Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ سورة المائدة كتاب التفسير بِسْمِ اللَّهِالرَّحْنِ الرَّحِيمِ ٥ - سورة المائدة ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ﴾ [١٣]: فِنَقْضِهم. ﴿الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ﴾ [٢١]: جَعَلَ الله. .: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [١]، واحدُها حَرامٌ. ﴿تَبُوَأَ﴾ [٢٩]: تَحمِل. ﴿دَابِرَةٌ﴾ [٥٢]: دَوْلةٌ. وقال غيرُه: الإغراءُ: التَّسْلِيطُ. ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ [٥]: مُهورَهُنَّ. ﴿عُثِرَ﴾ [١٠٧]: ظَهَرَ، ﴿الْأَوْلَيَنِ﴾: واحدُها أَولَى. ﴿مَخْمَصَةٍ ﴾ [٣]: تَجَاعةٍ. ((مَن أَحْياها)) [٣٢]: يعني مَن حَرَّم قَتْلَها إلا بحَقٌّ حَيِيَ النَّاسُ منه جميعاً. قال سفيانُ: ما في القُرآنِ آيَةٌ أشَدُّ عليَّ من ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [٦٨]. ﴿شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجًا﴾ [٤٨]: سَبِيلاً وسُنَّةً. المُهَيمِنُ [٤٨]: الأمِينُ، القرآنُ أمِينٌ على كلِّ كتابٍ قبلَه. قوله: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّْنِ الرَّحِيمِ - سورة المائدة)) سَقَطَت البسملة لأبي ذرٍّ، والمائدة: فاعلة بمعنى مفعولة، أي: مِيدَ بها صاحبُها، وقيل: على بابها، وسيأتي ذِكْر ذلك مُبِيَّناً بعدُ(١). قوله: ((﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾: فِنَقْضِهم)) هو تفسير قَتَادة، أخرجه الطَّبَرُّ (٦/ ١٥٤) من طريقه، وكذا قال أبو عُبيدة ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ أي: فينَقْضِهم، قال: والعرب تَستَعمِل (ما)) (١) عند ((باب قوله: ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيَرَةٍ وَلَا سَآَيِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾)) بين يدي الحديث (٤٦٢٣). ٢٢٢ سورة المائدة فتح الباري بشرح البخاري ٢٦٩/٨ في كلامها توكيداً، فإن كان الذي قبلها يَجُرّ أو يَرفَع أو يَنْصِب/ عَمِلَ فيما بعدها. قوله: (﴿الَّتِى كَنَبَ اللَّهُ﴾: جَعَلَ الله))، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿يَقَوْمِ أَدْ خُلُواْ اُلْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: جَعَلَ الله لكُم وقَضَى، وعن ابن إسحاق: كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: وَهَبَ لكم، أخرجه الطَّبَريّ (٦/ ١٧٣)، وأخرج من طريق السُّدّيِّ أنَّ معناه: أمَرَ، قال الطَّبَرِيُّ: والمراد أنَّه قَدَّرَها لسُكنَى بني إسرائيل في الجملة، فلا يَرِد کَوْن المخاطَبين بذلك لم يَسكُنوها، لأنَّ المراد چِنسُهم، بل قد سَكَنَها بعض أولئكَ كَيُوشَع، وهو مَمَّن خوطِبَ بذلك قطعاً. قوله: ((﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، واحدُها حَرام)) هو قول أبي عُبيدة، وزادَ: حَرامٌ بمعنى مُرِم. وقرأ الجمهور بضمِّ الرّاء، ويحيى بن وثّاب بإسكانها، وهي لغة كَرُسُلٍ ورُسْل(١). قوله: ((﴿َتَبُوَأَ﴾: تَحمِل)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِثْمِى وَإِنْكَ﴾ أي: تَحمِل إثمي وإثمَك. قال: وله تفسير آخر: تَبوء، أي: تُقِرّ، وليس مراداً هُنا. وروى الطَّبَرِيُّ (١٩٣/٦) من طريق مجاهد قال: ﴿إِّ ◌ُرِيدُ أَن تَبُوَأَ﴾: أن تكون عليك خطيئتك ودَمي، قال: والجمهور على أنَّ المراد بقوله: ((إثمي))، أي: إثم قتلي، ويحتمل أن يكون على بابه من جهة أنَّ القتل يَمحُو خَطايا