Indexed OCR Text

Pages 601-620

٦٠١
سورة الماعون
كتاب التفسير
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿يَدُعُ﴾: يَدْفَع عن حَقِّه، يقال: هو من دَعَعْتُ، ﴿يُدَغُونَ﴾:
يُدْفَعونَ)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿يَوْمَ يُدَثُونَ﴾، أي: يُدفَعونَ، يقال: دَعَعتُ في قَفاه؛
أي: دَفَعت. وفي رواية أُخرى: ﴿يَدُغُ اَلْيَنِيِمَ﴾ قال: وقال بعضهم: ﴿يَدْعُ اَلْيَنِيمَ ﴾ مُفَّفة،
قلت: وهي قراءة الحسن وأبي رَجَاء، ونُقِلَ عن عليّ أيضاً.
وأخرج الطََّرَيُّ من طريق مجاهد قال: ﴿يَدُغُ﴾ يَدِفَعِ اليَتيم عن حَقّه. وفي قوله:
﴿ يَوْمَ يُدَقُونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دًَّا﴾ [الطور: ١٣] قال: يُدفَعونَ.
قوله: (﴿سَاهُونَ﴾: لاهُونَ)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ أيضاً من طريق مجاهد في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ
عَنْ صَلَتِهِمْ سَاهُونَ﴾. قال: لاهُونَ. وقال الفَرّاء: كذلك فَسَّرَها ابن عبّاس، وهي قراءة
عبد الله بن مسعود، وجاء ذلك في حديث أخرجه عبد الرَّزّاق(١) وابن مَرْدويه من رواية
مُصعَب بن سعد عن أبيه: أنَّه سألَه عن / هذه الآية قال: أوَليس كنَّا نفعل ذلك، الساهي: ٧٣١/٨
هو الذي يُصَلّيها لغير وقتها.
قوله: «والماعون: المعْروف كلَّه. وقال بعض العرب: الماعون: الماء. وقال عِكْرمة: أعلاها
الزكاة المفروضة، وأدْناها عاريَّة المَتَاع)) أمَّا القول الأوَّل فقال الفَرّاء: قال بعضُهم: إنَّ
الماعون: المعروفُ كلُّه، حتَّى ذَكَر القَصْعةَ والدَّلوَ والفأسَ، ولعلَّه أراد ابنَ مسعود، فإنَّ
الطَّبَريَّ (٣٠/ ٣١٧) أخرج من طريق سَلَمَةَ بن كُهَيلِ عن أبي المغيرة: سألَ رجلٌ ابنَ عمر
عن الماعون، قال: المال الذي لا يُؤَدَّى حَقّه. قال: قلت: إنَّ ابن مسعود يقول: هو المتاع
الذي يتعاطاه الناسُ بينهم، قال: هو ما أقول لك.
وأخرجه الحاكم أيضاً (٣٦١/٢)، وزاد في رواية أُخرى عن ابن مسعود: هو الدَّلْو
والقِدْر والفَأس.
وكذا أخرجه أبو داود (١٦٥٧) والنَّسائيُّ (ك١١٦٣٧) عن ابن مسعود بلفظ: كنَّا نَعُدّ
الماعون على عَهْد رسول الله وَ ◌ّهِ عاريَّةَ الدَّلْوِ والقِدْرِ. وإسناده صحيح إلى ابن مسعود.
(١) في («تفسيره)) ٢/ ٤٠٠، وأخرجه أبو يعلى في («مسنده)) (٧٠٥)، والطبراني في «الأوسط)) (٢٢٧٦)،
والبيهقي في ((الکبری)) ٢/ ٢١٤، وإسناده حسن.

٦٠٢
سورة الكوثر/ ح ٤٩٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرجه البزَّار (١٧١٩) والطبرانيُّ (٩٠١٣) من حديث ابن مسعود مرفوعاً صريحاً(١).
وأخرج الطبرانيُّ (١٦٢/٢٥) من حديث أمّ عَطيَّة قالت: الماعون: ما يَتَعاطاه الناس
بینھم.
وأمَّا القول الثّاني فقال الفَرّاء: سمعت بعضَ العرب يقول: الماعون: هو الماء، وأنشَدَ:
يَصُبُّ صَبِيرُه الماعُونَ صَبّاً (٢)
قلت: وهذا يُمكِن تأويلُه، وصَبِيرٌ: جبل باليمن معروف، وهو بفتح المهمَلة وكسر
الموحّدة، بعدها تحتانيَّة ساكنة وآخره راء.
وأمَّا قول ◌ِكْرمة فَوَصَلَه سعيد بن منصور بإسنادٍ إليه باللّفظِ المذكور، وأخرج
الطََّرُّ (٣١٢/٣٠) والحاكم (٥٣٦/٢) من طريق مجاهد عن عليٍّ مِثْلَه.
تنبيه: لم يَذكُر المصنّف في تفسير هذه السُّورة حديثاً مرفوعاً، ويَدخُل فيه حديث ابن
مسعود المذكور قبلُ.
١٠٨ - سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اَلْكَوْثَرَ ﴾
وقال ابنُ عبَّاس: ﴿شَانِئَكَ﴾: عدوَّكَ.
١ - بابٌ
٤٩٦٤ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شَيْبانُ، حدَّثنا قَتَادةُ، عن أنسٍ ◌َُه، قال: لمَّا عُرِجَ بالنبيِّ وَليه
إلى السماءِ، قال: ((أَتِيتُ على نَهرِ حافَتَاهُ قِبَابُ الُّؤْلُقِ مُجوَّفاً، فقلتُ: ما هذا يا حِبْرِيلُ؟ قال: هذا
(١) رواية البزار والطبراني كرواية أبي داود والنسائي وغيرهما موقوفة على ابن مسعود، ولا ندري سبب قول
الحافظ: مرفوعاً صريحاً، إلَّ أن يكون أراد أن يقول: مرفوعاً حُكماً، فسبقه قلمُه وقال: صريحاً، والله أعلم.
(٢) هذا صدر بيت يُروَى في كتب اللغة والأدب دون أن يُنسَب لقائلٍ معيَّن، أورده الفرّاء في ((معاني القرآن))
له ٢٩٥/٣، وقال: ولست أحفظ أوَّله، الصَّبير: السَّحاب؛ ووقع عنده بلفظ ((يَمُجُّ)) بدل ((يَصُبُّ)»، وهو
كذلك في كتب اللغة والأدب، وقد سبق للحافظ أن أورده بلفظ ((يمج)) في ((مقدمة الفتح)) (كتاب
البيوع إلى السلم)، وعجزه كما في ((المخصَّص)) لابن سيده ٢/ ٤٣٧:
إذا نَسَمٌ مِنَ الَيْفِ اعتَراهُ

٦٠٣
سورة الكوثر/ ح ٤٩٦٥-٤٩٦٦
كتاب التفسير
الكَوْثَرُ)).
٤٩٦٥- حدَّثنا خالدُ بنُ يزيدَ الكاهِلِيُّ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبيدةَ،
عن عائشةَ رضي الله عنها، قال: سألتُها عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ﴾، قالت:
◌َهرٌ أُعْطِيَه نبيُّكُمْ وَّةِ، شاطئاهُ عليه دُرِّ مُجَوَّفٌ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجومِ.
رواه زكريّا وأبو الأحوَصِ ومُطرِّفٌ، عن أبي إسحاقَ.
٤٩٦٦ - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثْنَا هُشَسيمٌّ، حذَّثنا أبو بِشْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ،
عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّه قال في الكَوْثَرِ: هو الخيرُ الذي أعطاه اللهُ إيّاهُ. قال أبو بِشْرٍ:
قلتُ لِسعيدِ بنِ جُبَيرٍ: فإنَّ الناسَ يَزِعُمونَ أَنَّه نَهْرٌ في الجنَّةِ؟ فقال سعيدٌ: النَّهرُ الذي في الجنَّةِ،
مِن الخيرِ الذي أعطاه الله إيّاهُ.
[طرفه في: ٦٥٧٨]
قوله: ((سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ﴾)) هي سورة الكَوثَر، وقد قرأ ابن مُحَيصِن:
((إِنّا أنطَيناك الكَوثَرِ)) بالنُّونِ، وكذا قرأها طلحة بن مُصرِّف.
والكَوثَرِ: فَوْعَل من الكَثْرة، سُمّيَ بها النَّهر لكَثْرة مائه وآنْيَتِهِ وعِظَم قَدْرِه وخَيرِهِ.
قوله: (﴿شَانِتَكَ﴾: عدوَّك)) في رواية المُستَمْلي: وقال ابن عبّاس. وقد وَصَلَه ابن ٧٣٢/٨
مَرْدويه من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، كذلك.
واختَلَفَ الناقلونَ في تعيين الشّانئع المذكور، فقيل: هو العاصي بن وائل، وقيل: أبو
جهل، وقيل: عُقْبة بن أبي مُعَيط.
ثمَّ ذكر المصنّف في الباب ثلاثة أحاديث:
الأوَّل: حديث أنسٍ.
وقد تقدَّم شرحُه في أوائل المبعَث في قِصّة الإسراء في أواخرها (٣٨٨٧)، ويأتي بأوضَح
من ذلك في أواخر كتاب الرِّقاق (٦٥٧٥).

٦٠٤
سورة الكوثر/ ح ٤٩٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقوله: ((لمَّا عُرِجَ بالنبِّ وَّهِ إلى السماء قال: أَتَيتُ على نَهَرِ حافَتَاهُ قِبَابُ الُّؤْلُؤْ مُجُوَّف،
فقلت: ما هذا يا جِبْريل؟ قال: هذا الكَوَر)) هكذا اقتَصَرَ على بعضه، وساقَه البيهقيُّ (١) من
طريق إبراهيم بن الحسن عن آدم شيخ البخاريّ فيه، فزاد بعد قوله: ((الكَوَر)): ((الذي
أعطاك رَبُّك، فأهوَى الملَك بَيَدِه فاستَخرَج من طِينِهِ مِسْكاً أَذْفَرَ))، وأورَدَه البخاريّ بهذه
الزّيادة في الرِّقاق من طريق همَّام عن أبي هريرة(٢).
الثّاني: حديث عائشة.
وأبو عبيدة راویهِ عنها: هو ابن عبد الله بن مسعود.
قوله: ((عن عائشة قال: سألتُها)) في رواية النَّسائيِّ (ك١١٦٤١): قلت لعائشةَ.
قوله: ((عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ﴾)) في رواية النَّسائيِّ: ماءُ الكَوَرِ.
قوله: ((هو نَهْرٌ أُعْطِيَه نبيُّكُمْ)) زاد النَّسائيُّ: في بُطْنان الجنَّة، قلت: ما بُطْنان الجنَّةِ؟
قالت: وَسَطُها، انتهى.
وبُطْنان، بضمِّ الموحّدة وسكون المهمَلة بعدها نون، ووَسَط، بفتح المهمَلة، والمراد به:
أعلاها؛ أي: أرفَعُها قَدْراً، أو المراد: أعدَلها.
قوله: ((شاطئاه)) أي: حافَتَاه.
قوله: ((دُرٌّ مُجُوَّف)) أي: القِبَاب التي على جوانبه.
قوله: ((رواه زكريّا وأبو الأحْوَص ومُطرِّف عن أبي إسحاق)) أمَّا زكريّا: فهو ابن أبي
زائدة، وروايته عند عليّ بن المَدِينيّ عن يحيى بن زكريّا عن أبيه، ولفظه قريب من لفظ أبي
الأحوَص.
(١) في ((الاعتقاد)) له ص٢١٢، وقد وقعت هذه الزيادة عند أحمد في ((مسنده)) (١٣١٥٦) من طريق يونس،
عن شیبان، به.
(٢) برقم (٦٥٨١)، ولفظه: ((فإذا طِينُه أو طِيبُه مِسٌْ أذفَرُ))، وهو عن همّام عن قتادة عن أبي هريرة، وقد
وهم الحافظ رحمه الله فأسقط ذکر قتادة بينهما.

٦٠٥
سورة الكوثر/ ح ٤٩٦٦
كتاب التفسير
وأمَّا رواية أبي الأحوَص: وهو سَلّام بنُ سُلَيم، فوَصَلَها أبو بكر بن أبي شَيْبة (١٤٤/١٣)
عنه، ولفظه: ((الكَوثَر شَهرٌ بفِناءِ الجنَّة، شاطئاه دُرِّ مُجُوَّفٌ، وفيه من الأباريقِ [والآنيةِ](١)
عَدَد النُّجومِ)).
وأمَّا رواية مُطرِّف: وهو ابن طَريف، بالطاءِ المهمَلة، فَوَصَلَها النَّسائيُّ (ك١١٦٤١) من
طريقه، وقد بيَّنتُ ما فيها من زيادة.
الحديث الثالث: حديث ابن عبّاس من رواية أبي بِشْرِ عن سعيد بن جُبَير عنه، أنَّه قال في
الكَوثَر: هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إيّاه. قال: قلت لسعيد بن جُبَير: فإنَّ ناساً يَزْعُمونَ
أنَّه نهر في الجنَّة، فقال سعيدٌ: النَّهر الذي في الجنَّة من الخير الكثير الذي أعطاه الله إيّاهُ. هذا
تأويلٌ من سعيد بن جُبَير جَمَعَ به بين حديثَي عائشةَ وابنِ عبَّاس، وكأنَّ الناس الذينَ عَنَاهم
أبو بِشْر: أبو إسحاق وقَتَادةُ ونحوَهما ممَّن روى ذلك صريحاً أنَّ الكَوثَر هو النَّهر.
وقد أخرج التِّرمِذيُّ (٣٣٦١) من طريق ابن عمر رَفَعَه: ((الكَوثَرُ نهرٌ في الجنَّة، حافَتَاهُ
من ذهبٍ، وَجَراه على الدُّرّ والياقوت)) الحديث، قال: إنَّه حسنٌ صحيحٌ.
وفي ((صحيح مسلم)) (٤٠٠) من طريق المختار بن فُلفُل عن أنس: بينَما نحنُ عند النبيِّ
وَ﴿ إِذْ غَفَا إغفاءةً، ثمَّ رَفَعَ رأسَه مُتبسِّماً، فقلنا: ما أضحَكَك يا رسولَ الله؟ قال: ((نزلت
عليَّ سورةٌ)) فقرأ: بسمِ الله الرَّحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ... ﴾ إلى آخرها، ثمَّ
قال: ((أتدرونَ ما الكَوثَر؟)) قلنا: الله ورسوله أعلمُ، قال: ((فإنَّه نَهَرٌ وَعَدَنيهِ رَبِ، عليه خيرٌ
كثيرٌ، وهو حَوضٌ تَرِدُ عليه أمَّتي يومَ القيامة)) الحديث.
وحاصل ما قاله سعيد بن جُبَير أنَّ قول ابن عبّاس: ((إنَّه الخير الكثير)) لا يخالف قولَ
غيره: إنَّ المراد به نهر في الجنَّة، لأنَّ النَّهر فردٌ من أفراد الخير الكثير، ولعلَّ سعيداً أوْماً إلى
أنَّ تأويل ابن عبّاس أولى لعمومِه، لكن ثَبَتَ تخصيصُه بالنَّهرِ من لفظ النبيِّ وَّةِ، فلا
مَعدِلَ عنه.
(١) ما بين المعقوفين من المصدر نفسه، وسقط من الأصلين و(س).

