Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
كتاب التفسير
اسْتَفْهَمَه بعدَ أن رَدَّ عليه السلام.
قوله: «مَن أنتَ؟ قال: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم)) وسَقَطَ من رواية
سفيان قوله: ((مَن أنتَ؟))، وفي رواية أبي إسحاق: ((قال: مَن أنتَ؟ قال: موسى، قال: مَن
موسى؟ قال: موسى بني إسرائيل)). ويُجمَع بينَهما بأنَّ الخَضِر أعادَ ذلك تأكيداً.
وأمَّا ما أخرجه عبد بن مُميدٍ من طريق الرَّبيع بن أنس في هذه القِصّة: ((فقال موسى:
السَّلام عليك يا خَضِرُ، فقال: وعليك السَّلام يا موسى، قال: وما يُدريك أنّي موسى؟
قال: أدراني بك الذي أدراك بي)) وهذا إن ثَبَتَ فهو من الحُجَج على أنَّ الخَضِر نبيٌّ، لكن
يُبعِد ثُبُوتَه قولُه في الرّواية التي في ((الصَّحيح)): ((مَن أنتَ؟ قال: أنا موسى، قال: موسى
بني إسرائيل؟)) الحديثَ.
قوله: ((قال: فما شأنُك؟)) في رواية أبي إسحاق: ((قال: مجيء(١) ما جاء بك؟)).
قوله: ((جِئْت لتُعلِّمَني مَمَّا عُلِّمْتَ رَشَدا) قرأ أبو عَمْرو بفتحَتَينٍ، والباقونَ كلّهم بضمِّ
أوَّله وسكون ثانيه، والجمهور على أنَّهما/ بمعنَى، كالبُخلِ والبَخَل، وقيلَ: بفتحَتَينِ: الدِّين، ٤١٨/٨
وبضمٍّ ثمَّ سكون: صَلاح النَّظَرِ، وهو منصوب على أنَّه مفعولٌ ثانٍ لتُعلِّمَني، وأبعَدَ مَن
قال: إنَّه لِقولِهِ: ((عُلِّمت)).
قوله: ((أما يَكْفيك أنَّ التوراة بَيَدَيكَ، وأنَّ الوَحْيَ يأتيك؟)) سَقَطَت هذه الزّيادة من رواية
سفیان، فالذي يَظهَر أنَّها من روایة يَعْلی بن مسلم.
قوله: ((يا موسى، إنَّ لي عِلْماً لا يَنبَغي لك أن تَعْلمَه)) أي: جميعَه «وإنَّ لك عِلْماً لا ينبغي لي
أن أَعْلمَه)) أي: جميعَه. وتقدير ذلك مُتَعيِّن، لأنَّ الخَضِر كان يَعرِف من الحُكم الظّاهر ما لا
غِنَى بالمكلَّفِ عنه، وموسى كان يَعرِف من الحُكم الباطِن ما يأتيه بطريق الوحي، ووَقَعَ في
رواية سفيان: ((يا موسى، إنّ على عِلْم من عِلْمِ الله عَلَّمَنِيه، لا تَعلَمُه أنتَ)) وهو بمعنى
(١) لفظة ((مجيء)) سقطت من (أ) و(س)، وأثبتناها من (ع). قال القاضي عياض في ((المشارق)) ٣٧١/١:
معناه: مجيء أمر عظيم جاء بك على الاستعظام والتهويل، أو مجيء طلب شأنٍ جاء بك.

٥٤٢
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
الذي قبله، وقد تقدَّمت الإشارة إلى ذلك في كتاب العلم (١٢٢).
قوله في رواية سُفْيان: «﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾)) كذا أطلَقَ بالصّيغة الدّالّة على
استمرار النَّفي لِمَا أطلَعَه اللهُ عليه من أنَّ موسى لا يَصبِرِ على تَرْك الإنكار إذا رأى ما
يُخالِفِ الشَّرع، لأنَّ ذلك شأنُ عِصمَته، ولذلك لم يسأله موسى عن شيء من أُمور الدّيانة،
بل مَشَى معه ليُشاهِدَ منه ما يطَّلِعُ به على مَنزِلَته في العلم الذي اختُصَّ به.
وقوله: ((﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ﴾؟)) استفهام عن سؤال تقديره: لمَ قلتَ: إنّي(١) لا أصبِرٍ، وأنا
سَأصبِرٍ؟ قال: كيف تَصبر؟
وقوله: ((﴿سَتَجِدُنِيِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَّ أَعْضِى لَكَ﴾)) قيلَ: اسْتَنَى في الصَّبر فصَبَرَ،
ولم يَستَثْنِ في العِصيان فعَصاه. وفيه نظر، وكأنَّ المراد بالصَّيرِ: أنَّه صَبر على(٢) اتِّباعه والمشي
معه وغير ذلك، لا الإنكار عليه فيما يُخَالِف ظاهرَ الشَّرْع.
وقوله: ﴿ فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتََّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ في رواية العَوْفيِّ عن ابن
عبَّاس(٣): ((حتَّى أُبيِّ لك شأنَه)).
قوله: ((فأخَذَ طائرٌ بِمِنْقارهِ» تقدَّم شرحه في كتاب العلم (١٢٢)، وظاهر هذه الرّواية أنَّ
الطائر نَقَرَ في البحر عَقِبَ قول الخَضِر لموسی ما یَتَعلَّق بعِلْمِهما، وفي رواية سفیان مقتضى
أنَّ ذلك وَقَعَ بعدَما خَرَقَ السَّفينة، ولفظه: ((كانت الأُولى من موسى نِسياناً، قال: وجاء
عُصفورٌ فَوَقَعَ على حَرْف السَّفينة، فنَقَرَ في البحر نَقْرة، فقال له الخَضِر ... )) إلى آخره.
فيُجمَع بأنَّ قوله: ((فأخَذَ طائر بمِنقاره)) مُعَقِّبٌ لمحذوفٍ(٤)، وهو رُكوبهما السَّفينة لتصريحٍ
سفيان بذِكْر السَّفينة، وروى النَّسائيُّ (ك١١٢٤٣) من وجه آخر عن ابن عبّاس: أنَّ الْخَضِر
قال لموسى: ((أتدري ما يقول هذا الطائر؟ قال: لا. قال: يقول: ما عِلمُكُما الذي تَعلَمانِ في
(١) الضمير هنا للخضر.
(٢) تحرف في (س) إلى: عن.
(٣) عند الطبري ١٥/ ٢٨١.
(٤) تحرف في الأصلين و(س) إلى: معقّبٌ بمحذوف. بالباء بدل اللام.

٥٤٣
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
كتاب التفسير
عِلم الله إلّا مِثلَ ما أَنْقُصُ بِمِنقاري من جميع هذا البحر))، وفي رواية هارون بن عَنْتَرَةَ عندَ
عبْد بن حُميدٍ في هذه القِصّة قال: ((أرسَلَ رَبّك الخُطّاف، فجَعَلَ يأخُذ بمنقاره من الماء))،
ولابنِ أبي حاتم من طريق السُّدّيِّ قال: الْخُطّف. ولعبد بن حُميدٍ من طريق أبي العالية
قال: رأى هذا الطائر الذي يقال له: النُّغَر، ونَقَلَ بعضُ مَن تَكلَّمَ على البخاريّ: أنَّه الصُّرَد.
قوله: ((وجَدا مَعابِرَ)) هو تفسير لقولِهِ: ﴿رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ﴾ لا أنَّ قوله: ((و جدا)» جواب
((إذا))، لأنَّ وُجودهما المعابرَ كان قبلَ رُكوبهما السَّفينة، ووَقَعَ في رواية سفيان: ((فانطَلَقا
يمشيان على ساحل البحر، فمَرَّتْ سَفينةٌ، فكَلَّموهم أن يَحمِلوهم».
والمعابِر، بمُهمَلةٍ وموخَّدة: جمع مَعَبَرَ، وهي السُّفُن الصِّغار. ولابنِ أبي حاتم من طريق
الرَّبيع بن أنس قال: ((مَرَّت بهم سَفينة ذاهبة(١)، فناداهم خَضِر).
قوله: ((عَرَفوه فقالوا: عبد الله الصالح، قال: قُلْنا لسعيد بن جُبَير: خَضِرٌ؟ قال: نعم)
القائل فيما أظنّ: يَعْلى بن مسلم، وفي رواية سفيان عن عَمْرو بن دينار: ((فَكَلَّموهم أن
تَجِمِلوهم، فعَرَفوا اخَضِر فحُمِلوا)).
قوله: ((بأجْرٍ)) أي: أُجْرة. وفي رواية سفيان: ((فحُمِلوا بغير نَول)) بفتح النُّون وسكون
الواو: وهو الأجرة، ولابنِ أبي حاتم من رواية الرَّبيع بن أنس: ((فناداهم خَضِر، وبيَّن لهم
أن يُعطيَ عن كلّ واحد ضِعفَ ما حَمَلوا به غيرَهم، فقالوا لصاحبهم: إنّا نَرَى رجالاً في
مكان مَخُوف، نَخشَى أن يكونوا لُصوصاً، فقال: لَأحِلَنَّهم، فإنّ أَرَى على وجوههم
النّور، فحَمَلَهم بغير أُجرة)) وذكر النَّقّاش في ((تفسيره): أنَّ أصحاب السَّفينة / كانوا سبعة، ٤١٩/٨
بكلِّ واحد زَمانةٌ(٢) ليست في الآخر.
قوله: ((فخَرَقَها، وَتَّدَ فيها)) بفتح الواو وتشديد المثنّة، أي: جَعَلَ فيها وتِداً، وفي رواية
سفيان: «فلمَّا رَكِبا في السَّفينة لم يَفجَأ إلّا والخَضِر قد فَلَعَ لَوحاً من ألواح السَّفينة بالقُدومِ».
(١) تحرف في (س) إلى: ذاهب.
(٢) الزمانة: مرض يدوم زماناً طويلاً.

