Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ باب ٣ / ح ٤٩٨٦ كتاب فضائل القرآن هذا الحديث، لكنَّه كَرَّرَه في التَّفسير (٤٦٧٩) والأحكام (٧١٩١) والتَّوحيد (٧٤٢٥) وغيرها مُطوَّلاً ومختصراً. قوله: ((أن زيد بن ثابت)) هذا هو الصَّحيح عن الزّهْريِّ: أنَّ قصَّة زيد بن ثابت مع أبي بكر وعمر عن عُبيد بن السَّاق عن زيد بن ثابت، وقصَّة حُذَيفة معَ عثمان عن أنس بن مالك، وقصَّة فَقْدِ زيد بن ثابت الآيةَ من سورة الأحزاب(١) عن خارجةً بن زيد بن/ ثابت ١٢/٩ عن أبيه، وقد رواه إبراهيم بن إسماعيل بن مُجُمِّع عن الزُّهْريِّ(٢)، فأدرَجَ قصَّةَ آية سورة الأحزاب في رواية عُبيد بن السَّاق، وأغرَبَ عُمارةُ بن غَزِيَّة فرواه عن الزُّهْريِّ فقال: عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه وساقَ القِصَص الثلاث بطولها: قصَّة زيد معَ أبي بكر وعمر، ثمَّ قصَّة حُذَيفة معَ عثمان أيضاً، ثمَّ قصَّة فَقْد زيد بن ثابت الآيَةَ من سورة الأحزاب، أخرجه الطََّريُّ (٢٦/١ -٢٧)، وبيَّن الخطيب في ((المدرَج)) (٣٩٣/١ -٤١٢) أَنَّ ذلك وهمٌّ منه، وأنَّه أدرَجَ بعض الأسانيد على بعض. قوله: (أرسَلَ إلَيَّ أبو بكر الصِّدّيق)) لم أقِفْ على اسم الرَّسول إليه بذلك، ورُوِّينا في الجزء الأوَّل من ((فوائد الدَّيْرِ عاقولّ))(٣) قال: حدَّثنا إبراهيم بن بشَّار، حدَّثنا سفيان بن عُيَينَةَ، عن الزّهْريِّ، عن عُبيد، عن زيد بن ثابت قال: قُبِضَ النبيّ وَّ ه ولم يكن القرآن جُمعَ في شيءٍ. قوله: ((مَقتَلَ أهل البَمامة)) أي: عَقِبَ قتل أهل اليمامة، والمراد بأهلِ اليَمامة هنا: مَن قُتِلَ بها من الصَّحابة في الوَقْعة معَ مُسَلِمة الكَذّاب، وكان من شأنها أنَّ مُسَيلمة ادَّعَى النُّبوّةَ وَقَوِيَ أمُرُه بعد موت النبيّ ◌َّه بارتدادِ كثير من العرب، فجَهَّزَ إليه أبو بكر الصِّدّيق خالد بن الوليد في جمع كثير من الصَّحابة فحارَبُوه أشدَّ مُحَارَبة، إلى أن خَذَلَه الله وقتله، وقُتِلَ في غُضُون ذلك (١) بعد هذا في (أ) و(س): في رواية عبيد بن السابق؛ وهي زيادة مقحمة خلت منها نسخة (ع) على الصواب. (٢) عند الخطيب في كتابه «الفصل للوصل المدرَج في النقل)) ٣٩٥/١-٣٩٦. (٣) ومن طريق الدَّير عاقولي أخرجه ابنُ مسلمة الدمشقي في ((المشيخة البغدادية)) (٢٣)، وأخرجه أيضاً أبوبكر القطيعي في زياداته على ((فضائل الصحابة)) لأحمد (٥٩١) عن أبي مسلم الكجِّ عن إبراهيم بن بشار الرمادي. ٢٢ باب ٣ / ح ٤٩٨٦ فتح الباري بشرح البخاري من الصَّحابة جماعةٌ كثيرة، قيل: سبع مئة، وقيل أكثر. قوله: ((قد استَحرَّ)) بسينٍ مُهمَلة ساكنة ومُثنّة مفتوحة بعدها حاء مُهمَلة مفتوحة ثمَّ راء ثقيلة، أي: اشتَدَّ وكَثُرَ، وهو استَفْعَلَ من الحَرّ، لأنَّ المكروه غالباً يُضاف إلى الحَرّ، كما أنَّ المحبوب يُضاف إلى البَرْد، يقولون: أسخَنَ اللهُ عينَه، وأقَرَّ عينَه، ووَقَعَ من تسمية القُرّاء الذينَ أراد عمرُ في رواية سفيان بن عُيَينةَ المذكورة: قتلُ سالم مولى أبي حُذَيفة، ولفظه: فلمَّا قُتِلَ سالم مولى أبي حُذَيفة خَشِيَ عمرُ أن يذهب القرآن، فجاء إلى أبي بكر. وسيأتي (٤٩٩٩) أَنَّ سالماً أحدُ مَن أمَرَ النبيُّ ◌َّ بأخذِ القرآن عنه. قوله: ((بالقُرّاءِ بالمَواطِنِ)) أي: في المواطِن، أي: الأماكن التي يقع فيها القتالُ معَ الكفَّار، ووَقَعَ في رواية شُعَيب عن الزُّهْريِّ(١): في المواطِن، وفي رواية سفيان: وأنا أخشَى أن لا يَلقَى المسلمونَ زَحفاً آخرَ إلّا استَحرَّ القتلُ بأهلِ القرآن. قوله: ((فيذهب كثيرٌ من القرآن)» في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه من الزّيادة: إلّا أن تجمعوه(٢)، وفي رواية شُعَيب: قبل أن يُقتَل الباقونَ(٣)، وهذا يدلُّ على أنَّ كثيراً مَمَّن قُتِلَ في وقعة اليمامة كان قد حَفِظَ القرآن، لكن يُمكِن أن يكون المرادُ أنَّ مجموعهم جمعه لا أنَّ كلّ فردٍ جمعه، وسيأتي مزيدُ بيان لذلك في ((باب مَن جَمَعَ القرآن))(٤) إن شاء الله تعالى. قوله: ((قلتُ لعمر)) هو خِطابُ أبي بكر لعمر، حكاه ثانياً لزيد بن ثابت لمَّا أرسَلَ إليه، وهو كلام مَن يُؤثِر الاتِّباع ويَنْفِر من الابتداع. (١) سلفت برقم (٤٦٧٩). (٢) رواية يعقوب بن إبراهيم أخرجها ابن أبي داود في ((المصاحف)) (٢٨)، لكن ليس فيها الحرف المذكور، وهو في رواية شعيب عن الزهري عند البخاري برقم (٤٦٧٩)، فعزوه إلى رواية يعقوب ذهولٌ من الحافظ رحمه الله. (٣) لم نقف على هذا الحرف في رواية شعيب عند البخاري، فلعلَّه في غيره من الكتب أو الأجزاء التي لم نقف عليها، والله تعالى أعلم. (٤) انظر حديث أنس الآتي برقم (٥٠٠٤) وشرحه في ((باب القراء من أصحاب النبي)). ٢٣ باب ٣ / ح ٤٩٨٦ كتاب فضائل القرآن قوله: ((لم يَفعَلْه رسول الله وَلِ﴾)) تقدَّم من رواية سفيان بن عُيَينَةَ تصريح زيد بن ثابت بذلك، وفي رواية عُمارة بن غَزِيَّةٍ(١): فَنَفَرَ منها أبو بكر وقال: أفعَلُ ما لم يفعل رسول الله وَلّهِ؟! وقال الخطّابُّ وغيره: يحتمل أن يكون وَله إنَّما لم يَجمَع القرآن في المصحَف لمَا كان يَتَرَقَّبه من وُرود ناسخ لبعضٍ أحكامه أو تِلاوَته، فلمَّ انقَضَى نزولُه بوفاته وَِّ أهَمَ الله الخلفاء الرّاشدينَ ذلك وفاءً لوَعِدِه الصّادق بضَمان حِفْظه على هذه الأُمّة المحمَّديَّة، زادَها الله شَرَفاً، فكان ابتداءُ ذلك على يد الصِّدّيق ◌ُ بمَشُورة عمر، ويُؤيِّده ما أخرجه ابن أبي داود في ((المصاحف)) (١٧) بإسنادٍ حسن عن عبدٍ خيرٍ قال: سمعتُ عليّاً يقول: أعظَمُ الناس في المصاحف أجراً أبو بكر، رحمةُ الله على أبي بكر، هو أوَّل مَن جَمَعَ كتاب الله. وأمَّا ما أخرجه مسلم (٣٠٠٤) من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله وَ لات: ((لا تَكتُبُوا عَنِّي شيئاً غير القرآن)) الحديث، فلا يُنافي ذلك، لأنَّ الكلام في كتابة مخصوصة على صِفَة مخصوصة، وقد كان القرآن كلَّه كُتِبَ في عهد النبيّ وَِّ، لكن