٦٠٦
سورة الكافرون
فتح الباري بشرح البخاري
وقد نَقَلَ المفسِّرونَ في الكَوثَر أقوالاً أُخرى غير هذَينٍ تَزيد على العشرة، منها قول
عِكْرمة: الكَوثَر: النُّبّة، وقول الحسن: الكَوثَر: القرآن، وقيل: تفسيرُه، وقيل: الإسلام،
وقيل: إنَّه التوحيد، وقيل: كَثْرة الأتباع، وقيل الإيثار، وقيل: رِفعة الذِّكر، وقيل: نور
٧٣٣/٨ القلب، وقيل: الشَّفاعة، وقيل: / المعجِزات، وقيل: إجابة الدُّعاء، وقيل: الفقه في الدّين،
وقيل: الصَّلَوات الخمس.
وسيأتي مَزِيدُ بَسطٍ في أمر الكَوثَر، وهل الحوض النبويُّ هو أو غيرُه في كتاب الرِّقاق
(٦٥٨١) إن شاء الله تعالی.
١٠٩ - سورة ﴿قُلْ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾
يقال: ﴿لَكُرْ دِيِّئُكُمْ﴾: الكُفْرُ ﴿وَلِىَ دِينِ﴾: الإسلامُ، ولم يَقُل: دِيني، لأَنَّ الآياتِ بالتُّون،
فَحُذِفَتِ الياءُ كما قال: ﴿َّدِينِ﴾ و﴿يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠].
وقال غيرُه: ﴿لَآَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآنَ، ولا أُجِيبُكم فيما بَقِيَ من عُمُرِي.
﴿وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾: وهُمُ الَّذِينَ قال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن
رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤ و٦٨].
قوله: ((سورة ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾)) وهي سورة الكافرينَ، ويقال لها أيضاً:
المُقَشقِشة؛ أي: المبَرِّئة من النّفاق.
قوله: ((يقال: ﴿لَكُمْدِينُّكُمْ﴾: الكُفْرِ، ﴿وَلِىَ دِينِ﴾: الإسلامُ، ولم يَقُل: دِيني، لأنَّ الآياتِ
بالنّونِ، فَحُذِفَتِ الياءُ كما قال: ﴿َدِينٍ﴾ و﴿يَشْفِينِ﴾)) هو كلام الفَرّاء بلفظه.
قوله: ((وقال غيرُه: ﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ... )) إلى آخره، سَقَطَ ((وقال غيرُه)) لأبي ذرِّ،
والصَّواب إثباته لأنَّه ليس من بَقيَّة كلام الفَرّاء، بل هو كلام أبي عُبيدة، قال في قوله تعالى:
لَّ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) وَلَا أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾: كأنَّهم دَعَوْه إلى أن يَعْبُد آلهَتَهم
ويَعْبُدُونَ إِلْهَهُ، فقال: ﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ في الجاهليَّة ﴿وَلَآ أَنْتُمْ عَِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ﴾ في
الجاهليّة والإسلام ﴿ وَلَّ أَنَاْ عَاِدٌ مَّا عَبَدُمْ﴾ الآنَ؛ أي: لا أعبد الآن ما تَعبُدُونَ ولا أُجيبكم

٦٠٧
سورة النصر/ ح ٤٩٦٨
كتاب التفسير
فيما بقيَ أن أعبُدَ ما تَعْبُدُونَ، وتَعبُدونَ ما أعبد، انتهى.
وقد أخرج ابن أبي حاتم من حديث ابن عبّاس قال: قالت قُرَيش للنبيِّ وَّنْ كُفَّ عن
آلهِنا فلا تَذكُرها بسوءٍ، فإن لم تَفْعَل فاعبد آلهَتنا سنةً، ونَعبُد إلهكَ سنةً، فنزلت، وفي
إسناده أبو خَلَف عبد الله بن عيسى، وهو ضعيف.
تنبيه: لم يورِد في هذه السُّورة حديثاً مرفوعاً، ويَدخُل فيها حديث جابر: أنَّ النبيَّ ◌َله
قرأ في ركعتَ الطَّواف ﴿قُلْ يَأَيُّهَ اُلْكَفِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، أخرجه مسلم
(١٢١٨)، وقد ألزَمَه الإسماعيليّ بذلك حيثُ قال في تفسير ﴿وَأَلِّيْنِ وَالزَّيْتُونِ﴾ لمَّا أورَدَ
البخاريّ (٤٩٥٢) حديث البراء: أنَّ النبيَّ وَِّ قرأَ بها في العِشاء، قال الإسماعيليّ: ليس
الإيرادِ هذا معنَى هنا، وإلّا لَلَزِمَه أن يُورِد كلّ حديث وَرَدَت فيه قراءته لسورةٍ مُسَمّاة في
تفسير تلك السُّورة.
١١٠ - سورة ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾
بِسمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ
٤٩٦٧- حدَّثنا الحسنُ بنُ الرَّبِيع، حدَّثنا أبو الأحوَصِ، عن الأعمَشِ، عن أبي
الضُّحَى، عن مَسْروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: ما صَلَّى النبيُّ نَّه صلاةَ بعدَ أن
نَزَلتْ عليه: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾ إلَّا يقولُ فيها: ((سُبْحانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ،
اللهمَّ اغفِرْلی».
٤٩٦٨- حدَّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن
مَسْروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: كان رسولُ اللهِ وَّهِ يُكْثِرُ أن يقولَ فِي رُكوعِه
وسُجودِهِ: ((سُبْحانَكَ اللهمَّ رَبَّنَا وبحَمْدِكَ، اللهمَّ اغْفِرْ لي))، يَتَأوَّلُ القرآنَ.
قوله: ((سورة ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾)) وهي سورة النَّصر (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ)) ٧٣٤/٨
سَقطَت البسملة لغير أبي ذرٍّ.

