Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
باب ١٩ / ح ٥٠٢٤
كتاب فضائل القرآن
أطلقَ على صوتها غِناءً لأنَّه يُطرِب كما يُطرِب الغِناء وإن لم يكن غِناءً حقيقة، وهو كقولهم:
العَمائم تِيجانُ العرب؛ لكونها تقوم مقامَ التِيجان.
وفيه قول آخرُ (١)، وهو أن يجعله هِجِّيراهُ كما يجعل المسافر والفارغ هِجّيراه الغِناءَ، قال
ابن الأعرابيّ: كانت العرب إذا رَكِبَت الإبل تَتَغنَّى، وإذا جَلَسَت في أفنيتِها وفي أكثر أحوالها،
فلمَّا نزل القرآنُ أحَبَّ النبيُّ ◌َّهِ أن يكون هِجّيرَاهم القراءة مكانَ التغنّي.
ويُؤيِّد القولَ الرّابع بيتُ الأعشَى المتقدِّم، فإنَّه أراد بقولِه: ((طويل التغنّي)): طولَ
الإقامة لا الاستغناء، لأنَّه أليَقُ بوَصفِ الطّول من الاستغناء، فعَنَى أَنَّه كان مُلازِماً لوَطَنِهِ
بين أهله، وكانوا يَتَمَدَّحونَ بذلك كما قال حسَّان:
أولادُ جَفْنةَ حولَ قيرِ أبيهمْ قِيرِ ابنِ مَارِيَةَ الكريمِ المُفضِلِ
أراد أنَّهم لا يحتاجونَ إلى الانتجاع، ولا يَبْرَحونَ من أَوطانهم، فيكون معنى الحديث الحثَّ
على مُلازَمة القرآن وأن لا يُتَعَدَّى إلى غيره، وهو يَؤُول من حيثُ المعنى إلى ما اختارَه البخاريُّ
من تخصيص الاستغناء وأنَّه يُستَغنى به عن غيره من الكتب.
وقيل: المراد مَن لم يُغنِهِ القرآنُ ويَنفَعْه في إيمانه ويُصدِّقْ بما فيه من وعدٍ ووعید.
وقيل: معناه: مَن لم يَرتَحْ لقراءتِه وسماعه، وليس المراد ما اختارَه أبو عُبيد أنَّه يَحَصُل به
الغِنَى دون الفقر، لكنَّ الذي اختارَه أبو عُبيد غيرُ مدفوع إذا أُريدَ به الغِنَى المعنَويّ: وهو
غِنَى النَّفس، وهو القَناعة، لا الغِنَى المحسوس الذي هو ضِدُّ الفقر، لأنَّ ذلك لا يَحَصُل
بِمُجرَّدٍ مُلازَمة القراءة إلّا إن كان ذلك بالخاصّيَّة، وسياق الحديث يأبى الحملَ على ذلك،
فإنَّ فيه إشارةً إلى الحثّ على تكلُّف ذلك، وفي توجيهه تكلُّفٌ كأنَّه قال: ليس مِنّا مَن لم
يَتَطَلَّب الغِنَى بمُلازَمة تِلاوَته.
وأمَّا الذي نَقَلَه عن الشافعيّ فلم أرَه صريحاً عنه في تفسير الخبر، وإنَّما قال في ((مختصر
المُزَنيِ)): وأُحِبُّ أن يقرأَ حَدْراً وتحزيناً. انتهى، قال أهل اللُّغة: حَدَرْتُ القراءة: أدْرَجتُها
(١) في (س) وحدها بزيادة لفظ ((حَسَن)).
١٤٢
باب ١٩ / ح ٥٠٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
ولم أمطِّطْها، وقرأَ فلان تحزيناً: إذا أرَقَّ صوتَه وصَيَّرَه كصوتِ الحزين.
وقد روى ابن أبي داود بإسنادٍ حسن عن أبي هريرة: أنَّه قرأ سورة فحَزَّنَهَا شِبْه الرِّثاء،
وأخرجه أبو عَوَانة (٣٨٧٤) عن اللَّيث بن سعد قال: يَتَغْنَّى به: يَتَحَزَّن به ويُرقِّق به قلبه.
وذكر الطَّبَريُّ عن الشافعيّ: أنَّ سُئلَ عن تأويل ابن عُبَينَةَ التَّغْنِّي بالاستغناءِ فلم يَرتَضِه،
وقال: لو أراد الاستغناءَ لَقال: لم يَسْتَغِ، وإنَّما أراد تحسين الصَّوت.
قال ابن بَطّال: وبذلك فَسَّرَه ابن أبي مُلَيكة وعبد الله بن المبارك والنَّضر بن شُمَيلِ.
٧١/٩ ويُؤيِّده روايةٌ/ عبد الأعلى عن مَعمَر (١) عن ابن شِهاب في حديث الباب بلفظ: ((ما أَذِنَ
النبيٍّ في التَّرَتُّم في القرآن)) أخرجه الطََّريّ، وعنده في رواية عبد الرَّزاق عن مَعمَر: ((ما أذِنَ
لنبيٍّ حسن الصَّوت))، وهذا اللَّفظ عند مسلم (٢٣٣/٧٩٢) من رواية محمَّد بن إبراهيم
النَّيْميِّ عن أبي سَلَمةً، وعند ابن أبي داود والطّحاويّ(٢) من روایة عَمْرو بن دينار عن أبي
سَلَمَةَ عن أبي هريرة: ((حسن التَّرَنُّم بالقرآن))، قال الطَّبَرَيُّ: والتَّرَنُّم لا يكون إلّا
بالصَّوتِ إذا حَسَّنَه القارئ وطَرَّبَ به، قال: ولو كان معناه الاستغناء لما كان لِذِكْر
الصَّوت ولا لِذِكْرِ الجهر معنَى. وأخرج ابن ماجَهْ (١٣٤٠) والکَجِّيّ وصَخَّحَه ابن حِبّان
(٧٥٤) والحاكم (١/ ٥٧٠- ٥٧١) من حديث فضالة بن عُبيد مرفوعاً: ((لَلُهُ أشدُّ أَذَناً
- أي: استماعاً - للرجلِ الحسن الصَّوت بالقرآن من صاحب القَيْنة إلى قَيْنَتَه))(٣)، والقَيْنة:
المغَنِّيّة، وروى ابن أبي شَيْبة(٤) من حديث عُقْبة بن عامر رَفَعَه: ((تَعلَّموا القرآن وغَنُّوا به
(١) رواية عبد الأعلى هذه - وهو ابن عبد الأعلى السامي البصري - عن معمر بذكر الترثُّم شاذَّة، ففي رواية
البصريين عن معمر مقال، وقد خولف عبد الأعلى، خالفه عبد الرزاق فذكر رواية معمر بلفظ: ((حسن
الصوت)» كرواية بقية أصحاب الزهري.
(٢) لم نقف على رواية عمرو هذه عندهما، وفي إسنادها محمد بن أبي حفصة كما في آخر شرح الحديث السابق،
ومحمد هذا في حديثه لین خاصة فيما يخالف فيه، وهو هنا في روايته عن عمرو قد روى عنه ما يخالف
رواية جماعة من أصحاب أبي سلمة في «الصحیحین)) لم یذکروا فیه الترثُّم.
(٣) سلف الكلام عليه في آخر شرح الحديث السابق وأنه ضعيف.
(٤) في ((مسنده)) كما في ((إتحاف الخيرة)) للبوصيري (٥٩٤٠).
١٤٣
باب ١٩ / ح ٥٠٢٤
كتاب فضائل القرآن
واقتَنُوه))(١) كذا وَقَعَ عنده، والمشهور عند غيره في الحديث(٢): ((وتَغَنَّوا به))، والمعروف في
كلام العرب أنَّ التغنِّي التَّرجيعُ بالصَّوتِ كما قال حسَّان:
تَغَنَّ بالشِّعرِ إمّا أنتَ قائلُهُ إِنَّ الغِناءَ بهذا الشِّعرِ مِضمارُ
قال: ولا نعلم في كلام العرب تَغَنَّى بمعنى: استَغْنَى، ولا في أشعارهم، وبيت الأعشَى لا
حُجّة فيه لأنَّه أراد طول الإقامة، ومنه قوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢]،
وقال: بيتُ المغيرة أيضاً لا حُجّة فيه، لأنَّ الثَّغاني تَفاعُل بين اثنَينٍ وليس هو بمعنى: تَغَنَّى،
قال: وإنَّما يأتي (تَغَنَّى)) من الغِنَى الذي هو ضِدُّ الفقر بمعنى تَفَعَّلَ، أي: يُظهِر خِلاف ما
عنده، وهذا فاسد المعنى.