المقتول، وتُحمَل على القاتل إذا لم تكن له حسنات يوفّی منها المقتول. قوله: ((وقال غيره: الإغراء: التَّسْليط)) هكذا وَقَعَ في النُّسَخ التي وقَفَتُ عليها، ولم أعرِف الغير ولا مَن عادَ عليه الضَّمير، لأنَّه لم يُفصِح بنَقْلِ ما تقدَّم عن أحد، نعم سَقَطَ: ((وقال غيره)) من رواية النَّسَفيِّ، وكأنَّه أصوَب، ويحتمل أن يكون المعنى: وقال غير مَن فَسَّرَ ما تقدَّم ذِكرُه، وفي رواية الإسماعيليّ عن الفِرَبْريِّ بالإجازة: ((وقال ابن عبّاس: ◌َخَمَصة: مَجاعة. وقال غيره: الإغراء: التَّسليط)) وهذا أوجَه، وتفسير المخمَصة وَقَعَ في النَّسَخ الأخرى بعد هذا، وقد (١) ذكر ذلك ابن جِنِّي في ((المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات)) ٢٠٥/١، وزاد نسبة هذه القراءة إلى الحسن البصري وإبراهيم النخعي، وقال: هذه اللغة تميمية، تقول في رُسُل: رُسْل. ٢٢٣ سورة المائدة كتاب التفسير وَصَلَه ابن أبي حاتم(١) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، وكذا فَسَّرَه أبو عُبيدة، والحاصل أنَّ التَّقديم والتَّأخير في وضع هذه التَّفاسير وَقَعَ مِن نُسَّاخ كتاب البخاريّ كما قَدَّمناه غير مرَّة، ولا يَضُرّ ذلك غالباً. وتفسير الإغراء بالتَّسليطِ بلازمٍ(٢) معنى الإغراء، لأنَّ حقيقة الإغراء كما قال أبو عُبيدة: التَّهييج للإفساد، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد في قوله: ﴿فَأَغْرَيَّنَا﴾ قال: ألقَينا، وهذا تفسير بما وَقَعَ في الآية الأُخرى. قوله: (﴿أُجُورَهُنَّ﴾: مُهورَهنَّ)) هو تفسير أبي عبيدة. قوله: ((﴿عُثِرَ﴾: ظَهَرَ، ﴿الْأَوْلَيَنِ﴾: واحدُهما أَوْلَى)) أي: أحقّ به طعامهم وذَبائحهم، كذا ثَبَتَ في بعض النُّسَخ هنا، وقد تقدَّم في الوصايا(٣) إلّا الأخير فسيأتي في الذَّبائح. قوله: ((مَن أَحْياها: يعني: مَن حَرَّمَ قَتْلها إلّا بحَقِّ حَبيَ الناسُ منه جميعاً)) وصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس. قوله: ((وقال سُفْيان: ما في القرآن آيةٌ أشَدُّ عليَّ من ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَةَ وَالْإِنِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾)) يعني: أنَّ مَن لم يعمل بما أَنزَلَ الله في كتابه فليس على شيءٍ، ومُقتَضاه أنَّ مَن أخَلَّ ببعضِ الفرائض فقد أخَلَّ بالجميع، ولأجلِ ذلك أطلقَ كَوْنها أشدّ من غيرها، ويحتمل أن يكون هذا ما كان على أهل الكتاب من الإصْر. وقد روى ابن أبي حاتم (٢٤٨/١) أنَّ الآية نزلت في سبب خاصّ، فأخرج بإسنادٍ حسن من طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: جاء مالك بن الصَّيف وجماعة من الأحبار، فقالوا: يا محمَّد ألست تَزعُم أنَّك على مِلّة إبراهيم، وتُؤمِن بما في التوراة، تَشهَد أَّهَا حَقّ؟ قال: ((بَلَى، ولكنَّكُمْ كَتَمْتُم منها ما أُمِرتُم ببيانه، فأنا أبرأ ممَّا أحدَ ثْتُموه))، قالوا: فإنّا نَتَمَسَّك بما في أيدينا من الهُدَى والحقّ، ولا نُؤمِن بك ولا بما جِئت به، فأنزَلَ الله هذه الآية. (١) في («تفسيره)) ٦ /١٩٠٨، لكن في المطبوع منه: عن الضحاك عن ابن عباس، وليس من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، والله أعلم. (٢) تصحفت في (س) إلى: يُلازم. (٣) بین یدي الحدیث رقم (٢٧٨٠). ٢٢٤ سورة المائدة / ح ٤٦٠٦ فتح الباري بشرح البخاري ٢٧٠/٨ وهذا يدلُّ على أنَّ المراد بـ((ما أُنزِلَ إليكم / من رَبِّكُم)) أي: القرآن، ويُؤيِّد هذا التَّفسير قوله تعالى في الآية التي