالتَّواتُّر، والراوي روى هذا على أنَّه قرآن لا خَبَرَ، فلم يَتْبُت كونُه قرآناً، ولا ذكر الراوي أنَّه خَبَرَ ليُقبَل قوله فيه، والله أعلم. قوله: ((عن الأشعَث)) هو ابن أبي الشَّعْثاء، واسمه سُليم بن الأسوَد المحاربيّ الكوفيّ. قوله: ((أنَّ النبيّ ◌َّهِ دَخَلَ عليها وعندها رجل)) لم أقِفْ على اسمه، وأظنّه ابناً لأبي القُعَيس، وغَلِطَ مَن قال: هو عبد الله بن يزيد رضيع عائشة، لأنَّ عبد الله هذا تابعيّ باتِّفاق الأئمّة، وكأنَّ أمّه التي أرضَعَت عائشةَ عاشت بعد النبيّ وََّ فوَلَدَته، فلهذا قيل له: رضیعُ عائشة. (١) أخرجه مسلم أيضاً (١٤٥٠) و(١٤٥١) (٢٠). ٢٩٢ باب ٢١ / ح ٥١٠٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فكأنَّه تَغيَّرَ وجهه، كأنَّه کَرِهَ ذلكَ)» كذا فيه، ووَقَعَ في رواية مسلم (١٤٥٥) من طريق أبي الأحوص عن أشعَث: وعندي رجلٌ قاعد، فاشتَدَّ ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه، وفي رواية أبي داود (٢٠٥٨) عن حفص بن عمر عن شُعْبة: فشَقَّ ذلك عليه وتَغيَّرَ وجهه، وتقدَّم من رواية سفيان الماضية في الشَّهادات (٢٦٤٧): فقال: ((يا عائشة، مَن هذا؟)). قوله: ((فقالت: إنَّه أخي)) في رواية غُندَر عن شُعْبة: ((إنَّه أخي من الرَّضاعة)) أخرجه الإسماعيليّ، وقد أخرجه أحمد (٢٥٤١٨) عن ثُندَر بدونها، وتقدَّم في الشَّهادات (٢٦٤٧) من طريق سفيان الثَّوْريّ عن أشعَثَ فذكرها، وكذا ذَكَرها أبو داود (٢٠٥٨) في روايته من طريق شُعْبة وسفيان جميعاً عن الأشعَث. قوله: ((انظُرْنَ ما إخْوانكُنَّ؟)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((مَن إخوانكُنَّ؟)) وهي أو جَهُ،/ والمعنى: تأمَّلنَ ما وَقَعَ من ذلك: هل هو رَضاٌ صحيح بشرطِهِ: من وقوعه في زمن الرَّضاعة، ومِقدار الارتضاع، فإنَّ الحُكم الذي يَنشَأ من الرَّضاع إنَّما يكون إذا وَقَعَ الرَّضاع المشتَرَط. ١٤٨/٩ قال المهلَّب: معناه: انظُرنَ ما سبب هذه الأُخوّة؟ فإنَّ حُرْمة الرَّضاع إنَّما هي في الصِّغَر حتَّى تَسُدّ الرَّضاعةُ المجاعةَ. وقال أبو عُبيد: معناه: أنَّ الذي جاعَ كان طعامُه الذي يُشبِعه اللَّبَنَ من الرَّضاع، لا حيثُ يكون الغذاء بغير الرَّضاع. قوله: ((فإنََّا الرَّضاعة من المَجَاعة)) فيه تعليل الباعث على إمعان النَّظَر والفِكْرِ، لأنَّ الرَّضاعة تُثبِت النَّسَب، وتجعل الرَّضيع مُحرَّماً. وقوله: ((من المجاعة)) أي: الرَّضاعة التي تَثْبُت بها الحُرْمة وَحِلّ بها الخَلْوة، هي حيثُ يكون الرَّضيع طِفِلاً، لسَدِّ اللَّبَن جَوْعتَه، لأنَّ مَعِدَته ضعيفة يكفيها اللَّبَن ويَنْبُت بذلك