Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
سورة الإنسان
كتاب التفسير
الرَّاء وهو الأوجَهُ (١)، والمراد أنَّ بعض القُرّاء أجرَى ((سَلاسلاً)) وبعضهم لم يُحرِها؛ أي: لم
يَصِرِ فها، وهذا اصطلاح قديم يقولون للاسم المصروف: مُرِّى.
والكلام المذكور للفَرّاءِ، قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلَاً وَأَغْلَلًا﴾:
كُتِبَت ((سَلاسل)) بالألفِ وأجراها بعض القُرّاء مكان الألف التي في آخرها، ولم يُجْرِ
بعضُهم، واحتُجَّ بأنَّ العرب قد تُثبت الألف في النَّصب وتَحذِفها عند الوَصل، قال: وكلّ
صواب، انتھی.
ومُحُصَّل ما جاء من القراءات المشهورة في ((سَلاسل)): التَّنوين وعَدمُه، ومَن لم يُنْوِّن:
٠٠٠
منهم مَنْ لم يَقِفْ بالألف، ومنهم مَن وَقَفَ بها(٢)، ومنهم مَن وَقَفَ بها وبغيرها، فنافعٌ
والكِسائيّ وأبو بكر بن عيّاش وهشام بن عمَّار قَرَؤوا بالتَّنوين، والباقونَ بغير تنوينٍ،
فَوَقَفَ أبو عَمْرو بالألفِ، ووَقَفَ حمزةُ بغير ألف، وجاء مِثلُه في روايةٍ عن ابن كثير، وعن
حفص وابن ذَكْوانَ الوجهان.
أَمَّا مَن نَوَّنَ فعلى لغة مَن يَصرِف جميع ما لا يَنصَرِف، حكاها الكِسائيّ والأخفَش
وغيرهما، أو على مُشاكلة(٣) ((أغلالاً)).
وقد ذكر أبو عبيدة أنَّه رآها في إمام أهل الحجاز والكوفة ((سَلاسلاً) بالألفِ، وهذه ٦٨٥/٨
حُجّة مَن وقَفَ بالألفِ إتباعاً للَّسمِ، وما عَدا ذلك واضح، والله أعلم.
قوله: (﴿ مُسْتَطِيرًا﴾: مُمْتَدّاً البلاءُ)) هو كلام الفَرّاء أيضاً، وزادَ: والعرب تقول: استَطارَ
الصَّدْعُ في القارورة وشبهها واستَطالَ.
(١) ليس في المطبوع من ((المشارق)) ١/ ١٦٥ ترجيح القاضي عياض رواية الراء، إنما قال: وكلاهما
صحیح.
(٢) قوله: ((من لم يقف بالألف، ومنهم من وقف بها)) من (ع) وسقط من (أ) و(س).
(٣) المشاكلة في اللغة: المشابهة والمماثلة، وفي الاصطلاح: ذِكْر الشيء بلفظ غيرِه لوقوعه في صحبته أو سياقه، نحو
قوله تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي: أهمَلَهم، وذُكر الإهمال هنا بلفظ النسيان على سبيل المشاكلة
لوقوعه في صحبته. انظر ((المعجم الوسيط)) باب الشين.

٥٠٢
سورة الإنسان
فتح الباري بشرح البخاري
وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد عن قَتَادة قال: استَطارَ والله شَرُّه حتَّى مَلَأ السماء
والأرض.
ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: ﴿مُسْتَطِيرًا﴾ قال: فاشياً.
قوله: ((والقَمْطَرير: الشَّديدُ، يقال: يومٌ قَمْطَرير ويومٌ قُمَاطِرٍ، والعَبُوس والقَمْطَرِير والقُماطِر
والعَصِيب: أشَدُّ ما يكون من الأيام في البلاء)) هو كلام أبي عُبيدة بتمامه، وقال الفَرّاء: قَمطَرير،
أي: شديد، ويقال: يوم قَمطَرير ويوم قُماطِر.
وقال عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر عن قَتَادة: القَمطَرِير: تَقبيضُ الوجه، قال مَعمَر: وقال
قومٌ (٢): اليوم الشَّدید.
قوله: ((وقال الحسن: الُّضْرة في الوَجْه، والسُّرور في القَلْب)) سَقَطَ هذا هنا لغيرِ النَّسَفيّ
والجُرْجانيّ، وقد تقدَّم ذلك في صفة الجنَّة.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿الْأَرَِّكِ﴾: الشُّرُر)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيّ والجُرْجانيّ، وقد تقدَّم
أيضاً في صفة الجنَّة(٣).
قوله: ((وقال البراءُ: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا﴾: يَقْطِفِونَ كيف شاؤوا))(٤) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيّ وحده
أيضاً، وقد وَصَلَه سعيد بن منصور عن شَرِيك عن أبي إسحاق عن البراء في قوله: ﴿وَذُلِّلَتْ
قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا﴾ قال: إنَّ أهل الجنَّة يأكلونَ من ثمار الجنَّة قياماً وقُعوداً ومُضطَجِعِينَ وعلى
أي حال شاؤوا.
(١) في ((تفسيره)) ٢/ ٣٣٧. وفي المطبوع منه: بلفظ: ((تقبيض الحياة)) بدل: الوجه.
(٢) لفظ ((قوم)) من (ع)، وسقط من (أ) و(س).
(٣) هو والذي قبله بين يدي الحديث رقم (٣٢٤٠).
(٤) غفل الحافظ رحمه الله عن شرح قولِ مقاتل الوارد في ((الصحيح)) قبل قول الحسن، أو أنه سقط من
النسختين الخطّتين و(س)، ولعله من المفيد هنا ذِكرُ شرح الحافظ العيني له كما في ((عمدة القاري))
٢٧١/١٩ فقال رحمه الله بعد أن ذكر قول مقاتل: موضونة بقُضبان الدُّرِّ والذهب والفضَّة وألوان
الجواهر، ولم يثبت هذا أيضاً إلّا للنَّسَفي والجُرحاني. انتهى كلامه.

٥٠٣
سورة المرسلات
كتاب التفسير
ولابن أبي حاتم مِنْ طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: يأكلون وهم جلوس
وهم نيام وعلى أيِّ حالة شاؤوا(١) ..
ومن طريق مجاهد: إنْ قامَ ارتَفَعَت وإن قَعَدَ تَدَلَّت. ومن طريق قَتَادة: لا يَرُدّ أيديهم
عنها شَوْك ولا بُعدٌ.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿سَلْسَبِيلًا﴾: حَديد الجِرْية)) ثَبتَ هذا للنَّسَفيّ وحدَه، وتقدَّم في
صفة الجنَّة.
قوله: ((وقال مَعمَر: أَسْرَهم: شِدَّة الخَلْقِ، وكلُّ شيءٍ شَدَدْتَه من قَتَب وغَبِيطٍ فهو
مأسورٌ)) سقط هذا لأبي ذرِّ عن المُستَمْلِي وحدَه.
ومَعمَر المذكور: هو أبو عبيدة مَعمَر بن المثنَّى، وظَنَّ بعضهم أنَّه ابن راشد، فَزَعَمَ أنَّ
عبد الرَّزّاق أخرجه في ((تفسيره)) عنه، ولفظ أبي عُبيدة: ﴿أَسْرَهُمْ﴾: شِدَّةُ خَلْقِهم، ويقال
للفَرسِ: شديد الأَسْرِ؛ أي: شديد الخَلْق، وكلّ شيءٍ ... إلى آخر كلامِه.
وأمَّا عبد الرَّزّاق(٢) فإِنَّما أخرج عن مَعمَر بن راشد عن قَتَادة في قوله: ﴿وَشَدَدْنَآَ
أَسْرَهُمْ﴾ قال: خَلْقَهم. وكذا أخرجه الطَّبَريُّ من طريق محمَّد بن ثَور عن مَعمَر.
تنبيه: لم يُورِدْ في تفسير ﴿هَلْ أَقَ﴾ حديثاً مرفوعاً، ويَدخُل فيه حديث ابن عبّاس في
قراءتها في صلاة الصُّبح يوم الجمعة. وقد تقدَّم في الصلاة (٨٩١).
٧٧ - سورة ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾
﴿ِمَلَتٌ﴾(٣) [٣٣]: حِبالٌ.
(١) من قوله: ((ولابن أبي حاتم من طريق إسرائيل)) إلى هنا من (ع)، وسقط من (أ) و(س).
(٢) في ((تفسيره)) ٣٣٩/٢.
(٣) كذا وقع في النسخة اليونينية بكسر الجيم، وقال القسطلّاني في ((إرشاد الساري)) ٤٠٨/٧: وهذا إنما
يكون على قراءة رُوَيس: ((جُمالات)) بضمّ الجيم. وسبقه إلى ذلك العيني في ((عمدة القاري)) ١٩/ ٢٧٢،
فذکر نحو قوله.
٠