قلت: ويُمكِن أن يكون بمعنى: تَكلَّفَه، أي: تَطَلَّبَه وحَمَلَ نفسَه عليه ولو شَقَّ عليه كما
تقدَّم قریباً، ويُؤدِّدہ حدیث: «فإن لم تَبگُوا فتباكوا»، وهو في حدیث سعد بن أبي وقاص
عند أبي عَوَانة (٣٨٨١)(٣). وأمَّا إنكاره أن يكون تَغَنَّى بمعنى: استَغنى، في كلام العرب،
فمردود، ومَن حَفِظَ حُجّةٌ على مَن لم يحفَظْ، وقد تقدَّم في الجهاد في حديث الخيل (٤):
((ورجل رَبَطَها تَعَفَّفاً وتَغَنّا))، وهذا من الاستغناء بلا رَيبٍ، والمراد به: يَطلُب الغِنَى بها
عن الناس بقَرِينة قوله: ((تَعَقُّفاً)).
ومَّن أنكَرَ تفسير يَتَغنَّى بَيَستَغني أيضاً الإسماعيليُّ، فقال: الاستغناء به لا يحتاج إلى
استماع، لأنَّ الاستماع أمرٌ خاصٌّ زائد على الاكتفاء به، وأيضاً فالاكتِفاءُ به عن غيره أمر
واجب على الجميع، ومَن لم يفعل ذلك خَرَجَ عن الطاعة. ثمَّ ساقَ من وجه آخر عن ابن
عُيَيْنَةَ قال: يقولون إذا رَفَعَ صوته فقد تَغَنَّى. قلت: الذي نُقِلَ عنه أنَّه بمعنى: يَسْتَغْني،
(١) تحرفت في (س) إلى: وأفشوه. ومعنى ((اقتنوه)): الزموه وأكثروا منه كما تقتنون الأموال.
(٢) كأحمد في «المسند» (١٧٣٦١)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٧٩٨٠).
(٣) وهو عند ابن ماجه أيضاً (١٣٣٧) و(٤١٩٦)، وسنده ضعيف.
(٤) بهذا اللفظ تقدم في المساقاة برقم (٢٣٧١) وفي المناقب برقم (٣٦٤٦)، أما في الجهاد (٢٨٦٠) فلم يذكر
هذا الحرف.
١٤٤
باب ١٩ / ح ٥٠٢٤
فتح الباري بشرح البخاري
أتقَنُ لحديثه، وقد نَقَلَ أبو داود (١٤٧٢) عنه مِثْلَه، ويُمكِن الجمعُ بينهما بأنَّ تفسير ((يَستَغني))
من چِهَته، و ((یرفَع) عن غيره.
وقال عمر بن شَبّة: ذكرتُ لأبي عاصم النبيل تفسير ابن عُبَينَةَ فقال: لم يصنع شيئاً،
حدَّثني ابن جُرَيج عن عطاء عن عُبيد بن عُمَير قال: كان داودُ عليه السلام يَتَغَنَّى - يعني
حين يقرأُ - ويَبْكي ويُبْكي، وعن ابن عبّاس: أنَّ داود كان يقرأ الزَّبُور بسبعينَ لَناً، ويقرأ
قراءةً يَطَرَبُ منها المحموم، وكان إذا أراد أن يُبكيَ نفسَه لم تَبْقَ دابّة في بَرِّ ولا بحر إلّا
أَنصَتَت له واستَمَعَت وبَكَت.
وسيأتي حديث: ((أنَّ أبا موسى أُعطيَ مِزماراً من مزامير داود)) في ((باب حُسن الصَّوت
بالقراءة» (٥٠٤٨). وفي الجملة ما فَسَّرَ به ابنُ عُيَينةَ ليس بمدفوع، وإن كانت ظَواهرُ
الأخبار تُرجِّح أنَّ المراد تحسين الصَّوت، ويُؤيِّده قوله: ((يَجَهَر به)) فإنَّها إن كانت مرفوعةً
قامَت الحُجّةُ، وإن كانت موقوفةً فالراوي أعرَفُ بمعنى الخبر من غيره ولا سيّما إذا كان
فقيهاً، وقد جَزَمَ الحَلِيميّ بأنَّها من قول أبي هريرة، والعرب تقول: سمعتُ فلاناً يَتَغْنَّى
٧٢/٩ بكذا، أي: يَجَهَر به. وقال أبو عاصم: أخَذَ بيديَّ ابنُ جُرَيج فأوقَفَني على أشعَبَ،/ فقال:
غَنِّ ابنَ أخي ما بَلَغَ من طَمَعِك؟ فذكر قصَّة، فقوله: ((غَنِّ)) أي: أخبرني جَهراً صريحاً، ومنه
قول ذي الرُّمّة:
أُحِبُّ المكانَ القَفْرَ من أجلِ أنَّني به أتغَنَّى باسمِها غيرَ مُعجِمٍ
أي: أجهرُ ولا أُكْنِي، والحاصل أنَّه يُمكِن الجمعُ بين أكثر التَّأويلات المذكورة، وهو أنَّه
يُحسِّن به صوته جاهراً به مُتَرَنِّماً على طريق التحزُّن، مُستَغنياً به عن غيره من الأخبار، طالباً
به غِنَى النَّفْس راجياً به غِنَى اليد، وقد نَظَمتُ ذلك في بیتینِ:
تَغَنَّ بالقرآن حَسِّنْ به الصَّو تَ حزيناً جاهراً رَئِّم
واستَغْنِ عن كُتْبِ الأُلَى طالباً غِنَى يدِ والنَّفْسِ ثمَّالْزَمِ
وسيأتي ما يَتَعلَّق بحُسنِ الصَّوت بالقرآن في ترجمة مُفرَدة. ولا شكَّ أنَّ النُّفوس تميل
١٤٥
باب ١٩ / ح ٥٠٢٤
كتاب فضائل القرآن
إلى سماع القراءة بالتَّرَتُّم أكثرَ من مَيلِها لمن لا يَتَرَنَّم، لأنَّ للتطريب تأثيراً في رِقّة القلب
وإجراء الدَّمع، وكان بين السَّلَف اختلاف في جواز القراءة بالألحان، أمَّا تحسين الصَّوت
وتقديم حَسَنِ الصَّوت على غيره، فلا نزاع في ذلك، فحكى عبد الوهّاب المالكيّ عن
مالك تحريمَ القراءة بالألحان، وحكاه أبو الطيِّب الطَّبَريُّ والماوَرْديّ وابن حَمْدان الحنبليّ
عن جماعة من أهل العلم، وحكى ابنُ بَطّال وعِيَاض والقُرطُبيّ من المالكيَّة والماوَرْديّ
والبَندَنِيجيّ والغَزاليّ من الشافعيَّة، وصاحبُ ((الذَّخيرة)) من الحنفيَّة الكراهةَ، واختارَه
أبو يَعْلى وابن عَقِيل من الحنابلة، وحكى ابن بَطّال عن جماعة من الصَّحابة والتابعينَ
الجوازَ، وهو المنصوص للشّافعيِّ، ونَقَلَه الطَّحَاويُّ عن الحنفيَّة، وقال الفُورانيّ من
الشافعيّة في ((الإبانة)»: يجوز بل يُستَحَبّ.
ومحلُّ هذا الاختلاف إذا لم يَتَلَّ شيءٌ من الحروف عن تَخَرَجه، فلو تَغيَّرَ قال النَّوَويّ
في ((التِّبيان)): أجمعوا على تحريمه، ولفظه: أجَمَعَ العلماءُ على استحباب تحسين الصَّوت
بالقرآن ما لم يَخْرُجْ عن حَدِّ القراءة بالتَّمطيطِ، فإن خَرَجَ حتَّى زاد حرفاً أو أخفاه حَرُمَ،
قال: وأمَّا القراءة بالألحان فقد نَصَّ الشافعيُّ في موضع علی کَراهَتِه، وقال في موضع آخر:
لا بأسَ به، فقال أصحابه: ليس على اختلاف قولَينِ، بل على اختلاف حالَينٍ، فإن لم يَخْرُج
بالألحان على المنهَجِ القويم جازَ، وإلّا حَرُمَ.
وحكى الماورديُّ عن الشافعيّ: أنَّ القراءة بالألحان إذا انتَهَت إلى إخراج بعض
الألفاظ عن تَخارجِها حَرُمَ، وكذا حكى ابن حَمْدان الحنبليّ في ((الرِّعاية))، وقال الغَزاليّ
والبَندَنيجيّ وصاحب ((الذَّخيرة)) من الحنفيَّة: إن لم يُفرِطْ في التَّمطيط الذي يُشَوِّش النَّظْم
استُحِبَّ، وإلّا فلا. وأغرَبَ الرّافعيُّ فحكى عن ((أمالي السَّرَخْسِيّ)): أنَّه لا يَضُرُّ التَّمطيطُ
مُطلَقاً، وحكاه ابن حَمْدان روايةً عن الحنابلة، وهذا شذوذٌ لا يُعرَّج عليه.