لحمه، فيصير كجُزءٍ من المرضِعة فيَشتَرِك في الحُرْمة معَ أولادها، فكأنَّه قال: لا ٢٩٣ باب ٢١ / ح ٥١٠٢ كتاب النكاح رَضاعةَ مُعتبَرَة إلّا المغنية عن المجاعة، أو المطعِمة من المجاعة، كقوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُم مِّنْ جُوعِ﴾ [قريش: ٤]، ومن شواهده حديث ابن مسعود: ((لا رَضاع إلّا ما شَدَّ العَظمَ، وأنبَتَ اللَّحم)) أخرجه أبو داود مرفوعاً (٢٠٦٠) وموقوفاً (٢٠٥٩)، وحديث أمّ سَلَمةَ: ((لا يُحُرِّم من الرَّضاع إلّا ما فَتَقَ الأمعاءَ)) أخرجه التِّرمِذيّ وصَحَّحَه (١١٥٢). ويُمكِن أن يُستَدَلّ به على أنَّ الرَّضعة الواحدة لا تُحُرِّم لأنَّها لا تُغني من جوع، وإذا كان يحتاج إلى تقدير، فأَولَى ما يُؤخَذ به ما قَدَّرَته الشَّريعة وهو خمس رَضَعات. واستُدِلَّ به على أنَّ التَّغذية بلَبَنِ المرضِعة يُحرِّم سواء كان بشُربٍ أم أكلِ بأَيِّ صِفَة كان، حتَّى الوُجُور والسَّعوط والثَّرْد والطَّبخ وغير ذلك إذا وَقَعَ ذلك بالشَّرطِ المذكور من العدد، لأنَّ ذلك يَطُرُد الجوع، وهو موجود في جميع ما ذُكِرَ فيوافق الخبر والمعنى، وبهذا قال الجمهور، لكن استَثنَى الحنفيَّة الحُقْنة. وخالَفَ في ذلك اللَّيْثُ وأهل الظّاهر فقالوا: إنَّ الرَّضاعة المحَرِّمة إِنَّما تكون بالْتِقام الثَّدي ومَصّى اللَّبَن منه، وأُورِدَ على ابن حَزْم أنَّه يَلزَمُ على قولهم إشكال في التِقام سالمٍ ثديَ سَهْلة وهي أجنبيّة منه، فإنَّ عِيَاضاً أجابَ عن الإشكال باحتمال أنَّهَا حَلَبَتْه ثمَّ شَرِبَه من غير أن يَمَسَّ ثديها، قال النَّوَويّ: وهو احتمالٌ حسن، لكنَّه لا يفيد ابن حَزْم، لأنَّه لا يكتفي في الرَّضاع إلّا بالْتِقام الثَّدي، لكن أجابَ النَّوَويّ بأنَّه عُفيَ عن ذلك للحاجة. وأمَّا ابن حَزْم فاستَدَلَّ بقصَّة سالم على جواز مَسّ الأجنبيّ ثديَ الأجنبيَّة والْتِقام ثديها إذا أراد أن يَرتَضِع منها مُطلَقاً. واستُدِلَّ به على أنَّ الرَّضاعة إنَّما تُعتَبَرَ في حال الصِّغَر، لأنَّها الحال الذي يُمكِن طردُ الجوع فيها باللَبَنِ، بخِلَاف حال الكِبَر، وضابط ذلك تمام الحولَينِ كما تقدَّم في التَّرجمة، وعليه دَلَّ حديث ابن عبّاس المذكور(١)، وحديث أمّ سَلَمةَ: ((لا رَضاعَ إلّا ما فَتَقَ الأمعاء، وكان قبل الفِطام)) وصَحَّحَه التِّرمِذيّ (١١٥٢) وابن حِبّان (٤٢٢٤). (١) ولفظه: ((لا رضاع إلَّا ما كان في الحولين))، وقد سلفت الإشارة إليه قبل صفحات. ٢٩٤ باب ٢١ / ح ٥١٠٢ فتح الباري بشرح البخاري قال القُرطُبيّ: في قوله: ((فإنَّما الرَّضاعة من المجاعة)) تثبيت قاعدة كلّيّة صريحة في