Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ باب ٣ / ح ٤٩٨٨ كتاب فضائل القرآن (٨٠): فأمَرَ بجمع المصاحف فأحرَقَها، ثمَّ بَثَّ في الأجناد التي كَتَبَ، ومن طريق مُصعَب ابن سعد (٤١) قال: أدرَكتُ الناس مُتَوافرينَ حين حَرَّقَ عثمان المصاحف، فأعجَبَهم ذلك، أو قال: لم يُنكِرِ ذلك منهم أحد، وفي رواية أبي قِلابةَ (٧٥): فلمَّا فَرَغَ عثمان من المصحَف كَتَبَ إلى أهل الأمصار: إنّي قد صَنَعتُ كذا وكذا، ومحوتُ ما عندي فامحوا ما عندكُم؛ والمَحْو أعَمُّ من أن يكون بالغَسلِ أو التَّحريق، وأكثر الرِّوايات صريحٌ في التَّحريق، فهو الذي وَقَعَ، ويحتمل وقوعُ كلِّ منهما بحَسَب ما رأَى مَن كان بيَدِه شيء من ذلك، وقد جَزَمَ عياضٌ بأَّهم غَسَلوها بالماءِ ثمَّ أحرقوها مُبالَغةً في إذهابها. قال ابن بَطّال: في هذا الحديث جوازُ تحريق الكتب التي فيها اسمُ الله بالنار، وأنَّ ذلك إكرام لها وصَوْن عن وَطْئِها بالأقدام، وقد أخرج عبد الرَّزّاق من طريق طاووسٍ: أنَّه كان يُحُرِّق الرَّسائل التي فيها البسملة إذا اجتَمَعَت، وكذا فعل عُرْوة، وكَرِهَه إبراهيم، وقال ابن عَطيَّة: الرّواية بالحاءِ المهمَلة أصحُ، وهذا الحُكم هو الذي وَقَعَ في ذلك الوقت، وأمَّا الآن فالغَسْل أَولى لمَا دَعَت الحاجة إلى إزالته. وقوله: ((وأمَرَ بما سواه)) أي: بما سوى المصحَف الذي استَكْتَبَه والمصاحف التي نُقِلَت منه، وسوى الصُّحُف التي كانت عند حفصة ورَدَّها إليها، ولهذا استَدرَكَ مروانُ الأمرَ بعدها وأعدَمَها أيضاً خَشْيَةَ أن يقع لأحدٍ منها تَوهُّمُ أنَّ فيها ما يُخالف المصحفَ الذي استَقَرَّ عليه الأمر كما تقدَّمَ. واستُدِلَّ بتحريق عثمان الصُّحُفَ على القائلينَ بقِدَمِ الحروف والأصوات، لأنَّه لا يَلزَمُ من كون كلام الله قديماً أن تكون الأسطُرُ المكتوبة في الوَرَق قديمة، ولو كانت هي عينَ كلام الله لم يَستَجِزِ الصَّحابة إحراقها، والله أعلم. ٤٩٨٨- قال ابنُ شِهابٍ: وأخبرني خارجةُ بنُ زیدِ بنِ ثابتٍ، سَمِعَ زیدَ بنَ ثابتٍ قال: فَقَدْتُ آيَةً منَ الأحزابِ حينَ نَسَخْنا المُصحَفَ، قد كنتُ أسمَعُ رسولَ الله ◌َّهِ يَقْرأُ بها، فالتَمَسْناها، فوَجَدْناها معَ خُزَيمةَ بنِ ثابتٍ الأنصاريِّ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اُللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْناها في سُورَتِها في المُصحَفِ. ٤٢ باب ٣ / ح ٤٩٨٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((قال ابن شهاب: وأخبَرَني خارجة ... )) إلى آخره، هذه هي القصَّة الثّالثة، وهي موصولة إلى ابن شِهاب بالإسناد المذكور كما تقدَّم بيانه واضحاً، وقد تقدَّمَت موصولة مُفرَدة في الجهاد (٢٨٠٧)، وفي تفسير سورة الأحزاب (٤٧٨٤)، وظاهر حديث زيد بن ثابت هذا: أنَّه فَقَدَ آية الأحزاب من الصُّحُف التي كان نَسَخَها في خِلَافة أبي بكر حتَّى وَجَدَها معَ خُزَيمَةَ بن ثابت. ووَقَعَ في رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مُجُمِّع عن ابن شِهاب: أنَّ فَقْدَه إيّاها إنَّما كان في خِلَافة أبي بكر، وهو وهمٌ منه (١)، والصَّحيح ما في ((الصَّحيح))، وأنَّ الذي فَقَدَه في خِلَافة أبي بكرِ الآيتان من آخر براءة، وأمَّا التي في الأحزاب ففَقَدَها لمَّا كَتَبَ المصحفَ في خِلَافة عثمان، وجَزَمَ ابنُ كثير بما وَقَعَ في رواية ابن مُجُمِّع، وليس كذلك، والله أعلم. قال ابن التِّين وغيره: الفرق بين جمع أبي بكر وبين جمع عثمان: أنَّ جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حَمَلَته، لأنَّه لم يكن مجموعاً في موضع واحد، فجَمَعَه في صحائفَ مُرِّباً لآيات سُوَرَه على ما وَقَفَهم عليه النبيُّ وَّةِ، وجمعُ عثمانَ كان لمَّا كَثُرَ الاختلاف في وجوه القرآن حين قَرَؤوه بلُغاتهم على اتِّساع اللَّغات، فأدَّى ذلك ببعضِهم إلى تَّخْطِئَة بعض، فخَشِيَ من تَفاقُم الأمر في ذلك، فنَسَخَ تلك الصُّحُف في مُصحَف واحد مُرتِّباً لسوَره كما سيأتي في ((باب تأليف القرآن)) (٤٩٩٣)، واقتَصَرَ من سائر اللُّغات على لغة قُرَيش مُحتجّاً بأنَّه نزل بلُغَتِهِم وإن كان قد وُسِّعَ في قراءته بلُغة غيرهم رفعاً للحَرَج والمشَقّة في ابتداء الأمر، فرأى أنَّ الحاجة إلى ذلك انتَهَت فاقتَصَرَ على لغة واحدة، وكانت لُغةُ قُرَيش أرجَحَ اللُّغات فاقتَصَرَ عليها، وسيأتي مزيدُ بيان لذلك بعد باب واحد. تنبيه: قال ابن مَعِين: لم يَروِ أحد حديثَ جمع القرآن أحسنَ من سياق إبراهيم بن سعد، وقد روى مالك طَرَفاً منه عن ابن شِهاب. (١) أي: من إبراهيم بن إسماعيل بن مجمِّع، وهو مُتَّفَق على ضعفه، فلا يصلح الاحتجاجُ به. وروايته هذه عند الخطيب في ((المدرج)) ١/ ٣٩٤. ٤٣ باب ٤ / ح ٤٩٨٩ - ٤٩٩٠ كتاب فضائل القرآن ٢٢/٩ ٤- باب كاتبٍ النبيّ وَله ٤٩٨٩- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن يونُسَ، عن ابنِ شِهابٍ: أنَّ ابنَ السَّاق قال: إنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ قال: أرسَلَ إليَّ أبو بكرٍ ◌ّه قال: إنَّكَ كنتَ تَكتُبُ الوَحْيَ لِرسولِ اللهِ وََّ، فاتَّبِعِ القرآنَ، فَتَبَّعْتُ حتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سورةِ الثَّوْبةِ آيَتَينِ معَ أبي خُزَيمةَ الأنصاريِّ، لم أجِدْهما معَ أحدٍ غيرِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ﴾ إلى آخِرِه [التوبة: ١٢٨ -١٢٩]. ٤٩٩٠- حدَّثنا عُبِيدُ الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ قال: لمَّا نزلت: (لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ منَ المؤمِنينَ والمجاهِدونَ في سَبِيلِ الله)، قال النبيُّ ◌َِّ: ((ادْعُ لي زيداً، ولْيَجِئْ باللَّوْحِ والدَّوَاةِ والكَتِفِ)) أو (الكَتِفِ والدَّواةِ) ثمّ قال: ((اكتُبْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥])) وخَلْفَ ظَهْرِ النبيِّ ◌َِّ عَمْرُو بنُ أمِّ مكتومِ الأعمَى، قال: يا رسولَ الله، فما تَأْمُرُني؟ فإنّي رجلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ، فنزلت مكانَها: (لا يَستَوِي القاعِدُونَ من المؤمنينَ والمجاهِدُونَ في سَبِيلِ الله غيرُ أَولي الضَّرَرِ). قوله: ((باب كاتب النبيّ وَّ) قال ابن كثير: تَرجَمَ ((كُتّاب النبيّ ◌َّ) ولم یَذكُر سوى حديث زيد بن ثابت، وهذا عجيب، فكأنَّه لم يَقَعْ له على شرطه غير هذا، ثمَّ أشارَ إلى أنَّه استَوفَى بيان ذلك في («السِّيرة النبويَّة)». قلت: لم أقِفْ في شيء من النُّسَخ إلّا بلفظ: ((كاتب)) بالإفرادِ، وهو مُطابقٌ لحديثٍ الباب، نعم قد كَتَبَ الوحيَ لرسولِ الله ◌ِّه جماعةٌ غيرُ زيد بن ثابت، أمَّا بمكَّة فلِجميع ما نزل بها، لأنَّ زيد بن ثابت إنَّما أسلَمَ بعد الهجرة، وأمَّا بالمدينة فأكثرُ مَن كان يَكتُب زيد، ولِكَثْرة تعاطيه ذلك أُطلِقَ عليه الكاتبُ بلام العهد كما في حديث البراء بن عازِب ثاني حديثَي الباب، ولهذا قال له أبو بكر: إنَّك كنتَ تَكُّب الوحيَ لرسولِ الله ێ. و کان زید ابن ثابت رُبَّما غابَ فكَتَبَ الوحيَ غیرُه. وقد كَتَبَ له قبلَ زيد بن ثابت أُبيُّ بن كعب، وهو أوَّل مَن كَتَبَ له بالمدينة، واوَّل مَن ٤٤ باب ٤ / ح ٤٩٩٠ فتح الباري بشرح البخاري كَتَبَ له بمكَّة من قُرَيش عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، ثمَّ ارتَدَّ ثمَّ عادَ إلى الإسلام يوم الفتح، ومَمَّن كَتَبَ له في الجملة: الخلفاء الأربعة، والزُّبَير بن العَوّام، وخالد وأبان ابنا سعيد ابن العاص بن أُميَّة، وحَنظَلة بن الرَّبيع الأُسيِّدِيُّ (١)، ومُعَيقيب بن أبي فاطمة، وعبد الله بن الأرقَم الزُّهْرِيُّ، وشُرَ حبيل ابن حَسَنَة، وعبد الله بن رَوَاحة في آخرينَ، وروى أحمد (٣٩٩) وأصحاب ((السُّنَن)) الثلاثة(٢) وصَخَّحَه ابن حِبّان (٤٣) والحاكم (٢٢١/٢ و٣٣٠) من حديث عبد الله بن عبَّاس عن عثمان بن عَفّانَ قال: كان رسول الله وََّ ممَّاً يأتي عليه الزَّمانُ يَنْزِل عليه من السُّوَر ذواتُ العدد، فكان إذا نزل عليه الشَّيء يَدعُو بعضَ مَن يَكتُب عنده فيقول: ((ضَعُوا هذا في السّورة التي يُذكَر فيها كذا)) الحديث. ثُمَّ ذكر المصنِّف في الباب حدیثینِ: الأول: حديث زيد بن ثابت في قِصَّته معَ أبي بكر في جمع القرآن، أورَدَ منه طَرَفاً، وغَرَضُه منه قول أبي بكر لزيدٍ: ((إنَّك كنتَ تَكتُب الوحي))، وقد مَضَى البحث فيه مُستَوفَّى في الباب الذي قبله. الثاني: حديث البراء وهو ابن عازِب: «لمَّا نزلت (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) قال النبيّ وَّ: ادْعُ لي زيداً))، وقد تقدَّم في تفسير سورة النِّساء (٤٥٩٤) بلفظ: ((ادعُ لي فلانا)) من رواية إسرائيل أيضاً، وفي رواية غيره (٢٨٣١): ((ادعُ لي ٢٣/٩ زيداً) أيضاً، وتقدَّمَت القصّة/ هناك من حديث زيد بن ثابت نفسه. ووَقَعَ هنا: ((فنزلت مكانَها: (لا يستوي القاعدونَ من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله غيرُ أُولِي الضَّرَر)» هكذا وَقَعَ بتأخير لفظ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾، والذي في التِّلاوة: ﴿غَيّرُ (١) في الأصلين و(س): الأسدي، مكبَّراً، وهو خطأ، والتصويب عن الحافظ ابن حجر نفسه في ((الإصابة)) فقد ضبطه في ترجمة عبد الله بن ربيعة (١٨٦٢) فقال: حنظلة الكاتب يقال له: الأُسيِّدي بالتشديد، نسبةً إلى أُسيِّد بن عمرو بن تميم. (٢) أبو داود (٧٨٦) و(٧٨٧)، والترمذي (٣٠٨٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٩٥٣). وانظر تنقيدنا هذا الخبر في «مسند أحمد)). ٤٥ باب ٥ / ح ٤٩٩١ كتاب فضائل القرآن أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ قبل ﴿وَالْمُجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقد تقدَّم على الصَّواب من وجه آخر عن إسرائيل (٤٥٩٤). ٥- بابٌ أُنزل القرآن على سبعة أحرفٍ ٤٩٩١ - حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، قال: حدَّثني اللَّيْثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابِ، قال: حذَّثني عُبِيدُ الله بنُ عبدِ الله، أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما حدَّثه، أنَّ رسولَ اللهَوَّةٍ قال: «أقرَأَني جِبْرِيلُ على حَرْفٍ، فراجَعْتُه، فلم أزَلْ أسْتَزِيدُهُ ويَزِيدُني، حتَّى انتهى إلى سبعةِ أحرُفٍ)). قوله: ((بابٌّ أُنزِلَ القرآن على سبعة أحْرُف)) أي: على سبعة أو جُه يجوز أن يُقرأَ بكلِّ وجه منها، وليس المراد أنَّ كلَّ كلمة ولا جُملة منه تُقرأُ على سبعة أوجُه، بل المراد أنَّ غاية ما انتهى إليه عَدَدُ القراءات في الكلمة الواحدة إلى سبعة، فإن قيل: فإنّا نَجِدُ بعض الكلمات يُقرأ على أكثرَ من سبعة أوجه، فالجواب: أنَّ غالب ذلك إمّا لا يُثبِت الزّيادة وإمّا أن يكون من قَبِيل الاختلاف في كيفيَّة الأداء كما في المدّ والإمالة ونحوهما. وقيل: ليس المراد بالسَّبعة حقيقةَ العدد، بل المراد التَّسهيل والتَّيسير، ولفظ السَّبعة يُطلَق على إرادة الكَثْرة في الآحاد كما يُطلَق على السَّبعينَ في العشرات والسبع مئة في المِئِين، ولا يُراد العددُ المعيَّن، وإلى هذا جَنَحَ عِیاض ومَن تَبِعَه. وذكر القُرطُبيّ عن ابن حِبّان: أَنَّه بَلَغَ الاختلافُ في معنى الأحرُف السَّبعة إلى خمسة وثلاثينَ قولاً، ولم يَذكُر القُرطُبيّ منها سوى خمسة، وقال المنذريُّ: أكثرُها غير مُختار، ولم أقِفْ على كلام ابن حِبّان في هذا بعد تَتُبُّعي مَظانّه من ((صحيحه))، وسأذكر ما انتهى إليَّ من أقوال العلماء