Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ باب ٨ / ح ٥٠٠١ كتاب فضائل القرآن وصَدراً من خِلَافة عثمان. انتهى، والاحتمال الثّاني موجّه، وفي الأخير غَفْلة عمّا في أوَّل الخبر أنَّ ذلك كان بحِمصَ، ولم يَلِها ابن مسعود وإِنَّمَا دَخَلَها غازياً وكان ذلك في خِلَافة عمر. وأمَّا الجواب الثّاني عن الرّائحة، فيَرُدّه النَّقُلُ عن ابن مسعود: أنَّه كان يرى وجوب الحدّ بمُجرَّدٍ وجود الرّائحة، وقد وَقَعَ مِثْلُ ذلك لعثمان في قصَّة الوليد بن عُقْبة(١)، ووَقَعَ عند الإسماعيليّ إثرَ هذا الحديث النَّقُلُ عن عليّ: أنَّه أنكَرَ على ابن مسعود جلدَه الرجلَ بالرّائحة وحدَها إذ لم يُقِرَّ أو يُشهَدْ عليه. وقال القُرطُبيّ: في الحديث حُجّة على مَن يَمنَع وجوبَ الحدّ بالرّائحة كالحنفيّة، وقد قال به مالك وأصحابه وجماعةٌ من أهل الحجاز. قلت: والمسألة خِلاَفيَّة شهيرة، ولِلمانع أن يقول: إذا احتُمِلَ أن يكون أقَرَّ، سَقَطَ الاستدلال بذلك، ولمَّا حكى الموَفَّق في ((المغني)) الِخِلَاف في وجوب الحدّ بمُجرَّدِ الرّائحة، اختارَ أن لا يُحدَّ بالرّائحة وحدَها، بل لا بدَّ معها من قَرِينة؛ كأن يُوجَد سكرانَ أو يتقيَّأَها، ونحوه أن يُوجَد جماعة شُهِروا بالفِسْق ويُوجَد معهم خمر ويُوجَد من أحدهم رائحة الخمر. وحكى ابن المنذر عن بعض السَّلَف: أنَّ الذي يجب عليه الحدُّ بمُجرَّدِ الرّائحة مَن يكون مشهوراً بإدمان شرب الخمر، وقيل بنحوِ هذا التَّفصيل فيمَن شَكَّ وهو في الصلاة: هل خَرَجَ منه ريح أو لا؟ فإن قارَنَ ذلك وجودُ رائحة، دَلَّ ذلك على وجود الحَدَث فيَتَوَضَّأ، وإن كان في الصلاة فليَنصَرِفْ، ويُحمَل ما وَرَدَ من تركِ الوضوء معَ الشكّ على ما إذا تَجرَّدَ الظَّنُّ عن القَرِينة، وسيكون لنا عَوْدة إلى هذه المسألة في كتاب الحدود إن شاءَ الله تعالى(٢). (١) يعني أنه اكتفى بوجود إشارة أو دليل على شربها من غير اعتراف أو شهود شاهدين على شربه لها، ففي قصة الوليد بن عقبة عند مسلم (١٧٠٧) أنه شهد عليه رجل واحد أنه شربها وشهد آخرُ أنه رآه يتقيَّاً، فقال عثمان: إنه لم يتقيَّأ حتى شربها، وأمر بجلده. (٢) من قوله: ((وسيكون لنا)) إلى هنا، من (س) وحدها، ولم يرد في الأصلين. ١٠٢ باب ٨ / ح ٥٠٠٢ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا الجواب عن الثّالث فجيِّد أيضاً، لكن يحتمل أن يكون ابن مسعود كان لا يرى بمُؤاخذة السَّكران بما يَصدُر منه من الكلام في حال سُكْره، وقال القُرطُبيّ: يحتمل أن يكون الرجل كَذَّبَ ابن مسعود ولم يُكذِّب بالقرآن، وهو الذي يظهر من قوله: ((ما هكذا أُنْزِلَت)) فإنَّ ظاهره أنَّه أثبَتَ إنزالها ونَفَى الكيفيَّة التي أورَدَها ابن مسعود، وقال الرجل ذلك إمّا جهلاً منه، أو قِلّةَ حفظ، أو عَدَمَ تَثُّت بَعَثَه علیه السُّكر، وسيأتي مزيد بحث في ذلك في كتاب الطَّلاق إن شاءَ الله تعالى(١). الحديث الرّابع: ٥٠٠٢ - حدَّثْنَا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حذَّثنا مسلمٌ، عن مسروقٍ، قال: قال عبدُ الله ◌ِ﴾: والله الذي لا إلهَ غيرُه، ما أُنزِلَت سورةٌ من كتابِ الله إلّا أنا أعلمُ أينَ أُنْزِلَت، ولا أُنزِلَت آيةٌ من كتابِ الله إلّا أنا أعلمُ فيمَن أَنْزِلَت، ولو أعلمُ أحداً أعلمَ منّي بكتابِ الله تُبلِّغُه الإبلُ، لَرَ کِیتُ إليه. قوله: ((حدَّثنا مُسلِم)) هو أبو الضُّحَى الكوفيّ، وَقَعَ كذلك في رواية أبي حمزة عن الأعمَش عند الإسماعيليّ، وفي طبقة مسلم هذا رجلان من أهل الكوفة يقال لكلٍّ منهما: مسلم، أحدهما: يقال له الأعوَر، والآخر: يقال له البَطِين، فالأوَّل: هو مسلم بن كَيْسانَ، والثّاني: مسلم بن عِمران، ولم أرَ لواحدٍ منهما رواية عن مسروق، فإذا أُطلِقَ مسلم عن مسروق عُرِفَ أنَّه هو أبو الضُّحَى، ولو اشتَرَكوا في أنَّ الأعمَش روى عن الثلاثة. قوله: ((قال عبد الله)) في رواية قُطْبة عن الأعمَش عند مسلم (٢٤٦٣): عن عبد الله بن مسعود. قوله: ((واللهِ)) في رواية جَرِير عن الأعمَش عند ابن أبي داود (٥٩): قال عبد الله لمّا صُنِعَ بالمصاحفِ ما صُنِعَ: والله ... إلى آخره. قوله: ((فیمَن أُنزِلَت» في روایة الگُشْمِیهنيّ: فيما أُنزِلَت، ومثله في رواية قُطبة وجرِیر. (١) كتاب الطلاق: ١١ - باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران ... ١٠٣ باب ٨ / ح ٥٠٠٣ - ٥٠٠٤ كتاب فضائل القرآن قوله: (ولو أعلمُ أحداً أعلمَ منِّي بكتاب الله تُبلِّغه الإبلُ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((تُبلِّغُنِيه)) وهي رواية جَرِیر. قوله: (لَرَكِيْتُ إليه)) تقدَّم في الحديث الثّاني بلفظ: ((لَرَحَلتُ إليه))، ولأبي عبيد(١) من طريق ابن ◌ِيرِين: نُبِّئْتُ أنَّ/ ابن مسعود قال: لو أعلمُ أحداً تُبلِّغُنِيهِ الإبل أحدَثَ عهداً ٥١/٩ بالعَرْضة الأخيرة منِّ لَأتيتُه، أو قال: لَتَكلَّفْتُ أن آتيَه؛ وكأنَّه احْتَرَزَ بقولِه: ((تُبلِّغُنيه الإبل)) عمَّن لا يَصِلُ إليه على الرَّواحل؛ إمّا لكَونِهِ كان لا يَركَب البحرَ فقَيَّدَ بالبَرِّ، أو لأنَّه كان جازِماً بأنَّه لا أحد يَفُوقُه في ذلك من البشر فاحتَرَزَ عن سُكّان السماء. وفي الحديث جوازُ ذِكْرِ الإنسانِ نفسَه بما فيه من الفضيلة بقَدْر الحاجة، ويُحمَل ما وَرَدَ من ذَمّ ذلك على مَن وَقَعَ ذلك منه فخراً أو إعجاباً. ٥٠٠٣ - حدّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا همَّامٌ، حدَّثنا قَتَادةُ، قال: سألتُ أنسَ بنَ مالكٍ ﴾: مَن ◌َعَ القرآنَ على عَهْدِ النبيِّ وََّ؟ قال: أربعةٌ، كلُّهم منَ الأنصارِ: أُيُّ بنُ كَعْبٍ، ومعاذُ بنُ جَبَلٍ، وزیدُ بنُ ثابتٍ، وأبو زيدٍ. تابَعَه الفَضْلُ بنُ موسى، عن حُسَينِ بنِ واقٍ، عن ثُمامةَ، عن أنسٍ. ٥٠٠٤ - حدَّثنا مُعلَّى بنُ أسَدٍ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ المثنَّى، قال: حدَّثني ثابتٌ البُنَانِيُّ وثُمَامةُ، عن أنسٍ، قال: ماتَ النبيُّ وَّه ولم يَجمَع القرآنَ غيرُ أربعةٍ: أبو الدَّرْداءِ، ومعاذُ بنُ جبلٍ، وزيدُ ابنُ ثابتٍ، وأبو زيدٍ، قال: ونحنُ وَرِثْناه. الحديث الخامس: حديث أنس، ذكره من وجهَينِ. قوله: ((سألتُ أنس بن مالك: مَن ◌َمَعَ القرآن على عَهْد النبيّ وََّ؟ قال: أربعةٌ كلُّهم من الأنصار)) في رواية الطَّبَرَيِّ(٢) من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قَتَادة في أوَّل الحديث: (١) في ((فضائل القرآن)) ص١٠٢. (٢) كذا وقع في الأصول، ولم نقف على هذا الخبر في شيء من كتبه التي بين أيدينا، ولعله تحرف عن الطبراني، فإنَّ هذا الخبر عنده في ((المعجم الكبير)) (٣٤٨٨). ١٠٤ باب ٨ / ح ٥٠٠٤ فتح الباري بشرح البخاري افتَخَرَ الحيّانِ: الأوسُ والخَزْرَج، فقال الأوس: مِنّا أربعة: مَن اهتَزَّ له العَرشُ سعد بن معاذ، ومَن عَدَلَت شهادتُه شهادةَ رجلَينِ خُزيمةُ بنُ ثابت، ومَن غَسَّلَته الملائكة حَنظَلة بن أبي عامر، ومَن حَمَته الدَّبْر عاصم بن ثابت، فقال الخَزَرَج: مِنّا أربعة جَمَعوا القرآن لم يجمعه غیرُهم، فذكرهم. قوله: ((وأبو زيد)) تقدَّم في مناقب زيد بن ثابت (٣٨١٠) من طريق شُعْبة عن قَتَادة: قلت لأنسٍ: مَن أبو زيد؟ قال: أحد عُمومتي، وتقدّم بيان الاختلاف في اسم أبي زيد هناك، وجَوَّزتُ هناك أن لا يكون لقولِ أنس: ((أربعة)) مفهوم، لكن رواية سعيد التي ذكرتُها الآن من عند الطََّرَيِّ (١) صريحة في الحَصْر، وسعيد ثَبْتٌ في قَتَادة. ويحتمل معَ ذلك أنَّ مُراد أنس: ((لم يجمعه غيرهم)) أي: من الأوس، بقَرِينة المفاخَرة المذكورة، ولم يُرِدْ نفي ذلك عن المهاجِرِينَ. ثمَّ في رواية سعيد أنَّ ذلك من قول الخزرج، ولم يُفصِحْ باسم قائل ذلك، لكن لمَّا أورَدَه أنس ولم يَتَعَقَّبه كان كأَنَّه قائلٌ به ولا سيَّما وهو من الخَزْرَجِ. وقد أجابَ القاضي أبو بكر الباقلانيّ وغيره عن حديث أنس هذا بأجويةٍ: أحدها: أنَّه لا مفهومَ له، فلا یَلزم أن لا یکون غيرهم جمعه. ثانيها: المراد: لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات التي نَزَلَ بها إلّا أولئكَ. ثالثها: لم يجمع ما نُسِخَ منه بعد تِلاوَته وما لم يُنسَخ إلّا أولئكَ، وهو قريب من الثّاني. رابعها: أنَّ المراد بجمعِه تَلَقّيه من في رسول الله وَّهَ لا بواسطةٍ، بخِلَاف غيرهم فيحتمل أن يكون تَلَقَّى بعضَه بالواسطة. خامسها: أنَّهم تَصَدَّوا لإلقائه وتعليمه فاشتَهَروا به، وخَفِيَ حالُ غيرهم عمَّن عَرَفَ حالهم فحَصَرَ ذلك فيهم بحَسَب عِلْمِه، وليس الأمر في نفس الأمر كذلك، أو يكون السَّبَبَ في خَفَائهم أنَّهم خافوا غائلة الرّياء والعُجْب، وأمِنَ ذلك مَن أظهَرَه. سادسها: المراد بالجمع الكتابة، فلا يَنفي أن يكون غيرُهم جمعه حِفظاً عن ظَهْر قلب، (١) انظر التعليق السابق. ١٠٥ باب ٨ / ح ٥٠٠٤ كتاب فضائل القرآن وأمَّا هؤلاءِ فجَمَعوه كتابةً وحَفِظوه عن ظَهْر قلب. سابعها: المراد: أنَّ أحداً لم يُفصِحْ بأنَّه جمعه بمعنى: أكمَلَ حِفظَه، في عهد رسول الله وَل إلّا أولئكَ، بخِلَاف غيرهم فلم يُفصِحْ بذلك، لأنَّ أحداً منهم لم يُكمِلْه إلّا عند وفاة رسول الله وَ ل﴿ه حين نزلت آخرُ آية منه، فلعلّ هذه الآية الأخيرة وما أشبهَها ما حَضَرَها إلّا أولئكَ الأربعة ممَّن ◌َعَ جميع القرآن قبلها، وإن كان قد حَضَرَها مَن لم يجمع غيرَها الجمعَ البیِّن. ثامنها: أنَّ المراد بجمعِه: السَّمع والطاعة له، والعَمَل بمُوجِبِه، وقد أخرج أحمد في ((الزّهد)) من طريق أبي الزّاهريَّة: أنَّ رجلاً أتى أبا الدَّرداء فقال: إنَّ ابني جَمَعَ القرآن، فقال: اللهمَّ غُفراً، إِنَّا جَمَعَ القرآنَ مَن سمعَ له وأطاعَ. وفي غالب هذه الاحتمالات تكلُّف ولا سيّما الأخير، وقد أومأتُ قبل هذا إلى احتمال آخر، وهو أنَّ المراد إثبات ذلك للخَزرَجِ دون الأوس فقط، فلا ينفي ذلك عن غير القبيلتينِ من المهاجِرِينَ ومَن جاء بعدهم، ويحتمل أن يقال: إنَّما اقتَصَرَ عليهم أنس لتَعلَّقِ غَرَضه بهم، ولا يخفى بُعْدُه. والذي يظهر من كثير من الأحاديث أنَّ أبا بكر كان يحفظ القرآن في حياة رسول الله فقد تقدَّم في المبعَث (٣٩٠٥): أنَّه بَنَى مسجداً بفِناءِ داره، فكان يقرأ فيه القرآن، وهو محمولٌ على ما كان نزل منه إذ ذاكَ، وهذا ممّا لا يُرْتاب فيه معَ/ شِدّة حِرْص أبي بكر على ٥٢/٩ تَلَقّي القرآن من النبيّ وََّ، وفراغ بالِه له وهما بمَّة، وكَثْرة مُلازَمة كلٍّ منهما للآخرِ حتَّى قالت عائشة كما تقدَّم في الهجرة (٣٩٠٥): أنَّه وََّ كان يأتيهم بُكْرةً وعَشَّة. وقد صَخَّحَ مسلم (٦٧٣) حديث: ((يَؤُمّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله)) وتقدَّمَت الإشارة إليه، وتقدَّم (٦٧٨) أَنَّه وَّهِ أَمَرَ أبا بكر أن يَؤُمَّ في مكانه لمَّا مَرِضَ، فيدلّ على أنَّه كان أقرأَهم، وتقدَّم(١) عن عليّ أنَّه ◌َمَعَ القرآن على ترتيب التُّزول عَقِبَ موت النبيّ ◌َّةِ، وأخرج النَّسائيُّ (ك٨٠١٠) (١) عند شرح الحديث (٤٩٩٦)، وانظر أيضاً أوائل شرح الحديث (٤٩٨٦). ١٠٦ باب ٨ / ح ٥٠٠٤ فتح الباري بشرح البخاري بإسنادٍ صحيح عن عبد الله بن عمرو قال: جمعتُ القرآن فقرأتُ به كلَّ ليلة، فَبَلَغَ النبيَّ وَّل فقال: ((اقرأُه في شهر)) الحديث، وأصله في ((الصَّحيح)) (١٩٧٨ و٥٠٥٢) وتقدَّم في الحديث الذي مَضَى (٤٩٩٩) ذِكْرُ ابن مسعود وسالم مولى أبي حُذَيفة، وكلّ هؤلاءِ من المهاجِرِينَ. وقد ذكر أبو عُبيد القُرّاءَ من أصحاب النبيّ وََّ فعَدَّ من المهاجِرِينَ: الخلفاء الأربعة وطلحة وسعداً وابن مسعود وحُذَيفة وسالماً وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادِلة، ومن النِّساء: عائشةَ وحفصة وأُمّ سَلَمَةَ، ولكن بعض هؤلاء إنَّما أكمَلَه بعد النبيّ وَّ فِلا