غيرَ مجموع في موضع واحد ولا مُرتَّب السُّوَر. وأمَّا ما أخرجه ابن أبي داود في ((المصاحف)) (٣١) من طريق/ ابن سِيرِين قال: قال ١٣/٩ عليّ: لمَّا ماتَ رسول اللهِ وَ﴿ آلَيتُ أن لا آخُذَ عليَّ رِدائي إلّ لصلاة جمعةٍ حتَّى أجمَعَ القرآن، فجَمَعَه؛ فإسناده ضعيف لانقطاعِه، وعلى تقدير أن يكون محفوظاً، فمُراده بجمعِه حِفظُه في صَدْره، قال: والذي وَقَعَ في بعض طرقه: ((حتَّى جمعتُهُ بين اللَّوحَينِ)) وهمٌّ من رواته. قلت: وما تقدَّم من رواية عبدِ خير عن عليّ أصحُّ، فهو المعتمَد. ووَقَعَ عند ابن أبي داود أيضاً (٣٢) بيان السَّبَب في إشارة عمر بن الخطّب بذلك، فأخرج من طريق الحسن: أنَّ عمر سألَ عن آية من كتاب الله فقيلَ: كانت معَ فلانٍ فَقُتِلَ يومَ اليَمامة، فقال: إنّا لله، وأمَرَ بجمع القرآن، فكان أوَّلَ مَن جمعه في المصحَف؛ وهذا مُنقَطِع، فإن كان محفوظاً حُملَ على أنَّ المراد بقوله: ((فكان أوَّلَ مَن جمعه)) أي: أشارَ بجمعِه في خِلَافة أبي بكر، فنَسَبَ الجمعَ إليه لذلك. (١) عند الطبري في ((تفسيره)) ٢٦/١-٢٧. ٢٤ باب ٣ / ح ٤٩٨٦ فتح الباري بشرح البخاري وقد تَسوَّل لبعضِ الرَّوافض أنَّه يَتَوجَّه الاعتراضُ على أبي بكر بما فَعَلَه من جمع القرآن في المصحَف فقال: كيف جازَ أن يفعل شيئاً لم يفعلْه الرَّسول عليه أفضل الصلاة والسَّلام؟ والجواب: أنَّه لم يفعل ذلك إلّا بطريق الاجتهاد السائغ الناشئ عن النَّصح منه لله ولرسوله ولكتابِهِ ولأئمّة المسلمينَ وعامَّتهم، وقد كان النبيُّ ◌ََّ أَذِنَ في كتابة القرآن ونَهَى أن يُكتَب معه غيره، فلم يأمر أبو بكر إلّا بكتابة ما كان مكتوباً، ولذلك تَوَقَّفَ زيدٌ(١) عن كتابة الآية من آخر سورة براءةَ حتَّى وَجَدَها مكتوبةً، معَ أنَّه كان يَستَحضرها هو ومَن ذُكِر معه. وإذا تأمَّلَ المنصِف ما فَعَلَه أبو بكر من ذلك، جَزَمَ بأنَّه يُعَدّ في فضائله ويُنوِّه بعظيمِ مَنْقَبَته، لِثُبُوتِ قوله ◌َّةِ: ((مَن سَنَّ سُنّةً حسنةً فله أجرُها وأجر مَن عَمِلَ بها))(٢)، فما جَمَعَ القرآنَ أحدٌ بعده إلّا وكان له مِثْلُ أجره إلى يوم القيامة. وقد كان لأبي بكر من الاعتناء بقراءة القرآن ما اختارَ معه أن يَرُدَّ على ابن الدُّغُنّة جِوارَه ويَرضَى بجوار الله ورسوله، وقد تقدَّمَت القصّة مبسوطةً في فضائله (٣٩٠٥)، وقد أعلَمَ اللهُ تعالى في القرآن بأنَّه مجموع في الصُّحُف في قوله: ﴿يَتْلُواْ مُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ الآية [البينة: ٢]، وكان القرآن مكتوباً في الصُّحُف، لكن كانت مُفرَّقة فجمعها أبو بكر في مكان واحد، ثمَّ كانت بعده محفوظة إلى أن أمَرَ عثمانُ بالنَّسْخِ منها، فَنَسَخَ منها عِدّةَ مَصاحفَ وأرسَلَ بها إلى الأمصار، كما سيأتي بیان ذلك (٤٩٨٧). قوله: ((قال زيد)) أي: ابن ثابت ((قال أبو بكر)) أي: قال لي «إنَّك رجلٌ شابّ عاقل لا نَتَّهِمُك، وقد كنتَ تَكتُب الوَحْي)) ذكر له أربعَ صفات مُقْتَضيةٍ خَصُوصيَّتَه بذلك: كَونَه شاباً فيكون أنشَطَ لمَا يُطلَب منه، وكَونَه عاقلاً فيكون أَوعَى له، وكَونَه لا يُتَّهَم فَتَركَنُ النَّفْسُ إليه، وكَونَه كان يَكتُب الوحيَ فيكون أكثرَ ثُمارَسةً له، وهذه الصِّفات التي اجْتَمَعَت له قد تُوجَد في غيره لكن مُفرَّقة. (١) لفظة ((زيد)) سقطت من (س). (٢) أخرجه مسلم (١٠١٧) من حديث جرير بن عبد الله، وانظر حديث أبي هريرة أيضاً في ((مسند أحمد)) برقم (٩١٦٠). ٢٥ باب ٣ / ح ٤٩٨٦ كتاب فضائل القرآن وقال ابن بَطّال عن المهلَّب: هذا يدلُّ على أنَّ العقل أصل الخِصال المحمودة، لأنَّه لم يَصِفْ زيداً بأكثر من العقل، وجعله سبباً لائتمانه ورفع التُّهمة عنه، كذا قال، وفيه نظرٌ، وسيأتي مزيد البحث فيه في كتاب الأحكام (٧١٩١) إن شاءَ الله تعالى. ووَقَعَ في رواية سفيان بن عُيَينَةَ: فقال أبو بكر: أما إذا عَزَمتَ على هذا فأرسِلْ إلى زيد ابن ثابت فادعُه، فإنَّه كان شاباً حَدَثاً ثَقِفاً(١) يَكتُب الوحيَ لرسولِ الله وََّ، فأرسِلْ إليه فادعُهُ حتَّى يجمعَه مَعَنا، قال زيد بن ثابت: فأرسَلا إليَّ فأتيتُهما، فقالا لي: إنّا نريد أن نَجمَعَ القرآن في شيء، فاجَعْه مَعَنا. وفي رواية عُمارة بن غَزِيَّة(٢): فقال لي أبو بكر: إنَّ هذا دَعَاني إلى أمر، وأنتَ كاتبُ الوحي، فإنْ تَكُ معه اتَّبَعتُكُما، وإن تُوافِقْني لا أفعَلْ؛ فاقتصَّ قولَ عمر، فَنَفَرتُ من ذلك، فقال عمر كَلِمةً: وما عليكُما لو فَعَلتُما؟ قال: فَنَظَرْنا فقلنا: لا شيء والله، ما علينا. قال ابن بَطّال: إِنَّا نَفَرَ أبو بكر أوَّلاً، ثمَّ زيد بن ثابت ثانياً؛ لأنَّهما لم يَجِدا رسول الله وَه فَعَلَه فكَرِها أن يُحِلّا أنْفُسَهما محلَّ مَن يزيد احتياطُه للدِّينِ على احتياط الرَّسول، فلمَّا نَبَّهَهما عمرُ على فائدة ذلك، وأنَّ خَشْية أن يَتغيَّر الحال في المستَقبَل إذا لم يُجمَع القرآن/ فيصير إلى ١٤/٩ حالة الخَفَاء بعد الشُّهرة، رَجَعا إليه. قال: ودَلَّ ذلك على أنَّ فِعلَ الرَّسول إذا تَجَرَّدَ عن القَرائن - وكذا تَركُه - لا يدلّ على وجوب ولا تحريم. انتهى، وليس ذلك من الزِّيادة على احتياط الرَّسول، بل هو مُستَمَدّ من القواعد التي مَهَّدَها الرَّسول وَلَّهِ. قال ابن الباقلانيّ: كان الذي فَعَلَه أبو بكر من ذلك فرضَ كِفاية، بدلالة قوله ◌َّ: ((لا تَكتُبُوا عَنِّي شيئاً غيرَ القرآن))(٣) معَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، (١) في الأصلين و(س) تقرأ هذه الكلمة إمّا ((تقياً)) أو (نقياً))، والمثبت من ((فضائل الصحابة)) لأحمد (٥٩١) و((المشيخة)) لابن مسلمة الدمشقي (٢٣)، وهو الصواب فيما يغلب على ظنِّنا، والثَّقِف: ذو الفِطنة والذكاء. (٢) عند الطبري ٢٦/١ -٢٧. (٣) سلف قبل قليل، وأشار الحافظ أنه من حديث أبي سعيد الخدري، وهو عند مسلم (٣٠٠٤) بنحو هذا اللفظ، وانظر «مسند أحمد)» (١١٠٨٥). ٢٦ باب ٣ / ح ٤٩٨٦ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى الضُّحُفِ اُلْأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨]، وقوله: ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَنْلُواْ صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] قال: فكلّ أمر يَرجِعُ لإحصائه وحِفظه فهو واجبٌ على الكفاية، وكان ذلك من النَّصيحة لله ورسوله وكتابه وأئمّة المسلمينَ وعامَّتهم. قال: وقد فَهِمَ عمر أنَّ تركَ النبيّ وَّ جمعَه لا دلالة فيه على المنع، ورَجَعَ إليه أبو بكر لمَّا رأى وجه الإصابة في ذلك، وأنَّه ليس في المنقول ولا في المعقول ما يُنافيه، وما يَتَرَّب على تركِ جمعه من ضَیاع بعضه، ثمَّ تابَعَهما زيدُ بن ثابت وسائرُ الصّحابة على تصويب ذلك. قوله: ((فوالله لو كَلَّفوني نَقْلَ جبلٍ من الجبال ما كان أثقَلَ عليَّ ممّاً أمَرَني به)) كأنَّ جَمَعَ أوَّلاً باعتبار أبي بكر ومَن وافَقَه، وأفرَدَ باعتبار أنَّه الآمِرُ وحده بذلك، ووَقَعَ في رواية شُعَيب عن الزُّهْرِيِّ(١): ((لو كَلَّفَني)) بالإفرادِ أيضاً، وإنَّما قال زيد بن ثابت ذلك لمَا خَشِيَه من التَّقصير في إحصاء ما أُمِرَ بجمعِه، لكن الله تعالى يَسَّرَ له ذلك كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا اُلْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ﴾ [القمر: ١٧]. قوله: «فتَبَّعْتُ القرآنَ أجمَعُه)» أي: من الأشياء التي عندي وعند غيري. قوله: ((من العُسُبِ)) بضمِّ المهمَلتَينِ ثمَّ موحّدة: جمع عَسِيب، وهو جَرِيد النَّخل، كانوا يَكْشُطُونَ الْخُوصِ ويَكتُبُونَ في الطَّرَف العَريض. وقيل: العَسِيب طَرَف الجريدة العريض الذي لم يَنْبُت عليه الخُوص، والذي يَنْبُت عليه الخوص هو السَّعَف. ووَقَعَ في رواية ابن عُيَينَةَ عن ابن شِهاب: القَصَب والعُسُب والگرانِف وجرائد النَّخل، ووَقَعَ في رواية شُعَيب: من الرِّقاع؛ جمع رُقْعة، وقد تكون من جلد أو وَرَق أو كاغَدٍ، وفي رواية عُمارة بن غَزِيَّة(٢): وقِطَع الأدیم، وفي رواية ابن أبي داود (٢٤) من طريق أبي داود الطَّالسيِّ عن إبراهيم بن سعد: والصُّحُف. قوله: ((واللِّخَاف)) بكسرِ اللّام ثمَّ خاء مُعجَمة خفيفة وآخره فاء: جمع لَخْفة، بفتح (١) سلفت برقم (٤٦٧٩). (٢) عند الطبري ٢٦/١-٢٧. ٢٧ باب ٣ / ح ٤٩٨٦ كتاب فضائل القرآن اللّم وسكون المعجَمة، ووَقَعَ في رواية أبي داود الطَّيالسيِّ عن إبراهيم بن سعد: واللُّخُف، بضمَّتَينِ وفي آخره فاء، قال أبو داود الطَّيالسيُّ في روايته: هي الحجارة الرِّقاق. وقال الخطّابِيُّ: صفائح الحجارة الرِّقاق. قال الأصمَعيّ: فيها عَرْض ودِقّة. وسيأتي للمصنّف في الأحكام (٧١٩١) عن أبي ثابت أحد شيوخه: أنَّه فَسَّرَه بالخَزَفِ، بفتح المعجَمة والزّاي ثُمَّ فاء: وهي الآنية التي تُصنَع من الطِّين المشويّ، ووَقَعَ في رواية شُعَيب: والأكتاف؛ جمع كَتِفِ: وهو العَظْم الذي للبعير أو الشّاة، كانوا إذا جَفَّ كَتَبوا فيه، وفي رواية عمارة بن غَزِيَّة: وكِسَر الأكتاف، وفي رواية ابن مُجُمِّع عن ابن شِهاب عند ابن أبي داود (٢٦): والأضلاع، وعنده من وجه آخر (٢٨): والأقتاب؛ بقاف ومُثنّاة وآخره موحَّدة: جمع قَتَبِ بفتحتينِ، وهو الخشب الذي يُوضَع على ظَهْر البعیر لُركَب علیه. وعند ابن أبي داود أيضاً في ((المصاحف)) (٣٣) من طريق يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطِب قال: قامَ عمر فقال: مَن كان تَلَقَّى من رسول الله وَّهِ شيئاً من القرآن فليأتِ به، وكانوا يَكتُبُونَ ذلك في الصُّحُف والألواح والعُسُب، قال: وكان لا يَقبَلُ من أحد شيئاً حتَّى يَشْهَدَ شاهدان. وهذا يدلُّ على أنَّ زيداً كان لا يَكتَفي بمُجرَّدٍ وِجْدانه مكتوباً حتَّى يَشْهَدَ به مَن تلقَّاه سماعاً، معَ كَونِ زيد كان يحفظه، وكان يفعل ذلك مُبالَغةً في الاحتياط. وعند ابن أبي داود أيضاً (٢٣) من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه: أنَّ أبا بكر قال لعمر ولِزيدٍ: اقعُدا على باب المسجد فَمَن جاءَكُما بشاهدَينٍ على شيء من كتاب الله فاكتُباه، ورجاله ثقات معَ انقطاعه، وكأنَّ المراد بالشّاهدَينِ الحِفِظُ والكِتاب،/ أو المراد أنَّهما ١٥/٩ يَشْهَدان على أنَّ ذلك المكتوب كُتِبَ بين يَدَي رسول الله وَّه أو المراد أنَّهمَا يَشهَدان على أنَّ ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن، وكان غَرَضُهم أن لا يُكتَب إلّا من عين ما كُتِبَ بين يَدَي النبيّ ◌َّةَ، لا من مُجَّد الحِفظ. قوله: ((وصُدور الرِّجال)) أي: حيثُ لا أجِدُ ذلك مكتوباً. أو الواو بمعنى: مع، أي: أكتُبُه من المكتوب الموافق للمحفوظ في الصَّدْر. ٢٨ باب ٣ / ح ٤٩٨٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حتَّى وَجَدْتُ آخر سورة التَّوْبة معَ أبي خُزَيمةَ الأنصاريّ» ووَقَعَ في رواية عبد الرَّحمن بن مَهْديّ عن إبراهيم بن سعد: مَعَ خُزَيمةَ بن ثابت، أخرجه أحمد(١) والتِّرمِذيّ (٣١٠٣)، ووَقَعَ في رواية شُعَيب عن الزُّهْريِّ كما تقدَّم في سورة التَّوبة (٤٦٧٩): مَعَ خُزَيمةَ الأنصاريّ، وقد أخرجه الطبرانيُّ في ((مُسنَد الشّاميّينَ) (٣١٩٠) من طريق أبي الْيَمَان عن شُعَيب فقال فيه: خُزيمةَ بن ثابت الأنصاريّ، وكذا أخرجه ابن أبي داود (٢٧) من طريق يونس بن يزيد عن ابن شِهاب، وقول مَن قال عن إبراهيم بن سعد: ((معَ أبي خُزَيمَ)) أصحُ، وقد تقدَّم البحثُ فيه في تفسير سورة التَّوبة، وأنَّ الذي وُجِدَ معه آخر سورة الثَّوبة غير الذي وُجِدَ معه الآية التي في الأحزاب، فالأوَّل اختَلَفَ الرُّواةُ فيه على الزُّهْريِّ، فمن قائلٍ: معَ خُزَيمةَ، ومن قائلٍ: معَ أبي خُزَيمَةَ، ومِن شاكٌّ فيه يقول: خُزَيمَةً أو أبي خُزَيمةَ، والأرجَحُ أنَّ الذي وُجِدَ معه آخر سورة التَّوبة: أبو خُزَيمةَ بالكُنية، والذي وُجِدَ معه الآية من الأحزاب: خُزيمة. وأبو خُزَيمةَ قيل: هو ابن أَوس بن يزيد بن أصرَمَ، مشهور