Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
سورة يوسف / ح ٤٦٩٢ - ٤٦٩٣
كتاب التفسير
مَهموزة، وأخرج ابن مَرْدويه من طريق مسروق عن عبد الله قال: أقرأَني رسولُ الله وَله
﴿هَيْتَ لَّكَ﴾ يعني: هَلُمَّ لك. وعندَ عبد الرَّزّاق (٣٢٠/١) من وجه آخر عن عِكْرمة،
قال: معناها: تَهيَّْتُ لك. وعن قَتَادة قال: يقول بعضهم: هَلُمَّ لك.
وأمَّا قول سعيد بن جُبَير فَوَصَلَه الطَّبَرَيُّ (١٧٨/١٢) وأبو الشَّيخ من طريقه. وقال أبو
عُبيدة في قوله: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾، أي: هَلُمَّ، وأنشَدَني أبو عَمْرو بن العلاء:
أنَّ العِراقَ وأهلَهُ عُنُق إليكَ فَهَيْتَ هَيْتا
قال: ولفظ ((هيت)) للواحدٍ والاثنَينِ والجمع من الذَّكَر والأُنْثَى سواء، إلّا أنَّ العَدَد
فيما بعده، تقول: هَيتَ لك، وهَيتَ لكُما. قال: وشَهِدت أبا عَمْرو بن العلاء وسألَه رجل
عَمَّن قرأ ((هِئتُ لك)) أي: بكسرِ الهاء وضمّ المثنّة مَهموزاً، فقال: باطِلٌ، لا يَعرِف هذا
أحدٌ من العرب. انتھی.
وقد أثبَتَ ذلك الفَرّاء(١)، وساقَه من طريق الشَّعبيّ عن ابن مسعود، وسيأتي تحرير
النَّقل عن ابن مسعود في ذلك قريباً.
قوله: (﴿مَثْوَنُهُ﴾: مُقَامُه)) ثَبَتَ هذا لأبي ذرٍّ وحدَه، وكذا الذي بعده، قال أبو عُبيدة في
قوله تعالى: ﴿أَكْرِمِ مَثْوَنُهُ﴾، أي: مُقَامَه الذي ثَوّاه، ويقال لمن نزلَ عليه الشَّخص
ضَيفاً: أبو مَثْواه.
قوله: ((﴿وَأَلْفَيَا﴾: وجَدا ﴿أَلْفَوْ ءَابَآَ هُمْ﴾ وألفَى (٢)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى:
﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ﴾ أي: وجَدَاه، وفي قوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْءَابَآءَ هُمْ﴾ أي: / وجَدُوا.
٣٦٥/٨
(١) في ((معاني القرآن)) ٢/ ٤٠. لكن لم يتعرض الفراء لضبط الكلمة في قراءة ابن مسعود، بل إن سياق كلامه
يشير إلى أنه قرأها بدون الهمز، بعكس كلام الحافظ هنا، ويؤيد ذلك أن حفص بن عمر الدُّوري قد
روى في ((جزئه في قراءات النبي (َّ)) بإسناد الفراء نفسه عن الشعبي عن ابن مسعود، قال: أقرأني
رسولُ الله ◌َّهِ ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ نصب الهاء ولم يهمز. فصرح بترك الهمز فيها ..
(٢) الذي في اليونينية و((إرشاد الساري)) دون حكاية خلاف: ﴿أَلْفَيْنَا﴾، فالله تعالى أعلم.

٤٢٢
سورة يوسف / ح ٤٦٩٢ - ٤٦٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
وفي قوله: ((ألفَى)) أي: وجَدَ.
قوله: ((عن سليمان)» هو الأعمش.
قوله: ((عن ابنِ مسعود ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ وقال: إنَّما نَقْرَؤُها كما عُلِّمناها)) هكذا
أورَدَه مختصراً.
وأخرجه عبد الرَّزّاق (١/ ٣٢٠) عن الثَّوريّ عن الأعمَش بلفظ: إنّ سمعت القَرَأَةَ
فسمعتهم مُتَقاربينَ، فاقرَؤوا كما عُلِّمْتُم وإيّاكُم والتَّنَطُّعَ والاختلافَ، فإنَّما هو كقولٍ
الرجل: هَلُمَّ وتَعالَ، ثمَّ قرأ: ﴿ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ فقلت: إنَّ ناساً يَقرَؤونَها ((هيتُ لك))
قال: لَأن أقرأها كما عُلِّمتُ أحَبّ إليَّ. وكذا أخرجه ابن مَرْدويه من طريق شَيْبانَ(١) وزائدة
عن الأعمش نحوه.
ومن طريق طلحة بن مُصرِّف عن أبي وائل أنَّ ابن مسعود قرأها: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾
بالفتح، ومن طريق سليمان التَّيْميِّ عن الأعمَش بإسناده، لكن قال بالضَّمِّ.
وروى عبد بن حُميدٍ من طريق أبي وائل قال: قرأها عبد الله بالفتح، فقلت له: إنَّ
الناس يَقرَؤونها بالضَّمِّ، فذكره، وهذا أقوى.
قلت: وقراءة ابن مسعود بكسرِ الهاء(٢) وبالضَّمِّ وبالفتح بغير همز.
وروى عبد بن حُميدٍ عن أبي وائل أنَّه كان يقرؤُها كذلك، لكن بالهمزِ. وقد تقدَّم إنكار أبي
عَمْرو ذلك، لكن ثَبَتَ ما أنكَرَه في قراءة هشام(٣) في السَّبعة، وجاء عنه الضَّمّ والفتح أيضاً.
(١) وأخرجه أيضاً أبو داود (٤٠٠٤) من طريق شيبان، و(٤٠٠٥) من طريق أبي معاوية، كلاهما عن
الأعمش، وقَيَّد الحافظُ في نسخته من ((سنن أبي داود)» القراءةَ التي قيل لابن مسعودٍ: إن ناساً يقرؤونها
((هيتُ لك)) بضم التاء، في الموضعين.
(٢) جاء عند الطبري ١٢ / ١٨٢ من طريق آدم العسقلاني، عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق،
عن ابن مسعود قال: ﴿هَيْتَ لَّكَ﴾ بنصب الهاء والتاء، وبلا همز وهذا يقتضي أن ابن مسعود قرأها
أيضاً بفتح الهاء. وهو ظاهر ما في رواية البخاري هنا.
(٣) وهي أحد روايات عبد الله بن عامر الدمشقي. وهشام: هو ابن عمار.

٤٢٣
سورة يوسف / ح ٤٦٩٢ - ٤٦٩٣
كتاب التفسير
وقرأ ابن كثير بفتح الهاء وبالضَّمِّ، وقرأ نافع وابن ذكوانَ بكسرٍ أوَّله وفتح آخره، وقرأ
الجمهور بفتحهما، وقرأ ابن مُحَيَصِن بفتح أوَّله وكسر آخره، وهي عن ابن عبّاس أيضاً
والحسن، وقرأ ابن أبي إسحاق(١)، أحد مشايخ النَّحو بالبصرة، بكسرٍ أوَّله وضمّ آخره،
وحكى النَّحّاس: أنَّه قرأها بكَسْرِهَا (٢).
وأمَّا ما نُقِلَ عن عِكْرمة: أنَّها بالخَوْرانيَّة فقد وافَقَه عليه الكِسائيّ والفَرّاء وغيرهما، كما
تقدَّم، وعن السُّدّيِّ: أنَها لغة قِبطيَّة معناها: هَلُمَّ لك، وعن الحسن: أنَّها بالسُّريانيَّة كذلك،
وقال أبو زيد الأنصاريّ: هي بالعِبرانيَّة، وأصلُها: هَيْتَ لَجْ، أي: تَعالَهْ، فَعُرِّبَت، وقال
الجمهور: هي عربيّة معناها: الحثّ على الإقبال، والله أعلم.
قوله: ((وعن ابن مسعود: ((بَلْ عَجِبْتُ ويَسْخَرونَ))) هكذا وَقَعَ في هذا الموضع معطوفاً
على الإسناد الذي قبله، وقد وصَلَه الحاكم في ((المستدرَك)) (٢/ ٤٣٠) من طريق جَرِير عن
الأعمش، بهذا.
وقد استُشْكِلَتْ مُناسَبةُ إيراد هذه الآية في هذا الموضع، فإنَّها من سورة ((الصّافّات))،
وليس في هذه السّورة من معناها شيء. لكن أورد البخاريّ في الباب حدیث عبد الله، وهو
ابن مسعود: أنَّ قُرَيشاً لمَّا أبطؤوا على النبيّ ◌َِّ قال: ((اللهمَّ اكفنيهم بسبع كَسبْع یوسف»
الحديث. ولا تظهر مُناسَبته أيضاً للتَّرجمة المذكورة وهي قوله: (باب قوله: ﴿وَرَوَدَتْهُ الَّتِى
هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ﴾)) وقد تَكلَّفَ لها أبو الأصبغ(٣) عيسى بن سَهل في ((شرحه)) فيما نَقَلْتُه
من (رِحلة أبي عبد الله بن رُشَيد)) عنه ما مُلخَّصُه: تَرجَمَ البخاريّ ((باب قوله: ﴿وَرَوَدَتَّهُ الَّتِى
هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ،﴾)) وأدخَلَ حديث ابن مسعود: أنَّ قُرَيشاً لمَّا أبطؤوا الحديث، وأورَدَ
قبلَ ذلك في التَّرجمة عن ابن مسعود: ((بل عَجِبْتُ ويَسْخَرون)) قال: فانتهى إلى موضع الفائدة
(١) هو عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي، وهو في طبقة أبي عمرو بن العلاء البصري أحد السبعة.
(٢) أي: بكسر التاء، وتحرف في (ع) و(س) إلى: بكسرهما، وجاء على الصواب في (أ)، موافقاً لما في ((إعراب
القرآن)» للنحاس ١٩٨/٢.
(٣) تصحفت في (س) إلى: الإصبع.