٥٤٤
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
والجمع بينَ الرِّوايتَينِ: أنَّه فَلَعَ اللَّوحِ وجَعَلَ مكانه وتِداً، وعندَ عبد بن حُميدٍ من رواية ابن
المبارَك عن ابن جُرَيج عن يَعْلى بن مسلم: ((جاء بوَدِّ حينَ خَرَقَها)) والوَدّ، بفتح الواو
وتشديد الدّال: لغة في الوَتِد، وفي رواية أبي العاليَة: ((فخَرَقَ السَّفينة فلم يَرَه أحد إلّا
موسى، ولو رآه القوم لَحَالُوا بينَه وبينَ ذلك)).
قوله: ((﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾: قال مجاهد: مُنْكَراً)) هو من رواية ابن جُرَيج عن مجاهد،
وقيلَ: لم يَسمَع منه، وقد أخرجه عبد بن حُميدٍ من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد مِثله.
وروى ابن أبي حاتم من طريق خالد بن قيس عن قَتَادة في قوله: ﴿إِمْرًا﴾ قال: عَجَباً.
ومن طريق أبي صخر في قوله: ﴿إِمْرًا﴾ قال: عظيماً. وفي رواية الرَّبيع بن أنس عندَ ابنِ أبي
حاتم: ((أنَّ موسى لمَّا رأى ذلك امتلأ غَضَباً وشَدَّ ثيابَه، وقال: أردتَ هلاكَهم، سَتَعلَمُ
أنَّك أوَّلُ هالك، فقال له يُوشَع: ألا تَذكُر العَهد؟ فأقبَلَ عليه الخَضِرِ، فقال: ألم أقل لك؟
فأدرَكَ موسى الحِلْمُ، فقال: لا تُؤاخذني. وأَنَّ الْخَضِرِ لمَّا خَلَصُوا قال لصاحب السَّفينة:
إنَّما أردتُ الخير، فحَمِدوا رأيَه، وأصلَحَها الله على يَدِه)).
قوله: «كانت الأُولَى نِسْياناً، والوُسْطَى شَرْطاً، والثّالثة عَمْداً)) في رواية سفيان قال: وقال
رسول الله ێ: ((و کانت الأولى من موسی نِسیاناً)) ولم یذکُر الباقي. وروى ابن مَرْدویه من
طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس مرفوعاً، قال: ((الأولَى نِسيان، والثّانية عُذْر، والثّالثة فِراق))،
وعندَ ابن أبي حاتم من طريق الرَّبيع بن أنس قال: ((قال الخَضِر لموسى: إن عَجِلتَ عليَّ في
ثلاث، فذلك حينَ أُفارقُك)).
وروى الفَرّاء من وجه آخر عن أُبيِّ بن كعب قال: ((لم يَنسَ موسى، ولكنَّه من معاریض
الكلام)). وإسناده ضعيف، والأوَّل هو المعتمَد، ولو كان هذا ثابتاً لاعتَذَرَ موسى عن
الثّانية وعن الثّالثة بنحوِ ذلك.
قوله: ﴿لَقِيَا غُلَمًا﴾، في رواية سفيان: «فبينما هما يَمشيان على الساحل، إذ أبصَرَ الخَضِرُ
غلاماً)).

٥٤٥
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
كتاب التفسير
قوله: (﴿فَقَثَلَهُ﴾)) الفاء عاطِفة على ﴿لَقِيَا﴾ وجزاء الشَّرطِ ﴿قَالَ أَقَتْتَ﴾، والقتل من
جُملة الشَرط إشارة إلى أنَّ قتل الغلام بِعَقِبٍ لُقَاهُ من غير مُهْلة، وهو بخِلَاف قوله: ﴿حَتَّ
إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ فإنَّ الْخَرْق وَقَعَ جوابَ الشَّرط، لأنَّه تَراخَى عن الرُّكوب.
قوله: ((قال يَعْلَى)) هو ابن مسلم وهو بالإسناد المذكور ((قال سعيد)» هو ابن جُبَير «وجَدَ
غِلِماناً يَلعَبونَ، فأخَذَ غلاماً كافراً ظَريفاً)) في رواية أُخرى عن ابن جُرَيج عندَ عبد بن حُميدٍ:
((غلاماً وضيءَ الوجْه، فأضجَعَه، ثمَّ ذَبَحَه بالسِّكّينِ))، وفي رواية سفيان: ((فَأَخَذَ الخَضِر
برأسِه، فاقتَلَعَه بَيَدِه، فقَتَلَه)) وفي روايته في الباب الذي يَليه ((فقَطَعَه)). ويُجمَعِ بينَهما بأنَّه
ذَبَحَه ثمَّ اقتَلَعَ رأسَه، وفي رواية أُخرى عندَ الطَّبَرَيِّ (١): ((فَأخَذَ صخرة فَثَلَغَ رأسَه)) وهي
بِمُثَلَّةٍ ثمَّ مُعجَمة، والأوَّل أصحّ. ويُمكِن أن يكون ضَرَبَ رأسه بالصَّخْرةِ، ثمَّ ذَبَحَه
وقَطَعَ رأسه.
قوله: ((قال: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾: لم تَعمَل الحِنْثَ)) بكسرِ المهمَلة وسكون النُّون
وآخره مُثلَّثة، ولأبي ذرٍّ: بفتح المعجَمة والموخَّدة.
وقوله: (لم تَعمَل)) تفسير لقوله: ﴿زَكِيَّةٌ﴾، والتَّقدير: أقَتَلتَ نفساً زَكِيَّة لم تَعمَلِ الحِنْثَ
بغير نفس.
قوله: ((وابن عبّاس قرأها)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: وكان ابن عبّاس يقرؤها (﴿زَكِيَّةٌ﴾)»
وهي قراءة الأكثر، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عَمْرو: زاكية، والأُولَى أبلَغ، لأنَّ فَعِيلة من
صِيَغ المبالَغة.
قوله: ((زاكِية: مسلمة، كقولك: غلاماً زاكياً (٢)) هو تفسير من الراوي، ويشير إلى القراءتَينِ،
(١) كذا نسب الحافظ رحمه الله الرواية المذكورة للطبري، وإنما جاء عند الطبري ١٥/ ٢٨٠ بلفظ: أخذ حجراً،
فضرب به رأسَه، حتى دمَغَه فقتله. وقد تبع الحافظُ في ذلك السهيليَّ، حيث أشار إلى ذلك في ((التعريف
والإعلام فيما أبهم من الأسماء في القرآن)» ص ١٠٥.
(٢) كذا جاء في الأصلين و(س)، وهو خلاف ما في اليونينية و ((إرشاد الساري))، حيث جاء فيهما: زكياً، دون
حكاية خلافٍ بین رواه البخاري.