٥٠٤
سورة المرسلات
فتح الباري بشرح البخاري
وقال مجاهدٌ: ﴿أَرَكَعُواْ﴾ [٤٨]: صَلُّوا، ﴿لَا يَزْكَعُونَ﴾: لا يُصَلُّونَ.
وسُئِلَ ابنُ عبَّاسٍ: ﴿لَا يَنطِقُونَ﴾ [٣٥]، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿ اَلْيَّوْمَ
نَخْتِمُ عَلَىَّ أَفْوَهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥] فقال: إنَّه ذُو ألوانٍ، مرَّةً يَنْطِقون، ومرَّةً يُخْتَمُ عليهم.
قوله: ((سورة ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وللباقينَ: ((والمرسَلات)) حَسْب.
٦٨٦/٨
وأخرج الحاكم (٢/ ٥١١) بإسنادٍ صحيح عن أبي هريرة قال: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا﴾: الملائكة
أُرسِلَت بالمعروف.
قوله: (﴿ِمَلَتُ﴾: حِبالٌ)) في رواية أبي ذرٍّ: وقال مجاهد: ﴿چِمَلَتٌ﴾ حِبالٌ.
ووَقِعَ عند النَّسَفيّ والجُرْجانيّ في أوَّل الباب: وقال مجاهد: ﴿كِفَانًا﴾: أحياءً يكونونَ
فيها، وأمواتاً يُدفَنونَ فيها. ﴿فُرَاتًا﴾ عَذْباً ﴿حِمَلَتٌ﴾ حِبال الجُسور، وهذا الأخير وَصَلَه
الفِرْیابيُ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد بهذا.
ووَقَعَ عند ابن التِّين قول مجاهد: ﴿جِمَلَتٌ﴾: جِمال، يريد بكسر الجيم. وقيل: بضمِّها:
إبل سُود واحدها: جِمالة، وجِمالة جمع جَمَل، مِثل: حِجارة وحَجَر، ومَن قرأ ((جُمَالاتٌ)) ذهب
به إلى الحِبال الغِلَاظ، وقد قال مجاهد في قوله: ﴿حَّ يَلِجَ الْجُمَّلُ(١) فِ سَمِّ الْخِيَاطِ ﴾ [الأعراف:
٤٠]: هو حَبْل السَّفينة.
وعن الفَرّاء: الجِمالات: ما جُمِعَ من الحِبال، قال ابن التِّين: فعلى هذا يُقرأ في الأصل
بضمِّ الجیم.
قلت: هي قراءة نُقِلَت عن ابن عبّاس والحسن وسعيد بن جُبَير وقَتَادة، وعن ابن
عبَّاس أيضاً ((ُمالَة)) بالإفرادِ مضموم الأوَّل أيضاً، وسيأتي تفسيرها عن ابن عبّاس بنحوِ
ما قال مجاهد في آخر السّورة.
(١) كذا قرأها مجاهد بضم الجيم وتشديد الميم، فيما رواه عنه وعن سعيد بن جبير وغيرهما ابن جرير الطبري
في «تفسيره)) ١٨٠/٨- ١٨١. وانظر ((تفسير القرطبي)) ٢٠٧/٧.

٥٠٥
سورة المرسلات
كتاب التفسير
وأمَّا تفسير ﴿ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] فتقدَّم في الجنائز(١)، وقوله: ﴿قُرَاتًا﴾ [المرسلات:
٢٧]: عَذْباً، وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس. وكذا قال أبو
عُبيدة.
قوله: ((وقال مجاهد: اركَعُوا: صَلُّوا، لا يَرْكَعونَ: لا يُصَلّونَ)) سَقَطَ ((لا يَركَعونَ)) لغير أبي
ذرِّ.
وقد وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا قِلَ لَهُ أَرَّكَعُواْ:
قال: صَلُّوا.
قوله: ((وسُئِلَ ابن عبّاس: ﴿لَا يَنطِقُونَ﴾، ﴿ وَاللَّهِ رَبِنَ مَاكُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى
أَفْوَهِهِمْ﴾ فقال: إنَّه ذو ألوانٍ، مرَّةً يَنطِقونَ ومرَّةً يُخْتَم عليهم)) سَقَطَ لفظ: ((على أفواههم))
لغير أبي ذرِّ، وهذا تقدَّم شيءٌ من معناه في تفسير ((فُصِّلَت)) (٤٨١٦).
وأخرج عبد بن مُيدٍ من طريق عليّ بن زيد عن أبي الضُّحَى: أنَّ نافع بن الأزرق
وعَطيَّة أتيا ابن عبّاس فقالا: يا ابن عبّاس، أخبرنا عن قول الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ ﴾
وقوله: ﴿ ثُمَّإِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]، وقوله: ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّاً
مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقوله: ﴿وَلَا يَكْثُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، قال: ويحك يا ابنَ
الأزْرَق، إنَّه يومٌ طويلٌ وفيه مواقفُ، تأتي عليهم ساعةٌ لا يَنطِقُونَ، ثمَّ يُؤذَن لهم
فَيَخْتَصِمونَ، ثمَّ يكون ما شاءَ الله يَحِلِفِونَ ويَجِحَدونَ، فإذا فعلوا ذلك خَتَمَ الله على
أفواههم، وتُؤْمَر جَوارحُهم فتَشهَد على أعمالهم بما صَنَعوا، ثمَّ تَنطِقِ السِنْتُهم فيَشْهَدونَ
على أنفُسهم بما صَنَعوا، وذلك قوله: ﴿ وَلَا يَكْثُمُونَ اَللَّهَ حَدِيثًا ﴾.
وروى ابن مَرْدويه من حديث عبد الله بن الصّامت قال: قلت لعبد الله بن عَمْرو بن
العاص: أرأيتَ قولَ الله: ﴿هَذَابَوَُّ لَا يَنطِقُونَ﴾؟ فقال: إنَّ يوم القيامة له حالاتٌ وتاراتٌ،
في حالٍ لا يَنطِقُونَ، وفي حالٍ يَنطِقونَ. ولابنِ أبي حاتم من طريق مَعمَر عن قَتَادة قال: / ٦٨٧/٨
(١) بين يدي الحديث رقم (١٣٨٩).