٦٠٨
سورة النصر/ ح ٤٩٦٨
فتح الباري بشرح البخاري
وقد أخرج النَّسائيُّ (ك١١٦٤٩) من حديث ابن عبّاس أنَّها آخر سورة نزلت من
القرآن، وقد تقدَّم في تفسير ((براءة)) (٤٦٥٤): أنَّها آخر سورة نزلت، والجمع بينهما أنَّ
آخِرِيَّة سورة النَّصر نُزولها كاملةً، بخِلَاف («براءة» كما تقدَّم توجيهُه، ويقال: إنَّ ﴿إِذَا جَآءَ
نَصْرُ اللَّهِ﴾ نزلت يوم النَّحر وهو بمِنَّى في حَجّة الوداع، وقيل: عاشَ بعدَها أحداً وثمانينَ
يوماً، وليس مُنافياً للَّذي قبلَه بناءً على بعض الأقوال في وقت الوفاة النبويَّة.
وعند ابن أبي حاتم من حديث ابن عبّاس: عاشَ بعدها تسع ليالٍ، وعن مُقاتل: سبعاً،
وعن بعضهم: ثلاثاً، وقيل: ثلاث ساعات، وهو باطل.
وأخرج ابن أبي داود في («كتاب المصاحف)) (١٨٦) بإسنادٍ صحيح عن ابن عبّاس: أنَّه
كان يقرأ: ((إذا جاء فتحُ الله والنَّصرُ)).
ثم ذكر المصنف حديث عائشة في مُواظَبَتَه وَ لّه على التَّسبيح والتَّحميد والاستغفار وغيره
في رُكوعه وسُجوده، أورَدَه من طريقَينِ، وفي الأولى التَّصريح بالمواظَبة على ذلك بعد نُزولٍ
السُّورة، وفي الثّانية يَتأوَّل القرآنَ، وقد تقدَّم شرحُه في صفة الصلاة (٧٩٤).
ومعنى قوله: ((يَتَأوَّل القرآن)) أي: يَجعلُ ما أُمِرَ به من التَّسبيح والتَّحميد والاستغفار
في أشرف الأوقات والأحوال.
وقد أخرجه ابن مَرْدويه(١) من طريق أُخرى عن مسروق عن عائشة فزاد فيه: ((عَلَامة
في أمَّتي، أمَرَنِي رَبّي إذا رأيتُها أُكثِرُ من قول: سبحانَ الله وبحمدِهِ، وأستَغْفِرُ اللهَ وأتوبُ
إليه، فقد رأيتُ ﴿جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾: فتح مكَّة ﴿ وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى
دِيْنِ اُللَّهِ أَفْوَاجًا﴾﴾)).
وقال ابن القَيِّم في ((الهَدْي)): كأنَّه أخَذَه من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُهُ﴾، لأنَّه كان
يَجعل الاستغفارَ في خواتم الأُمور، فيقول إذا سَلَّمَ من الصلاة: ((أستَغْفِر الله)) ثلاثاً(٢)، وإذا
(١) وهذا الحديث أخرجه أحمد (٢٤٠٦٥)، ومسلم (٤٨٤) (٢١٨) و(٢٢٠) من طرق عن مسروق عن
عائشة باللفظ المذكور، وقد غفل الحافظ رحمه الله أن يعزوه لهما.
(٢) أخرجه أحمد (٢٢٤٠٨)، ومسلم (٥٩١)، والترمذي (٣٠٠) من حديث ثوبان

٦٠٩
سورة النصر/ ح ٤٩٦٩-٤٩٧٠
كتاب التفسير
خرج من الخَلاء قال: ((غُفرانَك))(١). ووَرَدَ الأمر بالاستغفار عند انقضاء المناسك ﴿ ثُمَّ
أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ﴾ الآية [البقرة: ١٩٩].
قلت: ويُؤخَذ أيضاً من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، فقد كان يقول عند انقضاء
الوُضوء: ((اللهمَّ اجعلني من التوّابينَ))(٢).
١- باب قوله:
وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢]
٤٩٦٩- حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، عن سفيانَ، عن حبیبٍ بنِ أبي
ثابتٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: أَنَّ عمرَ عَلَّه سألهم عن قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ
نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، قالوا: فَتْحُ المدائنِ والقُصورِ، قال: ما تقولُ يا ابنَ عبَّاسٍ؟ قال: أجَلٌ
أو مَثَّلٌ ضُرِبَ لمحمَّدٍ وَّةِ، نُعِيَت له نَفسُه.
قوله: ((باب قوله: ﴿ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَجًا ﴾)) ذكر فيه حديث
ابن عبّاس: أنَّ عمر سألَم عن قوله: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾، وسأذكرُ شرحه في
الباب الذي يليه.
٢- باب قوله:
فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاُسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]
تَوّابٌ على العِبادِ، والتوّابُ مِن الناسِ: التائبُ مِن الذَّنْبِ.
٤٩٧٠ - حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو عَوَانَةَ، عن أبي بِشْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ،
عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: كان عمرُ يُدخِلُني معَ أشياخِ بَدْرٍ، فكأنَّ بعضَهم وَجَدَ في نفسِه، فقال: لِمَ
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده) برقم (٢٥٢٢٠)، وأبو داود (٣٠)، والترمذي (٧)، وابن ماجه (٣٠٠)،
والنسائي في ((الكبرى)) (٩٨٢٤) من طرق عن إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة،
وإسناده حسن.
(٢) أخرجه الترمذي (٥٥) من حديث عمر، وإسناده صحيح.

٦١٠
سورة النصر/ ح ٤٩٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
٧٣٥/٨ تُدْخِلُ هذا مَعَنا ولنا أبناءٌ مِثْلُه؟ فقال عمرُ: إنَّه/ مِن حيثُ عَلِمِتُم، فَدَعَا ذاتَ يومٍ، فأدْخَلَه
معَهم، فما رُئِيتُ أنَّه دَعَاني يومَئذٍ إلَّا لِيُرِيَهم، قال: ما تقولونَ في قولِ الله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ
نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟ فقال بعضُهم: أُمِرْنا نَحْمَدُ الله ونَستَغْفِرُه إذا نُصِرْنا وفُتِحَ علينا،
وسَكَتَ بعضُهم، فلمْ يَقُلْ شيئاً، فقال لي: أَكَذَاكَ تقولُ يا ابنَ عبَّاسٍ؟ فقلتُ: لا، قال: فما
تقولُ؟ قلتُ: هو أجَلُ رسولِ الله وَّةٍ أَعلَمَه له، قال: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الَّهِ وَاُلْفَتْحُ﴾ وذلك
علامةُ أجَلِك ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ، كَانَ تَوَابًا﴾، فقال عمرُ: ما أعلَمُ منها
إلَّا ما تقولُ.
قوله: ((باب قوله: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَاُسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ، كَانَ تَوَابًا﴾، تَوّاب على
العِباد. والتَّاب منَ الناسِ: التائب من الذَّتْب)» هو كلام الفَرّاء في موضعينٍ.
قوله: ((كان عمر يُدخِلني معَ أشياخ بَدْر)) أي: مَن شَهِدَ بدراً من المهاجِرِينَ والأنصار،
وكانت عادةُ عمرَ إذا جَلَسَ للنّاس أن يَدخُلوا عليه على قَدْر منازلهم في السابقة، وكان رُبَّما
أدخَلَ معَ أهل المدينة(١) مَن ليس منهم، إذا كان فيه مَزِيَّة تَجِبُرُ ما فاتَه من ذلك.
قوله: ((فكأنَّ بعضَهم وَجَدَ) أي: غَضِبَ، ولفظ: ((وَجَدَ)) الماضي يُستَعمَل بالاشتراكِ
بمعنى الغضب والحُبّ، والغِنَى واللِّقاء، سواء كان الذي يُلقَى ضالّةً أو مطلوباً أو إنساناً أو
غير ذلك.
قوله: ((لِمَ تُدْخِلُ هذا مَعَنا ولنا أبناءٌ مِثْله؟)) ولابنِ سعد(٢) من طريق عبد الملك بن أبي
سليمان عن سعيد بن جُبَير: كان أُناس من المهاجرين وَجَدُوا على عمر في إدنائِه ابنَ عبَّاس.
وفي ((تاريخ محمَّد بن عثمان بن أبي شَيْبة)) من طريق عاصم بن كُلَيب عن أبيه نحوه، وزادَ:
وكان عمر أمَرَه أن لا يتكلّم حتَّى يتكلَّموا، فسألَم عن شيء فلم يُجيبوا وأجابَه ابن عبّاس،
فقال عمر: أعَجَزْتُم أن تكونوا مِثلَ هذا الغلام؟ ثمَّ قال: إنّي كنت نَهَيتُك أن تَتَكلَّم،
فَتَكلَّمِ الآنَ معهم.
(١) كذا في (أ) و(س)، ووقع في (ع): مع أهل المرتبة.
(٢) في ((الطبقات)) ٣٣١/٦ (طبعة الخانجي).