اعتبار الرَّضاع في الَّمَن الذي يستغني به الرَّضيع عن الطَّعام باللَّبَن، ويَعتَضِد بقوله تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، فإنَّه يدلّ على أنَّ هذه المدّة أقصَى مُدّة الرَّضاع المحتاجِ إليه عادةً، المعتبَرِ شَرعاً، فما زاد عليه لا يحتاج إليه عادةً، فلا يُعتبَرَ شَرعاً، إذ لا حكمَ للنّادر، وفي اعتبار إرضاع الكبير انتهاكُ حُزْمة المرأة بارتضاع الأجنبيّ منها لاطّلاعِه على عَوْرتها، ولو أنه بالتقامِه ثديها. قلت: وهذا الأخير على الغالب، وعلى مذهب مَن يَشتَرِط التِقامَ الثَّدي، وقد تقدَّم قبل خمسة أبواب: أنَّ عائشة كانت لا تُفرِّق في حُكْم الرَّضاع بين حال الصِّغَر والكِبَرَ، وقد استُشكِلَ ذلك معَ كَوْن هذا الحديث من روايتها، واحتجَّت هي بقصَّة سالم مولى أبي حُذَيفة، فلعلَّها فهمَت من قوله: ((إنَّما الرَّضاعة من المجاعة)) اعتبارَ مِقدار ما يَسُدّ الجَوْعةَ من لَبَن المرضِعة لمن يَرتَضِع منها، وذلك أعَمّ من أن يكون المرتَضِعُ صغيراً أو كبيراً، فلا یکون الحدیث نَصّاً في مَنْع اعتبار رَضَاع الکبیر، وحديث ابن عبّاس معَ تقدیر ◌ُبوته لیس ١٤٩/٩ نَصّاً في ذلك، ولا حديث أمّ سَلَمَةَ، لجوازِ/ أن يكون المراد أنَّ الرَّضاع بعد الفِطام ممنوع، ثمَّ لو وَقَعَ رُقِّبَ عليه حكمُ التَّحريم، فما في الأحاديث المذكورة ما يَدِفَعُ هذا الاحتمال، فلهذا عَمِلَت عائشة بذلك، وحكاه النَّوَويّ - تَبَعاً لابنِ الصَّاغ وغيره - عن داودَ، وفيه نظرٌ، وكذا نَقَلَ القُرطُبيّ عن داود أنَّ رضاعَ الكبير يفيد رفعَ الاحتجاب منه، ومالَ إلى هذا القول ابنُ الموّاز من المالكيَّة، وفي نسبة ذلك لداود نظرٌ، فإنَّ ابن حَزْم ذكر عن داود أنَّه معَ الجمهور، وكذا نَقَلَ غيرُه من أهل الظّاهر، وهم أخبَرُ بمذهب صاحبهم، وإنَّما الذي نَصَرَ مذهبَ عائشة هذا وبالَغَ في ذلك هو ابن حَزْم، ونَقَلَه عن عليّ، وهو من رواية الحارث الأعوَر عنه، ولذلك ضَعَّفَه ابنُ عبد البَرّ، وقال عبد الرَّزّاق (١٣٨٨٣) عن ابن جُرَيج: قال رجل لعطاءٍ: إنَّ امرأة سَقَتني من لَبَنها بعدَما كَبِرِتُ، أفأنكِحها؟ قال: لا، قال ابن جُرَيج: فقلت له: هذا رأيك؟ قال: نعم، كانت عائشة تأمُر بذلك بنات أخيها. وهو قول اللَّيث ابن سعد، وقال ابن عبد البَرّ: لم يختلف عنه في ذلك. ٢٩٥ باب ٢١ / ح ٥١٠٢ كتاب النكاح قلت: وذكر الطَّبَرِيُّ في ((تهذيب الآثار)) في مُسنَد عليٍّ هذه المسألة، وساقَ بإسنادِهِ الصَّحيح عن حفصة مِثلَ قول عائشة، وهو ممَّا يُخَصّ به عمومُ قول أمّ سَلَمةَ: أبَی سائر أزواج النبيّ وَ له أن يُدخِلنَ عليهنَّ بتلك الرَّضاعة أحداً، أخرجه مسلم (١٤٥٤) وغيره، ونَقَلَه الطَّبَرُّ أيضاً عن عبد الله بن الزُّبَيرِ والقاسم بن محمَّد وعُرْوة في آخَرِينَ، وفيه تَعقُّب على القُرطُبيّ حيثُ خَصَّ الجواز بعد عائشة بداودَ. وذهب الجمهور إلى اعتبار الصِّغَر في الرَّضاع المحَرِّم، وقد تقدَّم ضبطُه، وأجابوا عن قصَّة سالم بأجوبةٍ: منها: أنَّه حُكمٌ منسوخ، وبه جَزَمَ المحِبّ الطََّرُّ في «أحكامه))، وقَرَّرَه بعضهم بأنَّ قصَّة سالم كانت في أوائل الهجرة، والأحاديث الدَّالّة على اعتبار الحولَينِ من رواية أحداث الصَّحابة، فدَلَّ على تأخّرها، وهو مُستَنَدٌ ضعيف إذ لا يَلزَمُ من تأخّر إسلام الراوي ولا صِغَره أن لا يكون ما رواه مُتقدِّماً، وأيضاً ففي سياق قصَّة سالم ما يُشعِر بسَبْقِ الحُكم باعتبار الحولَينِ، لقولِ امرأة أبي حُذيفة في بعض طرقه حيثُ قال لها النبيّ ◌َّ: «أرضِعيه)» قالت: وكيف أُرضِعه وهو رجل كبير؟ فتَبَسَّمَ رسول اللهِ وَ له وقال: «قد علمتُ أنَّه رجلٌ كبير)»(١)، وفي رواية لمسلم (٣٠/١٤٥٣) قالت: إنَّه ذو لحية، قال: ((أرضِعيه))، وهذا يُشعِر بأنّها كانت تَعرِف أنَّ الصِّغَر مُعتبَر في الرَّضاع المِحرِّم. ومنها: دَعَوَى الخَصُوصيَّة بسالم وامرأة أبي حُذَيفة، والأصل فيه قول أمّ سَلَمةَ وأزواج النبيّ وَّ: ((ما نَرَى هذا إلّا رُخصةً أرخَصَها رسول الله وَّ لسالم خاصّة»، وقَرَّرَه ابن الصَّاغْ وغيره بأنَّ أصل قصَّة سالم ما كان وَقَعَ من التَّبنّي الذي أدَّى إلى اختلاط سالم بسَهْلَةَ، فلمَّا نزل الاحتجاب ومُنِعوا من التَّنّ شَقَّ ذلك على سَهْلة فَوَقَعَ التَّرخيصُ لها في ذلك لرفع ما حَصَلَ لها من المشَقّة، وهذا فيه نظر، لأنَّه يقتضي إلحاقَ مَن يُساوي سَهْلَةَ في المشَقّة والاحتياج (٢) بها، فتنتفي الخَصُوصيّة ويَئْبُت مذهبُ المخالف لكن (١) أخرجه مسلم (١٤٥٣) (٢٦). (٢) تحرَّف في (س) إلى: والاحتجاج. ٢٩٦ باب ٢٢ / ح ٥١٠٣ فتح الباري بشرح البخاري يُقِيَّد بالاحتياج(١). وقَرَّرَه آخرونَ: بأنَّ الأصل أنَّ الرَّضاع لا يُرِّم، فلمَّا ثَبَتَ ذلك في الصِّغَر خُولِفَ الأصل له وبَقيَ ما عَدَاه على الأصل، وقصَّة سالم واقعةُ عينٍ يَطُرُقها احتمال الخَصُوصيّة فيجب الوقوفُ عن الاحتجاج بها. ورأيت بخَطِّ تاج الدِّين السُّبْكيّ: أنَّه رأى في تصنيف لمحمَّدِ بن خليل الأندَلُسيّ في هذه المسألة: أنَّه تَوَقَّفَ في أنَّ عائشة وإن صَحَّ عنها الفُتيا بذلك، لكن لم يقع منها إدخالُ أحد من الأجانب بتلك الرَّضاعة، قال تاج الدّين: ظاهر الأحاديث تَرُدّ علیه، ولیس عندي فيه قولٌ جازم لا من قطع ولا من ظنٍّ غالب، كذا قال، وفيه غَفْلة عمَّ ثَبَتَ عند أبي داود (٢٠٦١) في هذه القصّة: فكانت عائشة تأمُر بناتِ إخوتها وبنات أخَواتها أن يُرضِعنَ مَن أَحَبَّت أن يَدخُل عليها ويراها وإن كان كبيراً خمس رَضَعات ثمَّ يَدخُل عليها، وإسناده صحيح، وهو صريح، فأيّ ظنٍّ غالب وراء هذا؟ والله سبحانه وتعالى أعلم. ١٥٠/٩ وفي الحديث أيضاً جوازُ دخول/ مَن اعتَرَفَت المرأة بالرَّضاعة معه عليها، وأنَّه يصير أخاً لها، وقَبُول قولها فيمَن اعتَرَفَت به، وأنَّ الزَّوج يسأل زوجته عن سبب إدخال الرِّجال بيتَه والاحتياط في ذلك والنَّظَر فيه، وفي قصَّة سالم جوازُ الإرشاد إلى الحِيَل، وقال ابن الرِّفْعة: يُؤْخَذ منه جواز تعاطي ما يُحصِّل الحِلَّ في المستَقبَل وإن كان ليس حلالاً في الحال. ٢٢ - باب لبن الفَحْل ٥١٠٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُرْوةَ بنِ الزُّبَيرِ، عن عائشةَ: أَنَّ أفلَحَ أخا أبي القُعَيسِ جاء يَستَأذِنُ عليها وهو عَمُّها منَ الرَّضاعةِ بعدَ أن نَزَلَ الحِجَابُ فَأَبِيتُ أن آذَنَ له، فلمَّا جاء رسولُ الله ◌ِِّ أخبرتُهُ بالذي صَنَعْتُ، فأمَرَني أن آذَنَ له. قوله: ((باب لَبَن الفَحْل)) بفتح الفاء وسكون المهمَلة، أي: الرجل، ونسبة اللَّبَن إليه مجازيَّة لگونه السَّبَبَ فيه. (١) في (أ) و(س): يفيد الاحتجاج، والمثبت من (ع) وهو الصواب. ٢٩٧ باب ٢٢ / ح ٥١٠٣ كتاب النكاح قوله: ((عن ابن شهاب)) لمالك فيه شيخ آخر وهو هشام بن عُرْوة، وسياقه للحديثِ عن عُرْوة أتمُّ، وسيأتي قُبَيل كتاب الطَّلاق (٥٢٣٩). قوله: ((إنَّ أفلَحَ أخا أبي القُعَيس)) بقافٍ وعين وسين مُهمَلَتَينِ مُصغٌَّ، وتقدَّم في الشَّهادات (٢٦٤٤) من طريق الحَكَم [عن عراك بن مالك](١) عن عُرْوة: استأذَنَ عليَّ أفلَحُ فلم آذَنْ له، وفي رواية مسلم (١٠/١٤٤٥) من هذا الوجه: ((أفلَح بن قُعَيس)) والمحفوظ: أفلَح أخو أبي القُعَيس، ويحتمل أن يكون اسم أبيه قُعَيساً أو اسم جَدّه فنُسِبَ إليه، فتكون كُنْية أبي القُعَيس وافَقَت اسمَ أبيه أو اسم جَدّه، ويُؤيِّده ما وَقَعَ في الأدب (٦١٥٦) من طريق عُقَيل عن الزُّهْرِيِّ بلفظ: فإنَّ أخا أبي القُعَيس، وكذا وَقَعَ عند النَّسائيِّ (٣٣١٥) من طريق وَهْب بن كَيْسانَ عن عُرْوة. وقد مَضَى في تفسير الأحزاب (٤٧٩٦) من طريق شُعَيب عن ابن شِهاب بلفظ: إنَّ أفلَحَ أخا أبي القُعَيس، وكذا لمسلم (١٤٤٥/ ٥و ٦) من طريق يونس ومَعمَر عن الزُّهْرِيِّ، وهو المحفوظ عن أصحاب الزّهْريِّ، لكن وَقَعَ عند مسلم (٤/١٤٤٥) من رواية ابن عُيَينَةَ عن الزُّهْريِّ: أفلَح بن أبي القُعَيس، وكذا لأبي