٤٢٤
سورة يوسف / ح ٤٦٩٢ - ٤٦٩٣
فتح الباري بشرح البخاري
ولم يَذكُرها، وهو قوله: ﴿ وَإِذَا ذُكِرُواْ لَا يَذَّكُرُونَ (٢) وَإِذَا رَأَوْ ءَايَّةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٣ -١٤]
قال: ويُؤخَذ من ذلك مُناسَبة التَّبويب المذكورة، ووجهه أنَّه شَبَّهَ ما عَرَضَ ليوسف عليه
السلام معَ إخوَته ومع امرأة العزيز، بما عَرَضَ لمحمَّدٍ وَّ معَ قومه حينَ أخرَجوه من
وطَنه، كما أخرج يوسفَ إخوَتُه وباعوه لمن استَعبَدَه فلم يُعَنِّفِ النبيُّ ◌َّه قومه لمَّا فَتَحَ
مكَّة كما لم يُعَنِّف يوسفُ إخوَتَه حينَ قالوا له: ﴿تَاَللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف:
٩١]، ودَعَا النبيّ وََّ بالمطرِ لمَّا سألَه أبو سفيانَ أن يَستَسقيَ لهم(١)، كما دَعَا يوسف
الإخوَتِه لمَّا جاؤوهُ نادِمينَ، فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اَللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢]
قال: فمعنى الآية: بل عَجِبتَ من حِلْمي عنهم معَ سُخريَتِهِم بك، وتَمَاديهم على غَيّهم،
وعلى قراءة ابن مسعود بالضَّمِّ: بل عَجِبتُ من حِلمك عن قومِك إذا أتوك مُتَوَسِلينَ بك،
فدَعَوتَ، فَكُشِفَ عنهم، وذلك كَحِلْمٍ يوسف عن إخوَته إذ أتَوه محتاجينَ، وگَحِلْمِه عن
امرأة العزيز، حيثُ أغرَتْ به سَيِّدَها وكَذَبَتْ عليه، ثمَّ سَجَنَتْه ثمَّ عَفا عنها بعدَ ذلك ولم
يُؤَاخِذْها. قال: فَظَهَرَ تَناسُب ما بين الآيتَينِ في المعنى معَ بُعد الظّاهر بينَهما. قال: ومثل هذا
كثير في كتابه - ممَّا عابَه به مَن لم يَفتَحِ الله عليه - والله المستعان.
ومن تمام ذلك أن يقال: تظهر المناسَبة أيضاً بينَ القِصَّتَينِ من قوله في الصّافّات: ﴿ وَإِذَا
رَأَوْءَايَّةٌ يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات: ١٤]، فإنَّ فيها إشارةً إلى تَمَاديهم على كفرهم وغَيّهم، ومن قوله
في قِصّة يوسف: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوْ اُلْآَيَتِ لَيَسْجُنُنَّهُ، حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥].
وقول البخاريّ: ((وعن ابن مسعود)) هو موصول بالإسناد الذي قبلَه، وقد روى الطََّرِيُّ (٢)
وابن أبي حاتم من طريق الأعمَش عن أبي وائل عن شُرَيح أنَّه أنكَرَ قراءة ((عَجِبْتُ)) بالضَّمِّ،
ويقول: إنَّ الله لا يَعجَب، وإنَّما يَعجَب مَن لا يَعلَم، قال: فذكرته لإبراهيم النَّخَعيِّ، فقال:
إِنَّ شُرَيحاً كان مُعجَباً برأيِهِ، وإنَّ ابن مسعود كان يقرؤُها بالضَّمِّ، وهو أعلم منه.
(١) جاء ذلك في رواية لهذا الحديث أتم من روايته هنا، وقد تقدمت برقم (١٠٢٠).
(٢) كذا عزاه الحافظ رحمه الله هنا للطبري، ولم نقف عليه عند الطبري، ولا نسبه إليه السيوطي في ((الدر
المنثور)) عند تفسير الآية، في جملة من نسبَه إليهم، والله أعلم.

٤٢٥
سورة يوسف / ح ٤٦٩٢ - ٤٦٩٣
كتاب التفسير
قال الكِرْمانيُّ: أورَدَ البخاريّ هذه الكلمة وإن كانت في الصّافّات هنا إشارةً إلى أنَّ ابن
مسعود کان يقرؤها بالضّمِّ، كما يقرأ ﴿ هَيْتَ﴾ بالضّمِّ. انتھی، وهي مُناسبة لا بأس بها،
إلّا أنَّ الذي تقدَّم عن ابن سَهل أدَقٌّ، والله أعلم.
وقرأ بالضّمِّ أيضاً سعيد بن جُبیر وهمزة والكِسائيّ، والباقون بالفتح، وهو ظاهر، وهو
ضمير الرَّسول، وبه صَرَّحَ قَتَادة. ويحتمل أن يُراد به كلُّ مَن يَصِحّ منه. وأمَّا الضَّمّ فحكاية
شُرَيحِ تَدُلّ على أنَّه حَمَلَه على الله، وليس لإنكاره معنَى، لأَنَّه إذا ثَبَتَ حُمل على ما يَليق به
سبحانه وتعالى. ويحتمل أن يكون مصروفاً للسامع، أي: قل: بل عَجِبتُ ويَسخَرونَ. والأوَّل
هو المعتمَد، وقد أقَرَّه إبراهيم النَّخَعِيُّ، وَزَمَ بذلك سعيد بن جُبَير فيما رواه ابن أبي حاتم قال
في قوله: ((بل عَجِبتُ)) اللهُ عَجِبَ، ومن طريق أُخرى عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن
مسعود أنَّه قرأ: ((بل عَجِبتُ)) بالرَّفع، ويقول: نَظِيرها: / ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلَهُمْ﴾ [الرعد: ٣٦٦/٨
٥]، ومن طريق الضَّحّاك عن ابن عبّاس قال: سبحانَ الله عَجِبَ! ونَقَلَ ابن أبي حاتم في
(كتاب الردّ على الْجَهْميَّة)) عن محمَّد بن عبد الرَّحمن المقرئ، ولَقَبُه مَتِّ قال: وكان يُفضَّل على
الكِسائيّ في القراءة أنَّه قال: يُعجِبني أن أقرأ: ((بل عَجِبتُ)) بالضَّمِّ خِلَافاً للجَهميَّة.
قوله: ((حدَّثنا الحُمَيدِيُّ، حدَّثنا سُفْيان، عن الأعمش، عن مسلم)) وهو ابن صُبَيح بالتَّصغير،
وهو أبو الضُّحَى، وهو بكُنْيْتِه أشھَر.
ووَقَعَ في ((مُسنَد الحميديِّ)) (١١٦) عن سفيان: أخبرني(١) الأعمش، أو أُخبرت عنه، عن
مسلم. كذا عندَه بالشكِّ، وكذا أخرجه أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)) من طريقه، وأخرجه
الإسماعيليّ من طريق ابن أبي عمر عن سفيان قال: سمعت من الأعمَش، أو أُخبِرتُه عنه، عن
مسلم بن صُبَيح. وهذا الشكّ لا يَقدَح في صِحّة الحديث، فإنَّه قد تقدَّم في الاستسقاء (١٠٢٠)
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله، أن رواية الحميدي في ((مسنده)): أخبرني الأعمش، وجاء في الطبعتين
المحققتين منه: عن الأعمش، لكن يؤيد ما وقع للحافظ أن أبا إسماعيل الهروي روى بعض هذا الحديث
في «ذم الكلام وأهله)) (٥١٦) من طريق بشر بن موسى - وهو راوي ((مسند الحميدي)) - عنه، فقال:
حدثنا الأعمش، فالظاهر أنها في بعض النسخ منه كذلك، وفي أخرى بالعنعنة، والله أعلم.

