Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة النور/ ح ٤٧٥٤
كتاب التفسير
فيه آنَاءَ اللَّيل وأطراف النَّهار، وزاد في آخره: وسَقَطَت قِلادَتُك ليلةَ الأبواء فنزلَ التيمُّم،
فوالله إنَّك لَمُبَارَكٌ، ولأحمد (١٩٠٦ و٢٤٩٧) من طريق أُخرى فيها رجل لم يُسمَّ عن ابن
عبَّاس أنَّه قال لها: إنَّما سُمِّتِ أمَّ المؤمنينَ لتَسعَدي، وإنَّه لاسمُكِ قبلَ أن تُولَدي، وأخرجه
ابن سعد (٧٥/٨-٧٦) من طريق عبد الرَّحمن / بن سابطٍ عن ابن عبّاس مثله.
٤٨٤/٨
قوله: ((ودَخَلَ ابنُ الزُّبَيرِ خِلَافَه)) أي: على عائشة بعدَ أن خرج ابن عبّاس فَتَخالَفا في
الدُّخول والخروج ذهاباً وإياباً، وافَقَ رُجوعَ ابن عبّاس مَجَيُ ابن الزُّبَيرِ.
قوله: ((وَدِدْت ... )) إلى آخره، هو على عادة أهل الوَرَع في شِدّة الخوف على أنفُسهم، ووَقَعَ
في رواية ذَكْوانَ أنَّها قالت لابنِ عبَّاس هذا الكلام قبلَ أن يقوم، ولفظه: فقالت: دَعْني
مِنْكَ يا ابن عبّاس، فوالذي نفسي بيَدِه لَوَدِدتُ أنّي كنت نسياً مَنسيّاً.
تنبيه: لم يَذكُر هنا خُصوصَ ما يَتَعلَّق بالآية التي ذكرها في التَّرجمة صريحاً، وإن كان
داخلاً في عُموم قول ابن عبّاس: ((نزلَ عُذرُكِ من السماء))، فإنَّ هذه الآية من أعظم ما يَتَعلَّق
بإقامة عُذرها وبراءَتها رضي الله عنها، وسيأتي في الاعتصام (٧٣٧٠) من طريق هشام بن
عُرْوة: وقال رجل من الأنصار: سبحانَكَ ﴿مَّا يَكُونُ لَنْآ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَتَكَ ... ) الآية
[النور: ١٦]، وسأذكرُ تسميته هناكَ إن شاء الله تعالى.
قوله: ((حدّثنا ابن عَوْن)) هو عبد الله ((عن القاسم)) هو ابن محمَّد بن أبي بكر.
قوله: ((أنَّ ابن عبّاس ◌َ﴾ استَأْذَنَ على عائشة، نحوه)) في رواية الإسماعيليّ عن الهَثَم بن خَلَف
وغيره عن محمّد بن المشَّى شيخ البخاريّ فيه: فذكر معناه، قال المِّيُّ في ((الأطراف)): يعني قوله:
أنتِ زوجةُ رسول الله ونزلَ عُذرك. قلت: وقد أخرجه الإسماعيليّ وأبو نُعَيم في ((المستَخرَج))
من طريق حمَّد بن زيد عن عبد الله بن عَوْن، ولفظه: عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة: أنَّها
اشتَكَت، فاستأذَنَ ابن عبّاس عليها وأتاها يعودها فقالت: الآنَ يَدخُلُ عليَّ فِيُزَكّيني، فأذِنَت
له فقال: أبشِري يا أمّ المؤمنينَ، تَقدَمينَ على فَرَطِ صِدْق، وتقدمینَ على رسول الله ێ﴿ و على أبي
بكر، قالت: أعوذ بالله أن تُزكّيَني، وقد تقدَّم في مناقب عائشة (٣٧٧١) عن محمَّد بن بشَّار عن

٨٢
سورة النور/ ح ٤٧٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
عبد الوهّاب بإسناد الباب بلفظ: أنَّ عائشة اشتَكَت فجاء ابن عبّاس فقال: يا أمّ المؤمنينَ،
تَقدَمينَ على فَرَطِ صِدقٍ، على رسول الله وَّ وأبي بكر؛ فالذي يَظهَر أنَّ رواية عبد الوهّاب
مختصرة، وكأنَّ المراد بقوله: نحوه، ومعناه، بعضُ الحديث لا جميع تفاصيله. ثمَّ راجعتُ
((مُستَخرَج الإسماعيليّ)) فظَهَرَ لي أنَّ محمَّد بن المثنَّى هو الذي اختَصَرَه لا البخاريّ، لأنَّه
صَرَّحَ بأَنَّه لا يَحِفَظُ حديث ابن عَوْن، وأنَّه كان سمعَه ثمَّ نَسِيَه، فكان إذا حدَّث به
يَخْتَصِره، وكان يَتَحقَّق أنَّ قولها: ((نِسياً مَنسياً)) لم يقع في رواية ابن عَوْن، وإنَّمَا وَقَعَ في رواية
ابن أبي مُلَيكة، وأخرج ذلك الإسماعيليُّ عن جماعة من مشايخه عن محمَّد بن المثنَّى، وأخرجه
من طريق حمّاد بن زيد عن عبد الله بن عَوْن فساقَه بتمامه كما بيَّنْتُه، فهذا الذي أشارَ إليه ابن
المثنَّى، والله أعلم.
وفي هذه القِصّة دلالة على سَعَة عِلم ابن عبّاس وعظيم مَنزِلَته بينَ الصَّحابة والتابعينَ،
وتَواضُع عائشة وفضلها وتشديدها في أمر دِينها، وأنَّ الصَّحابة كانوا لا يَدخُلونَ على
أمَّهات المؤمنينَ إلّا بإذنٍ، ومَشُورة الصَّغير على الكبير إذا رآه عَدَلَ إلى ما الأَولِى خِلَافُه،
والتَّنبيهُ على رِعاية جانب الأكابر من أهل العلم والدِّين، وأن لا يُترَكَ ما يَستَحِقّونَه من
ذلك لمعارضٍ دونَ ذلك في المصلحة.
١٠ - بابٌ
﴿ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُ واْ لِمِثْلِهِ: أَبَدًا ﴾ الآية [النور: ١٧]
٤٧٥٥- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمَشِ، عن أبي الضُّحَى، عن
مسروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: جاء حسَّانُ بنُ ثابتٍ يَستَأذِنُ عليها، قلتُ: أتأذَنِينَ
لهذا؟ قالت: أوَليسَ قد أصابَه عذابٌ عظيمٌ؟ - قال سفيانُ: تَعْني ذهابَ بَصَرِه - فقال:
حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبةٍ وتُصبِحُ غَرْثَى من لُحُومِ الغَوافِلِ
٤٨٤/٨ قالت: لكنْ أنتَ ...
قوله: ((بابٌ ﴿ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُدُ واْلِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ الآية)) سَقَطَ لغير أبي ذرِّ لفظ ((الآية)).