والذي يَتَحَصَّل من الأدلّة: أنَّ حُسنَ الصَّوت بالقرآن مطلوب، فإن لم يكن حسناً فليُحسِّنه
ما استطاعَ كما قال ابن أبي مُلَيكة أحدُ رواة الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود (١٤٧١)
١٤٦
باب ٢٠ / ح ٥٠٢٥
فتح الباري بشرح البخاري
بإسنادٍ صحیح.
ومن ◌ُملة تحسينه: أن يُراعيَ فيه قوانين النَّغَم، فإنَّ الحَسَنَ الصَّوتِ يزداد حُسناً بذلك،
وإن خَرَجَ عنها أثَّرَ ذلك في حُسنِهِ، وغير الحسَن رُبَّما انجَبَرَ بمُراعاتها ما لم يَخْرُجْ عن شرط
الأداء المعتبَر عند أهل القراءات، فإن خَرَجَ عنها لم يَفِ تحسينُ الصَّوت بقُبح الأداء، ولعلَّ
هذا مُستَنَدُ مَن كَرِهَ القراءة بالأنغام، لأنَّ الغالب على مَن راعَى الأنغام أن لا يُراعيَ الأداء،
فإن وُجِدَ مَن يُراعِيهما معاً فلا شَكَّ في أنَّه أرجَعُ من غيره، لأنَّه يأتي بالمطلوب من تحسين
الصَّوت، ويجتنب الممنوعَ من خُرْمة الأداء، والله أعلم.
٢٠ - باب اغتباط صاحب القرآن
٧٣/٩
٥٠٢٥ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني سالم بنُ عبدِ الله،
أنَّ عبدَ الله بنَ عمرَ رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ الله وَلِ يقول: ((لا حَسَدَ إلّ على
اثنتَيْنِ: رجلٌ آتاهُ اللهُ الكتابَ وقامَ به آنَاءَ اللَّيلِ، ورجلٌ أعطاهُ اللهُ مالاً فهو يَتَصَدَّقُ به آنَاءَ
اللَّيلِ والنَّهَارِ).
[طرفه في: ٧٥٢٩]
قوله: ((باب اغتباط صاحب القرآن)) تقدَّم في أوائل كتاب العلم: ((باب الاغتباط في
العلم والحكمة))(١)، وذكرتُ هناك تفسير الغِبْطة، والفَرْق بينها وبين الحَسَد، وأنَّ الحَسَد في
الحديث أُطلِقَ عليها مجازاً، وذكرتُ كثيراً من مباحث المتن هناك.
وقال الإسماعيليّ: هنا ترجمة الباب: ((اغتباط صاحب القرآن))، وهذا فِعلُ صاحب
القرآن، فهو الذي يَغتَبِط، وإذا كان يَغْتَبط بفِعْل نفسه كان معناه أنَّه يُسَرُّ ويرتاح بعَمَلٍ
نفسه، وهذا ليس مُطابقاً.
قلت: ويُمكِن الجواب بأنَّ مُرادَ البخاريّ بأنَّ الحديث لمَّا كان دالاً على أنَّ غير
صاحب القرآن يَغْبِطُ صاحب القرآن بما أُعطيَه من العَمَل بالقرآن، فاغتباطُ صاحب القرآن
(١) رقم الباب (١٥).
١٤٧
باب ٢٠ / ح ٥٠٢٦
كتاب فضائل القرآن
بِعَمَلِ نفسه أولى إذا سمعَ هذه البِشارةَ الواردة في حديث الصّادِقِ.
قوله: ((لا حَسَدَ)) أي: لا رُخصة في الحَسَد إلّا في خَصْلَتَينِ، أو لا يَحَسُن الْحَسَدُ إن
حَسُنَ، أو أطلقَ الحَسَد مُبالَغةً في الحثّ على تحصيل الخصلتَينِ، كأنَّه قيل: لو لم يَحَصُلا إلّا
بالطَّريق المذموم، لكان ما فيهما من الفضل حاملاً على الإقدام على تحصيلهما به، فكيفَ
والطَّريقُ المحمود يُمكِن تحصيلُهما به؟ وهو من جنس قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِ﴾
[البقرة: ١٤٨]، فإنَّ حقيقة السَّبْق أن يَتقدَّم على غيره في المطلوب.
قوله: ((إلّا على اثنتَينٍ)) في حديث ابن مسعود الماضي (٧٣)، وكذا في حديث أبي هريرة
المذكور تِلوَ هذا: ((إلّا في اثنتَينِ))، تقول: حَسَدُه على كذا، أي: على وجود ذلك له، وأمَّا
حَسَدتُه في كذا، فمعناه: حَسَدتُه في شأن كذا، وكأنَّا سببيَّة.
قوله: ((وقامَ به آنَاءَ اللَّيل)) كذا في النُّسَخِ التي وَقَفتُ عليها من البخاريّ، وفي
(مُستَخرَج أبي نُعَيم)) من طريق أبي بكر بن زَنْجويه عن أبي اليَمَان شيخ البخاريّ فيه: ((آنَاءَ
اللَّيل وآناءَ النَّهار))، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق إسحاق بن يَسَار عن أبي اليَمَان،
وكذا هو عند مسلم (٨١٥) من وجه آخر عن الزُّهْريِّ، وقد تقدَّم في العلم (٧٣) أنَّ المراد
بالقيام به: العَمَلُ به تلاوةً وطاعة.
٥٠٢٦ - حدَّثنا عليّ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا رَوْحٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن سليمانَ، سمعتُ ذَكْوانَ،
عن أبي هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وٍَّ قال: ((لا حَسَدَ إلّ في اثنتَينِ: رجلٌ عَلَّمَه الله القرآنَ، فهو
يَتْلُوه آنَاءَ اللَّيلِ وآناءَ النَّهارِ، فسمعَه جارٌ له فقال: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثلَ ما أُويَ فلانٌ، فعَمِلْتُ
مِثلَ ما يَعْمَلُ، ورجلٌ آتاهُ الله مالاً فهو يُهلِكُه في الحقِّ، فقال رجلٌ: لَيَتَنِي أُوتِيتُ مِثلَ ما أُوتِيَ
فلانٌ، فعَمِلْتُ مِثلَ ما يَعْمَلُ)).
[طرفاه في: ٧٥٢٨،٧٢٣٢]
قوله: ((حدَّثنا عليّ بن إبراهيم)) هو الواسطيُّ في قول الأكثر، واسم جَدِّه عبد المجيد
اليَشكُريّ، وهو ثقة مُتِقِن، عاشَ بعد البخاريّ نحوَ عشرينَ سنة، وقيل: ابنُ إشكابَ،
١٤٨
باب ٢١ / ح ٥٠٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
وهو عليّ بن الحسين بن إبراهيم بن إشكابَ، نُسِبَ إلى جَدِّه، وبهذا جَزَمَ ابن عَديّ، وقيل:
٧٤/٩ عليّ بن عبد الله بن إبراهيم، نُسِبَ إلى جَدّه، وهو قول الدَّارَقُطنيِّ / وأبي عبد الله بن مَندَهْ.
وسيأتي في النِّكاح رواية الفِرَبريّ عن عليّ بن عبد الله بن إبراهيم عن حَجّاج بن محمّد.
وقال الحاكم: قيل: هو عليّ بن إبراهيم المروزيُّ، وهو مجهول، وقيل: الواسطيّ.
قوله: ((رَوْح)) هو ابن عُبَادة، وقد تابَعَه بِشرُ بن منصور وابن أبي عَديّ والنَّضر بن
شُمَيل كلُّهم عن شُعْبة، قال الإسماعيليّ: رَفَعَه هؤلاءِ، وَوَقَفَه غُندَر عن شُعْبة.
قوله: ((عن سليمان)) هو الأعمَش قال: ((سمعت ذَكْوانَ)) هو أبو صالح السَّمّان.
قلت: ولِشُعْبةَ عن الأعمَش فيه شيخ آخر، أخرجه أحمد (١٨٠٢٥) عن محمّد بن جعفرٍ
غُندَر عن شُعْبة عن الأعمش عن سالم بن أبي الجَعْد عن أبي كَبْشة الأنماريّ.
قلت: وقد أشرتُ إلى متن أبي گبشة في کتاب العلم (٧٣)، وسیاقه أتمُّ من سياق أبي
هريرة. وأخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) أيضاً (٣٨٦٣) من طريق أبي زيد الهَرَويِّ عن
شُعْبة، وأخرجه أيضاً (٣٨٦٢) من طريق جَرِير عن الأعمَش بالإسنادَينِ معاً، وهو ظاهر
في أنَّهما حديثان مُتَغايرانِ سنداً ومتناً اجتَمَعا لشُعْبةَ وجَرِير معاً عن الأعمش، وأشارَ
أبو عَوَانة إلى أنَّ مسلماً لم يُرِّج حديث أبي هريرة لهذه العِلّة، وليس ذلك بواضحٍ لأنَّها
ليست عِلّةً قادحة.
قوله: ((فهو يُهلِكُه في الحقّ)) فيه احتراسٌٌ بليغ، كأنَّه لمَّا أَوهَمَ الإنفاقَ في التَّذير من
جهة عُموم الإهلاك قَيَّدَه بالحقِّ، والله أعلم.
٢١ - بابٌ خيرُكم من تعلَّم القرآن وعلَّمه
٥٠٢٧- حدَّثنا حَجّاجُ بنُ مِنْهالٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: أخبرني عَلْقمةُ بنُ مَرَْدٍ، سمعتُ
سَعْدَ بنَ عُبَيدةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلَميِّ، عن عُثْمَانَ عَُّ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((خيرُكُم مَن
تَعلَّمَ القرآنَ وعَلَّمَه)).
١٤٩
باب ٢١ / ح ٥٠٢٨
كتاب فضائل القرآن
قال: وأقرَأَ أبو عبدِ الرَّحمنِ في إمْرةٍ عُثْمانَ حتَّى كان الحجّاجُ، قال: وذاكَ الذي أقعَدَني
مَفْعَدي هذا.
[طرفه في: ٥٠٢٨]
٥٠٢٨- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن عَلْقمةَ بنِ مَرْئَدٍ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ
السُّلَميِّ، عن عُثْمَانَ بنِ عَفّانَ، قال: قال النبيُّ ◌َِّ: ((إنَّ أفضلَكم مَن تَعلَّمَ القرآنَ وعَلَّمَه)).
قوله: ((بابٌ خيركم مَن تَعلَّمَ القرآن وعَلَّمَه)) كذا تَرجَمَ بلفظ المتن، وكأنَّه أشارَ إلى
ترجيح الرِّواية بالواو.
قوله: ((عن سَعْد بن عُبيدة)) كذا يقول شُعْبةُ، يُدخِل بين عَلْقمة بن مَرَد وأبي
عبد الرّحمن سعدَ بن عُبيدة، وخالَفَه سفيانُ الثَّوريّ فقال: عن عَلْقمة عن أبي عبد الرَّحمن،
ولم يَذْكُر سعدَ بن عُبيدة. وقد أطنَبَ الحافظُ أبو العلاء العَطّار في كتابه ((الهادي)) في
القراءات(١) في تخريج طرقه، فذكر ثمّن تابَعَ شُعْبةَ ومَن تابع سفيانَ جمعاً كثيراً، وأخرجه
أبو بكر / بن أبي داود في أوَّل (الشَّريعة)) له، وأكثرَ من تخريج طرقه أيضاً، ورَجَّحَ الحُفّاظ ٧٥/٩
روايةَ الثَّوريّ وعَدُّوا رواية شُعْبة من المزيد في مُتَّصِل الأسانيد، وقال الثِّرمِذيّ: كأنَّ رواية
سفيان أصحُّ من رواية شُعْبة. وأمَّ البخاريّ فأخرج الطَّريقَينِ، فكأنَّه تَرَجَّحَ عنده أنَهما
جميعاً محفوظان، فيُحمَل على أنَّ عَلْقمة سمعَه أوَّلاً من سعد ثمَّ لَقِيَ أبا عبد الرَّحمن فحدَّثه
به، أو سمعَه معَ سعد من أبي عبد الرَّحمن فئَبَّتَه فيه سعد، ويُؤدِّد ذلك ما في رواية سعد بن
عُبيدة من الزّيادة الموقوفة وهي قول أبي عبد الرَّحمن: ((فذلك الذي أقعَدَني هذا المقعَدَ)) كما سيأتي
البحثُ فیه.
وقد شَذَّت روايةٌ عن الثَّوريّ بذِكْر سعد بن عُبيدة فيه، قال التِّرمِذيّ (٢٩٠٨م): حدَّثنا
محمّد بن بشَّار حدَّثنا يحيى القَطّان حدَّثنا سفيان وشُعْبة عن عَلْقمة عن سعد بن عُبيدة به،
وقال النَّسائيُّ (ك٧٩٨٣): أنبأَنًا عُبيد الله بن سعيد حدَّثنا يحيى عن شُعْبة وسفيان أنَّ عَلْقمة
(١) في (س): القرآن.
١٥٠
باب ٢١ / ح ٥٠٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
حدَّثهما عن سعد، قال الثِّرمِذيّ: قال محمَّد بن بشَار: أصحاب سفيان لا يَذكُرونَ فیه سعدَ
ابن عُبيدة، وهو الصَّحيح. انتهى، وهكذا حَكَمَ عليّ بن المَدِينِيّ على يحيى القَطّان فيه
بالوَهْمِ، وقال ابن عَديّ: جَمَعَ يحيى القَطّان بين شُعْبة وسفيان، فالثَّوريّ لا يَذكُر في إسناده
سعدَ بن عُبيدة، وهذا ممَّا عُدَّ في خطأ يحيى القَطّان على الثَّوريّ. وقال في موضع آخر: حَمَلَ
يحيى القَطّان رواية الثَّوريّ على رواية شُعْبة فساقَ الحديث عنهما، وحَمَلَ إحدَى الرِّوايتَينِ
على الأُخرى فساقَه على لفظ شُعْبة. وإلى ذلك أشارَ الدَّارَقُطنيّ.
وتُعقِّبَ بأنَّه فَصَلَ بين لفظَيهما في رواية النَّسائيِّ (ك٧٩٨٣) فقال: قال شُعْبة: خيركم،
وقال سفيان: أفضلكم. قلت: وهو تَعقُّبُ واهِ، إذ لا يَلزَمُ من تفصيله للفظهما في المتن أن
يكون فَصَلَ لفظَهما في الإسناد، قال ابن عَديّ: يقال: إنَّ يحيى القَطّان لم يُخْطِئْ قَطُّ إلّا في
هذا الحديث. وذكر الدَّارَقُطنيُّ أنَّ خَلّاد بن يحيى تابَعَ يحيى القَطّنَ عن الثَّوريّ على زيادة
سعد بن عُبيدة، وهي رواية شاذّة، وأخرج ابن عَديّ (١) من طريق يحيى بن آدم عن الثَّوريّ
وقيس بن الرَّبيع، وفي روايةٍ عن يحيى بن آدم عن شُعْبة وقيس بن الزَّبيع جميعاً عن عَلْقمة
عن سعد بن عُبيدة، قال: وكذا رواه سعيد بن سالم القَدّاح عن الثَّوريّ ومحمَّد بن أَبان
كلاهما عن عَلْقمة، بزيادة سعدٍ، وزاد في إسناده رجلاً آخر كما سأُبيِّنُه، وكلُّ هذه الرِّوايات
وهمٌّ، والصَّواب عن الثّوريّ بدون ذِكْر سعد وعن شُعْبة بإثباته.
قوله: ((عن عُثْمان)) في رواية شَرِيك عن عاصم بن بَهدَلة: عن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ
عن ابن مسعود، أخرجه ابن أبي داود بلفظ: ((خيرُكم مَن قرأ القرآنَ وأقرأه)(٢)، وذكره
الدَّارَقُطنُّ وقال: الصَّحیح: عن أبي عبد الرَّحمن عن عثمان. وفي رواية خلّاد بن يحيى عن
الثَّوريّ بسندِه قال: عن أبي عبد الرَّحمن عن أَبانَ بن عثمان عن عثمان، قال الدَّارَ قُطنيُّ: هذا
(١) أخرج طريق يحيى بن آدم عن الثوري وقيس في ((الكامل)) ٣٩٨/٣ في ترجمة سعيد القداح، وأخرج
طريق يحيى عن شعبة وقيس فيه ٦/ ٤٥ في ترجمة قيس بن الربيع.
(٢) وأخرجه من هذا الطريق أيضاً ابنُ الضُّريس في ((فضائل القرآن)) (١٣٧)، والطبراني في ((الكبير)) (١٠٣٢٥)
و((الأوسط)) (٣٠٦٢). وشريك - وهو ابن عبد الله النخعي - سيئ الحفظ.
١٥١
باب ٢١ / ح ٥٠٢٨
كتاب فضائل القرآن
وهمٌّ، فإن كان محفوظاً احتَمَلَ أن يكون السُّلَميّ أخَذَه عن أبان بن عثمان عن عثمان، ثمَّ
لَقِيَ عثمانَ فأخَذَه عنه، وتُعقِّبَ بأنَّ أبا عبد الرَّحمن أكبر من أبان، وأبانُ اختُلِفَ في سماعه
من أبيه أشدَّ مَّ اختُلِفَ في سماع أبي عبد الرَّحمن من عثمان، فَبَعُدَ هذا الاحتمال.