٦١١
سورة النصر/ ح ٤٩٧٠
كتاب التفسير
وهذا القائل الذي عَبَّرَ عنه هنا بقوله: ((بعضَهم)) هو عبد الرَّحمن بن عَوْف الزُّهْرِيُّ،
أحد العشرة كما وَقَعَ مُصرَّحاً به عند المصنِّف في علامات النُّبوّة (٣٦٢٧) من طريق شُعْبة
عن أبي بشر بهذا الإسناد: كان عمر يُدْني ابنَ عبَّاس، فقال له عبدُ الرَّحمن بن عَوْف: إنَّ لنا
أبناءً مِثلَه.
وأراد بقوله: ((مِثْلَه))، أي: في مِثل سِنِّه، لا في مِثل فَضلِه وقَرابَته من النبيِّ وَِّ، ولكن
لا أعرِف لعبد الرَّحمن بن عَوْف ولداً في مِثل ◌ِنِّ ابن عبّاس، فإنَّ أكبر أولاده محمَّد وبه
كان يُكْنى، لكنَّه ماتَ صغيراً وأدرَكَ عمرَ من أولاده إبراهيمُ بن عبد الرَّحمن، ويقال: إنَّه
وُلِدَ فِي عَهِد النبِّ وََّ، لكنَّه إن كان كذلك لم يُدرِك من الحياة النبويَّة إلّا سنةً أو سنتَينٍ،
لأنَّ أباه تزوَّجَ أمَّه بعد فتح مكَّة، فهو أصغر من ابن عبّاس بأكثرَ من عشر سنينَ، فلعلَّه
أراد بالمِثليَّة غيرَ السِّنِّ، أو أراد بقوله: ((لَنا)»: مَن كان له ولدٌ في مِثل سِنِّ ابن عبّاس من
البدريِّينَ إذ ذاكَ غير المتكلِّم.
قوله: ((فقال عمرُ: إنَّه من حيثُ عَلمْتُم)) في غزوة الفتح (٤٢٩٤) من هذا الوجه بلفظ:
إنَّه مَّن عَلمتُم. وفي رواية شُعْبة: إنَّه من حيثُ نَعلَم. وأشارَ بذلك إلى قَرابَته من النبيِّ وَلـ
أو إلى مَعرِفَته وفِطنَته.
وقد روى عبد الرَّزّاق (٢٠٤٢٨) عن مَعمَر عن الزُّهْريِّ قال: قال المهاجِرونَ لعمرَ:
ألا تَدعو أبناءَنا كما تَدعُو ابنَ عبَّاس؟ قال: ذاكم فتى الكُهول، إنَّ له لساناً سَؤُولاً وقلباً
عَقولاً.
وأخرج الخرائطيّ في ((مكارم الأخلاق)) (٢٤٥) من طريق الشَّعْبيّ، والزُّبَير بن بَكّار
من طريق عطاء بن يَسار قالا: قال العبّاس لابنِهِ: إنَّ هذا الرجل - يعني عمر - يُدْنِيكَ، فلا
تُفِشِيَنَّ له سِرّاً، ولا تَغتابَنَّ عنده أحداً، ولا يَسمَع مِنك كَذِباً. وفي رواية عطاء بَدَل الثّالثة:
ولا تَبتَدِئه بشيءٍ حتَّی یسألَك عنه.
قوله: ((فَدَعَا ذاتَ يومٍ فأدْخَلَه معهم)) في رواية للكُشْمِيهنيّ: فدَعَاه، وفي غزوة/ الفتح ٧٣٦/٨
(٤٢٩٤): فدَعَاهم ذاتَ يومٍ ودَعَاني معهم.

٦١٢
سورة النصر/ ح ٤٩٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فما رُئِيت)) بضمِّ الرَّاء وكسر الهمزة، وفي غزوة الفتح (٤٢٩٤) من رواية المُستَمْلي:
فما أُرِيته، بتقديم الهمزة، والمعنى واحد.
قوله: ((إلّا لِيُريَهم)) زاد في غزوة الفتح: مِنّ؛ أي: مِثل ما رآه هو منِّي من العلم، وفي
رواية ابن سعد فقال: أما إنّ سأُريكم اليومَ منه ما تَعرِفونَ به فَضْلَه.
قوله: ((ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟)) في غزوة الفتح:
حتَّى خَتَمَ السّورة.
قوله: ((إذا نُصِرْنا وفُتِحَ علينا)) في رواية الباب الذي قبلَه (٤٩٦٩): قالوا: فَتْحُ المدائنِ
والقُصورِ.
قوله: ((وسَكَتَ بعضُهم فلم يَقُل شيئاً)) في غزوة الفتح: وقال بعضهم: لا نَدري، أو لم
يَقُل بعضُهم شيئاً.
قوله: ((قال لي: أكذاك تقول يا ابنَ عبَّاس؟ قلت: لا. قال: فما تقول؟)) في رواية ابن سعد:
((فقال عمر: يا ابن عبّاس ألا تَتَكلَّم؟ فقال: أعلمَه متى يموت، قال: ﴿إِذَا جَآءَ﴾.
قوله: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾ زاد في غزوة الفتح: فتحُ مگَّة.
قوله: ((وذلك علامة أجَلِك)) في رواية ابن سعد: فهو آيتُك في الموت، وفي الباب الذي
قبله: أجَلٌ أو مَثَلٌ ضُرِبَ لمحمَّدٍ، نُعِيَت إليه نفسُه.
ووَهِمَ عطاء بن السائب فروى هذا الحديث عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال:
لمَّا نزلت ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ﴾ قال النبيُّ ◌َّ: ((نُعِيَت إليَّ نفسي))، أخرجه ابن
مَرْدويه من طريقه(١)، والصَّواب رواية حبيب بن أبي ثابت التي في الباب الذي قبلَه بلفظ:
نُعَيَت إليه نفسُه.
(١) ورواية عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أخرجها أيضاً أحمد في ((المسند)) (١٨٧٣)،
وإسنادها ضعيف لأنَّ محمد بن فضيل الراوي عن عطاء فيها حدَّث عنه بعد اختلاطه.

٦١٣
سورة النصر/ ح ٤٩٧٠
كتاب التفسير
وللطََّرَانيّ (١١٩٠٣) من طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس(١) قال: لمَّ نزلت ﴿إِذَا جَآءَ
نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ﴾ نُعَيَت إلى رسول الله وَله نفسُه، فأخَذَ بأشدّ ما كان قَطُّ اجتهاداً في أمر
الآخِرة.
ولأحمد (٣٢٠١) من طريق أبي رَزِين عن ابن عبّاس قال: لمَّا نزلت عَلِمَ أنْ قد(٢)
نُعِیَتْ إلیه نفسُه.
ولأبي يَعْلى (٣) من حديث ابن عمر: نزلت هذه السُّورة في أوسَط أيام التَّشريِقِ في حَجّة
الوَدَاعِ، فَعَرَفَ رسولُ اللهِوَّ أنَّهِ الوَدَاعِ.
وسُئِلتُ عن قول ((الكشّاف)): أنَّ سورة النَّصر نزلت في حَجّة الوَدَاعِ أيامَ التَّشريق،
فكيف صُدِّرَت بـ((إذا)) الدَّالّة على الاستقبال؟ فأجَبتُ بضعفٍ ما نَقَلَه، وعلى تقدير صِحَّته
فالشَّرط لم يُتْكَمَّل بالفتح، لأنَّ مَجَيءَ الناس أفواجاً لم يكن كَمُلَ، فَبَقَيَّة الشَّرط مُستَقْبَل.
وقد أورَدَ الطِّييُّ السُّؤال وأجابَ بجوابَينِ: أحدهما: أنَّ ((إذا)) قد تَرِدُ بمعنى ((إذ)) كما
في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْ تِجَارَةً﴾ الآية [الجمعة: ١١]، ثانيهما: أنَّ كلام الله قديم؛ وفي كلٍّ
من الجوابَينِ نظرٌ لا يَخْفَى.
قوله: ((إلّا ما تقول)) في غزوة الفتح (٤٢٩٤): إلّا ما تَعلَم. زاد أحمد (٣١٢٧) وسعيد
ابن منصور في روايتهما عن هُشَيمٍ عن أبي بشر في هذا الحديث في آخره: فقال عمر: كيف
تَلُومونَني على حُبّ ما تَرَونَ(٤). ووَقَعَ في رواية ابن سعد: أنَّه سألَهَم حينئذٍ عن ليلة القَدْر،
وذكر جواب ابن عبّاس واستنباطه وتصويب عمرَ قولَه.
(١) وطريق عكرمة عن ابن عباس عند النسائي في ((الكبرى (١١٦٤٨) وقد فات الحافظ أن يعزوها له.
(٢) لفظ ((قد)) من (ع) و ((مسند أحمد))، ولم يرد في (أ) و (س).
(٣) لم نقف عليه في المطبوع من ((مسنده))، وهو في ((مسند البزار)) (٦١٣٥)، وفي إسناده موسى بن عبيدة
الرَّبَذي، وهو ضعيف، وله عزاه الهيثمي في ((المجمع)) ٣/ ٢٦٦ وضعَّفه بموسى المذكور.
(٤) ولفظ «المسند»: كيف تلومونني على ما تَرَون، وعند البزار: كيف تلومونني علیه بعدما تَرَون، وليس
عندهما قوله: على حُبّ. وإسناده عند أحمد صحيح.