٨٣
سورة النور/ ح ٤٧٥٥
كتاب التفسير
قوله: ((عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء حسَّان بن ثابت يَستَأذِن عليها)) فيه التِفات
من المخاطَبة إلى الغَيْبة، وفي رواية مُؤمَّل عن سفيان عندَ الإسماعيليّ: كنت عندَ عائشة فدَخَلَ
حسَّان، فأمَرَت فَأُلقيَت له وسادةٌ، فلمَّا خرج قلت: أتأذَنينَ لهذا؟
قوله: «قلت: أتأذَنينَ لهذا؟» في رواية مُؤمَّل: ما تَصنَعينَ بهذا؟ وفي رواية شُعْبة في الباب
الذي يَلِيه: ((تَدَعِينَ مِثلَ هذا يَدخُل عليك وقد أنزلَ الله: ﴿ وَالَّذِى تَوَلَّ كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾)، وهذا
مُشكِل، لأنَّ ظاهره أنَّ المراد بقوله: ﴿وَالَّذِ تَوَلَّ كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ هو حسَّان بن ثابت، وقد تقدَّم
قبلَ هذا أنَّه عبدُ الله بن أبيِّ، وهو المعتمَد، وقد وَقَعَ في رواية أبي حُذَيفة عن سفيان الثَّوريّ
عندَ أبي نُعَيم في ((المستَخرَج)): وهو ممَّن تَوَلَّى كِبْره؛ فهذه الرِّواية أخَفُّ إشكالاً.
قوله: «قالت: أوليسَ قد أصابه عذابٌ عظيمٌ؟)) في رواية شُعْبة: قالت: وأيّ عذابِ أشدُّ
من العَمَی؟
قوله: «قال سُفْيان: تَعْني ذهابَ بَصَره)) زاد أبو حُذَيفة: ((وإقامة الحدود))، ووَقَعَ بعدَ
هذا الباب في رواية شُعْبة تصريح عائشة بصفة العذاب دونَ رواية سفيان، ولهذا احتاجَ أن
يقول: ((تعني)). وسفيان المذكور: هو الثَّوْريّ، والراوي عنه الفِرْيابيّ، وقد روى البخاريّ
عن محمَّد بن يوسف، عن سفيان، عن الأعمش شيئاً غير هذا(١)، ومحمَّد بن يوسف فيه هو
البِيكَنديّ، وسفيان: هو ابن عُيَينةَ، بخِلَاف الذي هنا. ووَقَعَ عندَ الإسماعيليّ التَّصريح بأنَّ
سفيان هنا هو الثَّوريّ، ومحمَّد بن يوسف هو الفِرْیابيّ.
قوله: ((فشَبَّبَ))(٢) بِمُعجَمةٍ وموحَّدتَينِ الأُولى ثقيلة، أي: تَغَزَّلَ، يقال: شَبَّبَ الشّاعرُ
بفلانةَ، أي: عَرَّضَ بحُبِّها وذِكْر حُسْنها، والمراد ترقيق الشِّعر بذِكْر النِّساء، وقد يُطلَق على
إنشاد الشِّعر وإنشائه ولو لم يكن فيه غَزَلٌ، كما وَقَعَ في حديث أمّ مَعبَد: فلمَّا سمعَ حسَّان
شِعر الهاتف شَبَّبَ يجاوبُه(٣)؛ أي: أخَذَ في نَظْم جوابه.
(١) انظر (٦٨) و(٢٤٩) و(٧٦١) على سبيل المثال.
(٢) هذا الحرف في رواية شعبة في الباب التالي.
(٣) في (س): يجاريه، والمثبت من (أ) و(ع). والخبر عند الطبراني (٣٦٠٥)، والحاكم ٩/٣-١٠.

٨٤
سورة النور/ ح ٤٧٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((حَصَان)) بفتح المهمَلة، قال السُّهَيليُّ: هذا الوزن يَكثُر في أوصاف المؤنَّث وفي
الأعلام منها، كأنَّهم قَصَدوا بتَوالي الفَتَحات مُشاكلةَ خِفّة اللَّفظ لِفّة المعنى، ((حَصَان)) من
الِحِصْن والتَّحصين، يُراد به الامتناعُ على الرِّجال ومن نظرهم إليها.
وقوله: ((رَزَان)) من الرَّزَانة، يُراد قِلّة الحركة(١)، و((تُزَنّ)) بضمٍّ أوَّله ثمَّ زاي ثمَّ نون
ثقيلة، أي: ثُرمَی.
وقوله: (غَرْثَى)) بفتح المعجَمة وسكون الرَّاء ثمَّ مُثلَّثة، أي: خَميصة البطن، أي: لا
تغتابُ أحداً، وهي استعارة فيها تلميح بقوله تعالى في المغتاب: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ
يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا﴾.
٤٨٦/٨
و(«الغَوَافل)) جمع غافلةٍ: وهي العَفيفة الغافلة عن الشّ، والمراد تَبِثَتها من اغتياب
الناس بأكلٍ لُومِهم من الغِيبة، ومُناسَبة تسمية الغيبة بأكلِ اللَّحم: أنَّ اللَّحم ◌ِتْر على
العظم، فكأنَّ المغتاب یکشِف ما على مَن اغتابَه من ستر.
وزاد ابن هشام في ((السِّيرة)) في هذا الشِّعر على أبي زيد الأنصاريّ:
عَقِيلةُ حَيٍّ من لُؤَيّ بن غالبٍ كِرَامِ المَسَاعي ◌َدُهم غيرُ زائلٍ
مُهَذَّبةٌ قد طَيَّبَ اللهُ خِيمَها وطَهَّرَها من كلِّ سُوءٍ وباطلٍ
وفيه عن ابن إسحاق:
فإن كنتُ قد قلتُ الذي زَعَموا لكم فلا رَفَعَتْ سَوْطي إليَّ أَناملي
فكيف ووُدِّي ما حَيِيتُ ونُصرَتي لآلِ رسولِ الله زَيْنِ المَحَافلِ
وزاد فيه الحاكم في رواية له من غیر روایة ابن إسحاق:
حَلِيلةُ خيرِ الخلقِ دِيناً ومَنصِباً نبيِّ الهُدَى والمكرُماتِ الفَواضلِ
رأيتُكِ ولَيَغْفِرْ لكِ الله حُرَّةً من المُحصَناتِ غيرِ ذاتِ الغَوائلِ
(١) جاء في ((اللسان)): امرأةٌ رَزَانٌ: إذا كانت ذات ثبات ووقار وعفاف، وكانت رزينةً في مجلسها.

٨٥
سورة النور/ ح ٤٧٥٦
كتاب التفسير
والخِيمُ، بكسر المعجَمة وسكون التَّحتانيَّة: الأصل الثّابت، وأصله من الخَيْمة، يقال: خامَ
يخيم: إذا أقامَ بالمكان.
قوله: ((فقالت عائشة: لستَ كذاك))(١) ذكر ابن هشام عن أبي عبيدة: أنَّ امرأة مَدَحَت بنت
حسَّان بن ثابت عندَ عائشة فقالت: حَصَانٌ رَزَان ... البيت، فقالت عائشة: لكن أبوها؛ وهو
بتخفيفِ النّون، فإن كان محفوظاً أمكَنَ تعدُّد القِصّة ويكون قوله في بعض طرق رواية
مسروق: (يُشَبِّب بينتٍ له)) بالنّونِ لا بالتَّحتانيَّة، ويكون نَظمُ حسَّان في بنته لا في عائشة، وإنّما
تَمَثَّلَ به، لكن بقيَّة الأبيات ظاهرة في أنَّها في عائشة، وهذا البيت في قصيدة لحسَّانَ يقول فيها:
فإن كنتُ قد قلتُ الذي زَعَموا لكم فلا رَفَعَتْ سَوْطي إليَّ أناملي
وإنَّ الذي قد قيل: ليسَ بلائطِ بكِ الدَّهرَ بل قِيلُ امْرِئٍ مُتَمَاحِلٍ
قوله: ((قالت: لكنْ أنتَ)) في رواية شعبة: قالت: لستَ كذاك، وزاد في آخره: وقالت:
قد كان يَرُدّ عن رسول الله وَّةِ، وتقدَّم في المغازي (٤١٤٦) من وجه آخر عن شُعْبة بلفظ:
إِنَّه كان يُنافِح أو يُهاجِي عن رسول الله وَّه. ودَلَّ قول عائشة: ((لكن أنتَ لست كذلك))
على أنَّ حسَّان كان ممَّن تَكلَّمَ في ذلك، وهذه الزيادة الأخيرة تقدَّمت هناكَ (٤١٤٥) من
طريق عُرْوة عن عائشة أتمَّ من هذا، وتقدَّم هناكَ أيضاً في أثناء حديث الإفك (٤١٤١)
من طريق صالح بن كَيْسانَ عن الزُّهْريّ: قال عُرْوة: كانت عائشة تَكرَه أن يُسبَّ عندَها
حسَّان وتقول: إنَّه الذي قال:
فإنَّ أَبِي ووالِدَه وعِرْضي لعِرْضٍ محمَّدٍ منكم وِقَاءُ
١١ - بابٌ
﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨]
٤٧٥٦ - حدَّثْني محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، أنبأَنَا شُعْبةُ، عن الأعمَشِ، عن أبي
الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: دَخَلَ حسَّانُ بنُ ثابتٍ على عائشةَ، فشَبَّبَ وقال:
(١) هذا الحرف في رواية شعبة الآتية في الباب التالي.

