Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
سورة براءة / ح ٤٦٧٠-٤٦٧١
كتاب التفسير
هذا تقرير ما صَدَرَ عن عمر معَ ما عُرِفَ من شِدّة صَلابَته في الدّين، وكَثْرة بُغضه
للكفَّار والمنافقينَ، وهو القائل في حَقّ حاطِب بن أبي بَلتَعَةَ معَ ما كان له من الفضل،
كَشُهودِه بدراً وغير ذلك، لكَوْنِه كاتَبَ قُرَيشاً قبلَ الفتحِ: دَعني يا رسول الله أضرِبْ عُنُقَه
فقد نافَقَ(١). فلذلك أقدَمَ على كلامه للنبيِّ وَّله بما قال، ولم يَلتَفِت إلى احتمال إجراء الكلام
على ظاهره لمَا غَلَبَ عليه من الصَّلابة المذكورة.
قال الزّين بن المنيِّر: وإنَّما قال ذلك عمر عَرْضاً على النبيّ وَّهِ ومَشورةً لا إلزاماً، وله
عَوائدُ بذلك، ولا يَبْعُد أن يكون النبيّ كان أذِنَ له في مِثْل ذلك، فلا يَستَلِزِم ما وَقَعَ من
عمر أنَّه اجتَهَدَ معَ وُجود النَّصّ، كما تَمَسَّكَ به قوم في جواز ذلك، وإنَّما أشارَ بالذي ظَهَرَ
له فقط، ولهذا احتَمَلَ منه النبيّ وََّ أَخْذَه بثوبه ومُخاطَبَتَه له في مِثْل ذلك المقام، حتَّى التَّفَتَ
إليه مُتَبَسِّماً كما في حديث ابن عبّاس بذلك في هذا الباب.
قوله: ((إنَّمَا خَيَّرَني الله، فقال: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾
وسأزِيدُه على السَّبْعينَ)) في حديث ابن عبّاس عن عمر من الزّيادة: فتبَسَّمَ رسول الله وَّه
وقال: ((أَخِّر عنِّي يا عمر)) فلمَّا أكثرتُ عليه قال: ((إنّ خُيِّرتُ فاختَرت)) أي: خُيِّرت بينَ
الاستغفار وعَدمه.
وقد بيَّن ذلك حديثُ ابن عمر، حيثُ ذكر الآية المذكورة.
وقوله في حديث ابن عبّاس عن عمر: «لو أعلم أنّ إن زِدت على السَّبعينَ يُغْفَرْ له
لَزِدتُ عليها)»، وحديث ابن عمر جازِمِ يقِصّة الزّيادة.
وآكَدُ منه ما روى عبد بن حُميدٍ من طريق قَتَادة قال: لمَّا نزلت: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ قال النبيّ ◌َّ: ((قد خَيَّرَنِي رَبّي، فوالله لَأزيدَن على السَّبعينَ)).
وأخرجه الطَّبَريُّ (١٩٩/١٠) من طريق مجاهد مثله، والطَّبَرِيُّ (١٩٩/١٠) أيضاً وابن
أبي حاتم (٦/ ١٨٥٤) من طريق هشام بن عُرْوة عن أبيه مثله.
(١) سلف برقم (٣٠٨١) من حديث علي بن أبي طالب.

٣٦٢
سورة براءة / ح ٤٦٧٠- ٤٦٧١
فتح الباري بشرح البخاري
وهذه طرق وإن كانت مَراسيلَ فإنَّ بعضها يَعضُدُ بعضاً. وقد خَفيَت هذه اللَّفظة على
مَن خَرَّجَ أحاديث ((المختصر)) والبَيْضاويّ، واقتَصَروا على ما وَقَعَ في حديثَي الباب.
ودَلَّ ذلك على أنَّه وَلِّ أطالَ في حال الصلاة عليه من الاستغفار له، وقد وَرَدَ ما يدلُّ
على ذلك، فذكر الواقديُّ أنَّ مُجُمِّع بن جارية قال: ما رأيت رسول الله وَّل أطالَ على چِنازةٍ
قَطُّ ما أطالَ على جِنازةِ عبد الله بن أُبيِّ من الوقوف.
وروى الطَّبَرَيُّ (١٩٩/١٠) من طريق مُغيرة عن الشَّعبيّ(١) قال: / قال النبيّ وَّهِ: ((قال الله
﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فأنا أستَغْفِر لهم سبعينَ وسبعينَ وسبعينَ)).
٣٣٦/٨
وقد تَسَّكَ بهذه القِصّة مَن جَعَلَ مفهوم العَدَد حُجّةً، وكذا مفهوم الصِّفة من باب الأولَى.
ووجه الدّلالة أنَّه وَلهَ فهمَ أنَّ ما زاد على السَّبعينَ بخِلَاف السَّبعينَ، فقال: ((سَأزيدُ على
السَّبعينَ))، وأجابَ مَن أنكَرَ القول بالمفهومِ بما وَقَعَ في بَقِيَّة القِصّة، وليس ذلك بدافع للحُجّة،
لأَنَّه لو لم يَقُمِ الدَّليل على أنَّ المقصود بالسَّبعينَ المبالَغة، لكان الاستدلال بالمفهومِ باقياً.
قوله: ((قال: إنَّه مُنافق، فصَلَّى عليه)) أمَّا جَزمُ عمر بأنَّه مُنافق فجَرَى على ما كان يَطَّلِعِ
عليه من أحواله، وإنَّما لم يأخُذِ النبيّ ◌َّه بقوله وصَلَى عليه إجراءً له على ظاهر حُكم الإسلام
كما تقدَّم تقريره، واستصحاباً لظاهرِ الحُكم، ولما فيه من إكرام ولده الذي تَحقَّقَت صَلاحيَّتَه،
ومَصلَحة الاستئلاف لقومِه ودَفع المفسَدة، وكان النبيّ وَّر في أوَّل الأمر يَصبر على أذَى
المشرِكينَ ويَعفو ويَصفَح، ثمَّ أُمِرَ بقتال المشركينَ فاستَمرَّ صَفحُه وعَفوُه عَمّن يُظهِر الإسلامَ
ولو كان باطِنُه على خِلَاف ذلك لمصلحة الاستئلاف وعَدَم التَّنفير عنه، ولذلك قال: ((لا
يَتحدَّث الناس أنَّ محمَّداً يَقتُل أصحابه))(٢)، فلمَّا حَصَلَ الفتحِ ودَخَلَ المشرِكونَ في الإسلام،
وقَلَّ أهلُ الكفر وذَلُّوا، أُمِرَ بمُجاهَرة المنافقينَ وحَمْلهم على حُكم مُرِّ الحقّ، ولا سيَّما وقد
كان ذلك قبلَ نزول النَّهي الصَّريح عن الصلاة على المنافقينَ، وغير ذلك ممّا أُمِرَ فيه
(١) هذا اللفظ الذي ساقه الحافظ لفظُ رواية مغيرة عن شِباكِ الضبّي عن الشعبي، وهو عند الطبري من
طريق مغيرة عن الشعبي مباشرة، لكن بلفظ: ((لأستغفرن له سبعين وسبعين)).
(٢) قال ذلك ◌َله في شأن عبد الله بن أبيٍّ ابنُ سَلُولَ أيضاً كما سيأتي برقم (٤٩٠٥) في تفسير سورة المنافقون.

