Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ سورة الأنفال كتاب التفسير تابَعَه فمَرجُوحة بأنَّ زيادة مَن خالَفَهما مقبولة لكَوْنِم حُفّاظاً. وإلى ما ذهب إليه ابن الزُّبَير من تفسير الآية ذهب مجاهد، وخالَفَ في ذلك ابن عبّاس فروى ابن جَرِير (١٥٤/٩) من طريق عليّ بن أبي طلحة عنه قال: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ﴾ يعني: خُذ ما عَفا لك من أموالهم، أي: ما فضَلَ، وكان ذلك قبلَ / فرْض الزكاة، وبذلك قال السُّدّيُّ ٣٠٦/٨ وزادَ: نَسَخَتها آية الزكاة، وبنحوِه قال الضَّحّاك وعطاء وأبو عبيدة، ورَجَّحَ ابن جَرِير الأوَّل، واحتَجَّ لَه، ورَوَى عن جعفر الصّادِقِ قال: ليس في القرآن آية أجمَعُ لمكارمِ الأخلاق منها. ووَجَّهوه بأنَّ الأخلاق ثلاثة بحَسَب القوى الإنسانيَّة: عقليَّة وشَهْويَّةٌ وغَضَبيَّةٌ، فالعقليَّةِ: الحكمة، ومنها الأمر بالمعروفِ، والشَّهْويَّةُ: العِفّة، ومنها أخذ العفو، والغضَبيَّة: الشَّجاعة، ومنها الإعراض عن الجاهلينَ. وروى الطَّبَرِيُّ (١٥٥/٩) مُرسَلاً، وابنُ مَرْدويه موصولاً من حديث جابر وغيره: لمَّا نزلت: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ سألَ جِبْرِيلَ، فقال: لا أعلم حتَّى أسألَه، ثمَّ رَجَعَ فقال: إنَّ رَبَّك يأمرُك أن تَصِلَ مَن قَطَعَك، وتُعطيَ مَن حَرَمَك، وتَعفُوَ عَمَّن ظَلَمَك. ٨ - سورة الأنفال بِسْمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ قال ابنُ عبَّاسٍ: الأنفالُ: المغانم. نافلةٌ: عَطِيَّةٌ. ﴿يُثْخِنَ﴾ [٦٧]: يَغْلِبَ. ﴿وَإِن جَنَحُواْ﴾ [٦١]: طَلَبوا. السِّلْمُ والسَّلْمُ والسَّلامُ واحدٌ. وقال مجاهدٌ: ﴿مُكَآءُ﴾: إدخالُ أصابعِهم في أفواهِهم ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ [٣٥]: الصَّفِير. قال قَتَادةُ: ﴿رِيحُكُمْ﴾ [٤٦]: الحربُ. ٣٠٢ سورة الأنفال / ح ٤٦٤٥ فتح الباري بشرح البخاري ﴿الشَّوْكَةِ﴾ [٧]: الحَدّ. ﴿مُرْدِفِينَ﴾ [٩]: فَوْجاً بعدَ فَوْجِ، رَدِفَني وأردَفَني: جاء بَعْدِي. ﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ [٣٧]: يَجْمَعَه. ((شَرِّدْ)) [٥٧]: فَرِّقْ. ﴿لِيُشْبِتُوكَ﴾ [٣٠]: لِيَحْبِسوكَ. ﴿ذُوقُواْ﴾ [٥٠]: باشِروا وجَرِّبوا، وليس هذا من ذَوْقِ الفَمِ. ٤٦٤٥ - حدَّثني محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحيمِ، حدَّثنا سعيدُ بنُ سليمانَ، أخبرنا هُشَيمٌ، أخبرنا أبو بِشْرِ، عن سعيدِ بنِ مُبَيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: سورةُ الأنفال؟ قال: نزلت في بَدْرٍ. قوله: ((سورة الأنفال - ◌ِمِ اللهِ الزَّعْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملة لغير أبي ذرٍّ. قوله: ((قال ابن عبّاس: الأنفال: المغانم)) وصَلَه ابن أبي حاتم (١٦٤٩/٥) من طريق عليّ ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: الأنفال: المغانم، كانت لِرسولِ الله وَّهِ خالصةً ليس لأحدٍ فيها شيء. وروى أبو داود (٢٧٣٧) والنَّسائيُّ (ك١١١٣٣) وابن حِبّان (٥٠٩٣) من طريق داود ابن أبي هِند عن عِكْرمة عن ابن عبّاس، قال: لمَّا كان يومُ بدر قال رسول الله وَّه: ((مَن صَنَعَ كذا فله كذا))، الحديث، فنزلت: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾. قوله: ((نافلةٌ: عَطيَّةٌ)) قال في رواية النَّسَفيِّ: يقال، فذكره. وقد قال أبو عُبيدة في قوله: وَمِنَ الَيَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ أي: غَنيمة. قوله: (﴿يُشْخِنَ﴾ أي: يَغْلِب)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿ مَا كَانَ لِنِّيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَشْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِ اُلْأَرْضِ﴾ يُتخِنُ، أي: يُبالغُ ويَغلِب. قوله: ((﴿وَإِن جَنَحُواْ﴾: طَلَبوا)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ﴾ أي: رجعوا ٣٠٣ سورة الأنفال / ح ٤٦٤٥ كتاب التفسير إلى المسالمة وطلبوا الصُلح. قوله: ((السِّلْم والسَّلْمِ والسَّلامُ واحدٌ)) ثَبَتَ هذا لأبي ذرٍّ وحدَه، وقد تقدَّم في تفسير سورة النِّساء (١). قوله: ((وقال مجاهد: ﴿مُكَآءُ﴾: إدخالُ أصابعِهم في أفواههم)) وصَلَه عبد بن حُميدٍ والفِرْیابيُّ من طريق ابن أبي نَجِیح عن مجاهد. قوله: (﴿وَتَصْدِيَةٌ﴾: الصَّفير)) وصَلَه عبد بن حُميدٍ أيضاً كذلك. تنبيه: وَقَعَ هذا في رواية أبي ذرِّ مُتَراخياً عن الذي قبلَه، وعندَ غيره بعَقِبه وهو أولى، وقد قال الفِرْيابيُّ: حدَّثنا وَرْقاءُ عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءُ ﴾ قال: إدخالهم أصابعَهم في أفواههم. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾: الصَّفیر، يَخْلِطُونَ على محمَّد صَلاتَه. وقال أبو عبيدة: المكاءُ: الصَّفيرُ، والتَّصديةُ: صَفْقُ الأكُفِّ. / ووَصَلَه ابن مَرْدويه من ٣٠٧/٨ حديث ابن عمر، مثله من قوله. قوله: ((وقال قَتَادةُ: ﴿رِيحُكُمْ﴾: الحرب)) تقدَّم في الجهاد (٢). قوله: (﴿الشَّوْكَةٍ﴾: الحَدّ)) ثَبَتَ لغير أبي ذرٍّ، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ مَجَازُ الشَّوكةِ: الحَدّ، يقال: ما أشدَّ شركة بني فلان، أي: حَدَّهم. قوله: ((﴿مُرْدِفِينَ﴾: فَوْجاً بعدَ فَوْجِ، يقال: رَدِفَني وأردَفَتي: جاء بَعْدي)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بكسرِ الدّال، فاعلينَ مِن أردَفُوا، أي: جاؤُوا بعدَ قوم قبلَهم، وبعضهم يقول: رَدِفَني: جاء بعدي، وهما لُغَتان، ومَن قرأَ بفتح الدّال فهو من: أردَفَهم الله مِن بعدٍ مَن قبلهم، انتھی. (١) بين يدي الحديث رقم (٤٥٩١). (٢) بين يدي الحديث رقم (٣٠٣٨). ٣٠٤ سورة الأنفال / ح ٤٦٤٦ فتح الباري بشرح البخاري وقراءة الجمهور بكسرِ الدّال، ونافع بفتحها. وقال الأخفَش: بنو فلان يَردِفونَنا(١)، أي: يَجیؤونَ بعدَنا. قوله: ((﴿فَيَرْكُمَهُ﴾: يَجْمِعَه)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿فَيَرْكُمَهُجَمِيعًا﴾ أي: فيجمعَه بعضَه فوقَ بعضٍ. قوله: (شَرِّد: فَرِّق)) هو قول أبي عُبيدة أيضاً. قوله: (﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: لِيخْبِسُوك)) وصَلَه ابن أبي حاتم من طريق ابن جُرَيج عن عطاء(٢)، وروى أحمد (٣٢٥١) والطبرانيُّ (١٢١٥٥) من حديث ابن عبّاس قال: تَشاوَرَت قُرَيش، فقال بعضهم: إذا أصبَحَ محمَّد فأثبتوه بالوَثاق، الحديثَ. قوله: (﴿ذُوقُواْ﴾: باشِروا وجَرِّبوا، وليس هذا من ذَوْق الفَم)) هو قول أبي عبيدة أيضاً، ونَظِيرُه قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾. قوله: ((حدَّثني محمَّد بن عبد الرحيم)) كذا ثَبَتَ هذا الحديث في آخِرِ هذه التَّفاسير عندَ أبي ذرِّ، وثَبَتَ عندَ غيره في أثنائها، والخَطْب فيه سَهلٌ. والحديث المذكور سيأتي بأتمَّ من هذا في تفسير سورة الحَشر (٤٨٨٢)، ويأتي شرحه هناكَ، وقد تقدَّم طَرَفُ منه أيضاً في المغازي (٤٠٢٩). ١- ﴿إِنَّ شَرَّ اُلَّوَآتِ عِندَ اللَّهِ الصُّ الْبُّكْمُ اُلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٢] ٤٦٤٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجِيحِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: ﴿إِنَّ شَرَّ اُلَّوَآتِ عِندَ اللَّهِ الُ اَلْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ قال: هم نَفَرٌ مِن بني عبد الدار. قوله: ((إنَّ شَرَّ الذَّوابِّ)) ذكر فيه حديث مجاهد عن ابن عبّاس، قال: هم نَفَرٌ من بني (١) كذا قرأ نافع وحده من السبعة. انظر: ((السبعة)) لابن مجاهد ص٣٠٤. (٢) زاد في (ع) و(س) بعده: عنه، وهي مُقْحَمة، إذ لم يتقدم ذكر أحدٍ حتى يعود الضمير إليه. ٣٠٥ سورة الأنفال / ح ٤٦٤٧ كتاب التفسير عبد الدّار، وفي رواية الإسماعيليّ: نزلت في نَفَر. زاد ابن جَرِير (٢١٢/٩) من طريق شِبْل بن عبّاد عن ابن أبي نَجِيحٍ: لا يَتَّبِعونَ الحقّ. ثمَّ أورَدَ (٢١٢/٩) من طريق وَرْقاءَ عن ابن أبي نَجِيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾: لا يَتَبعونَ الحقّ، قال مجاهد: قال ابن عبّاس: هم نَفَر من بني عبد الدّار. ٢- بابٌ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢٤] ﴿أُسْتَجِيبُواْ﴾: أجِيبوا. ﴿لِمَا يُحِيكُمْ﴾: لما يُصلِحُكُم. ٤٦٤٧ - حدَّثني إسحاقُ، أخبرنا رَوٌْ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن خُبَيَبٍ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، سمعتُ حفصَ بنَ عاصمٍ يُحدِّثُ، عن أبي سعيدِ بنِ المُعَلَّى ﴿ه، قال: كنتُ أُصَلّى فِمرَّ بِي رسولُ اللهِ، فدَعاني فلم آتِه حتَّى صَلَّيتُ، ثمَّ أتيتُه، فقال: ((ما مَنَعَكَ أن تَأْتِيَ؟ ألم يَقُلِ الله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ أَسْتَجِيبُوْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾)) ثمّ قال: ((لأُعَلِّمَنَّكَ أعظَمَ سورةٍ في القرآنِ قبلَ أن أخرُجَ)) فذهب رسولُ الله ◌ِّ لِيَخْرُجَ، فَذَكَرْتُ لَه. وقال معاذٌ: حدَّثنا شُعْبةُ، عن خُبَيَبٍ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، سمعَ حفصاً، سمعَ أبا سعيدٍ رجلاً من أصحاب / النبيِّ وَّةٍ ... بهذا، وقال: ((هِيَ الحمدُ لله رَبِّ العالمينَ، السَّبْعُ المَثَاني)». ٣٠٨/٨ قوله: (﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ ﴿أُسْتَجِيبُواْ﴾: أجيبوا. ﴿لِمَا يُحِيكُمْ﴾: لما يُصلِحُكُم)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ﴾ أي: أجيبوا اللهَ، يقال: استجبت له واستَجَبتُه بمعنَّى، وقوله: ﴿لِمَا يُحِيكُمْ﴾ أي: لمَا يَهديكُم ويُصلِحُكُم، انتهى. وقد تقدَّم في آل عمرانَ(١) شيء من هذا في قوله تعالى: ﴿ الَِّنَ اُسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. قوله: ((حدَّثني إسحاق)) هو ابن راهويه، وقد تقدَّم شرحُ الحديث في تفسير الفاتحة (٤٤٧٤). (١) بين يدي الحديث رقم (٤٥٦٣). ٣٠٦ سورة الأنفال / ح ٤٦٤٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال معاذٌ)) هو ابن معاذ العَنبَريّ البصريّ. وقد وصَلَه الحسن بن سفيان في (مُسنده)) عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه. وفائدة إيراده ما وَقَعَ فیه من تصریح حفص بسماعه من أبي سعيد بن المعلّ. ٣- باب قوله: ﴿ وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ﴾ الآية قال ابنُ عُبَينةَ: ما سَمَّى الله تعالى مَطَراً في القرآنِ إِلَّ عذاباً، وتُسمِّيه العربُ: الغَيثَ، وهو قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ [الشورى: ٣٨]. ٤٦٤٨- حذَّثني أحمدُ، حدَّثْنَا عُبيدُ الله بنُ معانٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الحميدِ صاحبِ الزِّيادِيِّ، سمعَ أنسَ بنَ مالكِ ﴾: قال أبو جَهْلٍ: اللهمَّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندِكَ، فأمطِرْ علينا حجارةً منَ السماءِ، أو اثْتِنا بعذابٍ ألِيمٍ، فنزلت: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ إلى ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ الآيةَ. [طرفه في: ٤٦٤٩] قوله: ((باب قوله: ﴿ وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ﴾ الآيةَ [الأنفال: ٣٢])) كذا لأبي ذرِّ، وساقَ غيرُه الآيَةَ. قوله: ((قال ابن عُيَينَ)) إلى آخره، كذا في ((تفسير ابن عُيَينَةَ)) رواية سعيد بن عبد الرَّحمن المخزوميّ عنه، قال: ويقول ناس: ما سَمَّى الله المطر في القرآن إلّا عذاباً، ولكِن تُسمّيه العرب: الغَيثَ، يريد قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ كذا وَقَعَ في تفسير ﴿حَمّ عَسَّقَ﴾. وقد تُعقِّبَ كلام ابن عُيَينةَ بُوُرودِ المطر بمعنى الغَيث في القرآن في قوله تعالى: ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مِّن مَّطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢] فالمراد به هنا الغَيث قطعاً، ومعنى التَّأذّي به: البَلَل الحاصل منه للثَّوب والرِّجل وغير ذلك، وقال أبو عُبيدة: إن كان من العذاب فهو أَمطرَت، وإن كان من الرَّحمة فهو مَطَرَت. وفيه نظرٌّ أيضاً. قوله: ((حدَّثني أحْمَد)) كذا في جميع الرِّوايات غير منسوب، وجَزَمَ الحاكمان أبو أحمد وأبو ٣٠٧ سورة الأنفال / ح ٤٦٤٨ كتاب التفسير عبد الله أنَّه ابن النَّضر بن عبد الوهّاب النَّيسابوريّ، وقد روى البخاريُّ الحديث المذكور بعينِهِ عَقِبَ هذا عن محمَّد بن النَّضْر أخي أحمدَ هذا، قال الحاكم: بَلَغَني أنَّ البخاريّ كان يَنزِل عليهما، ويُكثِرِ الكَوْن(١) عندَهما إذا قَدِمَ نَيسابورَ. قلت: وهما من طبقة مسلم وغيره من تلامذة البخاريّ وإن شارکوه في بعض شيوخه. وقد أخرج مسلمٌ هذا الحديث بعينِه (٢٧٩٦) عن شيخهما عُبيد الله بن معاذ نفسه، وعُبيد الله بن معاذ المذكور من الطّبقة الوُسطَى من شيوخ البخاريّ، فنزلَ في هذا الإسناد دَرَجَتَيْنِ، لأَنَّ عندَه الكثير عن أصحاب شُعْبة بواسطةٍ واحدةٍ بينَه وبينَ شُعْبة، قال الحاكم: أحمد بن النَّصْر يُكنَى أبا/ الفضل وكان من أركان الحديث. انتهى، وليس له في البخاريّ ٣٠٩/٨ ولا لأخيه سِوَى هذا الموضع، وقد روى البخاريّ عن أحمد في ((التاريخ الصَّغير)) ونَسَبَه. قوله: ((عن عبد الحميد صاحب الزّياديِّ)) هو عبد الحميد بن دينار تابعيّ صغير، ويقال له: ابن كُرْدِيدٍ، بضمِّ الکاف وسكون الرّاء وکسر الدّال المھمَلة ثمَّ تحتانیَّة ساكنة ثمَّ دال أُخرى، ووَقَعَ كذلك في بعض النُّسَخِ، والزّياديُّ الذي نُسِبَ إليه من ولِدِ زيادٍ الذي يقال له: ابن أبي سفيان. قوله: ((قال أبو جَهْل: اللهمَّ إن كان هذا)) إلى آخره، ظاهرٌ في أنَّه القائل ذلك، وإن كان هذا القولُ نُسِبَ إلى جماعة فلعلَّه بَدَأ به ورضي الباقونَ فُنُسِبَ إليهم، وقد روى الطبرانيُّ(٢) من طريق ابن عبّاس أنَّ القائلَ ذلك هو النَّضر بن الحارث، قال: فَأَنزَلَ الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾. وكذا قال مجاهد وعطاء والسُّدّيّ. ولا يُنافي ذلك ما في (الصَّحيح)) لاحتمال أن يكونا قالاه، ولكنَّ نِسَبَتَه إلى أبي جهل أولَى. وعن قَتَادة قال: قال ذلك سَفَهَةُ هذه الأُمّة وجَهَلَتُها. وروى ابن جَرِير من طريق يزيدَ بن رُومانَ أنَّهم قالوا ذلك، ثمَّ لمَّا أمسَوْا نَدِموا (١) المثبت من الأصلين، وفي (س): الكُمون. وهما بمعنّى. (٢) لم نقف عليه في شيء من معاجم الطبراني، وجاء عند النسائي في ((الكبرى)) (١١٥٥٦) عن ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ المراد به النضر بن الحارث، لكن ليس فيه نص سؤال النضر ذلك. ٣٠٨ سورة الأنفال / ح ٤٦٤٩ فتح الباري بشرح البخاري فقالوا: غُفرانَك اللهمَّ، فأنزَلَ الله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. وروى ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٩٢) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس أنَّ معنى قوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: مَن سَبَقَ له من الله أنَّه سَيُؤْمِن. وقيل: المراد مَن كان بينَ أظهرهم حينئذٍ من المؤمنينَ، قاله الضَّحّاك وأبو مالك. ويُؤيِّده ما أخرجه الطََّرِيُّ (٢٣٤/٩) من طريق ابن أبزَى، قال: كان رسول الله وَ لَه بمكَّةَ، فأنزَلَ الله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ثمَّ خرج إلى المدينة، فأنزَلَ الله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ وكان مَن بَقيَ من المسلمينَ بمكَّةً يَسْتَغْفِرُونَ، فلمَّا خَرَجوا أنزَلَ الله ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآيةَ، فأذِنَ الله في فتح مكَّةَ، فهو العذاب الذي وعَدَهم الله تعالى. وروى الثِّمِذيُّ (٣٠٨٢) من حديث أبي موسى رفعَه قال: ((أنزَلَ الله على أمَّتي أمانَينٍ)) فذكر هذه الآيةَ. قال: ((فإذا مَضَيتُ تَرَكتُ فيهم الاستغفار)). وهو يُقوِّي القول الأوَّل والحَمْل عليه أولَى، وأنَّ العذاب حَلَّ بهم لمَّا تَرَكوا النَّدَم على ما وَقَعَ منهم، وبالَغوا في مُعانَدة المسلمينَ ومُحارَبَتهم، وصَدِّهم عن المسجد الحرام، والله أعلم. ٤- باب قوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] ٤٦٤٩- حدَّثنا