بكُنْيتِه دون اسمه، وقيل: هو الحارث بن خزيمة، وأمَّا خُزيمةٌ: فهو ابن ثابت ذو الشَّهادَتَينِ كما تقدَّم صريحاً في سورة الأحزاب (٤٧٨٤). وأخرج ابن أبي داود (٩٦) من طريق محمّد بن إسحاق عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله ابن الزُّبَير عن أبيه قال: أتى الحارث بن خُزيمة(٢) بهاتَينِ الآيتَينِ من آخر سورة براءة، فقال: أشهَدُ أنّي سمعتهما من رسول الله وَّهِ وَوَعَيتُهما، فقال عمر: وأنا أَشهَدُ لقد سمعتُهما، ثمَّ قال: لو كانت ثلاث آيات لجَعَلتُها سورة على حِدَة، فانظروا سورةً من القرآن فأَلحِقوها في آخرها، فهذا إن كان محفوظاً(٣) احتَمَلَ أن یکون قول زيد بن ثابت: ((وجدتُها (١) لم نقف عليه عند أحمد في ((مسنده)) من الطريق التي أشار إليها الحافظ، وهذا الحرف عنده برقم (٢١٦٤٣) عن أبي كامل الخراساني عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه. (٢) هكذا وقع في أصولنا من ((الفتح)): خزيمة، بالتصغير، ووقع في رواية أحمد في ((المسند)) (١٧١٥): خَزَمَة، بالتحريك مكبَّراً، وهو أشهرُ، وإن كان قيل فيه التصغير أيضاً. (٣) وليس كذلك، فإسناده ضعيف كما هو مبيَّن في تعليقنا على هذا الخبر في ((مسند أحمد)) (١٧١٥)، ومتنه منكر على ما هو مبيَّن هناك أيضاً. ٠٫٠ ٢٩ باب ٣ / ح ٤٩٨٦ كتاب فضائل القرآن معَ أبي خُزيمةَ لم أجِدْها معَ غيره)) أي: أوَّلَ ما كَتَبتُ، ثمَّ جاء الحارث بن خزيمة بعد ذلك، أو أنَّ أبا خُزيمةَ: هو الحارث بن خزيمةً لا ابن أوس. وأمَّا قول عمر: (لو كانت ثلاث آيات)) فظاهرُه أنَّهم كانوا يُؤَلِّفُونَ آيَاتِ السُّوَر باجتهادِهم، وسائر الأخبار تَدُلّ على أنَّهم لم يفعلوا شيئاً من ذلك إلّا بتوقيفٍ. نعم ترتيب السُّوَر بعضها إثرَ بعض كان يقع بعضُه منهم بالاجتهادِ كما سيأتي في ((باب تأليف القرآن» (٤٩٩٣). قوله: ((لم أجِدْها معَ أحد غيره) أي: مكتوبةً، لمَا تقُدَّم من أنَّه كان لا يَكتَفي بالحِفْظ دون الكتابة. ولا يَلزَم من عَدَم وِجْدانه إيّاها حينئذٍ أن لا تكون تَواتَرَت عند مَن لم يَتَلَقَّها من النّبِّ وَّه، وإنَّما كان زيد يَطلُب التثبّت عمَّن تلقّاها بغير واسطة، ولعلَّهم لمَّا وَجَدَها زيدٌ عند أبي خُزيمةَ تَذَكَّروها كما تَذَكَّرها زيد، وفائدة التبُّع المبالَغة في الاستظهار، والوقوف عندَ ما كُتِبَ بين يَدَي النبيّ وَّهَ. قال الخطَّبيُّ: هذا ممّا يخفى معناه، ويُوهِمُ أنَّه كان يَكتَفي في إثبات الآية بخَتَرِ الشَّخص الواحد، وليس كذلك، فقد اجتَمَعَ في هذه الآية زيد بن ثابت وأبو خُزيمةَ وعمر. وحكى ابن التِّين عن الدَّاوُوديّ قال: لم يَتَفرَّد بها أبو خُزيمةَ، بل شارَكَه زيد بنُ ثابت، فعلى هذا ثبتت برجلينٍ. انتهى، وكأنَّه ظنَّ أنَّ قولهم: لا يَتْبُت القرآن بخَيَرِ الواحد، أي: الشَّخص الواحد، وليس كما ظنَّ، بل المراد بخَتَرِ الواحد خِلاف الخبر المتواتر، فلو بَلَغَت رواةُ الخبر عَدَداً كثيراً وفَقَدَ شيئاً من شُروط المتواتر، لم يَخْرُج عن كَونِهِ خبرَ الواحد، والحقّ أنَّ المراد بالنَّفي نفيُ وجودها مكتوبة، لا نفيُ كونها محفوظة. وقد وَقَعَ عند ابن أبي داود (٣٣) من رواية يحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطِب: فجاء خُزَيمةُ / بن ثابت فقال: إنّي رأيتُكم تَرَكتُم آيتَينِ فلم تَكُبوهما، قالوا: وما هما؟ قال: ١٦/٩ تَلَقَّيت من رسول الله وَ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إلى آخر السّورة، فقال عثمان: وأنا أشهَدُ، فأين تَرَى أن تجعلَهما؟ قال: اختِم بهما آخرَ ما نزل من القرآن، ومن طريق أبي العالية (٢٩): أنَّهم لمَّا جَمَعوا القرآن في خِلَافة أبي بكر كان ٣٠ باب ٣ / ح ٤٩٨٧ فتح الباري بشرح البخاري الذي يُمْلي عليهم أبيّ بن كعب، فلمَّا انتَهَوْا من براءة إلى قوله: ﴿لَا يَفْقَهُونَ﴾ ظنُّوا أنَّ هذا آخر ما نزل منها، فقال أُبيّ بن كعب: أقرأَني رسول الله وَ ل﴿ل آيَتَينِ بعدهنَّ: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السّورة(١). قوله: ((فكانت الضُّحُف)» أي: التي جمعها زيد بن ثابت. قوله: ((عند أبي بكر حتَّى تَوَفّاه الله)) في ((موطأ ابن وهب»: عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: جَمَعَ أبو بكر القرآن في قَراطِیسَ، وکان سألَ زید بن ثابت في ذلك فأبى حتَّى استَعانَ عليه بعمر ففَعَلَ، وعند موسى بن عُقْبة في ((المغازي)): عن ابن شِهاب قال: لمَّا أُصيبَ المسلمونَ بالَمَامَةِ فَزِعَ أبو بكر وخافَ أن يَهلِك من القُرّاء طائفةٌ، فأقبَلَ الناسُ بما كان معهم وعندهم، حتَّى جُعَ على عهد أبي بكر في الوَرَق فكان أبو بكر أوَّلَ مَن جَمَعَ القرآن في الصُّحُف. وهذا كلّه أصحُ ممَّا وَقَعَ في رواية عمارة بن غَزِيَّة: أنَّ زيد بن ثابت قال: فأمَرَني أبو بكر فكَتَبتُ في قِطَعِ الأَدِيم والعُسُب، فلمَّا هَلَكَ أبو بكر وكان عمرُ كَتَبَتُ ذلك في صحيفة واحدة فكانت عنده. وإنَّما كان في الأَديم والعُسُب أوَّلاً قبل أن يُجمَع في عهد أبي بكر، ثمَّ جُمعَ في الصُّحُف في عهد أبي بكر كما دلَّت عليه الأخبار الصَّحيحة المترادِفة. قوله: (ثُمَّ عند حفصة بنت عمر)) أي: بعد عمر في خِلَافة عثمان، إلى أن شَرَعَ عثمانُ في كتابة المصحف. وإنَّما كان ذلك عند حفصة لأنَّها كانت وصيّة عمر، فاستَمرَّ ما كان عنده عندها حتَّى طلبَه منها مَن له طلبُ ذلك. ٤٩٨٧ - حدَّثنا موسى، حدَّثنا إبراهيمُ، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ، أنَّ أنسَ بنَ مالكِ حدَّثه: أنَّ حُذَيفَةَ بِنَ الْيَمَان قَدِمَ على عُثْمانَ، وكان يُغازِي أهلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ إرْمِينَِةَ وأُذْرَبِيِجانَ معَ أهلٍ العراق، فأفزَعَ خُذَيفةَ اختلافُهم في القراءةِ، فقال حُذَيفةُ لعُثْمَانَ: يا أميرَ المؤمنينَ، أدْرِكْ هذه الأُمَّةَ قبلَ أن يَخْتَلِفوا في الكتابِ اختِلافَ اليهودِ والنَّصارَى! فأرسَلَ عُثْمَانُ إلى حفصةَ: أن أَرسِلي إلينا بالصُّحُفِ نَنْسَخُها في المصاحفِ، ثمَّ نَرُدُّها إليكِ، فأرسَلَت بها حفصةُ إلى عُثْمانَ، (١) إسناد الأثرين ضعيف. ٣١ باب ٣ / ح ٤٩٨٧ كتاب فضائل القرآن فأمَرَ زيدَ بنَ ثابتٍ وعبد الله بنَ الزُّبَيرِ وسعيدَ بنَ العاصِ وعبدَ الرَّحمنِ بنَ الحارثِ بنِ هشامٍ، فَتَسَخُوها في المصاحفِ، وقال عُثْمانُ لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلاثةِ: إذا اختَلَفتُم أنتم وزيدُ بنُ ثابتٍ في شيءٍ منَ القرآنِ، فاكْتُبُوه بلِسان قُرَيشٍ، فإنَّما نزل بلسانهم، ففَعَلوا، حتَّى إذا نَسَخُوا الصُّحُفَ في المصاحفِ، رَدَّ عُثْمانُ الصُّحُفَ إلى حفصةَ، وأرسَلَ إلى كلِّ أَفْقِ بِمُصحَفٍ ممَّ نَسَخُوا، وأمَرَ بما سِواهُ منَ القرآنِ في كلِّ صَحِيفةٍ أو مُصحَفٍ أن يُرَّقَ. قوله: ((حدّثنا موسى)) هو ابن إسماعيل، وإبراهيم: هو ابن سعد، وهذا الإسناد إلى ابن شِهاب هو الذي قبله بعَينِهِ، أعادَه إشارةً إلى أنَّهما حديثان لابنِ شِهاب في قِصَّتَينِ مُتَلِفِتَيْنِ وإن اتَّفَقَتا في كتابة القرآن وجمعه، وعن ابن شِهاب قصَّة ثالثة كما بيَّنّاه عن خارجة بن زيد عن أبيه في قصَّة الآية التي من الأحزاب، وقد ذكرها في آخر هذه القصَّة الثّانية هنا. وقد أخرجه المصنّف من طريق شُعَيب عن ابن شِهاب مُفرَّقاً، فأخرج القصَّة الأولى في تفسير التَّوبة (٤٦٧٩)، وأخرج الثّانية قبل هذا ببابٍ لكن باختصارٍ (٤٩٨٤)، وأخرجها الطبرانيُّ في ((مُسنَد الشّاميّينَ)) (٢٩٩١)، وابن أبي داود في ((المصاحف)) (٧٠)، والخطيب في ((المُدرَج)» (٤٠٨/١-٤٠٩) من طريق أبي اليَمَان بتمامِه، وأخرج المصنِّ الثّالثة في تفسير سورة الأحزاب (٤٧٨٤) كما تقدَّمَ. قال الخطيب: روى إبراهيم بن سعد عن ابن شِهَاب القِصَص الثلاث، ثمَّ ساقَها من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب مَساقاً واحداً مُفَصِّلاً للأسانيدِ المذكورة، قال: وروی القِصَص الثلاث شُعَيب عن ابن شهاب، وروى قصَّة آخر التَّوبة مُفرَداً يونسُ بن یزید. قلت: وروايته تأتي عَقِبَ هذا باختصارٍ (٤٩٨٩)، وقد أخرجها ابن أبي داود (٧١) من وجه آخر عن يونس مُطوَّلة، وفاتَه روايةُ سفيان بن عُيَينَةَ لها عن ابن شِهَاب أيضاً، وقد بيَّنْتُ ذلك قبلُ(١). قال: وروى قصَّة آية الأحزاب مَعمَرٌ وهشام بن الغازِ ومعاوية بن يحيى ثلاثتهم عن ابن شهاب؛ ثمَّ ساقَها عنهم. قلت: وفاتَه روايةُ ابن أبي عَتِيق لها عن ابن شهاب، وهي عند المصنّف في الجهاد (٢٨٠٧). (١) سلف تخريج رواية سفيان بن عيينة في أول شرح الحديث (٤٩٨٦). ٣٢ باب ٣ / ح ٤٩٨٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((حدَّثنا ابن شهاب، أنَّ أنس بن مالك حدَّثه)) في رواية يونس عن ابن شهاب(١). ثمَّ أخبرني أنس بن مالك. قوله: ((أنَّ حُذيفة بن اليَمَان قَدِمَ على عُثْمان وكان يُغازِي أهلَ الشّام في فَتْحِ إِرْمِينِيَّةَ وأذْرَبِيجانَ معَ أهل العراق)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((في أهل العراق))، والمراد أنَّ إرمينية فُتِحَت في خِلَافة عثمان، وكان أمير العَسكَر من أهل العراق سَلْمان بن ربيعة الباهليّ، وكان ١٧/٩ عثمان أمَرَ أهلَ الشّام وأهلَ العراق أن يَجتَمِعوا على ذلك، وكان أمير أهل الشّام/ على ذلك العَسكَر حبيب بن مَسلَمة الفِهْريّ، وكان حُذَيفة من جُملة مَن غَزَا معهم، وكان هو على أهل المدائن وهي من ◌ُملة أعمال العراق. ووَقَعَ في رواية عبد الرّحمن بن مَهْديّ عن إبراهيم بن سعد(٢): وكان يُغازي أهل الشّام في فَرْج إرمينيّة وأذربيجان معَ أهل العراق، قال ابن أبي داود: الفَرْج: الثَّغر. وفي رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه: أنَّ حُذَيفةٍ قَدِمَ على عثمان وكان يَغْزُو مِعَ أهل العراق قِبَل إرمينية في غَزْوهم ذلك الفَرْجَ معَ مَن اجتَمَعَ من أهل العراق وأهل الشّام(٣)، وفي رواية يونس بن يزيد: اجتَمَعَ لغَزوٍ أذربيجان وإرمينية أهل الشّام وأهل العراق. وإرمِينِيَةُ: بفتح الهمزة عند ابن السَّمعانيّ، وبكسرها عند غيره، وبه جَزَمَ الجَوَاليقيّ وتَبِعَه ابن الصَّلاح ثمَّ النَّوَويّ، وقال ابن الجَوْزيّ: مَن ضَمَّها فقد غَلِطَ، وبسكونِ الرّاء وكسر الميم بعدها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ نون مكسورة ثمَّ تحتانيَّة مفتوحة خفيفة وقد تُثقَّل، قاله ياقوت، والنِّسبة إليها: أرمَنيّ بفتح الهمزة، ضَبَطَها الجَوْهريّ، وقال ابن قُرْقُول: بالتَّخفيف (١) عند ابن أبي داود في ((المصاحف)) (٧٢). (٢) أخرجها الترمذي (٣١٠٤)، وابن أبي داود في ((المصاحف)) (٦٧)، لكن لفظه في نسخ الترمذي التي بين أيدينا: في فتح إرمينية. (٣) في عَزْو هذا اللفظ لرواية يعقوب بن إبراهيم عن أبيه وهمٌ وقع للحافظ رحمه الله جرَّاء انتقال نظره في كتاب ((المصاحف)) لابن أبي داود من سندٍ إلى آخر، فرواية يعقوب فيه (٦٩) معطوفة على رواية عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن سعد (٦٧)، وأما اللفظ الذي ساقه الحافظ فهو فيه (٧٠) من رواية أبي اليمان عن شعيب عن الزهري. ٣٣ باب ٣ / ح ٤٩٨٧ كتاب فضائل القرآن لا غير، وحكى ضَمَّ الهمزة وغَلِطَ، وإنَّما المضموم همزتُها: أُرْمِيَة، والنِّسبة إليها: أُرمَويّ، وهي بلدة أُخرى من بلاد أذربيجان، وأمَّا إرمينية فهي مدينة عظيمة من نواحي خِلاط، تَشتَمِل على بلاد كثيرة، وهي من ناحية الشَّمال، قال ابن السَّمعانيّ: هي من جهة بلاد الرُّوم يُضرَب بحُسنِها وطِيب هوائها وكَثْرة مائها وشَجَرها المثَلُ. وقيل: إنَّها من بناء أَرمين من ولد یافِثَ بن نوح. وأَذْرَبِيجان: بفتح الهمزة، ومدَّ الأَصيلي والمهلَّبُ أوله - وزاد المهلبُ سكون الذَّال وكسر الراء - وتقديم الموحدة، والذّال المعجَمة وسكون الرّاء(١)، وقيل: بسكونِ الذّال وفتح الرّاء وبكسرِ الموحّدة بعدها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ جيم خفيفة وآخره نون، وحكى ابن مَكِّيٍّ كسر أوَّله، وضَبَطَها صاحب ((المطالع)) ونَقَلَه عن ابن الأعرابيّ بسكونِ الذّال وفتح الرّاء: بلد كبير من نواحي جبال العراق غَربِّ(٢) وهي الآن تِبْرِيز وقَصَباتها، وهي تَلي إرمِينية من جهة غَربيّها، واتَّفَقَ غَزْوُهما في سنة واحدة، واجتَمَعَ في غزوة كلٍّ منهما أهل الشّام وأهل العراق، والذي ذكرتُه الأشهَرُ في ضبطها، وقد تُمَدُّ الهمزة وقد تُكسَر وقد تُحذَف، وقد تُفتَح الموخَّدة وقد يُزاد بعدها ألِفِ معَ مَدّ الأولى، حكاه النَّجِيرَمي(٣) وأنكَرَه الجَوَاليقيّ، ويؤكِّده أنَّهم نَسَبوا إليها: آذَريّ، بالمدِّ اقتصاراً على الرُّكن الأوَّل، كما قالوا في النِّسبة إلى بَعلَبَكَّ: بَعْلِيّ. وكانت هذه القصّة في سنة خمس وعشرينَ في السَّنة الثّالثة أو الثّانية من خلافة عثمان. (١) في هذا الضبط المنقول عن المهلَّب اضطراب لا يُدرَى وجهه، والصواب فيه ما نقله عنه ياقوت الحموي في «معجم البلدان)» حيث قال: بمد الهمزة وسكون الذال وكسر الراء ثم ياء ساكنة وباء موحدة مفتوحة، قلنا: يعني آُذْرِیبَجَان. تنبيه: من قوله: ((ومدَّ الأصيلي)) إلى قوله: ((وتقديم الموحدة)) تقدم في (ع) و (س) خطأً إلى الفقرة السابقة في ضبط إرمینیة. (٢) يعني من جهة الغرب. (٣) تحرف في (س) إلى: الهجري. والنَّجيرمي هذا: هو أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن إسماعيل بن خُرَّزاذ النَّجيرمي البصري، من أهل بيت علم وعربية، وكان علامة متقناً راويةً لكتب الآداب بصيراً بمعانيها، توفي سنة ٤٢٣ هـ، ونَجِيرَم: محلَّة بالبصرة. انظر «سير أعلام النبلاء)» ١٧ / ٤٤١. ٣٤ باب ٣ / ح ٤٩٨٧ فتح الباري بشرح البخاري وقد أخرج ابن أبي داود (٨٣) من طريق أبي إسحاق عن مُصعَب بن سعد بن أبي وقّاص قال: خَطَبَ عثمانُ فقال: يا أيّها الناس، إنَّمَا قُبضَ نبيُّكم مُنذُ خمس عشرة سنة، وقد اختَلَفْتُم في القراءة! الحديثَ في جمع القرآن، وكانت خِلَافة عثمان بعد قتل عمر، وكان قتلُ عمر في أواخر ذي الحِجّة سنة ثلاث وعشرينَ من الهجرة بعد وفاة النبيّ وَّهِ بثلاثَ عشرة سنة إلّا ثلاثة أشهر، فإن كان قوله: ((خمس عشرة سنة)) أي: كاملة، فيكون ذلك بعد مُضيِّ سنتَينِ وثلاثة أشهر من خِلافته، لكن وَقَعَ في روايةٍ أُخرى له (٨٢): ((مُنذُ ثلاث عشرة سنة)»، فيُجمَع بينهما بإلغاءِ الكسر في هذه وجَبْره في الأُولى، فيكون ذلك بعد مُضيّ سنة واحدة من خِلافته، فيكون ذلك في أواخر سنة أربع وعشرينَ أو أوائل سنة خمس وعشرينَ، وهو الوقت الذي ذكر أهلُ التاريخ أنَّ إرمِينيَة فُتِحَت فيه، وذلك في أوَّل ولاية الوليد بن عُقْبة بن أبي مُعَيط على الكوفة من قِبَل عثمان، وغَفَلَ بعضُ مَن أدرَكْناه فَزَعَمَ أنَّ ذلك كان في حُدود سنة ثلاثينَ، ولم يَذكُر لذلك مُستَنَداً. ١٨/٩ قوله: ((فأفزَعَ حُذَيفةَ اختلافُهم في القراءة» في رواية / يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه: فيَتَنَازَعونَ في القرآن، حتَّى سمعَ حُذَيفةُ من اختلافهم ما ذَعَرَه(١)، وفي رواية يونس(٢): فتَذاكَروا القرآن، فاختَلَفوا فيه حتَّى كادَ يكون بينهم فتنةٌ، وفي رواية عمارة بن غَزِيَّة (٣): أنَّ حُذَيفة قَدِمَ من غزوة فلم يَدخُل بيته حتَّى أتى عثمانَ فقال: يا أمير المؤمنينَ، أدرك الناس، قال: وما ذاكَ؟ قال: غَزَوتُ فَرْجَ إِرِمِينية، فإذا أهل الشّام يقرؤونَ بقراءة أُبيِّ ابن كعب فيأتونَ بما لم يسمع أهلُ العراق، وإذا أهل العراق يقرؤونَ بقراءة عبد الله بن مسعود فيأتونَ بما لم يسمع أهلُ الشّام، فيُكفِّرِ بعضُهم بعضاً. وأخرج ابن أبي داود أيضاً (٣٨) من طريق يزيد بن معاوية النَّخَعيِّ قال: إنّي لَفي (١) ذكرنا آنفاً أنَّ هذه ليست رواية يعقوب بن إبراهيم عن أبيه، بل هي رواية أبي اليمان عن شعيب عن الزهري، وهي عند ابن أبي داود في ((المصاحف)) برقم (٧٠). (٢) عند ابن أبي داود (٧٢). (٣) عند الطبري في ((تفسيره)) ٢٦/١-٢٧. ٣٥ باب ٣ / ح ٤٩٨٧ كتاب فضائل القرآن المسجد زمن الوليد بن عُقْبة في حَلْقة فيها حُذَيفة، فسمعَ رجلاً يقول: قراءة عبد الله بن مسعود، وسمعَ آخر يقول: قراءة أبي موسى الأشعَريّ، فغَضِبَ ثمَّ قامَ فحَمِدَ الله وأثنَى عليه ثمَّ قال: هكذا كان مَن قَبْلكم اختَلَفوا، والله لَأَركَبَنَّ إلى أمير المؤمنينَ، ومن طريق أُخرى عنه(١): أنَّ اثنَيْنِ اختَلَفا في آية من سورة البقرة، قرأ هذا: ﴿ وَأَتِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقرأ هذا: وأتِمّوا الحَجَّ والعُمْرةَ للبيت، فغَضِبَ حُذَيفة واحمرَّت عيناه، ومن طريق أبي الشَّعثاء (٤٥ و٤٦) قال: قال حُذيفة: يقول أهل الكوفة: قراءة ابن مسعود، ويقول أهل البصرة: قراءة أبي موسى، والله لَئِن قَدِمت على أمير المؤمنينَ لَآمُرَنَّه أن يجعلها قراءة واحدة، ومن طريق أُخرى (٤٨): أنَّ ابن مسعود قال حذيفة: بَلَغَني عنك كذا، قال: نعم، كرهتُ أن يقال: قراءة فلان وقراءة فلان، فيختلفونَ كما اختَلَفَ أهل الكتاب. وهذه القصَّة لِحُذَيفة يظهر لي أنَّها مُتَقَدِّمة على القصَّة التي وَقَعَت له في القراءة، فكأنَّه لمَّا رأى الاختلاف أيضاً بين أهل الشّام والعراق اشتَدَّ خَوفُه، فَرَكِبَ إلى عثمان وصادَفَ أنَّ عثمان أيضاً كان وَقَعَ له نحو ذلك، فأخرج ابن أبي داود أيضاً في ((المصاحف)) (٧٤) من طريق أبي قلابةَ قال: لمَّا كان في خِلَافة عثمان جَعَلَ المعلِّم يُعلِّم قراءةَ الرجل، والمعلِّم يُعلِّم قراءةَ الرجل، فجَعَلَ الغِلمانُ يلتقون فيختلفون، حتَّى ارتَفَعَ ذلك إلى المعلِّمِينَ حتَّى كَفَّرَ بعضُهم بعضاً، فبَلَغَ ذلك عثمانَ فخَطَبَ فقال: أنتم عندي تختلفونَ، فمَن نَأَى عنِّي من الأمصار أشدُّ اختلافاً؛ فكأنَّه - والله أعلم - لمَّا جاءه حُذَيفةُ وأعلمَه باختلاف أهل الأمصار تَحَقَّقَ عنده ما ظنَّه من ذلك. وفي رواية مُصعَب بن سعد(٢): فقال عثمان: تَمَتَرونَ في القرآن، تقولون: قراءة أُبيِّ، قراءة عبد الله، ويقول الرجل للآخر: والله ما تُقِيم قراءتَك، ومن طريق محمَّد بن سِيرِين (٨٧) قال: كان الرجل يقرأ حتَّى يقول الرجل لصاحبه: كفرتُ بما تقول، فُرُفِعَ ذلك إلى عثمان فتَعاظَمَ في نفسه. وعند ابن أبي داود أيضاً (٨٠) من رواية بُكَير بن الأشَجّ: أنَّ ناساً بالعراق يُسأل أحدُهم عن الآية، فإذا قرأها قال: ألا إنّي (١) بل هو من الطريق نفسه. (٢) عند ابن أبي داود (٨٢). ٣٦ باب ٣ / ح ٤٩٨٧ فتح الباري بشرح البخاري أَكْفُرُ بهذه، ففَشَا ذلك في الناس، فكُلِّم عثمان في ذلك. قوله: ((فأرسَلَ عُثْمَانُ إلى حفصةَ: أن أرسِلي إلينا بالصُّحُفِ نَنسَخُها في المصاحف)) في رواية يونس بن يزيد (١): فاستَخرِجَ الصَّحيفة التي كان أبو بكر أمَرَ زيداً بجمعِها فنَسَخَ منها مَصاحفَ فَبَعَثَ بها إلى الآفاق. والفرقُ بين الصُّحُف والمصحَف: أنَّ الصُّحُف الأوراق المجَرَّدة التي جُمِعَ فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكانت سُوَراً مُفرَّقة كلُّ سورة مُرتَّبَة بآياتها على حِدَة، لكن لم يُرتَب بعضها إثر بعض، فلمَّا نُسِخَت ورُتِّبَ بعضها إثر بعض صارت مُصحَّفاً، وقد جاء عن عثمان: أنَّه إنَّما فعل ذلك بعد أن استشارَ الصَّحابة، فأخرج ابن أبي داود (٧٧) بإسنادٍ صحيح من طريق سُوَيد بن غَفَلَةَ قال: قال عليّ: لا تقولوا في عثمان إلّا خيراً، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلّا عن مَلَأَ مِنّا، قال: ما تقولون في هذه القراءة؟ فقد بَلَغَني أنَّ بعضهم يقول: إنَّ قراءتي خيرٌ من قراءتك، وهذا يَكادُ أن يكون كفراً، قلنا: فما تَرَى؟ قال: أَرَى أن نَجمَعَ الناسَ على مُصحَف واحد فلا تكون فُرْقة ولا اختلاف، قلنا: فنِعمَ ما رأيتَ. ١٩/٩ قوله: «فأمَرَ زيد بن ثابت وعبد الله بن الزُّبَير وسعيد بن العاص وعبدَ الرَّحمن بن الحارث ابن هشام، فتَسَخُوها في المصاحف)) وعند ابن أبي داود (٨٧ و٨٨) من طريق محمَّد بن سِيرِين قال: جَمَعَ عثمانُ اثنَي عشر رجلاً من قُرَيش والأنصار، منهم أُبيّ بن كعب، وأرسَلَ إلى الرَّبْعة(٢) التي في بيت عمر، قال: فحدَّثني كثير بن أفلَحَ - وكان مَمَّن يَكتُب - قال: فكانوا إذا اختَلَفوا في الشَّيء أخَّروه، قال ابن سِيرِين: أظنّه ليَكتُبوه على العَرْضة الأخيرة، وفي رواية مُصعَب بن سعد(٣): فقال عثمان: مَن أكتَبُ الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله وَل زيد بن ثابت، قال: فأيُّ الناس أعرَبُ - وفي رواية: أفصَحُ -؟ قالوا: سعيد بن العاص، قال عثمان: فليُمْلِ سعيدٌ وليَكتُب زيد، ومن طريق سعيد بن عبد العزيز (٨٤): أنَّ عربيَّة (١) أي: عند ابن أبي داود في ((المصاحف)) (٧٢). (٢) تحرف في (س) إلى: الرقعة. والرَّبْعة: صندوق أو إناء مربَّع، والظاهر أن الصحف كانت محفوظة فيها. (٣) عند ابن أبي داود (٨٢) و(٨٣). ٣٧ باب ٣ / ح ٤٩٨٧ كتاب فضائل القرآن القرآن أُقيمت على لسان سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أُميَّة، لأنَّه كان أشبَهَهم لَجَةً برسولِ الله وَّةِ، وقُتِلَ أبوه العاصي يومَ بدر مُشِرِكاً، وماتَ جَدُّه سعيد بن العاص قبل بدر مُشرِكاً. قلت: وقد أدرَكَ سعيد بن العاص هذا من حياة النبيّ ◌ُێ تسعَ سنين، قاله ابن سعد وعَدُّوه لذلك في الصَّحابة، وحديثه عن عثمان وعائشة في ((صحيح مسلم)) (٢٤٠٢)، واستعملَه عثمانُ على الكوفة ومعاويةُ على المدينة، وكان من أجواد قُرَيش وحُلَمائها، وكان معاوية يقول: لكلِّ قوم كريم، وكريمُنا سعيد، وكانت وفاته بالمدينة سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين. ووَقَعَ في رواية عمارة بن غَزِيَّة(١): ((أبان بن سعيد بن العاص)) بَدَل ((سعيد))، قال الخطيب: ووَهِمَ عُمارة في ذلك، لأنَّ أبانَ قُتِلَ بالشّام في خِلَافة عمر ولا مَدخَلَ له في هذه القصَّة، والذي أقامَه عثمانُ في ذلك هو سعيد بن العاص ابنُ أخي أبانَ المذكور، انتھی. ووَقَعَ من تسمية بَقيَّةِ مَن كَتَبَ أو أملَى عند ابن أبي داود مُفرَّقاً جماعة: منهم مالك بن أبي عامر جَدّ مالك بن أنس من روايته ومن رواية أبي قِلابةَ عنه، ومنهم كثير بن أفلَحَ كما تقدَّمَ، ومنهم أُبيّ بن كعب كما ذكرنا، ومنهم أنس بن مالك وعبد الله بن عبَّاس، وَقَعَ ذلك في رواية إبراهيم بن إسماعيل بن مُجُمِّع عن ابن شهاب في أصل حديث الباب، فهؤلاءِ تسعة عَرَفْنا تسميتَهم من الاثني عشر. وقد أخرج ابن أبي داود (٣٥- ٣٧) من طريق عبد الله بن مَعْقِل وجابر بن سَمُرة قالا: قال عمر بن الخطّاب: لا يُملِيَنَّ في مصاحفنا إلّا غِلمانُ قُرَيش وثَقِيف. وليس في الذينَ سَمَّيناهم أحد من تَقِيف، بل كلّهم إمّا قُرَشِيّ أو أنصاريّ، وكأنَّ ابتداء الأمر كان لزيدٍ وسعيد للمعنى المذكور فيهما في رواية مُصعَب، ثمَّ احتاجوا إلى مَن يُساعِد في الكتابة بحَسَب الحاجة إلى عدد المصاحف التي تُرسَل إلى الآفاق، فأضافوا إلی زید مَن ذُكِرَ، ثمَّ استظهروا بأُبيّ بن كعب في الإملاء. (١) عند الطبري في «تفسيره)) ٢٦/١-٢٧، والخطيب في ((المدرَج)) ٣٩٨/١. ٣٨ باب ٣ / ح ٤٩٨٧ فتح الباري بشرح البخاري وقد شَقَّ على ابن مسعود صَرْفُه عن كتابة المصحَف حتَّى قال ما أخرجه التِّرمِذيّ (٣١٠٤) في آخر حديث إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب من طريق عبد الرَّحمن بن مَهديّ عنه، قال ابن شهاب: فأخبرني عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود: أنَّ عبد الله بن مسعود كَرِهَ لزيد بن ثابت نسخَ المصاحف وقال: يا مَعشَر المسلمينَ، أُعزَلُ عن نَسْخ كتابة المصاحف ويتولاها رجل، والله لقد أسلمتُ وإنَّ لَفي صُلْب رجل کافر؟! یرید زید بن ثابت. وأخرج ابن أبي داود (٥٢) من طريق خُمَير بن مالك - بالخاءِ المعجمة مُصفَّر -: سمعت ابن مسعود يقول: لقد أخذتُ مِن في رسول الله ﴿ ﴿ سبعينَ سورة وإنَّ زيد بن ثابت لَصبيٌّ من الصِّبيان، ومن طريق