يَرِدُ على الحَصْر المذكور في حديث أنس، وعَدَّ ابن أبي داود في كتاب ((الشَّريعة)) من المهاجِرِينَ أيضاً: تَميم بن أوس الدَّاريّ وعُقْبة بن عامر، ومن الأنصار: عُبَادة بن الصّامت ومعاذاً الذي يُكْنى أبا حَلِيمةٍ ومُجُمِّع بن جاريَة وفَضَالة بن عبيد ومَسلَمة بن تَحَد وغيرهم، وصَرَّحَ بأنَّ بعضهم إنَّما جمعَه بعد النبيّ وَِّ، ومَّن جمعه أيضاً: أبو موسى الأشعريّ، ذكره أبو عَمْرو الدَّانيّ، وعَدَّ بعض المتأخِّرينَ من القُرّاء: عَمْرو بن العاص وسَعْد بن عُبيد (١) وأُمَّ وَرَقة. قوله: ((تابَعَه الفَضْل بن موسى، عن حُسَين بن واقد، عن ثُمامة، عن أنس)) هذا التَّعليق وَصَلَه إسحاق بن راهويه في ((مُسنَده)) عن الفضل بن موسى به، ثمَّ أخرجه المصنِّف من طريق عبد الله بن المثنَّى: حدَّثني ثابت البنانيُّ وثُمامة عن أنس قال: ماتَ النبيّ ◌َّ ولم يجمع القرآنَ غير أربعة، فذكر الحديث، فخالَفَ روايةَ قَتَادة من وجهَينِ: أحدهما: التَّصريح بصيغة الحَصْر في الأربعة، ثانيهما: ذِكْر أبي الدَّرداء بَدَلَ أُبيِّ بن كعب. فأمَّا الأوَّل فقد تقدَّم الجوابُ عنه من عِدّة أوجُه، وقد استَنكَرَه جماعة من الأئمَّة، قال المازَرِيُّ: لا يَلْزَمُ من قول أنس: ((لم يجمعه غيرهم)) أن يكون الواقعُ في نفس الأمر كذلك، لأَنَّ التَّقدير: أنه لا يعلم أنَّ سواهم جمعَه، وإلّا فكيف الإحاطة بذلك معَ كَثْرة الصَّحابة وتَفرُّقهم في البلاد؟! وهذا لا يَتِمُّ إلّا إن كان لَقِيَ كلَّ واحد منهم على انفِراده، وأخبَرَه عن نفسه أنَّه لم يَكمُل له جمعُ القرآن في عهد النبيّ ◌ََّ، وهذا في غاية البُعْد في العادة، وإذا كان (١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: سعد بن عباد. وانظر آخر شرح هذا الحديث في الكلام على نسب أبي زيد. ١٠٧ باب ٨ / ح ٥٠٠٤ كتاب فضائل القرآن المرجع إلى ما في عِلمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك. قال: وقد تَمَسَّكَ بقولِ أنس هذا جماعة من الملاحدة، ولا مُتَمسَّكَ لهم فيه، فإنّا لا نُسلِّم حمّلَه على ظاهره؛ سَلَّمناه، ولكن من أين لهم أنَّ الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سَلَّمناه، لكن لا يَلزَمُ من كَوْن كلِّ واحد من الجَمّ الغَفير لم يحفظْه كلَّه أن لا يكون حَفِظَ مجموعَه الجَمُّ الغَفير، وليس من شرط التَّواتُّر أن يحفظ كلَّ فرد جميعَه، بل إذا حَفِظَ الكلَّ الكلُّ ولو على التَّوزيع كَفَى. واستَدَلَّ القُرطُبيّ على ذلك ببعضِ ما تقدَّم من أنَّه قُتِلَ يوم اليمامة سبعونَ من القُرّاء، وقُتِلَ في عهد النبيّ ◌َّهَ بِبئرِ مَعُونة مِثْلُ هذا العدد، قال: وإنَّما خَصَّ أنس الأربعةَ بالذِّكرِ لشدّة تعلُّقه بهم دون غيرهم، أو لگونهم کانوا في ذِهْنه دون غيرهم. وأمَّا الوجه الثّاني من المخالفة، فقال الإسماعيليّ: هذان الحديثان مُخْتَلِفان، ولا يجوزانِ في الصَّحيح مع تَباينهما، بل الصَّحيح أحدهما. وجَزَمَ البيهقيُّ بأنَّ ذِكْر أبي الدَّرداء وهمٌّ والصَّواب أُبيّ بن كعب، وقال الدَّاوُوديّ: لا أرَى ذِكْر أبي الدَّرداء محفوظاً. قلت: وقد أشارَ البخاريُّ إلى عَدَم التَّرجيح باستواءِ الطَّريقين، فطريق قَتَادة على شرطه، وقد وافَقَه عليها ثُمامةُ في إحدَى الرِّوايتَينِ عنه، وطريق ثابت أيضاً على شرطه، وقد وافَقَه عليها أيضاً ثمامةُ في الرِّواية الأُخرَى، لكن تَخَرَج الرِّواية عن ثابت وتُمامة بموافَقَتِهِ وَقَعَ(١)/ عن عبد الله بن المثنَّى، وفيه مقالٌ وإن كان عند البخاريّ مقبولاً، لكن لا ٥٣/٩ تُعادِل روايتُه روايةَ قَتَادة، ويُرجِّح روايةَ قَتَادة حديثُ عمر في ذِكْر أُبيّ بن كعب وهو خاتمة أحاديث الباب، ولعلَّ البخاريَّ أشارَ بإخراجِه إلى ذلك لتصريح عمر بترجيحِه في القراءة على غيره، ويحتمل أن يكون أنس حدَّث بهذا الحديث في وقتَينِ فذكر مرَّةً أُبيّ بن كعب وذكر مرةً بدلَه أبا الدَّرداء، وقد روى ابن أبي داود(٢) من طريق محمَّد بن كعب القُرَظيّ (١) ھکذا في (ع)، وفي (أ) و(س): وقد وقع، بزيادة (وقد) وتصحُّ بإسقاط الواو من ((وقد)). (٢) كذا نسبه الحافظ إلى ابن أبي داود، ولم نقف عليه في المطبوع من كتابه ((المصاحف))، وهو عند ابن سعد في ((الطبقات)) ٣٥٦/٢، والبخاري في ((التاريخ الأوسط)) (١١٦). ١٠٨ باب ٨ / ح ٥٠٠٤ فتح الباري بشرح البخاري قال: جَمَعَ القرآنَ على عهد رسول الله وَّه خمسةٌ من الأنصار: معاذ بن جبل وعُبَادةُ بن الصّامت وأُبيّ بن كعب وأبو الدَّرداء وأبو أيوب الأنصاريّ، وإسناده حسن معَ إرساله، وهو شاهد جيّد لحديثٍ عبد الله بن المثنَّى في ذِكْر أبي الدَّرداء وإن خالَفَه في العدد والمعدود، ومن طريق الشَّعْبِيّ(١) قال: جَمَعَ القرآنَ في عهد رسول الله وَ لالستّة: منهم أبو الدَّرداء ومعاذ وأبو زيد وزيد بن ثابت؛ وهؤلاءِ الأربعة هم الذينَ ذُكِروا في رواية عبد الله بن المثنَّى، وإسناده صحيح معَ إرساله، فللَّهِ دَرُّ البخاريّ ما أكثرَ اطّلاعَه! وقد تَبَيَّن بهذه الرِّواية المرسَلة قوّة رواية عبد الله بن المثنَّى وأنَّ لروايتِه أصلاً، والله أعلم. وقال الكِرْمانيُّ: لعلَّ السامع كان يَعتَقِد أنَّ هؤلاءِ الأربعة لم يَجمَعوا وكان أبو الدَّرداء ثَمَّن جَمَعَ فقال أنس ذلك رَدّاً عليه، وأَتى بصيغة الحَصْرِ ادِّعاءً ومُبالَغة، ولا يَلزَمُ منه النَّفْيُ عن غيرهم بطريق الحقيقة، والله أعلم. قوله: ((وأبو زيد قال: ونحنُ وَرِثْناه)) القائل ذلك هو أنس، وقد تقدَّم في مناقب زيد بن ثابت (٣٨١٠): قال قَتَادةُ: قلتُ: ومَن أبو زيد؟ قال: أحد عُمومَتي. وتقدَّم في غزوة بدر (٣٩٩٦) من وجه آخر عن قَتَادة عن أنس قال: ماتَ أبو زيد وكان بدريّاً ولم يَترُك عَقِباً، وقال أنس: نحن وَرِثْناه. وقوله: ((أحد عُمومَتي)) يَرُدّ قول مَن سَمَّى أبا زيد المذكور سعدَ بن عُبيد بن النُّعمان أحد بني عَمْرو بن عَوْف، لأنَّ أنساً خَزْرَجيّ وسعد بن عُبيد أوسيّ، وإذا كان كذلك احتملَ أن يكون سعد بن عُبيد ممّن جَمَعَ ولم يَطَّلِعْ أنس على ذلك، وقد قال أبو أحمد العَسكَريّ: لم يجمعه من الأوس غيرُه، وقال محمّد بن حبيب في ((المُحبَّ)): سعد بن عُبيد - ونَسَبه - كان أحدَ مَن جَمَعَ القرآن في عهد النبيّ وَّهِ. وَقَعَ في رواية الشَّعْبِيّ التي أشرتُ إليها المغايرةُ بين سعد بن عُبيد وبين أبي زيد فإنَّه ذكر هما جميعاً، فدَلَّ على أنَّه غيرُ المراد في حديث أنس. وقد ذكر ابن أبي داود فيمَن جَمَعَ القرآن: قيسَ بن أبي صَعصَعة وهو خَزرَجيّ، وتقدّم (١) أخرجه ابن سعد ٣٥٥/٢، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٠٩٢). ١٠٩ باب ٨ / ح ٥٠٠٥ كتاب فضائل القرآن أنَّه يُكْنى أبا زيد، وسعد بن المنذر بن أَوس بن زُهَير، وهو خَزرَجيّ أيضاً لكن لم أرَ التَّصريح بأنَّه يُكْنى أبا زيد، ثمَّ وَجَدتُ عند ابن أبي داود ما يَرفَعُ الإشكال من أصله، فإنَّه روى بإسنادٍ على شرط البخاريّ إلى ثُمامة عن أنس: أنَّ أبا زيد الذي جَمَعَ القرآن اسمه قيس بن السَّكَن، قال: وكان رجلاً مِنّا من بني عَديّ بن النَّجّار أحد عُمومَتي وماتَ، ولم يَدَعْ عَقِباً، ونحنُ وَرِثناه. قال ابن أبي داود: حدّثنا أنس بن خالد الأنصاريّ قال: هو قيس ابن السَّكَن من زَعُوراءَ من بني عَديّ بن النَّجّار، قال ابن أبي داود: ماتَ قريباً من وفاة النبيّ وَّ فذهب عِلمُه ولم يُؤْخَذْ عنه، وكان عَقَبِيّاً بدريّاً. الحديث السادس: ٥٠٠٥- حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا يحيى، عن سفیانَ، عن حبیبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جُّبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال عمرُ: أَبِيِّ أقرَؤُنا، وإنّا لَنَدَعُ من لَحْنٍ أُبيِّ، وأُيُّ يقول: أخَذْتُه من في رسولِ الله وَِّ، فلا أتْرُكُه لشيءٍ، قال الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. قوله: ((يحيى)) هو القَطّان، وسفيان: هو الثَّوريّ. قوله: ((عن حبيب بن أبي ثابت)) عند الإسماعيليّ: حدَّثنا حبيب. قوله: ((أُبيِّ أقرؤُنا)) كذا للأكثرِ، وبه جَزَمَ الِّيُّ في ((الأطراف)) فقال: ليس في رواية صَدَقة ذِكرُ عليٍّ. قلت: وقد ثَبَتَ ذِكرُه في رواية النَّسَفيّ عن البخاريّ، فأوَّل الحديث عنده: ((عليٌّ أقضانا، وأُبيّ أقرؤُنا»، وقد ألحَقَ الدِّمیاطيّ في نُسخته في حديث الباب ذِكْرَ عليّ، ولیس بجيِّدٍ، لأنَّه ساقط من رواية الفِرَبْريّ التي عليها مَدارُ روايته. وقد تقدَّم في تفسير البقرة (٤٤٨١) عن عَمْرو بن عليّ عن يحيى القَطّان بسندِه هذا، وفيه ذِكرُ عليّ عند الجميع. قوله: ((من لَحْنٍ أُبيّ)) أي: من قراءته، ولَحْنُ القول: فَحْواه ومعناه، والمراد به هنا القولُ. وكان أُبيّ بن كعب لا / يَرجِع عَّ حَفِظَه من القرآن الذي تلقَّه عن رسول الله وَّل ولو أخبَرَه ٥٤/٩ غيرُه أنَّ تِلاوَته نُسِخَت، لأنَّه إذا سمعَ ذلك من رسول الله وَّ حَصَلَ عنده القطعُ به، فلا ١١٠ باب ٩ / ح ٥٠٠٦ - ٥٠٠٧ فتح الباري بشرح البخاري يزولُ عنه بإخبار غيره أنَّ تِلاوَته نُسِخَت، وقد استَدَلَّ عليه عمرُ بالآية الدَّالَّة على النَّسخ، وهو من أوضَحِ الاستدلال في ذلك، وقد تقدَّم بَقيَّة شرحِه في التَّفسیر. ٩- باب فَضْل فاتحة الكتاب ٥٠٠٦- حدّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، قال: حدَّثني خُبَيَبُ ابنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن حفصِ بنِ عاصمٍ، عن أبي سعيدِ بنِ المعَلَّى، قال: كنتُ أُصَلّ، فَعَاني النبيُّ ◌َِّ فلم أُجِبْه، قلتُ: يا رسولَ الله، إنّي كنتُ أُصَلّى، قال: ((ألم يَقُلِ اللهُ: ﴿أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤])) ثمَّ قال: ((أَلَا أُعلِّمُكَ أعظَمَ سورةٍ في القرآنِ قبلَ أن تَخْرُجَ منَ المسجدِ؟)) فأخَذَ بيدي، فلمَّا أُرَدْنا أن نَخْرُجَ قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّكَ قلتَ: ((لَأُعلِّمَنَّكَ أعظَمَ سورةٍ منَ القرآنِ؟)) قال: ((﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾ هي السَّبْعُ المَثَاني، والقرآنُ العظيمُ الذي أُوتِيتُهُ)). ٥٠٠٧- حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا وَهْبٌ، حدَّثنا هشامٌ، عن محمَّدٍ، عن مَعْبَدٍ، عن أبي سعيدِ الخُذريِّ، قال: كنَّا في مَسِيرٍ لنا فنزَلْنا، فجاءت جاريةٌ فقالت: إنَّ سَيِّدَ الحميِّ سَلِيمٌ، وإنَّ نَفَرَنا غَيَبٌ (١)، فهل منكم راقٍ؟ فقامَ معها رجلٌ، ما كنَّا أَبُه بُرُقْيةٍ، فَقَاه فبَرَأَ، فأمَرَ له بثلاثينَ شاةً، وسَقَانا لَبِناً، فلمَّا رَجَعَ قُلْنا له: أكنتَ تُحسِنُ رُقْيةً - أو كنتَ تَرْقي -؟ قال: لا، ما رَقَيتُ إلّا بِأُمّ الكتاب، قُلْنا: لا تُحدِثوا شيئاً حتَّى نأتيَ - أو نسألَ - النبيَّ ◌ََّ، فلمَّا قَدِمْنا المدينةَ ذَكَرْناه لِلنبيِّ ◌َّةَ، فقال: ((وما كان يُدْرِيه أنَّهَا رُقْيةٌ؟ اقسِمُوا، واضْرِبوا لي بسَهْمٍ». وقال أبو مَعْمَرٍ: حدّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا هشامٌ، حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سِيرِينَ، حدَّثَنِي مَعْبَدُ ابنُ سِيرِينَ، عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ ... بهذا. قوله: «باب فضل فاتحة الكتاب)) ذکر فیه حدیثینِ: أحدهما: حديث أبي سعيد بن المعلَّى في أنَّها أعظَمُ سورة في القرآن، والمراد بالعظيم عِظَم القَدْر بالثَّواب المرتَّب على قراءتها وإن كان غيرها أطولَ منها، وذلك لمَا اشتَمَلَت (١) قال الحافظ في ((المقدمة)): غَيَبٌ بفتحتين، وللأَصيلي بضمّ أوله وتشديد الياء، أي: غير حضور. ١١١ باب ١٠ / ح ٥٠٠٨ - ٥٠٠٩ كتاب فضائل القرآن عليه من المعاني المناسبة لذلك، وقد تقدَّم شرح ذلك مبسوطاً في أوَّل التَّفسير (٤٤٧٤). ثانيهما: حديث أبي سعيد الخُدْريِّ في الرُّقْية بفاتحة الكتاب، وقد تقدَّم شرحُه مُستَوفَّى في كتاب الإجارة (٢٢٧٦)، وهو ظاهر الدّلالة على فضلِ الفاتحة. قال القُرطُبيّ: اختَصَّت الفاتحة بأنَّهَا مَبدَأ القرآن وحاويةٌ لجميع علومه، لاحتوائها على الثَّناء على الله والإقرار بعِبادَتِه والإخلاص له وسؤال الهداية منه، والإشارة إلى الاعتراف بالعجزِ عن القيام بنِعَمِهِ، وإلى شأن المعادِ وبيان عاقبة الجاحدينَ، إلى غير ذلك ممّا يقتضي أنَّها كلَّها موضع الرُّقْية. وذكر الرُّويَانيّ في ((البحر)): أنَّ البسملة أفضل آيات القرآن، وتُعقِّبَ بحديثٍ آية الكرسيّ، وهو الصّحيح. قوله: ((وقال أبو مَعْمَر: حدَّثنا عبد الوارث)) إلى آخره، أراد بهذا التَّعليق التَّصريحَ/ ٥٥/٩ بالتَّحديثِ من محمَّد بن ◌ِيرِين لهشامٍ، ومن مَعبَد لمحمَّدٍ، فإنَّه في الإسناد الذي ساقَه أوَّلاً بالعَنعَنة في الموضعَينِ، وقد وَصَلَه الإسماعيليّ من طريق محمَّد بن يحيى الذُّهْلِيِّ عن أبي مَعمَر كذلك، وذكر أبو عليٍّ الجَيَّانيّ أنَّه وَقَعَ عند القابِسيّ عن أبي زيد بالسَّنَد إلى محمَّد بن سِيرِين: وحدَّثني مَعبَد بن سِيرِين، بواو العطف، قال: والصَّواب حذفها. ١٠ - باب فضل سورة البقرة ٥٠٠٨- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثِير، أخبرنا شُعْبةُ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي مسعودٍ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((مَن قرأَ بالآيَتَينِ ... )). ٥٠٠٩- وحدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ الَّحمنِ بنِ یزیدَ، عن أبي مسعودٍ عَّ، قال: قال النبيُّ وَّةِ: ((مَن قرأَ بالآيَتَينِ من آخِرِ سورة البقرةِ في ليلةٍ كَفَتَاهُ)). قوله: ((باب فضل سورة البقرة)) أورَدَ فیه حدیثینِ: الأول: قوله: ((عن سليمان)) هو الأعمَش، ولِشُعْبةَ فيه شيخ آخر وهو منصور، أخرجه ١١٢ باب ١٠ / ح ٥٠٠٩ فتح الباري بشرح البخاري أبو داود (١٣٩٧) عن حفص بن عمر عن شُعْبة عنه، وأخرجه النَّسَائيُّ (ك٧٩٤٩) من طريق يزيد بن زُرَيع عن شُعْبة كذلك، وجَمَعَ غُندَرٌ عن شُعْبة، فأخرجه مسلم (٨٠٧) عن أبي موسى وبُندار، وأخرجه النَّسائيُّ (ك٧٩٥٠) عن بشر بن خالد، ثلاثتهم عن غُندَر، أمَّا الأوَّلان فقالا عنه: عن شُعْبة عن منصور، وأمَّا بشر فقال عنه: عن شُعْبة عن الأعمَش، وكذا أخرجه أحمد (١٧٠٩٥) عن غُندَر. قوله: ((عن عبد الرَّحمن)) هو ابن يزيد النَّخَعيّ. قوله: ((عن أبي مسعود)) في رواية أحمد (١٧٠٩٥) عن غُندَر: عن عبد الرّحمن بن يزيد عن عَلْقمة عن أبي مسعود، وقال في آخره: قال عبد الرَّحمن: ولَقِيتُ أبا مسعود فحدَّثني به. وسيأتي نحوه للمصنَّف من وجه آخر في ((باب كم يُقرأ من القرآن)) (٥٠٥١)، وأخرجه في (باب مَن لم يَرَ بأساً أن يقول: سورة كذا)) (٥٠٤٠) من وجه آخر عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرَّحمن وعَلْقمة جميعهما عن أبي مسعود، فكأنَّ إبراهيم حَمَلَه عن عَلْقمة أيضاً بعد أن حدَّثه به عبدُ الرَّحمن عنه، كما لَقِيَ عبدُ الرَّحمن أبا مسعود فحَمَلَه عنه بعد أن حدَّثه به عَلْقمة. وأبو مسعود هذا: هو عُقْبة بن عَمْرو الأنصاريّ البَدْريّ الذي تقدَّم بيان حاله في غزوة بدر من المغازي (٤٠٠٨)، ووَقَعَ في رواية عَبْدوس بَدَله: ابن مسعود، وكذا عند الأَصِيلِيِّ عن أبي زيد المروزيِّ(١)، وصَوَّبَه الأَصِيلِيّ فأخطأً في ذلك، بل هو تصحيف، قال أبو عليّ ٥٦/٩ الجيَّانيّ: الصَّواب: ((عن أبي مسعود)) وهو عُقْبة بن عَمْرو. / قلت: وقد أخرجه أحمد (١٧١٠٠) من وجه آخر عن الأعمَش فقال فيه: عن عُقْبَ بن عَمْرو. قوله: ((مَن قرأَ بالآيتَينِ)) كذا اقتَصَرَ البخاريُّ من المتن على هذا القَدْر، ثمَّ حَوَّلَ السَّنَد إلى طريق منصور عن إبراهيم بالسَّنَدِ المذكور وأكمَلَ المتن، فقال: ((من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كَفَتَاه)»، وقد أخرجه أحمد (١٧٠٩١) عن حَجّاج بن محمَّد عن شُعْبة فقال فيه: ((من سورة (١) هكذا في (س)، وفي الأصلين: عن أبي أحمد الجُرجاني، والصواب ما في (س)، فقد ذكر القاضي عياض في «المشارق)» ٦٣/١ أنَّ رواية المروزي: ابن مسعود، ورواية الجرجاني: أبو مسعود. ١١٣ باب ١٠ / ح ٥٠٠٩ كتاب فضائل القرآن البقرة)) لم يَقُل: ((آخِرِ))(١)، فلعلَّ هذا هو السِّرُّ في تحويل السَّنَد ليَسُوقَه على لفظ منصور، على أَنَّه وَقَعَ في رواية غُندَر عند أحمد (١٧٠٩١) بلفظ: ((مَن قرأ الآيَتَينِ الأخيرتَينِ)) فعلى هذا فيكون اللَّفظ الذي ساقه البخاريُّ لفظَ منصور، وليس بينه وبين لفظ الأعمَش الذي حَوَّلَه عنه مُغايرة في المعنى، والله أعلم. قوله: ((من آخِر سورة البقرة)) يعني: من قوله تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخر السّورة [٢٨٥- ٢٨٦]، وآخر الآية الأولى: ﴿اَلْمَصِيرُ﴾ ومن ثَمَّ إلى آخر السّورة آية واحدة، وأمَّا ﴿مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ فليست رأسَ آيَة باتِّفاق العادِّينَ. وقد أخرج عليّ بن سعيد العسكريّ في ((ثواب القرآن)) حديث الباب من طريق عاصم بن بَهدَلة عن زِرِّ بن حُبَيش عن عَلْقمة بن قيس عن عُقْبةَ بن عَمْرو بلفظ: ((مَن قرأَهما بعد العِشاء الآخِرة أجزأَتًا: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخر السّورة))، ومن حديث النُّعمان بن بشير رَفَعَه: ((إنَّ الله كَتَبَ كتاباً أَنزَلَ منه آَيَتَيْنِ خَتَمَ بهما سورة البقرة)) وقال في آخره: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ﴾، وأصله عند التِّرمِذيّ (٢٨٨٢) والنَّسائيّ (ك١٠٧٣٦)، وصَخَّحَه ابن حِبّان (٧٨٢) والحاكم (١/ ٥٦٢ و٢/ ٢٦٠)، ولأبي عُبيد في ((فضائل القرآن))(٢) من مُرسَل جُبَير بن نُفَير نحوه، وزادَ: ((فاقرَؤُوهما وعَلِّموهما