محمَّدُ بنُ النَّضْرِ، حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ معاذٍ، حدَّثْنا أبي، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عبدِ الحميدِ صاحبِ الزِّيادِيِّ، سمعَ أنسَ بنَ مالكِ، قال: قال أبو جَهْلٍ: اللهمَّ إن كان هذا هو الحقَّ من عندِكَ، فأمطِرِ علينا حجارةً منَ السماءِ، أو اثْنِنا بعذاب أليم، فنزلت: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآيَةَ. قوله: ((باب قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾)) تقدَّم شرحه في الذي قبله. ٣٠٩ سورة الأنفال / ح ٤٦٥٠-٤٦٥١ كتاب التفسير ٥- بابٌ ﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُلِلَّهِ ﴾ [الأنفال: ٣٩] ٤٦٥٠- حذَّثني الحسنُ بنُ عبدِ العزيزِ، حدَّثنا عبدُ الله بنُ يحيى، أخبرَنا حَيْوةُ، عن بکرِ ابنِ عَمْرٍو، عن بُكَير، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر رضي الله عنهما: أنَّ رجلاً جاءه، فقال: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، ألا تَسْمَعُ ما ذكر اللهُ في كتابه: / ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ﴾ إلى آخِرِ ٣١٠/٨ الآيةِ [الحجرات: ٩]، فما يَمْنَعُكَ أن لا تُقاتلَ كما ذكر اللهُ في كتابه؟ فقال: يا ابنَ أخي، أُعَُّ بهذه الآيةِ ولا أُقَاتِلُ، أحَبُّ إليَّ من أن أُعَيََّ بهذه الآيةِ التي يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إلى آخِرِها، قال: فإنَّ الله يقول: ﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ قال ابنُ عمرَ: قد فعَلْنا على عَهْدِ رسولِ الله ◌ِّ﴿ إذا كان الإسلامُ قَلِيلاً، فكان الرجلُ يُفْتَنُ في دِينِهِ، إمّا يَقْتُلُونَه وإمّا يوثِقونَه، حتَّى كَثُرَ الإِسلام، فلم تكن فِتْنَةٌ، فلمَّا رَأى أنَّه لا يُوافِقُه فيما يُرِيدُ، قال: فما قولُكَ في عليٍّ وعثمانَ؟ قال ابنُ عمرَ: ما قولي في عليٍّ وعثمانَ؟! أمَّا عثمانُ فكان الله قد عَفا عنه، فكَرِهْتُم أن تَعْفوَ عنه، وأمَّا عليٌّ فابنُ عَمِّ رسولِ الله ◌َِّةِ، وخَتَنُه - وأشارَ بَيَدِه - وهذه ابنَتُهُ - أو بَيْتُهُ - حيثُ تَرَوْنَ. ٤٦٥١- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا زُهَيرٌ، حدَّثنا بيانٌ، أنَّ وبَرَةَ حدَّثه، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ جُبَيٍ، قال: خرج علينا - أو إلينا - ابنُ عمَرَ، فقال رجلٌ: كيفَ تَرَى في قتال الفِتْنِةِ؟ قال: وهل تَذْري ما الفِتْنَة؟ كان محمَّدٌ ◌َِِّ يقاتِلُ المشركينَ، وكان الدُّخولُ عليهم فِتْنَةً، وليس بقِتالِكُم على المُلْكِ. قوله: ((باب ﴿ وَقَائِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾)) سَقَطَ ((باب)) لغیر أبي ذرٍّ. قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن يحيى)) هو البُرُلُّسيُّ، يُكْنى أبا يحيى، صَدُوق، أدرَكَه البخاريّ ولكن روى عنه بواسطةٍ هنا، وفي تفسير سورة الفتح فقط (٤٨٣٧)، وقد تقدَّمت الإشارة إلى حال بَقيَّة الإسناد في تفسير سورة البقرة (٤٥١٤). ٣١٠ سورة الأنفال / ح ٤٦٥٠-٤٦٥١ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عن ابن عمر أنَّ رجلاً جاءه)) تقدَّم في تفسير سورة البقرة ما أخرج سعيد بن منصور من أنَّ السائل هو حِبّان صاحب الدُّثَيْنة(١)، وروى أبو بكر النَّجّاد في ((فوائده)) أنَّه الهَثَم بن حَنَش، وقيل: نافع بن الأزرق، وسأذكرُ في الطَّريق التي بعدَ هذه قولاً آخرَ، ولعلَّ السائلينَ عن ذلك جماعة، أو تَعَدَّدَت القِصّة. قوله: ((فما يَمْنَعُك أن لا تُقاتلَ)) ((لا)) زائدةٌ، وقد تقدَّم تقريره في تفسير الأعراف عندَ قوله: ﴿مَا مَنَّعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾. قوله: (أُعيَّ)) بِمُهمَلٍ وتحتانيَّةٍ ثقيلةٍ للكُشْمِيهنيٍّ في الموضعينِ، ولغيره بفتح الهمزة وسكون الغَين المعجَمة وتخفيفِ المثنّاة الفَوْقائيّة وتشديد الرّاء فيهما، والحاصل أنَّ السائل كان يرى قتال مَن خالَفَ الإمام الذي يَعتَقِد هو طاعَتَه، وكان ابنُ عمر يرى تَرْكَ القتال فيما يَتَعلَّق بالمُلكِ، وسيأتي مزيد من ذلك في كتاب الفتن (٧٠٩٥). قوله: ((فكان الرجل يُفْتَنُ في دينه، إمّا يَقْتُلُوه وإمّا يُوثِقُوه)) كذا للأكثرِ، وَزَعَمَ بعض الشُّاح أنَّه غَلَطٌ، وأنَّ الصَّواب بإثبات النُّون فيهما، لأنَّ ((إمّا)) التي تَجِزِم هي الشَّرطيّة وليست هنا شرطيّة. قلت: وهي رواية أبي ذرٍّ، ووُجِّهَت رواية الأكثر بأنَّ النُّون قد تُحذَف بغير ناصب ولا جازِم في لغة شَهيرة، وتقدَّم في تفسير البقرة بلفظ: ((إمّا قَتَلُوهُ وإمّا يُعَذِّبُونَه))(٢). وقد مضى القول فيه هناكَ. وأمَّا قوله: ((فما قولُك في عليّ وعثمان)) فيُؤيِّد أنَّ السائل من الخوارج، فإنَّهم كانوا يَتَوَلَّونَ الشَّيخَيْنِ ويُخطِّئُونَ(٣) عثمان وعليّاً، فَرَدَّ عليه ابن عمر بذِكْر مناقبهما ومَنِزِلَتِهما من النبيِّ وَلَّه، والاعتذار عَّا عابوا به عثمان من الفِرار يومَ أُحُدٍ، فإنَّ الله تعالى صَرَّحَ في القرآن بأنَّه عَفا عنهم، وقد تقدَّم في مناقب عثمان (٣٦٩٨) سؤال السائل لابنٍ عمر عن عثمان وأنَّه فَرَّ (١) تصحف في (س) إلى: حيان صاحب الدثنية. (٢) تحرف في الأصلين و(س) إلى: إما يُعذِّبوه وإما يقتلوه. والتصويب من شرح الحديث (٤٥١٤)، حيث ضبطه الحافظُ هناك. (٣) في (س): ويحطون. ٣١١ سورة الأنفال / ح ٤٦٥٠-٤٦٥١ كتاب التفسير يوم أُحُدٍ وغابَ عن بدر وعن بيعة الرِّضوان، وبيان ابن عمر له عُذر عثمان في ذلك، فيحتمل أن يكون هو السائل هنا،/ ويحتمل أن يكون غيره، وهو الراجح، لأنَّه لم يَتعرَّض ٣١١/٨ هناكَ لِذِكْر عليّ، وكأنَّه كان رافضيّاً، وأمَّا عَدَم ذِكْره للقتال فلا يقتضي التعدُّد لأنَّ الطَّريق التي بعدَها قد ذكر فيها القتال ولم يَذكُر قِصّة عثمان، والأولى الحَمل على التعدُّد، لاختلاف الناقلينَ في تسمية السائلينَ وإن انَّحَدَ المسؤول ، والله أعلم. قوله: ((فكَرِهتُم أن تَعْفُوا عنه)) بالمثنّاة الفَوْقانيَّة (١) وبصيغة الجمع، ومضى في تفسير البقرة بلفظ: أن يَعْفُوَ، بالتَّحتانيَّة أوَّله والإفراد، أي: الله. وقوله ((وهذه ابنَتُهُ أو بَيْتُه)) كذا للأكثرِ بالشكِّ، ووافَقَهم الكُشْمِيهنيُّ، لكن قال: أو أبْيُّتُه، بصيغة جمع القِلّة في البيت، وهو شاذَّ، وقد تقدَّم في مناقب عليّ (٣٧٠٤) من وجه آخرَ بلفظ: فقال: هو ذاكَ بيتُه حيث تَرَون أوسَط بُيوت النبيّ ◌َّهِ. وفي رواية النَّسائيِّ: ولكِن انظُر إلى مَنْزِلَته من نبيّ الله ◌ََّ، ليس في المسجد غير بيته. وهذا يدلَّ على أنَّه تَصَخَّفَ على بعض الرُّواة بيتُه، فقرأها: بنتَه، بموخَّدةٍ ثمَّ نون، ثمَّ طَرأ له الشكّ فقال: بنته أو بيته، والمعتمد أنَّه البيت فقط، لمَا ذَكَرنا من الرِّوايات المصَرِّحة بذلك. وتقدَّم أيضاً في مناقب أبي بكر (٣٦٥٤) أشياء تتعلّق ببیتِ عليّ، واختصاصه بگوْنِه بینَ بيوت أزواج النبيّ ◌َلّ. قوله: ((حدَّثنا أحمد بن يونس)) هو أحمد بن عبد الله بن يونس، نُسِبَ لجدِّه، وشيخه زُهَير: هو ابن معاوية الجُعْفيّ، وشيخه بيان: هو ابن بشر، وشيخه وبَرة، بفتح الواو والموحّدة: هو ابن عبد الرَّحمن. قوله: ((فقال رجل: كيفَ تَرَى في قتال الفِتْنة)) وَقَعَ في رواية البيهقيِّ (١٩٢/٨) من وجه آخرَ عن أحمد بن يونس شيخ البخاريّ فيه: يُقالُ له: حَكيم، وكذا في ((مُستَخرَج أبي نُعَيم)) من وجه آخرَ عن زُهَير بن معاوية، والحديث المذكور مختصر من الذي قبلَه، أو هما واقعتان، کما تقدَّمتِ الإشارة إليه. (١) كذا ضبطه الحافظ، وكذلك العيني والقسطلّاني بتاء الخطاب للجمع، والذي في اليونينية دون حكاية خلاف بالتحتانية بصيغة الإفراد، أي: الله. ٣١٢ سورة الأنفال / ح ٤٦٥٢ فتح الباري بشرح البخاري ٦- بابٌ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ﴾ الآية [الأنفال: ٦٥] ٤٦٥٢- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: لمَّا نزلت: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِْتَتَيْنَّ وَإِن يَكُن مِنكُم مِّئَةٌ﴾، فَكُتِبَ عليهم أن لا يَفِرَّ واحدٌ من عَشَرةٍ - فقال سفيانُ غيرَ مَرَّةٍ: أن لا يَفِرَّ عِشْرونَ من مئتين - ثُمَّ نزلت: ﴿الْكَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنْكُمْ ﴾ الآية، فكَتَبَ أن لا يَفِرَّ متةٌ من مئتين. وزادَ سفيانُ مرَّةً: نزلت: ﴿حَرْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُنْ مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ﴾. قال سفيانُ: وقال ابنُ شُبْرُمةَ: وأُرَى الأمرَ بالمعروفِ والنَّهْيَ عن المنْكَرِ مِثلَ هذا. [طرفه في: ٤٦٥٣] قوله: ((باب ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ الآيةَ)) ساقَ غيرُ أبي ذرِّ الآيَةَ إلى ﴿يَفْقَهُونَ﴾ وسَقَطَ عندَهم ((باب)). قوله: (عن عمرو» هو ابن دینار. قوله: ((فَكُتِبَ عليهم أن لا يَفِرَّ) أي: فُرِضَ عليهم، والسّياق وإن كان بلفظ الخبر لكنَّ المراد منه الأمر، لأمرَينِ: أحدهما: أنَّه لو كان خَبَراً مَحْضاً لَزِمَ وقوعُ خِلَاف المخبَر به، وهو محال، فدَلَّ على أنَّه أمر. والثّاني: لقَرِينةِ التَّخفيف، فإنَّه لا يقع إلّا بعدَ تكليف. والمراد بالتَّخفيفِ هنا التَّكليفُ بالأخَفِّ لا رفعُ الحُكم أصلاً. قوله: ((أن لا يَفِرَّ واحد من عَشَرة، وقال سُفْيان غيرَ مَّةٍ: أن لا يَفِرَّ عِشْرونَ من مئتَينٍ)) أي: أنَّ سفيان كان يَرويه بالمعنى، فتارةً يقول باللَّفظِ الذي وَقَعَ في القرآن مُحَافَظةً على التِّلاوة، ٣١٢/٨ وهو الأكثر، وتارةً يَرويه بالمعنى، / وهو أن لا يَفِرَّ واحد من العشرة. ويحتمل أن يكونَ سمعَه باللَّفْظَينِ، ويكون التَّأويل من غيره، ويُؤيِّده الطَّريق التي بعدَ هذه، فإنَّ ذلك ظاهر في أنَّه ٣١٣ سورة الأنفال / ح ٤٦٥٣ كتاب التفسير من تَصَرُّف ابن عبّاس. وقد روى الطَّبَريُّ (٣٧/١٠-٣٨) من طريق ابن جُرَيج عن عَمْرو بن دينار عن ابن عِبَّاس قال: جُعِلَ على الرجل عشرة من الكفَّار، ثمَّ خُفِّفَ عنهم فجُعِلَ على الرجل رجلان. وروى أيضاً الطََّرِيُّ من طريق عليّ بن أبي طلحة، ومن طريق العَوْفِيِّ وغيرهما، عن ابن عبَّاس، نحوه مُطوَّلاً ومختصراً. قوله: ((وزادَ سُفْيان)) كأنَّه حدَّث مرَّةً بالزيادة ومرَّةً بدونها. وقد روى ابن مَرْدويه من طريق محمَّد بن مسلم عن عَمْرو بن دينار عن ابن عبّاس قال: كان الرجل لا ينبغي له أن يَفِرّ من عشرة، ثمَّ أَنزَلَ الله ﴿ اَلْثَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيةَ، فجُعِلَ الرجل منهم لا ينبغي له أن يَفِرّ من اثنَينِ. وهذا يُؤيِّد ما قلناه أنَّه من تَصَرُّف ابن عبّاس لا ابن عُيَينَةَ، فكأنَّه سمعَه من عَمْرو بن دينار باللَّفْظَينِ، وسأذكرُ ما فيه