وجاء من وجه آخر كذلك، أخرجه ابن أبي داود من طريق سعيد بن سَلّام عن محمَّد
ابن أبان: سمعتُ عَلْقمة يُحدِّث عن أبي عبد الرّحمن عن أبان بن عثمان عن عثمان، فذكره.
وقال: تفرَّد به سعيدُ بن سَلّام؛ يعني عن محمّد بن أبان.
قلت: وسعيدٌ ضعيف، وقد قال أحمد: حدَّثنا حَجّاج بن محمَّد عن شُعْبة قال: لم يسمع
أبو عبد الرَّحمن السُّلَمَيّ من عثمان، وكذا نَقَلَه أبو عَوَانة في «صحيحه)) (٣٧٧٦) عن شُعْبة
ثمّ قال: اختَلَفَ أهل التَّمييز في سماع أبي عبد الرَّحمن من عثمان، ونَقَّلَ ابنُ أبي داود عن
يحيى بن مَعِين مِثلَ ما قال شُعْبة. وذكر الحافظ أبو العلاء أنَّ مسلماً سَكَتَ عن إخراج هذا
الحدیث في ((صحیحه)).
قلت: قد وَقَعَ في بعض الطُّرق التَّصریحُ بتحديثِ عثمان لأبي عبد الرَّحمن، وذلك فيما
أخرجه ابن عَديّ (٢٥٦/٤) في ترجمة عبد الله بن محمَّد بن أبي مريم من طريق ابن جُرَيج
عن عبد الكريم عن أبي عبد الرَّحمن: / حدَّثني عثمان، وفي إسناده مقال، لكن ظَهَرَ لي أنَّ ٧٦/٩
البخاريَّ اعتَمَدَ في وصلِه وفي ترجيح لقاء أبي عبد الرَّحمن لعثمان على ما وَقَعَ في رواية
شُعْبة عن سعد بن عُبيدة من الزّيادة، وهي أنَّ أبا عبد الرَّحمن أَقرَأَ من زمن عثمان إلى زمن
الحجّاج، وأنَّ الذي حَمَلَه على ذلك هو الحديث المذكور، فدَلَّ على أنَّه سمعَه في ذلك الزمان،
وإذا سمعَه في ذلك الزّمان ولم يُوصَفْ بالتَّدليسِ اقْتَضَى ذلك سماعَه ثمّن عَنعَنَه عنه، وهو
عثمان ◌ُ، ولا سيَّمَا معَ ما اشتَهرَ بين القُرّاء أنَّه قرأ القرآنَ على عثمان، وأسنَدوا ذلك عنه من
رواية عاصم بن أبي النَّجُود وغیره، فكان هذا اولی من قول من قال: إنَّه لم يسمع منه.
قوله: ((خيركم مَن تَعلَّمَ القرآن وعَلَّمَه) كذا للأكثرِ، ولِلسَّرَخسيِّ: ((أو عَلَّمَه)) وهي للتَّنويع
لا للشَّكِّ، وكذا لأحمد (٤١٢) عن غُندَر عن شُعْبة، وزاد في أوَّله: ((إنَّ))، وأكثرُ الرُّواة عن
١٥٢
باب ٢١ / ح ٥٠٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
شُعْبة يقولونه بالواو، وكذا وَقَعَ عند أحمد (٤١٢) عن بَهْز، وعند أبي داود (١٤٥٢) عن
حفص بن عمر، كلاهما عن شُعْبة، وكذا أخرجه التِّرمِذيّ (٢٩٠٩) من حديث عليّ، وهي
أظهَرُ من حيثُ المعنى، لأنَّ التي بأوْ تقتضى إثباتَ الخيريَّة المذكورة لمن فعل أحدَ الأمرَينِ،
فيَلزَمُ أنَّ مَن تَعلَّمَ القرآن ولو لم يُعلِّمه غيرَه أن يكون خيراً مَّن عَمِلَ بما فيه مثلاً وإن لم
يَتَعَلَّمِه، ولا يقال: يَلزَمُ على رواية الواو أيضاً أنَّ مَن تَعلَّمَه وعَلَّمَه غيرَه أن يكون أفضلَ
مَّن عَمِلَ بما فيه من غير أن يَتَعلَّمَه ولم يُعلِّمه غيره، لأنّا نقول: يحتمل أن يكون المراد
بالخيريَّة من جهة حصول التَّعليم بعد العِلْم، والذي يُعلِّم غيرَه يَحصُل له النَّفْعُ المتعَدّي بخِلَاف
مَن يعمل فقط، بل من أشرَفِ العمل تعليمُ الغير، فمُعلِّمُ غيرِهِ يَستَلِزِم أن يكون تَعلَّمَه،
وتعليمُه لغيره عَمَلٌ وتحصيل نَفع متعدٍّ، ولا يقال: لو كان المعنى حول النَّفْع المتعَدّي لاشتَرَكَ
كلُّ مَن عَلَّمَ غيره عِلمً ما في ذلك، لأنّا نقول: القرآن أشَرَفُ العلوم، فيكون مَن تَعلَّمَه وعَلَّمَه
لغيره، أشَرَفَ مَّن تَعلَّمَ غير القرآن وإِن عَلَّمَهِ، فِيَنْبُت المدَّعَى.
ولا شكَّ أنَّ الجامع بين تَعلُّم القرآن وتعليمه مُكَمِّل لنفسِه ولغيره، جامعٌ بين النَّفْع
القاصر والنَّفع المتعَدِّي، ولهذا كان أفضل، وهو من جُملة مَن عَنَى سبحانه وتعالى بقولِه:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا وَقَالَ إِنَّنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]،
والدُّعاء إلى الله يقع بأُمورٍ شَتَّى من ◌ُلَتها تعليمُ القرآن، وهو أشَرَف الجميع، وعكسُه
الكافر المانع لغيره من الإسلام كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَّبَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَصَدَفَ
عَنْهَا﴾ [الأنعام: ١٥٧].
فإن قيلَ: فيَلزَمُ على هذا أن يكون المقرِئُ أفضلَ من الفقيه، قلنا: لا، لأنَّ المخاطَبِين
بذلك كانوا فقهاءَ النُّفوس، لأنَّهم كانوا أهلَ اللِّسان، فكانوا يدرونَ معاني القرآن بالسَّليقة
أكثر ممّا يَدرِبها مَن بعدهم بالاكتساب، فكان الفقه لهم سَجيّةٌ، فمَن كان في مثل شأنهم
شارَكَهم في ذلك، لا مَن كان قارئاً أو مُقرِئاً محضاً لا يَفهَمُ شيئاً من معاني ما يَقرؤُه أو
يُقرِئه.
١٥٣
باب ٢١ / ح ٥٠٢٨
كتاب فضائل القرآن
فإن قيل: فيَلزَمُ أن يكون المقرِئ أفضلَ ثَمَّن هو أعظَمُ غَناءً في الإسلام بالمجاهَدة
والرِّباط والأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر مثلاً، قلنا: حرفُ المسألة يدور على النَّفْع
المتعَدِّي، فمَن كان حصوله عنده أكثرَ كان أفضلَ، فلعلَّ ((مِن)) مُضمَرة في الخبر، ولا بُدَّمعَ
ذلك من مُراعاة الإخلاص في كلّ صِنفٍ منهم.
ويحتمل أن تكون الخيريَّةُ وإن أُطلِقَت، لكنَّها مُفيَّدة بناسٍ مخصوصينَ خُوطِبوا بذلك كان
اللّائقُ بحالهم ذلك، أو المراد: خيرُ المتعلِّمينَ مَن يُعلِّم غيره لا مَن يَقتَصِر على نفسه، أو المراد
مُراعاةُ الْخَيْنِيَّة، لأنَّ القرآن خيرُ الكلام، فمُتعلِّمه خيرٌ من مُتَعلِّم غيرِه بالنّسبة إلى خيريّة القرآن،
وكيفَما كان فهو مخصوص بمَن عَلَّمَ وتَعلَّمَ، بحيثُ يكون قد عَلِمَ ما يجب عليه عَيْناً.