٥٤٦
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
أي: أنَّ قراءة ابن عبّاس بصيغة المبالَغة، والقراءة الأُخرى باسم الفاعل بمعنى مُسلِمة،
وإنَّما أطلقَ ذلك موسى على حَسَب ظاهر حالِ الغلام، لكن اختُلِفَ في ضبط ((مسلمة))
٤٢٠/٨ فالأكثر: بسكونِ السّين وكسر اللّام، ولبعضِهم بفتح السّين/ وتشديد اللّام المفتوحة، وزاد
سفيان في روايته هنا: «﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ قال: وهذه أشدُّ من الأُولَى))، زاد
مسلم (٢٣٨٠/ ١٧٢) من رواية أبي إسحاق عن سعيد بن جُبَير في هذه القِصّة: فقال النبيّ
وَّهُ: ((رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنَّه عَجِلَ لَرأى العَجَب، ولكنَّه أخَذَته ذَمامة(١) من
صاحبه فقال: ﴿إِن سَأَلَئُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَحِبْنِىٌ﴾) ولابنِ مَرْدويه(٢) من طريق عبد الله
ابن عُبيد بن عُمَير عن سعيد بن جُبَير: ((فاستَحيا عندَ ذلك موسى، وقال: إن سألتُك عن
شيء بعدَها))، وهذه الزّيادة وَقَعَ مِثلها في رواية عَمْرو بن دينار من رواية سفيان في آخِر
الحديث: قال رسول الله وَ﴾: ((ودِدنا أنَّ موسى صَبَرَ حتَّى يَقُصَّ الله علينا من أمرهما))،
زاد الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شَيْبة عن سفيان: ((أكثر ممّا قَصَّ)).
قوله: (﴿فَأَنْطَلَقَا﴾ فوَجَدا جِداراً)) في رواية سفيان: ﴿فَأَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾،
وفي رواية أبي إسحاق عندَ مسلم، ((أهلَ قريةٍ لئاماً، فطافا في المجالس فاستَطْعَما أهلها))
قيل: هي الأُبُلَّة، وقيلَ: أنطاكية، وقيلَ: أَذْرَبيجان، وقيلَ: بَرْقة، وقيلَ: ناصرة، وقيلَ:
جَزيرة الأندَلُس، وهذا الاختلاف قريب من الاختلاف في المراد بمَجمَع البحرَينِ، وشِدّةُ
المباينة في ذلك تقتضي أن لا يُوثَق بشيءٍ من ذلك.
قوله: ((قال سعيد بیَدِه هكذا ۔ ورَفَعَ یده فاستَقامَ -)» هو من رواية ابن جُرَیج عن عَمْرو
ابن دينار عن سعيد، ولهذا قال بعدَه: قال يَعْلی - هو ابن مسلم -: حَسِبت أنَّ سعيداً قال:
فَمَسَحَه بَيَدِه فاستَقامَ، وفي رواية سفيان: ((﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ - قال: مائل -
فقال الخَضِرِ بَيَدِه ﴿فَأَقَامَهُ﴾))، وذكر الثَّعلَبيّ: أنَّ عَرْض ذلك الجِدار كان خمسين ذِراعاً
(١) قال النووي: هي بفتح الذال المعجمة، أي: استحياء لتكرار مخالفته، وقيل: ملامة. والأول هو المشهور.
(٢) هذه الرواية عند النسائي أيضاً في ((سننه الكبرى)) (١١٢٤٣)، فلا ندري كيف ذهل عنه الحافظ، وقد
أشار إلى روايته غير مرةٍ في هذا البحث!

٥٤٧
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
كتاب التفسير
في مئة ذِراعٍ بذِراعِهم.
قوله: ((﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيَّهِ أَجْرًا﴾ قال سعيد: أجْراً نأكُلُه)) زاد سفيان في روايته:
((فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يُطعِمُونا ولم يُضَيِّفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾))، وفي
رواية أبي إسحاق: (﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِِ وَبَيْنِكَ﴾ فَأَخَذَ موسى بطَرَفِ ثوبه، فقال: حَدِّثني)) (١)،
وذكر الثَّعَلَبيّ: أنَّ الخَضِر قال لموسى: أتلومُني على خَرْق السَّفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار،
ونَسِيتَ نَفْسك حِينَ أُلقِيتَ في البحر، وحينَ قَتَلتَ القِبطيَّ، وحينَ سَقَيت أغنام ابنتَي
شُعَیبِ احتِساباً؟!
قوله: (﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَلِكٌ﴾ وكان أمامَهم، قرأها ابنُ عبَّاس: أمامَهم مَلِك)) وفي رواية
سفيان: وكان ابن عبّاس يقرأ: وكان أمامَهم مَلِكٌ يأخُذُ كلَّ سَفينةٍ صالحةٍ غَصْباً))، وقد
تقدَّم الكلام في ((وراء)» في تفسير إبراهيم(٢).
قوله: ((يَزعُمونَ عن غير سعيد: أنَّه هُدَد بن بُدَدَ)) القائلُ ذلك: هو ابن جُرَيج، ومُراده:
أَنَّ تسمية الملِك الذي كان يأخُذ السُّفُن لم تقع في رواية سعید.
قلت: وقد عَزاه ابن خالويه في ((كتاب ليس)) لمجاهدٍ، قال: وزَعَمَ ابن دُرَيدٍ: أنَّ هُدَد
اسم مَلِك من ملوك خِمْيَرَ زَوَّجَه سليمانُ بنُ داود بِلْقِیس.
قلت: إن ثَبَتَ هذا مُلَ على التعدُّد والاشتراك في الاسم، لبُعْدِ ما بينَ مُدّة موسى
وسلیمان.
وهُدَد في الرِّوايات: بضمِّ الهاء - وحَكَى ابن الأثير فتحها - والدّال مفتوحة اتّفاقاً،
ووَقَعَ عندَ ابن مَرْدويه بالميمِ بَدَل الهاء، وأبوه بُدَد بفتح الموخَّدة(٣)، وجاء في ((تفسير مُقاتل)): أنَّ
(١) هذا في رواية أبي إسحاق عند أحمد (٢١١١٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٨١٣)، وأما عند مسلم، فلم
یزد على قوله: وأخذ بثوبه.
(٢) في أول الكلام عليها.
(٣) هذا تبعَ فيه الحافظُ رحمه الله ابنَ الأثير في ((جامع الأصول)) في قسم التراجم منه ص ٩٩٢، وإلا فلم يُذكر
في اليونينية ولا في «إرشاد الساري)) أي خلاف بين رواة البخاري أنها بضم الموحّدة.