٤٢٦
سورة يوسف / ح ٤٦٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
من طريق أُخرى عن الأعمَش من غير رواية ابن عُيَينَةَ، فتكون هذه معدودةً في المتابعات،
والله أعلم.
٥- باب قوله:
﴿فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾
إلى قوله: ﴿قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٥٠-٥١]
وَ﴿حَشَ﴾ وحاشَى: تَنزِيهُ واسِثْنَاءٌ.
﴿حَصْحَصَ﴾ [٥١]: وَضَحَ.
٤٦٩٤- حدَّثني سعيدُ بنُ تَلِيدٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ القاسمِ، عن بكرِ بنِ مُضَرَ، عن
عَمْرِو بنِ الحارثِ، عن يونُّسَ بنِ يَزِيدَ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّب وأبي سَلَمةَ بنِ
عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ عُ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((يرحَمُ الله لُوطاً، لقد كان يَأْوِي إلى
رُكْنٍ شديدٍ، ولو لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسفُ، لأَجَبتُ الدّاعِيَ، ونحنُ أحقُّ من إبراهيمَ إذ
قال له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَظْمَيِنَّ قَلْبِ﴾)) [البقرة: ٢٦٠].
قوله: ((باب قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْنَ حَشَ
لِلّهِ﴾)) كذا لأبي ذرٍّ، وكأنَّ التَّرجمة انقَضَت عندَ قوله: ﴿رَبِّكَ﴾، ثمَّ فَسَّرَ قوله: ﴿حَشَ
لِلَّهِ﴾، وساقَ غيره من أوَّل الآية إلى قوله عن نفسه: ﴿قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ﴾.
قوله: ((﴿حَشَ﴾ وحَاشَى تَنْزِيهُ واسِثْناء)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿حَشَ لِلَّهِ﴾ الشّين
مفتوحة بغير ياء، وبعضهم يُدخِلُها في آخره، كقولِ الشّاعر(١):
حاشَى أبي ثَوْبانَ إِنَّ به ضِنّاً على المَلْحاةِ والشَّتْمِ(٢)
ومعناه: التَّنزيه والاستثناء عن الشّ، تقول: حاشَيتُه، أي: استَئِنَيْتُه.
(١) هو سبْرة بن عمرو الأسدي. انظر: ((لسان العرب)) مادة (حشا).
(٢) سقط عُجز البيت من (أ) و(س)، وهو في أصل القصيدة عجز البيت الذي يلي هذا البيت، كما نبه عليه
السمين الحلبي في ((الدر المصون)) ٦/ ٤٨٢.

٤٢٧
سورة يوسف / ح ٤٦٩٤
كتاب التفسير
وقد قرأ الجمهور بحذفِ الألف بعدَ الشّين، وأبو عَمْرو بإثباتها في الوَصلِ. وفي حذفٍ
الألف بعدَ الحاء لغة، وقرأ بها الأعمَش.
واختُلِفَ في أنَّها حرف أو اسم أو فِعل، وشرحُ ذلك يَطُول، والذي يَظهَر أنَّ مَن
حَذَفَهَا رَجَّحَ فِعليَّتها بخِلَاف مَن أبقاها، ويُؤيِّدِ فِعليَّتِها قولُ النابغة:
ولا أرى فاعلاً في النَّاسِ يُشْبِهُه ولا أُحَاشِي مِن الأقوامِ مِن أحدٍ(١)
فإنَّ تَصَرُّف الكلمة من الماضي إلى المستَقبَل دليل فِعليَّتها، واقتَضَى كلامه أنَّ إثبات
الألف وحذفها سواءٌ لغةً، وقيل: إنَّ حذف الألف الأخيرة لغة أهل الحجاز دونَ غيرهم.
تنبيه: قوله: ((تنزيه)) في رواية الأكثر بفتح أوَّله وسكون النُّون بعدَها زايٌ مكسورة ثمّ
تحتانيَّة ساكنة ثمَّ هاء، وفي رواية حكاها عياض بموخَّدةٍ ساكنة بعدَ أوَّله وكسر الرّاء بعدَها
تحتانيّة مفتوحة مهموزہ ثمّ تاء تأنيث.
قوله: (﴿حَصْحَصَ﴾: وضَحَ)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿الْثَنَ حَصْحَصَ اُلْحَقُّ﴾، أي:
الساعةَ وضَحَ الحقُّ وتَبيَّن. وقال الخليل: معناه تَبيَّن وظَهَرَ بعدَ خَفاء، ثمَّ قيل: هو مأخوذ
من الحِصّة، أي: ظَهَرَت حِصّة الحقّ / من حِصّة الباطِل، وقيل: مِن حَصَّه: إذا قَطَعَه، ومنه: ٣٦٧/٨
أحَصُّ الشَّعر، وحَصَّ وحَصْحَصَ مِثل: كَفَّ وكَفْكَفَ.
قوله: ((حدَّثني سعيد بن تَلِيد)) بفتح المثنّة وكسر اللّام بعدَها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ مُهمَلة:
هو سعيد بن عيسى بن تَلِيد، مِصريٌّ يُكنى أبا عثمانَ، تقدَّم ذِكْره في بَدْء الخلق(٢)، نَسَبَه
البخاريّ إلی جَدِّه.
قوله: ((حدَّثْنا عبد الرَّحمن بن القاسم)) هو العُتَفيّ، بضمِّ المهمَلة وفتح المثنّاة بعدها قاف،
المِصريّ الفقيه المشهور صاحب مالك، وراوي ((المدَوَّنة)) من عِلم مالك، وليس له في
البخاريّ سِوَى هذا الموضع.
(١) سقط صدر هذا البيت من (أ) و(س).
(٢) بل في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٧).