قوله: ((قال: وأقرَأَ أبو عبد الرّحمن في إمْرة عُثْمان حتَّى كان الحجّاجُ)) أي: حتَّى وَلِيَ
الحجّاجُ على العراق. قلت: بينَ أوَّل خِلَافة عثمان وآخِرٍ ولاية الحجّاج اثنتان وسبعونَ سنةً
إلّا ثلاثةَ أشهر، وبين آخر خِلَافة عثمان وأوَّل وِلاية الحجّاجِ العراقَ ثمانٍ وثلاثونَ سنة، ولم
أقِفْ على تعيين ابتداء إقراء أبي / عبد الرّحمن وآخره، فالله أعلمُ بمقدار ذلك، ويُعرَف من ٧٧/٩
الذي ذكرتُّه أقصى المدّة وأدناها.
والقائل: ((وأقرأً ... )) إلى آخره، هو سعد بن عُبيدة، فإنّني لم أرَ هذه الزّيادة إلّا من رواية
شُعْبة عن عَلْقمة، وقائل: ((وذاكَ الذي أقعَدَني مَقعَدي هذا)) هو أبو عبد الرَّحمن، وحكى
الكِرْمانيُّ: أنَّه وَقَعَ في بعض نُسَخ البخاريّ: ((قال سعد بن عُبيدة: وأقرأَني أبو عبد الرَّحمن))
قال: وهي أنسَبُ لقوله: وذاكَ الذي أقعَدَني ... إلى آخره، أي: أنَّ إقراءَه إيّاي هو الذي
حَمَني على أن قَعَدتُ هذا المقعَد الجليل، انتهى.
والذي في مُعظَم النُّسَخِ: ((وأقرأ)) بحذفِ المفعول وهو الصَّواب، وكأنَّ الكِرْمانيّ ظنَّ
أنَّ قائل: ((وذاكَ الذي أقعَدَني)) هو سعد بن عُبیدة، وليس كذلك، بل قائله أبو عبد الرَّحمن،
ولو كان كما ظنَّ لَلَزِمَ أن تكون المدّة الطَّويلة سِيقَت لبيان زمان إقراء أبي عبد الرَّحمن لسعد
ابن عُبيدة، وليس كذلك، بل إنَّما سِيقَت لبيان طول مُدَّته لإقراءِ الناسِ القرآنَ، وأيضاً
١٥٤
باب ٢١ / ح ٥٠٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
فكان يَلزَم أن يكون سعدُ بن عُبيدة قرأ على أبي عبد الرّحمن من زمن عثمان، وسعد لم يُدرِكْ
زمان عثمان، فإنَّ أكبَرَ شيخ له المغيرة بن شُعْبة، وقد عاش بعد عثمان خمس عشرة سنة،
وكان يَلزَم أيضاً أن تكون الإشارة بقولِه: ((وذلك)) إلى صَنِيع أبي عبد الرَّحمن، وليس
كذلك، بل الإشارة بقولِه: ((ذلك)) إلى الحديث المرفوع، أي: إنَّ الحديث الذي حدَّث به
عثمانُ في أفضليَّةٌ مَن تَعلَّمَ القرآن وعَلَّمَه، حَمَلَ أبا عبد الرَّحمن أن قَعَدَ يُعلِّم الناس القرآن
ليحصِّل تلك الفضيلة، وقد وَقَعَ الذي حَلْنا كلامَه عليه صريحاً في رواية أحمد (٤١٢) عن
محمَّد بن جعفر وحَجّاج بن محمَّد جميعاً عن شُعْبة عن عَلْقمة بن مَرتَد عن سعد بن عُبيدة
قال: قال أبو عبد الرّحمن: فذاكَ الذي أقعَدَني هذا المقعَدَ، وكذا أخرجه التِّرمِذيّ (٢٩٠٧)
من رواية أبي داود الطَّيَالسيِّ عن شُعْبة وقال فيه: مَقعَدي هذا، قال: وعَلَّمَ أبو عبد الرَّحمن
القرآن في زمن عثمان حتَّى بَلَغَ الحجّاجَ، وعند أبي عَوَانة (٣٧٦٧) من طريق بِشْر بن عُمَر
وأبي عَتّاب(١) وأبي الوليد ثلاثتهم عن شُعْبة بلفظ: قال أبو عبد الرَّحمن: فذاكَ الذي
أقعَدَني مَفعَدي هذا، وكان يُعلِّم القرآن؛ والإشارة بذلك إلى الحديث كما قَرَّرتُه، وإسناده
إليه إسناد مَجَازيّ، ويحتمل أن تكون الإشارةُ به إلى عثمان، وقد وَقَعَ في رواية أبي عَوَانة
أيضاً (٣٧٦٥) عن يوسف بن مسلم عن حَجّاج بن محمّد بلفظ: قال أبو عبد الرَّحمن: وهو
الذي أجلَسَني هذا المجلِسَ؛ وهو مُحْتَمَل أيضاً.
قوله: ((حدّثنا سُفْيان)) هو الثَّوْرِيّ، وعَلْقمة بن مَرِئَد: بمُثَلَّئَةٍ بَوَزنٍ جَعفَر، ومنهم مَن
ضَبَطَه بكسرِ المثلَّثة، وهو من ثقات أهل الكوفة من طبقة الأعمَش، وليس له في البخاريّ
سوى هذا الحديث، وآخرَ في الجنائز (١٣٦٩) من روايته عن سعد بن عُبيدة أيضاً، وثالث
في مناقب الصَّحابة(٢)، وقد تقدَّما.
(١) في (س): من طريق بشر بن أبي عمرو وأبي غياث، وهو تحريف، وبشر بن عمر: هو الزهراني، وأبو عتّاب: هو
سهل بن حماد الدلّال، وأما أبو الوليد: فهو هشام بن عبد الملك الطيالسي، وثلاثتهم بصريُّون من الطبقة ذاتها.
(٢) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فالموضع الثالث الذي له في البخاري هو في التفسير برقم (٤٦٩٩)،
وهو الحديث نفسه الذي في الجنائز في سؤال القبر، إذاً له في البخاري حديثان لا ثلاثة.
١٥٥
باب ٢١ / ح ٥٠٢٩
كتاب فضائل القرآن
قوله: ((إنَّ أفضلكم مَن تَعلَّمَ القرآنَ أو عَلَّمَه)) كذا ثَبَتَ عندهم بلفظ ((أو))، وفي رواية
التِّرمِذيّ (٢٩٠٨) من طريق بِشْر بن السَّرِيّ عن سفيان: ((خيركم - أو أفضلكم - مَن تَعلَّمَ
القرآن وعَلَّمَه))، فاختُلِفَ في رواية سفيان أيضاً في أنَّ الرِّواية بأوْ أو بالواو، وقد تقدَّم
توجیهه.
وفي الحديث الحثُّ على تعليم القرآن، وقد سُئلَ الثَّوريُّ عن الجهاد وإقراء القرآن
فَرَجَّحَ الثّاني واحتجَّ بهذا الحديث، أخرجه ابن أبي داودَ، وأخرج عن أبي عبد الرّحمن
السُّلَميّ: أنَّه كان يُقرِئ القرآن خمسَ آيات خمسَ آيات، وأسنَدَ من وجه آخر عن أبي
العاليَة مِثْلَ ذلك، وذكر أنَّ جِبْريل كان يَنزِل به كذلك، وهو مُرسَل جيِّد، وشاهده ما
قَدَّمتُه في تفسير المدَّثِّر وفي تفسير سورة ((اقرأ)).
٥٠٢٩ - حدَّثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ، حدَّثنا حَمَّدٌ، عن أبي حازِمٍ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ، قال: أنتِ
النبيَّ ◌َِّ امرأةٌ، فقالت: إنَّها قد وَهَبَت نفسَها لله ولرسوله ◌ََّ، فقال: ((ما لي في النِّساءِ من
حاجةٍ)) فقال رجلٌ: زَوِّجْنِيها، قال: ((أَعطِها ثَوْباً) قال: لا أجِدُ، قال: «أعطِها ولو خاتماً من
حديدٍ)) فاعْتَلَّ له، فقال: ((ما مَعَكَ منَ القرآنِ؟)) قال: كذا وكذا، قال: ((فقد زَوَّجْتُكَها بِمَا مَعَكَ
منَ القرآنِ».
ثمَّ ذكر المصنِّف طَرَفاً من حديث سَهْل بن سعد في قصَّة التي وَهَبَت نفسها، قال ابن
بَطّال: وجه إدخاله في هذا الباب أنَّه وَله زَوَّجَه المرأة لحُرْمة القرآن، وتَعقَّبَه ابن التِّين: بأنَّ
السِّيَاق يدلُّ على أنَّه زَوَّجَها له على أن يُعلِّمها، وسيأتي البحث فيه معَ استيفاء شرحِه في كتاب
النِّكاح (٥٠٨٧)، وقال غيره: وجه دخوله أنَّ فضلَ القرآن ظَهَرَ على صاحبه في العاجل بأن قامَ
له مقامَ المال الذي يُتَوصَّل به إلى بلوغ الغَرَض،/ وأمَّا نَفعُه في الآجل فظاهرٌ لا خفاءً به.
