Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ سورة النجم/ ح ٤٨٦١ كتاب التفسير ٦ - بابٌ ﴿ وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىَ﴾ [النجم: ٢٠] ٤٨٦١- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا الزُّهْريُّ، سمعتُ عُرْوةَ: قلتُ لعائشةَ رضي الله عنها، فقالت: إنَّما كان مَن أهَلَّ بمَناةَ الطّاغِيةِ التي بالمُشَلَّلِ لا يَطوفونَ بينَ الصَّفا والمَرْوةِ، فَأَنزَلَ الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَاَلْمَرْوَةَ مِنْ سَعَآَبِ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فطافَ رسولُ اللهِ وَه والمسلمونَ. قال سفيانُ: مَناةُ بالمثَلَّلِ من قُدَیدٍ. وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ خالٍ عن ابنِ شِهابٍ، قال عُرْوةُ: قالت عائشةُ: نزلتْ في الأنصار، كانوا هم وغَسّانُ - قبلَ أن يُسْلِموا - يُمِلُّونَ لِمَناةَ، مِثْلَه. وقال مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ: كان رجالٌ مِن الأنصار ممَّن كان يُهِلَّ لِمَناةَ - ومَناةُ صَنَمٌ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ - قالوا: يا نبيَّ الله، كنَّا لا نَطوفُ بينَ الصَّفا والمَرْوةِ تَعْظِيماً لِمَناةَ، نحوَه. قوله: ((بابٌ ﴿ وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾)) سَقَطَ (باب)) لغير أبي ذرٍّ، وقد تقدَّم شرح مَناة في سورة البقرة (١٦٣٥). وقرأ ابن كثير وابن مُحَيَصِن ((مَناءَة)) بالمدِّ والهمز: قوله: ((قلت لعائشة رضي الله عنها، فقالت)) كذا أورَدَه مختصراً، وتقدَّم في تفسير البقرة (٤٤٩٥) بيانُ ما قال، وأنَّه سألَ عن وُجوب السَّعي بين الصَّفا والمروة معَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآَبِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]، وجواب عائشة له، وفيه قولها: ((إنّما(١) ... )) إلى آخره. قوله: ((مَن أهَلَّ لِمَناة)) أي: لأجلِ مَناة، في رواية غير أبي ذرٍّ: ((بمَناة)) بالموحَّدَة بَدَل اللّام؛ أي: أهَلَّ عندها أو أهَلَّ باسمِها. قوله: ((قال سفيان: مَناةٌ بالمُشَلَّلِ)) بفتح المعجَمة واللّام الثَّقيلة، ثمَّ لام ثانية: وهو (١) لفظ ((إنما)) سقط من (س)، ومراد الحافظ رحمه الله بذِكره الإشارةُ إلى قول عائشة رضي الله عنها في الموضع المذكور: إنما أُنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يُهُلُّون لمناة ... إلى آخره. ٣٤٢ سورة النجم / ح ٤٨٦٢ فتح الباري بشرح البخاري موضع من قُدَيد من ناحية البحر، وهو الجبل الذي يُهبط منه إليها. قوله: ((من قُدَيد)) بالقاف والمهمَلة مُصغَّر: هو مكان معروف بين مكَّة والمدينة. قوله: ((وقال عبد الرَّحمن بن خالد)) أي: ابن مُسافر ((عن ابن شِهاب)) هو الزُّهْرِيّ، وَصَلَه الذُّهْلِيُّ والطَّحاويُّ(١) من طريق عبد الله بن صالح عن اللَّيث عن عبد الرَّحمن بطوله. قوله: («نزلت في الأنصار، كانوا هم وغَسّان قبل أن يُسلِموا يُهِلُّونَ لِمَناةَ، مِثْلَه)) أي: مِثْلَ حديث ابن عُيَينةَ الذي قبلَه. وأخرج الفاكِهِيّ من طريق ابن إسحاق قال: نَصَبَ عَمْرو بن لُحَيّ مَناة على ساحل البحر ممَّا يَلي قُدَيد، يَحُجّونَها ويُعظِّمونَها إذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عَرَفات وفَرَغوا من مِنَّى، أَتَوْا مَناةَ فأهَلُّوا لها، فمَن أهَلَّ لها لم يَطُف بين الصَّفا والمروة. قوله: ((وقال مَعمَر ... )) إلى آخره، وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٤٨/٢) عن الحسن بن يحيى عن عبد الرَّزّاق مُطوَّلاً، وقد تقدَّم الحديث بطوله من وجه آخر عن الزُّهْريِّ في كتاب الحجّ (١٦٤٣). قوله: ((صَنَمِّ بين مكَّةَ والمدينةِ)) قد تقدَّم بيانُ مكانِه، وهو بین مگّة والمدینة كما قال. قوله: («تَعْظِيماً لِمَناةَ، نحوَه)) بَقِيَّتَه عند الطََّرَيِّ: فَهَل علينا من حَرَج أن نَطَّوَّف بهما؟ ٦١٤/٨ الحديثَ، وفيه: / قال الزُّهْريُّ: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، فذَكر حديثَه عن رجال من أهل العلم، وفي آخره: نزلت في الفريقَينِ كِلَيهما: مَن طافَ ومَن لم يَطُفْ. ٧- بابٌ ﴿فَأَعْبُدُ وَأَلِلَّهِ وَأَعْبُدُواْ﴾ [النجم: ٦٢] ٤٨٦٢- حدَّثنا أبو مَعمَر، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا أيوبُ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: سَجَدَ النبيُّ وَّهِ بِالنَّجْمِ، وسَجَدَ معه المسلمونَ والمشركونَ، والجِنُّ والإنسُ. تابَعَه ابنُ طَهْمَانَ، عن أيوبَ، ولم يَذْكُرِ ابنُ عُليَّة ابنَ عبَّاسٍ. (١) في ((شرح مشكل الآثار)) برقم (٣٩٣٦). ٣٤٣ سورة النجم/ ح ٤٨٦٣ كتاب التفسير ٤٨٦٣- حدَّثْنا نَصْرُ بنُ عليٍّ، أخبرني أبو أحمدَ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسوَدِ بنِ يزيدَ، عن عبدِ الله عَّه، قال: أوَّلُ سورةٍ أُنزِلَت فيها سَجْدَةٌ ﴿ وَالنَّجْمِ﴾ قال: فسَجَدَ رسولُ الله ◌َّةٍ، وسَجَدَ مَن خَلْفَه، إلَّا رجلاً رأيتُه أخَذَ كَفّاً من تُرابٍ، فسَجَدَ عليه، فرأيتُه بعدَ ذلك قُتِلَ كافراً، وهو أُميّةُ بنُ خَلَفٍ. قوله: ((بابٌ ﴿فَأَسْجُ واْلِلَِّ وَأَعْبُدُواْ﴾)) في رواية الأَصِيلِيِّ: ((واسجُدوا)) وهو غَلَطَ(١). قوله: ((سَجَدَ النبيُّ ◌َّهِ بِالنَّجْمِ وسَجَدَ معه المسلمونَ والمشركونَ والجِنُّ والإنسُ، تابَعَه ابن طَهْمَانَ عن أيوب)) في رواية أبي ذرٍّ: إبراهيم بن طَهْمانَ. قوله: ((ولم يَذْكُرُ ابنُ عُليَّة