٤٢٨
سورة يوسف / ح ٤٦٩٥ -٤٦٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
والإسناد مُسَلسَل بالمِصريّينَ إلى يونس بن يزيد، والباقونَ مَدَنيّونَ، وفيه رواية
الأقران، لأنَّ عَمْرو بن الحارث المِصريّ الفقيه المشهور من أقران يونس بن يزيد، وقد
تقدَّم شرح حديث الباب في ترجمتَي إبراهيم ولوط من أحاديث الأنبياء (٣٣٧٢ و ٣٣٧٥).
٦- باب قوله:
﴿ حَتَّى إِذَا أَسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠]
٤٦٩٥- حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعْدٍ، عن صالحٍ، عن ابنِ
شِهابٍ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ، عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت له، وهو يَسْألها عن
قولِ الله عزَّ وجلَّ: ﴿حََّ إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ قال: قلتُ: أُكْذِبُوا أم كُذِّبُوا؟ قالت عائشةُ:
كُذِّبُوا، قلتُ: فقَدِ استَيقَنُوا أنَّ قومَهم كَذَّبُوهم، فما هو بالظَّنِّ؟ قالت: أجَل لَعَمْري، لقد
اسْتَيقَنُوا بذلك، فقلتُ لها: وظَنّوا أنَّهم قد كُذِبُوا؟ قالت: مَعاذَ الله! لم تكنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذلك
بَرَبِّها، قلتُ: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ آمَنُوا بَرَبِّهم، وصَدَّقُوهم، فطالَ
عليهمُ البَلاءُ، واستَأْخَرَ عنهمُ النَّصْرُ، حَتَّى إذا استَيَأْسَ الرُّسُلُ ممّن كَذَّبَهم مِن قومِهِم، وظَنَّتِ
الرُّسُلُ أنَّ أتباعَهم قد كَذَّبُوهم، جاءهم نَصْرُ الله عندَ ذلك.
٤٦٩٦- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني عُرْوةُ: فَقلتُ:
لعلَّها ﴿كُذِبُواْ ﴾ مُقَّفةً، قالت: معاذ الله. نحْوَه.
قوله: ((باب قوله: ﴿حََّ إِذَا أَسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾)) استَيَأْسَ: استَفعَلَ، من اليأس، ضِدّ
الرَّجاء، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿ فَلَمَّا أُسْتَيْئَسُواْ مِنْهُ ﴾ [يوسف: ٨٠] استَفْعَلوا، مِن يَئِست،
ومثله في هذه الآية. وليس مُراده باستَفعَلَ إلّا الوَزنَ خاصّةً، وإلّا فالسّين والتاء زائدَتان،
واستَيَأْسَ بمعنى يَئِسَ كاستَعجَبَ وعَجِبَ، وفَرَّقَ بينَهما الَّتَشَرِيُّ بأنَّ الزّيادة تقع في مِثل
هذا للتَّنبيه على المبالَغة في ذلك الفِعل.
واختُلِفَ فيما تَعلَّقَت به الغاية من قوله: ﴿حََّ﴾، فاتَّفَقوا على أنَّه محذوف، فقيلَ:
التَّقدير: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوْجِىّ إِلَيْهِم﴾ [يوسف: ١٠٩]، فتَراخَى النَّصْرُ

٤٢٩
سورة يوسف / ح ٤٦٩٥-٤٦٩٦
كتاب التفسير
عنهم ﴿ حَتََّ إِذَا﴾، وقيل: التَّقدير: فلم تُعاقَب أُمهم ﴿حََّ إِذَا﴾، وقيل: فدَعَوا قومَهم
فكَذَّبوهم، فطالَ ذلك ﴿حَّ إِذَا﴾.
قوله: (عن صالح)) هو ابن کَیْسانَ.
قوله: ((عن عائشة قالت له وهو يَسْألها عن قول الله عزَّ وجلَّ)) في رواية عُقيل عن ابن
شهاب في أحاديث الأنبياء (٣٣٨٩): أخبرني عُرْوة أنَّه سألَ عائشة عن قوله تعالى، فذكره.
قوله: (قلتُ: أَكْذِبُوا أم كُذِّبُوا)) أي: مُثقَّلة أو مُخُنَّفة؟ ووَقَعَ ذلك صريحاً في رواية الإسماعيليّ
من طريق صالح بن کَیْسانَ هذه.
قوله: ((قالت عائشة: كُذِّبُوا)) أي: بالتَّقيلِ. في رواية الإسماعيليّ: مُثقَّلة.
قوله: ((فما هو بالظَّنِّ؟ قالت: أجَل)) زاد الإسماعيليّ: قلت: فهي مُفَّفة، قالت: مَعاذَ الله.
وهذا ظاهر في أنَّها / أنكَرَتِ القراءة بالتَّخفيفِ، بناءً على أنَّ الضَّمير للرُّسُل، وليس الضَّمير ٣٦٨/٨
للُّسُلِ على ما بَيَّنَتْه، ولا لإنكار القِراءةِ بذلك معنَى بعدَ تُبوتها. ولعلَّها لم يَبلُغها ممَّن
يُرجَع إليه في ذلك.
وقد قرأها بالتَّخفيفِ أئمّة الكوفة من القُرّاء: عاصم ويحيى بن وثّاب والأعمَش وحمزة
والكِسائيّ، ووافَقَهم من الحِجازيّينَ أبو جعفر بن القعقاع، وهي قراءة ابن مسعود وابن عبَّاس
وأبي عبد الرَّحمن السُّلَميِّ والحسن البصريّ ومحمّد بن كعب القُرَظيِّ في آخرينَ.
وقال الكِرْمانيُّ: لم تُنكِرِ عائشة القراءة، وإنَّما أنكَرَت تأويل ابن عبّاس(١). كذا قال،
وهو خلاف الظاهر.
وظاهر السّياق أنَّ عُرْوة كان يوافق ابنَ عبَّاس في ذلك قبلَ أن يسأل عائشة، ثمَّ لا
يُدری رَ جَعَ إلیھا أم لا.
روى ابن أبي حاتم (٢٢١٢/٧) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، قال: جاء رجل
إلى القاسم بن محمَّد، فقال له: إنَّ محمّد بن كعب القُرَظيَّ يقرأ ﴿كُذِبُواْ﴾ بالتَّخفيفِ،
(١) انظر تفصيل ذلك عند الرواية (٤٥٢٤) و(٤٥٢٥).

٤٣٠
سورة يوسف / ح ٤٦٩٥ - ٤٦٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
فقال: أخبِرِه عنِّي أنّ سمعت عائشة تقول: ((كُذِّبُوا)) مُثقَّلة، أي: كَذَّبَتْهم أتباعُهم.
وقد تقدَّم في تفسير البقرة (٤٥٢٤) من طريق ابن أبي مُلَيكة، قال: قال ابن عبّاس
حََّ إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ خفيفة، قال: ذهب بها هُنالكَ. وفي
رواية الأَصِيليِّ: بما هُنالكَ، بميمٍ بدلَ الهاء، وهو تصحيف.
وقد أخرجه النَّسائيُّ (ك١١١٩٢) والإسماعيليّ من هذا الوجه، بلفظ: ذهب هاهُنا
- وأشارَ إلى السماء - وتلا ﴿حَتَّ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ
قَرِيبٌ﴾. وزاد الإسماعيليّ في روايته: ثمَّ قال ابن عبّاس: كانوا بَشَراً ضَعُفوا وأيِسوا وظَنّوا
أنهم قد كُذِبوا.
وهذا ظاهره أنَّ ابن عبّاس كان يذهب إلى أنَّ قوله: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ مَقُول الرَّسول،
وإليه ذهب طائفة. ثمَّ اختلفوا فقيلَ: الجميع مَقُول الجميع، وقيل: الجملة الأولى مَقُول
الجميع، والأخيرة من كلام الله. وقال آخرونَ: الجملة الأولى وهي ﴿ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ مَقُول
الذينَ آمنوا معه. والجملة الأخيرة وهي ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ مَقُول الرّسول، وقُدِّمَ
الرَّسول في الذِّكر لشَرَفِهِ، وهذا أولى. وعلى الأوَّل فليس قول الرَّسول: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾
شَكّاً، بل استبطاءً للنَّصِرِ وطلباً له، وهو مِثل قوله بَّهِ يومَ بدرٍ: «اللهمَّ أنجز لي ما
وعَدتَني))(١). قال الخطّابِيُّ: لا شَكَّ أنَّ ابن عبّاس لا يُجيز على الرُّسُل أنَّها تُكذِّب بالوحي،
ولا يَشُكّ في صِدق المخبِرِ، فيُحمَل كلامه على أنَّه أراد أنهم لطول البلاء عليهم، وإبطاء
النَّصر، وشِدّة استنجاز ما وعَدوه به، تَوهَّموا أنَّ الذي جاءهم من الوحي كان حسباناً من
عند أنفُسِهِم، وظنُّوا عليها الغَلَط في تَلَقّي ما وَرَدَ عليهم من ذلك، فيكون الذي بُنيَ له
الفِعلُ أنفُسَهم لا الآتيَ بالوحي، والمراد بالكَذِب الغَلَط لا حقيقة الكَذِب، كما يقول القائل:
كَذَبَتْك نفسُك.
قلت: ويُؤيِّده قراءة مجاهد: ((وظنُّوا أنَّهم قد كَذَبُوا)) بفتح أوَّله معَ التَّخفيف، أي: غَلِطوا،
(١) أخرجه مسلم (١٧٦٣)، ضمن قصة بدرٍ مطولة، من حديث عمر بن الخطاب.