٥٤٨
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
اسمه مَنولة بن الْجُلَنْدى بن سعيد الأزديِّ، وقيلَ: هو الجُلَندی، وكان بجزيرة الأندَلُس.
قوله: ((والغلام المقتولُ اسمُه يَزْعُمونَ: جَيسور)) القائلُ ذلك: هو ابن جُرَيج، و((حَيْسور))
في رواية أبي ذرِّ عن الكُشْمِيهنيِّ: بفتح المهمَلة أوَّله ثمَّ تحتانيَّة ساكنة ثمَّ مُهمَلة مضمومة،
وكذا في رواية ابن السَّكَن، وفي روايته عن غيره، بجيمٍ أوَّله، وعندَ القابِسِيّ: بنونٍ بَدَل
التَّحتانيَّة، وعند عبدوس: بنونٍ بدلَ الرّاء، وذكر السُّهَيلُّ أنَّه رآه في نُسخةٍ بفتح المهمَلة
والموخَّدة، ويِنُونَينٍ، الأولَى مضمومة، بينَهما الواو الساكنة، وعندَ الطَّبَرَيِّ من طريق شُعَيب
الجَبَّيّ كالقاِسِيِّ، وفي ((تفسير الضَّحّاك بن مُزاحم)): اسمه حَشرَد، ووَقَعَ في ((تفسير
الكَلْبِيّ)): اسم الغلام شَمعون.
قوله: ((﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾)) في رواية النَّسائيِّ (ك ١١٢٤٣): وكان/ أُبِيٌّ يقرأ:
٤٢١/٨
((يأخُذُ كلَّ سَفينةٍ صالحةٍ غَصْباً)، وفي رواية إبراهيم بن بشّار(١) عن سفيان: وكان ابن
مسعود يقرأ: ((كلّ سَفينةٍ صحيحةٍ غَصباً».
قوله: ((فأرَدْت إذا هي مرَّت به أن يَدَعَها لِعَبيها)) في رواية النَّسائيِّ (ك ١١٢٤٣): «﴿فَأَرَّدِثُ
أَنْ أَعِبَهَا﴾ حتَّى لا يأخُذَها».
قوله: ((فإذا جاوَزُوا أصلَحُوها، فانتَفَعُوا بها)) في رواية النَّسائيِّ: ((فإذا جاوَزوه رَقَعُوها،
فانتَفَعوا بها، وبَقيَت لهم)).
قوله: ((ومنهم مَن يقول: سَدُّوها بقارُورةٍ، ومنهم مَن يقول: بالقار)) أمَّا القارُ فهو بالقاف:
وهو الزِّفْتُ، وأمَّا قارورة، فضُبطت في الرِّوايات بالقاف، لكن في رواية ابن مردويه ما
يدلّ على أنَّها بالفاءِ، لأنَّه وَقَعَ في روايته: ((ثارورة )) بالمثلَّثة، والمثلَّثة تقع في موضع الفاء في
كثير من الأسماء، ولا تقع بدلَ القاف، قال الجوهريّ: يقال: فارَ فورة، مِثْلَ: ثارَ ثَوْرة، فإن
كان محفوظاً فلعلَّه فاعولة من ثَوَران القِدْر التي(٣) يُغلى فيها القار أو غيره، وقد وُجِّهَت
(١) تصحف في (س) إلى: يسار. وهذه الرواية نسبها الحافظ قبل ذلك لابن مردويه. وإبراهيم بن بشار هو
الرمادي، و کان ممن يلازم ابن عيينة سنین.
(٢) في (أ) و(س): الذي. وإنما القِدْرُ مؤنثةٌ، فما في (ع) هو الصواب.

٥٤٩
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
كتاب التفسير
رواية القارورة - بالقاف -: بأنَّها فاعولة من القار، وأمَّا التي من الزّجاج فلا يُمكِنُ السَّدُّ
بها، وجَوَّزَ الكِرْمانيُّ احتمال أن يُسحَقِ الزّجاج، ويُلَتّ بشيءٍ ويُلصَق به ولا يَخْفَى بُعدُه،
ووَقَعَ في رواية مسلم (٢٣٨٠/ ١٧٢): ((وأصلَحوها بِخَشَبةٍ))، ولا إشكال فيها.
قوله: ((كانَ أَبُواهُ مؤمنين: وكان كافراً)) يعني الغلامَ المقتولَ، في رواية سفيان(١): ((وأمَّا
الغلام فطُبعَ يومَ طُبعَ كافراً، وكان أبَواه قد عَطَفا عليه))، وفي ((المبتَدَأ)) لوَهْب بن مُنبِّه: كان
اسم أبيه ملاس واسم أمّه رحما، وقیلَ: اسم أبيه کاروی، واسم أمّه سھوی.
قوله: ((﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغینًا وَكُفْرًا﴾: أن يَحْمِلَھما ◌ُّه على أن يُتابعاه على دينه))
هذا من تفسير ابن جُرَيج عن يَعْلی بن مسلم عن سعيد بن جُبَیر.
وأخرج ابن المنذر من طريق سالم الأفطَس عن سعيد بن جُبِيرٍ مِثلَه.
وقال أبو عبيدة في قوله: ﴿يُرْهِقَهُمَا﴾، أي: يَغشاهما.
قوله: ((﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً﴾: لقولهِ: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ﴾)) يعني أنَّ قوله: ((زكاة)) ذُكِرَ
للمناسبة المذكورة.
وروى ابن المنذر من طريق حَجّاج بن محمَّد عن ابن جُرَيج في قوله: ﴿خَيْرٌ مِّنْهُ زَكَوَةً ﴾
قال: إسلاماً.
ومن طريق عَطَّة العَوْفيِّ قال: دِيناً.
قوله: (﴿وَأَقْرَبَرُحمَا﴾: هما به أرحَمُ منهما بالأوَّلِ الذي قَتَلَ خَضِرٌ)) وروى ابن المنذر من
طريق إدريس الأوديّ عن عَطيَّة نحوه.
وعن الأصمَعيّ قال: الرَّحِم، بكسر الحاء: القَرابة، وبسكونِها: فرْج الأُنثَى، وبضمِّ الرّاء
ثُمَّ السُّكون: الرَّحمة.
وعن أبي عُبيد القاسم بن سَلّامٍ: الرُّحْم والرَّحْم - يعني بالضَّمِّ والفتح معَ السُّكون
(١) هذا سبْقُ قلمٍ من الحافظ رحمه الله. لأن الرواية المذكورة هي رواية أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عند
مسلم (٢٣٨٠) (١٧٢) وغيره.

٥٥٠
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
فيهما - بمعنَى، وهو مِثل: العُمْر والعَمْر. وسيأتي قوله: (رُحْمًا)) في الباب الذي بعده أيضاً.
قوله: ((وزَعَمَ غيرُ سعيد: أنَّهما أُبدِلا جارية)) هو قول ابن جُرَيج. وروى ابن مَرْدويه من
وجه آخر عن ابن جُرَيج قال: وقال يَعْلى بن مسلم أيضاً عن سعيد بن جُبَير: إنَّها جارية.
وفي رواية الإسماعيليّ من هذا الوجه، قال: ويقال أيضاً عن سعيد بن جُبَير: إنَّها جارية.
وللنَّسائيِّ من طريق أبي إسحاق عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس(١): فأبدَلَمَا رَبُّهُمَا
خيراً منه زكاة، قال: أبدَلَما جارية فوَلَدَت نبيّاً من الأنبياء.
وللطّبريِّ من طريق عمرو بن قيس نحوه.
ولا بنِ المنذِر من طريق بِسْطام بن جميل (٣) قال: أبدَلَمَا مكانَ الغلام جاريةً ولدَت نبيَّيْنِ.
ولعبد بن حميد من طريق الحَكَم بن أبّان عن عِكْرمة: ولدَت جارية.
ولابنِ أبي حاتم من طريق السُّدّيّ قال: ولدَت جارية فوَلَدَت نبيّاً، وهو الذي كان بعد
موسى، فقالوا له: ابعَث لنا مَلِكاً نُقاتل في سبيل الله، واسم هذا النبيّ شَمعون، واسم أمّه حنة.
وعند ابن مَرْدويه من حديث أُبيِّ بن كعب: أنَّها ولدَت غلاماً. لكن إسناده ضعيف.
وأخرجه ابن المنذر بإسنادٍ حسن عن عِكْرمة عن ابن عبّاس نحوه.
وفي ((تفسير ابن الكَلْبِيّ)): ولدَت جاريةً ولدَت عِدّة أنبياء، فَهَدَى الله بهم أُمَماً. وقيلَ:
عِدّة مَن جاء من ولدها من الأنبياء سبعونَ نبيّاً.
قوله: ((وأمَّا داودَ بن أبي عاصم فقال عن غيرٍ واحدٍ: إنَّا جاريةٌ)) هو قول ابن جُرَیج
أيضاً.
(١) لم نقف عليه عند النسائي ولا عند غيره بهذا الإسناد، لكن جاء في الجزء الخامس من ((الخِلَعيات)) (٦)
من طريق أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وفي آخره: قال محمد بن يوسف: إنها ولدت
جارية، وأن الجارية ولَدَت نبياً يقال له: إسماعيل. قلنا: ومحمد بن يوسف هذا هو الفريابي أحد رواة
الحديث عند الخِلَعي، ولعل هذا الحديث عند الفريابي في ((تفسيره)).
(٢) ذكر صاحب ((الدر المنثور)) أنه عند ابن المنذر من طريق بسطام بن جميل عن عمر بن يوسف من قوله.
كذا سماه: عمر بن يوسف. وإنما هو في ((التاريخ الكبير)) للبخاري ١٢٦/٢ وغيره: يوسف بن عمر.