في ذلك معَ بيان المقبولِ منها والمردودِ إن شاءَ الله تعالى في آخر هذا الباب. ثمَّ ذكر المصنِّف في الباب حديثَينِ: أحدهما: حديث ابن عبّاس. قوله: ((حدَّثنا سعيد بن عُفَير)) بالمهمَلة والفاء مُصفَّر، وهو سعيد بن كثير بن عُفَير / يُنسَب ٢٤/٩ إلى جَدّه، وهو من حُفّاظ المصريّين وثقاتهم. ٤٦ باب ٥ / ح ٤٩٩١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أنَّ ابن عبّاس ◌ُ حدَّثه، أنَّ رسول الله وَّر قال)) هذا ممّا لم يُصرِّح ابن عبّاس بسماعِه له من النبيّ وَّ، وكأنَّه سمعَه من أُبيِّ بن كعب، فقد أخرج النَّسائيُّ (٩٤٠) من طريق عِكْرمة بن خالد عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس عن أُبِيِّ بن كعب نحوَه، والحديث مشهور عن أُبيِّ أخرجه مسلم وغيره من حديثه كما سأذكره. قوله: ((أقرَأَني جِبْريل على حَرْف)) في أوَّل حديث النَّسَائِيِّ (٩٤٠) عن أُبيِّ بن كعب: أقرأَني رسول الله وَله سورةً، فبينما أنا في المسجد إذ سمعتُ رجلاً يقرؤُها يُخالف قراءتي ... الحديث، ولمسلم (٨٢٠) من طريق عبد الرَّحمن بن أبي ليلى عن أُبيِّ بن كعب قال: كنت في المسجد فدَخَلَ رجل يُصَلّي فقرأ قراءة أنكَرتُها عليه، ثمَّ دَخَلَ آخر فقرأ قراءة سوى قراءةٍ صاحبه، فلمَّا قَضَيْنا الصلاة دَخَلْنا جميعاً على رسول الله وَ لِّ فقلت: إنَّ هذا قرأَ قراءة أنكَرتُها عليه، ودَخَلَ آخرُ فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمَرَهما فقَراً، فحَسَّنَ النبيُّ ◌َ﴿ شأنَهما، قال: فسَقَطَ في نفسي ولا إذ كنتُ في الجاهليَّة، فضَرَبَ في صدري فِفِضتُ عَرَقاً وكأنَّما أنظُر إلى الله فَرَقاً، فقال لي: ((يا أُبِيّ، أُرسِلَ إليَّ: أن اقرأ القرآنَ على حرف)) الحديث، وعند الطَّبَرَيِّ (١٧/١-١٨) في هذا الحديث: فَوَجَدتُ في نفسي وَسْوَسة الشَّيطان حتَّى احمرَّ وجهي، فضَرَبَ في صدري، وقال: ((اللهمَّ اخسَأْ عنه الشَّيطان)»، وعند الطَّبَرَيِّ من وجه آخر عن أُبيِّ: أنَّ ذلك وَقَعَ بينه وبين ابن مسعود، وأنَّ النبيّ ◌َ ◌ّه قال: ((كِلاكُما مُحسِن)) قال أُبيّ: فقلت: ما كِلانا أحسنَ ولا أجَمَلَ، قال: فَضَرَبَ في صدري ... الحديث(١). وبيَّن مسلم (٨٢١) من وجه آخر عن ابن أبي ليلى عن أُبيِّ المكان الذي نزل فيه ذلك على النبيّ وَّةِ، ولفظه: أنَّ النبيَّ وَّهِ كان عند أَضَاةِ بني غِفار فأتاه جِبْريل فقال: ((إنَّ الله يأمرك أن تقرأَ أمَّتُك القرآنَ على حرفٍ)) الحديث، وبيَّن الطَّبَرَيُّ (١٦/١-١٧) من هذه الطَّريق أنَّ السُّورة المذكورة سورة النَّحل. (١) هو بنحوه عند الطبري في ((تفسيره)) ١/ ١٥، واللفظ المذكور أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) ٣٨٤/٢. ٤٧ باب ٥ / ح ٤٩٩١ كتاب فضائل القرآن قوله: ((فراجَعْتُه)) في رواية مسلم (٨٢٠) عن أبيِّ: ((فَرَدَدتُ إليه: أن هَوِّنْ على أمَّتي))، وفي رواية له (٨٢١): ((إنَّ أمَّتي لا تُطيق ذلك))، ولأبي داود (١٤٧٧) من وجه آخر عن أبيّ: ((فقال ليَ الملَكُ الذي مَعي: قل: على حرفَينِ، حتَّى بَلَغت سبعةً أحرُف))، وفي رواية للنَّسائيِّ (٩٤١) من طريق أنس عن أُبِيِّ بن كعب: ((إنَّ جِبْرِيل وميكائيلَ أَتَياني، فقال جِبْريل: اقرأ القرآن على حرفٍ، فقال ميكائيل: استَزِدْه))، ولأحمد (٢٠٤٢٥) من حديث أبي بكرة نحوه. قوله: ((فلم أزَلْ أستَزِيدُه ويزيدني)) في حديث أَبِيِّ (١): ((ثُمَّ أتاه الثّانيةَ فقال: على حرفَينِ، ثمَّ أتاه الثّالثةَ فقال: على ثلاثة أحرف، ثمَّ جاءه الرّابعةَ فقال: إنَّ الله يأمرك أن تُقرِئَ أمَّتك على سبعة أحرُف، فأيُّما حرفٍ قَرَؤوا عليه فقد أصابوا))، وفي رواية للطَّبَريِّ (٣٠/١): ((على سبعة أحرُف من سبعة أبواب من الجنَّة))، وفي أُخرى له: ((مَن قرأَ حرفاً منها فهو كما قرأ)، وفي رواية أبي داود (١٤٧٧): ((ثُمَّ قال: ليس منها إلّا شافٍ كافٍ، إن قلتَ: سَميعاً عليماً، عَزيزاً حَكيماً، ما لم تَخْتِمْ آيَةَ عذاب برحمةٍ، أو آيَةَ رحمة بعذابٍ))، ولِلتِّرمِذيِّ (٢٩٤٤) من وجه آخر أنَّه وَ ◌ّر قال: ((يا جِبْريل، إنّ بُعِثتُ إلى أمّة أمّيِّينَ، منهم العجوز والشَّيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قَطُّ)) الحديث، وفي حديث أبي بَكْرة عند أحمد (٢٠٤٢٥): ((كلَّها كافٍ شافٍ، كقولِك: هَلُمَّ وتَعالَ، ما لم تَخْتِم)) الحديث. وهذه الأحاديث تُقَوّي أنَّ المراد بالأحرُفِ اللُّغاتُ أو القراءات، أي: أُنزِلَ القرآن على سبع لُغات أو قراءات، والأحرُف: جمع حرف، مِثل: فَلْس وأفلُس، فعلى الأوَّل: يكون المعنى: على سبعة أوجُهٍ من اللُّغات، لأنَّ أحد معاني الحرف في اللُّغة الوجهُ كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١]، وعلى الثّاني: يكون(٢) من إطلاق الحرف على الكلمة مجازاً لگونِه بعضَها. (١) عند مسلم (٨٢١)، والطبري ١/ ١٧. (٢) في (س) وحدها: يكون المراد، بزيادة لفظ ((المراد)) ولا ضرورة له. ٤٨ باب ٥ / ح ٤٩٩٢ فتح الباري بشرح البخاري الحديث الثاني: ٤٩٩٢- حدَّثنا سعيدُ بنُ عُفَيرٍ، قال: حذَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيِ، أنَّ المِسْوَرَ بنَ تَخَرَمَةَ وعبدَ الرَّحمنِ بنَ عبدٍ القارِيَّ حَدَّثَاهِ، أنَّمَا سمعا عمرَ بنَ الخطّاب يقول: سمعتُ هشامَ بنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سورةَ الفُرْقان في حياةِ رسولِ الله ◌ِ ◌ّه فاستَمَعْتُ لِقِراءتِهِ، فإذا هو يَقْرَأُ على حُروفٍ كثيرةٍ لم يُقْرِتْنِها رسولُ اللهِ وَّةِ، فَكِدْتُ أُساوِرُه في الصلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّتُهُ برِدائِهِ، فقلتُ: مَن أقرَأَكَ هذه السّورةَ التي سمعتُكَ تَقْرَأ؟ قال: أقرَأَنِيِها رسولُ اللهِوَّةِ، فقلتُ: كَذَبْتَ، فإنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قد أقرَأَنِيها على غيرِ ما قرأتَ، فانطَلَقْتُ به أُقُودُه إلى رسولِ الله وَّةِ، فقلتُ: إنّ سمعتُ هذا يَقْرَأُ بسورةِ الفُرْقَانِ على حُروفٍ لم تُقْرِتْنِيها، فقال رسولُ الله ◌ِ: (أرسِلْه، اقرَأْ يا هشامٌ)) فقراً عليه القراءةَ التي سمعتُهُ يَقْرأُ، فقال رسولُ الله ◌َّ: ((كذلكَ أُنزِلَت)) ثمّ قال: ((اقرَأْ يا عمرُ)) فقرأتُ القراءةَ التي أقرَأَني، فقال رسولُ الله ◌َّ: («كذلكَ أُنزِلَت، إنَّ هذا القرآنَ أُنزِلَ على سبعةِ أحرُفٍ، فاقرَؤُوا ما تَيسَّر منه)). قوله: ((إنَّ الِسْوَرِ بن ◌َرَمة)) أي: ابنَ نَوفَل الزُّهْريَّ، كذا رواه عُقَيل ويونس وشُعَيب وابن أخي الزُّهْريِّ عن الزُّهْريِّ (١)، واقتَصَرَ مالك (١/ ٢٠١) عنه على عبد الرحمن(٢) فلم ٢٥/٩ يَذْكُرُ المِسوَرَ في إسناده، واقتَصَرَ عبد الأعلى/ عن مَعمَر عن الزُّهْريِّ فيما أخرجه النَّسائيُّ (٩٣٦) على المِسوَر بن تَرَمة فلم يَذكُر عبدَ الرَّحمن، وذكره عبد الرَّزاق عن مَعمَر أخرجه التِّرمِذيّ (٢٩٤٢)، وأخرجه مسلم (٨١٨/ ٢٧١) من طريقه لكن أحالَ به قال: كرواية يونس، وكان أخرجه من طريق ابن وَهْب عن يونس فذكرهما، وذكره المصنِّف في المحارَبة (٦٩٣٦) عن اللَّيث عن يونس تعليقاً. قوله: ((وعبد الرَّحمن بن عبدٍ)) هو بالتَّنوين غیرُ مُضافٍ لشيءٍ. (١) أخرجه من رواية يونس - وهو ابن يزيد - مسلمٌ (٨١٨) (٢٧١)، والنسائي (٩٣٨)، ومن رواية شعيب ابن أبي حمزة البخاريُّ فيما سيأتي برقم (٥٠٤١)، ومن رواية ابن أخي الزهري - واسمه محمد بن عبد الله - أحمدُ في («مسنده)) (٢٣٧٥). (٢) في الأصلين و(س): على عروة، وهو سهوٌ من الحافظ أو من الناسخ، والله تعالى أعلم. ٤٩ باب ٥ / ح ٤٩٩٢ كتاب فضائل القرآن قوله: ((القارِيّ)) بتشديد الياء التَّحتانيَّة: نسبة إلى القارَة، بطن من خُزَيمةَ بن مُدرِكة، والقارَة لَقَب، واسمه: أُثَيع - بالمثلَّثة مُصغَّر - بن مُلَيح - بالتَّصغير وآخره مُهمَلة - بن الهُون - بضمِّ الهاء - بن خُزيمةَ، وقيل: بل القارَةُ هو الدِّيش - بكسرِ المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة بعدها مُعجَمة - من ذُرّيَّة أُثَيع المذكور، وليس هو منسوباً إلى القراءة، وكانوا قد حالَفوا بني زُهْرة وسَكَنوا معهم بالمدينة بعد الإسلام، وكان عبد الرَّحمن من كبار التابعين، وقد ذُكِرَ في الصَّحابة لكَونِهِ أُتَيَ به إلى النبيّ وَّهِ وهو صغير، أخرج ذلك البَغَويُّ في ((معجم(١) الصَّحابة)) (١٧٥٢) بإسنادٍ لا بأس به، وماتَ سنة ثمان وثمانينَ في قول الأكثر، وقيل: سنة ثمانين، وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، وقد ذكره في الإشخاص (٢٤١٩)، وله عنده حديث آخر عن عمر في الصيام (٢٠١٠). قوله: ((سمعتُ هشامَ بن حَكيم)) أي: ابن حِزَام الأسديَّ، له ولأبيه صُحْبة، وكان إسلامهما يومَ الفتح، وكان لهشامٍ فضلٌ، وماتَ قبل أبيه، وليس له في البخاريّ رواية، وأخرج له مسلم حديثاً واحداً مرفوعاً (٢٦١٣) من رواية عُرْوة عنه، وهذا يدلُّ على أنَّه تأخّرَ إلى خِلَافة عثمان وعليّ، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه استُشهِدَ في خِلَافة أبي بكر أو عمر. وأخرج ابنُ سعد(٢) عن مَعْن بن عيسى عن مالك عن الزّهْريِّ: كان هشام بن حَكيم يأمر بالمعروفِ، فكان عمر يقول إذا بَلَغَه الشَّيء: أمَّا ما عِشتُ أنا وهشام، فلا یکونُ ذلك. قوله: ((يَقْرأُ سورة الفُرْقان)» كذا للجميع، وكذا في سائر طرق الحديث في المسانيد والجوامع، وذكر بعض الشُّاح أنَّه وَقَعَ عند الخطيب في ((المبهَمات)) سورة الأحزاب بَدَل الفُرقان، وهو غَلَط من النُّسخة التي وَقَفَ عليها، فإنَّ الذي في كتاب الخطيب(٣): الفُرقان، کما في روایة غیره. (١) تحرَّف في (س) إلى: مسند. (٢) في ((الطبقات الكبرى)) ٦/ ٥٧، طبعة الخانجي. (٣) ((الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة)) ص٣٢٤. ٥٠ باب ٥ / ح ٤٩٩٢ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فكِدْتُ أُساوِرُه)» بالسِّين المهمَلة، أي: آخُذ برأسِه، قاله الحَرْبِيُّ(١)، وقال غيره: (أُوائِبُهُ)) وهو أشبه، قال النابغة: فِتُّ كأنّي ساوَرَتْني ضَئيلةٌ من الرُّقْشِ في أنيابها السُّمُّ ناقِعُ أي: واثَبَتْني، وفي بانَتْ سُعاد: إذا يُساوِرُ قِرِناً لا يَحِلُّ له أن يَترُكِ القِرنَ إلَّ وهو مجدولُ ووَقَعَ عند الكُشْمِيهنيّ والقابِسيّ في رواية شُعَيب (٥٠٤١) الآتية بعد أبواب: ((أُثاوِرُ.)) بالمثلَّئَة ◌ِوَضَ المهمَلة، قال عِيَاض: والمعروف الأوَّل. قلت: لكن معناها أيضاً صحيح، ووَقَعَ في رواية مالك (١/ ٢٠١): أن أعجَلَ عليه. قوله: ((فتَصَبَّرْتُ)) في رواية مالك: ((ثُمَّ أمهَلتُه حتَّى انصَرَفَ)) أي: من الصلاة، لقوله في هذه الرِّواية: حتَّى سَلَّمَ. قوله: ((فلَّته بِرِدائِهِ) بفتح اللّام وموخَّدتَينِ الأولى مُشَدَّدة والثّانية ساكنة، أي: جمعتُ عليه ثيابه عند لَبَّتَه لئلّا يَتَفلَّتَ مِنِّي. وكان عمر شديداً في الأمر بالمعروف، وفَعَلَ ذلك عن اجتهادٍ منه لظنِّه أنَّ هشاماً خالَفَ الصَّواب، ولهذا لم يُنكِرْ عليه النبيُّ ◌َّ بل قال له: ((أرسِلْه)). قوله: ((كَذَبْتَ)) فيه إطلاق ذلك على غَلَبة الظَّنّ، أو المراد بقولِه: ((كَذَبتَ)) أي: أخطَأْت؛ لأنَّ أهل الحجاز يُطلِقونَ الكَذِبَ في موضع الخطأ. قوله: ((فإنَّ رسول الله وَّرِ قد أقرَأَنيها)) هذا قاله عمرُ استدلالاً على ما ذهب إليه من ٢٦/٩ تَخْطِئَة هشام، وإنَّما ساغَ له ذلك لرُسوخِ قَدمِه في الإسلام وسابقَتِهِ، بخِلَاف هشام/ فإنَّه كان قريبَ العهد بالإسلام، فخَشِيَ عمرُ من ذلك أن لا يكون أتقَنَ القراءة، بخِلَاف نفسه فإنَّه