٣٦٣
سورة براءة / ح ٤٦٧٠-٤٦٧١
كتاب التفسير
بمجاهرَتِهِم. وبهذا التَّقْرير يَندَفِعِ الإشكال عمَّا وَقَعَ في هذه القِصّة بحَمْدِ الله تعالى.
قال الخطَّبيُّ: إنَّما فعَلَ النبيّ ◌َِّ معَ عبد الله بن أبيِّ ما فعَلَ لكمال شَفَقَتْه على مَن تَعلَّقَ
بطَرَفٍ من الدّين، ولِتَطبيب قلب ولده عبد الله الرجل الصالح، ولِتَألَّفِ قومه من الخَزْرَج
لرياسَتِه فيهم، فلو لم يُحِب سؤالَ ابنه وتَرَكَ الصلاة عليه قبلَ وُرود النَّهي الصَّريح لكان
سُبّةً على ابنه، وعاراً على قومه، فاستعملَ أحسنَ الأمرَينِ في السّياسة إلى أن نُهُيَ فانتَهَى.
وتَبعَه ابن بَطّال وعَبَّرَ بقوله: ورَجا أن يكون مُعتَقِداً لبعضٍ ما كان يُظهِر من الإسلام.
وتَعقَّبَه ابن المنّيِّر بأنَّ الإيمان لا يَتَبَعَّض. وهو كما قال، لكنَّ مُراد ابن بَطّال أنَّ إيمانه كان
ضعيفاً.
قلت: وقد مالَ بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلام عبد الله بن أبيِّ لكَوْنِ النبيّ ◌ِله
صَلَّى عليه، وذَهَلَ عن الوارد من الآيات والأحاديث المصَرِّحة في حَقّه بما يُنافي ذلك، ولم
يَقِف على جواب شافٍ في ذلك، فأقدَمَ على الدَّعوَى المذكورة، وهو مَحَجوج بإجماع مَن
قبلَه على نقيض ما قال، وإطباقهم على تَرك ذِكْره في كتب الصَّحابة معَ شُهرَته وذِكْر مَن
هو دونَه في الشَّرَف والشُّهرة بأضعافٍ مُضاعَفة.
وقد أخرج الطَّبَريُّ (٢٠٦/١٠) من طريق سعيد عن قَتَادة في هذه القِصّة قال: فِأَنَزَلَ
الله تعالى: ﴿ وَلَ تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةِ﴾ [التوبة: ٨٤] قال: فذكر لنا أنَّ نبيَّ الله
وَلّ قال: ((وما يُغني عنه قميصي من الله(١)، وإنّي لَأرجو أن يُسلِمَ بذلك ألفٌ من قومه)).
قوله: ((فأَنزَلَ الله: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةٍ﴾)) زاد مُسدَّد في
حديثه عن يحيى القَطّان عن عُبيد الله بن عمر في آخره: فتَرَكَ الصلاة عليهم(٢). أخرجه
ابن أبي حاتم (٦ /١٨٥٧) عن أبيه عن مُسدَّد وحَمَّاد بن زاذانَ عن يحيى.
(١) وفيه زيادة: وصلاتي.
(٢) عجباً للحافظ رحمه الله تعالى كيف عزا هذه الزيادة لابن أبي حاتم، وذَهَل عن وجودها عند البخاري فيما
سيأتي برقم (٥٧٩٦) عن صدقة بن الفضل عن يحيى القطان.

٣٦٤
سورة براءة / ح ٤٦٧٠-٤٦٧١
فتح الباري بشرح البخاري
وقد أخرجه البخاريّ (١٢٦٩) في الجنائز عن مُسدَّد، بدونٍ هذه الزيادة، وفي حديث
ابن عبّاس: فصَلَّى عليه ثمَّ انصَرَفَ، فلم يَمكُث إلَّا يسيراً حتَّى نزلت.
زاد ابن إسحاق في ((المغازي))(١) قال: حدَّثني الزُّهْريّ بسندِه في ثاني حديثَي الباب قال: فما
صَلَّى رسول الله ◌ِ ﴿ على مُنافقٍ بعدَه حتَّى قَبَضَه الله.
ومن هذا الوجه أخرجه ابن أبي حاتم(٢) (٦/ ١٨٥٨)، وأخرجه الطََّرِيُّ (٢٠٥/١٠-٢٠٦)
من وجه آخر عن ابن إسحاق فزاد فيه: ولا قام على قبره. وروى عبد الرَّزّاق (٢٨٤/١)
عن مَعمَر عن قَتَادة قال: لمَّ نزلت: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ
مَّةً فَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ قال النبيّ ◌َّ: (لَأَزِيدَن على السَّبعينَ)) فَأَنزَلَ الله تعالى: ((﴿سَوَآءُ عَلَيْهِمْ
٣٣٧/٨ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اَلَّهُ لَهُمْ﴾)»/ ورجاله ثقات معَ إرساله، ويحتمل أن
تکون الآيتان معاً نزلتا في ذلك.
الحديث الثاني: قوله: ((حدَّثنا يحيى بن بُكَير حدَّثنا اللَّيث عن عُقيل، وقال غيره: حدَّثني
اللَّيث حدَّثني عُقيل)) كذا وَقَعَ هنا، والغير المذكور هو أبو صالح كاتب اللَّيث، واسمه
عبد الله بن صالح، أخرجه الطَّبَريُّ (٢٠٦/١٠) عن المثنَّى بن معاذ عنه عن اللَّيث قال:
حدَّثني عُقيل.
قوله: ((لمَّا ماتَ عبد الله بن أبيِّ ابنُ سَلُولَ)) بفتح المهمَلة وضمّ اللّام وسكون الواو
بعدَها لامٌ، هو اسم امرأة، وهي والدة عبد الله المذكور وهي خُزاعيَّة، وأمَّا هو فمن الخَزْرَج
أحد قبيلَتَي الأنصار، وابنُ سَلولَ يُقرأ بالرّفع لأنَّه صفة عبد الله لا صفة أبيه.
قوله: ((فتَبَسَّمَ رسول الله وٍَّ وقال: أخّر عنِّي)) أي: كلامَك، واستشكَلَ الدّاووديُّ
تَبَسُّمِهِ وَ لَه في تلكَ الحالة، معَ ما ثَبَتَ أَنَّ ضَحِكَه وَلِّ كان تَبَسُّماً، ولم يكن عندَ شُهود
(١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٥٥٢/٢.
(٢) ذهل الحافظ رحمه الله تعالى عن وجود رواية ابن إسحاق هذه عند الترمذي (٣٠٩٧)، وعنده تلك
الزيادة التي نسبها للطبري.

٣٦٥
سورة براءة / ح ٤٦٧٢
كتاب التفسير
الجنائز يَستَعمِل ذلك، وجوابه أنَّه عَبَّرَ عن طَلاقة وجهه بذلك تأنيساً لعمر وتطييباً لقلبه
كالمعتَذِرِ عن تَرك قَبُول کلامه ومَشُورَته.
قوله: ((إن زِدْت على السَّبْعينَ يُغْفَرْ له)) كذا للأكثرِ (يُغفَرْ)) بسكونِ الرّاء، جواباً للشَّرطِ،
وفي رواية الكُتْمِيهنيِّ: ((فغُفِرَ له)) بفاءٍ، ويلفظ الفِعل الماضي وضمٍّ أوَّله والرّاء مفتوحة.
والأوَّل أو جَهُ.
قوله: ((فَعَجِبْت بَعْدُ) بضمِّ الدّال ((من جُرْأتي)) بضمِّ الجيم وسكون الرّاء بعدَها همزة،
أي: إقدامي عليه، وقد بيَّنّا توجيه ذلك.
قوله: ((والله ورسوله أعلم)) ظاهره أنَّه قول عمر، ويحتمل أن يكون قولَ ابن عبّاس،
وقد روى الطبراني(١) (١١٥٩٨) من طريق الحَكَم بن أبانٍ عن عِكْرمة عن ابن عبّاس في
نحو هذه القِصّة: قال ابن عبّاس: فالله أعلمُ أيَّ صلاة كانت، وما خادَعَ محمَّد أحداً قَطّ.
وقال بعض الشُّاح: يحتمل أن يكون عمر ظنَّ أنَّ النبيّ ◌َّهِ حِينَ تقدَّم للصلاة على
عبد الله بن أُبيِّ كان ناسياً لمَا صَدَرَ من عبد الله بن أبيِّ. وتُعقِّبَ بما في السّياق من تَكرير
المراجَعة فهي دافعة لاحتمال النِّسيان، وقد صَرَّحَ في حديث الباب بقوله: فلمَّا أكثرت عليه
قال. فدَلَّ على أنَّه كان ذاكِراً.
١٢ - بابٌ
وَلَا تُصَلّ عَ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًّا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِةِ ﴾ [التوبة: ٨٤]
٤٦٧٢ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ المنذِرِ، حدَّثنا أنسُ بنُ عِياضٍ، عن عُبيدِ الله، عن نافعٍ، عن
ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قال: لمَّا توفّيَ عبدُ الله بنُ أبيَّ جاء ابنُه عبدُ الله بنُ عبدِ الله إلى
رسولِ الله ◌ََّ، فأعطاه قَمِيصَه، فأمَرَهُ أن يُكَفِّنَه فيه، ثمَّ قامَ يُصَلّى عليه، فأخَذَ عمرُ بنُ الخطّاب
بثوبِهِ، فقال: تُصَلّي عليه وهو مُنافقٌ؟ وقد نَهَاكَ الله أن تَسْتَغْفِرَ لهم، قال: ((إنَّا خَيََّني اللهُ - أو
(١) تحرف في الأصلين إلى: الطبري. والتصويب من شرح الحافظ نفسه، حيث أشار إلى هذه الطريق المذكورة
أول هذا الباب، وعزاها للطبراني، ولم نقف عليها عند الطبري.