أبناءَكم ونساءَكُم، فإنَّهما قرآنٌ وصلاةٌ ودعاءٌ)). قوله: ((كَفَتَاه)) أي: أجزأَتا عنه من قيام اللّيل بالقرآن، وقيل: أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مُطلَقاً سواء كان داخلَ الصلاة أم خارجها، وقيل: معناه: أجزأتاه فيما يَتَعلَّق بالاعتقادِ لمَا اشتَمَلَتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالاً، وقيل: معناه: وَقَتَاه كلَّ سوء، وقيل: كَفَتَاه شَرَّ الشَّيطان، وقيل: دَفَعَتا عنه شَرَّ الإنس والجِنّ، وقيل: معناه: كَفَتَاه بما حَصَلَ له بسببهما من الثَّواب عن طلب شيء آخر، وكأنَّما اختَصَّتا بذلك لمَا تَضَمَّتَتَاه من الثَّنَاء على الصَّحابة بجميل انقيادِهم إلى الله وابتهالهم ورُجوعِهم إليه، وما حَصَلَ لهم من الإجابة إلى مطلوبهم. (١) كذا قال، ورواية حجاج بن محمد عند أحمد مقرونة برواية غندر عنده، وهي باللفظ الذي سيسوقه لاحقاً، على أنَّ لغندرٍ رواية أخرى عند أحمد برقم (١٧٠٩٥) ليس فيها لفظ الآخِر. (٢) ((فضائل القرآن)) ص٢٣٣. ١١٤ باب ١٠ / ح ٥٠١٠ فتح الباري بشرح البخاري وذكر الكِرْمانيُّ عن النَّوَويّ أنَّه قال: كَفَتَاه عن قراءة سورة الكهف وآية الكرسيّ، كذا نَقَلَ عنه جازِماً به، ولم يَقُل ذلك النَّوَويّ وإنَّما قال ما نَصُّه: قيل: معناه: كَفَتَاه من قِيام اللَّيل، وقيل: من الشَّيطان، وقيل: من الآفات، ويُحتمَل من الجميع. هذا آخر كلامه، وكأنَّ سبب الوَهْم أنَّ عند النَّوَويّ عَقِب هذا: باب فضل سورة الكهف وآية الكرسيّ، فلعلَّ النُّسخة التي وَقَعَت للكِرْمانيّ سَقَطَ منها لفظ ((باب)) وصُحِّفَت ((فضل)) فصارت: وقيل. واقتَصَرَ النَّوَويّ في ((الأذكار)) على الأوَّل والثّالث نَقلاً، ثمَّ قال: قلت: ويجوز أن يُرادَ الأوَّلان. انتهى، وعلى هذا فأقول: يجوز أن يُرادَ جميعُ ما تقدَّم، والله أعلم. والوجه الأوَّل وَرَدَ صريحاً من طريق عاصم عن عَلْقمة عن أبي مسعود رَفَعَه(١): ((مَن قرأ خاتمةَ البقرة أجزأَت عنه قيام ليلة))، ويُؤْيِّد الرّابع حديثُ النُّعمان بن بشير رَفَعَه: ((إنَّ الله كَتَبَ كتاباً وأنزَلَ منه آيَتَينِ خَتَمَ بهما سورةَ البقرة، لا يُقرآنِ في دار فيَقَرَبها الشَّيطان ثلاثَ لَيَالٍ» أخرجه الحاكم وصَخَّحَه (٥٦٢/١ ٢/ ٢٦٠)، وفي حديث معاذ لمَّا أمسَكَ الجِنِّيّ: وآية ذلك: لا يقرأُ أحد منكم خاتمةَ سورة البقرة فيَدخُل أحدٌ مِنّا بيته تلك اللَّيلة، أخرجه الحاكم أيضاً (١/ ٥٦٣). ٥٠١٠- وقال عُثْمَانُ بنُ الهيثَم: حدَّثنا عَوْفٌ، عن محمَّدٍ بنِ سِيرِينَ، عن أبي هريرةَ ◌َهُ، قال: وَكَّلَنِي رسولُ اللهِ وَّ بِحِفْظِ زَكاةِ رمضانَ، فأتاني آتٍ، فَجَعَلَ يَحَثُو منَ الطَّعام، فأخَذْتُه فقلتُ: لَأَرفَعَنَّكَ إلى رسولِ الله وَّةٍ ... فَقَصَّ الحديثَ، فقال: إذا أوَيْتَ إلى فِراشكَ، فاقرَأْ آيَةً الكُرْسِيٍّ، لن يزالَ مَعَكَ منَ الله حافظٌ، ولا يَقْرَبُّكَ شيطانٌ حتَّى تُصْبِحَ، وقال النبيُّ وَّ: ((صَدَقَكَ وهو كَذُوبٌ، ذاكَ شيطانٌ)). الحديث الثّاني: حديث أبي هريرة، تقدَّم شرحه في الوكالة (٢٣١١). (١) كذا وقع في الأصول، ويغلب على ظننا أنه تحرَّف عن: وقفه، فقد أخرجه موقوفاً على أبي مسعودٍ من هذا الطريق ابنُ الضُّريس في ((فضائل القرآن)) (١٧٤)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) ١٧/ (٥٤٢)، ولفظه عند الطبراني: أجزأت عنه قراءة ليلة. ١١٥ باب ١٠ / ح ٥٠١٠ كتاب فضائل القرآن وقوله في آخره: ((صَدَقَك وهو كَذُّوب)) هو من التَّتميم البليغ، لأنَّه لِمَّ أوهَمَ مَدْحَه بوَصِفِه بالصِّدق في قوله: ((صَدَقَك)) استَدرَكَ نفيَ الصِّدق عنه بصيغةِ مُبالَغةٍ، والمعنى: صَدَقَك في هذا القول معَ أنَّ عادته الكَذِب المستَمِّرّ، وهو كقولهم: قد يَصدُق الكَذُوب. وقوله: ((ذاكَ شيطان)) كذا للأكثرِ، وتقدَّم في الوكالة أنَّه وَقَعَ هنا: «ذاكَ الشَّيطان)) واللّم فيه للجِنسِ أو للعهد الذِّهْنيّ من الوارد أنَّ/ لكلِّ آدَميّ شيطاناً وُكِّلَ به (١)، أو اللّم ٥٧/٩ بَدَلٌّ من الضَّمير كأنَّه قال: ذاكَ شيطانُك، أو المراد الشَّيطان المذكور في الحديث، حيثُ قال في الحديث: ((ولا يَقرَبُك شيطان))، وشَرَحَه الطِّييُّ على هذا فقال: هو -أي: قوله: ((فلا يَقرَبك شيطان)) - مُطلَقٌّ شائع في جِنسه، والثّاني فردٌ من أفراد ذلك الجنس. وقد استشكلَ الجمع بين هذه القصّة وبين حديث أبي هريرة أيضاً الماضي في الصلاة (٤٦١) وفي التَّفسير (٤٨٠٨) وغيرهما أنَّه ◌َِّ قال: ((إنَّ شيطاناً تَفَلَّتَ عليَّ البارحة)» الحديث، وفيه: ((ولولا دعوةُ أخي سليمان لَأصبَحَ مربوطاً بسارية))، وتقرير الإشكال أنَّه وَله امتَنَعَ من إمساكِهِ من أجلِ دعوة سليمان عليه السلام حيثُ قال: ﴿وَهَبْ لِ مُلْكًا لَّا يَكْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىّ﴾ [ص: ٣٥] قال الله تعالى: ﴿فَخَّرْنَا لَهُ الْرِيَجَ﴾ [ص: ٣٦] ثمَّ قال: ﴿ وَالشَّيَطِينَ﴾ [ص:٣٧]، وفي حديث الباب: أنَّ أبا هريرة أمسَكَ الشَّيطان الذي رآه وأراد حمله إلى النبيّ ێ. والجواب: أنَّه يحتمل أن يكون المراد بالشَّيطان الذي هَمَّ النبيُّ ◌َّل أن يُوثِقه هو رأس الشَّياطين الذي يَلزَم من التَّمَكُّن منه التَّمَكُّن منهم، فيُضاهي حينئذٍ ما حَصَلَ لسليمان عليه السلام من تَسْخير الشَّياطين فيما يريد والتَّوَتُّق منهم، والمراد بالشَّيطان في حديث الباب: إمّا شيطانه بخُصوصِه، أو آخرُ في الجملة لا(٢) يَلزَمُ من تمكُّتِهِ منه اتِّبَاعُ غيره من الشَّياطين في ذلك التَّمَكُّن، أو الشَّيطان الذي هَمَّ النبيّ ◌ََّ بَرَبطِهِ تَبَدَّى له في صِفَته التي خُلِقَ عليها، (١) يشير إلى ما وَرَدَ في حديث ابن مسعود عن النبيِّم قال: «ما منكم من أحدٍ إلّا وقد وُكِّلَ به قرينه من الجنِّ)). (٢) في (س): لأنه، وهو خطأ. ١١٦ باب ١١ / ح ٥٠١١ فتح الباري