٥٠٦
سورة المرسلات/ ح ٤٩٣٠-٤٩٣١
فتح الباري بشرح البخاري
إنَّه يومٌ ذو ألوانٍ.
٤٩٣٠ - حدَّثني محمودٌ، حدَّثنا عُبيدُ الله، عن إسرائيلَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن
عَلْقمةَ، عن عبدِ الله عنه، قال: كنّا معَ رسولِ اللهِّهِ، وَأَنْزِلَت عليه ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾ وإِنّا لَتَتَلَقّاها
من فيهِ، فخَرَجَت حَيَّةٌ، فابْتَدَرْناها فسَبَقَتْنا، فدَخَلَت جُحْرَها، فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((وُقِيَتْ
شَرَّكُم، كما وُقِيْتُمْ شََّها».
٤٩٣١ - حدَّثنا عَبْدةُ بنُ عبدِ الله، أخبرنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن منصور، بهذا.
وعن إسرائيلَ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله، مِثْلَه.
وتابَعَه أسوَدُ بنُ عامٍ، عن إسرائيلَ.
وقال حفصٌ وأبو معاويةَ وسليمانُ بنُ قَرْمِ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ.
وقال يحيى بنُ حَمَّدٍ: أخبرنا أبو عَوَانةَ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، عن عبدِ الله.
وقال ابنُ إسحاقَ: عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ الأسوَدِ، عن أبيه، عن عبدِ الله.
٤٩٣١ م- حدَّثنا قُتَيبةٌ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسوَدِ، قال: قال
عبدُ الله: بَينا نحنُ معَ رسولِ اللهِ لَهَ في غارٍ، إذ نَزَلَتْ عليه: ﴿وَالْمُرْسَتِ﴾ فَتَلَقَّيناها مِنْ فِيهِ،
وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بها، إذ خَرجَتْ حَيَّةٌ، فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((عليكُمُ اقتُلوها)) قال: فانْتَدَرْناها
فسَبَقَتْنا، قال: فقال: ((وُقِيَتْ شَرَّكم كما وُقِيتُمْ شَرَّها)).
قوله: ((حدَّثنا محمود)) هو ابن غَيْلان، وعُبيد الله بن موسى: هو من شيوخ البخاريّ،
لكنَّه أخرج عنه هذا بواسطةٍ.
قوله: ((كنَّا معَ النبيِّ وََّ)) في رواية جَرِير: في غار، ووَقعَ في رواية حفص بن غِيَاث كما
سيأتي(١): بِمِنَّى، وهذا أوْضَحُ(٢) ممّا أخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط))(٣) من طريق أبي وائل عن
(١) رواية حفص بن غياث سلفت برقم (١٨٣٠) وستأتي أيضاً برقم (٤٩٣٤)، وفيهما اللفظ المذكور.
(٢) كذا في الأصلين، ووقع في (س): أصح، بدل: أوضح.
(٣) لم نقف عليه في المطبوع من ((الأوسط))، وهو عنده في ((الصغير)) برقم (٥١٣).

٥٠٧
سورة المرسلات/ ح ٤٩٣٠-٤٩٣١
كتاب التفسير
ابن مسعود قال: بينما نحنُ عند النبيّ وَّ على حِراء.
قوله: ((فخَرَجَت)) في رواية حفص بن غياث الآتية (٤٩٣٤): إذ وَثَبَت.
قوله: ((فابْتَدَرْناها)) في رواية الأسوَدُ(١): فقال رسول الله وَّ: ((اقتُلوها))، فابتَدَرْناها.
قوله: ((فسَبَقَتْنا)) أي: باعتبار ما آل إليه أمرُها. والحاصل أنَهم أرادوا أن يَسْبِقوها فسَبَقَتهم.
وقوله: ((فابتَدَرناها)) أي: تَسابَقْنا أيُّنا يُدرِكها، فسَبَقَتنا كُلَّنا، وهذا هو الوجه، والأوَّل
احتمال بعیدٌ.
قوله: ((عن منصور بهذا، وعن إسرائيل عن الأعمَش عن إبراهيم)) يريد أنَّ يحيى بن آدم
زاد لإسرائيل فيه شيخاً، وهو الأعمش.
قوله: ((وتابَعَه أسوَد بن عامر عن إسرائيلَ)) وَصَلَه الإمام أحمد (٤٠٦٨) عنه به.
قال الإسماعيليّ: وافَقَ إسرائيلَ على هذا شَيْبَانُ والثَّورِيُّ ووَرْقَاءُ وشَرِيكٌ، ثمَّ وَصَلَه
عنهم.
قوله: ((وقال حفص وأبو معاوية وسليمان بن قَرْم عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسوَد))
يريد أنَّ الثلاثة خالَفوا رواية إسرائيلَ عن الأعمَش في شيخ إبراهيم، فإسرائيلُ يقول
عن الأعمَش: عَلْقمة، وهؤلاءٍ يقولون: الأسوَد. وسيأتي في آخر الباب أنَّ جَرِير بن
عبد الحميد وافَقَهم عن الأعمَش.
فأمَّا رواية حفص - وهو ابن غياث - فوَصَلَها المصنِّف، وستأتي بعد بابٍ (٤٩٣٤).
وأمَّا رواية أبي معاوية، فتقدَّم بيان مَن وَصَلَها في بَدْء الخلق (٣٣١٧). وكذا رواية
سليمان بن قَرْم، وهو بفتح القاف وسكون الرّاء: بصريّ ضعيف الحفظ، وتفرَّد أبو داود
الطَّيَالِسيّ بتسمية أبيه معاذاً (٢)، وليس له في البخاريّ سِوَى هذا الموضع المعلَّق.
(١) رواية الأسود سلفت برقم (١٨٣٠)، وستأتي برقم (٤٩٣٤) وفيهما اللفظ المذكور.
(٢) في عدَّة مواضع من («مسنده))، ولم نقف على هذا الحديث في المطبوع منه. وقال المِّي في (تهذيب الكمال))
٥١/١٢: ومنهم من يقول: سليمان بن معاذ، ينسبه إلى جدِّه. وقال الحافظ في ((تهذيبه)): لم يقل سليمان بن
معاذ إلّا الطيالسي وتبعه ابن عديّ، فإن كان معاذ اسم جدِّه فلم يخطئ.