داود (٢٠٥٧) من طريق الثَّوْريِّ عن هشام بن عُرْوة عن أبيه، ولمسلمٍ (٨/١٤٤٥) من طريق ابن جُرَيج عن عطاء: أخبرني عُرْوة أنَّ عائشة قالت: استأذَنَ عليَّ عَمّي من الرَّضاعة أبو الجَعْد، قال: فقال لي هشام: إنَّما هو أبو القُعَيس، وكذا وَقَعَ عند مسلم (١٤٤٥/ ٧) من طريق أبي معاوية عن هشام: استأذَنَ عليها أبو القُعَيس، وسائر الرُّواة عن هشام قالوا: أفلَحُ أخو أبي القُعَيس، كما هو المشهور، وكذا قال سائر أصحاب عُرْوة، ووَقَعَ عند سعيد بن منصور (٩٥٤) من طريق القاسم بن محمَّد: أنَّ أبا قُعَيس أتى عائشة يَستأذِن عليها، وأخرجه الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٤٩٣٤) من طريق القاسم عن أبي قُعَيس، والمحفوظ أنَّ الذي استأذَنَ هو أفلَحُ، وأبو القُعَيس هو أخوه. (١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، ولا بدَّ منه ليستقيم سياق الإسناد. ٢٩٨ باب ٢٢ / ح ٥١٠٣ فتح الباري بشرح البخاري قال القُرطُبيّ: كلُّ ما جاء من الرِّوايات وهمّ إلّا مَن قال: أفلَحُ أخو أبي القُعَيس، أو قال: أبو الجعْد، لأنَّها كُنية أفلح. قلت: وإذا تَدَبَّرتَ ما حَرَّرتُ، عَرَفتَ أنَّ كثيراً من الرّوايات لا وهمَ فيه، ولم يُخْطِئ عطاء في قوله: أبو الجَعْد، فإنَّه يحتمل أن يكون حَفِظَ كُنية أفلَح، وأمَّا اسم أبي القُعَيس فلم أَقِفْ عليه إلّا في كلام الدَّارَ قُطنيِّ فقال: هو وائل بن أفلَحَ الأشعَريّ، وحكى هذا ابن عبد البَرّ ثمَّ حكى أيضاً أنَّ اسمه الجَعْد، فعلى هذا يكون أخوه وافَقَ اسمُه اسمَ أبيه، ويحتمل أن يكون أبو القُعَيس نُسِبَ لجدِّه ويكون اسمه وائل بن قُعَيس بن أفلَح بن القُعَيس، وأخوه أفلَح بن قُعَيس بن أفلَح أبو الجَعْد، قال ابن عبد البَرّ في ((الاستيعاب)): لا أعلمُ لأبي القُعَيس ذِكْراً إلّا في هذا الحديث. ١٥١/٩ قوله: ((وهو عَمّها من الرَّضاعة)) فيه الْتِفات، وكان السِّياق يقتضي أن يقول: وهو عمّي،/ وكذا وَقَعَ عند النَّسائيِّ (٣٣١٦) من طريق مَعْنٍ عن مالك، وفي رواية يونس عن الزُّهْريِّ عند مسلم (٥/١٤٤٥): وكان أبو القُعَيس أَبا(١) عائشة من الرَّضاعة. قوله: ((فأبيتُ أن آذَنَ لَه)) في رواية عِرَاك الماضية في الشَّهادات (٢٦٤٤): فقال: أتحتجِبين مِنِّي وأنا عَمُّك؟ وفي رواية شُعَيب عن الزُّهْريِّ كما مَضَى في تفسير سورة الأحزاب (٤٧٩٦): فقلت: لا آذَنُ له حتَّى أستأذِن رسول الله ◌َّةِ، فإنَّ أخاه أبا القُعَيس ليس هو أرضَعَني، ولكن أرضَعَتني امرأة أبي القُعَيس، وفي رواية مَعمَر عن الزّهْريِّ عند مسلم (٦/١٤٤٥): وكان أبو القُعَيس زوجَ المرأة التي أرضَعَت عائشة. قوله: ((فأمَرَني أن آذَنَ له)) في رواية شُعَيب (٤٧٩٦): ((ائذَني له، فإنَّه عَمُّك تَرِبَت يمينُك))، وفي رواية سفيان(٢): ((يَداكِ أو يمينُك))، وقد تقدَّم شرحُ هذه اللَّفظة في ((باب الأكفاء في الدِّين)) (٥٠٨٨)، وفي رواية مالك عن هشام بن عُرْوة (٥٢٣٩): ((إِنَّه عَمّك (١) في الأصلين و(س): أخا، وهو خطأ والتصويب من ((صحيح مسلم). (٢) عند مسلم (١٤٤٥) (٤). ٢٩٩ باب ٢٢ / ح ٥١٠٣ كتاب النكاح فليَلِجْ عليك))، وفي رواية الحَكَم (٢٦٤٤): ((صَدَقَ أفلَحُ، ائذَني له))، ووَقَعَ في رواية سفيان الثَّوْريِّ عن هشام عند أبي داود (٢٠٥٧): دَخَلَ عليَّ أفلَحُ فاستَثَرتُ منه فقال: أتستَتِرِينَ مِنِّي وأنا عَمُّك؟ قلت: من أينَ؟ قال: أرضَعَتك امرأةُ أخي ... قلت: إنَّما أرضَعَتني المرأة ولم يُرضِعني الرجل ... الحديث. ويُجمَع بأنَّه دَخَلَ عليها أوَّلاً فاستَتَرَت ودار بينهما الكلام، ثمَّ جاء يَستأذِن ظنّاً منه أنَّهَا قَبِلَت قوله، فلم تأذَنْ له حتَّى تستأذن رسول الله وَله. ووَقَعَ في رواية شُعَيب في آخره من الزّيادة: قال عُرْوة: فبذلك كانت عائشة تقول: حَرِّموا من الرَّضاع ما يَجِرُم من النَّسَب، ووَقَعَ في رواية سفيان بن عُيَينةَ: ما تُحرِّمُونَ من النَّسَب(١)، وهذا ظاهره الوَقْف، وقد أخرجه مسلم (٩/١٤٤٥) من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عِراك عن عُرْوة في هذه القصَّة: فقال النبيّ وَّةِ: ((لا تَحتجِبي منه، فإنَّه يَجِرُم من الرَّضاعة ما يَحِرُم من النَّسَب))، وقد تقدَّمَت هذه الزّيادة عن عائشة أيضاً مرفوعة من وجه آخر في أوَّل أبواب الرَّضاع (٥٠٩٩). وفي الحديث أنَّ لَبَن الفَحْلِ يُحرِّم فَتَنَشِرِ الحُرْمةُ لمن ارتَضَعَ الصَّغير بلبنِهِ، فلا تَحِلّ له بنت زوج المرأة التي أرضعته من غیرها مثلاً، وفيه خلاف قدیم حُكيَ عن ابن عمر وابن الزُّبَيرِ ورافع بن خَدِيج وزينب بنت أمّ سَلَمَةَ وغيرهم، ونَقَّلَه ابن بَطّال عن عائشة، وفيه نظرٌ، ومن التابعينَ عن سعيد بن المسيّب وأبي سَلَمةَ والقاسم وسالم وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والشَّعْبيّ وإبراهيم النَّخَعَيّ وأبي قِلابةَ وإياس بن معاوية، أخرجها ابن أبي شَيْبةٍ وعبد الرَّزّاق وسعيد بن منصور وابن المنذر، وعن ابن سِيرِين: نُبِّتُ أنَّ ناساً من أهل المدينة اختَلَفوا فيه، وعن زينب بنت أبي سَلَمَةَ: أَّها سألَت والصَّحابة مُتَوافرونَ وأُمَّهاتُ المؤمنينَ فقالوا: الرَّضاعة من قِبَلِ الرجل لا تُحرِّم شيئاً، وقال به من الفقهاء رَبيعةٌ (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، ورواية