قوله: ((وَهَبَت نفسَها لله ولرسوله)) في رواية الحَمُّوِيِّ: ولِلَّسولِ.
قوله: «ما مَعَكَ من القرآن؟ قال: كذا وكذا)» ووَقَعَ في الباب الذي يلي هذا: سورةُ كذا وسورةٌ
کذا، وسیأتي بیانُ ذلك عند شرحِه إن شاء الله تعالى.
٧٨/٩
١٥٦
باب ٢٢ / ح ٥٠٣٠
فتح الباري بشرح البخاري
٢٢ - باب القراءة عن ظَهْر القلب
٥٠٣٠- حدَّثْنَا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي حازِمٍ، عن سَهْلِ
ابنِ سعدٍ: أنَّ امرأةً جاءت رسولَ اللهِنَ ◌ّه فقالت: يا رسولَ الله، جِئْتُ لأهَبَ لكَ نفسي، فَنَظَرَ
إليها رسولُ اللهِ وَّةِ، فصَعَّدَ النَّظَرَ إليها وصَوَّبَه، ثمَّ طَأْطَأَ رأسَه، فلمَّا رَأْتِ المرأةُ أنَّه لم يَقْضِ
فيها شيئاً جَلَسَت، فقامَ رجلٌ من أصحابِهِ، فقال: يا رسولَ الله، إن لم يكن لكَ بها حاجةٌ
فَزَوِّجْنِيها، فقال: ((هل عندَكَ من شيءٍ؟)) فقال: لا والله يا رسولَ الله، قال: ((اذهبُ إلى أهلِكَ،
فانظُرُ هل تَجِدُ شيئاً؟)) فذهب ثمَّ رَجَعَ، فقال: لا والله يا رسولَ الله، ما وَجَدْتُ شيئاً، قال:
((انظُرُ ولو خاتماً من حديدٍ)) فذهب ثمَّ رَجَعَ، فقال: لا والله يا رسولَ الله، ولا خاتَماً من حديدٍ،
ولكن هذا إزَارِي - قال سَهْلٌ: ما له رِداءٌ - فلها نِصْفُه، فقال رسولُ الله وَّ: ((ما تَصْنَعُ
بإزارِكَ؟ إن لَبِسْتَه لم يكن عليها منه شيءٌ، وإن لَبِسَتْه لم يكن عليكَ شيءٌ» فجَلَسَ الرجلُ حتَّى
طالَ تَجَلِسُه، ثمَّ قامَ فرآه رسولُ الله ◌ِِّ مُوَلِيّاً، فأمَرَ به فدُعِيَ، فلمَّا جاءَ قال: ((ماذا مَعَكَ منَ
القرآنِ؟)) قال: معي سورةُ كذا، وسورةُ كذا، وسورةُ كذا، عَدَّها، قال: ((أتقرَؤُهُنَّ عن ظَهْرِ
قَلْبِكَ؟)) قال: نعم، قال: ((اذهَبْ، فقد مَلَّكْتُكَها بما مَعَكَ منَ القرآنِ)).
قوله: ((باب القراءة عن ظَهْرِ القَلْب)) ذكر فيه حديث سَهْل في الواهبة مُطوَّلاً، وهو
ظاهرٌ فيما تَرجَمَ له لقولِه فيه: ((أتقرَؤُهُنَّ عن ظَهرِ قلبك؟ قال: نعم)) فدَلَّ على فضل
القراءة عن ظَهرِ القلب لأنَّها أمكَنُ في التَّوَصُّل إلى التَّعليم، وقال ابن كثير: إن كان
البخاريُّ أراد بهذا الحديث الدّلالةَ على أنَّ تلاوة القرآن عن ظَهرِ قلبٍ أفضل من تِلاوَته
نظراً من المصحَف، ففيه نظرٌ، لأنَّها قضيَّة عينٍ فيحتمل أن يكون الرجل كان لا يُحسِن
الكتابةَ وعَلِمَ النبيُّ نَّ ذلك، فلا يدلّ ذلك على أنَّ التِّلاوة عن ظَهرِ قلبٍ أفضل في حَقّ
مَن يُحسِن ومَن لا يُحسِن، وأيضاً فإنَّ سياق هذا الحديث إنَّما هو لاستثبات أنَّه يحفظ تلك
السُّوَر عن ظَهرِ قلبٍ ليتمكّن من تعليمه لزوجتِه، وليس المراد أنَّ هذا أفضلُ من التِّلاوة
نظراً ولا عَدَمَه.
١٥٧
باب ٢٣ / ح ٥٠٣١
كتاب فضائل القرآن
قلت: ولا يَرِدُ على البخاريّ شيءٌ ممّا ذُكِرَ، لأنَّ المراد بقولِه: ((باب القراءة عن ظَهرِ
قلب)) مشروعيَّتها أو استحبابها، والحديث مُطابِقٍ لمَا تَرجَمَ به، ولم يَتعرَّض لكونها أفضلَ
من القراءة نظراً.
وقد صَرَّحَ كثيرٌ من العلماء بأنَّ القراءة من المصحَف نظراً أفضلُ من القراءة عن ظَهرِ
قلب، وأخرج أبو عُبيد في ((فضائل القرآن))(١) من طريق عُبيد الله بن عبد الرّحمن عن
بعض أصحاب النبيّ رََّرَفَعَه قال: ((فضلُ قراءة القرآن نظراً على مَن يقرؤُه ظَهراً كفضلٍ
الفريضة على النافلة)) وإسناده ضعيف، ومن طريق ابن مسعود موقوفاً: أدِيموا النَّظَر في
المصحَف، وإسناده صحيح، ومن حيثُ المعنى أنَّ القراءة في المصحَف أسلمُ من الغَلَط،
لكنَّ القراءة عن ظَهرِ قلب أبعَدُ/ من الرِّياء وأمكنُ للخُشوعِ.
٧٩/٩
والذي يظهرُ أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. وأخرج ابن أبي داود
بإسنادٍ صحيح عن أبي أمامةَ: اقرؤوا القرآن، ولا تَغُرَّنَّكم هذه المصاحفُ المعلّقة، فإنَّ الله
لا يُعذِّب قلباً وَعَى القرآن(٢).
وزَعَمَ ابنُ بَطّال أنَّ في قوله: ((أتقرَؤُهُنّ عن ظَهرِ قلب؟)) رَدّاً لمَا تأوَّلَه الشافعيُّ في
إنكاح الرجل على أنَّ صَدَاقها أُجرة تعليمها، كذا قال، ولا دلالةَ فيه لمَا ذُكِرَ، بل ظاهر
سياقه أنَّه استَئِبَتَه كما تقدَّمَ، والله أعلم.
٢٣ - باب استذكارِ القرآن وتعاهُدِه
٥٠٣١- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما،
أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((إنَّا مَثَلُ صاحبِ القرآنِ كَمَثَلِ صاحبِ الإبلِ المعَقَّلِةِ، إِنْ عاهَدَ عليها
أمسَكَها، وإِنْ أَطْلَقَها ذَهَبَتْ)).
قوله: ((باب استِذْكار القرآن)» أي: طلب ذُكْره، بضمِّ الذّال ((وتَعاهُدِه)) أي: تجديد العهد
(١) ص١٠٤، وفيه: عبد الله بن عبد الرحمن، مكبَّراً، ولم نتبيَّنه سواء كان عبد الله بن عبد الرحمن أو عبيد الله.
(٢) وأخرجه ابن أبي شيبة ٥٠٥/١٠، والدارمي (٣٣٦٢)، والبخاري في ((خلق أفعال العباد)) (٣٧٦).
١٥٨
باب ٢٣ / ح ٥٠٣١
فتح الباري بشرح البخاري
به بملازمة تِلاوَته.
وذكر في الباب ثلاثةً أحاديث:
الأول: قوله: ((إنَّا مَثَلُ صاحب القرآن)) أي: معَ القرآن، والمراد بالصّاحب الذي أَلِفَه،
قال عِيَاض: المؤالَفة: المصاحبة، وهو كقوله: أصحاب الجنَّة، وقولُه: ألِفَه، أي: ألِفَ
تِلاوتَه، وهو أعَمُّ من أن يألَفَها نظراً من المصحف أو عن ظَهرِ قلب، فإنَّ الذي يُداوم على
ذلك يَذِلُّ له لسانُه ويَسهُل عليه قراءتُه، فإذا هَجَرَه ثَقُلَت عليه القراءة وشَقَّت عليه، وقوله:
((إنَّ)) يقتضي الحَصْر على الرّاجح، لكنَّه حصرٌ مخصوص بالنّسبة إلى الِحِفْظ والنِّسيان
بالتِّلاوة والتَّرك.