٨٦
سورة النور/ ح ٤٧٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبةٍ وتُصبِحُ غَرْثَى من لُحُومِ الغَوافِلِ
قالت: لستَ كذاكَ، قلتُ: تَدَعِينَ مِثلَ هذا يَدخُلُ عليكِ وقد أنزلَ الله: ﴿وَالَّذِى تَوَلَّ كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾؟
[النور: ١١] فقالت: وأيُّ عذابِ أشَدُّ منَ العَمَى؟ وقالت: وقد كان يَرُدُّ عن رسولِ الله وَّ.
قوله: ((باب﴿﴿وَيُبَيِّنُاللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ وَاللهُعَلِيمٌ حَكِيمُ ﴾)) ذكر فيه بعض حديث مسروق عن
عائشة، وقد بيَّنتُ ما فيه في الباب الذي قبلَه(١).
٤٨٧/٨
١٢ - باب قوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اُلْفَاحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾
الآيةَ إلى قوله: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ١٩ - ٢٠]
﴿َتَشِيعَ﴾: تَظْهَر.
﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِيِ اَلْقُرْبَى وَالْمَسِكِينَ﴾
إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]
٤٧٥٧ - وقال أبو أسامةَ: عن هشام بنِ عُرْوةَ، قال: أخبرني أبي، عن عائشةَ، قالت: لمَّا
ذُكِرَ من شأني الذي ذُكِر، وما عَلِمْتُ به، قامَ رسولُ الله ◌َِّ فَّ خَطِيباً، فَتَشَهَّدَ فحَمِدَ الله وأثْنَى
عليه بما هو أهله، ثمّ قال: ((أمَّا بَعْدُ، أَشِيروا عليَّ في أُنَاسِ أَبَنُوا أهلي، وايمُ الله! ما عَلَمْتُ على
أهلي من سوءٍ، وأبَنُوهم بمَن والله ما عَلِمْتُ عليه من سوءٍ قَطُّ، ولا يَدخُلُ بيتي قَطُّ إلّا وأنا
حاضرٌ، ولا غِبتُ في سَفَرِ إلَّا غابَ معي)) فقامَ سعدُ بنُ معاذٍ فقال: اتْذَنْ لي يا رسولَ الله أن
نَضْرِبَ أعناقَهم، وقامَ رجلٌ من بني الخَزْرَجِ - وكانت أمُّ حسَّان بنِ ثابتٍ من رَهْطِ ذلك
الرجلِ - فقال: كَذَّبْتَ، أما والله أن لو كانوا منَ الأوسِ ما أحبَيْتَ أن تُضْرَبَ أعناقُهم؛ حتَّى
(١) زاد بعد هذا في (أ) و(س): ((وقوله في أول السَّنَد: حدَّثنا محمَّد بن كثير أخبرنا سليمان، كذا للأكثر غير
منسوب وهو سلیمان بن کثیر أخو محمّد الراوي عنه صرَّح به، ووقع في رواية الأصيليِّ عن أبي زید
كالجماعة، وعن الجُرجانيِّ: سفيان، بَدَل سليمان، قال أبو عليّ الجيّانُّ: وسليمان هو الصَّواب))، ولم يرد في
(ع) وهو الصواب، فمكانه في شرح الحديث (٤٧٥١)، وقد جاء هناك نحوه.

٨٧
سورة النور/ ح ٤٧٥٧
كتاب التفسير
كادَ أن يكونَ بينَ الأوسِ والخَزْرَجِ شَّ في المسجدِ، وما عَلِمْتُ، فلمَّا كان مَساءُ ذلك اليوم،
خَرَجْتُ لبعض حاجَتي ومعي أمُّ مِسْطَحِ، فَعَثَرَت، وقالت: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فقلتُ: أيْ أمِّ،
تَسُبِّينَ ابنَكِ؟ وسَكَتَت، ثمَّ عَثَرَتِ الثّانيةَ، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فقلتُ لها: أيْ أمِّ، أتسُبِّينَ
ابنَكِ؟ ثمَّ عَثَرَتِ الثّالثةَ، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَانتَهَرْتُها، فقالت: والله ما أسُبُّه إلّا فِيكِ،
فقلتُ: في أيِّ شأني؟ قالت: فبَقَرَت لي الحديثَ، فقلتُ: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله،
فَرَجَعْتُ إلى بيتي كأنَّ الذي خَرَجْتُ له لا أجِدُ منه قليلاً ولا كثيراً، ووُعِكْتُ، فقلتُ
لِرسولِ الله وَّهِ: أرسِلْني إلى بيتِ أبي، فأرسَلَ معي الغلامَ.
فدَخَلْتُ الدَّارَ، فَوَجَدْتُ أَّ رُومانَ في الشُّفْلِ، وأبا بكرٍ فوقَ البيتِ يقرأُ، فقالت أمّي: ما
جاء بكِ يا بُنِيَّة؟ فأخبرتُها، وذَكَرْتُ لها الحديثَ، وإذا هو لم يَبْلُغْ منها مِثلَ ما بَلَغَ منّي، فقالت:
يا بُنيَّةُ، خَفِّضى عليكِ الشَّأنَ، فإنَّه والله لَقَلَّما كانتِ امرأةٌ حَسْناءُ عندَ رجلٍ يُحِيُّها، لها ضَرائِرُ،
إلّا حَسَدْنَهَا، وقيل فيها، وإذا هو لم يَبْلُغْ منها ما بَلَغَ منّي، قلتُ: وقد عَلِمَ به أبي؟ قالت: نعم،
قلتُ: ورسولُ اللهِ وٍَّ؟ قالت: نعم، ورسولُ اللهِ وَّةِ، واسْتَعْبَرْتُ وبَكَيتُ، فسَمِعَ أبو بكرٍ
صوتي وهو فوقَ البيتِ يقرأُ، فنزلَ، فقال الأُمّي: ما شأنُها؟ قالت: بَلَغَها الذي ذُكِرَ من شأنها،
ففاضَت عَيناهُ،/ قال: أقسَمْتُ عليكِ أيْ بُنيَّةُ، إلّا رَجَعْتِ إلى بيتِكِ، فَرَجَعْتُ.
٤٨٨/٨
ولقد جاء رسولُ الله ◌َّ بيتي، فسألَ عنِّي خادِمَتي، فقالت: لا والله، ما عَلِمْتُ عليها عَيباً
إلّا أنَّها كانت تَرْقُدُ حتَّى تَدْخُلَ الشّاةُ، فَتَأْكُلَ خَمِيرَها أو عَجِينَها، وانتَهَرَها بعضُ أصحابِهِ،
فقال: اصْدُقي رسولَ الله وَّةِ، حتَّى أسقَطُوا لها به، فقالت: سُبْحانَ الله! والله ما عَلِمْتُ عليها
إلّا ما يَعْلَمُ الصّائِغُ على تِيْرِ الذَّهَبِ الأحمرِ. وبَلَغَ الأمرُ إلى ذلك الرجلِ الذي قيل له، فقال:
سُبْحانَ الله! والله ما كَشَفْتُ كَتَفَ أُنثَى قَطُّ، قالت عائشةُ: فقُتِلَ شَهِيداً في سبيلِ الله، قالت:
وأصبَحَ أبَوَاي عندي، فلم يزالا حتَّى دَخَلَ عليَّ رسولُ الله ◌ِ، وقد صَلَّى العَصْرَ، ثمَّ دَخَلَ وقد
اكْتَنَفَنِي أَبَوَاي عن يَمِيني وعن شِمالٍ، فَحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عليه، ثمّ قال: ((أمَّا بَعْدُ يا عائشةُ، إنْ
كنتٍ قارَفْتِ سوءاً أو ظَلَمْتِ، فتُوبي إلى الله، فإنَّ اللهَ يقبلُ التوبةَ من عِبادِه)) قالت: وقد جاءتٍ