ابنَ عَبَّاسٍ)) أمَّا مُتَابَعة إبراهيم بن طَهْمَانَ، فَوَصَلَها الإسماعيليّ من طريق حفص بن عبد الله النَّيسابوريّ عنه بلفظ: أنَّه قال حين نزلت السُّورة التي يُذكَر فيها النَّجم: سَجَدَ لها الإنسُ والجِنّ. وقد تقدَّم ذِكْرها في سُجود التِّلاوة (١٠٧١). وأمَّا حديث ابن عُليَّة فالمراد به أنَّه حدَّث به عن أيوب فأرسَلَه، وأخرجه ابن أبي شَيْبة عنه(٢)، وهو مُرسَل، وليس ذلك بقادِحٍ لاتِّفاق ثِقَتَينٍ عن أيوب على وصله وهما عبد الوارث وإبراهيم بن طَهْمانَ. قوله: ((المسلمون(٣) والجِنُّ والإنس)) إنَّما أعادَ الجِنَّ والإنس معَ دُخولهم في المسلمين لنَفْي تَوهُّم اختصاص ذلك بالإنسِ، وسأذكرُ ما فيه، في الكلام على الحديث الذي بعده. قال الكِرْمانيُّ: سَجَدَ المشركونَ معَ المسلمينَ، لأنَّها أوَّل سجدة نزلت فأرادوا مُعارضة (١) كذا ذكر الحافظ هنا، لكن لم يرد في النسخة اليونينية ولا في «إرشاد الساري» ذِكْر خلاف أو فرق بين رواة ((الصحيح)) بشأن هذه الآية. وقد تعقب العيني في ((عمدة القاري)) ٢٠٣/١٩ قول الحافظ هذا فقال: لا يُنسَب الغلط للأصيلي، بل للناسخ لعدم تمييزه. (٢) الذي في المطبوع من ((مصنفه)) ٢/ ٧ من طريق ابن عون عن الشعبي مرسلاً بلفظ حديث الباب، ولم نقف علیه من مرسل أيوب. (٣) قوله: ((المسلمون)) من الأصلين، وسقط من (س)، وسياق كلام الحافظ بعده يقتضيه. ٣٤٤ سورة النجم / ح ٤٨٦٣ فتح الباري بشرح البخاري المسلمينَ بالسُّجودِ لِمَعبودِهم، أو وَقَعَ ذلك منهم بلا قصد، أو خافوا في ذلك المجلس من مُخَالَفَتهم. قلت: والاحتمالات الثلاثة فيها نظرٌ، والأوَّل منها لعياضٍ، والثّاني يُخالفه سياقُ ابن مسعود حيثُ زاد فيه: أنَّ الذي استئناه منهم أخَذَ كَفّاً من حَصَّى فَوَضَعَ جَبهَته عليه، فإنَّ ذلك ظاهرٌ في القصد، والثّالث أبعَدُ؛ إذِ المسلمون حينئذٍ هم الذينَ كانوا خائفينَ من المشرِكينَ لا العكس، قال: وما قيل من أنَّ ذلك بسبب إلقاء الشَّيطان في أثناء قراءة رسول الله وَآل﴾ لا صِحّةً له عقلاً ولا نقلاً. انتهى، ومَن تأمَّلَ ما أوردته من ذلك في تفسیر سورة الحجّ(١)، عَرَفَ وجه الصَّواب في هذه المسألة بحمد الله تعالى. قوله: ((عن عبد الله)) هو ابن مسعود، وأبو أحمد المذكور في إسناده: هو محمَّد بن عبد الله بن الزُّبَيرِ الزُّبَيريّ. قوله: ((أوَّل سورة أُنزِلَت فيها سَجْدة ﴿وَالنَّجْرِ﴾، قال: فسَجَدَ رسول اللهِ لَ)) أي: لمَّا فَرَغَ من قراءتها، وقد قَدَّمت في تفسير الحجّ(٢) من حديث ابن عبّاس بيانَ ذلك والسَّبَب فيه. ووَقَعَ في رواية زكريّا عن أبي إسحاق(٣) في أوَّل هذا الحديث: ((إنَّ أوَّل سورة استَعلَنَ ٦١٥/٨ بها رسول الله وَ ل﴿ فقرأ على الناس: النَّجم))، وله(٤) من رواية زُهَير بن معاوية: أوَّل/ سورة قرأها على الناس النَّجم. (١) عند شرحه لقول الله تعالى: ﴿فِيَّ أُمَّنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، بين يدي الحديث رقم (٤٧٤١). (٢) قبل الحديث (٤٧٤١)، وحديث ابن عباس المذكور أورده الحافظ في سياق شرحه لقوله تعالى: ﴿فِىّ أُمِنِّيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] وعزاه هناك لابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر. (٣) رواية زكريا - وهو ابن أبي زائدة - عن أبي إسحاق سبق أن أوردها الحافظ في أول كتاب سجود القرآن، في سياق شرحه للحديث (١٠٦٧) وعزاها هناك لابن مردويه في «تفسيره)». (٤) أي: لابن مردويه، لأنَّ رواية زكريا عن أبي إسحاق المشار إليها في التعليق السابق أخرجها أيضاً ابن مردويه، وقد اكتفى الحافظ رحمه الله هنا بقوله: ((وله))، وغفل عن تسميته في الموضع الأول، وفي ((الدر المنثور)) للسيوطي قال: وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: أول سورة أعلن بها النبيُّ وَلم يقرؤها: ﴿وَالنَّجْمِ﴾. ٣٤٥ سورة النجم/ ح ٤٨٦٣ كتاب التفسير قوله: ((إلّا رجلاً)) في رواية شُعبة في سُجود القرآن (١٠٧٠): فما بقيَ أحد من القوم إلّا سَجَدَ، فأخَذَ رجل من القوم كَفّاً من حَصَّى. وهذا ظاهره تَعميمُ سُجودهم، لكن روى النَّسائيُّ (٩٥٨) بإسنادٍ صحيح عن المطَّلِب بن أبي وَدَاعة قال: قرأ النبيّ وَّه بمكّة ﴿وَالنَّجْرِ﴾، فسَجَدَ وسَجَدَ مَن عندَه وأَبيتُ أن أسجُد، ولم يكن يومَئذٍ أسلَمَ (١)، قال المطَّلِب: فلا أَعُ السُّجود فيها أبداً. فيُحمَل تعميم ابن مسعود على أنَّه بالنّسبة إلى مَن الطَّلَعَ عليه. قوله: ((كَفّاً من تُراب)» في رواية شُعْبة: گَفّاً من حَصّی أو تراب. قوله: ((فسَجَدَ عليه)) في رواية شُعْبة: فَرَفَعَه إلى وجهه فقال: يكفيني هذا. قوله: ((فرأيته بَعْد ذلك قُتِلَ كافراً)) في رواية شُعْبة: قال عبد الله بن مسعود: فلقد رأيته بعدُ قُتِلَ كافراً. قوله: ((وهو أُميَّة بن خَلَف)» لم يقع ذلك في رواية شُعْبة، وقد وافَقَ إسرائيلَ على تسميته زكريّا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عند الإسماعيليّ، وهذا هو المعتمد، وعند ابن سعد: أنَّ الذي لم يَسجُد هو الوليد بن المغيرة، قال: وقيل: سعيد بن العاص بن أُميَّة، قال: وقال بعضهم: كلاهما جميعاً. وجَزَمَ ابن بَطّال في ((باب سُجود القرآن)) بأنَّه الوليد، وهو عجيب منه معَ وُجود التَّصريح بأنَّه أُميَّة بن خَلَف، ولم يُقتَل ببدرٍ كافراً من الذينَ سُمُّوا عندَه غيره. ووَقَعَ في ((تفسير ابن حِبّان)) أنَّه أبو لهب، وفي ((شرح الأحكام)) لابنِ بَزِيزةَ: أَنَّه مُنافق، ورُدَّ بأنَّ القِصّة وقَعَت بمكَّة بلا خِلَاف