قبلها: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ﴾ إلى قوله: ﴿لَأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ الآية [المائدة: ٦٠ -٦٦]. تنبيه: سفيان المذكور وَقَعَ في بعض النُّسَخ أنَّه الثَّوريّ، ولم يقع لي إلى الآن موصولاً (١). قوله: ((﴿شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجًا﴾: سَبيلاً وسُنّة)) وقد تقدَّم في الإيمان(٢). وقال أبو عُبيدة: ﴿َلِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ﴾ أي: سُنّة ﴿ وَمِنْهَاجًا﴾ أي: سبيلاً بَيِّناً واضحاً. قوله: ((المُهَيمِنُ: الأمينُ، القرآن أمين على كلّ كتاب قبله)) أورَدَ ابن أبي حاتم (٤/ ١١٥٠) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] قال: القرآن أمین علی کلّ کتاب كان قبله. وروى عبد بن حُميدٍ من طريق أربَدة الثَّميميّ عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قال: مُؤتَمَناً عليه. وقال ابن قُتَِّبة وتَبِعَه جماعة: مُهيمِن: مُفَيعِل من أيمَن، قُلِبَت همزتُه هاءً، وقد أنكَرَ ذلك تَعلَب فبالَغَ حتَّى نَسَبَ قائله إلى الكفر، لأنَّ المهَيمِن من الأسماء الحُسنَى، وأسماء الله تعالى لا تُصَغَّر، والحقّ أنَّه أصل بنفسِه ليس مُبدَلاً من شيء، وأصل الهَيَمَنة: الحِفظ والارتقاب، تقول: هَيمَنَ فلان على فلان: إذا صارَ رَقيباً عليه فهو مُهَيمِن، قال أبو عُبيدة: لم يَجِئ في كلام العرب على هذا البناء إلّا أربعة ألفاظ: مُبَيطِرٍ ومُسَيطِرٍ ومُهَيمِن ومُبَيَقِر. ١ - باب قوله: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٧] وقال ابنُ عبَّاسٍ ﴿مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣]: مجاعةٍ. ٤٦٠٦ - حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ، حدَّثنا سفيانُ، عن قيسٍ، عن طارقٍ (١) لكن سبق للحافظ نفسه رحمه الله أن سمّاه في كتاب الرقاق: باب الرجاء مع الخوف، قبل الحديث رقم (٦٤٦٩): سفيان بن عيينة، وكذلك فعل العيني رحمه الله في ((عمدة القاري)) ٦٦/٢٣. (٢) في الباب الأول. ٢٢٥ سورة المائدة / ح ٤٦٠٦ كتاب التفسير ابنِ شِهابٍ: قالت اليهودُ لِعِمرَ: إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ آيَةً لو نزلت فينا لاتَّخِذْناها عِيداً، فقال عمرُ: إنّي لَأَعلمُ حيثُ أُنزِلَت، وأينَ أُنزِلَت، وأينَ رسولُ اللهِ وَّهِ حيثُ أُنزِلَت: يومَ عَرَفَةَ، وإِنّا والله بِعَرَفَةَ، قال سفيانُ: وأشُكُّ كان يومَ الجُمُعةِ أم لا ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ قوله: ((باب قوله: ﴿اَلْيَوْمَ أَكَمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾)) سَقَطَ ((باب)) لغیر أبي ذرٍّ. قوله: ((وقال ابن عبّاس: تَخْمَصة: مَجاعة)) كذا ثَبَتَ لغير أبي ذرِّ هنا، وتقدَّم قريباً. قوله: ((حدَّثْنا عبد الرَّحمن)» هو ابن مَهديّ. قوله: ((عن قَيْس)) هو ابن مُسلم. قوله: ((قالت اليهود)» في رواية أبي العُمَيسِ عن قيس في كتاب الإيمان (٤٥): أنَّ رجلاً من اليهود، وقد قدَّمتُ تسميته هناكَ وأنَّه كعب الأحبار، واحتَمَلَ أن يكون الراوي حيثُ أَفَرَدَ السائل أراد تعيينه، وحيثُ جَمَعَ أراد باعتبار مَن كان معه على رأيه، وأطلقَ علی کعب هذه الصِّفة إشارة إلى أنَّ سؤاله عن ذلك وَقَعَ قبل إسلامه، لأنَّ إسلامه كان في خلافة عمر على المشهور، أو أُطلقَ عليه ذلك باعتبار ما مضى. قوله: ((إنّ لَأعلم)) وَقَعَ في هذه الرّواية اختصار، وقد تقدَّم في الإيمان من وجهٍ آخر عن قَيْس بن مُسلم: فقال عمر: أيُّ آية ... إلى آخره(١). :. قوله: ((حيثُ أُنزِلَت، وأينَ أُنزِلَت)) في رواية أحمد (٢٧٢) عن عبد الرّحمن بن مَهديّ: ((حيثُ أُنزِلَت، وأيّ يومٍ أُنزِلَت)). وبها يَظْهَر أن لا تَكرار في قوله: حیثُ وأینَ، بل أراد بإحداهما المكان، وبالأُخرى الزَّمان. قوله: ((وأينَ رسول الله وَلِ﴿ حيثُ أَنْزِلَت يوم عَرَفة)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: ((حين)) بَدَل ((حيث))، وفي رواية أحمد (٢٧٢): ((وأين رسول الله وَّل﴿ حين أُنزِلَت، أُنزِلَت يوم عَرَفة)» بتكرار: (أُنزِلَت)) وهي أوضَح، وكذا لمسلمٍ (٣/٣٠١٧) عن محمَّد بن المثَنَّى عن عبد الرَّحمن (١) هي رواية أبي العميس عن قيس بن مسلم السالفة برقم (٤٥). ٢٢٦ سورة المائدة / ح ٤٦٠٦ فتح الباري بشرح البخاري في الموضعينِ. قوله: ((وإنّا والله بعَرَفة)) كذا للجميع، وعند أحمد: ((ورسول الله وَّل واقف بعَرَفة)) وكذا لمسلم، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق محمَّد بن بشَّار بُندار شيخ البخاريّ فيه. قوله: «قال سُفْیان: واشُّ کان یوم الجمعة أم لا)) قد تقدَّم في الإیمان (٤٥) من وجه آخر عن قيس بن مسلم الجزم بأنَّ ذلك كان يوم الجمعة، وسيأتي الجزم بذلك من رواية مِسعَر عن قيس في كتاب الاعتصام (٧٢٦٨)، وقد تقدَّم في كتاب الإيمان بيان مطابقة جواب عمر للسُّؤال، لأنَّه سألَه عن التّخاذه عيداً فأجابَ بنزولها بعَرَفة يوم الجمعة، ومُحصّله أنَّ في بعض الرِّوايات: وكلاهما بحَمدِ الله لنا عيد(١)، قال الكِرْمانيُّ: أجابَ بأنَّ النُّزول كان يوم ٢٧١/٨ عَرَفة، ومن المشهور أنَّ اليوم الذي بعد عَرَفة هو عيد للمسلمينَ، فكأنَّه قال: / جَعَلناه عيداً بعد إدراكنا استحقاق ذلك اليوم للتَّعَبُّدِ فيه، قال: وإنَّما لم يجعله يوم التُّزول؛ لأنَّه ثَبَتَ أنَّ التُّرول كان بعد العصر، ولا يَتَحقَّق العيد إلّا من أوَّل النَّهار، ولهذا قال الفقهاء: إنَّ رُؤية الهلال نهاراً تكون للَّيلة المستقبلة. انتهى، والتَّصيص على أنَّ تسمية يوم عَرَفة يوم عيد يُغني عن هذا التكلُّف، فإنَّ العيد مُشْتَقّ من العَوْد، وقيل له ذلك؛ لأنَّه يعود في كلّ عام. وقد نَقَلَ الكِرْمانيُّ عن الزَّمَشَريِّ أنَّ العيد هو السُّرور العائد، وأقَرَّ ذلك، فالمعنى: أنَّ كلّ يوم شُرِعَ تعظيمه يُسَمَّى عيداً. انتهى، ويُمكِن أن يقال: هو عيد لبعض الناس دون بعض، وهو للحُجّاجِ خاصّة، ولهذا يُكرَه لهم صومه، بخِلَاف غيرهم فُيُستَحَبّ، ويوم العيد لا يُصام. وقد تقدَّم في شرح هذا الحديث في كتاب الإيمان بيان مَن روى في حديث الباب أنَّ الآية نزلت يوم عيد، وأنَّه عند التِّرمِذيّ من حديث ابن عبّاس، وأمَّا تعليله لتَركِ جَعلِه عيداً بأنَّ نزول الآية كان بعد العصر، فلا يَمنَع أن يُتَّخَذ عيداً، ويُعظّم ذلك اليوم من أوَّله لوقوع مُوجِب التَّعظيم في أثنائه، والتَّنظير الذي نَظَّرَ به ليس بمستقيمٍ، لأنَّ مَرجِع ذلك من جهة سَيْر الهلال، وإنّ لَأتعجّبُ من خفاء ذلك عليه. وفي الحديث بيان ضعف ما أخرجه الطََّرِيُّ (٦/ ٨٣) بسندٍ فيه ابن لَهِيعة عن ابن عبّاس: أنَّ (١) سلف تخريج هذه الرواية في الجزء الأول ص٢٢٦. ٢٢٧ سورة المائدة / ح ٤٦٠٦ كتاب التفسير هذه الآية نزلت يوم الاثنينِ، وضَعْفِ ما أخرجه من طريق العَوْفِيِّ عن ابن عبّاس: أنَّ اليوم المذكور ليس بمعلوم، وعلى ما أخرجه البيهقيُّ (١) بسندٍ مُنقَطِع: أنَّها نزلت يوم التَّروية ورسول الله وَ﴿ه بفِناءِ الكعبة فأمَرَ الناس أن يَروحُوا إلى مِنَّى، وصَلَّى