ابن عيينة أخرجها مسلم (١٤٤٥) (٤)، وليس فيها هذه الزيادة، وهي في رواية شعیب عن الزهري، وقد سلفت عند البخاري برقم (٤٧٩٦)، وفي رواية يونس عن الزهري أيضاً، وهي عند مسلم (١٤٤٥) (٥). ٣٠٠ باب ٢٢ / ح ٥١٠٣ فتح الباري بشرح البخاري الرَّأي وإبراهيم ابن عُليَّة وابن بنت الشافعيّ وداودُ وأتباعه، وأغرَبَ عِيَاض ومَن تَبِعَه في تخصيصهم ذلك بداود وإبراهيم معَ وجود الرِّواية عمَّن ذَكَرْنا بذلك، وحُجَّتهم في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُمَهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ولم يَذكُر العَمّة ولا البنت كما ذكرهما في النَّسَب، وأُجيبوا بأنَّ تخصيص الشَّيء بالذِّكرِ لا يدلُّ على نفي الحُكم عمَّ عَدَاه، ولا سيَّما وقد جاءت الأحاديث الصَّحيحة. واحتجَّ بعضهم من حيثُ النَّظَر: بأنَّ اللَّبَن لا يَنفَصِل من الرجل، وإِنَّا يَنفَصِل من المرأة، فكيف تَنتَشِر الحُرْمةُ إلى الرجل؟ والجواب: أنَّه قياس في مُقابِل النَّصّ فلا يُلتَفَت إليه، وأيضاً فإنَّ سبب اللَّبَن هو ماء الرجل والمرأة معاً، فوَجَبَ أن يكون الرَّضاعُ منهما، كالجدِّ لمَّا كان سبب الولد، أو جَبَ تحريمَ ولد الولد به، لتَعلَّقِهِ بوَلَدِه، وإلى هذا أشارَ ابن عبّاس بقوله في هذه المسألة: اللِّقاح واحد، أخرجه ابن أبي شَيْبة (٤ / ٣٤٧). وأيضاً فإنَّ الوَطْء يُدِرّ اللَّبَن، فلِلفَحلِ فیه نصيب. وذهب الجمهور من الصَّحابة والتابعينَ وفقهاء الأمصار كالأوزاعيّ في أهل الشّام والثَّوْريّ وأبي حنيفة وصاحبيه في أهل الكوفة وابن جُرَيج في أهل مكَّة ومالك في أهل المدينة والشافعيّ وأحمد وإسحاق وأبي ثَوْر وأتباعهم، إلى أنَّ لَبَن الفَحْل يُحُرِّم، وحُجَّتهم ١٥٢/٩ هذا الحديث الصَّحيح، / وألزَمَ الشافعيُّ المالكيَّةَ في هذه المسألة برَدِّ أصلِهم بتقديم عمل أهل المدينة ولو خالَفَ الحديثَ الصَّحيح إذا كان من الآحاد، لمَا رواه عن عبد العزيز بن محمَّد عن رَبيعة من أنَّ لَبَن الفَحْلِ لا يُحرِّم، قال عبد العزيز بن محمَّد: وهذا رأي فُقَهائنا إلّا الزُّهْريَّ، فقال الشافعيّ: لا نعلم شيئاً من عِلْمِ الخاصّة أولى بأن يكون عامّاً ظاهراً من هذا، وقد تَرَكوه للخَبَرِ الوارد، فيَلزَمُهم على هذا: إمّا أن يَرُدّوا هذا الخبر، وهم لم يَرُدّوه، أو يَرُدّوا ما خالَفَ الخبر على كلِّ حال، وهو المطلوب. قال القاضي عبد الوهّاب: يُتصوَّر تجريد لَبَن الفَحْل برجلٍ له امرأتان، تُرضِع إحداهما صبيّاً والأُخرى صبيّةٌ، فالجمهور قالوا: يَجِرُم على الصبيّ تزويج الصبيّة، وقال مَن خالَفَهم: جوز.