أبي وائل عن ابن مسعود (٥٤): بضعاً وسبعينَ سورة، ومن طريق زِرّ بن حُبَيَشٍ عنه مِثْلَه (٦٠) وزادَ: وإنَّ لزيدِ بن ثابت ذُؤْابَتَيْنِ. والعُذْر لعثمان في ذلك: أنَّه فَعَلَه بالمدينة وعبدُ الله بالكوفة، ولم يُؤَخِّر ما عَزَمَ عليه من ذلك إلى أن يُرسِل إليه ويَحَضُر، وأيضاً فإنَّ عثمان إنَّما أراد نسخَ الصُّحُف التي كانت جُمِعَت في عهد أبي بكر وأن يجعلها مُصحَفاً واحداً، وكان الذي نَسَخَ ذلك في عهد أبي بكر هو زید ابن ثابت كما تقدَّم لكَونِه كان كاتبَ الوحي، فكانت له في ذلك أوَّليّة لیست لغيره، وقد ٢٠/٩ أخرج / التِّرمِذيّ في آخر الحديث المذكور (٣١٠٤) عن ابن شهاب قال: بَلَغَني أنَّه كَرِهَ ذلك من مقالة عبد الله بن مسعود رجالٌ من أفاضل الصَّحابة. قوله: ((وقال عُثْمان للَّهْطِ القُرَشّينَ الثَّلاثة)) يعني: سعيداً وعبد الله وعبد الرَّحمن، لأنَّ سعيداً أُمَويّ، وعبد الله أسَديّ، وعبد الرَّحمن مخزوميّ، وكلّها من بُطون قُرَيش. قوله: ((في شيء من القرآن)) في رواية شُعَيب(١): في عربيّة من عربيّة القرآن، وزاد التِّرمِذيّ (٣١٠٤) من طريق عبد الرَّحمن بن مَهديّ عن إبراهيم بن سعد في حديث الباب: قال ابن شِهاب: فاختَلَفوا يومَئذٍ في التابُوت والتأبُوه، فقال القُرَشيّونَ: التابوت، وقال زيد: التابوه، فُرُفِعَ اختلافهم إلى عثمان فقال: اكتُبوه: التابوت، فإنَّه نزل بلسان قُرَيش؛ وهذه الزّيادة (١) سلفت عند البخاري برقم (٤٩٨٤). ٣٩ باب ٣ / ح ٤٩٨٧ كتاب فضائل القرآن أدرَ جَها إبراهیم بن إسماعيل بن مُجُمِّع في روايته عن ابن شهاب في حدیث زید بن ثابت، قال الخطيب(١): وإنَّما رواها ابن شِهاب مُرسَلةً. قوله: ((حتَّى إذا نَسَخوا الصُّحُف في المصاحف، رَدَّ عُثْمانِ الصُّحُفَ إلى حفصة) زاد أبو عُبيد(٢) وابن أبي داود (٨٥) من طريق شُعَيب عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر قال: كان مروان يُرسِل إلى حفصة - يعني: حين كان أميرَ المدينة من جهة معاوية - يسألها الصُّحُفَ التي كُتِبَ منها القرآن، فتأبَى أن تُعطيَه، قال سالم: فلمَّا تُوُفِّيت حفصة ورَجَعْنا من دفنها، أرسَلَ مروانُ بالعَزيمة إلى عبد الله بن عمر لَيُرسِلَنَّ إليه تلك الصُّحُف، فأرسَلَ بها إليه عبد الله بن عمر، فأمَرَ بها مروان فشُقِّقَت وقال: إنَّما فعلتُ هذا لأنّي خَشِيتُ إن طالَ بالناس زمان أن يرتابَ في شأن هذه الصُّحُف مُرتاب. ووَقَعَ في رواية أبي عُبيد: ((فمُزِّقَت))، قال أبو عبيد: لم يُسمَع أنَّ مروان مَزَّقَ الصُّحُف إلّا في هذه الرِّواية. قلت: قد أخرجه ابن أبي داود (٧٢ , ٧٣) من طریق یونس بن یزید عن ابن شِهاب نحوه وفيه: فلمَّا كان مروانُ أميرَ المدينة أرسَلَ إلى حفصة يسألها الصُّحُف، فمَنَعَته إيّاها، قال: فحدَّثني سالم بن عبد الله قال: لمَّا تُوُفِّيَت حفصة، فذكره وقال فيه: فشَقَّقَها وحَرَّقَها، ووَقَعَت هذه الزّيادة في رواية عُمارة بن غَزِيَّة أيضاً (٣) باختصارٍ، لكن أدرَجَها أيضاً في حديث زيد بن ثابت، وقال فيه: فغَسَلَها غسلاً، وعند ابن أبي داود (٣٠) من رواية مالك عن ابن شِهاب عن سالم وخارجة(٤): أنَّ أبا بكر لمَّا جَمَعَ القرآن سألَ زيد بن ثابت النَّظَرَ في ذلك، فذكر الحديث مختصراً إلى أن قال: فأرسَلَ عثمانُ إلى حفصة فطلبَها، فأبتْ حَتَّى عَاهَدَها لَيَرُدَّنَّها إليها، فَنَسَخَ منها ثمَّ رَدَّها، فلم تَزَلْ عندها حتَّى أرسَلَ مروانُ فأخَذَها فحَرَّقَها. ويُجمَع بأنَّه صَنَعَ بالصُّحُفِ جميع ذلك: مِن تشقيق ثمَّ غَسْل ثمَّ تحريق، ويحتمل أن (١) انظر ((المدرج)) له ١/ ٣٩٣ -٤١٢. (٢) في ((فضائل القرآن)) له ص ٢٨٤. (٣) عند الطبري ١/ ٢٧، والخطيب في ((المدرَج)) ٣٩٩/١. (٤) في (ع) و(س): سالم أو خارجة، والمثبت من (أ) و((المصاحف)) لابن أبي داود. ٤٠ باب ٣ / ح ٤٩٨٧ فتح الباري بشرح البخاري يكون بالخاءِ المعجَمة(١) فيكون مَزَّقَها ثمَّ غَسَلَها، والله أعلم. قوله: ((فأرسَلَ إلى كلّ أُفُق بمُصحَفٍ ممّا نَسَخوا)) في رواية شُعَيب(٢): فأرسَلَ إلى كلِّ جُند من أجناد المسلمينَ بمُصحَفٍ. واختَلَفوا في عِدّة المصاحف التي أرسَلَ بها عثمان إلى الآفاق، فالمشهور أنَّها خمسة، وأخرج ابن أبي داود في كتاب ((المصاحف)) (١١٥) من طريق حمزة الزَّيّات قال: أرسَلَ عثمان أربعةَ مصاحف، وبَعَثَ منها إلى الكوفة بمُصحَفٍ فَوَقَعَ عند رجل من مُراد، فبقيَ حتَّى كتبتُ مُصحَفي عليه. قال ابن أبي داود: سمعت أبا حاتم السِّجِستانيّ يقول: كُتِبت سبعةُ مصاحف: إلى مكَّة وإلى الشّام وإلى اليمن وإلى البحرَينِ وإلى البصرة وإلى الكوفة، وحُبِسَ بالمدينة واحد. وأخرج (١١٨) بإسنادٍ صحيح إلى إبراهيم النَّخَعيِّ قال: قال لي رجل من أهل الشّام: مُصحَفنا ومُصحَف أهل البصرة أضبَطُ من مُصحَف أهل الكوفة، قلت: لِمَ؟ قال: لأنَّ عثمان بَعَثَ إلى الكوفة لمَّا بَلَغَه من اختلافهم بمُصحَفٍ قبل أن يُعرَض، وبقيَ مُصحَفنا ومُصحَف أهل البصرة حتَّى عُرِضا. قوله: ((وأمَرَ بما سواه من القرآن في كلّ صحيفة أو مُصحَف أن يُحرَّقَ)) في رواية الأكثر: ((أن يُرَّق)) بالخاءِ المعجَمة، وللمَروَزيّ بالمهمَلة، ورواه الأَصِيلِيّ بالوجهَينِ، والمعجَمُ ٢١/٩ أثبت(٣)، وفي رواية الإسماعيليّ: أن تُحَى أو تُحرَق، وقد وَقَعَ في روایة شُعیب عند/ ابن أبي داود (٧٠) والطبرانيِّ(٤) وغيرهما: وأمَرَهم أن يُحرِّقوا كلَّ مُصحَف يُخالف المصحفَ الذي أرسَلَ به، قال: فذلك زمانُ حُرِّقَت المصاحفُ بالعراق بالنار، وفي رواية سُوَيد بن غَفَلَةَ عن عليّ(٥) قال: لا تقولوا لعثمان في إحراق المصاحف إلّا خيراً، وفي رواية بُكَير بن الأشَجّ (١) يعني: خرَّقها، لا حرَّقها. (٢) عند ابن أبي داود في «المصاحف)) (٧٠). (٣) كذا قال، وقد صوَّب القاضي عياض في ((المشارق)) ١٨٩/١ أنها بالحاء المهملة، وهو الرّاجح. (٤) في ((مسند الشاميين)) (٢٩٩١). (٥) أي: عند ابن أبي داود في ((المصاحف)) (٧٧).