٥٥١
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
كتاب التفسير
وروى الطَّبَريُّ من طريق حَجّاج/ بن محمَّد عن ابن جُرَيج أخبرني إسماعيل بن أُميَّةً(١) ٤٢٢/٨
عن يعقوب بن عاصم: أنَّهما أُبدِلا جارية. قال: وأخبرني عبد الله بن عثمان بن خُثَمٍ عن سعيد
ابن جُبَير: أنَّها جارية. قال ابن جُرَيج: وبَلَغَنِي أَنَّ أمّه يومَ قُتِلَ كانت حُبلَى بغلامِ.
ويعقوب بن عاصم: هو أخو داود، وهما ابنا عاصم بن عُرْوة بن مسعود الثَّقَفيّ، وكلّ
منهما ثقة من صِغار التابعينَ.
وفي الحديث من الفوائد غيرُ ما تقدَّم: استحباب الحِرص على الازدياد من العلم، والرِّحلة
فيه، ولِقاء المشايخ، وتَجِشُّم المشاقّ في ذلك، والاستعانة في ذلك بالأتباع. وإطلاق الفَتَى على
التابع. واستخدام الحُرّ. وطَوَاعية الخادِم لمخدومِه. وعَذْر الناسي، وقَبُول الهِبة من غير المسلم.
واستُدِلَّ به على أنَّ الخَضِر نبيٌّ لِعِدّة مَعانٍ قد نبَّهتُ عليها فيما تقدَّم، كقوله: ﴿وَمَا فَعَلَنُهُ.
عَنْ أَمْرِى﴾، وكاتِّباع موسى رسولِ الله له ليَتَعلَّم منه، وکإطلاق أنَّه أعلمُ منه، و کإقدامه على
قتل النَّفْس لِمَا شَرَحَه بعدُ، وغير ذلك.
وأمَّا مَن استَدَلَّ به على جواز دَفع أغلَظ الضَّرَرَينِ بأخَفَّهما، والإغضاء على بعض
المنكرات مَافةَ أن يَتَوَلَّد منه ما هو أشدّ، وإفساد بعض المال لإصلاح مُعظَمه، كَخِصاءٍ
البَهيمة للسِّمَنِ وقطع أُذُنها للتمييز، ومن هذا مُصانَعةٌ(٢) وليِّ اليتيم السُّلطانَ على بعض مال
اليَتِيم خَشْيَةَ ذهابه بجميعِه، فصحيح، لكن فيما لا يعارِض منصوص الشَّرع، فلا يَسُوغ
الإقدام على قتل النَّفْس مَمَّن يُتوَقَّع منه أن يَقتُل أنفُساً كثيرةً قبلَ أن يَتَعاطَى شيئاً من ذلك،
وإنَّما فعَلَ الخَضِر ذلك لإطْلاع الله تعالى عليه.
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله، والذي في طبعة التركي لتفسير الطبري وغيرها من الطبعات: سليمان بن
أمية. وهو الصحيح، فقد جاء في ((العلل)) لأحمد برواية ابنه عبد الله (٥٦٨٥)، وكذا في ((التاريخ الكبير))
للبخاري ٤/ ١ أن ابن جريج يروي عن رجل اسمه سليمان بن أمية الثقفي، وعند البخاري أنه من ولد
عروة بن مسعود الثقفي. وابن جريج وإن كان معروفاً بالرواية عن إسماعيل بن أمية الأموي، لكنه هنا
روى عن سليمان بن أمية الثقفي. فلعل ما وقع للحافظ هنا سبْق قلم، والله أعلم.
(٢) في (س): مصالحة. والمثبت من الأصلين. والمصانعة: كناية عن الرشوة.

٥٥٢
سورة الكهف / ح ٤٧٢٦
فتح الباري بشرح البخاري
وقال ابن بَطّال: قول الخَضِر: وأمَّا الغلام فكان كافراً، هو باعتبار ما يؤول إليه أمره أن
لو عاشَ حتَّى يَبلُغ، واستحباب مِثل هذا القتل لا يَعلَمه إلّا الله، ولله أن تحكم في خَلْقه بما
يَشاء قبلَ البلوغ وبعده، انتهى.
ويحتمل أن يكونَ جواز تكليف المميِّزِ قبلَ أن يَبلُغَ كان في تلكَ الشَّريعة، فيَرتَفِع الإشكال.
وفيه جواز الإخبار بالتَّعَب، ويَلحَق به الألم من مرض ونحوه، ومحَلّ ذلك إذا كان عن
غير سَخَط على المقدور.
وفيه أنَّ المتَوَجِّه إلى رَبّه يُعان، فلا يُسرِع إليه النَّصَبُ والجوعُ، بخِلَاف المتوَجِّه إلى غيره،
كما في قِصّة موسى في تَوَجُّهه إلى ميقات رَبّه، وذلك في طاعة رَبّه، فلم يُنقَل عنه أنَّه تَعِبَ
ولا طلبَ غَداءً ولا رافَقَ أحداً، وأمَّا في تَوَجُّهه إلى مَدَيَنَ، فكان في حاجة نفسه فأصابه
الجوع، وفي تَوَجُّهه إلى الخَضِر لحاجة نفسه أيضاً، فتَعِبَ وجاعَ.
وفيه جواز طلب القوت وطلب الضّيافة. وفيه قيام العُذر بالمّة الواحدة، وقيام الحُجّة
بالثّانية، قال ابن عَطيَّة: يُشبه أن يكون هذا أصل مالكٍ في ضرب الآجال في الأحكام إلى
ثلاثة أيام، وفي الثَّلَوُّم، ونحو ذلك.
وفيه حُسن الأدب معَ الله، وأن لا يُضاف إليه ما يُستَهجن لفظه، وإن كان الكلّ بتقدیره
وخلقه، لقولِ الخَضِر عن السَّفينة: ﴿ فَأَرَدِثُ أَنْ أَعِبَهَا﴾ وعن الجِدار: ﴿فَرَادَ رَبُّكَ ﴾، ومِثل
هذا قوله وَ﴾: ((والخيرُ كلُّهُ بَيَدَيْكَ، والشرُّ ليس إليك))(١).
٤ - بابٌ ﴿فَلَمَا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنْهُ ءَائِنَا غَدَآءَنَا ﴾
إلى قوله: ﴿قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٢ -٦٤]
﴿َنْقَضَّ﴾ [٧٧]: يَنْقَاضُ كما تَنْقَاضُ السِّنّ.
﴿تُكْرًا﴾ [٧٤]: داهيةً.
(١) أخرجه مسلم (٧٧١)، وأبو داود (٧٦٠)، و(٧٦١)، والترمذي (٣٤٢٢)، والنسائي (٨٩٧). من حديث
علي بن أبي طالب.

٥٥٣
سورة الكهف / ح ٤٧٢٧
كتاب التفسير
(لَتَخِذْتَ)) [٧٧] واتَّخَذْتَ واحدٌ.
﴿رُمًا﴾ [٨١]: مِن الرُّحْم، وهي أشَدُّ مُبالَغةً مِن الرَّحْمَةِ، ويُظَنُّ أنَّه مِن الرَّحِيمِ، وتُدْعَى
مكَّةُ: أَّ رُحْمٍ، أي: الرَّْمُ تَنزِلُ بها.
٥- باب
قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣].
٤٧٢٧ - حدَّثْنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن عَمْرِو بنِ دِينارٍ، عن
سعيدِ بنِ جُبَيٍ، قال: / قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: إنَّ نَوْفاً البِكاليَّ يَزعُمُ أنَّ موسى بني إسرائيلَ ليس ٤٢٣/٨
بموسى الخَضِرِ، فقال: كَذَبَ عدوُّ الله، حدَّثنا أُبيُّ بنُ كعبٍ، عن رسولِ الله ◌َِّ، قال: ((قامَ
موسى خَطِيباً في بني إسرائيلَ، فقيل له: أيُّ الناسِ أعلمُ؟ فقال: أنا، فعَتَبَ الله عليه، إذ لم يَرُدَّ
العِلْمَ إليه، وأوْحَى إليه: بَلَى، عبدٌ من عِبادي بمَجْمَعِ البحرَينِ، هو أعلمُ منكَ، قال: أي رَبِّ،
كيفَ السَّبِيلُ إليه؟ قال: تَأْخُذُ حوتاً في مِكْتَلِ، فحيثُما فقَدْتَ الحوتَ فاتَّبِعْه، قال: فخرج
موسى ومعه فتاهُ يُوشَعُ بنُ نُونٍ، ومعهما الحوثُ، حتَّى انتَهَيا إلى الصَّخْرةِ، فنزلا عندَها، قال:
فَوَضَعَ موسى رأسَه فنامَ - قال سفيانُ: وفي حديثٍ غيرِ عَمرٍو قال: وفي أصلِ الصَّخْرةِ عَينٌ،
يقال لها: الحياةُ، لا يُصِيبُ من مائها شيءٌ إلَّا حَيِيَ، فأصاب الحوتَ من ماءِ تلكَ العينِ، قال:
فتَحَرَّكَ وانسَلَّ مِن الِكْتَلِ، فَدَخَلَ البحرَ - فلمَّا اسْتَقَظَ موسى ﴿قَالَ لِفَتَنْهُ ءَائِنَا غَدَآءَنَا﴾ الآيةَ،
قال: ولم يَجِدِ النَّصَبَ حتَّى جاوَزَ ما أُمِرَ به، قال له فتاهُ يُوشَعُ بنُ نُونٍ: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيَنَآ إِلَى
الصَّخْرَةِ فَإِّ نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ الآيةَ، قال: فَرَجَعًا يَقُصّان في آثارهما، فوَجَدا في البحرِ كالطّاق ◌َمَرَّ
الحوتِ، فكان لِفَتَاه عَجَباً، وللحوتِ سَرَباً، قال: فلمَّا انتَهَيا إلى الصَّخْرةِ إذ هما برَجُلٍ مُسَجّى
بثوبٍ، فسَلَّمَ عليه موسى، قال: وأنَّى بأرضِكَ السَّلام؟ فقال: أنا موسى، قال: موسى بني
إسرائيلَ؟ قال: نعم، قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَداً﴾ فقال له الخَضِرُ: يا
موسى، إِنَّكَ على عِلْم من عِلْم الله عَلَّمَكَه اللهُ لا أعلمُه، وأنا على عِلْم من عِلْم الله، عَلَّمَنِيهِ اللهُ
لا تعلَمُه، ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ ﴿ قَالَ فَإِ أَتَّبَعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ

٥٥٤
سورة الكهف / ح ٤٧٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
مِنْهُ ذِكْرًا﴾ فانطَلَقا يَمْشِيان على الساحلِ، فمَرَّت بهم سَفِينَةٌ، فعُرِفَ الخَضِرُ، فحَمَلوهم في
سَفِينَتِهِم بغيرِ نَوْلٍ - يقول: بغيرِ أجْرٍ - فَرَكِيا في السَّفِينةِ، قال: ووَقَعَ عُصْفُورٌ على حَرْفٍ
السَّفِينة، فغَمَسَ مِنْقَارَه في البحرِ، فقال الخَضِرُ: يا موسى، ما عِلْمُكَ وعِلْمي وعِلْمُ الخَلَائِقِ
في عِلْمِ الله إلّ مِقْدَارُ ما غَمَسَ هذا العُصْفورُ مِنْقَارَه، قال: فلم يَفْجَأ موسى إذْ عَمَدَ الخَضِرُ
إلى قَدُومٍ، فَخَرَقَ السَّفِينَةَ، فقال له موسى: قومٌ حَمَلُونا بغيرِ نَوْل عَمَدْتَ إلى سَفِينَتِهِم فخَرَقْتَها
﴿لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾، فانطَلَقا، إذا هما بغلام يَلْعَبُ معَ الغِلْمان، فأخَذَ الخَضِرُ برأسِه فقطَعَه، قال
له موسى: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَّكِيَّةٌ بِغَيْرٍ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًّا تُكْرًا ﴾﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن
تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَبَوْأَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فقال
بيَدِه هكذا، فأقامَه، فقال له موسى: إنّا دَخَلْنا هذه القَرْيةَ فلم يُضَيِّفونا، ولم يُطْعِمونا: ﴿لَوْ
شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَبْنِكَ سَأُنَّبِّئُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع ◌َّلَيْهِ
صَبْرًا ﴾)).
فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((وَدِدْنا أنَّ موسى صَبَرَ،/ حتَّى يُقَصَّ علينا من أمرِهما)).
٤٢٤/٨
قال: وكان ابنُ عبَّاسٍ يقرأُ: ((وكان أمامَهم مَلِكٌ يأخُذُ كلَّ سَفِينةٍ صالحةٍ غَصْباً، وأمَّا
الغلامُ فکان کافراً».
قوله: ((باب ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنْهُ ءَائِنَا غَدَآءَنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَصَصًا ﴾)) ساقَ فيه قِصّة
موسى عن قُتَيبة عن سفيان، وقد نَبَّهتُ على ما فيه من فائدة زائدة في الذي قبله.
وقوله: ((عن عَمْرو بن دينار)) تقدَّم قبلُ بباب من رواية الحميديِّ عن سفيان: حدّثنا
عَمْرو بن دينار. وروى التِّرمِذيّ (٣١٤٩) من طريق عليّ بن المَدِينيّ قال: حَجَجتُ حَجّةً
وليس لي هِمّةٌ إلّا أن أسمَعَ من سفيان الخبرَ في هذا الحديث، حتَّى سمعتُه يقول: حدّثنا
عَمْرو. وكان قبلَ ذلك يقوله بالعَنعَنة.
قوله: ((﴿يَنْقَضَّ﴾ يَنْقَاضُ كما يَنْقَاضُ السِّنّ)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: الشَّيء، بمُعجَمةٍ
وتحتانيَّة. وهو قول أبي عُبيدة، قال في قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، أي: يقع، يقال: انقَضَّتِ

٥٥٥
سورة الكهف / ح ٤٧٢٧
كتاب التفسير
الدّار: إذا انْهَدَمَت، قال: وقَرَأَهُ قوم: ((يَنقاضَ)) أي: يَنقَلِعُ مِن أصلِهِ، كقولك: انقاضَتِ
السِّنُّ: إذا انقَلَعَت من أصلها. وهذا يُؤيِّد رواية أبي ذرٍّ.
وقراءة: ((يَنقاضَ)) مَرويَّة عن الزُّهْريّ، واختُلِفَ في ضادها، فقيلَ: بالتَّشديدِ بوَزنِ
يَجمارَّ، وهو أبلَغُ من يَنقَضّ، ويَنقَضُّ بوزنٍ يَفعَلُّ من انقضاض الطائر إذا سَقَطَ إلى الأرض،
وقيلَ: بالتَّخفيفِ، وعليه يَنطَقُ المعنى الذي ذكره أبو عُبيدة.
وعن عليّ أنَّه قرأ: ((يَنقاصَ)) بالمهمَلة، وقال ابن خَالويه: يقولون: انقاصَتِ السِّنّ: إذا
انشَقَّت طُولاً، وقيلَ: إذا تَصَدَّعَت كيف كان. وقال ابن فارس: قيل: معناه كالذي بالمعجَمة،
وقيلَ: الشَّقُّ طُولاً. وقال ابن دُرَيدٍ: انقاضَ، بالمعجَمة: انكَسَرَ، وبالمُهمَلة: انصَدَعَ.
وقرأ الأعمَش تَبَعاً لابنِ مسعود: ((يريد لِيُنقَضَ)) بكسرِ اللّام وضمّ التَّحتانيَّة وفتح
القاف وتخفيف الضّاد، من النَّقْض.
قوله: ((﴿ثُكْرًا﴾: داهيةً)) كذا فيهِ، والذي عندَ أبي عُبيدة في قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا
إِمْرًا﴾: داهية، و﴿تُكْرًا﴾، أي: عظيماً.
واختُلِفَ في أيّهما أبلَغُ، فقيلَ: ﴿إِمْرًا﴾ أبلغ من ﴿تُكْرًا﴾ لأنَّه قالها بسبب الخَرْق الذي
يُفضي إلى هلاك عِدّة أنفُس، وتلكَ بسبب نفس واحدة. وقيلَ: ﴿قُكْرًا﴾ أبلغ، لگَوْنِ
الضَّرَر فيها ناجِزاً، بخِلَاف ﴿إِمْرًا﴾ لكَوْنِ الضَّرَر فيها مُتَوَقَّعاً. ويُؤيِّد ذلك أنَّه قال في
﴿ُكْرًا ﴾: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكَ﴾، ولم يَقُلها في ﴿إِمْرًا﴾.
قوله: (لَتَخِذْتَ: والتَّخَذْتَ واحدٌ)) هو قول أبي عبيدة. ووَقَعَ في رواية مسلم (٢٣٨٠) عن
عَمْرو بن محمَّد عن سفيان في هذا الحديث: أنَّ النبيّ وَّه قرأها: ((لَتَخِذْتَ))، وهي قراءة أبي
عَمْرو (١)، ورواية غيره: ﴿لَنَّخَذْتَ﴾.
قوله: ((﴿رُحْمًا﴾: من الرُّحْم، وهي أشَدّ مُبالَغةً من الرَّحْمَة، ويُظَنُّ أنَّه من الرَّحيم، وتُدْعَى
مكَّة أمَّ رُحْم، أي: الرَّحْمُ تَنزِل بها)) هو من كلام أبي عبيدة، ووَفَعَ عندَه مُفرَّقاً، وقد تقدَّم في
(١) وهي أيضاً قراءة ابن كثير ويعقوب الحضرمي من العشرة. انظر: ((النشر)) ٣١٤/٢.