٣٦٦
سورة براءة / ح ٤٦٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
أخبَرَني اللهُ - فقال: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرُ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ
لَهُمْ﴾)) فقال: ((سَأَزِيدُه على سبعِينَ)) قال: فصَلَى عليه رسولُ اللهِوَّهِ، وصَلَّينا معه، ثمَّ أُنْزِلَ
عليه: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَ نَقُمْ عَى قَبْرِهِ: إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَاتُواْ وَهُمْ
فَسِقُونَ﴾.
قوله: ((باب ﴿ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهٍِ﴾)) ظاهرُ الآية أنَّها نزلت
في جميع المنافقينَ، لكن وَرَدَ ما يدلُّ على أنَّهَا نزلت في عَدَد مُعيَّن منهم.
قال الواقديّ: أخبرنا مَعمَر عن الزُّهْريّ قال: قال حُذَيفة: قال لي رسول الله وَّ: ((إنّي
مُسِّ إليك ◌ِرّاً، فلا تَذكُرْه لأحدٍ، إنّي تُهيت أن أُصَلّي على فلان وفلان)) رَهطٍ ذَوي عَدَد
٣٣٨/٨ من / المنافقينَ، قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يُصَلّي على أحدٍ استَتَبَعَ حُذَيفة، فإن مَشَى
معه وإلّا لم يُصَلِّ عليه.
ومن طريق أُخرى عن جُبير بن مُطعِم (١): أنَهم اثنا عشرَ رجلاً، وقد تقدَّم حديث
حُذَيفة قريباً: أنَّه لم يَبقَ منهم غير رجل واحد(٢).
ولعلَّ الحكمة في اختصاص المذكورِينَ بذلك أنَّ الله عَلَمَ أنَّهم يموتونَ على الكفر،
بخِلَاف مَن سواهم فإنَّهم تابوا.
ثُمَّ أورَدَ المصنِّف حديث ابنِ عمر المذكور في الباب قبلَه من وجه آخرَ، وقوله فيه: ((إنَّما
خَيَّرَني الله أو أخبرني الله))، كذا وَقَعَ بالشكِّ، والأوَّل: بمُعجَمةٍ مفتوحة وتحتانيَّة ثقيلة، من
التَّخيير، والثّاني: بموخَّدةٍ من الإخبار. وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق إسماعيل بن أبي
أوَيس عن أبي ضَمْرة الذي أخرجه البخاريّ من طريقه بلفظ: ((إنَّا خَيَّرَني الله)) بغير شَكّ،
وكذا في أكثرِ الرّوايات بلفظ التَّخيير، أي: بينَ الاستغفار وعَدمه كما تقدَّم.
(١) كذا في الأصلين و(س)، وإنما هو عند الواقدي ٣/ ١٠٤٥ عن نافع بن جبير بن مطعم مرسلاً، وكذلك
رواه ابنُ سعد کما في ((تهذيب الكمال)» ٥/ ٥٠٥ في ترجمة حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.
(٢) الذي تقدم عن حذيفة برقم (٤٦٥٨): أنه لم يبق منهم إلا أربعة أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما
وجَدَ بَرْدَهُ. فلا ندري من أين جاء الحافظ رحمه الله بقوله: غیر رجلٍ واحدٍ !!

٣٦٧
سورة براءة / ح ٤٦٧٢
كتاب التفسير
واستُشكِلَ فهم التَّخيير من الآية حتَّى أقدَمَ جماعة من الأكابر على الطَّعن في صِحّة هذا
الحديث معَ كَثْرة طرقه، واتّفاق الشَّيخَينِ وسائر الذينَ خَرَّجوا الصَّحيح على تصحيحه،
وذلك يُنادي على مُنكِرِي صِحَّتِهِ بعَدَمِ مَعرِفة الحديث، وقِلّة الاطّلاع على طرقه.
قال ابن المنيِّر: مفهوم الآية زَلَّت فيه الأقدام، حتَّى أنكَرَ القاضي أبو بكر صِحّة الحديث،
وقال: لا يجوز أن يُقبَل هذا، ولا يَصِحّ أنَّ الرَّسول قاله، انتهى.
ولفظ القاضي أبي بكر الباقلانيّ في ((التَّقريب)): هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا
يُعلَم ثُبُوتُها. وقال إمام الحَرَمَينِ في ((مختصره): هذا الحديث غير مُخرَّج في ((الصَّحيح)).
وقال في ((البرهان)): لا يُصَحِّحه أهلُ الحديث.
وقال الغَزاليّ في ((المستَصفَى)): الأظهَر أنَّ هذا الخبر غير صحيح.
وقال الدّاووديّ الشّارح: هذا الحديث غير محفوظ.
والسَّبَب في إنكارهم صِحَّتَه ما تَقرَّرَ عندَهم ممَّا قَدَّمناه، وهو الذي فهمَه عمر ﴾ه من
حَمَل ﴿أَوْ﴾(١) على التَّسوية لمَا يقتضيه سياق القِصّة، وحَمل السَّبعينَ على المبالَغة.
قال ابن المنيِر: ليس عندَ أهلِ البيان تَرَدُّد أنَّ التَّخصيص بالعَدَدِ في هذا السّياق غير
مُراد. انتهى.
وأيضاً فشرط القول بمفهوم الصِّفة وكذا العَدَد عندَهم مُماثَلة المنطوق للمَسكوتِ،
وعَدَم فائدة أُخرى، وهُنا للمبالَغة فائدة واضحة، فأشكَلَ قوله: ((سَأزيدٌ على السَّبعينَ)) معَ
أنَّ حُکم ما زاد علیها حُكمها.
وقد أجابَ بعض المتأخِّرينَ عن ذلك بأنَّه إنَّما قال: ((سَأزيدُ على السَّبعينَ)) استمالة
القلوب عشيرته، لا أنَّه أراد إن زاد على السَّبعينَ يُغفَر له، ويُؤيِّدہ تَرَدُّده في ثاني حديثَي
الباب حيثُ قال: «لو أعلم أنّي إن زِدت على السَّبعينَ يُغْفَر له لَزِدتُ)).
(١) يعني في قوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ

٣٦٨
سورة براءة / ح ٤٦٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
لكن قَدَّمْنا أنَّ الرِّواية ثَبَتَت بقوله: ((سأزيد))، ووَعدُه صادقٌ، ولا سيّما وقد ثَبَتَ
قوله: ((لَأَزِيدَنَّ)) بصيغة المبالَغة في التَّأكید.
وأجابَ بعضهم باحتمال أن يكون فعَلَ ذلك استصحاباً للحال، لأنَّ جواز المغفرة
بالزّيادة كان ثابتاً قبلَ مَجَيء الآية، فجازَ أن يكونَ باقياً على أصله في الجواز، وهذا جواب
حسن، وحاصله: أنَّ العَمَل بالبَقَاءِ على حُكم الأصل معَ فهم المبالَغة لا يَتَنَافَيَان، فكأنَّه
جَوَّزَ أنَّ المغفِرة تَحَصُل بالزّيادة على السَّبعينَ لا أنَّه جازِم بذلك، ولا يَخْفَى ما فيه.
وقيل: إنَّ الاستغفار يتنزّل مَنزِلة الدُّعاء، والعبد إذا سألَ رَبَّه حاجةً فسؤاله إيّاه عبادةٌ
تتنزّل مَنزِلة الذِّكر، لكنَّه من حيثُ طلبُ تَعجيلِ حصول المطلوب ليس عبادةً، فإذا كان
كذلك، والمغفِرةُ في نفسها تُمكِنة، وتَعلَّقُ العلم بعَدَم نَفعها لا يُغيِّر ذلك، فيكون طلبها لا
الغَرَضٍ حصولها بل لتعظيم المدعوّ، فإذا تَعذَّرَت المغفرة عُوِّضَ الدّاعي عنها ما يَليق به من
الثَّواب أو دَفع السّوء، كما ثَبَتَ في الخبر (١)، وقد يَحصُل بذلك عن المدعوّ لهم تخفيف كما في
قِصّة أبي طالب(٢).
هذا معنى ما قاله ابن المنيِر، وفيه نظر، لأنَّه يَستَلزِم مشروعيَّة طلب المغفرة لمن تَستَحيل
المغفرة له شَرعاً، وقد وَرَدَ إنكار ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ
يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣].
ووَقَعَ في أصلِ هذه القِصّة إشكال آخرُ، وذلك أنَّه وَِّ أطلقَ أنَّه خُيِّرَ بينَ الاستغفار
٣٣٩/٨ لهم وعَدمه بقوله تعالى: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، / وأخَذَ بمفهومِ العَدَد من
(١) ثبت من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله وَ الإ قال: ((ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة
إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم)). أخرجه الترمذي
(٣٥٧٣)، وبنحوه من حديث جابر عنده أيضاً برقم (٣٣٨١).
(٢) كما سلف في حديث العباس بن عبد المطلب عند البخاري (٣٨٨٣) أنه قال للنبي وصله: ما أغنَيتَ عن
عمك، فإنه كان يحوطُك ويغضب لك؟ قال: ((هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك
الأسفل من النار)). ومن حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري أيضاً (٣٨٨٥) أنه وُّ قال: ((لعله
تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغُه)».

٣٦٩
سورة براءة / ح ٤٦٧٢
كتاب التفسير
السَّبعينَ فقال: ((سَأزيدُ عليها)»، معَ أنَّه قد سَبَقَ قبلَ ذلك بمُدّةٍ طويلة نزول قوله تعالى:
﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَى﴾، فإنَّ هذه
الآية كما سيأتي في تفسير هذه السّورة قريباً (٤٦٧٥) نزلت في قِصّة أبي طالب حينَ قال ◌َله
(لَأَسْتَغْفِرَنَّ لك ما لم أُنَّهَ عنك)) فنزلت، وكانت وفاة أبي طالب بمكَّةَ قبلَ الهجرة اتّفاقاً،
وقِصّة عبد الله بن أبيِّ هذه في السَّنة التاسعة من الهجرة كما تقدَّم، فكيفَ يجوز معَ ذلك
الاستغفار للمنافقينَ معَ الجزم بكفرهم في نفسِ الآية؟! وقد وقَفت على جواب لبعضِهم
عن هذا حاصله: أنَّ المنهيّ عنه استغفارٌ تُرجَى إجابته حتَّى يكون مقصوده تحصيل المغفرة
لهم كما في قِصّة أبي طالب، بخِلَاف الاستغفار ◌ِثْلِ عبد الله بن أبيٍّ فإنَّه استغفار لقصدِ
تَطييب قلوب مَن بَقيَ منهم، وهذا الجواب ليس بمَرضيٍّ عندي.
ونحوُه قول الَّمَخْشَريّ فإنَّه قال: فإن قلت: كيف خَفيَ على أفصَحِ الخلق وأخيَرِهم
بأساليب الكلام وتمثيلاته أنَّ المراد بهذا العَدَد أنَّ الاستغفار ولو كَثُرَ لا يُجدي، ولا سيما وقد
تَلاه قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآيةَ، فبيَّن الصّارفَ عن المغفِرة لهم؟
قلت: لم يَخْفَ عليه ذلك، ولكنَّه فعَلَ ما فعَلَ وقال ما قال إظهاراً لغاية رحمته ورأفَته على مَن
بُعِثَ إليه، وهو كقولِ إبراهيم عليه السلام: ﴿وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]
وفي إظهار النبيّ ◌َّ الرَّأفة المذكورة لُطف بأُمَّتِه، وباعث على رحمة بعضهم بعضاً، انتهى.
وقد تَعقَّبَه ابنُ المنير وغيره وقالوا: لا يجوز نِسبة ما قاله إلى الرَّسول، لأنَّ الله أخبر أنَّه
لا يَغْفِرُ للكفَّار، وإذا كان لا يُغفَر لهم فطلبُ المغفرة لهم مُستَحيل، وطلب المستَحيل لا يقع
من النبيّ أَلچر.
ومنهم مَن قال: إنَّ النَّهيَ عن الاستغفار لمن ماتَ مُشِرِكاً لا يَسْتَلِزِم النَّهي عن الاستغفار
لمن ماتَ مُظهِراً للإِسلام، لاحتمال أن يكون مُعتَقَده صحيحاً، وهذا جواب جيّد.
وقد قَدَّمتُ البحث في هذه الآية في كتاب الجنائز (١٢٦٩)، والتَّرجيح أنَّ نزولها كان مُتَراخِياً
عن قِصّة أبي طالب جدّاً، وأنَّ الذي نزلَ في قِصَّته ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]

٣٧٠
سورة براءة / ح ٤٦٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
وحَرَّرت دليل ذلك هناكَ، إلّا أنَّ في بَقيَّة هذه الآية من التَّصريح بأنَهم كفروا بالله ورسوله
ما يدلُّ على أنَّ نزول ذلك وَقَعَ مُتَراخياً عن القِصّة، ولعلَّ الذي نزلَ أوَّلاً وتَسَّكَ النبيّ
وَلَه به قوله تعالى: ﴿أُسْتَغْفِرْ لَمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَمُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ
لَهُمْ﴾ إلى هنا خاصّة، ولذلك اقتَصَرَ في جواب عمر على التَّخيير وعلى ذِكْر السَّبعينَ، فلمَّا
وَقَعَت القِصّة المذكورة كَشَفَ الله عنهم الغِطاء، وفَضَحَهم على رُؤوس الملأ، ونادَى
علیھم بأنّهم كفروا بالله ورسوله.
ولعلَّ هذا هو السِّ في اقتِصار البخاريّ في التَّرجمة من هذه الآية على هذا القَدْر إلى
قوله: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، ولم يقع في شيء من نُسَخ كتابه تَكميل الآية، كما جَرَت به
العادة من اختلاف الرُّواة عنه في ذلك.
وإذا تأمَّلَ المتأمِّل المنصِف وجَدَ الحامل على مَن رَدَّ الحديث أو تَعَسَّفَ في التَّأويل ظُّهُ
بأنَّ قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ نزلَ معَ قوله: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَمْ﴾، أي:
نزلت الآية كاملةً، لأنَّه لو فُرِضَ نزولها كاملةً لاقتَرَنَ بالنَّهي العِلّة، وهي صريحة في أنَّ
قليل الاستغفار وكثيره لا يُجِدي، وإلّا فإذا فُرِضَ ما حَرَّرتُه أنَّ هذا القَدر نزلَ مُتَراخياً عن
صَدر الآية ارتَفَعَ الإشكال، وإذا كان الأمر كذلك فحُجّة المتمَسِّك من القِصّة بمفهومِ العَدَد
صحيح، وكَوْن ذلك وَقَعَ من النبيّ ◌َلِ مُتَمَسِّكاً بالظّاهِرِ على ما هو المشروع في الأحكام إلى
أن يقوم الدَّليل الصّارف عن ذلك لا إشكال فيه، فلله الحمد على ما ألْهَمَ وعَلَّمَ.
وقد وقَفت لأبي نُعَيم الحافظ صاحب ((حِلية الأولياء)) على جُزء جَمَعَ فيه طرق هذا
الحديث، وتَكلَّمَ على مَعانيه، فلخَّصتُه، فمن ذلك أنَّه قال: وَقَعَ في رواية أبي أُسامة(١)
٣٤٠/٨ وغيره عن عُبيد الله العمريّ في قول عمر: أَتُصَلّي عليه وقد تَهاك الله عن / الصلاة على
المنافقينَ؟! ولم يُبَيِّ مَحَلّ النَّهي، فَوَقَعَ بيانه في رواية أبي ضَمْرةٍ(٢) عن العمريّ، وهو أنَّ
(١) سلفت في الباب السابق برقم (٤٦٧٠).
(٢) رواية الباب.