٥٠٨
سورة المرسلات/ ح ٤٩٣٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وقال يحيى بن حمّاد: أخبَرَنا أبو عَوَانة عن مُغيرة)) يعني: ابن مِقسَم ((عن إبراهيم
عن عَلْقمة)) يريد أنَّ مُغيرة وافَقَ إسرائيلَ في شيخ إبراهيم وأنَّه عَلْقمة، ورواية يحيى بن حَمَّاد
هذه وَصَلَها الطبرانيُّ (١٠١٥٨) قال: حدَّثنا محمَّد بنُ عبد الله الحَضرَميّ، حدَّثنا الفضل بن
سهل، حدَّثنا يحيى بن حَمَّد به. ولفظه: كنّا معَ النبيّ ◌َّهِ بِمِنَّى فَأُنزِلَت عليه ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾،
الحديثَ. وحَكَى عياض أنَّه وَقَعَ في بعض النُّسَخ: وقال حمّاد: أنبأنا أبو عَوَانة، وهو غَلَط.
قوله: ((وقال ابن إسحاق: عن عبد الرّحمن بن الأسوَد عن أبيه عن عبد الله)) يريد أنَّ
للحديثِ أصلاً عن الأسوَد من غير طريق الأعمَش ومنصور. ورواية ابن إسحاق هذه
وَصَلَها أحمد (٤٣٧٧) عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق: حدَّثني
عبد الرّحمن بن الأسوَد. وأخرجها ابن مَرْدويه من طريق اللَّيث بن سعد عن يزيد بن أبي
حبيب عن محمّد بن إسحاق ولفظه: نزلت ﴿وَالْمُرْسَتِ عُرْفًا﴾ بحِرَاءٍ ليلةَ الحيَّة، قالوا: وما
ليلةُ الحيّة؟ قال: خرجت حَيَّةٌ فقال النبيّ وَّ: ((اقتُلوها))، فَتَغْيَّبَت في جُحْر، فقال:
((دَعُوها)) الحديثَ.
ووقع في بعض النُّسَخ: وقال أبو إسحاق، وهو تصحيف، والصَّواب: ابن إسحاق،
وهو محمَّد بن إسحاق بن يَسَار صاحب ((المغازي)). ثمَّ ساقَ الحديث المذكور عن قُتَيَبة
عن جَرِير عن الأعمش عن إبراهيم عن عَلْقمة بتمامه.
١ - باب قوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢]
٤٩٣٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، حدَّثَنَا سفيانُ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ عابِسٍ، قال: سمعتُ
ابنَ عبَّاسٍ: ((إِنَّهَا تَرمِي بِشَرَرٍ كالقَصَرِ (١)) قال: كنَّا نَرْفَعُ الخَشَبَ بِقِصَرٍ، ثلاثةَ أَذْرُع أو أقلَّ،
فَتَرفَعُه للشِّتاءِ، فَنُسمِّيهِ القَصَرَ.
[طرفه في: ٤٩٣٣]
(١) قال القسطلّاني في ((إرشاد الساري)) ٤٠٩/٧: بفتح القاف والصاد في الفرع مصلَّحة مصحَّحاً عليها
كاليونينية، وهي قراءة ابن عباس والحسن، جمع قَصَرة، بالفتح: أعناق الإبل والنخل وأصول الشجر.

٥٠٩
سورة المرسلات/ ح ٤٩٣٢
كتاب التفسير
٦٨٨/٨
قوله: (باب قوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾)) أي: قَدْرَ القَصْرِ.
قوله: ((كنَّا نَرفَعُ الخَشَبَ بِقِصَر)) بكسر الموخَّدة والقاف وفتح الصّاد المهمَلة وتنوين
الرَّاء وبالإضافة أيضاً (١)، وهو بمعنى الغاية والقَدْرِ، تقول: قَصْرُك وقُصَاراك من كذا: ما
اقتصرتَ علیه.
قوله: ((ثلاثة أذرُع أو أقلّ)) في الرِّواية التي بعد هذه: ((أو فوقَ ذلك)) وهي رواية المُستَمْلي
وحده.
قوله: ((فتَرفَعُه للشِّتاءِ فتُسمِّهِ القَصَر)) قال الخطّابِيُّ: هو القَصْر من قُصور جُفاة الأعراب.
وقال ابن التين: رُويَ قولُه: ((فنُسَمِّيه القصر)) (٢) بسكونِ الصّاد وبفتحها، وهو على
الثّاني جمع قَصَرة، أي: كأعناق الإبل، ويُؤْيِّده قراءة ابن عبّاس: ((كالقَصَرِ)) بفتحَتَينِ، وقيل:
هو أُصول الشَّجَر، وقيل: أعناق النَّخل.
وقال ابن قُتَيبة: القَصْرُ: البيتُ، ومَن فَتَحَ أراد أُصول النَّخل المقطوعة، شَبَّهَها بقَصَرِ
الناس؛ أي: أعناقهم، فكأنَّ ابن عبّاس فَسَّرَ قراءتَه بالفتح بما ذُكِرَ.
وأخرج أبو عُبيد من طريق هارون الأَعْورِ (٣) عن حُسَين المعلِّم عن أبي بشر عن
سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس: ﴿بِشَرَرٍ كالقَصَرِ﴾ بفتحَتَينِ، قال هارون: وأخبرنا أبو
عَمْرو: أنَّ سعيداً وابن عبّاس قَرآ كذلك، وأسنَدَه أبو عُبيد عن ابن مسعود أيضاً
بفتحتَينِ.
وأخرج ابن مَرْدويه من طريق قيس بن الرَّبيع عن عبد الرَّحمن بن عابس: سمعت ابنَ
(١) كذا ضبطها الحافظ هنا، ومثله العيني في ((عمدة القاري)) ٢٧٤/١٩، ولكنها ضُبطت في أصل النسخة
اليونينية و((إرشاد الساري)) ٧/ ٤٠٩ بفتح القاف والصاد المهملة والتنوين مصححاً عليها في الفرع،
وكذا ضبطها القاضي عياض في (المشارق)) ٢/ ١٨٧، وذكر أنَّ ما وقع في رواية أبي ذرّ لا وجه له.
(٢) من قوله: ((قال الخطابي: هو القصر ... )) إلى هنا من (ع)، وسقط من (أ) و(س).
(٣) كذا في الأصلين على الصواب، وتحرَّف في (س) إلى: الأعرج. وهارون هذا: هو ابن موسى الأزدي
العَتَكي، أبو عبد الله، ويقال: أبو موسى النحوي البصري الأعور.

٥١٠
سورة المرسلات/ ح ٤٩٣٣
فتح الباري بشرح البخاري
عبَّاس: كانت العرب تقول في الجاهليّة: اقصُروا لنا الخَطَب، فيُقطَع على قَدْر الذِّراع
والذِّراعَينِ.
وقد أخرج الطبرانيُّ في ((الأوسط)) (٩١٢) من حديث ابن مسعود في قوله تعالى:
﴿إِنَّهَ تَرْبِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ قال: ليست كالشَّجَرِ والجبال، ولكنَّها مِثل المدائن
والحُصون.
٢- باب قوله: ﴿كَنَّهُ جِمَلَتُ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]
٤٩٣٣- حدَّثني عَمْرو بنُ عليٍّ، حذَّثنا يحيى، أخبرنا سفيانُ، حدَّثني عبدُ الرَّحمنِ بنُ
عابسٍ، سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿إِنَّهَا تَرْبِى بِشَرَرٍ كالقَصَرِ﴾: كنَّا نَعْمِدُ إلى
الخَشَبِ ثلاثةَ أُذْرُع وفَوْق ذلك، فَنَرْفَعُه للشِّتاءِ، فَنُسَمِّيه القَصَرَ، ﴿كَنَّهُ جِمَلَتُ صُفْرٌ﴾: حِبَالُ
السُّفُن ◌ُجمَعُ، حتَّى تكونَ كأوْساطِ الرِّجال.
قوله: ((باب قوله: ﴿كَنَّهُ حِمَلَتُ صُفْرٌ﴾)) ذكر فيه الحديث الذي قبلَه من طريق يحيى:
وهو القَطّانُ، أخبرنا سفيان: وهو الثَّوريُّ.
قوله: ((ثلاثةَ أذْرُع) زاد المُستَمْلي في روايته: أو فوقَ ذلك.
قوله: ((﴿كَأَنَّهُ جِمَلَتُ صُفْرٌ﴾: حِبال السُّفُن تُجمَع)) أي: يُضَمّ بعضُها إلى بعض ليقوَى
((حتَّى تكونَ كأوْساطِ الرِّجال)» قلت: هو من تَّتِمّة الحديث، وقد أخرجه عبد الرَّزّاق عن
الثَّوريّ(١) بإسناده، وقال في آخره: وسمعت ابن عبّاس يُسأل عن قوله تعالى: ﴿كَنَّهُ جِمَلَهُ
صُفْرٌ﴾ قال: حِبال السُّفُن يُجمَع بعضُها إلى بعض حتَّى تكون كأوساطِ الرِّجال. وفي رواية
قيس بن الرَّبيع عن عبد الرّحمن بن عابس(٢)، [عن ابن عباس]: هي القَلُوص التي تكون
في الجُسور. والأوَّل هو المحفوظُ.
(١) في («تفسيره)) ٣٤١/٢.
(٢) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: عباس. وما بين المعقوفين زيادة مقتضاة سقطت عند الجميع، ولم نقف
على هذه الرواية فيما بين أيدينا من المصادر.