كان قد أتقَنَ ما سمعَ، وكان سببُ اختلاف قراءتهما أنَّ عمر حَفِظَ هذه السّورة من (١) تحرَّف في (س) إلى: الجرجاني. ٥١ باب ٥ / ح ٤٩٩٢ كتاب فضائل القرآن رسول الله وَله قديماً، ثمَّ لم يسمعْ ما نزل فيها بخلاف ما حَفِظَه وشاهَدَه، ولأنَّ هشاماً من مُسلِمة الفتح، فكأنَّ النبيَّ وََّ أقرأَه على ما نزل أخيراً، فتَشَأَ اختلافُهما من ذلك، ومُبادَرة عمر للإنكار محمولةٌ على أنَّه لم يكن سمعَ حديث: ((أُنزِلَ القرآنُ على سبعة أحرفٍ)) إلّا في هذه الوَقْعة(١). قوله: ((فانطَلَفْت به أقودُه إلى رسول الله وَلَ)) كأنَّه لمَّا لَبَّبَه برِدائِه صارَ يَجُرّه به، فلهذا صارَ قائداً له، ولولا ذلك لكان يَسُوقه، ولهذا قال له النبيّ ◌َُّ لمَّا وَصَلا إليه: ((أرسِلْه)). قوله: ((إنَّ هذا القرآن أَنْزِلَ على سبعة أَحْرُف)) هذا أورَدَه النبيُّ نَّه تطميناً لعمر لئلّا يُنكِرَ تصويبَ الشَّيئينِ المختَلِفَينِ، وقد وَقَعَ عند الطَّبَريِّ (١٣/١) من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جَدّه قال: قرأ رجلٌ فعيَّر عليه عمر، فاختَصَها عند النبيّ ◌َّ، فقال الرجل: ألم تُقرِثْني يا رسول الله؟ قال: ((بَلَى)) قال: فَوَقَعَ في صَدْر عمر شيء عَرَفَه النبيُّ وََّ في وجهه، قال: فضَرَبَ في صدره وقال: ((ابعَدْ شيطانا)) قالها ثلاثاً ثمَّ قال: ((يا عمر، القرآن كلُّه صَوابٌ، ما لم تجعلْ رحمةً عذاباً، أو عذاباً رحمةً))، ومن طريق ابن عمر (١٣/١): سمعَ عمرُ رجلاً يقرأ ... فذكر نحوه، ولم يَذكُر: ((فَوَقَعَ في صَدْر عمر)) لكن قال في آخره: ((أُنزِلَ القرآن على سبعة أحرُفٍ، كلَّها كافٍ شافٍ». ووَقَعَ لجماعةٍ من الصَّحابةِ نَظِيرُ ما وَقَعَ لعمر معَ هشام، منها لأُبيّ بن كعب معَ ابن مسعود في سورة النَّحل كما تقدَّمَ(٢)، ومنها ما أخرجه أحمد (١٧٨٢١) عن أبي قيس مولى عَمْرو بن العاص عن عَمْرو: أنَّ رجلاً قرأَ آيةً من القرآن، فقال له عَمْرو: إنَّما هي كذا وكذا، فذَكَرا ذلك للنبيِّ وَّهِ فقال: ((إنَّ هذا القرآن أُنزِلَ على سبعة أحرف، فأيَّ ذلك قرأتُم أصَبْتُم، فلا تُمارُوا فيه)) إسناده حسن، ولأحمد أيضاً (١٧٥٤٢) وأبي عبيد (٣) والطَّبَرِيِّ (١٩/١) من حديث أبي جُهَيم بن الصِّمّة: أنَّ رجلينِ اختَلَفا في آية من القرآن، كلاهما (١) قوله: ((إلّا في هذه الوقعة)) من (س) وحدها، ولم يرد في (أ) و(ع). (٢) في الحديث السابق. (٣) في «فضائل القرآن» له ص٣٣٧. ٥٢ باب ٥ / ح ٤٩٩٢ فتح الباري بشرح البخاري يَزْعُم أنَّه تلقَّاها من رسول الله وَّة؛ فذكر نحو حديث عَمْرو بن العاص، وللطَّبَرِيِّ (١٢/١- ١٣) والطبرانيّ (٥٠٧٨) عن زيد بن أرقَمَ قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: أقرأَني ابن مسعود سورةً أقرأَنيها زيدٌ وأقرأَنيها أُبيّ بن كعب، فاختَلَفَت قراءتُهم، فبقراءة أيِّهم آخُذُ؟ فسَكَتَ رسول الله وَّهــ وعليٌّ إلى جنبه - فقال عليّ: ليقرأُ كلُّ إنسان منكم كما عُلِّم، فإنَّه حسنٌ جميل(١). ولابنِ حِبّان (٧٤٧) والحاكم (٢٢٣/٢-٢٢٤) من حديث ابن مسعود: أقرأَني رسول الله وَّ﴿ سورةً من آلِ حمَ، فرُحْت إلى المسجد فقلت لرجل: اقرأْها، فإذا هو يقرأ حُروفاً ما أقرؤُها، فقال: أقرأَنيها رسول الله وَّهِ، فانطَلَقْنا إلى رسول الله وَله فأخبَرَناه، فَتَغْيَّرَ وجهُه وقال: ((إنَّما أهلَكَ مَن كان قبلكم الاختلافُ)) ثمَّ أسَرَّ إلى عليٍّ شيئاً، فقال عليّ: إِنَّ رسول الله وَِّ يأمرُكم أن يقرأ كلُّ رجل منكم كما عُلِّمَ، قال: فانطَلَقْنا وكلُّ رجل مِنّا يقرأ حُروفاً لا يقرؤُها صاحبه. وأصل هذا سيأتي في آخر حديثٍ في كتاب فضائل القرآن (٥٠٦٢). وقد اختَلَفَ العلماءُ في المراد بالأحرُفِ السَّبعة على أقوال كثيرة، بَلَّغَها أبو حاتم بن حِبّان إلى خمسة وثلاثينَ قولاً، وقال المنذريُّ: أكثرُها غير مُختار. قوله: «فاقرؤُوا ما تَيسَّر منه)) أي: من المنزل. وفيه إشارةٌ إلى الحكمة في التعدُّد المذكور، وأنَّه للتَّيسير على القارئ، وهذا يُقوِّي قولَ مَن قال: المراد بالأحرُفِ تأدِيَة المعنى باللَّفظِ المرادِف ولو كان من لغة واحدة، لأنَّ لُغةَ هشام بلسان قُرَيش وكذلك عمر، ومع ذلك فقد اختَلَفَت قراءتُهما، نَبَّهَ على ذلك ابنُ عبد البَرّ، ونُقِلَ عن أكثر أهل العلم أنَّ هذا هو المراد بالأحرُفِ السَّبعة. وذهب أبو عُبيد وآخرونَ إلى أنَّ المراد اختلاف اللُّغات، وهو اختيار ابن عَطيَّة، وتُعقّبَ بأنَّ لُغَات العرب أكثر من سبعة، وأُجيبَ بأنَّ المراد أفصَحُها، فجاء عن أبي صالح (١) في إسناد هذا الخبر عيسى بن قِرطاس، وهو متروك الحديث متَّهَم بالكذب، وأخطأ الحافظ رحمه الله بالاستشهاد بخبر مَن هذه حالُه. لكن حديث ابن مسعود التالي حسنُ الإسناد. ٥٣ باب ٥ / ح ٤٩٩٢ كتاب فضائل القرآن عن ابن عبّاس قال: نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلُغَة العَجُز/ من هَوازِن، قال: ٢٧/٩ والعَجُز سعدُ بنُ بكر وجُشَم بن بكر ونَصْر بن معاوية وثَقيف، وهؤلاءِ كلّهم من هَوازِن، ويقال لهم: عُلْيا مَوازِن، وقال أبو عَمْرو بن العلاء: أفصَحُ العرب عُلْيا مَوازِن وسُفلَى تَميم، يعني: بني دارِم. وأخرج أبو عُبيد(١) من وجه آخر عن ابن عبّاس قال: نزل القرآن بلُغة الكعبَينِ: كعب قُرَيش، وكعب خُزاعة، قيل: وكيف ذاكَ؟ قال: لأنَّ الدَّار واحدة، يعني: أنَّ خُزاعة كانوا جيران قُرَيش فسَهُلَت عليهم لغتُهم. وقال أبو حاتم السِّجِسْتانيّ: نزل بلُغَة قُرَيش وهُذَيل وتَيْمِ الرَّبَاب والأَزْد ورَبيعة وهَوازِن وسعد بن بكر. واستَنكَرَه ابن قُتَيبة واحتجَّ بقولِه تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، فعلى هذا فتكون اللُّغات السَّبع في بُطون قُرَيش، وبذلك جَزَمَ أبو عليّ الأهوازيّ. وقال أبو عُبيد: ليس المراد أنَّ كلّ كلمة تُقرَأ على سبع لُغات، بل اللَّغات السَّبعُ مُفرَّقة فيه، فبعضه بلُغَة قُريش، وبعضه بلُغة هُذَيل، وبعضه بلُغَة هَوازِن، وبعضه بلُغَة اليمن وغيرهم، قال: وبعض اللُّغات أسعَدُ بها من بعض وأكثر نصيباً، وقيل: نزل بلغة مُضَر خاصّةً لقولٍ عمر: نزل القرآن بلُغَة مُضَر. وعَيَّنَ بعضهم فيما حكاه ابن عبد البَرّ السَّبعَ من مُضَر أنَّهم: هُذَيل وكِنانة وقيس وضَبّة وتَيْمِ الرَّباب وأسَد بن خُزَيمةَ وقُرَيش، فهذه قبائل مُضَر تَستَوعِب سبع لُغات. ونَقَلَ أبو شامة عن بعض الشُّيوخِ أنَّه قال: أُنزِلَ القرآن أوّلاً بلسان قُرَيش ومَن جاوَرَهم من العرب الفُصَحاء، ثمَّ أُبيحَ للعرب أن يقرؤوه بلُغاتهم التي جَرَت عادتُهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يُكلَّف أحدٌ منهم الانتقال من لُغَته إلى لغة أُخرى للمَشَقّة، ولِمَا كان فيهم من الحَمِيَّة ولطلب تسهيل فَهْم المراد، كلّ ذلك معَ اتِّفاق المعنى. وعلى هذا يتنَزَّل اختلافُهم في القراءة كما تقدَّمَ، وتصويبُ رسول الله وَّل كلّ منهم. (١) في ((فضائل القرآن)) له ص ٣٤٠. ٥٤ باب ٥ / ح ٤٩٩٢ فتح الباري بشرح البخاري قلت: وتَتِمّة ذلك أن يقال: إنَّ الإباحة المذكورة لم تقع بالتَّشَهّي، أي: أنَّ كلَّ أحد يُغيِّر الكلمة بمُرادِفِها في لُغَته، بل المراعَى في ذلك السَّمَاعُ من النبيّ وَّهِ، ويشير إلى ذلك قول كلٍّ من عمر وهشام في حديث الباب: أقرأَني النبيُّ نَّهَ، لكن ثَبَتَ عن غير واحد من الصَّحابة: أنَّه كان يقرأ بالمرادِفِ ولو لم يكن مسموعاً له، ومن ثَمَّ أَنكَرَ عمرُ على ابن مسعود قراءته: ((عَتَّى حين)) أي: ﴿حََّ حِينٍ﴾، وكَتَبَ إليه: إنَّ القرآن لم يَنْزِل بلُغَة هُذَیل، فأقرِئ الناسَ بلُغَة قُرَيش ولا تُقرِئهم بلُغة هُذَيل(١)، وكان ذلك قبل أن يجمع عثمانُ الناسَ على قراءة واحدة. قال ابن عبد البَرّ بعد أن أخرجه من طريق أبي داود بسندِهِ: يحتمل أن يكون هذا من عمر على سبيل الاختيار، لا أنَّ الذي قرأ به ابنُ مسعود لا يجوز، قال: وإذا أُبيحَت قراءته على سبعة أوجُه أُنزِلَت، جاز الاختيارُ فيما أُنزِلَ. قال أبو شامة: ويحتمل أن يكون مُراد عمر ثمَّ عثمان بقولهما: ((نزل بلسان قُرَيش)) أنَّ ذلك كان أوَّلَ نزوله، ثمَّ إنَّ الله تعالى سَهَّلَه على الناس فجَوَّزَ لهم أن يقرؤُوه على لُغاتهم، على أن لا يَخْرُجَ ذلك عن لُغات العرب، لگونه بلسانٍ عربيٍّ مُبین. فأمَّا مَن أراد قراءتَه من غير العرب، فالاختيار له أن يقرأَه بلسان قُرَيش لأنَّه الأَولى، وعلى هذا يُحمَل ما كَتَبَ به عمرُ إلى ابن مسعود، لأنَّ جميع اللَّغات بالنّسبة لغير العربيّ مُستَوية في التَّعبير، فإذْ لا بُدَّ من واحدة، فلتكن بلُغَة النبيّ وَّهِ، وأمَّا العربيُّ المجبول على ◌ُغَته فلو كُلِّفَ قراءته بلُغة قُرَيش لعَسْرَ (٢) عليه التَّحَوُّل معَ إباحة الله له أن يقرأَه بلُغَتِهِ، ويشير إلى هذا قولُه في حديث أُبيِّ كما تقدَّم: ((هَوِّن على أمَّتي))، وقوله: ((إنَّ أمَّتي لا تُطيق ذلك))(٣)، وكأنَّه انتهى عند السَّبع لعِلْمِه أنَّه لا تحتاج لفظةٌ من ألفاظه إلى أكثرَ من ذلك العدد غالباً، وليس المراد كما تقدَّم أنَّ كلَّ لفظة منه تُقرَأ على سبعة أوجه، قال ابن عبد البَرّ: (١) سلف تخريجه في شرح أول الباب الثاني من هذا الكتاب ص ١٧. (٢) تحرَّف في (س) إلى: لعثر. (٣) سلف تخريجه في أول الباب ٤٧، والروايتان عند مسلم (٨٢٠) و(٨٢١). --- ٥٥ باب ٥ / ح ٤٩٩٢ كتاب فضائل القرآن وهذا مُجُمَع عليه، بل هو غير مُمكِن، بل لا يُوجَد في القرآن كلمة تُقرَأ على سبعة أوجُه إلّا الشَّيءَ القليل، مثل: / ﴿وَعَبَدَ الطّغُونَ﴾ [المائدة: ٦٠]. ٢٨/٩ وقد أنكَرَ ابن قُتَيبة أن يكون في القرآن كلمة تُقرَأ على سبعة أوجُه، ورَدَّ عليه ابن الأنباريّ بِمِثْل: ﴿وَعَبَدَ الطّغُوتَ﴾، ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَا أُفٍ﴾ [الإسراء: ٢٣]، و((جِبْرِيلَ)). ويدلّ على ما قَرَّرَه: أنَّه أُنزِلَ أوَّلاً بلسان قُرَيش، ثمَّ سُهِّلَ على الأُمّة أن يقرؤوه بغير لسان قُرَيش، وذلك بعد أن كَثُرَ دخول العرب في الإسلام، فقد ثَبَتَ أنَّ وُرود التَّخفيف بذلك كان بعد الهجرة كما تقدَّم في حديث أُبيِّ بن كعب: ((أنَّ جِبْرِيل لَقِيَ النبيَّ وَّ وهو عند أَضَاةِ بني غِفار فقال: إنَّ الله يأمرك أن تَقرأَ أمَُّك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله مُعافاتَه ومَغْفِرَتَه، فإنَّ أمَّتي لا تُطيق ذلك)) الحديث، أخرجه مسلم (٨٢١)، وأَضَاة بني غِفار - هي بفتح الهمزة والضّاد المعجَمة بغير همز وآخره تاء تأنيث ـ: هو مُستَقَع الماء كالغَديرِ، وجمعه: أَضِى كعَصاً، وقيل: بالمدِّ والهمز مثل: إناء، وهو موضع بالمدينة النبويَّة يُنسَب إلى بني غِفَار - بكسرِ المعجَمة وتخفيف الفاء - لأنَّهم نزلوا عنده. وحاصل ما ذهب إليه هؤلاءِ: أنَّ معنى قوله: ((أُنزِلَ القرآنُ على سبعة أحرف)) أي: أُنزِلَ موسَعاً على القارئ أن يقرأَه على سبعة أوجُه، أي: يقرأ بأيِّ حرف أراد منها على البَدَل من صاحبه، كأنَّه قال: أُنزِلَ على هذا الشَّرط أو على هذه التَّوسِعة، وذلك لتسهيل قراءته، إذ لو أُخِذوا بأن يقرؤوه على حرف واحد لَشَقَّ عليهم كما تقدَّمَ. قال ابن قُتَيبة في أوَّل ((تفسير المشكِل)) له: كان من تيسير الله أن أمَرَ نبيَّه أن يُقرئَ كلَّ قوم بلُغَتِهِم، فالهُذَلِيّ يقرأ: ((عَتَّى حين)) يريد ﴿حَتَّى حِينٍ﴾، والأسَديّ يقرأ: ((تِعلَمونَ)) بكسرِ أوَّله، والتَّميميّ يَهمِز والقُرَشِيّ لا يَهمِز، قال: ولو أراد كلّ فريق منهم أن يزول عن لُغَته وما جَرَى عليه لسانُه طِفِلاً وناشئاً وكَهلاً، لَشَقَّ عليه غاية المشَقّة، فيَسَّرَ عليهم ذلك بمَنِّه، ولو كان المراد أنَّ كلّ كلمة منه تُقرَأ على سبعة أوجُه لَقال مثلاً: أنزلَ سبعة أحرُف، وإنَّما المراد أن يأتي في الكلمة وجه أو وجهان أو ثلاثة أو أكثر إلى سبعة. ٥٦ باب ٥ / ح ٤٩٩٢ فتح الباري بشرح البخاري وقال ابن عبد البَرّ: أنكَرَ أكثرُ أهل العلم أن يكون معنى الأحرُف اللُّغات، لما تقدَّم من اختلاف هشام وعمر ولغتُهما واحدة، قالوا: وإنَّما المعنى: سبعة أوجُهٍ من المعاني المتَّفِقة بالألفاظِ المختَلِفة، نحو: أقبِلْ وتَعالَ وهَلُمَّ. ثمَّ ساقَ الأحاديث الماضية الدَّالَّة على ذلك. قلت: ويُمكِن الجمعُ بين القولَينِ بأن يكونَ المراد بالأحرُفِ تَغْايُر الألفاظ معَ اتِّفاق المعنى معَ انحصار ذلك في سبع لُغات، لكن لاختلاف القولَينِ فائدة أُخرَى، وهي ما نَبَّهَ عليه أبو عَمْرو الدَّانيّ: أنَّ الأحرُف السَّبعة ليست مُتَفرِّقة في القرآن كلَّها ولا موجودة فيه في خَتْمة واحدة، فإذا قرأ القارئ بروايةٍ واحدة، فإنَّما قرأ ببعضِ الأحرُف السَّبعة لا بكلِّها، وهذا إِنَّمَا يَتَأَتَى على القول بأنَّ المراد بالأحرُفِ اللُّغاتُ، وأمَّا قول مَن يقول بالقولِ الآخر، فيَتَأَتَّى ذلك في خَتْمة واحدة بلا رَيْب، بل يُمكِن على ذلك القول أن تَحصُل الأوجُهُ السَّبعة في بعض القرآن كما تقدَّمَ. وقد حَمَلَ ابنُ قُتَيبة وغيره العددَ المذكورَ على الوجوه التي يقع بها التَّغايُرُ في سبعة أشياء: الأوَّل: ما تَتَغيَّرَ حَرَكتُه ولا يزولُ معناه ولا صورته، مثل: ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] بنصب الرّاء ورفعها. الثّاني: ما يَتغيَّر بتَغُّرِ الفعلِ مثل: ﴿بَعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] و((باعَدَ بین أسفارِنا» بصيغة الطَّلَب والفعل الماضي. الثّالث: ما يَتغيَّر بنَقْطِ بعض الحروف المهمَلة، مثل: ﴿نُنِشِرُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] بالرّاءِ والزّاي. الرّابع: ما يَتغيَّر بإبدال حرف قريب من تَخَرَج الآخر، مثل: ﴿وَطَلْحِ مَّنْضُوبٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] في قراءة عليٍّ: ((وطَلْع منضود)). الخامس: ما يَتغيَّر بالتَّقديم والتَّأخير، مثل: ﴿ وَجََّتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ﴾ [ق:١٩] في قراءة أبي بكر الصَّديق وطلحة بن مُصرِّف وزَيْن العابدينَ: ((وجاءت سَكْرة الحقّ بالموتِ)). ٥٧ باب ٥ / ح ٤٩٩٢ كتاب فضائل القرآن السادس: ما يَتغيَّر بزيادةٍ أو نُقصان كما تقدَّم في التَّفسير (٤٩٤٣ و٤٩٤٤) عن ابنِ مسعود وأبي الدَّرداء: ((واللَّيلِ إذا يَغْشَى، والنَّهار إذا تَجَلَّى، والذَّكَرِ والأُنْشَى)) هذا في النُّقصان، وأمَّا في الزّيادة فكما تقدَّم في تفسير ((تَبَّت يَدا أبي لهب)) في حديث / ابنِ عبَّاس (٤٩٧١): ((وأَنذِرْ ٢٩/٩ عشيرتَك الأقرَبينَ، ورَهْطَك منهم المخلَصِينَ)). السابع: ما يَتغيَّر بإبدال كلمة بكلمةٍ تُرادِفُها مثل: ﴿كَالْمِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] في قراءة ابنِ مسعود وسعيد بن جُبَير: ((كالصُوفِ المنفوش))، وهذا وجهٌ حسن، لكن اسْتَبَعَدَه قاسم بن ثابت في ((الدَّلائل)) لكَونِ الرُّخصة في القراءات إنَّا وَقَعَت وأكثرُهم يومَئذٍ لا يَكتُب ولا يَعرِف الرَّسْم، وإنَّما كانوا يَعرِفونَ الحروف بمَخارجِها، قال: وأمَّا ما وُجِدَ من الحروف المتباينةِ المخرَج، المَّفِقِةِ الصّورة مثل: ((نُنشِرُها)) و(انُنشِزُها))، فإنَّ السَّبَب في ذلك تَقارُب معانيها، واتَّفَقَ تَشابُه صورتها في الخطِّ. قلت: ولا يَلزَمُ من ذلك تَوْهينُ ما ذهب إليه ابنُ قُتَيبة، لاحتمال أن يكونَ الانحِصار المذكور في ذلك وَقَعَ اتِّفاقاً، وإنَّما الطَّلَعَ عليه بالاستقراءِ، وفي ذلك من الحكمة البالغة ما لا يَخْفَى. وقال أبو الفضل الرّازيُّ: الكلام لا يَخْرُج عن سبعة أوجُهٍ في الاختلاف: الأوَّل: اختلافُ الأسماء من إفراد وتثنية وجمع، أو تذكير وتأنيث، الثّاني: اختلافُ تصريف الأفعال من ماضٍ ومُضارع وأمر، الثّالث: وجوه الإعراب، الرّابع: النَّقص والزّيادة، الخامس: التَّقديم والتَّأخير، السادس: الإبدال، السابع: اختلاف اللّغات كالفتح والإمالة، والتَّرقيق والتَّفخيم، والإدغام والإظهار، ونحوِ ذلك. قلت: وقد أخَذَ كلامَ ابنِ قُتَيبة ونَقَّحَه. وذهب قوم إلى أنَّ السَّبعةَ الأحرُفِ سبعةُ أصناف من الكلام، واحتجُّوا بحديثِ ابنِ مسعود عن النبيّ وَّه قال: ((كان الكتاب الأوَّل يَنزِل من بابٍ واحد على حرف واحد، ونزل القرآنُ من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجِرٌ وآمِرٍ، وحلال وحرام، ومُحُكَم ومُتَشابِهِ، ٥٨ باب ٥ / ح ٤٩٩٢ فتح الباري بشرح البخاري وأمثال، فأحِلُّوا حلالَه، وحَرِّموا حَرامَه، وافعَلوا ما أُمِرتُم به، وانتَهُوا عَّا نُهِيتُم عنه، واعتَبِرِوا بأمثاله، واعملوا بمُحكَمِه، وآمِنوا بمُتَشابهه، وقولوا: آمَنّا به كلٌّ من عند رَبِّنا»، أخرجه أبو عُبيد(١) وغيره. قال ابن عبد البَرّ: هذا حديث لا يَثبُت، لأنَّه من رواية أبي سَلَمَةَ بن عبد الرَّحمن عن ابنِ مسعود ولم يَلقَ ابنَ مسعود، وقد رَدَّه قوم من أهل النَّظَر منهم أبو جعفر أحمد بن أبي عمران. قلت: وأطنَبَ الطَّبَرِيُّ في مُقَدِّمة ((تفسيره)) في الردّ على مَن قال به، وحاصله أنَّه يَستَحيل أن يَجتَمِع في الحرف الواحد هذه الأوجُهُ السَّبعة، وقد صَحَّحَ الحديثَ المذكور ابنُ حِبّان (٧٤٥) والحاكم (٥٥٣/١)، وفي تصحيحه نظرٌ لانقطاعِه بين أبي سَلَمةَ وابنِ مسعود. وقد أخرجه البيهقيُّ من وجه آخر عن الزُّهْريِّ عن أبي سَلَمَةَ مُرسَلاً، وقال: هذا مُرسَل جيِّدٍ، ثمّ قال: إن صَحَّ فمعنى قوله في هذا