٥٥٦
سورة الكهف / ح ٤٧٢٧
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الذي قبله، وحاصل كلامه: أنَّ رُحماً من الرَّحِم التي هي القَرابة. وهي أبلغ من
الرَّحمة التي هي رِقّة القلب، لأنَّها تَستَلزِمُها غالباً من غير عَكس.
وقوله: ((ويُظَنّ)) مَبنيّ للمجهولِ.
وقوله: ((مُشتَقّ من الرَّحْمَة)) أي: التي اشتُقَّ منها الرحيم.
وقوله: ((أُمّ رُحْم)) بضمِّ الرّاء والسُّكون، وذلك لتَنُّل الرَّحمة بها، ففيه تَقويةٌ لمَا اختارَه
من أنَّ الرُّحْم من القَرابة، لا من الرِّقّة.
قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآَ إِلَى الصَّخْرَةِ))) إلى آخره. ثبتت هذه الترجمة
لأبي ذرّ، وذكر فيه قصة موسى والخضر، عن قتيبة عن سفيان بن عيينة، وقد تقدمت عن
عبد الله بن محمد عن سفيان بن عيينة في كتاب العلم (١٢٢).
وقوله في آخرها: ((قال رسول الله وَ له وَدِدْنا أن موسى صَبَرَ حتى يَقُصّ الله علينا من أمرهما)».
تنبيه: تقدم في العلم (١٢٢) بلفظ: ((يرحمُ اللهُ موسى لَودِدنا لو صَبَرَ))، وتقدم في
أحاديث الأنبياء (٣٤٠١) عن علي بن عبد الله بن المدينيِّ عن سفيان كرواية قُتيبة، لكن
قال بعدها: قال سفيان: قال رسول الله وَ له: ((يرحمُ اللهُ موسى)) إلى آخره. فهذا يحتمِل أن
تكون هذه الزيادة وهي: ((يرحمُ اللهُ موسى)) لم تكن عند ابن عيينةَ، بهذا الإسناد، ولكنّه
٤٢٥/٨ أرسلها، ويحتمل أن يكون عليّ سمعه منه مرتين، / مرةً بإثباتها ومرةً بحذْفها، وهو أولى،
فقد أخرجه مسلم (٢٣٨٠/ ١٧٠) عن إسحاق بن راهويه وعمرو بن محمد الناقد وابنِ أبي
عمر وعُبيدِ الله بن سعيد، والترمذيُّ (٣١٤٩) عن ابن أبي عمر، والنّسائيُّ عن ابن أبي
عمر(١)، كلّهم عن سفيان بلفظ: ((يرحمُ اللهُ موسى ... )) إلى آخره. متَّصلاً بالخبر، وأخرجه
مسلم (٢٣٨٠/ ١٧٢) من طريق رقبةً عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير بزيادةٍ، ولفظه:
((ولو صبر لرأَى العجَبَ)) وكان إذا ذكر أحداً من الأنبياء، بدأ بنفسه: ((رحمة الله علينا وعلى
(١) رواية النسائي في ((الكبرى)) (١١٢٤٥) عن قتيبة، عن سفيان، بلفظ: وددنا أن موسى صبر حتى يقص
علينا ... إلى آخره. ومتصلاً بالخبر.

٥٥٧
سورة الكهف / ح ٤٧٢٨
كتاب التفسير
أخي كذا)) وأخرجه الترمذيُّ (٣٣٨٥) والنَّسائيُّ (ك ١١٢٤٨) من طريق حمزةَ الزَّيَّات، عن
أبي إسحاق مختصراً، وأبو داود من هذا الوجه مطولاً(١) (٣٩٨٤) ولفظه: وكان إذا دعا بدأ
بنفسه، وقال: ((رحمة الله علينا وعلى موسى)).
وقد ترجم المصنِّف في الدعوات (٦٣٣١): من خَصَّ أخاه بالدعاء دونَ نفسِه، وذکر
فيه عِدَّة أحاديث، وكأنه أشار إلى أن هذه الزيادة، وهي: كان إذا ذكر أحداً من الأنبياء بَدَأ
بنفسه. لم تثبت عنده.
وقد سُئل أبو حاتم الرازي عن زيادةٍ وقعتْ في قصة موسى والخَضِر من رواية أبي
إسحاق هذه عن سعيد بن جُبَير، وهي قوله في صِفة أهل القرية: «أتيا أهلَ قريةٍ لِتاماً،
فطافا في المجالس))(٢) فأنكرها، وقال: هي مُدرَجة في الخبر، فقد يقال: وهذه الزيادةُ مدرجة
فيه أيضاً، والمحفوظ رواية ابن عيينة المذكورة، والله أعلم.
٦- بابٌ
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئَّكُمْ بِلْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا ﴾ الآية [الكهف: ١٠٣]
٤٧٢٨ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ بِشَارٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَمْرو بن مُرَّةَ،
عن مُصْعَبٍ بن سَعْدٍ، قال: سألتُ أبي: ﴿قُلْ هَلْ نُنََّهُبِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا﴾ همُ الحَرُورِيَّةُ، قال: لا،
همُ اليهودُ والنَّصارَى، أمَّا اليهودُ فَكَذَّبوا محمَّداً فَِّ، وأمَّا النَّصَارَى كفروا بالجنَّةِ، وقالوا: لا
طعامَ فيها ولا شرابَ، والحَرُورِيَّةُ ﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ،﴾ [البقرة: ٢٧]،
(١) كذا وقع في الأصلين و(س): مطولاً، وهو وهم من النُّاخ فيما يغلب على ظننا، لأن الرواية عند أبي
داود في كتاب الحروف: كان رسول الله وَ ل﴿ إذا دعا بدأ بنفسه، وقال: ((رحمة الله علينا وعلى موسى، لو
صبَرَ لرأى مِن صاحبه العجب، ولكنه قال: ﴿إِن سَأَلَّئُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَُّنِ﴾
طوّلها حمزة. فقوله: طوّلها، يعني به ضم الدال وتشديد النون في قراءة كلمة ﴿لَّدُنِ﴾، وبهذا يظهر أن
قوله: مطولاً، وهم، لأنه يُوهم أن الرواية عند أبي داود مطولة، وليس الأمر كذلك، ولا نخال أن مثل
ذلك مما يخفى على الحافظ رحمه الله.
(٢) عند مسلم (٢٣٨٠) (١٧٢).