٥١١
سورة النبأ / ح ٤٩٣٤
كتاب التفسير
٣- بابٌ
﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]
٤٩٣٤- حدَّثنا عمرُ بنُ حفص، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمَشُ، حذَّثني إبراهيمُ عن الأسوَدِ،
عن عبدِ الله، قال: بينَمَا نحنُ معَ النبيِّ وَّه في غارٍ، إِذْ نَزَلَت عليه: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ﴾ فإِنَّه لَيَلُوها،
وإنّ لَأَتْلَقّاها من فِيهِ، وإنَّ فاهُ لَرَطْبٌ بها، إذ وَثَبَت علينا حَيَّةٌ، فقال النبيُّ ◌ََّ: ((اقْتُلوها))
فابْتَدَرْناها، فَذَهَبَت، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((وُقِيَتْ شَرَّكُم، كما وُقِيْتُمْ شَرَّها)).
قال عمرُ: حَفِظتُهُ من أبي: في غارٍ بِمِنَّی.
قوله: ((بابٌّ ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ﴾)) ذَكَر فيه حديث عبدِ الله بن مسعود في الحيَّة.
٦٨٩/٨
قوله فيه: ((إذ وَثَبَتَ)) في رواية الكُشْمِيهنيٍّ: إذ وَثَبَ، بالتَّذكير، وكذا قال: ((اقتلوه)).
قوله: ((قال عمر)) هو ابن حفص شيخ البخاريّ.
قوله: ((حَفِظُهُ من أبي)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: حَفِظْتُ(١).
قوله: ((في غار بمِنَّى)) يريد أنَّ أباه زاد بعد قوله في الحديث: ((كنّا معَ النبيِّ ◌َّ): في غارٍ
بِمِنَّى، وهذه الزّيادة قد تقدَّم أنَّها وقَعَت أيضاً في رواية المغيرة عن إبراهيم (٤٩٣١).
٧٨ - سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾
﴿لَا يَرْجُونَ حِسَابً﴾: لا يخافونَه.
﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾: لا يُكلِّمونَه إِلَّ أن يأذَنَ لهم.
﴿صَوَابًا﴾: حَقًّ في الدُّنيا وعَمِلَ به.
وقال ابن عباس: ﴿تَجَّاجًا﴾: مُنصَبّاً.
﴿اَلْفَافًا﴾: مُلْتَفَّةً.
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿وَهَاجَا﴾: مُضِيئاً.
(١) كذا في (ع) على الصواب، ووقع في (أ) و(س): حفظته.

٥١٢
سورة النبأ
فتح الباري بشرح البخاري
﴿دِهَاقًا ﴾ مُمتَلئاً.
﴿كَواعِبَ﴾: نَواهِدَ.
وقال غيرُه: ﴿غَسّاقاً﴾: غَسَقَت عَينُهُ، ويَغْسِقُ الجُرْحُ: يَسِيلُ، كأنَّ الغَسّاقَ والغَسِيقَ
واحدٌ.
﴿عَطَآءَ حِسَابًا﴾ [٣٦]: جزاءً كافياً، أعطاني ما أحسَبَني؛ أي: كَفَاني.
قوله: ((سورة ﴿عَمَّ يَتَسَآءَ لُونَ﴾)) قرأ الجمهور ﴿عَمَّ﴾ بميم فقط، وعن ابن كثير رواية
بالهاءِ وهي هاءُ السَّكت، أجرَى الوصل مَجَرَى الوقف، وعن أبيّ بن كعب وعيسى بن عمر
بإثبات الألف على الأصل، وهي لغةٌ نادرة، ويقال لها أيضاً: سورة النَّبأ.
قوله: ((﴿لَا يَرَجُونَ حِسَابً﴾: لا يَخافُونَه)) كذا في رواية أبي ذرٍّ، ولغيره: وقال مجاهد؛
فذكره، وقد وَصَلَه الفِرْیابيُّ من طريق مجاهد كذلك.
قوله: (﴿لَا يَلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾: لا يُكلِّمونَه إلّا أن يأذَنَ لهم)) كذا للمُستَمْلِي، وللباقينَ: لا
يَملِكونَه، والأوَّل أوجَهُ، وسأُبِّنُه في الذي بعده.
قوله: ((﴿صَوَابًا﴾: حَقّاً في الُّنْيا وعَمِلَ به)) ووقع لغير أبي ذرِّ نسبة هذا إلى ابن عبّاس
كالذي بعده، وفيه نظر فإنَّ الفِرْيابيّ أخرجه من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله:
﴿لَا ◌َلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ قال: كلاماً إلّا مَن ﴿قَالَ صَوَابًا﴾ قال: حَقّاً في الدُّنيا وعَمِلَ به.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿فَجَّاجًا﴾: مُنصَبّا)) ثَبتَ هذا للنَّسَفيّ وحدَه، وقد تقدَّم في
المزارَعة(١).
قوله: ((﴿أَلْفَافًا﴾: مُلْتَفّة)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيّ وحدَه، وهو قول أبي عُبيدة.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿وَهَاجَا﴾: مُضيئًا)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي
طلحة عن ابن عبّاس.
(١) هذا وهمٌ من الحافظ رحمه الله، لأنَّ الذي تقدم هو قوله: ((﴿أُجَاجًا﴾: منصبًا)) في أول كتاب المساقاة قبل
الحديث (٢٣٥١)، ولم يقع شيء من ذلك في كتاب المزارعة.

٥١٣
سورة النبأ / ح ٤٩٣٥
كتاب التفسير
قوله: (﴿دِهَاقًا﴾: مُمْتَلِئاً ﴿كَوَاعِبَ﴾: نَواهِدَ)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيّ وحدَه، وقد تقدَّم في بَدْء
الخلق(١).
قوله: ((وقال غيرُه: ﴿غَسّاقاً﴾: غَسَقَت عَينُهُ)) سَقَطَ هذا لغير أبي ذرٍّ، وقد تقدَّم في بَدْء
الخلق(٢). وقال أبو عبيدة: يقال: تَغسِقُ عَينُه؛ أي: تَسِيل ..
ووَقعَ عند النَّسَفيّ والجُرْجانيّ: وقال مَعمَر؛ فَذَكَره، ومَعمَر: هو أبو عُبيدة بن المثنَّى
المذكور.
قوله: ((ويَغْسِقُ الجُرْحِ: يَسِيلُ، كأنَّ الغَسّاقَ والغَسِيقَ واحدٌ)) تقدَّم بيان ذلك في بَدْء
الخلق، وسَقَطَ هنا لغیر أبي ذرٍّ.
قوله: (﴿عَطَآءَ حِسَابًا﴾: جزاءً كافياً، أعطاني ما أحْسَبَي؛ أي: كَفَاني)) قال أبو عبيدة في قوله
تعالى: ﴿عَطَآءَ حِسَابًا﴾، أي: جزاءً، ويجيء حِساباً كافياً، وتقول: أعطاني ما أحسَبَي، أي: كَفَاني.
وقال عبد الرَّزّاق(٣) عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿عَطَاءَ حِسَابًا﴾ قال: كثيراً.
١- بابٌ
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ فَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [عم:١٨]: زُمَراً
٤٩٣٥- حدَّثنا محمَّدٌ، أخبرنا أبو معاويةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ
﴿به، قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((ما بينَ النَّفْخَتَينِ أربعونَ)) قال: أربعونَ يوماً؟ قال: أبَيْتُ، قال:
أربعونَ شَهْراً؟ قال: / أبَيْتُ، قال: أربعونَ سَنةً؟ قال: أَبَيْتُ، قال: ((ثُمَّ يُنزِلُ اللهُ مِن السماءِ ماءً، ٦٩٠/٨
فيَنْبُونَ كما يَنْبُتُّ البَقْلُ، ليس مِن الإنسانِ شيءٌ إلَّا يَبْلَى إِلَّا عَظْماً واحداً، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ،
ومنه يُركَّبُ الخَلْقُ يومَ القيامةِ)).
قوله: ((بابٌّ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِىِ الضُّورِ فَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾: زُمَراً)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق ابن
(١) بين يدي الحديث رقم (٣٢٤٠).
(٢) بين يدي الحديث رقم (٣٢٥٨).
(٣) في («تفسيره)) ٢/ ٣٤٣.