٨٨
سورة النور/ ح ٤٧٥٧
فتح الباري بشرح البخاري
امرأةٌ منَ الأنصارِ، فهي جالسةٌ بالباب، فقلت: ألا تَسْتَحي من هذه المرأةِ أن تَذْكُرَ شيئاً؟ فَوَعَظَ
رسولُ الله ◌َّةِ، فالتَفَتُّ إلى أبي، فقلتُ: أجِبْه، قال: فماذا أقول؟ فالتَفَتُّ إلى أمّي، فقلتُ: أجِيِه،
فقالت: أقولُ ماذا؟ فلمَّا لم يُحِباه، تَشَهَّدْتُ فحَمِدْتُ اللهَ وأثْنَيتُ عليه بما هو أهله، ثمَّ قلتُ: أمّا
بَعْدُ، فوالله لَئِنِ قلتُ لكم: إنّي لم أفعَلْ - واللهُ عزَّ وجلَّ يَشْهَدُ إنّ لَصادِقَةٌ - ما ذاكَ بنافعي
عندَكم، لقد تَكلَّمْتُم به وأُشْرِبَتْه قلوبُكم، وإن قلتُ: إنَّ فَعَلْتُ - واللهُ يَعْلَمُ أنّي لم أفعَلْ -
لَتقولُنَّ: قد باءَت به على نفسِها، وإنّ والله ما أَجِدُ لي ولكم مثلاً - والتَمَسْتُ اسمَ يعقوبَ فلم
أقدِرْ عليه - إلّا أبا يوسفَ حينَ قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَاتَصِفُونَ﴾.
وأُنزِلَ على رسولِ الله وَلَهَ من ساعَتِهِ، فسَكَتْنَا، فَرُفِعَ عنه وإِّي لَأَتبيَّنُ السُّرورَ في وجهِه،
وهو يَمْسَحُ جَبِينَه، ويقول: ((أَبشِري يا عائشةُ، فقد أَنزَلَ اللهُ براءَتَكِ)) قالت: وكنتُ أشَدَّ ما
كنتُ غَضَباً، فقال لي أبَوَاي: قُومي إليه، فقلتُ: والله لا أقومُ إليه، ولا أحمَدُه، ولا أحمدُكُما،
ولكنْ أحمدُ الله الذي أنزَلَ براءَتي، لقد سمعتُموه فما أنكَرْ تُوه، ولا غَيَّرْ تُوه.
وكانت عائشةُ تقولُ: أمَّا زَينَبُ ابنةُ جَحْش، فعَصَمَها الله بدِينِها، فلم تَقُل إلَّا خيراً، وأمَّا
أُختُها ◌َْنَةُ فَلَكَت فيمَن هَلَكَ، وكان الذي يتكلَّمُ فيه مِسْطَحٌ، وحسَّانُ بنُ ثابتٍ، والمنافقُ
عبدُ الله بنُ أَيٍّ، وهو الذي كان يَستَوْشِيه ويَجمَعُه، وهو الذي تَوَلَّى كِيْرَه منهم هو وَمْهُ،
قالت: فَحَلَفَ أبو بكرٍ أن لا يَنْفَعَ مِسْطَحاً بنافعةٍ أبداً، فَأَنزَلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ
الْفَضْلِ مِنكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ، يعني: أبا بكر ﴿ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسِكِينَ﴾ يعني:
مِسْطَحاً، إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حتَّى قال أبو بكرٍ: بلى والله يا
رَبَّنَا، إنّا لَنُحِبُّ أن تَغْفِرَ لنا، وعادَله بما كان يَصْنَعُ.
٤٨٩/٨
قوله: ((باب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ اُلْفَحِشَةُ فِىِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآيةَ إلى قوله:
﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾)) كذا لأبي ذرِّ، وساقَ غيره إلى ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
قوله: ((﴿تَشِيعَ﴾: تَظْهَر)» ثَبَتَ هذا لأبي ذرِّ وحده، وقد وَصَلَه ابن أبي حاتم (٢٥٥٠/٨)
من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾: تظهر، يَتَحَدَّث به، ومن
طريق سعيد بن جُبَير في قوله: ﴿تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ يعني: أن تَفشُوَ وتظهرَ، والفاحشة: الزّنى.

٨٩
سورة النور/ ح ٤٧٥٨-٤٧٥٩
كتاب التفسير
قوله: (﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ﴾ إلى قوله:
﴿وَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾)) سَقَطَ لغير أبي ذرِّ فصارت الآيات موصولاً بعضُها ببعضٍ.
فأمَّا قوله: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ﴾ فقال أبو عبيدة: معناه: لا يَفْتَعِلْ من: آلَيتُ، أي: أقسَمْت، وله
معنَى آخر من: أَوْتُ، أي: قَصَّرتُ، ومنه: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]، وقال
الفَرّاء: الائتِلاءُ: الحَلِف، وقرأ أهل المدينة: ((ولا يَتألَّ)) بتأخير الهمزة وتشديد اللّام، وهي
خِلَاف رَسْم المصحَف. وما نَسَبَه إلى أهل المدينة غير معروف(١)، وإنَّما نُسِبَت هذه القراءة
للحسنِ البصريّ، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في
قوله: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ﴾ يقول: لا يُقسِم، وهو يُؤيِّد القراءة المذكورة.
قوله: ((وقال أبو أسامة عن هشام بن عُرْوة ... )) إلى آخره، وَصَلَه أحمد (٢٤٣١٧) عنه
بتمامه، وقد ذكرتُ ما فيه من فائدة في أثناء حديث الإفك الطَّويل قريباً (٤٧٥٠)، ووَقَعَ في
رواية المُستَمْلِي عن الفِرَبْريِّ: ((حدَّثنا مُميدُ بن الرَّبيع، حدَّثنا أبو أسامة)) فظَنَّ الكِرْمانيُّ أنَّ
البخاريّ وَصَلَه عن حُميدٍ بن الرَّبيع، وليس كذلك، بل هو خطأ فاحش فلا يُغتَرُّ به.
١٣ - بابٌ ﴿وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَ﴾ [النور: ٣١]
٤٧٥٨ - وقال أحمدُ بنُ شَبِيبٍ: حدَّثنا أَبي، عن يونُسَ، قال ابنُ شِهابٍ: عن عُرْوةَ، عن
عائشةَ رضي الله عنها، قالت: يرحمُ الله نساءَ المهاجِراتِ الأُوَّلَ، لمَّا أنزَلَ الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ
بِمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَ﴾ شَقَّقْنَ مُروطَهنَّ، فاختَمَرْنَ بها.
[طرفه في: ٤٧٥٩]
٤٧٥٩- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ نافعٍ، عن الحسنِ بنِ مسلمٍ، عن صَفِيَّةً بنت
شَيْبةَ، أنَّ عائشةَ رضي الله عنها كانت تقولُ: لمَّا نزلت هذه الآيةُ: ﴿وَلْيَضْرِنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى
جُيُوبِنَ﴾ أخَذْنَ أُزْرَهنَّ، فشَقَّقْتَها من قِبَلِ الحَوَاشي، فاختَمَرْنَ بها.
(١) بل هي كذلك في قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني أحد القراء العشرة، انظر ((النشر في القراءات العشر))
٣٣١/٢، وقرأ سائر القَرَأَة بما فيهم نافع المدني: ((يأتلِ)).

٩٠
سورة النور/ ح ٤٧٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((بابٌ ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِ مِنَّ عَلَى جُوبِهِنَ﴾)) كأنَّ (يَضِرِينَ)) ضُمِّنَ معنى: يُلِقِينَ،
فلذلك عُدّيَ بعَلَى.
قوله: ((وقال أحمد بن شَبِيب)) بمُعجَمةٍ وموخَّدتَينِ وزن عَظيم، وهو من شيوخ
البخاريّ إلّا أنَّه أورَدَ هذا عنه بهذه الصِّيغة، وقد وَصَلَه ابن المنذر عن محمَّد بن إسماعيل
الصّائغ(١) عن أحمد بن شَبيب، وكذا أخرجه ابن مَرْدويه من طريق موسى بن سعيد الدَّنْدانيّ
عن أحمد بن شَبيب بن سعيد، وهكذا أخرجه أبو داود (٤١٠٢) والطَّبَري(٢) (١٨/ ١٢٠)
من طريق قُرّة بن عبد الرَّحمن عن الزُّهْريّ مِثْلَه.
قوله: ((يرحم الله نساءَ المهاجِرات)) أي: النِّساءَ المهاجِرات، فهو كقولهم: شجرُ الأراك،
ولأبي داود(٣) من وجه آخر عن الزُّهْريّ: يرحم الله النِّساء المهاجِرات.
قوله: ((الأُوَل)) بضمِّ الهمزة وفتح الواو جمع أُولَى، أي: السابقات من المهاجرات، وهذا
يقتضي أنَّ الذي صَنَعَ ذلك نساء المهاجرات، لكن في رواية صَفيَّة بنت شَيْبة عن عائشة أنَّ
٤٩٠/٨ ذلك/ في نساء الأنصار کما سأُنبِّه عليه.
قوله: ((مُروطهنَّ) جمع مِرْط: وهو الإزار، وفي الرّواية الثّانية: أُزْرهنَّ، وزاد: شَقَّقنَها
من قِبَلِ الخَوَاشي.
قوله: ((فاختَمَرْنَ)) أي: غَطَّيْنَ وجوهَهنَّ، وصفة ذلك أن تَضَعَ الخِمار على رأسها وترميَه
من الجانب الأيمن على العاتق الأيسَر وهو التَّقْنُّع، قال الفَرّاء: كانوا في الجاهليَّة تُسدِلُ
المرأة ◌ِمارَها من ورائها وتَكشِف ما قُدّامها، فأُمِرنَ بالاستتار، والخمار للمرأة كالعِمامة
للرجلِ.
(١) كذا وقع للحافظ ابن حجر، وهو سبق قلم، والصواب: محمد بن علي بن زيد الصائغ، كما في ((التوضيح))
لابن الملقّن ٥٨/٢٣، فإنه هو الذي يروي عن أحمد بن شبيب لا محمد بن إسماعيل، وانظر ترجمة محمد
ابن علي هذا في ((سير أعلام النبلاء)) ٤٢٨/١٣.
(٢) تحرف في (س) إلى: الطبراني.
(٣) لعله في بعض روايات ((سننه)) التي لم نقف عليها، والله تعالى أعلم.

٩١
سورة الفرقان/ ح ٤٧٥٩
كتاب التفسير
قوله في الرِّواية الثّانية: ((عن الحسن)) هو ابن مسلمٍ.
قوله: ((لمَّا نزلت هذه الآية ﴿وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِنَ﴾ أخَذْنَ أَزْرهنَّ)) هكذا وَقَعَ
عندَ البخاريّ الفاعلُ ضميراً، وأخرجه النَّسائيُّ (ك١١٢٩٩) من رواية ابن المبارك عن
إبراهيم بن نافع بلفظ: أخَذَ النِّساء، وأخرجه الحاكم (٣٩٧/٢) من طريق زيد بن الحُبَاب
عن إبراهيم بن نافع بلفظ: أخَذَ نساء الأنصار، ولابنِ أبي حاتم (٨/ ٢٥٧٥) من طريق
عبد الله بن عثمان بن خُثَيمٍ عن صَفيَّة ما يُوضح ذلك، ولفظه: ذَكَرنا عندَ عائشة نساء
قُرَيش وفضلَهنَّ، فقالت: إنَّ نساء قُرَيش لَفْضَلاء، ولكنّي والله ما رأيت أفضل من نساء
الأنصار: أشدّ تصديقاً بكتاب الله ولا إيماناً بالتَّنزيلِ، لقد أُنزِلَت سورة النّور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ
بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُوبِنَ﴾ فانقَلَبَ رجالهنَّ إليهنَّ يَتَلُونَ عليهنَّ ما أُنزِلَ فيها، ما منهنَّ امرأةٌ إلّا
قامَت إلى مِرْطها فأصبَحنَ يُصَلّينَ الصُّبح مُعتَجِراتٍ كأنَّ على رُؤوسِهِنَّ الغِربانُ. ويُمكِن
الجمع بينَ الرِّوايتَينِ بأنَّ نساء الأنصار بادَرنَ إلى ذلك.
٢٥ - سورة الفرقان
بِسمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿هَبَلَ مَنُورًا﴾ [٢٣]: ما تَسْفي به الرِّيحُ.
﴿رُعَاؤُكُمْ﴾ [٧٧]: إِيمَانُكُم.
﴿مَّ الِظِّلَّ﴾ [٤٥]: ما بينَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلوعِ الشمسِ.
﴿سَاكِنَا ﴾ [٤٥]: دائماً.
﴿عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [٤٥]: طُلوعُ الشمس.
◌ْخِلْفَةٌ﴾ [٦٢]: مَن فاتَه منَ اللَّيْلِ عَمَلٌ أَدْرَكَه بالنَّهارِ، أو فاتَه بالنَّهارِ أَدْرَكَه باللَّيل.
وقال الحسنُ: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [٧٤]: في طاعةِ الله، وما
شيءٌ أَقَرَّ لِعِينِ المؤمنِ من أن يَرَى حبيبه في طاعةِ الله.

٩٢
سورة الفرقان/ ح ٤٧٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿ثُبُورًا﴾ [١٣]: وَيلاً.
وقال مجاهدٌ: عَتَوْا: طَغَوْا.
وقال غيرُه: السَّعِير مُذكَّرٌ، والتّسعيرُ والاضْطِرامُ: التوقُّدُ الشَّدِيد.
﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ آَكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُعْلَى عَلَيْهِ ﴾ [٥]: تُقرَأُ عليه، من: أملَيتُ وأملَلْتُ.
الرَّسُّ: المَعدِنُ، جمعُه: رِسَاسُ.
﴿ مَا يَعْبَؤُأ﴾ [٧٧]: يقال: ما عَبَأْتُ به شيئاً: لا يُعْتَدُّ به.
﴿غَرَامًا﴾ [٦٥]: هلاكاً.
وقال ابنُ عُيَينَةَ: ﴿عَانِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]: عَتَت على الخُزّان.
قوله: ((سورة الفُرْقان - بِسْمِ اللَّهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ. وقال ابن عبّاس: ﴿هَبَآءُ مَنْثُورًا﴾: ما
تَسْفي به الرّيح)) وَصَلَه ابن جَرِير (١٩ /٤) من طريق ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عبّاس
مِثله، وزاد في آخره: وتبُثَّه، ولابنِ أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس
قال(١).
وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿هَبَلَ مَنْثُورًا﴾: هو الشيء الذي يَدخُل البيتَ من الكُوّة،
يَدخُلِ مِثْلُ الغُبار معَ الشمس، وليس له مَسّ ولا يُرَى في الظُّلّ. وروى ابن أبي حاتم من
طريق الحسن البصريّ نحوه وزاد: لو ذهب أحدُكم يقبضُ عليه لم يَستَطِع، ومن طريق الحارث
عن عليّ في قوله: ﴿هَبَآَ مَنُورًا﴾ قال: ما يُنْثَر من الكُوَّة.
قوله: (﴿مُعَاؤُكُمْ﴾: إيمانُكُمْ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم (٢٧٤٥/٨) من طريق عليّ بن أبي
٤٩١/٨ طلحة عن ابن عبّاس / مثله، وقد تقدَّم الكلام عليه في أوائل كتاب الإيمان(٢)، وثَبَتَ هذا هنا
للنَّسَفيِّ وحدَه.
(١) بياض في الأصول الخطية، والأثر عند ابن أبي حاتم في «تفسيره)) ٢٦٧٩/٨، وفيه عن ابن عباس قوله:
((هباءً منثوراً)) يقول: الماء المُهرَاق.
(٢) في ((باب دعاؤكم إيمانكم)) بين يدي الحديث رقم (٨).