٦١٤
سورة المسد/ ح ٤٩٧١
فتح الباري بشرح البخاري
وقد تقدَّمت لابنِ عبَّاس معَ عمر قِصّةٌ أُخرى في أواخر سورة البقرة (٤٥٣٨)، لكن
أجابوا فيها بقولهم: اللهُ أعلمُ، فقال عمر: قولوا: نَعلَم أو لا نَعلَم، فقال ابن عبّاس: في
نفسي منها شيء، الحديث.
وفيه فضيلةٌ ظاهرة لابنٍ عبَّاس وتأثيرٌ لإجابة دعوة النبيِّ وَّهِ أن يُعلِّمَه الله التَّأويل
ويُفقِّهَه في الدِّين، كما تقدَّم في كتاب العلم (٧٥).
وفيه جواز تَحَدُّثِ المرء عن نفسه بمثلِ هذا لإظهار نعمة الله عليه، وإعلام مَن لا يَعرِف
قَدْره ليُنزِلَه مَنِزِلَته، وغير ذلك من المقاصد الصالحة، لا للمفاخَرة والمُبَاهاة.
وفيه جواز تأويل القرآن بما يُفهَم من الإشارات، وإنَّما يتمكَّن من ذلك مَن رَسَخَت
قَدمُه في العلم، ولهذا قال عليٍّ رضي الله تعالى عنه: أو فَهما يُؤْتيه الله رجلاً في القرآن(١).
١١١ - سورة ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ﴾
بِسمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ
﴿وَتَبَّ﴾: خَسِرَ، تَبَابٌ: خُسْرانٌ، تَنْبِبٌ: تَدْمیٌ.
٤٩٧١- حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى، حدَّثنا أبو أسامةَ، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثنا عَمْرو بنُ
مُرّةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: لمَّا نَزَلتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
اُلْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤١] ورَهْطَكَ منهمُ المُخْلَصِينَ)) خرج رسولُ الله وَِّ حَتَّى صَعِدَ الصَّفا،
فَهَتَفَ: ((يا صَبَاحاهْ)) فقالوا: مَن هذا؟ فاجتَمَعوا إليه، فقال: «أَرأيتُم إن أخبَرَتُكم أنَّ خَيلاً
تَخْرُجُ من سَفْحِ هذا الجبلِ، أكتُم مُصَدِّقِيَّ؟)) قالوا: ما جَرَّبْنا عليكَ كَذِباً، قال: ((فإِنّي نَذِيرٌ لكم
بينَ يَدَي عذابٍ شديدٍ)). قال أبو لهبٍ: تَبَأَ لك، ما جَمَعْتَنَا إلَّا لِهذا؟! ثمَّ قامَ، فَزَلتْ: ﴿تَبَّتْ
يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ وقد تَبَّ. هكذا قرأَها الأعمَشُ يومَئذٍ.
قوله: ((سورة ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ﴾ -ِسْمِ اللهِالرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملة لغير أبي ذرِّ.
وأبو لهب: هو ابن عبد المطَِّب، واسمه عبد العُزَّى، وأُمّه خُزاعيَّةٌ، وكُنّيَ أبا لهب إمّا
(١) سلف برقم (٣٠٤٧)، وأخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم (٥٩٩).

٦١٥
سورة المسد / ح ٤٩٧١
كتاب التفسير
بابنِهِ لهب، وإمّا بشِدّة حُمرة وَجْتَتَه.
وقد أخرج الفاكِهِيّ من طريق عبد الله بن كثير قال: إنَّما سُمّيَ أبا لهب، لأنَّ وجهَه كان
یتَلَھَّب من حُسنه، انتھی.
ووافَقَ ذلك ما آلَ إليه أمرُه من أنَّه سَيَصلَى ناراً ذات لهب، ولهذا ذُكِرَ في القرآن بكُنْيْتِه
دون اسمه، ولِكَوْنِه بها أشهَر، ولأنَّ في اسمه إضافةً إلى الصَّنَم. ولا حُجّة فيه لمَن قال
بجوازٍ تَكنيّة المشرِك على الإطلاق، بل مَحَلّ الجواز إذا لم يَقتَضِ ذلك التَّعظيمَ له، أو
دَعَت الحاجة إليه.
قال الواقديّ: كان من أشدّ الناس عَدَاوةً للنبيِّ وََّ، وكان السَّبَب في ذلك أنَّ أبا
طالب لاحَى(١) أبا لهب، فقَعَدَ أبو لهب على صَدْر أبي طالب فجاء النبيُّ وَّ فَأَخَذَ
بِضَبْعَي(٢) أبي لهبٍ، فضَرَبَ به الأرض، فقال له أبو لهب: كِلانا عَمُّك، فلِمَ فَعَلتَ بي هذا؟
والله لا يُحِبُّك قلبي أبداً. وذلك قبلَ النُُّوّة، وقال له إخوَته لمَّا ماتَ أبو طالب: لو عَضَدْت
ابن أخيك لكنت أولى الناس بذلك، ولَقِيَه فسألَه عَمَّن مضى من آبائه فقال: إنَّهم كانوا على
غير دِينٍ، فغَضِبَ، وتَمَادَى على عَداوَته.
وماتَ أبو لهب بعد وقعة بدر بأيامٍ(٣)، ولم يَضُرها بل أرسَلَ عنه بديلاً، فلمَّا بَلَغَه ما
جَرَى لِقُرَيشِ ماتَ غَّ.
قوله: (﴿وَتَبَّ﴾: خَسِرَ، تَبَابٌ: خُسْرانٌ)) وَقَعَ في رواية ابن مردويه في حديث الباب
من وجه آخر عن الأعمَش في آخر الحديث قال: فأنزلَ الله ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ﴾، قال:
يقول: خَسِرَت(٤) وتَبَّ؛ أي: خَسِرَ وما كَسَبَ؛ يعني: ولدَه.
(١) أي: شتمه وخاصمه، وفي ((اللسان)) مادة (لحا): لَحَا الرَّجلَ لَحْواً: شَتَمه.
(٢) مثنَّى الضَّبْع: وهو العَضُد، أو ما بين الإبط إلى نصف العَضُد من أعلاه.
(٣) لفظ ((بأيام)) من الأصلين، وسقط من (س).
(٤) كذا في الأصلين على الصحيح، أي: يداه، والمراد هو، من باب إطلاق الجزء على الكُلّ، وتحرَّف في (س)
إلى: خسر. وانظر ((تفسير ابن جرير الطبري)) ٣٣٦/٣٠.