٥١٤
سورة النازعات/ ح ٤٩٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿فَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ قال: زُمَراً زُ مَراً.
ذكر فيه حديث أبي هريرة: «ما بين النَّفَخَتَينِ أربعونَ)) وقد تقدَّم شرحه في تفسير الزُّمَر
(٤٨١٤).
وقوله: ((أَبَيْتُ)) بضمٌّ؛ أي: أن أقولَ ما لم أسمَعْ، وبالفتح؛ أي: أن تَعرِفَ(١) ذلك فإنَّه
غَیبٌ.
٧٩ - سورة ﴿وَالنَّزِعَتِ
﴿زَجْرَةٌ﴾: صَيْحةٌ.
وقال مجاهدٌ: ﴿َتَرْجُفُ الرَّاحِفَةُ﴾: هي الزَّلْزَلَةُ.
وقال مجاهدٌ: ﴿الَآَيَةَ الْكُبْرَى﴾: عَصاهُ ویَدُه.
﴿َسَمِّكَهَا﴾: بناها بغير عَمَدٍ.
﴿طَغَى﴾: عَصَى.
يقال: الناخِرةُ والنَّخِرةُ سواءٌ، مِثلُ: الطّامِعِ والطَّمِعِ، والباخِلِ والبَخِيلِ. وقال بعضُهم:
النَّخِرةُ: الباليةُ، والناخِرةُ: العَظْمُ المجَوَّفُ الذي تَمُّ فيه الرِّيحُ فِيَنْخَرُ.
﴿يَالسَّاهِرَةِ﴾: وَجْهُ الأرضِ، كأنَّهَا سُمِّيَت بهذا الاسمِ، لأنَّ فيها الحيوانَ: نَومَهم وسَهَرَهم.
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿اَلْحَافِرَةِ﴾: إلى أَمْرِنا الأوَّلِ إلى الحياةِ ﴿الرَّاجِفَةُ﴾: النَّفخةُ الأُولى
تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴾: النَّفْخَةُ الثانيةُ.
وقال غيرُه: ﴿أَيََّنَ مُّسَهَا﴾: متى مُنتَهاها، ومُرْسَى السَّفِينةِ: حيثُ تَنتَهِي.
٤٩٣٦- حدّثنا أحمدُ بنُ المِقْدام، حدَّثنا الفُضَيلُ بنُ سليمانَ، حدَّثنا أبو حازِم، حدَّثنا سَهْلُ
ابنُ سعدٍ ◌ُه، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ وَّهِ قال بإصْبَعَيْهِ هكذا، بالوُسْطَى والتي تَلي الإبهامَ:
((بُعِثْتُ والساعةُ كهاتَينٍ)).
[طرفاه في: ٥٣٠١، ٦٥٠٣]
(١) كذا في الأصلين، وتحرَّف في (س) إلى: أعرف.

٥١٥
سورة النازعات/ ح ٤٩٣٦
كتاب التفسير
قالَ ابنُ عبَّاس: ﴿وَأَغْطَشَ﴾: أَظْلَمَ.
﴿اَلْكَامَّةُ﴾: تَطُمُّ على كلِّ شيءٍ.
قوله: ((سورة ﴿وَالنَِّعَتِ﴾)) كذا للجميعِ.
قوله: ((﴿زَجْرَةٌ﴾: صَيْحة)) ثَبتَ هذا للنَّسَفيّ وحدَه، وقد وَصَلَه عبد بن حُيدٍ من
طريقه.
قوله: ((وقال مجاهدٌ: ﴿تَرْجُفُ الرَّحِفَةُ﴾: هي الزَّلزَلة)) ثَبتَ هذا للنَّسَفيّ وحدَه، وقد وَصَلَه
عبد بن محُميدٍ من طريقه بلفظ: تَرجُفُ الأرضُ والجبال، وهي الَّلزَلة.
قوله: «وقال مجاهد: ﴿ الْآَيَةَ الْكُبْرَى﴾: عَصاه ويَده» وَصَلَه الفِرْیابيُّ من طريق ابن أبي
نَجِيح عن مجاهد، بهذا. وكذا قال عبد الرَّزاق عن مَعمَر عن قَتَادة، مِثلَه.
قوله: (﴿سَمَّكَهَا﴾: بناءَها بغيرِ عَمَد)) ثَبَتَ هذا هنا للنَّسَفيّ وحده، وقد تقدَّم في بَدْء
الخَلْق (١).
قوله: ((﴿طَغَى﴾: عَصَى)) ثَبتَ هذا للَّسَفيّ وحدَه. وقد وَصَلَه الفِرْیابيُّ من طريق مجاهد،
به.
قوله: ((الناخرةُ والنَّخِرة سواءٌ، مِثْل: الطّامِعِ والطَّمِعِ والباخلِ والبخيلِ)) قال أبو عُبيدة في
قوله تعالى: ﴿عِظَامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: ١١]: ناخِرة ونَخِرة سواءٌ. وقال الفَرّاء مِثلَه، قال:
وهما قراءتان أجوَدُهما: ((ناخِرَة)) ثمَّ أسندَ عن ابن الزُّبَير أنَّه قال على المِنْبَرَ: ما بالُ صِبيان
يَقْرَؤُونَ ﴿تَخِرَةُ﴾؟ إنَّما هي ((ناخِرَة)). قلت: قرأها (نَخِرَة» بغير ألِف جمهور القُرّاء، وبالألفِ
الكوفيّونَ، لکن بخُلْفٍ عن عاصم.
تنبيه: قوله: ((والباخِل والبَخِيل))(٢) في رواية الكُشْمِيهنيِّ بالنّونِ والحاء المهمَلة فيهما،
ولغيره بالموحّدة والمعجَمة وهو الصَّواب، وهذا الذي ذكره الفَرّاء قال: هو بمعنى الطامع
(١) بين يدي الحديث رقم (٣١٩٥).
(٢) تحرف في (س) إلى: البخل.