قوله: ((كمَثَلِ صاحب الإبل المعقَّلة)) أي: معَ الإبل المعَقَّلة، والمُعقَّلَة بضمِّ الميم وفتح
العين المهمَلة وتشديد القاف، أي: المشدودة بالعِقَال: وهو الحبل الذي يُشَدُّ في رُكْبة البعير،
شُبِّ دَرْسُ القرآن واستمرار تِلاوَته برَبطِ البعير الذي يُحْشَى منه الشِّراد، فما دامَ التَّعاهدُ
موجوداً فالحِفْظُ موجود، كما أنَّ البعير ما دامَ مشدوداً بالعِقال فهو محفوظ. وخَصَّ الإبل
بالذِّكرِ لأنَّها أشدُّ الحيوان الإنسيّ نُفوراً، وفي تحصيلها بعدَ استمكان نُفورها صعوبةٌ.
قوله: ((إنْ عاهَدَ عليها أمسَكَها)» أي: استَمرَّ إمساكُه لها، وفي رواية أيوب عن نافع عند
مسلم: ((فإن عَقَلَهَا حَفِظَها))(١).
قوله: ((وإن أطْلَقَها ذهبَت)) أي: انفَلَتَت، وفي رواية عُبيد الله بن عمر عن نافع عند
مسلم: ((إن تَعاهَدَها صاحبُها فعَقَلَها أمسَكَها، وإن أطلقَ عَقْلَها ذَهَبَت))(٢)، وفي رواية
٨٠/٩ موسى ابن عُقْبة عن نافع (٧٨٩/ ٢٢٧): ((إذا قامَ صاحب / القرآن فقرأه باللَّلِ والنَّهار ذَكَرَه،
وإذا لم يَقُم به نَسِيَه)).
(١) رواية أيوب عن نافع عند مسلم (٧٨٩) (٢٢٧)، إلّا أنه لم يسق لفظها وأحال على رواية مالك عنده
وليس فيها هذا اللفظ، وهو عند عبد الرزاق في ((المصنف)) (٥٩٧١) وعنه أخرجه أحمد (٤٩٢٣).
(٢) القول في رواية عبيد الله بن عمر هذه عند مسلم كالقول في رواية أيوب السابقة، وهي بهذا اللفظ عند
أحمد (٤٨٤٥).
١٥٩
باب ٢٣ / ح ٥٠٣٢
كتاب فضائل القرآن
الحديث الثاني:
٥٠٣٢- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عَرْعَرةَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن منصورٍ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله،
قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((بِئْسَ ما لأحدِهم أن يقولَ: نَسِيتُ آيَةً كَيْتَ وكَيْتَ، بل نُسِّيَ، واستَذْكِروا
القرآنَ، فإنَّه أشَدُّ تَفَصِّياً من صُدورِ الرِّجال منَ النَّعَمِ)).
[طرفه في: ٥٠٣٩]
حدَّثنا عُثْمَانُ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ ... مِثْلَه.
تَابَعَه بِشْرٌ، عن ابنِ المبارَكِ، عن شُعْبَةَ.
وتابَعَه ابنُ جُرَيج، عن عَبْدةَ، عن شَقِيقٍ، سمعتُ عبدَ الله، سمعتُ النبيَّ ◌َلِهِ.
قوله: ((حدَّثنا محمَّد بن عَرْعَرة)) بعينٍ مُهمَلة مفتوحة وراء ساكنة مُكرَّرتَينِ، ومنصور:
هو ابن المعتمِر، وأبو وائل: هو شَقِيق بن سَلَمةَ، وعبد الله: هو ابن مسعود، وسيأتي في
الرِّواية المعلّقة التَّصريحُ بسماع شَقِيق له من ابن مسعود.
قوله: ((بِئْسَ ما لأحدِهم أن يقول)) قال القُرطُبيّ: بئسَ هي أُخت نِعمَ، فالأُولى للدَّمِّ
والأُخرى للمَدح، وهما فِعْلان غير مُتْصَرِّفَينِ يرفعان الفاعل ظاهراً أو مُضمَراً، إلّا أنَّه إذا
كان ظاهراً لم يكن في الأمر العامّ إلّا بالألفِ واللّام للجِنْس، أو مضافاً إلى ما هما فيه حتَّى
يَشْتَمِل على الموصوف بأحدِهما، ولا بدَّ من ذِكْره تعييناً، كقوله: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وبئسَ
الرجلُ عَمْرٌو، فإن كان الفاعلِ مُضمَراً فلا بُدَّ من ذِكْر اسم نَكِرة يُنصَب على التَّفسير
للمضمَر، كقوله: نِعمَ رجلاً زيدٌ، وقد يكون هذا النَّفسير ((ما)» على ما نَصَّ علیه ◌ِیبویه،
كما في هذا الحديث وكما في قوله تعالى: ﴿فَنْعِمَّا هِىَ﴾ [البقرة: ٢٧١](١) و ((ما) نَكِرةٌ موصوفة
و ((أن يقول)) مخصوص بالذَّمِّ، أي: بئسَ شيئاً كان الرجل يقول.
قوله: ((نَسِيتُ)) بفتح النُّون وتخفيف السّين اتِّفاقاً.
(١) زاد هنا في (س): ((وقال الطيبي))، ولم ترد في الأصلين ولم ينسب هذا الكلام إلى الطيبي في ((عمدة القاري))
٢٥/ ٢٠٣ أيضاً، فيغلب على ظننا أنها زيادة مقحَمة.
١٦٠
باب ٢٣ / ح ٥٠٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((آيَة كَيْتَ وكَيْتَ)) قال القُرطُبيّ: كَيْتَ وكَيْتَ يُعبَّر بهما عن الجُمَل الكثيرة
والحديث الطَّيل، ومثلهما: ذَيْتَ وذَيْتَ. وقال ثَعلَب: كَيْتَ للأفعال وذَيْتَ للأسماءِ.
وحكى ابنُ التِّين عن الدَّاووديّ: أنَّ هذه الكلمة مثل: كذا، إلّا أنَّها خاصّة بالمؤنَّثِ، وهذا
من مُفرَدات الدَّاوُوديّ.
قوله: ((بل هو نُسِّيَ)) بضمِّ النُّون وتشديد المهمَلة المكسورة، قال القُرطُبيّ: رواه بعض
رُوَاة مسلم (٧٩٠) مُفَّفاً. قلت: وكذا هو في ((مُسنَد أبي يَعْلى)) (٥١٣٦)، وكذا أخرجه ابن
أبي داود في كتاب ((الشَّريعة)) من طرق متعدِّدة مضبوطة بخَطٍّ موثوق به على كلّ سين
علامة التَّخفيف، وقال عِيَاض: كان الكِنانيّ - يعني أبا الوليد الوَقْشِيَّ - لا يجيز في هذا غيرَ
التَّخفيف.
قلت: والَّعقيل هو الذي وَقَعَ في جميع الرِّوايات في البخاريّ، وكذا في أكثر الرِّوايات
في غيره، ويُؤَيِّده ما وَقَعَ في رواية أبي عُبيد في ((الغريب)) (١٤٨/٣) بعد قوله: (كيتَ
وكيتَ)): ((ليس هو نَسِيَ ولكنَّه نُسّيَ))، الأوَّل بفتح النُّون وتخفيف السِّين والثّاني بضمِّ النُّون
وتثقیل السّین.
قال القُرطُبيّ: التَّثَقيل معناه: أنَّه عُوقِبَ بوقوع النِّسيان عليه لتفريطِه في مُعاهَدَته
واستذكاره، قال: ومعنى التَّخفيف: أنَّ الرجل تَرَكَ غيرَ مُلتَفِت إليه، وهو كقوله تعالى:
﴿فَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، أي: تَرَكَهم في العذاب، أو تَرَكَهم من الرَّحمة.
واختُلِفَ في مُتَعلَّق الذَّمّ من قوله: ((بئسَ)) على أوجُه:
الأوَّل: قيل هو على نِسبة الإنسان إلى نفسه النِّسيانَ وهو لا صُنعَ له فيه، فإذا نَسَبَه إلى
نفسه أوهَمَ أنَّه انفَرَدَ بفعلِهِ، فكان ينبغي أن يقول: أُنْسِيت أو نُسّيت بالَّثَقيلِ على البناء
للمجهولِ فيهما، أي: أنَّ الله هو الذي أنساني، كما قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ
اُللَّهَ رَفَى﴾ [الأنفال: ١٧]، وقال: ﴿ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ{ أَمَّ ◌َحْنُ الزَّرِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤]، وبهذا الوجه
جَزَمَ ابن بَطّال، فقال: أراد أن يُجريَ على ألسُن العباد نِسبةَ الأفعال إلى خالقها لمَا في ذلك