الظُّهر بها، قال البيهقيُّ: حديث عمر أولى. وهو كما قال. واستُدِلَّ بهذا الحديث على مَزيَّة الوقوف بعَرَفة يوم الجمعة على غيره من الأيام، لأنَّ الله تعالى إنَّما يختار لرسولِه الأفضل، وأنَّ الأعمال تَشرُف بشَرَفِ الأزمِنة(٢) كالأمكِنة، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وقد ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (٨٥٤) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((خير يوم طَلَعَت فيه الشمس يوم الجمعة)) الحديث، ولأنَّ في يوم الجمعة الساعة المستَجاب فيها الدُّعاء، ولا سيّما على قول مَن قال: إنَّها بعد العصر، وأمَّا ما ذكره رَزِين في «جامعه)) مرفوعاً: ((خير يوم طَلَعَت فيه الشمس يوم عَرَفة وافَقَ يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعينَ حَجّة في غيرها)»، فهو حديث لا أعرِف حاله، لأنَّه لم يَذكُر صَحابيّه ولا مَن أخرجه، بل أدرَجَه في حديث ((الموطَّأ)) (٤٢٢/١) الذي ذكره مُرسَلاً عن طلحة بن عُبيد الله (٣) بن كَرِيزٍ، وليست الزّيادة المذكورة في شيء من ((الموَطَّت)) فإن كان له أصل احتَمَلَ أن يُراد بالسَّبعينَ التَّحديد أو المبالَغة، وعلى كلٍّ منهما فثَبَتَت المزيَّة بذلك، والله أعلم. (١) في ((معرفة السنن والآثار)) له (١٠٠٧١) من طريق الشافعي: أخبرنا ابن أبي يحيى، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن الحسن بن مسلم بن يَنّاق قال؛ فذكره. وهو في ((مسند الشافعي)) ١٥١/١، وقد نقل البيهقي عن أحمد بن حنبل قوله: هذا منقطع، وقال عنه ابن حزم بعد أن ساقه في ((المحلى)) ٣١٥/٥ من طريق ابن أبي يحيى المذكور: هذا خبرٌ موضوع، فيه كل بليّة، إبراهيم بن أبي يحيى مذكور بالكذب متروك من الكل، ثم هو مرسل ... ثم قال: الكذب فيه ظاهر، لأن يوم التروية في حجّة النبي عليه السلام إنما كان يوم الخميس، وكان يوم عرفة يوم الجمعة. ثم ذكر حديث البخاري السالف برقم (٤٥) عن عمر الذي يقول في آخره: وهو (أي: النبي ◌َِّ) قائمٌ بعرفة يوم الجمعة. (٢) تحرفت في (ع) إلى: الأدعية. (٣) تحرفت في الأصلين و(س) إلى: عبد الله. ٢٢٨ سورة المائدة / ح ٤٦٠٧- ٤٦٠٨ فتح الباري بشرح البخاري ٢- باب قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] تَيَمَّمُوا: تَعَمَّدوا، ﴿ءَآمِينَ﴾ [٢]: عامِدِينَ، أَمْتُ وتَيِمَّمْتُ واحدٌ. وقال ابنُ عبَّاسٍ: (لَمَسْتُمْ)) [٦] و﴿تَمَسُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦، والأحزاب: ٤٩] و﴿ الَّتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ [النساء: ٢٣] والإفْضاءُ [النساء: ٢١]: النكاحُ. ٤٦٠٧- حدّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها زَوْجِ النبيِّ وَِّ قالت: خَرَجْنا مَعَ رسولِ الله ◌َِّ في بعضِ أسفاره، حتَّى إذا كنَّا بالبَيداءِ، أو بذات الجيشِ انقَطَعَ عِقْدٌ لي، فأقامَ رسولُ الله وَلَ على التماسِه، وأقامَ الناسُ معه، وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءً، فأتى الناسُ إلى أبي بكرِ الصِّدِّيقِ، فقالوا: ألا تَرَى ما صَنَعَت عائشةُ، أقامَت برسولِ اللهِوَ له وبالناسِ، وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءٌ، فجاء أبو بَكْرٍ ورسولُ الله ◌ِوَ له واضحٌّ رأسَه على فخِذي قد نامَ، فقال: حَبَسْتِ رسولَ الله ◌ِلي والناسَ وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءٌ؟ قالت عائشةُ: فعاتَبني أبو بَكْرٍ وقال ما شاءَ الله ٢٧٢/٨ أن يقولَ، وجَعَلَ / يَطْعُنُنِي بَيَدِه في خاصِرَتي، ولا يَمْنَعُني منَ النَّحَرُّكِ إلا مكانُ رسولِ اللهِ وَلـ على فخِذي، فقامَ رسولُ الله وَلَّ حتَّى أصبَحَ على غيرِ ماءٍ، فَأَنزَلَ الله آيَةَ التيمُّم، فقال أُسَيدُ ابنُ حُضَيرٍ: ما هي بأوَّلِ بَرَكَتِكُم يا آلَ أبي بكرٍ، قالت: فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الذي كنتُ عليه، فإذا العِقْدُ تحتَه. ٤٦٠٨ - حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: أخبرني عَمْرُو، أنَّ عبد الرَّحمنِ ابنَ القاسمِ حدَّثه، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: سَقَطَت قِلادةٌ لي بالبيداءِ - ونحنُ داخلونَ المدينةَ - فأناخَ النبيُّ ◌َّهِ ونزلَ فثنَى رأسَه في حَجْري راقداً، أقبَلَ أبو بَكْرٍ فَلَكَزَني لَكْزةً شديدةً، وقال: حَبَسْتِ الناسَ في قِلادةٍ؟ فِيَ الموتُ لمكانِ رسولِ الله وَيُّهَ، وقد أَوْجَعَني، ثُمَّ إِنَّ النبيَّ ◌َهَ اسْتَقَظَ، وحَضَرَتِ الصُّبْحُ، فالتُمِسَ الماءُ فلم يُوجَد، فنزلت ﴿يَتَأَيُّهَا اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ ﴾ الآيةَ [المائدة: ٦]، فقال أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ: لقد بارَكَ الله للنّاسِ فيكم يا آلَ أبي بكرٍ، ما أنتم إلا بَرَكةٌ لهم. ٢٢٩ سورة المائدة / ح ٤٦٠٧-٤٦٠٨ كتاب التفسير قوله: ((باب قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾)) كذا في الأُصول، وزَعَمَ ابن التِّين وتَبَعَه بعض الشُّرّاح المتأخّرِينَ أَنَّه وَقَعَ هنا: ((فَإِن لَمْ تَجِدُوا مَاءَ)) ورُدَّ عليه بأنَّ التِّلاوة: ﴿فَلَمْ تَجِدُ واْ مَآءُ﴾، وهذا الذي أشارَ إليه إنَّمَا وَقَعَ في كتاب الطَّهارة (٣٣٦)، وهو في بعض الرِّوایات دون بعض کما تقدَّم التَّنبیه علیه. قوله: ((تَيمَّموا: تَعَمَّدوا، آمّينَ: عامِدينَ، أَّمْتُ وتَيِمَّمْتُ واحد)» قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا﴾، أي: فتَعَمَّدوا، وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَّ ءَّآمِينَ الْبَيْتَ الْخَرَامَ ﴾، أي: ولا عامدينَ، ويقال: أَمت، وبعضهم يقول: يَمَّمتُ(١)، قال الشّاعر: إنّ كذاكَ إذا ما ساءَني بَلَدٌ يَمَّمتُ صَدْرَ بعيري غيْرَه بَلَدا تنبيه: قرأ الجمهور: ﴿وَلَآ ءَآَمِّيْنَ اُلْبَيْتَ﴾ بإثبات النّون، وقرأ الأعمَشُ بحذفِ النُّون مُضافاً، كقوله: ﴿مُحِلِّى الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١]. قوله: ((وقال ابن عبّاس: لَمَسْتُمْ(٢)، وتَمسّوهُنَّ، واللّاقي دَخَلْتُم بهنَّ، والإفْضاءُ: النِّكاح)) أمَّا قوله: ((لَمَستُم)) فروى إسماعيل القاضي في ((أحكام القرآن)) من طريق مجاهد عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ﴾ قال: هو الجِماع. وأخرجه ابن أبي حاتم (٩٦١/٣) من طريق سعيد بن جُبَير بإسنادٍ صحيح، وأخرجه عبد الرَّزّاق(٣) عن مَعمَر عن قَتَادة عن ابن عبَّاس قال: هو الجماع، ولكن الله يَعِفُّ(٤) ويَكْني. وأمَّا قوله: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ فروى ابن أبي حاتم (٢/ ٤٤٢) من طريق عِكْرمة عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، أي: تَنكِحوهُنَّ. وأمَّا قوله: ﴿دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ فروى ابن أبي حاتم (٩١٢/٣) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿الَّتِ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ قال: الدُّخول: النِّكاح. (١) تحرفت