في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى. قوله: ((قال سُفْيان: وقال ابن شُبْرُمَ)) هو عبد الله قاضي الكوفة. وهو موصول، ووَهمَ مَن زَعَمَ أنَّه مُعلَّق، فإنَّ في رواية ابن أبي عمر عن سفيان عندَ أبي نُعَيم في ((المستَخرَج)): قال سفيان: فذكرتُه لابنِ شُبرُمةَ، فذكر مِثْلَه. قوله: ((وأُرَى الأمر بالمعروفِ والنّهي عن المنْكَر مِثلَ هذا)) أي: أنَّه عندَه في حُكم الجهاد، الجامع ما بينَهما من إعلاء كلمة الحقّ وإخماد كلمة الباطِل. ٧- بابٌ اُلْتَنَ خَفَّفَ اَللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفًا ﴾ الآية ٤٦٥٣- حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الله السُّلَمِيُّ، أخبرنا عبدُ الله بنُ المبارَكِ، أخبرنا جَرِيرُ بنُ حازِمٍ، قال: أخبرني الزُّبَيرُ بنُ الْخِرِّيت، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: لمَّا نزلت: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِانَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذلك على المسلمينَ، حينَ فُرِضَ عليهم أن لا يَفِرَّ واحدٌ من عَشَرةٍ، فجاء النَّخْفِيفُ، فقال: ﴿ الْكَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيَكُمْ ضَعْفَأْ فَإِن يَكُن مِّنْكُمْ مِّأْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِْتَنَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] قال: فلمَّا خَفَّفَ الله ٣١٤ سورة الأنفال / ح ٤٦٥٣ فتح الباري بشرح البخاري عنهم منَ العِدّةِ نَقَصَ منَ الصَّيْرِ بِقَدْرِ ما خُفِّفَ عنهم. قوله: ((باب ﴿ اَلْشَنَ خَفَّفَ اَللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ ضَعْفًا﴾ الآيةَ)) زاد غيرُ أبي ذرٍّ: إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾. قوله: ((أخبَرَني الزُّبَير بن الخِّيت)) بكسرِ المعجَمة وتشديد الرّاء بعدَها تحتانيّةٌ ساكنةٌ ثمّ مُثنّة فوقانيَّة، بصريّ ثقة من صِغار التابعينَ، وقد تقدَّم ذِكرُه في كتاب المظالم (٢٤٧٣). ولجرير بن حازم راوي هذا الحديث عن الزُّبَير بن الخِّيت شيخ آخر، أخرجه ابن مردویه من طريق إسحاق بن إبراهيم بن راهويه في «تفسیرہ) عن وهب بن جَرِیر بن حازم عن أبيه عن محمّد بن إسحاق حدَّثني عبد الله بن أبي نَجِيح عن عطاء عن ابن عبّاس. وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق زياد بن أيوب عن وَهْب بن جَرِير عن أبيه عن الزُّبَير. وهو ممَّا يُؤيِّد أنَّ لجرير فيه طريقين. ولفظ رواية عطاء: افتَرَضَ الله عليهم أن يقاتلَ الواحدُ عشرةً، فشَقَّ عليهم، فَوَضَعَ الله عنهم إلى أن يقاتلَ الواحدُ الرجلينِ، ثمَّ ذكر الآية. وزاد بعدها: ثمَّ قال: ﴿لَوْلاَ كِنَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، فذكر تفسيرها، ثمَّ قال ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىّ أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىَّ﴾ [الأنفال: ٧٠]، فذكر قول العباس في العشرينَ، وفي قوله: فأعطاني عشرينَ عبداً كلّهم قد تاجَرَ بمالي معَ ما أرجوه من مَغفِرة الله تعالى. قلت: وفي سند طريق عطاء محمّد بن إسحاق، وليست هذه القِصّة عندَه(١) مُسنَدةً، بل مُعضَلةٌ، وصنيع إسحاق(٢)، وتَبعَه الطبري (٣٨/١٠) وابن مَرْدويه، يقتضي أنَّها موصولة، والعلم عندَ الله تعالى. قوله: / ((شَقَّ ذلك على المسلمينَ)) زاد الإسماعيليّ من طريق شيبان(٣) بن أبي شَيْبة عن ٣١٣/٨ جَرِير: جَهَدَ الناسَ ذلك وشَقَّ عليهم. قوله: ((فجاء التَّخْفيف)) في رواية الإسماعيليّ: فنزلت الآيةُ الأُخرى. وزاد: ففُرِضَ عليهم (١) انظر ((سيرة ابن هشام)) ٦٧٦/١ -٦٧٧. (٢) في (س): ابن إسحاق. بزيادة لفظة ((ابن))، وهي زيادة مقحمة. والمقصود إسحاق بن راهويه. (٣) تحرف في (س) إلى: سفيان. وشيبان هذا هو ابن فَرُّوخ. ٣١٥ سورة الأنفال / ح ٤٦٥٣ كتاب التفسير أن لا یَفِرَّ رجل من رجلینٍ ولا قوم من مثلیھم. واستُدِلَّ بهذا الحديث على وجوب ثَبات الواحد المسلم إذا قاوَمَ رجلينٍ من الكفَّار، وتحريم الفِرار عليه منهما، سواء طَلَباه أو طلبَهما، سواء وَقَعَ ذلك وهو واقف في الصَّفّ معَ العَسكر، أو لم يكن هناكَ عَسكر، وهذا هو ظاهر تفسير ابن عبّاس، ورَجَّحَه ابن الصَّاغ من الشافعيّة، وهو المعتمد، لوُجودِ نَصِّ الشافعيّ عليه في ((الرِّسالة)) الجديدة رواية الرَّبيع، ولفظه - ومن نُسخةٍ عليها خَطّ الرَّبيع نَقَلْتُ - قال بعدَ أن ذكر الآية: أبانَ(١) في كتابه أنَّه وُضِعَ عنهم أن يقومَ الواحد بقتال العشرة، وأثبَتَ عليهم أن يقوم الواحد بقتال الاثنَينِ. ثمَّ ذكر حديث ابن عبّاس المذكور في الباب، وساقَ الكلام عليه. لكنَّ المنفَرِد لو طلباه وهو على غير أُهبةٍ جازَ له التوَلّي عنهما جَزماً، وإن طلبَهما فهَل يَجِرُم؟ وجهان أصحُّهما عندَ المتأخِّرينَ لا، لكن ظاهر هذه الآثار المتظافرة (٣) عن ابن عبّاس يأباه، وهو ترجمان القرآن وأعرَفُ الناس بالمراد. لكن يحتمل أن يكون ما أطلقَه إنَّما هو في صورة ما إذا قاوَمَ الواحدُ المسلمُ من ◌ُملة الصَّفّ في عَسكَر المسلمينَ اثنَينِ من الكفَّار، أمَّا المنفَرِد وحدَه بغير العَسكَر فلا، لأنَّ الجهاد إنَّما عُهِدَ بالجماعة دونَ الشَّخص المنفَرِد. وهذا فيه نظرٌ، فقد أرسَلَ النبيّ وَّل بعض أصحابه سَريَّة وحدَه. وقد استَوعَبَ الطََّرِيُّ وابن مَرْدويه طرق هذا الحديث عن ابن عبّاس، وفي غالبها التَّصريح بمَنع تَوَلّ الواحد عن الاثنَينِ، واستَدَلَّ ابن عبّاس في بعضها بقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] وبقوله تعالى: ﴿فَقَئِلٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ﴾ [النساء: ٨٤]. قوله: «فلمَّا خَفَّفَ الله عنهم من العِدّة نَقَصَ من الصَّبْر» كذا في رواية ابن المبارك، وفي رواية وَهْب بن جَرِير عن أبيه عندَ الإسماعيليّ: نَقَصَ من النَّصر. وهذا قاله ابن عبّاس توقيفاً على ما يَظهَر، ويحتمل أن يكون قاله بطريق الاستقراء. (١) تحرفت العبارة في (س) إلى: بعد أن ذكر للآية آيات. (٢) في (س): المتضافرة، وكلاهما بمعنَّى، أي: المجتمعة. ٣١٦ سورة براءة فتح الباري بشرح البخاري ٩ - سورة براءة ﴿مَرْصَدٍ﴾ [٥]: طريقٍ. ﴿إِلَّا﴾ [٨] الإلُّ: القَرابةُ والذِّمَّةُ والعَهْد. ﴿وَلِيجَةٌ﴾ [١٦]: كلُّ شيءٍ أدْخَلْتَه في شيءٍ. ﴿الشُّقَّةُ ﴾ [٤٢]: السَّفَرُ. الخَبالُ: الفسادُ، والخَبَالُ: الموتُ. ﴿وَلَا نَفْتِنِِّ﴾ [٤٩]: لا تُوَبِّخْني. ﴿كَرْهًا﴾ [٥٣] وكُرْهاً، واحدٌ. ﴿ مُدَخَلًا ﴾ [٥٧]: يُدْخَلونَ فيه. ﴿يَجْمَحُونَ﴾ [٥٧]: يُسرِعُونَ. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَتُ﴾ [٧٠] اثْتَفَكَت: انقَلَبَت بها الأرضُ. ﴿أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]: ألقاه في هُوّةٍ. ﴿عَدْنٍ﴾ [٧٢]: خُلْدٍ، عَدَنْتُ بأرضٍ، أي: أَقَمْتُ، ومِنْه: مَعْدِنٌ، ويقال: في مَعْدِنِ صِدْقٍ: في مَنْبِتِ صِدْقٍ. ﴿اَلْخَوَالِفِ﴾ [٩٣] الخالفُ: الذي خَلَفَني فقَعَدَ بَعْدي، ومنه: يَخْلُفُه في الغابِرِينَ، ويجوزُ أن يكونَ النِّساءُ مِنَ الخالفةِ، فإن كان ◌َمْعَ الذَّكورِ، فإنَّه لم يُوجَد على تقديرٍ تَجْعِه إلا حَرْفان: فارسٌ وفوارسُ، وهالكٌ في الهَوَالِكِ. ﴿اُلْخَيْرَتِ﴾ [٨٨]: واحدُها خَيرةٌ، وهي الفواضِل. ﴿مُرْجَوْنَ﴾ [١٠٦]: مُؤَخَّرونَ. الشَّفا: الشَّغِيرُ، وهو حَدُّه. والجُرُفُ: ما تَجَرَّفَ منَ السُّيولِ والأَوْدِيةِ. ٣١٧ سورة براءة كتاب التفسير ﴿هَارٍ﴾ [١٠٩]: هائرٍ، يقال: تَهَوَّرَتِ البِتْرُ: إذا انْهَدَمَتْ، وانْهَارَ مثلُهُ. ﴿لَأَوَّهُ ﴾ [١١٤] شَفَقاً وفَرَقاً، وقال الشاعرُ: إذا ما قُمْتُ أَرحَلُها بِلَيلِ تَأوَّهُ آهَةَ الرجلِ الحَزِينِ قوله: ((سورةُ براءة)) هي سورة التوبة، وهي أشهَرُ أسمائها، ولَا أسماءٌ أُخرى تزيد على ٣١٤/٨ العشرة، واختُلِفَ في تَركِ البسملة أوَّلهما، فقيلَ: لأنَّها نزلت بالسَّيفِ، والبسملةُ أمانٌ، وقيل: لأنَّهم لمَّ جَمَعوا القرآن شَكُّوا هل هي والأنفال واحدةٌ أو ثِنْتان، ففَصَلوا بينَهما بسَطِرٍ لا كتابةَ فيه، ولم يَكتُّبُوا فيه البسملة. وروى ذلك ابنُ عبّاس عن عثمان، وهو المعتمَد، وأخرجه أحمد (٣٩٩)، والحاكم (٢/ ٢٢١ و٣٣٠)، وبعض أصحاب السُّنَن(١). قوله: (﴿مَرْصَدٍ﴾: طريقٍ)) كذا في بعض النُّسَخِ، وسَقَطَ للأكثرِ، وهو قول أبي عُبيدة قال في قوله تعالى: ﴿وَقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، أي: على كلّ طريق، والمراصد: الطُّرق. قوله: ((﴿إِلَّ﴾ الإُلُّ: القَرابُ والذِّةُ والعَهْد)» تقدَّم في الجِزية(٢). قوله: (﴿وَلِيجَةُ﴾: كلّ شيء أدْخَلْتَه في شيء)) تقدَّم في بَدْء الخلق(٣). وسَقَطَ هو والذي قبلَه لأبي ذرٍّ. قوله: (﴿الشُقَّةُ﴾: السَّفَرِ)) هو كلام أبي عُبيدة، وزاد: البعيد. وقيل: الشُّقّة: الأرض التي يَشُقُّ سُلوكُها. قوله: ((الخَبالُ: الفساد)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا # [التوبة: ٤٧]: الخَبَالُ: الفساد. قوله: ((والخَبَالُ: الموت)) كذا لهم، والصَّواب المُوتَةُ، بضمِّ الميم وزيادة هاء في آخره: وهو ضَرْب من الجنون. (١) أبو داود (٧٨٦) و (٧٨٧) والترمذي (٣٠٨٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧٩٥٣). وإسناده ضعيف. (٢) بين يدي الحديث رقم (٣١٦٣). (٣) في ((باب في النجوم)) بعد الحديث (٣١٩٨). ٣١٨ سورة براءة فتح الباري بشرح البخاري قوله: (﴿وَلَا نَفْتِنِّيَّ﴾: لا توَبِّخْني)) كذا للأكثرِ، بالموخَّدة والخاء المعجمة، من التوبيخ، وللمستَمْلي والجُرجانيِّ: تُوهِنِّي، بالهاءِ وتشديد النُّون من الوَهَن: وهو الضَّعف، ولابنِ السَّكَن: تُؤَثِّمْني، بمُثلَّئةٍ ثقيلة وميم ساكنة، من الإثم، قال عياض: وهو الصَّواب، وهي الثّابتة في كلام أبي عبيدة الذي يُكثِرِ المصنّ النَّقل عنه. وأخرجه الطَّبَرِيُّ (١٤٩/١٠) من طريق سعيد عن قَتَادة في قوله: ﴿وَلَا نَفْتِنِّيِ ﴾ قال: لا تُؤَثِّمني ﴿أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾: ألا في الإثمِ سَقَطوا. قوله: (﴿كَرْهًا﴾ وكُرْهاً، واحدٌ)) أي: بالضَّمِّ والفتح، وهو كلام أبي عُبيدة أيضاً، وسَقَطَ لأبي ذرٍّ، وبالضَّمِّ قرأ الكوفيّونَ حمزة والأعمَش ويحيى بن وَثّاب والكِسائيّ، والباقونَ بالفتح. قوله: (﴿ مُذَّخَلَا ﴾: يُدخَلونَ فیهِ)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿مَلْجَنًا ﴾ يَلْجؤون إليه ﴿أَوْ مَغَرَتٍ أَوْ مُدَّخَلًا ﴾ يُدخَلونَ فيه ويَتغيَّونَ. انتهى، وأصل ﴿مُذَّخَلًا ﴾ مُدْتَلاَ، فَأُدغِمَ، وقرأ الأعمَش وعيسى بن عمر بتشديد الخاء أيضاً، وقرأ ابن كثير في رواية: مَدخَلاً، بفتحَتَينِ بینھما سكون. قوله: (﴿يَجْمَحُونَ﴾: يُسرِعونَ)) هو قول أبي عبيدة، وزادَ: لا يَرُدّ وجوهَهم شيءٌ، ومنه: فَرَسُ جَوحٌ. قوله: (﴿وَاَلْمُؤْتَفِكَتِ ﴾ اتْتَفَكَت: انقَلَبَت بها الأرضُ)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿وَأَلْمُؤْتَفِكَتِ أَنَهُمْ رُسُلُهُم﴾: هم قوم لوط، انتَفَكَت بهم الأرض، أي: انقَلَبَت بهم. قوله: (﴿أَهْوَى﴾: ألقاه في هوّةٍ» هذه اللَّفظة لم تقع في سورة براءة، وإنَّما هي في سورة النَّجم، ذكرها المصنّف هنا استطراداً من قوله: ﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]. قوله: (﴿عَدْذٍ﴾: خُلْدٍ)) إلى آخره، واقتَصَرَ أبو ذرٍّ على ما هنا، قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿جَثَّتِ عَدٍّ﴾، أي: خُلِدٍ، يقال: عَدَنَ فلانٌ بأرضٍ كذا، أي: أقامَ، ومنه: المعدن، عَدَنْتُ بأرضٍ: أقَمتُ، ويقال: في مَعدِن صِدقٍ: في مَنِت صِدْق. قوله: ((﴿اَلْخَوَالِفِ﴾: الخالف: الذي خَلَفَنِي فَقَعَدَ بَعْدي، ومنه: يَخْلُّفه في الغابرينَ)) قال ٣١٩ سورة براءة كتاب التفسير أبو عُبيدة في قوله: ﴿مَعَ الْخَلِفِينَ﴾: الخالف: الذي خَلَفَ بعدَ شاخص فقَعَدَ في رَحْله، وهو مَن تَخَلَّفَ عن القوم، ومنه: اللهمَّ اخلُفني في ولدي. وأشارَ بقوله: ومنه: يَخْلُفه في الغابرينَ. إلى حديث عَوف بن مالك في الصلاة على الجنازة(١). قوله: ((ويجوز أن يكون النِّساءُ من الخالِفة، فإن كان ◌َمْعَ الذُّكور، فإِنَّه لم يُوجَد على تقدير جَمِعِه إلّا حَرْفان: فارسُ وفوارسُ، وهالكٌ في الهَوَالِكِ)) قال أبو عبيدة في قوله: ﴿رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ﴾: يجوز أن يكون الخوالف هاهنا النِّساء، ولا يَكادونَ يَجِمعونَ الرِّجال على فَواعِل، غيرَ أنَّهم قد قالوا: فارس وفوارس، وهالك وهوالك. انتهى. وقد استدركَ علیه ابن مالك: شاهق وشواهق، وناكِس ونَواكِس، وداچِن ودواچِن، وهذه الثلاثة معَ الاثنَينِ جمع فاعل، وهو شاذٌ، والمشهور في فواعِل أنه جمع فاعلة، فإن كان من صفة النِّساء فواضح، وقد تُحذَف الهاء في صفة المفرَد/ من النِّساء، وإن كان من صفة ٣١٥/٨ الرِّجال فالهاء للمبالَغة يقال: رجل خالِفة لا خير فيهِ. والأصلُ في جمعِه بالنّونِ. واستَدرَكَ بعض الشُّاح على الخمسة المتقدِّمة: كاهِل وكَواهل، وجامح وجوامح(٢)، وغارِب وغَوارب، وغاشٍ وغَواشٍ، ولا يَرِد شيء منها، لأنَّ الأوَّلَينِ لَيسا من صفات الآدَمَيّينَ، والآخَرين جمع غارِبة وغاشية، والهاء للمبالَغة إن وُصِفَ بها المذَكَّر، وقد قال المَبَرّدُ في ((الكامل)) في قول الفَرَزدَق: وإذا الرِّجالُ رأوا يَزِيدَ رأَيتَهم خُضْعَ الرِّقابِ نَواكِسَ الأذقانِ(٣) احتاجَ الفَرَزَق لضَرُورة الشِّعر فأجرَى (نَواكِس)) على أصله، ولا يكون مِثلُ هذا أبداً إلّا (١) أخرجه مسلم (٩٦٣). (٢) وقع في الأصلين و(س): وجانح وجوانح، غير أنه في (س) بالهمز بدل النون، وأهمل في (ع)، فلم يظهر، وإنما أثبتنا جامح وجوامح، لأنه لم يرد في لسان العرب جائح مفرد جوائح، ولا جانح مفرد جوانح، لكن جاء وصفُ جامح، وأنه يستعمل للفرس، الذكر والأنثى فيه سواء، والله تعالى أعلم. (٣) كذا في (ع) و(س): الأذقان، ولم يرد البيت برُمّته في (أ)، والصحيح: الأبصار، لأن القصيدة رائية. انظر: ((الأغاني)) ٣٤٦/٢١. ٣٢٠ سورة براءة فتح الباري بشرح البخاري في ضَرُورةٍ، ولا تَجمَع النُّحاة ما كان من فاعل نَعتاً على فواعِل، لثَّا يَلتَبس بالمؤنَّثِ. ولم يأتِ إذاً(١) إلّا في حرفَينِ: فارس وفوارس، وهالك وهَوالك. أمَّا الأوَّل: فإنَّه لا يُستَعمَل في المؤنّث(٢)، فأُمِن فيه اللَّبس، وأمَّا الثّاني: فلأنَّه جَرَى مَجَرَى المَثَل، يقولون: هالكٌ في الهوالك، فأجرَوه على أصله لكَثْرة الاستعمال. قلت: فَظَهَرَ أنَّ الضّابط في هذا أن يُؤْمَنَ اللَّبسُ، أو يَكثُرَ الاستعمال، أو تكون الهاء للمبالَغة، أو يكون في ضَرُورة الشِّعر، والله أعلم. وقال ابن قُتَيبة: الخوالف: النِّساء، ويقال: خِساسُ الناسِ(٣) ورُذاَتُهم، ويقال: فلان خالِفةُ أهلِه: إذا كان دَنِيّاً(٤) فيهم. والمراد بالخوالفِ في الآية: النِّساء والرِّجال العاجِزونَ والصِّبيان، فجُمِعَ جمعَ المؤنَّث تَغليباً لكَوْنِنَّ أكثرَ في ذلك من غيرهنَّ. وأمَّا قوله: ﴿مَعَ الْخَلِفِينَ﴾ فجُمِعَ جمعَ الذُّكور تَغليباً، لأنَّه الأصل. قوله: ((﴿اُلْخَيْرَتُ﴾: واحدُها خَيرةٌ، وهي الفواضل)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿وَأَوْلَِّكَ لَهُمُ اْخَيْرَتُ﴾: جمع خَيرة، ومعناها: الفاضلة من كلّ شيء. قوله: ((﴿مُرْجَوْنَ﴾: مُؤَخَّرونَ)) سَقَطَ هذا لأبي ذرٍّ. قوله: ((الشَّفا: الشَّغيرُ، وهو حَدُّه)» في رواية الكُشْمِيهنيِّ: وهو حَرْفُه. قوله: ((والجُرُفُ: ما تَجَرَّفَ من السُّيول والأوْدية)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿عَلَى شَفَاجُرُفٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] الشَّفا: الشَّغير، والجُرُفُ: ما لم يُبْنَ من الرَّكايا، قال: والآية على التَّمثيل، لأنَّ الذي يُبْنَى على الكفر فهو على شَفا جُرُف، وهو ما تَجَرَّفَ من السُّيول والأودية، ولا يَثْبُتُّ البناء عليه. قوله: (﴿هَارٍ﴾: هائرِ، يقال: تَهَوَّرَت البثْر: إذا انهَدَمَت، وانهارَ مِثلُه)) قال أبو عبيدة في (١) تحرف في (س) إلى: ذا. (٢) تحرف في (س) إلى: المفرد. (٣) تحرف في (س) إلى: النساء. (٤) تصحف في (س) إلى: دينا، بتقديم الياء.