بشرح البخاري وكذلك كانوا في خِدْمة سليمان عليه السلام على هيئتهم، وأمَّا الذي تَبَدَّى لأبي هريرة في حديث الباب فكان على هَيْئَة الْآدَميّينَ فلم يكن في إمساكه مُضاهاٌ لمُلكِ سلیمان، والعلمُ عند الله تعالى. ١١ - باب فضل الكهف ٥٠١١- حدَّثنا عَمْرو بنُ خالدٍ، حدَّثنا زُهَيرٌ، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كان رجلٌ يَقْرأُ سورةَ الكهفِ، وإلى جانبِهِ حِصانٌ مَرْبوطٌ بِشَطَنَيْنٍ، فَتَغَشَّتْهِ سَحَابٌ، فجَعَلَت تَلْنُو وتَدْنُو، وجَعَلَ فرسُه يَنْفِرُ، فلمَّا أصبَحَ أَتَى النبيَّ ◌َّهِ، فذكر ذلك له، فقال: ((تلك السَّكِينةُ تَنْزَّلَت بالقرآنِ». قوله: ((باب فضل الكهف)) في رواية أبي الوَقْت: ((فضل سورة الكهف))، وسَقَطَ لفظُ ((باب)) في هذا والذي قبله والثلاثة بعده لغیر أبي ذرٍّ. قوله: ((حذَّثنا زُهَیر)) هو ابن معاوية. قوله: ((عن البراء)) في رواية التِّرمِذيّ (٢٨٨٥) من طريق شُعْبة عن أبي إسحاق: سمعت البراء. قوله: «کان رجلٌ)» قیل: هو أُسید بن حُضیر کما سیأتي من حدیثه نفسه بعد ثلاثة أبواب (٥٠١٨)، لكن فيه أنَّه كان يقرأ سورة البقرة، وفي هذا أنَّه كان يقرأ سورة الكهف، وهذا ظاهرُه التعدُّد، وقد وَقَعَ قريب من القصّة التي لأُسَيدٍ لثابت بن قيس بن شَمّاس لكن في سورة البقرة أيضاً، فأخرج أبو داود (١) من طريق مُرسَلة قال: قيلَ للنبيِّ وَّ: ألم تَرَ ثابت ابن قيس لم تَزَلْ دارُه البارحةَ تُزهِر بمصابيح؟ قال: «فلعلَّه قرأ سورةَ البقرة، فسُئلَ، قال: قرأتُ سورة البقرة. ويحتمل أن يكون أُسيدٌ قرأ سورة البقرة وسورة الكهف جميعاً، أو من کلٍّ منهما. (١) كذا وقع للحافظ رحمه الله، ولم نقف عليه في شيء من كتب أبي داود التي بين أيدينا، ولعلَّه سبقُ قلٍ منه، وهو عند أبي عبيد في ((فضائل القرآن)) ص ٦٥-٦٦ و ٢٢٩. ١١٧ باب ١١ / ح ٥٠١١ كتاب فضائل القرآن قوله: ((بشَطَنِينِ)) جمع شَطَنِ بفتح المعجَمة: وهو الحبل، وقيل: بشَرْطِ طوله، وكأنَّه كان شديد الصُّعوبة. قوله: ((وجَعَلَ فرسُه يَنْفِر)) بنونٍ وفاء ومُهمَلة، وقد وَقَعَ في رواية لمسلم (٧٩٥/ ٢٤١): (تَنْقُز)) بقافٍ وزاي، وخَطَّأْه ◌ِيَاض، فإن كان من حيثُ الرِّواية فذاكَ، وإلّا فمعناها هنا واضح. قوله: ((تلك السَّكينة)) بمُهمَلةٍ وزن عَظِيمة، وحكى ابن قُرِقُولٍ والصَّغَانيّ فيها كسر أوَّلها والتَّشديد بلفظ المرادِف للمُدْيَةِ، وقد نَسَبَه ابن قُرقُولٍ للحَرْبِيِّ وأنَّه حكاه عن بعض / ٥٨/٩ أهل اللُّغة، وتكرَّر لفظ السَّكينة في القرآن والحديث، فروى الطَّبَريُّ (٢/ ٦١١) وغيره عن عليّ قال: هي ريح هَفّافة لها وجه کوجه الإنسان، وقيل: ها رأسان، وعن مجاهد: لها رأس كرأسِ الهِّ، وعن الرَّبيع بن أنس: لعينِها شُعاع، وعن السُّدّيِّ: السَّكينة طَسْتٌ من ذهبٍ من الجنَّة يُغسَل فيها قلوب الأنبياء، وعن أبي مالك قال: هي التي ألقَى فيها موسى الألواحَ والتَّوراة والعصا، وعن وَهْب بن مُنبِّه: هي رُوحٌ من الله، وعن الضَّحّاك بن مُزاحِم قال: هي الرّحمة، وعنه: هي سكون القلب، وهذا اختيارُ الطََّرَيِّ، وقيل: هي الطَّمَأنينة، وقيل: الوَقَار، وقيل: الملائكة، ذكره الصَّغَانيّ. والذي يظهر أنَّهَا مَقُولة بالاشتراكِ على هذه المعاني، فيُحمَل كلَّ موضع وَرَدَت فیه علی ما يَلِيقُ به، والذي يَلِيق بحديثِ الباب هو الأوَّل، وليس قولُ وَهْب ببعيدٍ. وأمَّا قوله: ﴿فَأَنْزَّلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ، عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ اُلسَّكِينَةَ فِ قُلُوبٍ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤] فيحتمل الأوَّلَ، ويحتمل قولَ وَهْب والضَّحّاك، فقد أخرج المصنِّف حديث الباب في تفسير سورة الفتح كذلك، وأمَّا التي في قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨] فيحتمل قول السُّدّيِّ وأبي مالك، وقال النَّوَويّ: المختار أنَّها شيء من المخلوقات فيه طُمَأنينة ورحمة ومعه الملائكة. قوله: (تَنزَّلَت)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((تَنَزَّلُ)) بضمِّ اللّام بغير تاء والأصل: تَتَنَّلُ، وفي رواية التِّرمِذيّ (٢٨٨٥): «نزلت معَ القرآن، أو على القرآن)». ١١٨ باب ١٢ -١٣ / ح ٥٠١٢ - ٥٠١٣ فتح الباري بشرح البخاري ١٢ - باب فضل سورة الفتح ٥٠١٢ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله وَّ كانَ يَسِيرُ في بعضٍ أسفارِهِ، وعَمَرُ بنُ الخطَّابِ يَسِيرُ معه ليلاً، فسألَه عمرُ عن شيءٍ، فلم يُحِبْه رسولُ اللهِ وََّ، ثمَّ سألَه فلم يُحِيْه، ثمَّ سألَه فلم يُحِيْه، فقال عمرُ: ثَكِلَتْكَ أمُّكَ! نَزَرْتَ رسولَ الله وَّه ثلاثَ مَرَّاتٍ، كلُّ ذلك لا يُحِيُكَ، قال عمرُ: فحَرَّكْتُ بَعِيري حتَّى كنتُ أمامَ الناسِ، وخَشِيتُ أن يُنزَّلَ فيَّ قرآنٌ، فما نَشِبتُ حتَّى سمعتُ صارخاً يَصْرُخُ، قال: فقلتُ: لقد خَشِيتُ أن يكونَ نزلَ فيَّ قرآنٌ، قال: فجِئْتُ رسولَ الله، فسَلَّمْتُ عليه، فقال: ((لقد أُنزِلَت عليّ اللَّيْلَةَ سورةٌ لَهِيَ أحَبُّ إِلَيَّ مما طَلَعَت به الشمسُ)) ثمَّ قرأ: ﴿إِنَّ فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَامُّبِينًا﴾ [الفتح: ١]. قوله: ((باب فضل سورة الفَتْح)) في رواية غير أبي ذرٍّ: ((فضل سورة الفتح)) بغير (باب)). قوله: ((عن زيد بن أسلَمَ عن أبيه: أنَّ رسول الله وَلِّ كان يسير في بعضِ أسفاره)» تقدَّم في غزوة الفتح (٤١٧٧) وفي التَّفسير (٤٨٣٣) أنَّ هذا السّياق صورتُه الإرسال، وأنَّ الإسماعيليّ والبزَّار (٢٦٤) أخرَجاه من طريق محمَّد بن خالد بن عَثْمة عن مالك بصريحِ الاتّصال ولفظه: عن أبيه عن عمر، ثمَّ وجدتُه في التَّفسير من ((جامع التِّرمِذيّ)) (٣٢٦٢) من هذا الوجه فقال: ((عن أبيه سمعتُ عمر)) ثمَّ قال: حديث حسن غريب، وقد رواه بعضهم عن