في (س) إلى: تَيمَّمتُ. (٢) سيذكر المصنف القراءات في هذه الكلمة قريباً. (٣) في ((التفسير)) ١/ ١٨٥. (٤) تحرف في (س) إلى: يعفو. ٢٣٠ سورة المائدة / ح ٤٦٠٩ فتح الباري بشرح البخاري وأمَّا قوله: ((والإفضاء)) فروى ابن أبي حاتم (٩٠٨/٣) من طريق بكر بن عبد الله المُزَنِيِّ عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ [النساء: ٢١] قال: الإفضاء: الجِماع. وروى عبد بن محُميدٍ من طريق عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: الملامَسة والمباشَرة والإفضاء والرَّفَث والغَشَيان والجِماع كلّه: النِّكاح، ولكنَّ الله يُكَنّي. وروى عبد الرَّزّاق (١٠٨٢٦) من طريق بكر المُزَنِيِّ عن ابن عبّاس: إنَّ الله حَبِيٌّ كريمٌ يُكَنّي عَّ شاءَ، فذكر مثله، لكن قال: ((التَّغَشّي)) بَدَل الغَشَيان، وإسناده صحيح. قال إسماعيل(١): أراد بالتَّغَشّي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّنْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وسيأتي شيء من هذا في النِّكاح. ٢٧٣/٨ والذي يَتَعلَّق / بالباب قوله: ((لَمَستُمْ)) وهي قراءة الكوفّينَ: حمزة والكِسائيّ والأعمَش ويحيى بن وَثّاب، وخالَفَهم عاصم من الكوفيِّينَ فوافَقَ أهل الحجاز فقَرَؤوا ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ ﴾ بالألفِ، ووافَقَهم أبو عَمْرو بن العلاء من البصريِّين. ثم ذكر المصنِّف حديث عائشة في سبب نزول الآية المذكورة من وجهَينٍ، وقد تقدَّم الكلام عليها مُستَوفَّى في كتاب التيمُّم (٣٣٤)، واستَدَلَّ به على أنَّ قيام اللَّيل لم يكن واجباً عليه ◌َّةِ، وتُعقّبَ باحتمال أن يكون ◌َلِ صَلَّى أوَّلَ ما نزلَ ثمَّ نامَ، وفيه نظر؛ لأنَّ التَّهَجُّد: القيامُ إلى الصلاة بعد هَجعة، نَعَم (٢) يحتمل أنَّه هَجَعَ فلم يَنْتَقِض وُضوؤُه، لأنَّ قلبه لا يَنام، ثمَّ قامَ فصَلَّى ثمَّ نامَ، والله أعلم. ٣- باب قوله: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ٤٦٠٩ - حدّثنا أبو نُعَيم، حذَّثنا إسرائيلُ، عن محارقٍ، عن طارقٍ بنِ شِهابٍ، سمعتُ ابنَ مسعودٍ ﴾، قال: شَهِدْتُ منَ الِقْدادِ (ح) وحدَّثني حَمدانُ بنُ عمرَ، حدَّثنا أبو النَّضْرِ، حدَّثنا الأشجَعيُّ، عن سفيانَ، عن مُخارقٍ، عن (١) تحرفت في (س) إلى: الإسماعيلي، والتصويب من الأصلين، وقد جاء عزو هذا الكلام بعينه الإسماعيل القاضي عند الكيا الهراسي في ((أحكام القرآن)» ٢/ ٤٦٤. (٢) كذا في (ع)، وفي (أ) و(س): ((ثم)). ٢٣١ سورة المائدة / ح ٤٦١٠ كتاب التفسير طارقٍ، عن عبدِ الله قال: قال المِقْدادُ يومَ بَدْرٍ: يا رسولَ الله، إنّا لا نقولُ لكَ كما قالت بنو إسرائيلَ لموسى: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلاَ إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾ ولكنِ امضٍ ونحنُ مَعَكَ. فكأنَّه سُرِّيَ عن رسولِ الله ێ. ورواه وكِيعٌ، عن سفيانَ، عن مُخارقٍ، عن طارقٍ: أَنَّ الِقْدَادَ قال ذلك للنبيِّ ◌َّ. قوله: ((باب قوله: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ﴾)) كذا للمستَمْلِيّ، ولغيره: ((باب فاذهَب ... )) إلى آخره، وأغرَبَ الدّاووديُّ فقال: مُرادهم بقولهم: ((ورَبُّك)) أخوه هارون؛ لأنّه كان أكبر منه سِنّاً، وتَعقَّبَه ابن التِّين بأنَّه خِلَاف قول أهل التَّفسير كلِّهم. قوله: ((وحدَّثني حَمدان بن عمر)) هو أبو جعفر البغداديّ، واسمه أحمد، وحَدان لَقَبه، وليس له في البخاريّ إلّا هذا الموضع، وهو من صِغار شيوخه وعاشَ بعد