ولم يكن النِّفاق ظَهَرَ بعدُ. وقد جَزَمَ الواقديّ بأنَّها كانت في رمضان سنة خمس، وكانت المهاجرة الأولى إلى الحَبَشة خرجت في شهر رَجَب، فلمَّا بَلَغَهم ذلك رجعوا فَوَجَدوهم على حالهم من الكفر (١) إلى هنا ينتهي لفظ حديث النسائي، وقوله بعده: ((قال المطلب: فلا أدع ... )) إلى آخره، لم يقع في رواية النسائي، لا في ((المجتبى)) ولا في ((الكبرى)) (١٠٣٢)، كما يوهم سياق كلام الحافظ، وهو عند أحمد في («مسنده)) برقم (١٥٤٦٤) و(١٧٨٩٢)، والبيهقي في ((الكبرى)) ٣١٤/٢، حيث وقع عندهما كلامُ المطّلب في آخر هذا الحديث. ٣٤٦ سورة القمر فتح الباري بشرح البخاري فهاجَروا الثّانيةَ، ويحتمل أن يكون الأربعة لم يَسجُدوا، والتَّعميم في كلام ابن مسعود بالنّسبة إلى ما الطَّلَعَ عليه كما قلته في المطَّلِب، لكن لا يُفَسَّر الذي في حديث ابن مسعود إلّا بأُميَّة لما ذكرته، والله أعلم. ٥٤ - سورة ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ﴾ بِسْمِ اللهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ وقال مجاهدٌ: ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ [٢]: ذاهبٌ. مُزْدَجَرُ﴾ [٤]: مُتَنَاهٍ. ﴿وَأَزْدُجِرَ﴾ [٩]: فاستُطِيرَ جُنوناً. ((دُسُر)) [١٣]: أضْلاعُ السَّفِينِةِ. ﴿َلِّمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [١٤]: يقول: كُفِرَ له جزاءً مِن الله. ﴿مُخْضَرٌ ﴾ [٢٨]: يَحْضُرُونَ الماءَ. وقال ابنُ جُبَيرٍ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [٨]: النَّسَلَانُ، الخَبَبُ: السِّراعُ. وقال غيرُه: ﴿فَتَعَاطَى﴾ [٢٩]: فعاطَها بِيَدِهِ، فعَقَرَها. ﴿ الْمُخْتَظِرِ﴾ [٣١]: كحِظَارٍ مِن الشَّجَرِ مُحَرِقٍ. (ازْدُجِرَ)) [٩]: افتُعِلَ، من زَجَرْتُ. ﴿كُفِرَ﴾ [١٤]: فعَلْنا به وبِهِم ما فَعَلْنا جزاءً لما صُنِعَ بنُوحٍ وأصحابِهِ. ﴿مُسْتَفِرٌّ ﴾ [٣]: عذابٌ حَقٌّ. يقال: الأَشَرُ: المَرَحُ والَّجُّر. ((سورة ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ - بِمِ اللَّهِ الرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ حَسْبُ، وتُسمَّى أيضاً سورة القمر. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿مُّسْتَمِرٌّ﴾: ذاهبٌ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريقه، ولفظه في قوله: ٣٤٧ سورة القمر كتاب التفسير ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأُنشَقَ الْقَمَرُ ﴾ قال: رأَوه مُنشَقّاً فقالوا: هذا سِحرٌ ذاهب. وقال عبد الرَّزّاق(١): عن مَعمَر عن قَتَادة عن أنس، فذَكر الحديث المرفوع، وفي آخره: تلا الآية إلى قوله: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ﴾ قال: يقول: ((أي ذاهب)) ومعنى ذاهب، أي: سَيذهبُ ويبطُل، وقيل: سائرٌ. قوله: (﴿ مُزْدَجَرُ﴾: مُتَنَاهِ)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ بلفظه عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِنَ الْأَنْبَاءِ مَافِيهِ مُزْدَجَرُ﴾ قال: هذا القرآن. ومن طريق عمر بن عبد العزيز قال: أُحِلَّ فيه الحلالُ، وحُرِّمَ فيه الحرامُ،/ وقوله: ((مُتَنَاٍ)) ٦١٦/٨ بصيغة الفاعل، أي: غاية في الزَّجر لا مَزيد عليه. قوله: (﴿وَأَزْدُجِرَ﴾: استُطيرَ جُنوناً)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ بلفظه عن مجاهد، فيكون من كلامهم معطوفاً على قولهم: مَجنون، وقيل: هو من خَبَر الله عن فِعلهم أنَّهم زَجَروه. قوله: ((دُسُر: أضْلاع السَّفينة)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ بلفظه من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد، وروى ابن المنذر وإبراهيم الخَرْبيّ في ((الغريب)) من طريق حُصَين عن مجاهد عن ابن عبَّاس قال: الألواح: ألواح السَّفينة، والدُّسُر: مَعاريضُها التي تُشَدّ بها السَّفينة. ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَدُسُرٍ﴾ قال: المسامير. وبهذا جَزَمَ أبو عُبيدة. . وقال عبد الرَّزاق: عن مَعمَر عن قَتَادة: الألواح: مَقاذيف(٢) السَّفينة. والدُّسُر: دُسِرَت بمسامير. قوله: (﴿لِّمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾: يقول: كُفِرَ له جزاءً من الله)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ بلفظ: لمَن كان (١) في ((تفسيره)) ٢/ ٢٥٧. (٢) كذا في الأصلين و(س)، ووقع في المطبوع من ((تفسيره)) ٢٥٨/٢: ((معاريض)) بدل: مقاذيف. وكذلك أخرجه عنه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) ٩٣/٢٧، ومثله في ((الدر المنثور)) للسيوطي وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير. والمعاريض: جمع مِعْراض، فالمراد به هنا: ألواح الخشب العريضة التي تُشَدُّ بها السفينة. والمقاذيف: جمع مِقْذاف: وهي خشبة في رأسها لوح عريض تُدفع به السفينة. ٣٤٨ سورة القمر فتح الباري بشرح البخاري كفرَ بالله. وهو يُشعِر بأنَّه قرأها ((كَفرَ)) بفتحَتَينِ على البناء للفاعلِ، وسيأتي توجيه الأوَّل. قوله: ((﴿تُخَضَرُ﴾: يَخْضُرُونَ الماء)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد بلفظ: يَحَضُرونَ الماء إذا غابَت الناقة. قوله: ((وقال ابن ◌ُبَير: ﴿مُّهْطِعِينَ﴾: النَّسَلانُ. الخَبَبُ: السِّراع)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق شَرِيك عن سالم الأفطَس عن سعيد بن جُبَير في قوله: ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ﴾ قال: هو النَّسَلان. وقد تقدَّم ضبط