الحديث: ((سبعة أحرف)) أي: سبعة أوجُهٍ كما فُسِّرت في الحديث، وليس المراد الأحرف السَّبعة التي تقدَّم ذِكْرها في الأحاديث الأُخْرَى، لأنَّ سياق تلك الأحاديث يأبى حَملَها على هذا، بل هي ظاهرة في أنَّ المراد أنَّ الكلمة الواحدة تُقرأ على وجهَينِ وثلاثة وأربعة إلى سبعة تَهويناً وتيسيراً، والشَّيء الواحد لا یکون حراماً وحلالاً في حالة واحدة. وقال أبو عليّ الأهوازيّ وأبو العلاء الهَمَذانيُّ: قوله: ((زاجِرٌ وآمِر)) استئناف كلام آخر، أي: هو زاجِر، أي: القرآن، ولم يُرِدْ به تفسير الأحرُف السَّبعة، وإنَّما تَوهَّمَ ذلك مَن تَوََّه من جهة الاتِّفاق في العدد. ويُؤيِّده أنَّه جاء في بعض طرقه: ((زاجِراً وآمِراً)) إلى آخره، بالنَّصب، أي: نزل على هذه الصِّفة من الأبواب السَّبعة. وقال أبو شامَّةً: يحتمل أن يكونَ التَّفسير المذكور للأبواب لا للأحرُفِ، أي: هي سبعة (١) في عزو حديث ابن مسعود هذا إلى أبي عبيد نظرٌ، فالذي عند أبي عبيد في ((فضائل القرآن)) ص١٠٠ و٣٤٦ هو الرواية المرسلة من طريق أبي سلمة عن النبي و ﴿ دون ذكر ابن مسعود، والحديث من طريق أبي سلمة عن ابن مسعود عند الطحاوي في ((شرح المشكل)) (٣١٠٢)، وابن حبان (٧٤٥) وغيرهما. ٥٩ باب ٥ / ح ٤٩٩٢ كتاب فضائل القرآن أبواب من أبواب الكلام وأقسامه، أي: أنزَلَه الله على هذه الأصناف لم يَقتَصِرْ منها على صنفٍ واحد کغيره من الكتب .. قلت: ومما يُوضح أنَّ قوله: ((زاجِر وآمِر)) إلى آخره، ليس تفسيراً للأحرُفِ السَّبعة ما وَقَعَ في مسلم (٨١٩) من طريق يونس عن ابنِ شِهاب عَقِبَ حديث ابنِ عبَّاس الأوَّل من حديثَي هذا الباب: قال ابنُ شِهاب: بَلَغَني أنَّ تلك الأحرُفَ السَّبعة إنَّما هي في الأمر الذي يكون واحداً لا يختلف في حلال ولا حرام، قال أبو شامة: وقد اختَلَفَ السَّلَفُ في الأحرف السَّبعة/ التي نزل بها القرآن: هل هي مجموعة في المصحَف الذي بأيدي الناس اليومَ، أو ٣٠/٩ ليس فيه إلّا حرف واحد منها؟ مالَ ابنُ الباقلَّانيّ إلى الأوَّل، وصَرَّحَ الطََّرِيُّ وجماعة بالثّاني، وهو المعتمد. وقد أخرج ابنُ أبي داود في ((المصاحف)) عن أبي الطاهر بن السَّرْح قال: سألتُ ابنَ عُيَينَةَ عن اختلاف قراءة المدنيِّينَ والعراقِّينَ: هل هي الأحرفُ السَّبعة؟ قال: لا، وإنَّما الأحرفُ السَّبعة مثل: هَلُمَّ وتَعالَ وأقبِلْ، أيَّ ذلك قلتَ أجزأك. قال: وقال لي ابنُ وَهْب مِثْلَه. والحقّ أنَّ الذي ◌ُعَ في المصحَف هو المتَّفَق على إنزاله المقطوع به المكتوب بأمرِ النبيّ ◌ِّ، وفيه بعض ما اختَلَفَت فيه الأحرفُ السَّبعة لا جميعُها، كما وَقَعَ في المصحَف المكِّيّ: ((تَجري مِن تحتِها الأنهارُ)) في آخرِ براءة [١٠٠]، وفي غيره بحذفِ ((مِن))، وكذا ما وَقَعَ من اختلاف مصاحف الأمصار من عِدّة واوات ثابتة بعضها دونَ بعض، وعِدّة هاءات وعِدّة لامات ونحو ذلك، وهو محمول على أنَّه نزل بالأمرَينِ معاً، وأمَرَ النبيُّ وَلَّه بكتابته لشَخصَينٍ، أو أعلمَ بذلك شخصاً واحداً وأمَرَه بإثباتهما على الوجهَينِ، وما عَدَا ذلك من القراءات ممَّا لا يوافق الرَّسْمَ، فهو ممّا كانت القراءةُ جُوِّزَت به تَوسِعةً على الناس وتسهيلاً، فلمَّا آلَ الحالُ إلى ما وَقَعَ من الاختلاف في زمن عثمان، وكَفَّرَ بعضُهم بعضاً، اختاروا الاقتصار على اللَّفظ المأذون في كتابته وتَرَكوا الباقي. ٦٠ باب ٥ / ح ٤٩٩٢ فتح الباري بشرح البخاري قال الطَّبَرُّ: وصارَ ما أَنَّفَقَ عليه الصَّحابةُ من الاقتصار كمَن اقتَصَرَ مَمَّا خُيِّرَ فيه على خَصْلة واحدة، لأنَّ أمرَهم بالقراءة على الأوجُه المذكورة لم يكن على سبيل الإيجاب، بل على سبيل الرُّخصة. قلت: ويدلّ عليه قولُهُ وَ لَه في حديث الباب: «فاقرؤُوا ما تيسَر منه))، وقد قَرَّرَ الطََّرِيُّ ذلك تقريراً أطنَبَ فيه ووَهَّى مَن قال بخِلَافه، ووافَقَه على ذلك جماعة منهم أبو العبَّاس بن عَّار في ((شرح الهداية)) وقال: أصُ ما عليه الحُذّاق: أنَّ الذي يُقرَأ الآن بعضُ الحروف السَّبعة المأذون في قراءتها لا كلُّها، وضابطه ما وافَقَ رَسْمَ المصحَف، فأمَّا ما خالَفَه مثل: ((أن تَبْتَغْوا فضلاً من رَبِّكم في مواسم الحجّ))، ومثل: ((إذا جاء فتحُ الله والنَّصر))، فهو من تلك القراءات التي تُرِكَت إن صَحَّ السَّنَد بها، ولا يكفي صِحّةُ سندها في إثبات كَوْنها قرآناً، ولا سيَّما والكثيرُ منها ما يحتمل أن يكونَ من التَّأويل الذي قُرِنَ إلى التَّنزيل فصارَ يُظَنّ أنَّه منه. وقال البَغَويُّ في ((شرح السُّنّة)): المصحَفُ الذي استَقَرَّ عليه الأمر هو آخرُ العَرَضات على رسول الله وَّهَ، فأمَرَ عثمانُ بنَسخِه في المصاحف وجَمَعَ الناسَ عليه، وأذهَبَ ما سوى ذلك قطعاً لمادّة الخِلاف، فصارَ ما يُخالِفِ خَطَّ المصحف في حُكْم المنسوخ والمرفوع كسائِرِ ما نُسِخَ ورُفِعَ، فليس لأحدٍ أن يَعدُوَ في اللَّفظ إلى ما هو خارجٌ عن الرَّسم. وقال أبو شامة: ظنَّ قوم أنَّ القراءات السَّبع الموجودة الآن هي التي أُريدَت في الحديث، وهو خِلَافُ إجماع أهل العلم قاطِبةً، وإنَّما يَظُنّ ذلك بعضُ أهل الجهل. وقال ابنُ عمَّار أيضاً: لقد فعل مُسَبِّعُ هذه السَّبعة ما لا ينبغي له، وأشكَلَ الأمر على العامّة بإيهامه كلَّ مَن قَلَّ نظرُه أنَّ هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، ولَيْتَه إذ اقْتَصَرَ نَقَصَ عن السَّبعة أو زاد ليُزِيلَ الشُّبهة، ووَقَعَ له أيضاً في اقتصاره عن كلِّ إمام على راویینِ أنَّه صارَ مَن سمعَ قراءةَ راوٍ ثالث غيرهما أبطَلَها، وقد تكونُ هي أشهَرَ وأصحَّ وأظهَر، ورُبَّا بالَغَ مَن لا يفهم فخَطَّأ أو كَفَّرَ. وقال أبو بكر بن العربيّ: ليست هذه السَّبعة مُتَعيِّنةً للجوازِ حتَّى لا يجوز غيرها كقراءة