مالك فأرسَلَه؛ فأشارَ إلى الطَّريق التي أخرجها البخاريّ وما وافَقَها، وقد بَّنْتُ في المقدِّمة أنَّ في أثناء السِّياق ما يدلّ على أنَّه من رواية أسلَمَ عن عمر لقولِه فيه: قال عمر: فحَرَّكتُ بعيري ... إلى آخره، وتقدَّمَت بَقيَّةُ شرحِه في تفسير سورة الفتح (٤٨٣٣). ١٣ - باب فضل ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ فيه عَمْرةُ، عن عائشةَ، عن النبيِّ وَّؤ. ٥٠١٣- حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ الله بنِ ٥٩/٩ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي صَعْصَعةَ،/ عن أبيه، عن أبي سعيدِ الخُدْريِّ: أنَّ رجلاً سمعَ رجلاً يَقْرأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ يُردِّدُها، فلمَّا أصبَحَ جاء إلى رسولِ الله وََّ فذكر ذلك له؛ وكأنَّ الرجلَ ١١٩ باب ١٣ / ح ٥٠١٤ كتاب فضائل القرآن يَتَقائما، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((والذي نفسي بيَدِه، إنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القرآنِ)). [طرفاه في: ٦٦٤٣، ٧٣٧٤] ٥٠١٤ - وزادَ أبو مَعْمَرٍ: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفٍ، عن مالكِ بنِ أنسٍ، عن عبدِ الَّهمنِ ابنِ عبدِ الله بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي صَعْصَعَةَ، عن أبيه، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ، أخبرني أخي قَتَادَةُ بنُ النُّعْمانِ: أنَّ رجلاً قامَ في زَمَنِ النبيِّ وَ يَقْرَأُ مِنَ السَّحَرِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، لا يزيدُ عليها، فلمَّا أصبَحْنا أَتَى رَجُلٌ النبيَّ ◌َلّر ... نحوَه. قوله: ((باب فضل ﴿قُلُ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾، فيه عَمْرةُ عن عائشة عن النبيّ ◌َِّ)) هو طَرَف من حديثٍ أوَّله: أنَّ النبيَّ ◌َِّ بَعَثَ رجلاً على سَرِيَّة، فكان يقرأُ لأصحابه في صلاتهم فَيَخْتِم ب﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ ... الحديث، وفي آخره: ((أخبروه أنَّ الله ◌ُحِبّه))، وسيأتي موصولاً في أوَّل كتاب التَّوحيد (٧٣٧٥) بتمامه، وتقدَّم في صِفَة الصلاة (٧٧٤م) من وجه آخر عن أنس، وبيَّنتُ هناك الاختلاف في تسميته، وذكرتُ فيه بعض فوائده، وأحلتُ ببقيّة شرحه على كتاب التَّوحید. وذَهَلَ الكِرْمانيُّ فقال: قوله: ((فيه عَمْرةُ)) أي: رَوَت عن عائشة حديثاً في فضل سورة الإخلاص، ولمَّا لم يكن على شرطه لم يَذكُره بنَصِّه، واكتَفَى بالإشارة إليه إجمالاً. كذا قال، وغَفَلَ عمَّا في كتاب النَّوحيد، والله أعلم. قوله: ((عن عبد الرّحمن بن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي صَعْصَعة)) هذا هو المحفوظ، وكذا هو في ((الموطَّأ)) (١/ ٢٠٨)، ورواه أبو صَفْوان الأُمَويّ عن مالك فقال: ((عن عبد الله ابن عبد الرّحمن بن أبي صَعصَعة عن أبيه)) أخرجه الدَّارَقُطنيّ، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق ابن أبي عمر عن أبيه ومَعْنٍ ومن(١) طريق يحيى القَطّان، ثلاثتهم عن مالك، وقال بعده: ((إنَّ الصَّواب عبد الرَّحمن بن عبد الله)) كما في الأصل، وكذا قال الدَّارَ قُطْنيّ، (١) في (س): ((من)) بإسقاط الواو، وهو خطأ، فالثلاثة الذين روَوْا عن مالك هم: أبو عمر - وهو العَدَني - ومعن بن عيسى ويحبى القطّان، وابن أبي عمر روى عن اثنين منهم: أبيه ومعنٍ. ١٢٠ باب ١٣ / ح ٥٠١٤ فتح الباري بشرح البخاري وأخرجه النَّسائيُّ أيضاً (ك١٩٧٥ و ١٠٤٦٨) من وجه آخر عن إسماعيل بن جعفر عن مالك كذلك، وقال بعده: ((الصَّواب عبد الرَّحمن بن عبد الله))(١) وقد تقدَّم مِثلُ هذا الاختلاف في حديث آخر عن مالك في كتاب الأذان (٦٠٩). قوله: ((أنَّ رجلاً سمعَ رجلاً يَقْرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾ يُردِّدها)) القارئ هو قَتَادةُ بن النُّعمان، أخرج أحمد (١١١٥) من طريق أبي الهَثَم عن أبي سعيد قال: باتَ قَتَادةُ بن النُّعمان يقرأ من اللَّيل كلِّه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ لا يزيد عليها ... الحديث، والذي سمعَه لعلَّه أبو سعيد راوي الحديث، لأنَّه أخوه لأُمِّه وكانا مُتَجاوِرَينٍ، وبذلك جَزَمَ ابن عبد البَرّ(٢)، ٦٠/٩ فكأنَّه أبهَمَ نفسَه وأخاه، وقد أخرج الدَّارَ قُطنيُّ من طريق إسحاق بن الطَّاع/ عن مالك في هذا الحديث بلفظ: إنَّ لي جاراً يقوم باللَّيلِ فما يقرأُ إلّا ب﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ قوله: (يَقْرأ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾) في رواية محمَّد بن جَهِضَم(٣): ((يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾ كلَّها يُردِّدها. قوله: ((وكان الرجل)) أي: السائل. قوله: ((يَتَقالهم) بتشديد اللّام وأصله: يَتَقالَلُها، أي: يَعْتَقِد أنَّها قليلة، وفي رواية ابن الطَّاع المذكورة: كأنَّه يُقَلِّلها، وفي رواية يحيى القَطّان عن مالك: فكأنَّه استَقَلَّها؛ والمراد استقلالُ العَمَل لا التَّنقیص. قوله: ((وزادَ أبو مَعْمَر)) قال الدِّمياطيّ: هو عبد الله بن عَمْرو بن أبي الحجّاجِ المِنْقَرِيّ، وخالَفَه الِزِيُّ تَبَعاً لابنِ عساكر، فجَزَما بأنَّه إسماعيل بن إبراهيم الهُذَلِيّ، وهو الصَّواب، وإن كان كلٌّ من المِنْقَرِيّ والهُذَلِيّ يُكْنى أبا مَعمَر، وكلاهما من شيوخ البخاريّ، لكنَّ هذا الحديث إِنَّمَا يُعرَف بالهُذَلِيّ، بل لا نعرف للمِنقَرِيّ عن إسماعيل بن جعفر شيئاً، وقد وَصَلَه النَّسائيُّ (ك ١٠٤٦٨) والإسماعيليّ من طرق عن أبي مَعمَر إسماعيل بن إبراهيم الهُذَلِيّ. (١) لم نقف على هذه العبارة في النسخ المطبوعة من ((سنن النسائي). (٢) انظر ((التمهيد)) ٢٣٠/١٩. (٣) عند النسائي في ((الكبرى)) (٧٩٧٥)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (٦٢).