٣٧١
سورة براءة / ح ٤٦٧٣
كتاب التفسير
مُرادَه بالصلاة عليهم الاستغفارُ لهم، ولفظه: وقد نَهاك الله أن تَستَغفِر لهم. قال: وفي قول
ابنِ عمر: فصَلَّى رسول اللهَوَّهِ وصَلَّينا معه، أنَّ عمر تَرَكَ رأيَ نفسه وتابَعَ النبيَّ وََّ. ونَّهَ
على أنَّ ابنَ عمر حَمَلَ هذه القِصّة عن النبيّ وَّ بِغير واسطة، بخِلَاف ابنِ عبَّاس، فإنَّه ◌ِنَّا
حَمَلَها عن عمر إذ لم يَشْهَدها.
قال: وفيه جواز الشَّهادة على المرء بما كان عليه حَيّاً وميّاً، لقولٍ عمر: إنَّ عبد الله
مُنافق، ولم يُنكِرِ النبيّ ◌َّل قوله.
ويُؤخَذ أنَّ المنهيّ عنه من سَبّ الموتى ما قُصِدَ به الشَّتْم لا التَّعريف. وأنَّ المنافق تَجري
عليه أحكام الإسلام الظّاهرة. وأنَّ الإعلام بوفاة الميِّت مُجَّداً لا يَدخُل في النَّعْي المنهيّ عنه.
وفيه جواز سؤال المُوسِر من المال مَن تُرجَى بَرَكَتُه، شيئاً من ماله لِضَرُورةٍ دينيّة.
وفيه رعاية الحيّ المطيع بالإحسان إلى الميّت العاصي.
وفيه التَّكفين بالمَخِيطِ. وجواز تأخير البيان عن وقت النُّزول إلى وقت الحاجة.
والعَمَل بالظّاهِرِ إذا كان النَّصّ مُحْتَمِلاً. وفيه جواز تنبيه المفضول للفاضل على ما يَظُنّ أنَّه
سَهَا عنه، وتنبيه الفاضل المفضولَ على ما يُشكِل عليه. وجواز استفسار السائل المسؤول
وعكسه عَّا يحتمل ما دارَ بينَهما. وفيه جواز التََّسُّم في حضور الجِنازة عندَ وُجود ما
يقتضيه، وقد استَحَبَّ أهل العلم عَدَم التَّبَسُّم من أجل تمام الخُشوع، فيُستَنَى منه ما تَدعو
إليه الحاجة، وبالله التوفيق.
١٣ - باب قوله:
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ الآية
٤٦٧٣- حدَّثنا يحيى، حدَّثْنا اللَّيْثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ
عبدِ الله، أنَّ عبد الله بنَ كعبٍ بنِ مالكِ قال: سمعتُ كعبَ بنَ مالكِ حينَ تَخَلَّفَ عن تَبُوكَ:
والله ما أنْعَمَ الله عليَّ من نِعْمَةٍ بعدَ إِذْ هَداني، أعظَمَ من صِدْقِي رسولَ اللهِ وَِّ أَن لا أكونَ كَذَبْتُه،
فأهلِكَ كما هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبوا حينَ أُنزِلَ الوَحْيُّ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أُنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾

٣٧٢
سورة براءة / ح ٤٦٧٤
فتح الباري بشرح البخاري
إلى قوله: ﴿اَلْفَسِقِينَ ﴾ [التوبة: ٨٤].
قوله: ((باب قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أُنقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ الآيَةَ))
سَقَطَ ﴿لَكُمْ﴾ من رواية الأَصِيلِيِّ والصَّواب إثباتها. ثمَّ ذكر فيه طَرَفاً من حديث کعب
ابن مالك الطَّيل في قِصّة تَوبَته يَتَعلَّق بالتَرجمة.
وقوله فيه: ((ما أنعَمَ الله عليَّ من نِعمة)) كذا للأكثرِ، وللمستَمْلِي وحدَه: على عبدٍ نِعمةً.
والأوَّل هو الصَّواب، وقد سَبَقَ شرح الحديث بطوله في كتاب المغازي (٤٤١٨).
١٤ - باب قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾
إلى قوله: ﴿اَلْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]
قوله: ((باب قوله: ﴿يَخْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله:
﴿اَلْفَسِقِينَ﴾)) كذا ثبت لأبي ذر وحده الترجمة بغير حديث، وسقطت للباقين.
وقد أخرج ابن أبي حاتم (٦/ ١٨٦٦) من طريق ابن أبي نَجِيح عن مجاهد: إنما نزلت في
المنافقين.
٣٤١/٨
١٥- باب قوله:
﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ الآية [التوبة: ٩٦]
٤٦٧٤- حدَّثْنَا مُؤمَّلٌ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثْنَا عَوْفٌ، حدَّثنا أبو رَجاءٍ، حدَّثنا
سَمُرةُ بنُ جُنْدُبٍ عَ﴾، قال: قال رسولُ الله وَّ لنا: «أتاني اللَّيلةَ آتِيان، فابْتَعَثاني، فانْتَهَيَا إلى مدينةٍ
مَبنِيَّةٍ بَلَبِنِ ذهبٍ ولَبِنِ فِضّةٍ، فَتَلَقّانا رجالٌ، شَطْرُ من خلقِهم كأحسنِ ما أنتَ راءٍ، وشَطْرٌ
كأقْبَحِ ما أنتَ راءٍ، قالا لهمُ: اذهبوا فقَعُوا في ذلك النَّهَرِ، فوَقَعوا فيه، ثمَّ رجعوا إلينا قد ذهب
ذلك السّوءُ عنهم، فصاروا في أحسنِ صورةٍ، قالا لي: هذه جَنّهُ عَدْنٍ، وهذاكَ مَنزِلُكَ، قالا:
أمَّا القومُ الَّذِينَ كانوا شَطْرٌ منهم حَسَنٌ، وشَطْرٌ منهم قَبِيحٌ، فإنَّهِم خَلَطُوا عَمَلاً صالحاً وآخَرَ
سَيِّئاً، تَجاوَزَ الله عنهم)).
قوله: ((باب قوله: ﴿وَءَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوِهِمْ﴾ الآيةَ)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيره الآية إلى