٤٣١
سورة يوسف / ح ٤٦٩٥ - ٤٦٩٦
كتاب التفسير
ويكون فاعل ﴿وَظَنُّواْ﴾ الرُّسُلَ، ويحتمل أن يكون أتباعَهم.
ويُؤيِّده ما رواه الطَّبَرِيُّ (٨٢/١٣-٨٣) بأسانيدَ مُتَنَوِّعةٍ من طريق عِمرانَ بن الحارث
وسعيد بن جُبير وأبي الضُّحَى وعليّ بن أبي طلحة والعَوْفِيّ، كلّهم عن ابن عبّاس في هذه
الآية قال: أيِسَ الرُّسُل من إيمان قومهم، وظَنَّ قومُهم أنَّ الرُّسُل كَذَبُوا.
وقال النََّشَرِيُّ: إن صَحَّ هذا عن ابن عبّاس فقد أراد بالظَّنِّ ما يَخْطُر بالبال ويَهَجِس
في النَّفْس من الوَسوَسة وحديث النَّفس، على ما عليه البشريّة، وأمَّا الظَّنّ، وهو ترجيح
أحد الطََّفَيْنِ، فلا يُظَنّ بالمسلم فضلاً عن الرَّسول.
وقال أبو نَصر القُشَيرُّ: ولا يَبعُد أنَّ المراد: خَطَرَ بقلب الرُّسُل، فصَرَفوه عن أنفُسهم،
أو المعنى: قَرُبوا من الظَّنّ، كما يقال: بَلَغتُ المنزِلَ: إذا قَرُبْتَ منه.
وقال التِّرمِذيّ الحكيم: وَجْهه أنَّ الرُّسُل كانت تَّخاف بعدَ أن وعَدَهم الله النَّصَرَ أن
يَتَخلَّف النَّصرُ، لا من تُهمةٍ بَوَعدِ الله، بل لتُهمة النُّفُوس أن تكون قد أحدَثَت حَدَثاً يَنقُض
ذلك الشَّرط، فكأنّ الأمر إذ طالَ واشتَدَّ البلاء عليهم، دَخَلَهم الظَّنّ من هذه الجهة.
قلت: ولا يُظَنّ بابنِ عبَّاس أنَّه يُجُوِّز على الرَّسول أنَّ نفسَه تُحدِّثُه بأنَّ الله/ يُخْلِفِ وعدَه، ٣٦٩/٨
بل الذي يُظَنّ بابنِ عبَّاس أنَّه أراد بقوله: كانوا بَشَراً ... إلى آخر كلامه: مَن آمَنَ من أتباع
الرُّسُل، لا نفس الرُّسُل، وقول الراوي عنه: ذهب بها هناكَ، أي: إلى السماء، معناه: أنَّ
أتباع الرُّسُل ظنُّوا أنَّ ما وَعَدَهم به الرُّسُل على لسان الملَك تَخَلَّفَ، ولا مانعَ أن يقع ذلك
في خَواطِر بعض الأتباع.
وعَجَبٌ لابنِ الأنباريّ في جَزمه بأنَّه لا يَصِحّ. ثمَّ للَّغَشَرِيّ فِي تَوَقُّفه عن صِحّة ذلك
عن ابن عبّاس، فإِنَّه صَحَّ عنه، لكن لم يأتِ عنه التَّصريح بأنَّ الرُّسُل هم الذينَ ظَنّوا ذلك،
ولا يَلزَم ذلك من قراءة التَّخفيف، بل الضَّمير في: ﴿وَظَنُّواْ﴾ عائد على المرسَل إليهم، وفي
﴿كُذِبُواْ ﴾ عائد على الرُّسُل، أي: وظَنَّ المرسَل إليهم أنَّ الُّسُل كُذِبُوا. أو الضَّمائر للُّسُلِ،
والمعنى: يَئِسَ الرُّسُل من النَّصر، وتَوهَموا أنَّ أنفُسهم كَذَبَتْهم حينَ حدَّثتهم بقُرب النَّصر، أو

٤٣٢
سورة يوسف / ح ٤٦٩٥ - ٤٦٩٦
فتح الباري بشرح البخاري
كَذَبَهم رَجاؤُهم. أو الضَّمائر كلّها للمرسَلِ إليهم، أي: يَئِسَ الرُّسُل من إيمان مَن أُرسِلوا إليه،
وظَنَّ المرسَل إليهم أنَّ الرُّسُل كَذَبوهم في جميع ما اذَّعَوه من النُّة، والوَعدِ بالنَّصِرِ لمن
أطاعَهم، والوعيدِ بالعذاب لمن لم يُحِبْهم، وإذا كان ذلك مُحتَملاً وجَبَ تنزيه ابن عبّاس عن
تَجويزه ذلك على الرُّسُل، ويُحمَل إنكار عائشة على ظاهر مَساقِهم من إطلاق المنقول عنه.
وقد روى الطَّبَريُّ (٨٤/١٣) أنَّ سعيد بن جُبَير سُئِلَ عن هذه الآية، فقال: يَئِسَ
الرُّسُل من قومهم أن يُصدِّقوهم، وظَنَّ المرسَل إليهم أنَّ الرُّسُل كَذَبوا. فقال الضَّحّاك بن
مُزاحم لمَّا سمعَه: لو رَحَلتُ إلى اليمن في هذه لكان قليلاً. فهذا سعيد بن جُبَير وهو من
أكابر أصحاب ابن عبّاس العارفينَ بكلامه حَمَلَ الآية على الاحتمال الأخير الذي ذكرتُه.
وعن مسلم بن يسار، أنَّه سألَ سعيد بن جُبَير فقال له: آية بَلَغَتْ منِّي كلَّ مَبلَغ، فقرأ
هذه الآية بالتَّخفيفِ، قال: في هذا المَوتُ أن تَظُنّ الرُّسُلُ ذلك، فأجابَه بنحوِ ذلك، فقال:
فَرَّجْتَ عِّي فَّجَ الله عنك، وقامَ إليه فاعتَنَقَه.
وجاء ذلك من رواية سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس نفسه، فعندَ النَّسائيِّ (ك١١١٩٣)
من طريق أُخرى عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس في قوله: ﴿قَدْ كُذِبُواْ﴾ قال:
استَيَأْسَ الرُّسُلُ من إيمان قومهم، وظَنَّ قومُهم أنَّ الرُّسُل قد كَذَبُوهم. وإسناده حسن.
فليكن هو المعتمَدَ في تأويل ما جاء عن ابن عبّاس في ذلك، وهو أعلم بمُرادِ نفسه من غيره.
ولا يَرُدُّ على ذلك ما روى الطَّبَريُّ من طريق ابن جُرَيج في قوله: ﴿قَدْ ككُذِبُواْ ﴾
خفيفة، أي: أُخلِفوا، لأنَّا إذا قَرَّرْنا أنَّ الضَّمير للمرسَلِ إليهم لم يَضُرَّ تفسير ﴿كُذِبُواْ﴾
بأُخْلِفُوا، أي: ظنَّ المرسَلُ إليهم أنَّ الرُّسُل أُخلِفوا ما وُعِدوا به، والله أعلم.
وروى الطَّبَريُّ (٨٥/١٣) من طريق تَميم بن حَذْلَ، سمعت ابن مسعود يقول في هذه
الآية: استَيَأْسَ الرُّسُل من إيمان قومهم، وظَنَّ قومهم حينَ أبطاً الأمرُ أنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوهم.
ومن طريق عبد الله بن الحارث: استَيَأْسَ الرُّسُل من إيمان قومهم، وظَنَّ القوم أنَّهم قد
گذَبوا فیما جاؤوهم به.