٥١٦
سورة النازعات/ ح ٤٩٣٦
فتح الباري بشرح البخاري
والطَّمِع والباخِل والبخيل.
وقوله: ((سواءٌ)) أي: في أصل المعنى، وإلّا ففي ﴿أَخِرَةُ﴾ مُبالَغة ليست في ((ناخِرَة)).
قوله: ((وقال بعضُهم: النَّخِرة: الباليةُ، والناخِرةُ: العَظْم المجَوَّف الذي تَمُرُّ فيه الرِّيحُ
فيَنْخَرُ)) قال الفَرّاءِ: فَرَّقَ بعض المفسِّرِينَ بين الناخِرة والنَّخِرة فقال: النَّخِرة: البالية،
والناخرة: العظم المجوَّف الذي تمرُّ فيه الرّيح فيَنخَر. والمفسِّر المذكور هو ابن الكَلْبِيّ، فقال
أبو الحسن الأثرَم الراوي عن أبي عُبيدة: سمعت ابنَ الكَلْبِيّ يقول: نَخِرة: يَنخَر فيها
الرّيح، وناخرة: بالية. وأنشَدَ لرجلٍ من نِهِمِ (١) يُخَاطِب فَرسَه في يوم ذي قارٍ حين تَحَارَبَت
العرب والفُرس:
أقدِم نَجاحُ إِنَّهَا(٢) الأساوِرَهْ فإنَّمَا قَصْرُك تُرْبُ الساهِرِهْ
ثمَّ تعودُ بعدَها في الحافِرِهْ من بعدٍ ماكُنتَ عِظاماً ناخِرِهْ
أي: بالية.
٦٩١/٨ قوله: (﴿بِالسَّاهِرَةِ﴾: وَجْه الأرض، كأنَّهَا سُمّيَت بهذا الاسم، لأنَّ فيها الحيوانَ: نَومَهم
وسَهَرَهم)) ثَبَتَ هذا هنا للنَّسَفيّ وحدَه، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق(٣)، وهو قول الفَرّاء
بلفظه.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: ﴿الْحَافِرَةِ﴾: إلى أمرنا الأوَّل، إلى الحياة)) وَصَلَه ابن جَرِير (٣٤/٣٠)
(١) تحرَّف في الأصلين و(س) إلى: ((فهم)) بالفاء، والصحيح ما أثبتناه، وبنو نِهِم بطن من همدان كما في
((الأنساب)) ٥٤٦/٥، وجاء في ((تاج العروس)) مادة (نهم): ونِهِمٌ، بالكسر أبو بطن من همدان. وهذا
الخبر أورده ابن دريد في ((الاشتقاق)) ٣١٦/١ عن ابن الكلبي مع أبيات الشعر، وعزاها لرجل قالها يوم
القادسية، وكذا في ((الأمالي)) لأبي علي القالي ٢٨/١.
(٢) كذا في (س)، وتحرف في الأصلين إلى: أقدم مخارج، ووقع في ((الاشتقاق)) لابن دريد: أخانِهم، وكذا في
((اللسان)) مادة (نخر). وفي بعض المصادر: أقدِم مِحَاج، كما في ((تفسيري)) الطبري ٣٦/٣٠، والقرطبي
١٩٩/١٩.
(٣) بین یدي الحديث رقم (٣١٩٥).

٥١٧
سورة عبس
كتاب التفسير
من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿الْحَافِرَةِ﴾ يقول: الحياة.
وقال الفَرّاء: الحافرة: يقول إلى أمرنا الأوَّل، إلى الحياة. والعرب تقول: أتيت فلاناً ثمّ
رجعتُ على حافِرَتي(١)، أي: من حيثُ جِئت. قال: وقال بعضهم: الحافرة: الأرض التي
تُحِفَر فيها قُبُورهم، فسَمّها الحافرة؛ أي: المحفورة، كماءٍ دافقٍ، أي: مَدْفُوق.
قوله: (﴿الرّاجِفَةُ﴾: النَّفْخة الأولى ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾: النَّفْخة الثّانية) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٣٠/
٣١) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُهُ الرَّاجِفَةُ﴾: النَّفخة الأولى
﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾: النَّفخة الثّانية.
قوله: ((وقال غيرُه: ﴿أَيََّنَ مُرُّسَهَا﴾ متى مُنتَهاها؟ ومُرْسَى السَّفينة حيثُ تَنتهي)) قال أبو عبيدة في
قوله تعالى: ﴿أَيََّنَ مُرُّسَهَا﴾: متى مُنتَهاها؟ قال: ومُرساها: مُنتَهاها ... إلى آخره.
ثمَّ ساقَ حديث سهل بن سعد: ((بُعِثتُ والساعة - بالرَّفع والنَّصب - كهاتَينٍ))، وسيأتي
شرحه في الرِّقاق (٦٥٠٣).
قوله: ((قال ابن عبّاس: ﴿ وَأَغْطَشَ﴾ [٢٨]: أَظْلَمَ)) ثَبَتَ هذا للنَّسَفيّ وحدَه. وقد تقدَّم في
بَدْء الخلق(٢).
قوله: (﴿الطَّمَةُ﴾: تَطُمُّ على كلّ شيء)» ووَقَعَ هذا للنَّسَفيّ مُقدَّماً قبلَ باب، وهو قول
الفَرّاء، قال في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّمَّهُ﴾: هي القيامة تَطُمُّ كلّ شيءٍ.
ولابنِ أبي حاتم من طريق الرَّبيع بن أنس: ﴿الطَّمَّةُ﴾: هي الساعة طَمَّت كلَّ داهية.
٨٠- سورة ﴿عَسَ﴾
بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
﴿عَبَسَ وَتَوَ﴾: كَلَحَ وأعرَضَ.
(١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: حافري، وما أثبتناه هو الصحيح، وانظر ((معاني القرآن)) للفرّاء ١٧٩/٥،
و ((اللسان» مادة (حفر).
(٢) بين يدي الحديث رقم (٣١٩٩).

٥١٨
سورة عبس/ ح ٤٩٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
﴿مُطَهَرَةِ﴾ [١٤]: لا يَمَسُّها إِلَّ المطهّرونَ، وهمُ الملائكةُ، وهذا مِثلُ قولِهِ: ﴿ فَالْمُدََِّّتِ أَمْرًا﴾
[النازعات:٥]، جَعَلَ الملائكةَ والصُّحُفَ مُطَهَّرَةً، لأنَّ الصُّحُفَ يَقَعُ عليها التَّطْهِيرُ، فَجُعِلَ
التَّطِهِيرُ لمن ◌َمَلَها أيضاً.
قال مجاهد: الغُلْبُ: المُلتَفَّةُ، والأَبُّ: ما يأكلُ الأنعامُ.
﴿َسَفَرَقِ﴾: الملائكةُ، واحدُهم: سافِرٌ. سَفَرْتُ: أصلَحْتُ بينَهم. وُجُعِلَتِ الملائكةُ إذا نَزَلت
بوَحْي الله وتأْدِيِهِ، كالسَّغِير الذي يُصلِحُ بينَ القومِ.
﴿تَصَدَّى﴾ [٦]: تَغافَلَ عنه.
وقال مجاهدٌ: ﴿لَمَّايَقْضِ﴾ [٢٣]: لا يَقْضِ أحدٌ ما أُمِرَ به.
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿تَرْفَقُهَا﴾ [٤١]: تَغْشاها شِدّةٌ.
﴿ُسْفِرَةٌ ﴾ [٣٨]: مُشْرِقَةٌ.
﴿بِأَيَدِى سَفَرَةِ﴾ [١٥]: قال ابنُ عبَّاسٍ: كَتَبَةٍ.
﴿أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]: كُباً.
﴿فَلَقَى﴾ [١٠]: تَشاغَلَ.
يقال: واحدُ الأسفارِ: سِفْرٌ.
﴿فَأَقْرَهُ﴾ [٢١]، يقال: أقبَرَتُ الرَّجلَ: جَعَلْتُ له قَبْراً، وقَبَرَتُهُ: دَفَتُه.
٤٩٣٧- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا قَتَادةُ، قال: سمعتُ زُرَارةَ بنَ أَوْفَى يُحدِّثُ عن
سعدِ بنِ هشامٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: «مَثَلُ الذي يقرأُ القرآنَ وهو حافظٌ له، معَ
السَّفَرةِ الكِرامِ، ومَثَلُ الذي يقرأُ وهو يَتَعَاهَدُه وهو عليه شديدٌ، فلَه أجْرانِ)).
٦٩٢/٨
قوله: ((سورة ﴿عَبَسَ﴾ - بِسْمِ الهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) سَقطَت البسملة لغير أبي ذرِّ.
قوله: (﴿عَبَسَ وَتَوََّ﴾: كَلَحَ وأعرَضَ)) أمَّا تفسير ((عَبَسَ)) فهو لأبي عُبيدة، وأمَّا تفسير
(تَوَلَّ)) فهو في حديث عائشة الذي سأذكرُه بعدُ، ولم يختلف السَّلَف في أنَّ فاعل ((عَبَسَ))
هو النبيُّ وَّه وأغرَبَ الدَّاووديّ فقال: هو الكافر.