٣٧٣
سورة براءة / ح ٤٦٧٥ - ٤٦٧٦
كتاب التفسير
﴿رَحِيمٌ﴾ وذكر فيه طَرَفاً من حديث سَمُرة بن جُندُب في المنام الطّويل، وسيأتي بتمامه معَ
شرحِه في التَّعبير (٧٠٤٧).
قوله: ((حدثنا مؤمَّل)) زاد في رواية الأصيلي وغيره: هو ابن هشام. وإسماعيل بن
إبراهيم: هو المعروف بابن عُلَيَّة.
وقوله فيه: ((كانوا شطرٌ منهم حسَنٌّ)) قيل: الصوابُ حسناً، لأنه خبر ((كان))، وخَّجوه
على أنَّ ((كان)) تامّةٌ، و((شطرٌ)) و((حسنٌ)) مبتدأ وخبره.
١٦ - باب قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَِّيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَنْ يَسْتَغْفِرُواْ
لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]
٤٦٧٥ - حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌّ، عن الزُّهْريِّ،
عن سعيدِ بنِ المسيّب، عن أبيه، قال: لمَّا حَضَرَت أبا طالبٍ الوفاةُ، دَخَلَ عليه النبيُّ ◌َِّه
وعندَه أبو جَهْلٍ وعبدُ الله بنُ أبي أَميَّةَ، فقال النبيُّ ◌ََّ: ((أي عَمِّ، قُل: لا إلهَ إلا الله، أُحَاجُّ لكَ
بها عندَ الله)) فقال أبو جَهْلِ وعبدُ الله بنُ أبي أُميَّةَ: يا أبا طالبٍ، أترْغَبُ عن مِلّةِ عبدِ المطَّلِبِ؟
فقال النبيُّ ◌ََّ: ((الأسْتَغْفِرَنَّ لكَ، ما لم أُنْهَ عنكَ)) فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ
يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَ مِنْ بَعْدِمَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾.
قوله: ((باب قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾)) ذكر فيه
حديث سعيد بن المسيّب عن أبيه في قِصّة وفاةٍ أبي طالب، وقد سَبَقَ شرحه في كتاب
الجنائز (١٣٦٠)، ويأتي الإلمام بشيءٍ منه في تفسير القَصَص (٤٧٧٢) إن شاء الله تعالى.
١٧ - باب قوله: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَاجِرِين
وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أُتَّبَعُوهُ ﴾ الآية [التوبة: ١١٧]
٤٦٧٦ - حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: أخبرني يونس. قال أحمدُ:
وحدَّثنا / عَنبَسةُ، حدَّثنا يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عبدُ الرَّحمنِ بنُ کعبِ بنِ مالك، ٣٤٢/٨
قال: أخبرني عبدُ الله بنُ كعبٍ - وكان قائدَ كعبٍ من بَنِه حينَ عَمِيَ - قال: سمعتُ كعبَ بنَ مالكٍ

٣٧٤
سورة براءة / ح ٤٦٧٥ - ٤٦٧٦
فتح الباري بشرح البخاري
في حديثه: ﴿ وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ [التوبة: ١١٨] قال في آخِرٍ حديثه: إنَّ من تَوْبَتي أن
أَنْخَلِعَ من مالي صَدَقَةً إلى الله وإلى رسوله، فقال النبيُّ ◌ََّ: ((أمسِكْ بعضَ مالِكَ، فهو خيرٌ لكَ)).
قوله: ((باب قوله: ﴿لَّقَد تَّابَ اللّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَكَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ الآيةَ)) كذا
لأبي ذرِّ، وساقَ غيرُه الآية إلى ﴿رَّحِيمٌ﴾، ذكر فيه طَرَفاً من حديث كعبِ الطّويلِ في قِصّة
تَوبَته. وقد سَبَقَ شرحه مُستَوفَّى في كتاب المغازي (٤٤١٨)، والقَدر الذي اقتَصَرَ عليه هنا
أيضاً في الوصايا (٢٧٥٧).
وقوله هنا: ((حدَّثنا أحمد بن صالح، حدَّثني ابن وَهْب، أخبرني يونس. قال أحمد: وحدَّثنا
عَنْبَسة، حدَّثنا يونس)) مُراده أنَّ أحمد بن صالح روى هذا الحديث عن شيخَينٍ عن يونس،
لكن فرَّقَهما لاختلاف الصّيغة. ثمّ إنَّ ظاهره أنَّ السَّنَد عنهما مُتَّحِد، وليس كذلك، لأنَّ في
رواية ابن وَهْب أنَّ شيخ ابن شِهاب هنا هو عبد الرّحمن بن كعب كما في روایة عَنبَسة،
وليس كذلك، بل هو في رواية ابن وَهْب عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب(١)، كذلك
أخرجه النَّسائيُّ عن سليمان بن داود المهريّ عن ابن وَهْب(٢)، ولعلَّ البخاريّ بناه على أنَّ
عبد الرّحمن نُسِبَ لجدِّه فتَتَّحِد الرِّوايتان. نَبَّهَ على ذلك الحافظ أبو عليّ الصَّدَفيّ، فيما قرأته
بخَطُّه بهامشٍ نُسخَته.
قلت: قد أفرَدَ البخاريّ رواية ابن وَهْب بهذا الإسناد في النُّذُور (٦٦٩٠)، فوَقَعَ في
رواية أبي ذرٍّ: عبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعب. وإنَّما أخرج النَّسائيُّ بعض الحديث، وقد
وجَدت بعض الحديث أيضاً في ((سُنَن أبي داود)) (٢٢٠٢ و٣٣١٧) عن سليمان بن دواد
(١) وقد تقدم بعضُ هذا الحديث مختصراً أيضاً برقم (٣٨٨٩) من طريق أحمد بن صالح عن عنبسة عن
يونس، فقال فيها: عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب. فتحقق الاحتمالُ الذي نقله الحافظ عن الجياني من
أن البخاري بناه على أن عبد الرحمن نُسب هنا لجده.
(٢) أخرجه كذلك النسائي برقم (٣٤٢٢)، لكن أخرج بعضاً من هذه القصة برقم (٧٣١)، وبرقم (٣٨٢٤)
من هذا الطريق نفسه فقال: عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وهذا أيضاً يؤيد الاحتمال المذكور بأن عبد الرحمن
قد يُنسب لجدّه.

٣٧٥
سورة براءة / ح ٤٦٧٧
كتاب التفسير .
شيخ البخاريّ فيه كما في النَّسائيِّ، وعن أبي الطاهر بن السَّرْح عن ابن وَهْب كذلك
(٢٢٠٢ و ٢٧٧٣ و٤٦٠٠).
١٨ - بابٌ ﴿وَعَلَى الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ
الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ الآية [التوبة: ١١٨]
٤٦٧٧- حدَّثْني محمَّدٌ، حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي شُعَيبٍ، حدَّثنا موسى بنُ أعْيَنَ، حدَّثنا
إسحاقُ ابنُ راشدٍ، أنَّ الزُّهْرِيَّ حدَّثه، قال: أخبرني عبدُ الرَّحمنِ بنُ عبدِ الله بنِ كعبِ بنِ
مالكِ، عن أبيه، قال: سمعتُ أَبي كعبَ بنَ مالكٍ، وهو أحدُ الثَّلاثةِ الَّذِينَ تِيبَ عليهم: أنَّه لم
يَتَخْلَّف عن رسولِ الله وََّ في غزوةٍ غَزاها قَطُّ، غيرَ غَزْوَتَينِ، غزوةِ العُسْرةِ، وغزوةٍ بَدْرٍ،
قال: فَأَجْمَعْتُ صِدْقَ رسولِ الله وَّهَ، وكان قَلَّما يَقْدَم من سَفَرِ سافَرَه إلّا ضُحَّى، وكان يَبْدَأُ
بالمسجدِ، فِيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، وَهَى النبيُّ وَّلَ عن كلامي وكلامٍ صاحبَيَّ، ولم يَنْهَ عن كلامِ أحدٍ
منَ المتخلِّفِينَ غيرِنا، فاجْتَنَبَ الناسُ كلامَنا، فَبِثْتُ كذلك حتَّى طالَ عَلَيَّ الأمرُ، وما من
شيءٍ أهَمُّ إليَّ من أن أموتَ، فلا يُصَلّي عليَّ النبيُّ وَّه أو يموتَ رسولُ اللهِ وََّ، فأكونَ منَ
الناسِ بِتِلْكَ المَنزِلةِ، فلا يُكلِّمُني أحدٌ منهم، ولا يُصَلّي عليَّ، فأنزَلَ الله تَوْبَتنا على نبيّهَ وَّلـ
حينَ بَقِيَ الثُّلثُ الآخِرُ منَ اللَّيلِ، ورسولُ اللهِلَ ◌ّهِ عندَ أمُّ سَلَمَةَ، وكانت أمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً في
شأني، مَعْنِيَّةً في أمري، فقال رسول الله وَّ: ((يا أمَّ/ سَلَمَةَ، تِيبَ على كعبٍ)) قالت: أَفَلا ٣٤٣/٨
أُرسِلُ إليه فأُبَشِّرَه؟ قال: ((إذاً يَخْطِمَكُمُ الناسُ، فَيَمْتَعونَكُمُ النَّوْمَ سائرَ اللَيلةِ)) حَتَّى إذا صَلَّى
رسولُ الله ◌َِّ صلاةَ الفجرِ آذَنَ بتَوْبةِ الله علينا، وكان إذا استَبْشَرَ استَنَارَ وجهُه، حتَّى كأنَّه
قِطْعةٌ من القمَرِ، وكنَّا أَيُّها الثَّلاثةُ الذينَ خُلِّفْنا عن الأمرِ الذي قُبِلَ من هَؤلاء الذين اعْتَذَروا،
حينَ أَنزَلَ الله لنا التوبةَ، فلمَّا ذُكِرَ للَّذِينَ كَذَبوا رسولَ الله منَ المتخلِّفِينَ، واعتَذَروا بالباطِلِ،
ذُكِرُوا بِشَرِّ ما ذُكِرَ به أحدٌ، قال الله سُبْحانَه: ﴿يَعْتَّذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لَّا
تَعْتَذِرُواْ لَن تُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾
[التوبة: ٩٤].
ر