٤٣٣
سورة يوسف / ح ٤٦٩٥-٤٦٩٦
كتاب التفسير
وقد جاء عن ابن مسعود شيء مُوهِمٌ كما جاء عن ابن عبّاس، فروى الطَّبَريُّ من طريقٍ
صحيح عن مسروق عن ابن مسعود: أنَّه قرأ: ﴿حَتََّ إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ
كُذِبُواْ﴾ مُحُفَّفةً، قال عبد الله (١): هو الذي تَكرهُ. وليس في هذا أيضاً ما يُقطَع به على أنَّ
ابن مسعود أراد أنَّ الضَّمير للرُّسُلِ، بل يحتمل أن يكون الضَّمير عندَه لمن آمَنَ من أتباع
الرُّسُل، فإنَّ صُدور ذلك ممّن آمَنَ ممّ تكرهُ سماعَه، فلم يَتَعَّن أنَّه أراد الرُّسُل.
قال الطََّرَيُّ: لو جازَ أن يَرتاب الرُّسُل بوَعدِ الله ويَشُكّوا في حقيقة خَرِه، لكان المرسَل
إليهم أولى بجواز ذلك علیھم.
وقد اختارَ الطَّبَرِيُّ قراءة التَّخفيف، ووَجَّهَها بما تقدَّم، ثمَّ قال: وإنَّما اختَرتُ هذا لأنَّ
الآية وَقَعَت عَقِيبَ قوله: ﴿فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبِّلِهِمْ﴾ فكان في ذلك
إشارةٌ إلى أنَّ يأس الرُّسُل كان من إيمان قومِهم الذينَ كَذَّبوهم فهَلكوا، وأنَّ المضمَر في
قوله: ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ إنَّما هو للَّذِينَ من قبلهم من الأُمَم / الهالكة. ويزيد ذلك ٣٧٠/٨
وُضوحاً أنَّ في بَقيَّة الآية الخبرَ عن الرُّسُل ومَن آمَنَ بهم بقوله تعالى: ﴿فَنُجِىَ مَن نَّشَآءُ﴾
أي: الذينَ هَلكوا هم الذينَ ظَنّوا أنَّ الرّسُل قد كَذَبُوا فَكَذَّبوهم، والرُّسُلُ ومَن اتَّبَعَهم هم
الذینَ نَجوا. انتھی کلامه، ولا يخلو من نظر.
قوله: ((قالت: أجَل)) أي: نعم. ووَقَعَ في رواية عُقيل في أحاديث الأنبياء (٣٣٨٩) في
هذا الموضع: فقالت: يا عُرَيَّة، وهو بالتَّصغير، وأصله: عُرَيوة، فاجتَمَعَ حرفا عِلّة، فأُبِدِلَت
الواو ياء ثمَّ أُدغِمَت في الأُخرى.
قوله: ((لَعَمْري لقد استَيقَنُوا بذلك)) فيه إشعار بحَملِ عُرْوةَ الظَّنَّ على حقيقته، وهو
رُجْحان أحد الطَّرَفَينِ، ووافَقَته عائشة. لكن روى الطََّرَيُّ من طريق سعيد عن قَتَادة: أنَّ
المراد بالظَّنِّ هنا اليقين. ونَقَلَه نِفْطويه هنا عن أكثر أهل اللُّغة، وقال: هو كقوله في آية
أُخرى: ﴿وَنُواْ أَنْ لَّا مَلْجَاَ مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨]، وأنكَرَ ذلك الطَّبَرَيُّ، وقال: إنَّ
(١) في (س): أبو عبد الله. وهو خطأ، والمراد عبد الله بن مسعود.

٤٣٤
سورة الرعد
فتح الباري بشرح البخاري
الظَّنّ لا تَستَعمِلُه العرب في موضع العلم إلّا فيما كان طريقه غيرَ المعاينة، فأمَّا ما كان طريقه
المشاهَدة فلا، فإنَّها لا تقول: أظنُّني إنساناً، وأظنُّنِي حَيّاً، بمعنى أعلَمُني إنساناً أو حَيّاً.
قوله في الطَّريق الثّانية عن الزُّهْريّ: ((أخبَرَني عُرْوة: فقلتُ: لعلَّها ﴿كُذِبُواْ﴾ مُحُقَّفة
قالت: معاذ الله. نحوه)) هكذا أورَدَه مختصراً، وقد ساقَه أبو نُعَيم في ((المستخرج)) بتمامه،
ولفظُه: عن عُرْوة، أنَّه سألَ عائشة، فذكر نحو حديث صالح بن کَیْسانَ.
فائدةٌ: قوله تعالى في بَقِيَّة الآية: ﴿فَنُجِىَ مَن نَّشَاءُ﴾ قرأ الجمهور: بنونَينِ الثّانية ساكنة والجيم
خفيفة، وسكون آخره، مُضارع أَنَّجى، وقرأ عاصم وابن عامر: بنونٍ واحدة وجيم مُشَدَّدة
وفتح آخره، على أنَّه فِعلٌ ماضٍ مَبنيّ للمفعولِ و ((مَن)) قائمة مقام الفاعل. وفيها قراءات ◌ُخرى.
قال الطَّبَريُّ: كلّ مَن قرأ بذلك(١) فهو مُنْفَرِد بقراءتِهِ، والحُجّة في قراءة غيره. والله أعلم.
١٣ - سورة الرعد
بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿ كَبَسِطِ كَفَّتِهِ﴾ [١٤]: مَثَلُ المشركِ الذي عَبَدَ معَ الله إلهاً آخَرَ غيرَه،
كمَثَلِ العَطْشان الذي يَنظُرُّ إلى ظِلُّ خَيالِه في الماءِ مِن بَعِيدٍ، وهو يُرِيدُ أن يَتَنَاوَلَه ولا يَقدِرُ.
وقال غيرُه: ﴿مُتَجَوِرَتٌ﴾ [٦]: مُتَدانِياتٌ.
وقال غيرُه: ﴿اَلْمَثُلَثُ﴾ [٦]: واحدُها مَثُلةٌ: وهي الأَمْثَالُ والأَشْبَاهُ، وقال: ﴿إِلَّا مِثْلَ
أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ﴾ [يونس: ١٢].
﴿بِمِقْدَارٍ﴾ [٨]: بقَدَرٍ.
يقال: ﴿مُعَقِّبَتٌ﴾ [١١]: ملائكةٌ حَفَظةٌ تُعَقِّبُ الأُولى منها الأُخرَى، ومِنْه قيل: العَقِيبُ،
أي: عَقَّبتُ في اثْرِه.
﴿اَلْحَالِ﴾ [١٣]: العُقُوبَة.
(١) يعني بقراءة عاصم وابن عامر.

٤٣٥
سورة الرعد
كتاب التفسير
كَبَسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾ [١٤]: لَيَقْبِضَ على الماءِ.
﴿رَابِيًا﴾ [١٧]: من رَبا یَرْبُو.
﴿أَوْ مَتَجِ زَبَدٌ مِثْلُهُ ﴾ [١٧] المَتَاعُ: ما تَمَتَّعْتَ به.
﴿جُفَآءٍ﴾ [١٧] يُقالُ: أَجْفَأْتِ القِدْرُ: إذا غَلَت فعَلاها الزَّبَدُ، ثمَّ تَسْكُنُ، فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ
بلا مَنْفَعِةٍ، فكذلك يُميَّزُ الحقُّ مِنَ الباطِلِ.
﴿اَلْمِهَادُ﴾ [١٨]: الفِراش.
(يَذْرَؤون)) [٢٢]: يَدْفَعونَ، دَرَأْتُه عنِّي: دَفَعْتُه.
﴿اَلْأَغْلَلُ﴾ واحدها غُلٌّ، ولا تكونُ إلا في الأعْناقِ.
سَلَمُ عَلَيْكُمْ ﴾ [٢٤] أي: يقولون: سَلامٌ عليكم.
و((المَتَابُ)) [٣٠]: إليه تَوْبَتِي.
﴿أَفَلَمْ يَأْتِفَسِ﴾ [٣١]: أفلم يَتَبَّنْ؟
﴿ قَارِعَةٌ ﴾ [٣١]: داهِيةٌ.
﴿فَأَمْلَيْتُ ﴾ [٣٢]: أطَلْتُ، مِنَ المَلِيِّ والمُلَاوَةِ، ومنه: ﴿مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، ويقال للواسِعِ
الطَّوِيلِ منَ الأرضِ : مَلاً.
﴿أَشَقُ﴾ [٣٤]: أشَدُّ، مِنَ المَشَقّةِ.
﴿مُعَقِّبَ﴾[٤١]: مُغَيِّر.
وقال مجاهد: ﴿مُتَجَوِرَتٌ﴾ [٤]: طيِّبُها وَخَبِيتُها السِّبَاخُ.
﴿صِنْوَانٌ﴾ [٤]: النَّخْلَتان أو أكثرُ في أصلٍ واحد ﴿ وَغَيِّرُ صِنْوَانٍ﴾ [٤]: وحدَها.
﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَحِدٍ﴾ [٤]: كصالحٍ بني آدمَ/ وخَبِيثِهم، أبوهم واحدٌ.
﴿السَّحَابَ النِّقَالَ﴾ [١٢]: الذي فيه الماءُ.
﴿كَبَسِطِ كَقَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ﴾ [١٤]: يَدْعُو الماءَ بلِسانِهِ، ويُشِيرُ إليه بيَدِه، فلا يأْتِيه أبداً.
٣٧١/٨

٤٣٦
سورة الرعد
فتح الباري بشرح البخاري
﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ [١٧]: تَمْلأُ بَطْنَ وادٍ.
﴿َزَبَدًا رَّبِيًا﴾ [١٧]: الزَّبَدُ: السَّيلُ.
﴿رَبِدٌ مِثْلُهُ﴾ [١٧]: خَبَثُ الحديدِ والحِلْيةِ.
قوله: ((سورة الرَّعْد - بِسمِ الهِالزَّعْنِ الرَّحِيمِ)) ثبتت البسملةُ لأبي ذرٍّ وحدَه.
قوله: ((قال ابن عبّاس: ﴿كَبَسِطِ كَفَّيْهِ﴾: مَثَل المشرِك الذي عَبَدَ معَ الله إلهاً آخرَ غيرَه،
كمَثَلِ العَطشان الذي يَنظُر إلى ظِلّ خَيالِه في الماء من بَعيدٍ، وهو يريدُ أن يَتناولَه ولا يَقْدِرُ)» وصَلَه
ابن أبي حاتم وابن جَرِير (١٣٠/١٣) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، في قوله:
﴿كَبَسِطِ كَقَّتِهِ إِلَى الْمَآءِ لِيَلُغَ فَهُ ﴾ الآية، فذكر مثله، وقال في آخره: ولا يَقدِرُ علیه.
تنبيه: وَقَعَ في رواية الأكثر: فلا يَقدِر، بالرّاءِ، وهو الصَّواب، وحكى عياض أنَّ في
رواية غير القابِسيّ: يُقدِم، بالميمِ، وهو تصحيف، وإن كان له وجهٌ من جهة المعنى.
وروى الطَّبَريُّ أيضاً (١٣٠/١٣) من طريق العَوفيِّ عن ابن عبّاس، في هذه الآية قال:
مَثَل الأوثان التي تُعبَد من دون الله، كمَثَلِ رجل قد بَلَغَه العَطَشُ، حتَّى كَرَبَه الموتُ، وكَفّاه
في الماء قد وضَعَهما لا يَبلُغانِ فاهُ. يقول الله: لا تستجيب له الأوثان، ولا تَنفَعُه، حتَّى تَبلُغ
كَفّا هذا فاهُ، وما هما ببالِغْتَينِ فاهُ أبداً.
ومن طريق أبي أيوب عن عليّ (١٢٩/١٣) قال: كالرجلِ العَطشان يَمُدّ يده إلى البئر
لِيَرْتَفِع الماءُ إليه، وما هو بمُرتَفِعٍ.
ومن طريق سعيد عن قَتَادة (١٣٠/١٣): الذي يَدعُو من دون الله إلهاً لا يَستَجيب له
بشيءٍ أبداً من نَفع أو ضُرّ، حتَّى يأتيَه الموت، مَثَلُه كمَثَلِ الذي بَسَطَ كَفَّيه إلى الماء ليَبلُغ فاهُ،
ولا يَصِلُ ذلك إليه، فيموت عَطَشاً.
ومن طريق مَعمَر عن قَتَادة نحوه، ولكِن قال: وليس الماء ببالغ فاهُ ما دامَ باسطاً كَفَّيه
لا یقبضھما.
وسيأتي قول مجاهد في ذلك فيما بعدُ.

٤٣٧
سورة الرعد
كتاب التفسير
قوله: ((وقال غيره: ﴿مُّتَجَوِرَاتٌ﴾: مُتَدانِيات، وقال غيره: ﴿اٌلْمَثُلَثُ﴾: واحدها مَثُلٌ،
وهي الأمثال والأشباه، وقال: ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ﴾)» هكذا وَقَعَ في رواية أبي ذرٍّ،
ولغيره: ((وقال غيره: ﴿سَخَّرَ﴾: ذَلَّل، ﴿مُتَجَوِرَتٌ﴾: مُتَدانِيات، ﴿اَلْمَثُلَثُ﴾: واحدها
مَثُلة ... )) إلى آخره، فجَعَلَ الكلَّ لقائلٍ واحدٍ.
وقوله: ﴿سَخَّرَ﴾ هو بفتح المهمَلة وتشديد الخاء المعجمة. وذَلَّل، بالذّال المعجَمة
وتشديد اللّام، تفسير ﴿سَخَّرَ﴾، وكلّ هذا كلام أبي عبيدة، قال في قوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ ﴾ أي: ذَلَّلَهما فانْطَاعا، قال: والتَّنوين في ﴿كُلُّ﴾ بَدَل من الضَّمير للشمس والقمر،
وهو مرفوع على الاستئناف، فلم يعمل فيه ﴿وَسَخَّرَ﴾. وقال في قوله: ﴿ وَفِ الْأَرْضِ قِطَعٌ
مُتَجَوِّرَتُ﴾، أي: مُتَدانِيات مُتَقارِبات.
وقال في قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُ﴾ قال: الأمثال(١).
وروى الطََّريّ (١٠٥/١٣) من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿اٌلْمَثُلَثُ﴾
قال: الأمثال.
ومن طريق مَعمَر عن قَتَادة قال: ﴿ اَلْمَثُلَثُ﴾: العُقوبات.
ومن طريق [ابن] (٢) زيد بن أسلمَ: ﴿اٌلْمَثُلَثُ﴾: ما مَثَلَ اللهُ به من الأَمَم من العذاب،
وهو جمع مَثُلة، كقطع الأُذُن والأنف.
تنبيه: المَثُلات والمَثُلة كلاهما بفتح الميم وضمّ المثلَّثة، مِثل: سَمُرة وسَمُّرات، وسَكَّنَ
يحيى بن وَثّاب المثلَّثة في قراءته وضمَّ الميم، وكذا طلحة بن مُصرِّف، لكن فتَحَ أوَّله، وقرأ
الأعمَش بفتحهما، وفي روايةٍ عن (٣) أبي بكر بن عيّاش بضمِّهما، وبها (٤) قرأ عيسى بن عمر.
(١) زاد في (س): والأشباه والنظير، وليست في الأصلين، ولا في ((مجاز القرآن)) لأبي عُبيدة.
(٢) لفظة ((ابن)) سقطت من الأصلين و(س)، وأثبتناها من ((تفسير الطبري))، فلعلها سقطت من النساخ أو
من قلم الحافظ رحمه الله سهواً، وابن زيد هذا: هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٣) لفظة ((عن)) سقطت من (س)، واستدركناها من الأصلين.
(٤) تحرف في (ع) و(س) إلى: وبهما، والمثبت على الصواب من (أ)، وكذا في ((عمدة القاري)) ٣١٠/١٨، =