٩٣
سورة الفرقان/ ح ٤٧٥٩
كتاب التفسير
قوله: ((﴿ مَدَّ الظِّلَّ﴾: ما بينَ طُلوعِ الفَجْر إلى طلوع الشمس)) وَصَلَه ابن أبي حاتم
(٨/ ٢٧٠١) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس مِثله، وعندَ عبد الرَّزّاقَ(١)، عن
مَعمَر، عن الحسن وقَتَادة مِثله، وقال ابن عَطيَّة: تَظاهَرَت أقوال المفسِّرِينَ بهذا، وفيه نظرٌ
لأَنَّه لا خَصُوصيّة لهذا الوقت بذلك، بل من بعدٍ غُروب الشمس مُدّةٌ يسيرةٌ يَبقَى فيها
ظِلِّ ممدود معَ أنَّه في نهار، وأمَّا سائر النَّهار ففيه ظِلال مُتَقَطِّعة. ثمَّ أشارَ إلى اعتراض آخر:
وهو أنَّ الظِّلّ إنَّما يقال لمَا يقع بالنَّهار، قال: والظِّلّ الموجود في هذَينِ الوقتَينِ من بقايا
اللَّیل، انتھی.
والجواب عن الأوَّل: أنَّه ذكر تفسير الخُصوص من سياق الآية، فإنَّ في بَقِيَّتِها ﴿ثُمَّ
جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ والشمس تَعقُب الذي يُوجَد قبلَ طُلوعها فتزيله، فلهذا جُعِلَت
عليه دليلاً، فظَهَرَ اختصاصُ الوقت الذي قبلَ الطَّوع بتفسير الآية دونَ الذي بعدَ
الغُروب، وأمَّ الاعتراض الثّاني فساقط، لأنَّ الذي نَقَلَ أنَّه يُطلَق على ذلك ظِلّ ثقةٌ مُثبت،
فهو مُقدَّم على النَّافي، حتَّى ولو كان قول النافي مُحُقَّقاً لَمَا امتَنَعَ إطلاقُ ذلك عليه مجازاً.
قوله: (﴿سَاكِنَا﴾: دائما)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من الوجه المذكور.
قوله: (﴿عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾: طُلُوعُ الشمس)) وَصَلَه ابن أبي حاتم كذلك.
قوله: (﴿خِلْفَةً﴾: مَن فاتَه من اللَّيْل عَمَلٌ أَدْرَكَه بالنَّهار، أو فاتَه بالنَّهار أدْرَكَه باللَّيلِ»
وَصَلَه ابن أبي حاتم أيضاً (٢٧١٨/٨) كذلك، وكذا أخرجه عبد الرَّزّاق (٧١/٢) عن
معمر، عن الحسن نحوه.
قوله: ((قال الحسن)) هو البصريّ.
قوله: ((﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَّلِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾: في طاعة الله) وَصَلَه سعید بن
منصور: حدَّثنا جَرِير بن حازِم: سمعت الحسن وسألَه رجل عن قوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ
أَزْوَجِنَا﴾: ما القُرّة، أفي الدُّنيا أم في الآخرة؟ قال: بل في الدُّنيا، هي والله أن يرى العبدُ من
(١) في ((تفسيره)) ٢/ ٧٠.

٩٤
سورة الفرقان/ ح ٤٧٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
ولده طاعة الله ... إلى آخره، وأخرجه عبد الله بن المبارك في ((كتاب البرّ والصِّلة)) عن حَزْم
القُطَعَيّ عن الحسن، وسَمَّی الرجلَ السائل کثیرَ بن زياد.
قوله: ((وما شيءٌ أَقَرَّ لعينِ المؤمن من أن يَرَى حبيبه في طاعة الله)) في رواية سعيد بن
منصور: أن یری ◌َمِیمَه.
قوله: ((وقال ابن عبّاس ﴿ثُبُورًا﴾: وَيلاً)) وَصَلَه ابن المنذر من طريق عليّ بن أبي طلحة
عن ابن عبّاس، وثَبَتَ هذا لأبي ذرٍّ والنَّسَفيِّ فقط، وقال أبو عُبيدة في قوله: ﴿دَعَوْاْ هُنَاِكَ
ثُبُورًا ﴾ أي: هَلَكةً.
قوله: ((وقال مجاهد: ﴿عَتَوْا﴾: طَغَوا)) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عن
مجاهد في قوله: ﴿وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] قال: طَغَوا.
قوله: ((وقال غيره: السَّعير مُذكَّر)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ
سَعِيرًا﴾ ثمّ قال بعدَه: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾﴾)) [الفرقان: ١١-١٢] والسَّعير مُذكَّر: وهو ما تُسَعَّر به
النار، ثمَّ أعادَ الضَّمير للنّار، والعرب تفعل ذلك تُظهِر مُذكَّراً من سبب مُؤنَّث ثمَّ يُؤنِّثونَ
ما بعدَ المذگَّر.
قوله: ((والتَّسْعير والاضْطِرام: التوقُّد الشَّديد)) هو قول أبي عبيدة أيضاً.
قوله: ﴿أَسَطِيرُ﴾ تقدَّم في تفسير سورة الأنعام.
قوله: (﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾: تُقْرَأُ عليه، من: أملَيتُ وأملَلْتُ)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿فَهِىَ
تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ أي: تُقرأ عليه، وهو من: أملَيتُ عليه، وهي في موضع آخر: أملَلتُ عليه،
يشير إلى قوله تعالى في سورة البقرة [٢٨٢]: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾.
قوله: ((الرَّسُّ: المعدِن، جمعه: رِسَاس)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿وَأَصْحَبَ الرَّسِ﴾ [الفرقان: ٣٨]
أي: المعدِن، وقال الخليل: الرَّسُ كلُّ بئر تكون غير مَطويَّة، ووَراءَ ذلك أقوال: أحدها
أورَدَه ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: الرَّسّ: البئر، ومن طريق
سفيان عن رجل عن عِكْرمة قال: أصحاب الرَّسّ رَسُّوا نبيَّهم في بئر، ومن طريق سعيد

٩٥
سورة الفرقان/ ح ٤٧٦٠
كتاب التفسير
عن قَتَادة قال: حُدِّثنا أنَّ أصحاب الرَّسّ كانوا باليمامة، ومن طريق شَبيب عن عِكْرمة عن
ابن عبّاس في قوله: ﴿وَأَصْحَبَ الرَّسِ﴾ قال: بئر بأذرْبِيجانَ.
قوله: (﴿مَا يَعْبَؤُاْ﴾: يقال: ما عَبَأْتُ به شيئاً: لا يُعتَدُّ به)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿ قُلّمَا
يَعْبَؤُ أُ بِكُتْرَبٍ﴾ / هو من قولهم: ما عَبَأْتُ بك شيئاً، أي: ما عَدَدتُك شيئاً.
٤٩٢/٨
تنبيه: وَقَعَ في بعض الرِّوايات تقديم وتأخير لهذه التَّفاسيرِ، والخَطبُ فيها سَهْل.
قوله: (﴿غَرَامًا﴾: هلاكاً)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾ أي:
هلاكاً وإلزاماً لهم، ومنه: رجلٌ مُغرَم بالحُبِّ.
قوله: ((وقال ابن عُبَينةَ: ﴿عَاِيَةٍ﴾: عَتَت على الخُزّان)) كذا في ((تفسيره))، وهذا في سورة
الحاقّة [٦]، وإنَّما ذكره هنا استطراداً لمَّا ذكر قوله: ((﴿وَعَنَّوْ﴾، وقد تقدَّم ذِكْر هذا في قِصّة
هود من أحاديث الأنبياء(١).
١ - باب قوله:
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ الآيةَ [الفرقان: ٣٤]
٤٧٦٠- حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا يونسُ بنُ محمَّدِ البَغْدادِيُّ، حدَّثْنَا شَيْبانُ، عن قَتَادةَ،
حدَّثنا أنسُ بنُ مالكٍ ﴾: أنَّ رجلاً قال: يا نبيَّ الله، يُحْشَرُ الكافرُ على وجهِه يومَ القيامةِ؟ قال: ((أليسَ
الذي أمشاهُ على الرِّجْلَينِ في الدُّنْيا، قادراً على أن يُمْشِيَه على وجهِهِ يومَ القيامةِ؟)).
قال قَتَادةُ: بَلَى، وعِزّةِ رَبِّنا.
[طرفه في: ٦٥٢٣]
قوله: ((باب قوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ ﴾ الآيةَ)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ
غيره إلى قوله: ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾.
قوله: ((شَيْبان)) هو ابن عبد الرَّحمن.
(١) بين يدي الحديث رقم (٣٣٤٣).