٣٧٦
سورة براءة / ح ٤٦٧٧
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ الآية)) كذا
لأبي ذرٍّ، وساقَ غيره إلى ﴿الرَّحِيمُ﴾.
قوله: ((حدَّثني محمَّد حدَّثنا أحمد بن أبي شُعَيب)) كذا للأكثرِ، وسَقَطَ محمَّد من رواية ابن
السَّكَن فصارَ للبخاريِّ عن أحمد بن أبي شُعَيب بلا واسطة. وعلى قول الأكثر فاختُلِفَ في
محمَّد؛ فقال الحاكم: هو محمَّد بن النَّضر النَّيسابوريّ، يعني: الذي تقدَّم ذكره في تفسیر
الأنفال (٤٦٤٩)، وقال مرَّة: هو محمَّد بن إبراهيم البُوشَنْجِيّ، لأنَّ هذا الحديث وَقَعَ له من
طريقه. وقال أبو عليّ الغَسّانيّ: هو الذُّهْلِيّ، وأيَّدَ ذلك أنَّ الحديث في ((عِلَل حديث
الزُّهْريّ)) للذُّهْلِيّ، عن أحمد بن أبي شُعَيب، والبخاريّ يَستَمِدُّ منه كثيراً، وهو يُهمِلِ نَسَبَه
غالباً.
وأمَّا أحمد بن أبي شُعَيب: فهو الخَرّانيّ، نَسَبَه المؤلِّف إلى جَدّه، واسم أبيه عبد الله بن
مسلم، وأبو شُعَيب كُنية مُسلم لا كُنية عبد الله، وكُنية أحمد أبو الحسن، وهو ثقة باتِّفاقٍ،
وليس له في البخاريّ سِوَى هذا الموضع.
ثمَّ ذكر المصنّف قِطْعاً من قِصّة تَوبة كعب بن مالك، وقد تقدَّم شرحه مُستَوفَ في
المغازي (٤٤١٨).
وقوله: ((فلا يُكلِّمُني أحد منهم ولا يُصَلّي عليّ)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ولا يُسَلِّم.
وحكى عياض أنَّه وَقَعَ لبعضِ الرُّواة: فلا يُكلِّمني أحد منهم ولا يُسَلِّمني. واستَبعَدَه،
لأَنَّ المعروف أنَّ السَّلام إنَّما يَتَعَدَّى بحرفِ جَرّ، وقد يُوَجَّه بأن يكون إتباعاً، أو يَرجِع إلى
قول مَن فَسَّرَ السَّلام بأنَّ معناه: أنتَ مُسلَّم منّي.
وقوله ((وكانت أمّ سَلَمَةَ مَعنَّةً في أمري)) كذا للأكثرِ، بفتح الميم وسكون المهملة وكسر
النُّون بعدها تحتانيَّة ثقيلةٌ من الاعتناء، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: مُعِيْنة، بضمِّ الميم وكسر
العين وسكون التَّحتانيَّة بعدَها نون، من العَون. والأوَّل أَنْسَب.
وقوله: (يَحِطِمُكُم)) في رواية أبي ذرِّ عن الكُشْمِيهنيِّ والمُستَمْلِي: يَخْطَفُكُم.

٣٧٧
سورة براءة / ح ٤٦٧٨ - ٤٦٧٩
كتاب التفسير
١٩ - بابٌ
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ؛
٤٦٧٨ - حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ
ابنِ عبدِ الله بنِ كعبٍ بنِ مالكِ، عن عبدِ الله بنِ كعبِ بنِ مالكٍ - وكان قائدَ كعبِ بنِ مالكٍ -
قال: سمعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يُحدِّثُ، حينَ تَخَلَّفَ عن قِصّةِ تَبُوكَ: فوالله ما أعلم أحداً أبْلاهُ
الله في صِدْقِ الحديثِ أحسنَ ممَّ أَبْلاني، ما تَعَمَّدْتُ مُذْ ذَكَرْتُ ذلك لِرسولِ الله وَّل إلى يومي
هذا كَذِباً، وأنزَلَ الله عزَّ وجلَّ على رسولِهِ وَيّ: ﴿لَّقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَاَلْمُهَجِينَ
وَاَلْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِّقِينَ﴾.
قوله: ((باب ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ))) [التوبة: ١١٩] ٣٤٤/٨
ذكر فيه طَرَفاً مختصراً من قِصّة تَوْبة كعبٍ أيضاً.
٢٠- باب قوله:
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا
عَنِتُمْ ﴾ الآية [التوبة: ١٢٨] من الرّأْفة
٤٦٧٩ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني ابنُ السَّاق، أنَّ زیدَ
ابنَ ثابتٍ الأنصاريَّ ﴾ - وكان ممَّن يَكْتُبُ الوَحْيَ - قال: أرسَلَ إليَّ أبو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهلِ اليَمَامَةِ،
وعندَه عمرُ، فقال أبو بَكْرٍ: إنَّ محُمَرَ أتاني، فقال: إنَّ القتلَ قد استَخَرَّ يومَ اليَامَةِ بالناسِ، وإنّ
أخشى أن يَستَحِرَّ القتلُ بالقُرَاءِ في المَواطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ منَ القرآنِ، إلا أن تَجْمَعُوه، وإنّي
لأَرَى أن يُجْمَعَ القرآنُ، قال أبو بَكْرٍ: فقلتُ لِعُمرَ: كيفَ أفعَلُ شيئاً لم يَفْعَلْه رسولُ الله ◌ِ؟!
فقال عمرُ: هو واللهِ خيرٌ، فلم يَزَل عمرُ يُراجِعُني فيه، حتَّى شَرَحَ الله لذلك صَدْري، ورأيتُ
الذي رَأى عمرُ - قال زيدُ بنُ ثابتٍ: وعمرُ جالسٌ عندَه لا يتكلَّمُ - فقال أبو بَكْرٍ: إِنَّكَ رجلٌ
شابٌّ عاقِلٌ، لا نَتَّهِمُكَ، كنتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرسولِ اللهِ وَّةِ، فَتَتَبَّعِ القرآنَ، فاْمَعْه. فوالله لو
كَلَّفَنِي نَقْلَ جبلٍ منَ الجبال، ما كان أنْقَلَ عليَّ ممَّا أَمَرَني به من جمْعِ القرآنِ، قلتُ: كيفَ تَفْعَلان