٦١٦
سورة المسد / ح ٤٩٧٢- ٤٩٧٣
فتح الباري بشرح البخاري
وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِ تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] قال: في هَلَكة.
قوله: ((تَتْبِيبٌ: تَدْميرٌ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]،
أي: تدميرٍ وإهلاكٍ.
قوله: ((عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: لمَّا نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ﴾ وَرَهْطَك
منهم المخْلَصینَ)) كذا وقعَ في رواية أبي أُسامة عن الأعمش، وقد تقدَّم البحث فيه في تفسیر
سورة الشُّعَراء (٤٧٧٠) معَ بَقِيَّة مباحث هذا الحديث وفوائده.
١ - باب قوله:
﴿وَتَبَّ ٥ مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ، وَمَا كَسَبَ﴾
٤٩٧٢- حدَّثنا محمدُ بنُ سَلام، أخبرنا أبو معاويةَ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن عَمْرِو بنِ مُرّةَ،
عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ النبيَّ ◌َّهُ خرج إلى البَطْحاءِ، فصَعِدَ إلى الجبلِ، فنادَى:
((يا صَبَاحاه)) فاجتَمَعَت إليه قُرَيْشٌ، فقال: ((أَرأيتُم إنْ حَدَّثْتُكم أنَّ العَدُوَّ مُصَبِّحُكُم، أو
مُسِّيكُم، أكنتُم تُصَدِّقونَني؟)) قالوا: نَعَمْ، قال: ((فإنَّ نَذِيرٌ لكم بينَ يَدَيْ عذابٍ شديدٍ)) فقال
أبو لَهَبِ: أَهذا جمعتنا؟ تَبَالكَ! فأنزَلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ﴾ إلى آخِرِها.
قوله: ((باب قوله: ﴿وَتَبَّ ا مَآَ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ, وَمَا كَسَبَ))) ذكر فيه الحديث
الذي قبله من وجه آخر.
٧٣٨/٨
وقوله فيه: «فهَتَف» أي: صاحَ.
وقوله: ((يا صَبَاحاهْ)) أي: هَجَموا عليكم صباحاً.
٢ - باب قوله: ﴿سَيَصْلَ نَارًا ذَاتَ لَبٍ﴾
٤٩٧٣ - حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا أَبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حدَّثْنِي عَمْرو بنُ مُرّةَ، عن
سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال أبو لَبٍ: تَبّاً لك، أَهذا جمعتَنَا؟! فتَزَلتْ:
﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ﴾.

٦١٧
سورة المسد
كتاب التفسير
قوله: ((باب قوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَبٍ﴾)» ذكر فيه حديث ابن عبّاس المذكور
مختصراً، مُقتَصِراً على قوله: قال أبو لهب: تَبّاً لك ألهذا جمعتَنا، فنزلت ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى
لَهَبٍ﴾.
وقد قَدَّمت أنَّ عادة المصنِّف غالباً إذا كان للحديثِ طُرق أن لا يجمعَها في بابٍ واحد،
بل يجعل لكلِّ طريق ترجمةً تَليق به، وقد يُتَرجِم بما يَشتَمِل عليه الحديث وإن لم يَسُقْه في
ذلك الباب اكتفاءً بالإشارة، وهذا من ذلك.
٣- باب قوله:
﴿ وَأَمْرَأَتُهُ، حَمَّالَةَ الْخَطَبِ﴾
وقال مجاهدٌ: ﴿حَمَّالَةَ الْخَطَبِ﴾: تَمشي بالنَّمِيمِةِ.
﴿فِي جِيدِ هَا حَبْلٌ مِّن مَّسَلٍ﴾ [٥] يقال: من مَسَدٍ: لِيفِ المُقْلِ، وهي السِّلْسِلةُ التي في النارِ.
قوله: ((باب ﴿وَآَمْرَأَتُهُ، حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾)) قال أبو عُبيدة: كان عيسى بن عمر يقرأ:
﴿حَمَّالَةَ اُلْحَطَبِ﴾ بالنَّصب ويقول: هو ذَمِّ لها. قلت: وقرأها بالنَّصب أيضاً من الكوفيّينَ
عاصمٌ.
واسمُ امرأة أبي لهب: العَوْراء، وتُكْنَى أمّ جميل، وهي بنت حرب بن أُميَّة أُخت أبي
سفيان والد معاوية، وتقدَّم لها ذِكْر في تفسير ((والضُّحَى)) (٤٩٥٠)، يقال: إنَّ اسمَها
أروَى، والعَوْراء لَقَب، ويقال: لم تكن عَوراءَ، وإنَّما قيل لها ذلك لجمالها.
وروى البزَّار (١٥) بإسنادٍ حسن عن ابن عبّاس قال: لمَّا نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ﴾
جاءت امرأة أبي لهب، فقال أبو بكر للنبيِّ وَّ: لو تَنَخَّيتَ، قال: ((إنَّه سَيُحالُ بَيني وبينَها)»،
فَأقبَلَت فقالت: يا أبا بكرٍ، هَجَاني صاحبُك، قال: لا ورَبِّ هذه البَنِيَّةِ(١)، ما يَنطِقِ بالشِّعرِ
ولا يَفُوهُ به، قالت: إِنَّك لَمُصَدَّق، فلمَّا وَلَّت قال أبو بكر: ما رأتكَ! قال: ((ما زالَ مَلَكٌ
(١) يريد: الكعبة، وكانت تدعى بَنِيَّة إبراهيم عليه السلام، لأنه بناها، وقد كثُر قَسَمُهم بها لشَرفها، إذ هي
أشرف مَبْنيّ. انظر ((النهاية في غريب الحديث)) ١ /٤١٧، و((اللسان)) مادة (بنى).

٦١٨
سورة الإخلاص / ح ٤٩٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
يَستُرني حتَّى وَلَّتْ)).
وأخرجه الحميديّ وأبو يَعْلى (٥٣) وابن أبي حاتم من حديث أسماء بنت أبي بكر
بنحوه.
وللحاكمِ (٥٢٦/٢-٥٢٧) من حديث زيد بن أرقَم: لمَّا نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ﴾
قيل لامرأة أبي لهب: إن محمَّداً هَجَاكِ، فأتت رسولَ الله وَّه فقالت: هل رأيتَني أحمِلُ
حَطَباً، أو رأيتَ في جِيْدي حَبْلاً؟
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿حَمَّالَةَ الْخَطَبِ﴾: تَشي بالنَّميمةِ)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ عنه، وأخرج
سعيد بن منصور من طريق محمَّد بن سِيرِين قال: كانت امرأة أبي لهب تَنِمُّ على النبيِّ وَلـ
وأصحابِه إلى المشرِكِينَ. وقال الفَرّاء: كانت تَنِمّ فَتُحَرِّش فتُوقِد بينَهم العَدَاوةَ، فَكَنَّى عن
ذلك بحَملِها الخَطَب.
قوله: ((﴿فِي جِيدِ هَا حَبْلٌ مِّن مَّسَلٍ﴾ يقال: من مَسَدٍ: لِيفِ المُقْل، وهي السِّلْسِلةُ التي في
النار)) قلت: هما قولان حكاهما الفَرّاء، قال في قوله تعالى: ﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَلٍ﴾: قال: هي
السِّلسِلة التي في النار، ويقال: المَسَدُ: ليفُ المُقْل. وأخرج الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد قال
في قوله: ﴿حَبْلٌمِّن مَسٍ﴾قال: من حدید.
قال أبو عُبيدة: في عُنُقُها حَبْلٌ من نار، والمَسَد عند العرب: حِبالٌ من ضُروبٍ(١).
١١٢ - سورة ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾
بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
٧٣٩/٨
يقال: لا يُنَوَّنُ ﴿أَحَدُّ﴾، أي: واحدٌ.
٤٩٧٤- حدّثنا أبو اليَمَان، حدّثنا شُعَيبٌ، حدَّثنا أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ
(١) كذا في الأصلين وفي المطبوع من ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة ٣١٥/٢، ووقع في (س): ((من خوص))،
ومعنى قوله: ((من ضروب)» أي: من أنواع شتَّى، فقد يكون من ليف أو من جلود الإبل أو من خوص.
انظر ((تاج العروس)) مادة (مسد).