النَّسَلان في تفسير الصّافّات(١). وقوله: ((الخَبَب)) بفتح المعجَمة والموخَّدة بعدها أُخرى تفسير النَّسَلان، والسِّراع تأكيد له. وروى ابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿مُهْطِعِينَ ﴾ قال: ناظرينَ، وقال أبو عبيدة: المهطِع: المُسرِع. قوله: ((وقال غيره: ﴿فَعَالطَى﴾: فعاطَى بَيَدِه فعَقَرَها)) في رواية غير أبي ذرٍّ: فعاطَها(٢)، قال ابن التِّين: لا أعلم لقوله: فعاطَها وجهاً، إلّا أن يكون من المقلوب لأنَّ العَطْوِ التَّنَاؤُل، فكأنَّه قال: تَناوَلَهَا بیَدِه. قلت: ويُؤيِّده ما روى ابن المنذر من طريق مجاهد عن ابن عبّاس: ﴿فَتَعَالَىْ فَعَقَرَ﴾: تَنَاوَلَ فعَقَرَ. قوله: (﴿الْمُخْتَظِرِ﴾: كحِظَارٍ من الشَّجَر مُحتَرِق)) وَصَلَه ابن المنذر من طريق ابن جُرَيج (١) بعد الحديث رقم (٤٨٠٣). (٢) هذا التفسير لقوله تعالى: ﴿فَتَعَالطَى﴾ لم تتفق نسخ ((الصحيح)) وشروحها على قول واحد فيه، فما ذكره الحافظ هنا، ذكر عكسه العيني في ((عمدة القاري)) ١٩/ ٢٠٥ فأفاد بأن قوله: ((فعاطى)) وقع في رواية غير أبي ذرّ! والذي في اليونينية و ((إرشاد الساري)) للقسطلّاني ٧/ ٣٦٤: أنَّ لفظ ((فعاطها)) سقط لأبي ذرّ فحسب، ولم يذكرا لفظة ((فعاطى)) أصلاً، وسبقهما إلى ذلك القاضي عياض في ((مشارق الأنوار)) ٢/ ٨٢ فلم يُشر إلى وقوع هذه اللفظة عند أيٍّ من رواة ((الصحيح)) فقال: قوله في التفسير ﴿فَعَاطَى فَعَقَرَ﴾: فعاطها بيده، كذا في أكثر الأمّهات من كتاب البخاري، قيل: صوابه: فتعاطاها بيده، وكذا للأصيلي والنسفي. ٣٤٩ سورة القمر كتاب التفسير عن عطاء عن ابن عبّاس، مِثله. ومن طريق سعيد بن جُبَير قال: التُّراب [الذي](١) يَسقُط من الحائط. وقال عبد الرَّزّاق: عن مَعمَر عن قَتَادة في قوله: ﴿كَهَشِيرِ الْمُخْتَظِرِ﴾ قال: كرَمادٍ مُتَرِق. وروى الطََّرَيُّ من طريق زيد بن أسلم قال: كانت العرب تجعل حِظاراً على الإبل والمواشي من يابِسِ(٢) الشَّوك. فهو المراد من قوله: ﴿كَهَشِيرِ الْمُخْتَظِرِ﴾، وروى الطَّبَرِيُّ من طريق سعيد بن جُبير قال: هو التُراب المتناثر من الحائط. تنبيه: حِظَار بكسر المهمَلة وبفتحها، والظّاء المُشَالة خفيفة. قوله: ((﴿وَأَزْدُجِرَ﴾: افتُعِلَ، من زَجَرْت)) هو قول الفَرّاء، وزاد بعده: [وإذا كان الحرفُ أوَّله زاميٌ](٣) صارت تاءُ الافتعال فيه دالاً. قوله: (﴿كُفِرَ﴾: فَعَلْنا به وبهم ما فَعَلْنا جزاءً لما صُنِعَ بنوحٍ وأصحابه)) هو كلام الفَرّاء بلفظِهِ، وزادَ: يقول: أغرِقوا لنوحٍ، أي: لأجلِ نوح، وكُفِرَ، أي: جُحِدَ(٤). ومُصَّل الكلام أنَّ الذي وَقَعَ بهم من الغَرَق كان جزاءً لنوحٍ، وهو الذي كُفِرَ؛ أي: جُحِدَ وكُذِّبَ، فجُوزيَ بذلك لصَبره عليهم، وقد قرأ حُميدٌ الأعرَجِ: ﴿جَزَآءُ لِّمَنْ كَانَ كَفَرَ﴾ بفتحَتَينِ، فاللّام في (لمن)) على هذا لقومِ نوحٍ. قوله: ((﴿مُسْتَقِرٌّ﴾: عذابٌ حَقٌّ)) هو قول الفَرّاء، وعند ابن أبي حاتم بمعناه عن السُّدِّيِّ، وعند عبد بن حُميدٍ عن قَتَادة في قوله: ﴿عَذَابٌ مُسْتَفِرٌّ﴾، قال: استَقَرَّ بهم إلى نار جَهَنَّم. ولابنِ أبي حاتم من طريق مجاهد قال: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ قال: يوم القيامة. (١) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، وقد استدركناه من ((الدر المنثور)) ١٤ / ٨٤. (٢) في (أ) و(س): ((يبس))، وما أثبتناه من (ع)، وهو الموافق لما في ((تفسير الطبري)). (٣) ما بين المعقوفين سقط من الأصلين و(س)، وقد استدركناه من ((معاني القرآن)) ١٠٦/٣ للفراء، وبدونه يكون المعنى مبتوراً. (٤) كذا في الأصلين على الصواب، وتحرف في (س) إلى: ((أجحد)) بزيادة الهمزة في أوله، وانظر ((معاني القرآن)) للفراء ٥٨/٥. : ٣٥٠ سورة القمر/ ح ٤٨٦٤-٤٨٦٨ فتح الباري بشرح البخاري ومن طريق ابن جُرَيج قال: مُستَقِرٌّ بأهلِه. قوله: ((ويقال: الأشَرُ: المَرَحِ والتَّجَبُّر)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًّا مَّنِ اَلْكَذَّابُ اُلْأَشِرُ﴾ [القمر: ٢٦]، قال: الأشَرُ: المَرَح والتَّجَبُّر، ورُبَّما كان من النَّشاط؛ وهذا على قراءة الجمهور، وقرأ أبو جعفر بفتح المعجَمة وتشديد الرَّاء، أفعَلُ تفضيلٍ من الشّ، وفي الشَّواذّ قراءة أُخرى، والمراد بقوله: ﴿غَدًا ﴾: يومُ القيامة. ١ - بابٌ ٦١٧/٨ ﴿وَأَنشَقَ الْقَمَرُ ﴿ وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةٌ يُعْرِضُواْ﴾ [القمر: ١-٢] ٤٨٦٤- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى عن شُعْبَةَ وسفيانَ، عن الأعمَشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي مَعمَر، عن ابنِ مَسْعودٍ، قال: انشَقَّ القمرُ على عَهْدِ رسولِ الله وَّهِ فِرْ قَتَيْنِ: فِرْقَةً فوقَ الجبلِ، وفِرْقَةً دونَه، فقال رسولُ الله ◌َ: ((اشهَدُوا)). ٤٨٦٥- حدّثنا عليٌّ، حدَّثنا سفيانُ، أخبرنا ابنُ أبي نچیح، عن مجاهدٍ، عن أبي معمر، عن عبدِ الله، قال: انشَقَّ القمرُ ونحنُ معَ النبيِّ وَ﴿، فصارَ فِرْقَتَينِ، فقال لَنا: ((اشهَدُوا، اشهَدُوا)). ٤٨٦٦- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، قال: حدَّثني بَكْرٌ، عن جعفرٍ، عن عِراكِ بنِ مالكِ، عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُْبَةَ بنِ مَسْعودٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: انشَقَّ القمرُ في زَمانِ النبيِّ ◌ِ *. ٤٨٦٧- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا يونسُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا شَيْبانُ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ ﴾، قال: سألَ أهلُ مَّةَ أن يُرِيَهم آيةً، فَأَراهمُ انشِقاقَ القمرِ. ٤٨٦٨- حدَّثْنَا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن شُعْبةَ، عن قَتَادةَ، عن أنسٍ، قال: انشَقَّ القمرُ فِرْقَتَينِ. قوله: (بابٌ ﴿وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ ل وَإِن يَرَوْاْءَايَةٌ يُعْرِضُواْ﴾) سَقَطَت هذه التَّرجمة لغير أبي ذرٍّ. ثمَّ ذكر حديث انشِقاق القمر من وجهَينِ عن ابن مسعود وفيه: ((فِرْقَتَينِ)). ومن حديث ابن عبّاس: انشَقَّ القمر في زمان النبيِّ وَّ. ٣٥١ سورة القمر/ ح ٤٨٦٩-٤٨٧٢ كتاب التفسير وبكرٌّ فيه: هو ابن مُضَر، وجعفرٌ: هو ابن ربيعة. ومن حديث أنس: سألَ أهل مكَّة أن يُرِيَهم آيَةً. وقد تقدَّم شرحه (٣٦٣٧)، ومن وجهٍ آخر عن أنس: انشَقَّ القمر فِرْقَتَينٍ، وقد تقدَّم الكلام عليه مُستَوفَّى في أوائل السِّيرة النبويَّة. ٢- بابٌ ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَّاءٌ لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١٤] قال قَتَادةُ: أبقَى اللهُ سَفِينَةَ نوح، حتَّى أَدْرَكَها أوائلُ هذه الأُمَّةِ. ٤٨٦٩ - حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسوَدِ، عن عبدِ الله، قال: كان النبيُّ ◌َله يقرأُ: ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾. ٣- بابٌ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ فَهَلْ مِن مُّتَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧ و٢٢ و٣٢ و٤٠] قال مجاهدٌ: ﴿يَسَّرْنَا﴾: هَوَّنًا قراءتَه. ٤٨٧٠- حدَّثنا مُسدَّدٌ، عن يحيى، عن شُعْبةَ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسوَدِ، عن عبدِ الله ◌ُ، عن النبيِّ وَّةِ: أنَّه كان يقرأُ: ﴿فَهَلْ مِن مُذَّكِرٍ﴾. ٤- بابٌ ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنْقَعٍِ ، فَكَفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرٍ ﴾ [القمر: ٢٠-٢١] ٤٨٧١- / حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا زُهَيْرٌ، عن أبي إسحاقَ: أنَّه سمعَ رجلاً سألَ الأسوَدَ: ٦١٨/٨ ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾: أو مُذَّكِرٍ؟ فقال: سمعتُ عبدَ الله يَقْرَؤُها: ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾ قال: وسمعتُ النبيَّ ◌َلاَ يَقْرَؤُها: ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾ دالاً. ٥- بابٌ ﴿فَكَانُواْ كَهَشِيمٍ اَلْمُحْتَظِرِ ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذَّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ ﴾ [القمر:١ ٤٨٧٢ - حدَّثنا عَبْدانُ، أخبَرَنا أبي، عن شُعْبةَ، عن أبي إسحاق، عن الأسوَدِ، عن عبدِ الله ٣٥٢ سورة القمر/ ح ٤٨٧٣-٤٨٧٤ فتح الباري بشرح البخاري عن النبيِّ وََّ: قرأ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾ الآيَةَ. ٦ - بابٌ ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بَكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٍّ (٥) فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرٍ ﴾ [القمر: ٣٨-٣٩] ٤٨٧٣- حدَّثنا محمَّدٌ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسوَدِ، عن عبدِ الله، عن النبيِّ وَّ: قرأ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُذَّكِرٍ﴾. ٧- بابٌ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُذَكِرٍ ﴾ [القمر: ٥١] ٤٨٧٤- حدَّثنا يحيى، حدَّثنا وَكِيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسوَدِ بنِ يزيدَ، عن عبدِ الله، قال: قرأتُ على النبيِّوَّلْ فَهَل من مُذَّكِرٍ، فقال النبيُّوَّ: (﴿فَهَلْ مِن مُّذَكِرٍ﴾)). قوله: ((بابٌ ﴿تَجْرِى بِأَعْيُفِنَا جَزَاءُ لِّمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾)) زاد غير أبي ذرِّ الآية التي بعدَها، وهي التي تُناسب قول قَتَادة المذكورَ فيه. قوله: ((قال قَتَادةُ: أبقَى الله سفينةَ نُوح حتَّى أدرَكَها أوائلُ هذه الأُمَّةِ)) وَصَلَه عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة بلفظه وزاد: على الجُودِيِّ. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد عن قَتَادة قال: أبقَى الله السَّفينة في أرض الجزيرة عِبْرةً وآية، حتَّى نظر إليها أوائل هذه الأُمّة نظراً، وكم من سفينةٍ بعدَها فصارت رَماداً؟! قوله: ((عن الأسوَد)) في الرِّواية التي بعدها ما يدلّ على سماع أبي إسحاق له منه. قوله: ((أنَّه كان يقرأ ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾)) أي: بالدَّال المهمَلة، وسبب ذِكْر ذلك أنَّ بعض السَّلَف قرأها بالمعجَمة، وهو منقول أيضاً عن قَتَادة. ثمَّ ذكر المصنّف لهذا الحديث خمس تَراجِم، في كلّ ترجمة آيةٌ من هذه السّورة، ومَدارُ الجميع على أبي إسحاق عن الأسوَد بن يزيد، وساقَ في الجميع الحديث المذكور ليُبيِّن أنَّ لفظ: ﴿ُتکِرِ﴾ في الجمیع واحد. ٣٥٣ سورة القمر/ ح ٤٨٧٥ كتاب التفسير وقد تَكرَّرَ في هذه السّورة قوله: ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ﴾ بحَسَب تَكَرُّر القَصَص من أخبار الأُمَم؛ استدعاءً لأفهام السامعينَ ليَعتَبروا، وقال في الأُولى: وقال مجاهد: ﴿يَسَّرْنَا﴾: هَوَّنّا قراءته. وقال في الثّانية: عن أبي إسحاق، أنَّه سمعَ رجلاً سألَ الأسوَدَ: ﴿فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ﴾ أو ((مُذَّكِرٍ))؟ أي: بمُعجَمةٍ أو مُهمَلة؛ فذكر الحديث، وفي آخره دالاً؛ أي: مُهمَلة. ولفظ الثّالث والرَّابع كالأوَّلِ، ولفظ الخامس عن عبد الله: قرأتُ على النبيّ ◌َّ: من مُذَّكِرٍ - أي: بالمعجَمة - فقال: ﴿فَهَلْ مِن مُّذِّكِرٍ﴾؛ أي: بالمهملة. وأثر مجاهد وَصَلَه الفِرْیابيُّ، وسيأتي في التوحيد(١). وقوله: ﴿مُذَّكِرٍ﴾ أصله: مُذتَكِر، بمُثنّةٍ بعد ذالٍ مُعجَمة، فأُبدِلَت التاء دالاً مُهمَلة، ثمَّ أُهِمِلَت المعجَمة لمقارَبَتِها ثمَّ أُدْغِمَت. وقوله في الطَّريق الرَّابع: ((حدَّثنا محمَّد حدَّثنا غُندَر)) كذا وَقَعَ محمَّد غير منسوب: وهو ابن المثنَّى، أو ابن بشَّار، أو ابن الوليد البُسْريّ، وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية محمَّد بن بشّار بندار. وقوله في/ الخامسة: (حدّثنا یحیی)) هو ابن موسى. ٦١٩/٨ ٨- باب قوله: ﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ الآيةَ [القمر: ٤٥] ٤٨٧٥- حدَّثَنا محمَّدُ بنُ حَوْشَبِ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ (ح) وحدَّثني محمَّدٌ، حدَّثنا عَفّانُ بنُ مسلم، عن وُهَيبٍ، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ الله ◌ََّ قال وهو في قُبَّةٍ يومَ بَدْرٍ: «اللهمَّ إنّي أَنشُدُكَ عَهْدَكَ ووَعْدَكَ، اللهمَّ إن تَشَأْ لا تُعْبَدْ بعدَ اليومِ))، فأخَذَ أبو بكرٍ بَيَدِه، فقال: حَسْبُكَ يا رسولَ الله، أَلحَحْتَ على رَبِّكَ! وهو يَئِبُ في الدِّرْعِ، فخرج وهو يقول: ﴿ سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَبُوَلُّونَ الدُّبُرَ (١) بین یدي الحديث رقم (٧٥٥١). ٣٥٤ سورة القمر/ ح ٤٨٧٦ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((باب قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ الآية))(١) ذكر فيه حديث ابن عبّاس في قِصّة بدر، وقد تقدَّم بيانه في المغازي (٣٩٥٣). وقوله: ((حدَّثنا محمَّد بن حَوْشَبٍ)) هو محمَّد بن عبد الله، نُسِبَ لجدِّه، وثَبَتَ كذلك لغير أبي ذرِّ. وقوله: ((ح، وحدَّثني محمَّد، حدَّثنا عَفّانُ بن مسلم)) كذا للأكثرِ، ومحمَّد: هو الذُّهْلُّ، وسَقَطَ لابنِ السَّكَن، فصارَ عن البخاريّ: حدَّثنا عَفّان. تنبيه: هذا من مُرسَلات ابن عبّاس لأنَّه لم يَحَضُرِ القِصّة، وقد روى عبد الرَّزّاق(٣) عن مَعمَر عن أيوب عن ◌ِكْرمة، أنَّ عمر قال: لمَّ نزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الذُّبُرَ﴾ جَعَلت أقول: أيُّ جمعٍ يُهزَم؟ فلمَّا كان يوم بدر رأيت النبيَّ نَّهِ يَشِبُ في الدِّرع وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ الآية، فكأنَّ ابن عبَّاس ◌َمَلَ ذلك عن عمر، وكأنَّ عِكْرمة ◌َمَلَه عن ابن عبَّاس عن عمر، وقد أخرج مسلم (١٧٦٣) من طريق سِمَاك بن الوليد عن ابن عبّاس: حدَّثني عمرُ، ببعضِه. ٩- باب قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾ [القمر: ٤٦] يعني: مِن المَرَارةِ. ٤٨٧٦- حدّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، حدَّثنا هشامُ بنُ يوسفَ، أنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرهم، قال: أخبَرَني يوسفُ بنُ ماهَكِ، قال: إنّي عندَ عائشةَ أمُّ المؤمنينَ، قالت: لقد نَزَلَ على محمَّدٍ وَلـ بمكَّةَ، وإِّي لَجاريةٌ العَبُ: ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمٌَّّ﴾. [طرفه في: ٤٩٩٣] (١) الذي في اليونينية و((إرشاد الساري)) للقسطلّاني ٧/ ٣٦٧: أنَّ لفظ ((باب)) سقط لغير أبي ذرّ، وساق الباقون الآية حتى قوله: ﴿وَيُوَلُونَ الدُّبْرَ﴾. (٢) في ((تفسيره)) ٢٥٩/٢. ٣٥٥ سورة الرحمن/ ح ٤٨٧٧ كتاب التفسير ٤٨٧٧ - حدَّثني إسحاقُ، حدَّثنا خالدٌ، عن خالدٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ النبيَّ ◌َّه قال وهو في قُبّةٍ له يومَ بَدْرٍ: «أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللهمَّ إن شئتَ لم تُعْبَدْ بعدَ اليومِ أبدا)، فأخَذَ أبو بكرٍ بَيَدِه، وقال: حَسْبُكَ يا رسولَ الله، فقد أَلحَحْتَ على رَبِّكَ! وهو في الدِّرْعِ، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبْرَ ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾. قوله: ((باب قوله: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ يعني: من المَرَارة)» هو قول الفَرّاء، قال في هذه الآية: معناه أشدّ عليهم من عذاب يوم بدر، ﴿وَأَمَرُ﴾: من المرارة. قوله: (يوسف بن ماهَك)) تقدَّم ذِكْره قريباً في سورة/ الأحقاف (٤٨٢٧). ٦٢٠/٨ قوله: ((إنّ عند عائشة أمّ المؤمنينَ قالت: لَقد نزلَ على محمَّد)) كذا ذكره هنا مختصراً، وفيه قِصّةٌ حَذَفَها، وسيأتي مُطوَّلاً في فضائل القرآن (٤٩٩٣) إن شاء الله تعالى. ثم ذكر حديث ابن عبّاس المذكور في الباب الذي قبله. وإسحاقُ شيخه فيه: هو ابن شاهين، وخالد الأوَّل: هو الطَّحّان، والذي فوقه: هو خالد الحَذّاء. ٥٥- سورة الرّحمن وقال مجاهد: ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ [٥]: كحُسْبانِ الرَّحَى. وقال غيرُه: ﴿ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ﴾ [٩]: يُرِيدُ لِسانَ الميزانِ. والعَصْفُ [١٢]: بَقْلُ الزَّرْع إذا قُطِعَ منه شيءٌ قبلَ أن يُدْرِكَ، فذلك العَصْفُ. ﴿وَالرَّتْحَانُ﴾: رِزْقُه. ﴿وَاَلْحَبُّ ﴾: الذي يُؤْكَلُ مِنْه. والرّيحانُ في كلامِ العربِ: الرِّزْق. وقال بعضُهم: العَصْفُ: يُرِيدُ المأكولَ مِن الحَبِّ، والرّيحانُ: النَّضِيجُ الذي لم يُؤْكَلْ. وقال غيرُه: العَصْفُ: وَرَقُ الحِنْطِةِ. ٣٥٦ سورة الرحمن فتح الباري بشرح البخاري وقال الضَّحّاكُ: العَصْفُ: النِّبنُ. وقال أبو مالكٍ: العَصْفُ أوَّلُ ما يَنْبُتُ، تُسمِّيه النَّبَطُ هَبُوراً. وقال مجاهدٌ: العَصْفُ: وَرَقُ الحِنْطِةِ، والرَّيحانُ: الرِّزْقُ. والمارِجُ [١٥]: اللَّهَبُ الأصفَرُ والأخضَرُ الذي يَعْلُو النارَ إذا أُوقِدَتْ. وقال بعضُهم عن مجاهدٍ: ﴿رَبُّ الْشْرِقَيْنِ﴾ [١٧]: للشَّمس في الشِّتاءِ مَشْرِقٌ، ومَشْرِقٌ في الصَّيْفِ، ﴿وَرَبُّ الْغَرِبَيْنِ﴾: مَغْرِبُها في الشِّتاءِ والصَّيفِ. ﴿لَّا يَخِيَانِ﴾ [٢٠]: لا يَخْتَلِطان. ﴿اَلْنُشَاتُ﴾ [٢٤]: ما رُفِعَ قِلْعُهُ مِن السُّفُنِ، فأمَّا ما لم يُرفَعْ قِلْعُه، فليس بمُنشَآتٍ. وقال مجاهدٌ: ﴿كَالْفَخَارِ﴾ [١٤]: كما يُصنَعُ الفَخّار. الشُّوَاظُ [٣٥]: هبٍّ من نارٍ. وقال مجاهدٌ: ﴿ وَنُحَاسِ﴾ [٣٥]: الصُّفْرُ يُصَبُّ على رؤوسِهم فيُعَذَّبونَ به. ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [٤٦]: يَهُمُّ بالمعصيةِ، فَيَذْكُرُ اللهَ عزَّ وجلَّ فِيَتْرُكُها. ﴿ مُدْهَآَمَتَانِ﴾ [٦٤]: سَوْداوانِ مِن الرِّيِّ. ﴿صَلّصَلٍ﴾ [١٤]: طينٌ خُلِطَ بَرَمْلِ، فصَلْصَلَ كما يُصَلْصِلُ الفَخَّارُ، ويقال: مُنِنٌ يُرِيدونَ به صَلَّ، يقال: صَلْصالٌ، كما يقال: صَرَّ البابُ عندَ الإغلاقِ، وصَرْصَرَ مِثْلُ: كَبْكَبْتُه؛ يعني: كَبِيتُهُ. ﴿فِيهِمَا فَكِهَةٌ وَغَخْلٌ وَرَُّانٌ ﴾ [٦٨]: وقال بعضُهم: ليس الزُّمّانُ والنَّخْلُ بالفاكِهِةِ. وأمَّا العربُ، فإنَّهَا تَعُدُّها فاكِهِةً، كقوله عزَّ وجلّ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالضَلَوَةِ اُلْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فأمَرَهم بالمحافظةِ على كلِّ الصَّلَوات ثمَّ أعادَ العَصْرَ تشديداً لها، كما أُعِيدَ النَّخْلُ والرُّانُ، ومِثْلُها: ﴿أَلَّ تَرَأَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ، مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ﴾، ثمَّ قال: ﴿وَكَثِرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]، وقد ذَكَرَهم في أوَّلِ قوله: ﴿مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ اُلْأَرْضِ﴾. ٣٥٧ سورة الرحمن كتاب التفسير وقال غيرُه: ﴿أَفَْانٍ﴾ [٤٨]: أغصانٍ. ﴿وَحَى اُلْجَنََّيْنِ دَانٍ ﴾ [٥٤]: ما يُجْتَنَى قريبٌ. وقال الحسنُ: ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ﴾ [١٣]: نِعَمِه. وقال قَتَادَةُ: ﴿رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: يعني الجِنَّ والإنسَ. وقال أبو الدَّرْداءِ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [٢٩]: يَغْفِرُ ذَنْباً، ويَكْشِفُ كَرْباً، ويرفعُ قوماً، ويَضَعُ آخَرِينَ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: ﴿بَرْزَجٌ﴾ [٢٠]: حاجِزٌ، الأنامُ [١٠]: الخَلْقِ. ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ [٦٦]: فيّاضَتانِ. ﴿ذُو الْجَلِ﴾ [٧٨]: ذُو العَظَمةِ. وقال غيرُه: / مارِجٌ [١٥]: خالصٌ مِن النّار، يقال: مَرَجَ الأميرُ رَعِيَّتَه: إذا خَلّاهم يَعْدُو ٦٢١/٨ بعضُهم على بعضٍ، مَرَجَ أمرُ الناسِ. ﴿مَرِيجٍ﴾ [ق:٥]: مُخْتَلِطِ، ﴿مَرَجَ﴾ [الرحمن: ١٩]: اختَلَطَ. ﴿سَنَفْرُعُ لَكُمْ﴾ [٣١]: سنُحاسِبُكُم، لا يَشْغَلُه شيءٌ عن شيءٍ، وهو مَعْروفٌ في كلامِ العربِ، يقال: لأنفَرَّ غَنَّ لكَ وما به شُغْلٌ، يقول: لآخُذَنَّكَ على غِرَّتِكَ. قوله: ((سورة الرَّحمن)) كذا لهم، زاد أبو ذرِّ البسملة(١)، والأكثر عَدُّوا ﴿الرَّحْمَنُ ﴾ آيَةً وقالوا: هو خبرُ مُبتَدَأ محذوفٍ، أو مُبتَدَأْ محذوفُ الخبر، وقيل: تمام الآية ﴿عَلَّمَ الْقُرْءَانَ وهو الخبر. قوله: ((وقال مجاهد: ﴿بِحُسْبَانٍ﴾: كحُسْباِ الرَّحَى)) ثَبَتَ هذا لأبي ذرٍّ وحدَه؛ وقد تقدَّم في بَدْء الخَلْق بأبسطَ منه(٢). (١) ووقع في (ع): ((قوله: سورة الرحمن. بسم الله الرحمن الرحيم))، وسياق كلام الحافظ يقتضي حذفها كما في (أ) و(س). (٢) بين يدي الحديث رقم (٣١٩٩). ٣٥٨ سورة الرحمن فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال غيره: ﴿ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ﴾ يريد: لسانَ الميزان)) سَقَطَ ((وقال غيره)) لغير أبي ذرِّ، وهذا كلام الفَرّاء بلفظه، وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي المغيرة قال: رأى ابن عبَّاس رجلاً يَزِنُ قد أرجَحَ، فقال: أقِمِ اللِّسانَ، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: ﴿ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ﴾ قال: اللِّسان. قوله: ((والعَصْفُ: بَقْل الزَّرْع إذا قُطِعَ منه شيءٌ قبلَ أن يُدْرِكَ، فذلك العَصْفُ ﴿وَالرَّتْحَانُ﴾: رِزْقُه ﴿وَالْحَبُّ﴾: الذي يُؤكَل منه، والرَّيحانُ في كلام العرب: الرِّزق)) هو كلام الفَرّاء أيضاً لكن مُلخَّصاً، ولفظه: العَصْف فيما ذَكَروا: بَقْل الزَّرع، لأنَّ العرب تقول: خرجنا نَعصِف الزَّرع: إذا قَطَعوا منه شيئاً قبل أن يُدرِك، والباقي مِثله، لكن قال: والرَّيحانُ: رِزقُه، وهو الحَبّ ... إلى آخره، وزاد في آخره: قال: ويقولون: خَرَجنا نَطلُب رَيحانَ الله. وأخرج الطََّرُّ (٢٧/ ١٢١) من طريق العَوْفيّ عن ابن عبّاس قال: العَصْف وَرَق الزَّرع الأخضَرِ الذي قَطَعوا رُؤوسَه، فهو يُسمَّى العَصف إذا يَبِسَ. ولابنِ أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عبّاس: العَصف: أوَّل ما يُخْرِجِ الَّرع بَقْلاً. قوله: ((وقال بعضُهم: العَصْف: يريد المأكول من الحَبّ. والرَّيحان: النَّضيج الذي لم يُؤْكَل)) هو بَقيَّة كلام الفَرّاء بلفظه. ولابنِ أبي حاتم من طريق الضَّحّاك قال: العَصْف: البُرّ والشَّعير. ومن طريق سعيد ابن جُبير عن ابن عبّاس قال: الرَّيحان: حين يَستَوي الَّرع على سوقه ولم یُسَنِبل. قوله: (وقال غیرُه: العَصْف: وَرَق الحِنْطة)) کذا لأبي ذرٍّ، وفي رواية غيره: وقال مجاهد: العَصْفُ: وَرَق الحِنطة، والرَّيْجان: الرِّزق. وقد وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق ابن أبي نَجِيح عنه مُفرَّقاً قال: العَصف: وَرَق الحنطة، والرَّيحان: الرِّزق. قوله: ((وقال الضَّحّاك: العَصْف: التِّبْن)) وَصَلَه ابن المنذر من طريق الضَّحّاك بن مُزاحم. وأخرجه(١) ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس ◌ِمِثْلَه، وأخرج عبد الرَّزّاق (١) في (أ) و(س): ((أخرجه)) دون الوار في أوله، وسقط من (ع). ٣٥٩ سورة الرحمن كتاب التفسير عن مَعمَر عن قَتَادة، مِثْلَه. قوله: ((وقال أبو مالك: العَصْف: أوَّل ما يَنْبُت، تُسمِّيه النَّبَطَ هَبُوراً)) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي مالك، بهذا. وأبو مالك: هو الغِفاريُّ كوفيٌّ تابعيٌّ ثقة. قال أبو زُرعة: لا يُعرَف اسمُه. وقال غيره: اسمه غَزِوان، بمُعجَمَتَينٍ، وليس له في البخاريّ إلّ هذا الموضع. والنَّبَط بفتح النُّون والموخَّدة ثمَّ طاء مُهمَلة: هم أهل الفِلاحة من الأعاجم، وكانت أماكنهم بسَوادِ العراق والبَطائح، وأكثر ما يُطلَق على أهل الفِلاحة، ولهم فيها مَعارفُ اخْتَصُّوا بها، وقد جَمَعَ أحمد بن وَحشيّة في ((كتاب الفِلاحة)) من ذلك أشياء عجيبةً. وقوله: ((هَبُوراً)) بفتح الهاء وضمّ الموحّدة الخفيفة وسكون الواو بعدها راءٌ: هو دُقاق الَّرعِ بِالنَّبَطِيَّة، وقد قال ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ قال: هو الهَبُور (١). تنبيه: قرأ الجمهور ﴿وَالرَّتْحَانُ﴾ بالضَّمِّ عَطفاً على الحَبّ، وقرأ حمزة/ والكِسائيّ ٦٢٢/٨ بالخفضِ عَطفاً على العَصْف، وذكر الفَرّاء أنَّ هذه الآية في مَصاحف أهل الشّام: ((والحَبُّ ذا العَصفِ)) بعد الذّال المعجَمة ألِف، قال: ولم أسمع أحداً قرأ بها. وأثبَتَ غيره أنَّها قراءة ابن عامر، بل المنقول عن ابن عامر(٢) نصب الثلاثة: الحَبّ، وذا العَصْف، والرَّيحان، فقيلَ: عطف على ((الأَرْضَ)) لأنَّ معنى ﴿وَضَعَهَا﴾: جَعَلَها، فالتَّقْدير: وجَعَلَ الحَبَّ ... إلى آخره، أو نَصَبَه بـ(خَلَقَ)» مُضمَرة. قال الفَرّاء: ونَظِير ما وَقَعَ في هذا الموضع ما وَقَعَ في مصاحف أهل الكوفة: ((والجارَ ذا القُربَى والجارَ الجُنُب)) قال: ولم يقرأ بها أيضاً أحد. انتهى، وكأنَّه نَفَى المشهور، وإلّا فقد (١) لم نقف عليه من قول ابن عباس، وأخرجه ابن جرير الطبري في «تفسيره)) ٣٠/ ٣٠٤ عن الضحاك قال: هو الهَبُور بالنبطية، وفي رواية: المقهور. وقال ابن الأثير في ((النهاية)) مادة (هبر): قيل: هو دُقاق الزرع بالنبطية، ويحتمل أن يكون من الهَبْر: القَطْع. (٢) انظر ((النشر في القراءات العشر)) ٤٢٠/٢ لابن الجزري. ٣٦٠ سورة الرحمن فتح الباري بشرح البخاري قُرِئَ بها أيضاً في الشَّوَاذٌ. قوله: ((والمارِجُ: اللَّهبُ الأصفرُ والأخضرُ الذي يَعْلو النار إذا أُوقِدَت)) وَصَلَه الفِرْيابيُّ من طريق مجاهد، بهذا الإسناد، وسيأتي له تفسيرٌ آخَر. قوله: ((وقال بعضهم عن مجاهد: ﴿رَبُّ الْشْرِقَيْنِ﴾ ... )) إلى آخره، وَصَلَه الفِرْيابيُّ أيضاً، وأخرج ابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة، وسعيد بن منصور من طريق أبي ظَبْيانَ كلاهما عن ابن عبّاس قال: للشمس مَطلِعٍ في الشِّتاء ومغرب، ومَطلِعٍ في الصَّيف ومغربٌ. وأخرج عبد الرَّزّاق من طريق عِكْرمة، مِثله، وزاد قوله: ﴿بَرَبِّ الْشَرِقِ وَالْغَزِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]: لها في كلّ يوم مشرق ومغرب. ولابنِ أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عبّاس قال: ﴿الْشَرِقَيْنِ﴾: مَشِرِق الفجر ومَشِرِق الشَّفَقِ، و﴿ اَلْغْرِبَيْنِ﴾: مَغْرِب الشمس ومَغربُ الشَّفَقِ. قوله: ((﴿لَا يَغِيَانِ﴾: لا تَخْتَلِطان)) وَصَلَه الفِرْیابيُّ من طريق مجاهد. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: بينهما من البُعد ما لا يَبغي كلَّ واحد منهما على صاحبه. وتقدير قوله على هذا: ﴿يَلْيَقِيَانِ﴾ أي: أن يَلتَقيا، وحذفُ ((أنْ)) سائغٌ، وهو كقوله: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ﴾ [الروم: ٢٤]، وهذا يُقوِّي قولَ مَن قال: إنَّ المراد بالبحرَينِ: بحرُ فارس وبحرُ الرّوم، لأنَّ مسافةَ ما بينهما مُمتَدّة، والحُلو - وهو بحر النّيل أو الفُرات مثلاً - يَصُبّ في الملح، فكيف يَسُوع نفيُ اختلاطهما، أو يقال: بينهما بُعْد، لكن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] يَرُدّ على هذا، فلعلَّ المراد بالبحرَينِ في الموضعينِ مُخْتَلِف. ويُؤيِّده قول ابن عبَّاس هنا: قوله تعالى في هذا الموضع: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُوْلُ وَالْمَرْحَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، فإنَّ اللُّؤْلُؤْ يَخْرُج من بحر فارس، والمرجان يَخْرُج من بحر الرّوم، وأمَّا النِّيل فلا يَخْرُج منه لا هذا ولا هذا.