٣٧٨
سورة براءة / ح ٤٦٧٨-٤٦٧٩
فتح الباري بشرح البخاري
شيئاً لم يَفْعَلْه رسُولُ اللهِ وََّ؟! فقال أبو بَكْرٍ: هو والله خيرٌ، فلم أزل أُراجِعُه حتَّى شَرَحَ الله
صَدْري للَّذي شَرَحَ الله له صَدْرَ أبي بكرٍ وعمرَ، فقُمْتُ فَتَبَّعْتُ القرآنَ أْمَعُهُ مِنَ الرِّقاع،
والأكتاف، والعُسُبِ، وصُدورِ الرِّجال، حتَّى وجَدْتُ من سُورةِ التوبة آيتين معَ خُزَيمةَ
الأنصاريِّ، لم أجِدْهما معَ أحدٍ غيرَه: ﴿لَقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ
مَا عَنِتُمْ﴾ إلى آخرهما.
وكانت الصُّحُفِ التّي جُمِعَ فيها القُرآنُ عندَ أبي بكرٍ، حتَّى تَوَفّاه الله، ثمَّ عندَ عمرَ حتَّى
تَوَّاه الله، ثمَّ عند حفصة بنت عمرَ.
تابعه عثمان بن عمر واللیث، عن يونس، عن ابنِ شِهاپٍ.
وقال اللَّيْثُ: حدَّثني عبدُ الرّحمنِ بنُ خالدٍ، عن ابنِ شِهابٍ، وقال: معَ أبي خُزيمة الأنصاري.
وقال موسى: عن إبراهيم، حدَّثنا ابنُ شِهابٍ: معَ أبي خُزَيمةَ.
وتابَعَه يعقوب بنُ إبراهیم، عن أبيه.
وقال أبو ثابتٍ: حدّثنا إبراهيم، وقال: مع خُزَيمةَ، أو أبي خُزَيمةَ.
قوله: ((باب قوله: ((﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ﴾
الآيةَ)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَ غيرُه إلى ﴿رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
قوله: ((مِن الرَّأفة)) ثَبَتَ هذا لغير أبي ذرٍّ، وهو كلام أبي عُبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الله ◌ِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هو فَعُول من الرَّأْفة، وهي أشدُّ الرّحمة.
قوله: ((أخبَرَني ابنُ السَّاق)) بمُهمَلة وتشديد الموخَّدة، اسمه عُبيد، وسيأتي شرح
الحديث مُستَوَفَى في فضائل القرآن (٤٩٨٦)، وتقدَّم في أوائلِ الجهاد (٢٨٠٧) التَّنبيهُ على
اختلاف عُبيد بن السَّبّاق وخارجة بن زيد في تعيين الآية.
قوله: («تابَعَه عثمانُ بن عمر واللَّيث بن سعد عن / يونس عن ابن شِهاب)) أمَّا مُتابعة عثمان
ابن عمر فَوَصَلَها أحمد (٧٦)، وإسحاق في ((مُسنَدَيهما)) عنه، وأمَّا مُتابعة اللَّیٹ عن يونس
٣٤٥/٨

٣٧٩
سورة براءة / ح ٤٦٧٨-٤٦٧٩
كتاب التفسير
فَوَصَلَها المؤلِّف في فضائل القرآن (٤٩٨٩)، وفي التوحيد (٧٤٢٥).
قوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني عبد الرَّحمن بن خالد عن ابن شِهاب، وقال: معَ أبي
خُزَيمَةَ)) يريد أنَّ لِلّيث فيه شيخاً آخرَ عن ابن شِهاب، وأنَّه رواه عنه بإسناده المذكور
لكن خالَفَ في قوله: مَعَ خُزيمةَ الأنصاريّ، فقال: مَعَ أبي خُزَيمَةَ. ورواية اللَّيث هذه
وَصَلَها أبو القاسم البَغَويُّ في ((مُعجَم الصَّحابة)) (٨٤٦) من طريق أبي صالح كاتب
اللَّیث عنه، به.
قوله: ((وقال موسى: عن إبراهيم، حدَّثنا ابن شِهاب: معَ أبي خُزَیمةً. وتابَعَه يعقوب بن
إبراهيم عن أبيه)) أمَّا موسى: فهو ابن إسماعيل، وأمَّا إبراهيم: فهو ابن سعد، ويعقوب: هو
ولده. ومُتَابَعة موسى وَصَلَها المؤلِّف في فضائل القرآن (٧٤٢٥). وقال في آية التوبة: مَعَ
أبي خُزَيمةَ، وفي آية الأحزاب (٤٠٤٩): مَعَ خُزيمةَ بن ثابت الأنصاريّ. وممّا يُنَبَّهُ عليه أنَّ
آية التوبة وَجَدَها زيد بن ثابت لمَّا جَمَعَ القرآن في عَهد أبي بكر، وآية الأحزاب وَجَدَها لمَّا
نَسَخَ المصاحِف في عَهد عثمان، وسيأتي بيانُ ذلك واضحاً في فضائل القرآن.
وأمَّا رواية يعقوب بن إبراهيم فوَصَلَها أبو بكر بن أبي داود في ((كتاب المصاحف))
(٢٨) من طريقه، وكذا أخرجها أبو يَعْلى (٦٥) من هذا الوجه لكن باختصارٍ، ورواها
الذُّهْلُّ في ((الزُّهْرِيّات)) عنه، لكن قال: مَعَ خُزَيمةً، وكذا أخرجه الجَوزَقيُّ من طريقه.
قوله: ((وقال أبو ثابت: حدَّثنا إبراهيم، وقال: معَ خُزَيمةَ أو أبي خُزَيمَةَ)) فأمَّا أبو ثابت:
فهو محمَّد بن عُبيد الله المدنيّ، وأمَّا إبراهيم: فهو ابن سعد.
ومُراده أنَّ أصحاب إبراهيم بن سعد اختلفوا، فقال بعضهم: مَعَ أبي خُزَيمةَ، وقال
بعضهم: مَعَ خُزيمةَ، وشَكَّ بعضهم، والتَّحقيق ما قَدَّمناه عن موسى بن إسماعيل: أنَّ آيَة
التوبة معَ أبي خُزَيمَةَ، وآية الأحزاب معَ خُزيمةَ. وسَتكونُ لنا عَودة إلى تحقيق هذا في
تفسير سورة الأحزاب (٤٧٨٤) إن شاء الله تعالى.
ورواية أبي ثابت المذكورة وَصَلَها المؤلِّف في الأحكام (٧١٩١)، بالشكِّ كما قال.

٣٨٠
سورة يونس
فتح الباري بشرح البخاري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
١٠ - سورة يونس
وقال ابنُ عبَّاسِ: ﴿فَأُخْتَلَطَ ﴾ [٢٤] فَتَبَتَ بالماءِ من كلِّ لَوْنٍ.
و﴿ قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَهُ, هُوَ اُلْغَنِىُّ﴾ [٦٨].
وقال زيدُ بنُ أسلَمَ: ﴿أَنَّلَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [٢]: محمَّدٌ وَّةِ، وقال مجاهِدٌ: خيرٌ.
يقال: ﴿تِلْكَ ءَايَتُ﴾ [١]: يعني: هذه أعلامُ القرآنِ. ومِثلُه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ
بهم ﴾ [٢٢]، المعْنَى: بكُم.
دَعْوَهُمْ﴾ [١٠]: دُعاؤُهم.
﴿أُحِيطَ بِهِمْ ﴾ [٢٢]: دَنَوْا مِنَ الهَلَكةِ ﴿وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١].
وقال مجاهدٌ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ أَسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ﴾: قولُ الإنسانِ لِوَلَدِهِ
وماله إذا غَضِبَ: اللهمَّ لا تُبارك فيه والْعَنْه ﴿لَقُضِىَ إِلَتِهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [١١]: لَأَهْلِكَ مَن دُعِيَ
عليه ولَأماتَه.
﴿لَّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى﴾: مِثْلُها حُسْنَى ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ [٢٦]: مَغْفِرةٌ ورضوانٌ. وقال غیرُه:
النظر إلى وجهِه.
﴿اَلْكِبْرِيَاءُ﴾ [٧٨]: المُلْك.
﴿ فَنْبَعَهُمْ﴾ [٩٠] واتَّبَعَهُمْ واحدٌ.
﴿عَدُوًا﴾ [٩٠]: منَ العُذْوان.
قوله: ((بِسْمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ - سورة يونس)) أخّرَ أبو ذرِّ البسملةَ.
قوله: ((وقال ابن عبّاس: فاختَلَطَ: فتَبَتَ بالماءِ من كلّ لَوْنٍ)) وصَلَه ابن جَرِير (١١/
١٠١-١٠٢) من طريق ابن جُرَيج عن عطاء(١) عن ابن عبّاس في قوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوْةِ
(١) هو عطاء بن أبي مسلم الخراساني، وليس ابن أبي رباح، وإن كان ابنُ جريج أخصَّ بعطاء بن أبي رباح، =