٥٥٨
سورة الكهف / ح ٤٧٢٨
فتح الباري بشرح البخاري
وكان سعدٌ يُسمِّيهمُ الفاسِقِينَ.
قوله: ((باب ﴿قُلْ هَلْ نُنِّئَّكُمْ ◌ِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا﴾)» ذكر فيه حديث مُصعَب بن سعد: سألت
أبي - يعني سعد بن أبي وقّاص - عن هذه الآية. وهذا الحديثُ رواه جماعةٌ من أهل الكوفة
عن مُصعَب بن سعد بألفاظٍ مُخْتَلِفة، نُنَبِّه على ما تيسَر منها.
ووَقَعَ في رواية يزيد بن هارون عن شُعْبة، بهذا الإسناد، عندَ النَّسائيِّ (ك١١٢٥١):
سألَ رجلٌ أبي. فكأنَّ الراويَ نَسِيَ اسمَ السائل فأبهَمَه، وقد تَبيَّن من روايةٍ غيره: أنَّه
مُصعبٌ راوي الحديث.
قوله: ((هم الحَرُوريَّة؟)) بفتح المهمَلة وضمّ الرّاء: نسبةً إلى حَرُوراءَ، وهي القرية التي
كان ابتداءُ خروج الخوارج على عليّ منها.
ولابنِ مَرْدويه من طريق حُصَينٍ عن (١) مُصعَب: لمَّا خرجتِ الحَرُوريَّةُ، قلت لأبي:
أهؤلاءِ الذينَ أَنزَلَ الله فيهم؟
وله من طريق القاسم بن أبي بَزّةَ عن أبي الطَّفَيل عن عليّ، في هذه الآية قال: أظنّ أنَّ
بعضَهم الحَرُوريَّةُ.
وللحاكم من وجه آخر عن أبي الطَّفَيل، قال: قال عليّ: منهم أصحابُ النَّهْرَوانِ.
وذلك قبلَ أن يَخْرُجُوا.
وأصله عندَ عبد الرَّزّاق(٢) بلفظ: قامَ ابن الكَوّاء إلى عليّ، فقال: ما الأخسَرِينَ أعمالاً؟
قال: ويلك، منهم أهل حَروراءَ. ولعلَّ هذا هو السَّبَب في سؤال مُصعَبٍ أباه عن ذلك،
وليس الذي قاله عليٌّ ببعيدٍ، لأنَّ اللَّفظ يَتَنَاوَله وإن كان السَّبَب ◌َخَصُوصاً.
قوله: ((قال: لا، هم اليهود والنَّصارَى)) وللحاكم (٢/ ٣٧٠): قال: لا، أولئكَ أصحاب
الصَّوامع.
(١) تحرفت في (س) إلى: بن. وحُصين المذكور هو ابن عبد الرحمن السُّلَمي.
(٢) في ((تفسيره)) ١/ ٤١٣.

٥٥٩
سورة الكهف / ح ٤٧٢٨
كتاب التفسير
ولابنِ أبي حاتم من طريق هلال بن يساف عن مُصعَب: هم أصحاب الصَّوامع.
وله من طريق أبي خَمِيصةَ، بفتح المعجَمة وبالصّادِ المهمَلة، واسمُه عبد الله (١) بن قيس
قال: هم الرُّهبان الذينَ حَبَسوا أنفُسهم في السَّواري.
قوله: ((وأمَّا النَّصارَى، كفروا بالجنَّةِ، وقالوا: ليس فيها طعامٌ ولا شرابٌ))/ في رواية ابن ٤٢٦/٨
أبي حاتم من طريق عَمْرو بن مُرّة عن مُصعَب قال: هم عُبّاد النَّصارَى، قالوا: ليس في
الجنَّة طعامٌ ولا شرابٌ.
قوله: ((والحَروريَّةِ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ ... )) إلى آخره. في رواية النَّسائيِّ: والحَرُوريَّة الذينَ
قال الله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِّ أَنْ يُوصَلَ﴾ إلى الفاسقين، قال يزيد: هكذا حَفِظتُ.
قلت: وهو غَلَط منه، أو مَمَّن حَفِظَه عنه(٢)، وكذا وَقَعَ عندَ ابن مَرْدويه: ((﴿أُوْلَكَ هُمُ
اَلْفَسِقُونَ﴾)) والصَّواب ﴿الْخَسِرُونَ﴾، ووَقَعَ على الصَّواب كذلك في رواية الحاكم
(٣٧٠/٢).
قوله: ((وكان سعد يُسَمّيهم الفاسِقينَ)) لعلَّ هذا السَّبَب في الغَلَط المذكور، وفي رواية
للحاكمِ: ((الخوارج قوم زاغوا فأزاغَ الله قلوبهم) وهذه الآية هي التي آخرها: ﴿اَلْفَسِقِينَ ﴾
فلعلَّ الاختصار اقتَضَى ذلك الغَلَط، وكأنَّ سعداً ذكر الآيتينِ معاً، التي في البقرة والتي في
الصَّفّ (٣)، وقد روى ابن مَرْدويه من طريق أبي عَوْن عن مُصعَب قال: نَظَرَ رجل من
الخوارج إلى سعد، فقال: هذا من أئمَّة الكفر، فقال له سعد: كَذَبتَ، أنا قاتَلتُ أئمَّةَ الكفر.
(١) تحرف في (س) إلى: عُبيد الله.
(٢) كذا جزم الحافظ رحمه الله بأن هذا غلط، وليس الأمر كذلك، لأن قوله: إلى الفاسقين، إنما هو من قول
سعد بن أبي وقاصٍ، ولم يُرد الراوي أن سعداً قرأ إلى قوله: الفاسقين، ولكن سعداً عقّب ذكر الآية
بقوله: إلى الفاسقين، ولهذا قال يزيد بعد أن ذكر ذلك: هكذا حفظتُ: كان سعد يسميهم الفاسقين،
ويؤيده رواية الحاكم التي أشار إليها الحافظُ، حيث جاء فيها: ولكن الخوارج هم الفاسقون ﴿الَّذِينَ
يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ فذكر الآية، فاستعمل سعد آخر لفظة من الآية التي قبل الآية التي ذكرها.
(٣) عجباً للحافظ كيف ذهل عن أن آخر الآية التي قبل الآية التي ذكرها سعد هو قوله: ﴿اَلْفَسِقِينَ﴾ وذكر
بدلها آيةَ الصفِّ!

٥٦٠
سورة الكهف / ح ٤٧٢٩
فتح الباري بشرح البخاري
فقال له آخر: هذا من الأخسَرِينَ أعمالاً، فقال له سعد: كَذَبت، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِ
رَبِّهِمْ﴾ الآيةَ)). قال ابن الجَوْزيّ: وجه خُسرانهم: أنَّهم تَعَبَّدوا على غير أصلٍ، فابتَدَعُوا،
فخَسِروا الأعمار والأعمال.
٧- بابٌ
﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِنَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَّبِهِ،﴾ الآيةَ
٤٧٢٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ، أخبرنا المغِيرةُ بنُ عبد الرحمنِ،
قال: حدَّثني أبو الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ ◌ّه، عن رسولِ الله ◌ِّ، قال: ((إنَّه لَيأتي الرجلُ
العظيمُ السَّمِينُ يومَ القيامةِ، لا يَزِنُ عندَ الله جَناحَ بَعُوضةٍ))، وقال: ((اقرَؤوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ
اُلْقِيَامَةِ وَزْنَا﴾)».
وعن يحيى بنِ بُكَير، عن المغِيرةِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي الزنادِ ... مِثْلَه.
قوله: «باب ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِنَايَتِ رَبِّهِمْ وَلِقَابِهِ،﴾ الآيةَ [الكهف: ١٠٥])) تقدَّم من
حديث سعد بن أبي وقّاص في الذي قبلَه بيان أنَّها نزلت في الأخسَرينَ أعمالاً.
قوله: ((حدَّثْنا محمَّد بن عبد الله)) هو الذُّهْلِيُّ، نَسَبَه إلى جَدّ أبيه.
وقوله: ((حذَّثنا سعيد بن أبي مريم)) هو شيخ البخاريّ، أكثرَ عنه في هذا الكتاب، ورُبَّما
حدَّث عنه بواسطةٍ كما هُنا.
قوله: ((الرجل العظيم السَّمين)) في رواية ابن مَرْدويه من وجه آخر عن أبي هريرة:
((الطَّويل العظيم الأَكُول الشَّرُوب)).
قوله: ((وقال: اقْرَؤُوا ﴿فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنَا﴾)) القائل يُحتمل أن يكون الصَّحابيَّ،
أو هو مرفوعٌ من بَقِيَّة الحديث.
قوله: ((وعن يحيى بن بُكَير)) هو معطوف على سعيد بن أبي مريم، والتَّقدير: حدَّثنا محمَّد
ابن عبد الله عن سعيد بن أبي مريم، وعن يحيى بن بُكَير، وبهذا جَزَمَ أبو مسعود.
ويحيى بن بُكَير: هو ابن عبد الله بن بُكَير، نُسِبَ لجدِّه، وهو من شيوخ البخاريّ أيضاً،