٩٦
سورة الفرقان/ ح ٤٧٦١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أنَّ رجلاً قال: يا نبيَّ الله، يُحْشَر الكافرُ)) لم أقِفْ على اسم السائل، وسيأتي شرح
الحديث مُستَوفَّى في كتاب الرِّقاق (٦٥٢٣) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((يُحِشَر الكافر)) في رواية الحاكم (٤٠٢/٢) من وجه آخر عن أنس: سُئِلَ رسول الله
وَله: كيف يُحِشَر أهل النار على وجوههم؟ وفي حديث أبي هريرة عندَ البَزَّار: ((يُحْشَرِ الناسُ
على ثلاثة أصناف: صِنف على الدَّواب، وصِنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم)) فقيل:
فكيفَ يَمشونَ على وجوههم؟ الحديثَ. ويُؤخَذ من مجموع الأحاديث أنَّ المُقَرَّبين يُحِشَرونَ
رُكباناً، ومَن دونَهم من المسلمينَ على أقدامهم، وأمَّا الكفَّار فيُحشَرونَ على وجوههم.
قوله: ((قال قَتَادةُ: بلى وعِزّةِ رَبِّنا» هذه الزّيادة موصولة بالإسناد المذكور، قالها قَتَادةُ
تصديقاً لقوله: ((أليسَ)).
٢- باب قوله:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ الآيةَ [الفرقان: ٦٨]
﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]: العُقوبةَ.
٤٧٦١- حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، قال: حدَّثني منصورٌ وسليمانُ، عن أبي
وائلٍ، عن أبي مَيسَرةً، عن عبدِ الله (ح) قال: وحدَّثني واصلٌ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله ◌َُّه،
قال: سألتُ أو سُئِل رسولُ الله وَّهَ: أَيُّ الذَّنْبِ عندَ الله أكبرُ؟ قال: ((أن تَجْعَلَ الله ◌ِدّاً وهو
خَلَفَكَ)) قلتُ: ثمَّ أبيٌّ؟ قال: ((ثمَّ أن تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أن يَطْعَمَ مَعَكَ)) قلتُ: ثمَّ أيّ؟ قال:
((أن تُزانيَ بحَلِيلةِ جارِكَ)). قال: ونزلت هذه الآيةُ تَصْدِيقاً لقولِ رسولِ الله وَّةِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا
يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَّهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ اَلَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾.
قوله: ((باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ الآيَةَ)) كذا
٤٩٣/٨
لأبي ذرِّ، وساقَ غيره إلى قوله: ﴿أَثَامًا ﴾.
قوله: ((﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾: العُقوبةَ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾
أي: عُقوبةً، وقال عبد الرَّزّاق عن مَعمَر عن قَتَادة: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ قال: نَكالاً، قال: ويقال:

٩٧
سورة الفرقان/ ح ٤٧٦١
كتاب التفسير
إنَّه وادٍ في النار. وهذا الأخير أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عَمْرو وعِكْرمة وغيرهما.
قوله: ((حدَّثني منصور)) هو ابن المعتمِر ((وسليمان)) هو الأعمَش ((عن أبي وائل عن أبي مَيْسَرَةَ»
بفتح الميم وسكون التَّحتانيَّة بعدَها مُهمَلة، اسمه عَمْرو بن شُرَخْبیل.
قوله: ((قال: وحدَّثني واصلٌ)) هو ابن حَيَّن الأسَديُّ الكوفيّ، ثقة من طبقة الأعمَش،
والقائل: هو سفيان الثَّوريّ. وحاصله أنَّ الحديث عندَه عن ثلاثة أنفُس: أمَّا اثنان منهما
فأدخَلا فيه بينَ أبي وائل وابن مسعود أبا مَيسَرة، وأمَّا الثّالث وهو واصلٌ فأسقَطَه، وقد
رواه عبد الرَّحمن بن مَهديّ عن سفيان عن الثلاثة عن أبي وائل عن أبي مَيسَرة عن ابن
مسعود فَعُدَّ وهماً(١)، والصَّواب إسقاط أبي مَيسَرة من رواية واصل كما فصَّلَه يحيى بن
سعيد، وقد أخرجه ابن مَرْدويه من طريق مالك بن مِغوَل عن واصل بإسقاطِ أبي مَيسَرة
أيضاً، وكذلك رواه شُعْبةُ ومهديّ بن ميمون عن واصل.
وقال الدَّارَ قُطنيُّ: رواه أبو معاوية وأبو شِهاب وشَيْبان عن الأعمش عن أبي وائل عن
عبد الله، بإسقاطِ أبي مَيسَرة، والصَّواب إثباته في رواية الأعمَش، وذكر روايةً ابن مَهديّ
وأنَّ محمَّد بن كثير وافَقَه عليها، قال: ويُشبِهِ أن يكون الثَّوريّ لمَّا حدَّث به ابنَ مَهديّ
فجَمَعَ بينَ الثلاثة ◌َلَ روايةً واصل على رواية الأعمش ومنصور.
قوله: ((سألتُ أو سُئِلَ رسول الله وَّ) في روايةٍ (٦٠٠١): قلت: يا رسول الله، ولأحمدَ (٢)
من وجه آخر عن مسروق عن ابن مسعود: جَلَسَ رسول الله وََّ على نَشَزِ من الأرض
وقَعَدتُ أسفَلَ منه، فاغتَنَمتُ خَلْوته فقلت: بأبي وأُمّي أنتَ يا رسول الله، أي الذُّنوب
أكبر؟ الحديثَ.
(١) أخرجه أحمد (٤١٣١)، والبيهقي ١٨/٨ عن عبد الرحمن بن مهدي، بهذا الإسناد.
وأخرجه الترمذي (٣١٨٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور والأعمش، به.
وأخرجه الترمذي أيضاً (٣١٨٢)، والنسائي (٤٠١٣) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان،
عن واصل، به.
(٢) كذا عزاه الحافظ إلى أحمد، ولم نقف عليه في ((مسنده))، وأخرجه من هذا الطريق أحمد بن عمرو البزار في
(«مسنده)) (١٩٤٩)، فلعلَّ الحافظ قد وهم في عزوه. وإسناد البزار إلى مسروق ضعيف جدّاً.

٩٨
سورة الفرقان/ ح ٤٧٦٢- ٤٧٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أيُّ الذَّنْب عندَ الله أكبر؟)) في رواية مسلم (١٤١/٨٦): أعظَم.
قوله: «قلت: ثمَّ أيٌّ؟)) تقدَّم الكلام في ضبطها في الكلام على حديث ابن مسعود (٥٢٧)
أيضاً في سؤاله عن أفضل الأعمال.
قوله: ((نِدّا) بكسر النّونِ، أي: نَظِيراً.
قوله: ((أن تَقْتُلَ ولدَك خَشْيَةَ أن يَطْعَمَ معك)) أي: من جهة/ إيثار نفسه عليه عندَ عَدَم ما
٤٩٤/٨
يكفي، أو من جهة البخل معَ الوِجْدان.
قوله: (أن تُزانيَ بحَلِيلة)) بالمهمَلة بوزنِ عَظِيمة، والمراد الَّوجة، وهي مأخوذة من الحِلّ،
لأنََّا ◌َحِلّ له فهي فَعِيلة بمعنى فاعلة، وقيل: من الحلول، لأنَّها تَحُلُّ معه ويَحُلُّ معها.
قوله: ((ونزلت هذه الآية تَصْديقاً لقولٍ رسول الله وَّ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
ءَآخَرَ﴾ إلى: ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾)) هكذا قال ابن مسعود. والقتل والزّنى في الآية مُطلَقان، وفي
الحديث مُقيَّدان: أمَّا القتل فبالولدِ خَشْيةَ الأكل معه، وأمَّا الزِّنى فبزوجة الجار.
والاستدلال لذلك بالآية سائغ، لأنَّها وإن وَرَدَت في مُطلَق الزّنى والقتل لكن قتل
هذا والزّنى بهذه أكبر وأفحَشُ. وقد روى أحمد (٢٣٨٥٤) من حديث المقداد بن الأسود
قال: قال رسول الله وَليّ: ((ما تقولون في الزِّنى؟ قالوا: حرام، قال: ((لَأن يَزنيَ الرجلُ بعشر
نِسوة أيسَرُ عليه من أن يَزنيَ بامرأة جاره)».
٤٧٦٢- حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامُ بنُ يوسفَ، أنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرَهم،
قال: أخبرني القاسمُ / بنُ أبي بَزّةَ: أَنَّه سألَ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ: هل لمن قَتَلَ مُؤْمِناً مُتعمِّداً من تَوْبةٍ؟
فقرأتُ عليه: ﴿ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَِّى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، فقال سعيدٌ: قرأتُها على ابنِ عبَّاسٍ
كما قرأتها عليَّ، فقال: هذه مَكِّيَّةٌ؛ يعني: نَسَخَتْها آيةٌ مدنيّةٌ التي في سورةِ النِّساءِ.
٤٧٦٣- حدَّثْني محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا غُندَرٌّ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن المغيرةِ بنِ النُّعمان، عن
سعيدِ بنِ جُبَيٍ، قال: اختَلَفَ أهلُ الكوفةِ في قَتْلِ المؤمنِ، فدَخَلتُ فيه إلى ابن عبَّاسٍ، فقال:
نزلت في آخِرٍ ما نزلَ، ولم يَنْسَخْها شيءٌ.

٩٩
سورة الفرقان/ ح ٤٧٦٤
كتاب التفسير
٤٧٦٤- حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا شُعْبةُ، حدَّثنا منصورٌ، عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ، قال: سألتُ ابنَ
عبَّاسٍ رضي الله عنهما عن قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] قال: لا تَوْبَةً له،
وعن قوله جلَّ ذِكرُه: ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] قال: كانت هذه في
الجاهليّةِ.
قوله: ((أخبَرَني القاسم بن أبي بَزّةَ)) بفتح الموحَّدة وتشديد الزّاي، واسم أبي بَزّة: نافع
ابن يَسَار، ويقال: أبو بَزّة جَدّ القاسم لا أبوه، مَكّيٌّ تابعيّ صغير ثقة عندَهم، وهو والد جَدّ
البَزِّيّ المقرِئ، وهو أحمد بن محمَّد بن عبد الله بن القاسم، وليس للقاسم في البخاريّ إلّا هذا
الحدیث الواحد.
قوله: «هل لمن قَتَلَ مُؤْمِناً مُتعمِّداً من توبة؟)» في روایة منصور عن سعيد بن جُبير في آخر
الباب: قال: لا توبةً له.
قوله: ((فقال سعيد)) أي: ابن جُبَير: ((قرأتُها على ابن عبّاس)) في الرِّواية التي بعدَها من
طريق المغيرة بن النُّعمان عن سعيد بن جُبَير: اختَلَفَ أهل الكوفة في قتل المؤمن.
قوله: ((فدَخَلْتُ فيه إلى ابن عبّاس)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((فَرَحَلتُ)) براءٍ وحاء مُهمَلْتَينِ،
وهي أو جه.
قوله: «هذه مكّيَّة؛ يعني نسختها آیة مدنيّة» کذا في هذه الرواية، وروى ابن مَرْدویه من
طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: نزلت سورةُ النِّساء بعدَ سورة الفرقان بستّة
أشهُر.
قوله في رواية غُندَر عن شُعْبة: ((اختَلَفَ أهل الكوفة في قَتْل المؤمن)) كذا وَقَعَ مختصراً،
وأخصَرُ منه رواية آدم في تفسير النِّساء (٤٥٩٠)، وقد أخرجه مسلم (٣٠٢٣) وغيره من
طرق عن شُعْبة منها عن غُندَر بلفظ: اختَلَفَ أهل الكوفة في هذه الآية ﴿ وَمَن يَقْتُلْ
مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾.
قوله: ((نزلت في آخر ما نزلَ ولم يَنْسَخها شيء)» كذا في هذه الرِّواية، ولا يَظْهَرُ من سِياقِها

١٠٠
سورة الفرقان/ ح ٤٧٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
تعيينُ الآية المذكورة، وقد بيَّنها في رواية منصور في الباب عن سعيد بن جُبَير: سألتُ ابن عبّاس
عن قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فقال: لا توبةَ له، وعن قوله: ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا
ءَاخَرَ﴾ قال: كانت هذه في الجاهليَّة. ويأتي في الباب الذي يَلِي الذي يَلِیه أوضَحُ من ذلك.
٣- بابٌ
﴿يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانًا ﴾ [الفرقان: ٦٩]
٤٧٦٥ - حدَّثنا سعدُ بنُ حفصٍ، حدَّثنا شَيْبانُ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال:
قال ابنُ أَبزَى: سُئِلَ ابنُ عبَّاسٍ عن قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَّآؤُهُ
جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]، وقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ حتَّى بَلَغَ ﴿إِلَّا
مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٦٨-٧٠] فسألتُه، فقال: لمَّا نزلت قال أهلُ مكَّةَ: فقد عَدَلْنا بالله، وقَتَلْنا
النَّفْسَ التي حَرَّمَ الله إلا بالحقِّ، وأتينا الفواحشَ، فأنزلَ الله: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ
عَمَلَاً صَلِحًا ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
قوله: ((باب ﴿ يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ، مُهَانًا﴾)) قرأ الجمهور بالجزمِ
٤٩٥/٨ في ((يُضاعَفْ)) و((يَخْلُدْ)) بَدَلاً من / الجزاء في قوله: ﴿يَلْقَ أَنَامًا ﴾ بَدَلَ اشتمال، وقرأ ابن عامر
وأبو بكر عن عاصم بالرَّفع على الاستئناف.
قوله: ((حدَّثنا سعد بن حفص)) هو الطَّلْحيّ، وشَيْبان: هو ابن عبد الرَّحمن، ومنصور:
هو ابن المعتمِر.
قوله: ((عن سعيد بن جُبَير قال: قال ابن أبزَى)) بموخَّدةٍ وزاي مقصورة واسمه عبد الرَّحمن،
وهو صحابيّ صغیر.
قوله: ((سُئِلَ ابن عبّاس)) كذا في رواية أبي ذرِّ بصيغة الفعل الماضي، ومثله للنَّسَفيِّ، وهو
يقتضي أنَّ من رواية سعيد بن جُبَير عن ابن أبزَى عن ابن عبّاس، وفي رواية الأَصِيلِيِّ: ((سَلْ))
بصيغة الأمر، وهو المعتمَد، ويدلُّ عليه قوله بعدَ سياق الآيتينِ: ((فسألتُه)) فإنَّه واضح في
جواب قوله: ((سَلْ))، وإن كان اللَّفظ الآخر يُمكِن توجيهُه بتقدير: سُئِلَ ابن عبّاس عن كذا