٥١٩
سورة عبس / ح ٤٩٣٧
كتاب التفسير
وأخرج التِّرمِذيّ (٣٣٣١) والحاكم (٥١٤/٢) من طريق يحيى بن سعيد الأُمَويّ،
وابن حِبّان (٥٣٥) من طريق عبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن هشام بن عُرْوة عن أبيه
عن عائشة قالت: نزلت في ابن أمّ مَكْتوم الأعمى فقال: يا رسولَ الله، أرشِدْني - وعند
النبيِّ نَّه رجلٌ من عُظَماء المشرِكِينَ - فَجَعَلَ النبيُّ وَلَه يُعرِض عنه ويُقبِل على الآخَرِ،
فيقول له: ((أترَى بما أقولُ بأساً؟)) فيقول: لا، فنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوََّ﴾، قال التِّرمِذيّ: حسنٌ
غريبٌ، وقد أرسَلَه بعضُهم عن عُرْوة لم يَذكُر عائشة.
وذكر عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر عن قَتَادة: أنَّ الذي كان يُكلِّمه أبيّ بن خَلَف. وروى
سعید بن منصور من طريق أبي مالك: أنَّه أُميَّة بن خلف. وروى ابن مردويه من حدیث
عائشة: أنَّه كان يُخاطِب عُتبةَ وشَيْبة ابنَي ربيعة. ومن طريق العَوْفيّ عن ابن عبّاس قال:
عُتبة وأبو جهل وعيّاش. ومن وجه آخر عن عائشة: كان في مَجَلِس فيه ناسٌ من وُجوه
المشرِكينَ منهم أبو جهل وعُتبة، فهذا يجمع الأقوالَ.
قوله: ((﴿قُطَهَّرَةِ﴾: لا يَمَسُّها إلّ المُطَهَّرونَ: وهم الملائكةُ)) في رواية غير أبي ذرٍّ: وقال
غيره: مُطَهَّرة ... إلى آخره، وكذا للنَّسَفيّ، وكان قال قبل ذلك: وقال مجاهد؛ فذَكَر الأثرَ
الآتي ثمّ قال: وقال غیرُه.
قوله: ((وهذا مِثلُ قولِه: ﴿فَالْمُدََِّّتِ أَمْرًا ﴾)) هو قول الفَرّاء، قال في قوله تعالى: ﴿فُِحُفٍ
أُكَرَّةٍ فَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةِ﴾: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ وهم الملائكة، وهذا مِثل قوله تعالى:
﴿فَالْمُدََّتِ أَمْرًا﴾.
قوله: ((جَعَلَ الملائكةَ والصُّحُفَ مُطَهَّرةَ لأَنَّ الصُّحُفَ يَقَع عليها التَّطْهيرُ، فجُعِلَ التَّطهيرُ
لمن ◌َمَلَها أيضاً)) هو قول الفَرّاء أيضاً.
قوله: ((وقال مجاهد: الغُلْب: المُلتَفّة، والأَبُّ: ما يأكل الأنعامُ)) وَقَعَ في رواية النَّسَفيّ
وحدَه هنا، وقد تقدَّم في صفة الجنَّة(٢).
(١) في (تفسيره)) ٣٤٨/٢.
(٢) بل في ((باب في النجوم)) بعد الحديث رقم (٣١٩٨).

٥٢٠
سورة عبس / ح ٤٩٣٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((﴿سَفَرَةِ﴾: الملائكةُ، واحدُهم سافِرٌ، سَفَرْتُ: أصلَحْتُ بينهم، وجُعِلَت الملائكة إذا
°
نزلت بوَحْي الله وتأدِيبِهِ كالسَّفيرِ الذي يُصلِح بين القوم)» هو قول الفَرّاء بلفظه، وزادَ: قال
الشّاعر:
وما أدَعُ السِّفارةَ بين قَوْمي وما أَمشي بغِشٍّ إن مَشَيتُ(١)
وقد تَمَسَّكَ به مَن قال: إنَّ جميع الملائكة رُسُل الله، وللعلماءِ في ذلك قولان، الصَّحيح
أنَّ فيهم الرُّسُل وغير الرُّسُل، وقد ثَبَتَ أنَّ منهم الساجدَ فلا يقوم، والرَّاكعَ فلا يَعتَدِل،
الحديثَ(٢). واحتَجَّ الأوَّل بقوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، وأُجيبَ بقولِ الله
تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلًاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].
قوله: (﴿تَصَدَّى﴾: تَغْافَلَ عنه)) في رواية النَّسَفيّ: وقال غيره ... إلى آخره، وسَقَطَ منه
شيءٌ.
والذي قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ أي: تَتَعرَّض له، ﴿فَلَغَّى﴾: تَغَافَلُ
عنه، فالساقط لفظ ((تتعرَّض له)) ولفظ ((تَلَهَّى)). وسيأتي تفسير ﴿فَلَقَّى﴾ على الصَّواب، وهو
بحذفٍ إحدى التاءَينِ في اللَّفظتَينِ، والأصل: تَتَصَدَّى وتَتَلَهَى.
وقد تَعقَّبَ أبو ذرِّ ما وَقَعَ في البخاريّ فقال: إنَّما يقال: تَصَدَّى للأمرِ: إذا رَفَعَ رأسَه
إليه، فأمَّا تَغافَلَ فهو تفسير ﴿فَلَقََّ﴾.
(١) هذا البيت للشاعر موسى بن جابر الحنفي، من مخضرمي الجاهلية والإسلام، من أهل اليمامة، كان
نصرانيّاً يقال له: أُزيرق اليمامة، ويُعرَف بابن الفُريعة، أو بابنِ ليلى، وهي أمه. وفي ((حماسة أبي تمام)) عدَّة
مختارات من شعره. انظر ترجمته في ((معجم الشعراء)) (ذكر مَن اسمه موسى) للمرزباني، حيث أورد له
هذا البيت مع أبيات أخرى.
(٢) لم نقف على هذا الحديث باللفظ المذكور إلّا ما وقع عند أحمد في ((الزهد)) ص ٨٢، وفي ((العظمة)) لأبي
الشيخ (٢٣١) عن وهب بن منبه من قوله مطوّلاً وفيه: منهم الساجد، ومنهم القائم، لم يزالوا كذلك
منذ خلق الله الخلق إلى أن تقوم الساعة. وذِكرُ عبادة الملائكة لله عز وجل وَرَدَ في عدة أحاديث مرفوعة
منها ما أخرجه الترمذي (٢٣١٢) وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر، وفيه قوله وَ لفيه: ((ما فيها
- أي: السماء - موضع أربع أصابع إلّ ومَلَكٌ واضحٌ جبهتَه ساجداً لله)).