٤٣٨
سورة الرعد
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (﴿بِمِقْدَارٍ﴾: بقَدَرٍ)) هو كلام أبي عبيدة أيضاً. وزادَ: مِفعال من القَدَر.
وروى الطَّبَرِيُّ (١١٢/١٣) من طريق سعيد عن قَتَادة: أي: جَعَلَ لهم أجَلاً معلوماً.
قوله: ((يقال: ﴿مُعَقِبَتٌ﴾: ملائكةٌ حَفَظٌ تُعَقِّبُ الأولى منها الأُخرَى، ومنه قيل:
العَقِيبُ، أي: عَقَّبْتُ في إِثْرِهِ)) سَقَطَ لفظ ((يقال)) من رواية غير أبي ذرٍّ، وهو أولى، فإنَّه كلام
أبي عبيدة أيضاً قال في قوله تعالى: ﴿لَهُ, مُعَقِبَتُ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾، أي: ملائكة تُعَقِّبُ بعدَ
٣٧٢/٨ ملائكة،/ حَفَظّةٌ باللَّيلِ تُعَقِّبُ بعدَ حَفَظة النَّهار، وحَفَظُ النَّهار ثُعَقِّب بعدَ حَفَظة اللَّل،
ومنه قولهم: فلان عَقَّبني، وقولهم: عَقَّبت في إِثْرِهِ.
وروى الطَّبَرَيُّ (١١٥/١٣) بإسنادٍ حسن عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿لَهُ،مُعَقِّبَتُ مِّنْ
بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قال: ملائكةٌ يَحَفَظونَه من بين يَدَيه ومن خلفه، فإذا جاء قَدَرُه خَلَّوا عنه.
ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ﴾ يقول: بإذنِ الله،
فالمعَقِّبات مُنَّ من أمر الله، وهي الملائكة.
ومن طريق سعيد بن جُبَير قال: حِفظُهم إيّاه بأمرِ الله.
ومن طريق إبراهيم النَّخَعيِّ قال: يَحِفَظونَه من الجِنّ.
ومن طريق كعب الأحبار قال: لولا أنَّ الله وَكَّلَ بكم ملائكةٌ يَذُبُّونَ عنكم في مَطعَمِكُم
ومَشرَبِكُمْ وعَوْراتِكُمْ لَتُخُطّقْتُم.
وأخرج الطَّبَريُّ (١١٥/١٣) من طريق كِنانةَ العَدَويِّ: أنَّ عثمان سألَ النبيّ وَّ عن
عَدَدِ الملائكة الموَكَّلة بالآدَميِّ، فقال: لكلِّ آدَميِّ عشرةٌ باللَّيلِ وعشرةٌ بالنَّهار، واحدٌ عن
يمينه، وآخر عن شِماله، واثنان مِن بينِ يَدَيه ومن خَلْفه، واثنان على عينيه (١)، وآخر قابض
= وهو ما حكاه ابن عطية في ((المحرر الوجيز)) ٢٩٦/٣، وأبو حيان في ((البحر المحيط)) ٣٦٦/٥، ولم يحكيا
عن عيسى بن عمر فتح الميم والثاء.
(١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: جنبيه. ولا معنى لها إزاء ذكر اليمين والشمال. والتصويب من الرواية عند
الطبري، حيث جاء فيها: وملكان على عينيك، ونقلها عنه الزيلعي في ((نصب الراية)) ١/ ٤٣٥.

٤٣٩
سورة الرعد
كتاب التفسير
على ناصيته، فإن تَواضَعَ رَفَعَه وإن تَكبَّر وضَعَه، واثنان على شَفَتَيَه ليس يَحَفَظان عليه إلّا
الصلاةَ على محمَّد، والعاشر يَجِرُسه من الحيَّة أن تَدخُل فاهُ. يعني: إذا نامَ.
وجاء في تأويل ذلك قول آخر رَجَّحَه ابن جَرِير، فأخرج (١١٦/١٣) بإسنادٍ صحيح(١)
عن ابن عبّاس في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ﴾ قال: ذلك مَلِكٌ من ملوك الدُّنيا له حَرَس ومن
دونه حَرَس.
ومن طريق عِكْرمة في قوله: ﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ قال: المواكب(٢).
تنبيه: عَقَّبْتُ: يجوز فيه تخفيف القاف وتشديدها، وحكى ابن التِّين عن رواية بعضهم:
كسر القاف معَ التَّخفيف، فيُكشَفُ عن ذلك لاحتمال أن يكون لغةً.
قوله: ((﴿اَلْحَالِ﴾: العُقوبة)) هو قول أبي عبيدة أيضاً، وروى ابن أبي حاتم من طريق
ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿ شَدِيدُ الْحَالِ﴾ قال: شديد القوّة، ومثله عن قَتَادة،
ونحوه عن السُّدّيِّ، وفي رواية عن مجاهد: شديد الانتقام، وأصل المِحال - بكسر الميم -:
القوّة، وقيل: أصله: المَحْل، وهو المكر، وقيل: الحِيلَة، والميم مَزيدة، وغَلَّطوا قائله. ويُؤيِّد
التَّأويل الأوَّل قوله في الآية: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾، وروى النَّسائيُّ
(ك١١١٩٥) في سبب نزولها من طريق عليّ بن أبي سارَة عن ثابت عن أنس قال: بَعَثَ
النبيّ وَّه إلى رجل من فراعنة العرب يَدعوه، الحديثَ، وفيه: فأرسَلَ الله صاعِقةً فذهبَت
يقِحفٍ رأسه، فأَنزَلَ الله هذه الآية. وأخرجه البزَّار (٧٠٠٧) من طريق أُخرى عن ثابت،
والطبرانيُّ (١٠٧٦٠) من حديث ابن عبّاس مُطوَّلاً.
قوله: ((﴿كَبَسِطِ كَفَتِهِ إِلَى الْمَآءِ﴾: لَيَقْضَ على الماءِ) هو كلام أبي عبيدة أيضاً، قال في
قوله: ﴿إِلَّا كَبَسِطِ كَّيْهِ إِلَى الْمَآءِ لِيَّلُغَ فَهُ﴾ أي: أنَّ الذي يَبْسُط كَفَّيه ليقبض على الماء حتَّى
(١) أنّی له الصحةُ، وفي إسناده أبو هشام الرفاعي محمد بن یزید، وهو ليس بالقوي، ویحیی بن یمان، وكان
قد تغيّر، ولم يتابعهما أحدٌ.
(٢) تحرف في (أ) و(س) إلى: المراكب.

٤٤٠
سورة الرعد
فتح الباري بشرح البخاري
يُؤَدّيَه إلى فمه لا يَتِمّ له ذلك، ولا تَجمَعُهُ أناملُه، قال ضابئ(١) بن الحارث:
وإنّ وإيّاكُم وشَوْقاً إليكمُ كَقائِضِ ماءٍ لم تَسِقْه أنامِلُهْ
تَسِقْه، بكسرِ المهمَلة وسكون القاف، أي: لم تَجمَعْه.
قوله: ((﴿رَِّيًا﴾: من رَبا يَرْبو)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿فَاحْتَمَلَ اَلسَّيْلُ زَبَدًا زَِّيًا﴾: من
رَبا يَربو، أي: يَنْتَفِخ. وسيأتي تفسيرُ قَتَادة قريباً.
قوله: ((﴿أَوْ مَتَجِ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، المَتائُ: ما تَمَنَّعْتَ به» هو قول أبي عبيدة أيضاً. وسيأتي تفسیر
مجاهد لذلك قريباً.
قوله: (﴿جُفَآءُ﴾: يقال: أجْفَأْتِ القِدْرُ: إذا غَلَتْ، فَعَلاها الزَّبَدُ، ثمَّ تَسْكُنُ، فَيَذْهَب الزَّبَدُ
بلا مَنْفَعة، فكذلك يُميَّزُ الحقُّ من الباطِلِ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءَ﴾:
قال أبو عَمْرو بن العلاء: يقال: أجفَأتِ القِدْرُ: وذلك إذا غَلَتْ، وانتَصَبَ زَبَدُها، فإذا
سَكَنَتْ لم يَبْقَ منه شيءٌ. وَقَلَ الطَّبَرُّ عن بعض أهل اللُّغة من البصريّينَ أنَّ معنى قوله:
٣٧٣/٨ ﴿فَيَذْهَبُ جُفَآءُ ﴾: تَنشَفُه/ الأرضُ، يقال: جَفا الوادي وأجفَى في معنى نَشِفَ، وقرأْ رُؤبة بن
العَجّاج: ((فيذهب جُفالاً)) باللّم بَدَل الهمزة، وهي من: أجَفَلَتِ الرّيحُ الغَيمَ: إذا قطعته (٢).
قوله: (﴿الْهَادُ﴾: الفِراش)» ثَبَتَ هذا لغير أبي ذرٍّ. وهو قولُ أبي عبيدة أيضاً.
قوله: ((يَدْرَؤُونَ)): يَدْفَعونَ، دَرَأْتُه عنِّي: دَفَعْتُه)) هو قولُ أبي عُبيدة أيضاً.
قوله: (﴿اَلْأَغْذَلُ﴾: واحدها غُلّ، ولا تكون إلّا في الأعناق)) هو قول أبي عُبيدة أيضاً.
قوله: (﴿سَلَمُّ عَلَيْكُمْ﴾: أي: يقولون: سَلامٌ عليكُم)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿وَالْمَلَبِكَةُ
يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَمُّ﴾ قال: مَجازه مَجَازُ المختصَرِ الذي فيه ضمير، تقديره: يقولون:
سَلامٌ عليكم.
وقال الطَّبَرَيُّ: حُذِفَت (يقولون)) لدلالة الكلام، كما حُذِفَت في قوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىّ إِذِ
(١) تصحف في الأصلين و(س) إلى: صابئ. بالصاد المهملة.
(٢) في (س): قشعته. والمثبت من الأصلين، وهما بمعنَّى.