٦١٩
سورة الإخلاص / ح ٤٩٧٤
كتاب التفسير
◌َّ، عن النبيِّ وََّ قال: «قال الله: كَذَّبني ابنُ آدَمَ، ولم يكن له ذلك، وشَتَمَني ولم يكن له ذلك،
فأمّاً تكذيبُهُ إِّيَ، فَقَولُه: لن يُعِيدَني كما بَدَأَني، وليس أوَّلُ الخلقِ بأهوَنَ عليَّ من إعادَتِهِ، وأمَّا
شَتْمُه إِّايَ، فقولُه: اَّخَذَ اللهُ ولداً، وأنا الأحدُ الصَّمَدُ، لم ألِدْ ولم أُولَدْ، ولم يكن لي كُفْأَ أَحدٌ)).
قوله: ((سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ - بِسْمِ اللهِ الرَّمَنِ الرَّحِيمِ)) ويقال لها أيضاً: سورة
الإخلاص، وجاء في سبب نزولها من طريق أبي العاليَة عن أُبيِّ بن كعب: أنَّ المشرِكينَ قالوا
للنبيِّ وَّهِ: انسُبْ لنا رَبَّك، فنزلت، أخرجه التِّرمِذيّ (٣٣٦٤)، والطََّرِيُّ (٣٤١/٣٠)، وفي
آخره: «قال: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدٌ﴾ لأنَّه ليس شيءٌ يُولَد إلّا سيموت، ولا شيءٌ يموت
إلّا يُورَث، ورَبُّنا لا يموت ولا يُورَث ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ، كُفُوًا أَحَدٌ﴾: شِبْهُ ولا
عِدْل))(١).
وأخرجه التِّرمِذيّ (٣٣٦٥) من وجه آخر عن أبي العاليَة مُرسَلاً، وقال: هذا أصحّ،
وصَحَّحَ الموصول ابن خُزَيمةَ والحاكم (٥٤٠/٢).
وله شاهد من حديث جابر (٢) عند أبي يَعْلى (٢٠٤٤) والطَّبَرِيِّ (٣٤٢/٣٠) والطبرانيّ في
((الأوسط)) (٥٦٨٧).
قوله: ((يقال: لا يُنَوَّن ﴿أَحَدٌ﴾، أي: واحدٌ)) كذا اختَصَرَه، والذي قاله أبو عُبيدة: ((اللهُ
أَحَدُ)) لا يُنَوَّن، ﴿كُفُوا أَحَدٌ ﴾ أي: واحدٌ، انتهى.
وهمزة ((أَحد)) بَدَل من واو، لأنَّه من الوَحْدة، وهذا بخِلَاف ((أَحد)) المراد به العُموم،
فإنَّ همزته أصليّة.
(١) وإسناده ضعيف لسوء حفظ أبي جعفر الرازي، أحد رجال إسناده، وبعضهم يذكر أنّ هذه الزيادة
الأخيرة التي ساقها الحافظ من كلامه. والحديث أخرجه أحمد في «مسنده)) (٢١٢١٩) مختصراً دون
قوله: ﴿لَمْ يَلِّدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ إلى آخره، وإسناده ضعيف لضعف محمد بن مُيسَّر الصاغاني الراوي عن
أبي جعفر الرازي.
(٢) ولفظه عند أبي يعلى: أنَّ أعرابيّاً أتى النبي وَ ﴿ فقال: انسُبِ اللهَ، وفي إسناده عندهم مجالد بن سعيد، وهو
ضعيف، وعزاه الهيثمي في ((المجمع)) ٧/ ١٤٦ للطبراني في ((الأوسط)) ولأبي يعلى، وضعَّفه بمجالد بن
سعید.

٦٢٠
سورة الإخلاص / ح ٤٩٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
وقال الفَرّاء: الذي قرأ بغير تنوين يقول: النُّون نونُ إعرابٍ، إذا استَقَبَلَتها الألفُ
واللّامُ حُذِفَت، وليس ذلك بلازِمٍ، انتهى.
وقرأَها بغير تنوين أيضاً نَصْر بن عاصم ويحيى بن أبي إسحاق، ورُوِيَت عن أبي عَمْرو
أيضاً، وهو كقولِ الشّاعر:
عَمْرُو العُلَا هَشَمَ الثَّرِيدَ لقومِه
الأبيات(١)
وقولِ الآخر:
ولا ذاكِرِ اللهَ إلّا قليلاً(٢)
وهذا معنى قول الفَرّاء: ((إذا استَقبَلَها)) أي: إذا أتت بعدَها.
وأغرَبَ الدَّاووديُّ فقال: إنَّمَا حُذِفَ التَّوين لالِتِقاءِ الساكنَينِ (٣)، وهي لغة. كذا قال.
قوله: ((حدَّثنا أبو الزِّناد)) لشُعَيب بن أبي حمزة فيه إسنادٌ آخَر، أخرجه المصنّف من حديث
ابن عبّاس كما تقدَّم في تفسير سورة البقرة (٤٤٨٢).
قوله: ((عن أبي هريرة عن النبيِّ وَّرَ أَنَّه قال: قال الله تعالى)) تقدَّم في بَدْء الخلق (٣١٩٣)
(١) صدر بيت الشاعر الجاهلي مطرود بن كعب الخزاعي، وعجزه:
ورجالُ مكّةَ مُسنِتون عِجافُ
وبعضهم ينسب هذا لابن الزِّبَعْرى. انظر ((اللسان)) مادة (هشم).
(٢) عجز بيت يُنسب لأبي الأسود الدُّؤَليّ، وصدره:
فألفيتُه غيرَ مُستَعتَبٍ
أورده سيبويه في «الكتاب)) ١٦٩/١ وقال: زعم عيسى - يعني ابن عمر الثقفي -: أنَّ بعض العرب ينشد
هذا البيت لأبي الأسود. وانظر ((معجم مقاييس اللغة)) لابن فارس، و((اللسان)) مادة (عتب).
(٣) وهو قول سيبويه أيضاً وعامة البصريِّين، حيث قال بعد أن أورد بيت الشعر المذكور: لم يحذف التنوين
استخفافاً ليُعاقِبَ المجرورَ، ولكنه حُذف لالتقاء الساكنين، وساق لذلك أمثلة عديدة. انظر ((الكتاب))
١٦٩/١، ومثله قال الزمخشري في ((المفصّل)) ١/ ٤٥٦، وابن الأنباري في ((الإنصاف في مسائل الخلاف))
٦٥٩/٢، والقسطلاني في ((إرشاد الساري)) ٤٣٩/٧.