البخاريّ سنتَينٍ، وقد تقدَّم الكلام على الحديث في غزوة بدر (٣٩٥٢). قوله: ((ورواه وكيع عن سُفْيان ... )) إلى آخره، يريد بذلك أنَّ صورة سياقه أنَّه مُرسَل، بخِلَاف سياق الأشجَعيِّ، لكن استظهرَ المصنّف لرواية الأشجَعيِّ الموصولة برواية إسرائيل التي ذكرها قبلُ. وطريق وكيع هذه وَصَلَها أحمد (١٨٨٢٧) وإسحاق في (مُسنَدیهما)) عنه، وكذا أخرجها ابن أبي خَيْثمةَ من طريقه. تنبيه: وَقَعَ قوله: ((ورواه وكيع ... )) إلى آخره، مُقدَّماً في الباب على بَقيَّة ما فيه عند أبي ذرٍّ، مُؤَخَّراً عند الباقينَ، وهو أشبه بالصَّواب. ٤- بابٌ إِنَّمَا جَزَاؤُأْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية [المائدة: ٣٣] المحارَبةُ للهِ: الُفْرُ به. ٤٦١٠- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ، حدَّثنا ابنُ عَوْنٍ، قال: حدَّثَني سَلْمانُ أبو رَجاءٍ مولى أبي قلابةَ، عن أبي قِلابةَ: أَنَّه كان جالساً خَلْفَ عمرَ بنِ ٢٣٢ سورة المائدة / ح ٤٦١٠ فتح الباري بشرح البخاري عبدِ العزيزِ، فَذَكَروا وذَكَروا، فقالوا وقالوا: قد أقادَت بها الخُلَفاءُ، فالتَفَتَ إلى أبي قِلابةَ وهو خَلْفَ ظَهْرِه، فقال: ما تقولُ يا عبدَ الله بنَ زيدٍ؟ - أو قال: ما تقولُ يا أبا قِلابةَ؟ - قلتُ: ما ٢٧٤/٨ عَلمْتُ نفساً حَلَّ قَتْلُها في الإسلام إلا رجلٌ زَنَى بعدَ إحصاٍ، أو قَتَلَ نفساً بغيرِ نفسٍ، أو حارَبَ الله ورسولَه وَلِهِ. فقال عَنْبَسةُ: حدّثنا أنسٌ بكذا وكذا، قلتُ: إِيَايَ حدَّث أنسِّ، قال: قَدِمَ قومٌ على النبيِّ وَّهِ فِكَلَّموه، فقالوا: قد استَوْخْنا هذه الأرضَ، فقال: «هذه نَعَمِّ لنا تَخْرُجُ، فاخرُجوا فيها، فاشربوا من ألبانها وأبوالها)) فخَرَجوا فيها فشَرِبوا من أبوالها وألبانها، واستَصَحّوا، ومالوا على الرّاعي، فقَتَلُوه والطَّرَدُوا النَّعَمَ، فما يُسْتَبْطَأُ من هؤلاءِ؟! قَتَلُوا النَّفْسَ، وحارَبوا اللهَ ورسولَه، وخَوَّفوا رسولَ الله وَله. فقال: سُبْحانَ الله! فقلتُ: تَتَّهِمُني، قال: حدَّثنا بهذا أنسٌِّ، قال: وقال: يا أهلَ كذا، إنَّكُم لن تزالوا بخيرٍ ما أُبقِيَ هذا فيكم، أو مِثلُ هذا. قوله: ((بابٌ ﴿إِنَّمَا جَزَُّؤْاْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية)) كذا لأبي ذرٍّ، وساقَها غيره. قوله: ((المحارَبةُ للهِ: الكُفْر به)) هو قول سعيد بن جُبَير والحسن، وَصَلَه ابن أبي حاتم عنهما، وفَسَّرَه الجمهور هنا بالذي يَقطَع الطَّريق على الناس مسلماً أو كافراً، وقيل: نزلت في النَّفَرِ العُرَنِّينَ، وقد تقدَّم في مكانه (٢٣٣). قوله: ((حدَّثنا عليّ بن عبد الله)) هو ابن المدِينيّ، ومحمَّد بن عبد الله الأنصاريّ: هو من كِيار شيوخ البخاريّ، ورُبَّما حدَّث عنه بواسطةٍ كَهذا. قوله: ((حدَّثْنِي سَلْمان)) كذا للأكثرِ بالشُّكونِ، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: سُليمان بالتَّصغیرِ، وكذا ذكر أبو عليّ الجَيّانيُّ أنَّه وَقَعَ في رواية القاِسيّ: عن أبي زيد المروَزيِّ، قال: والأوَّل هو الصّواب. وقوله ((هذه نَعَمٌّ لنا)) مُغاير لقوله في الطَّريق المتقدِّمة (١٥٠١): ((اخرجوا إلى إبل الصَّدَقة))، ويُجمَع بأنَّ في قوله: ((لَنا)) تَجُّزاً سوََّه أنَّه كان يَحِكُم عليها، أو كانت له نَعَمِّ تَرعَى مِعَ إِبل ٢٣٣ سورة المائدة / ح ٤٦١١ كتاب التفسير الصَّدَقة، وفي سياق بعض طرقه ما يُؤيِّد هذا الأخير حيثُ قال فيه: ((هذه نَعَمٌ لنا تَخْرُج فاخرُجوا فيها))، وكأنَّ نَعَمَه في ذلك الوقت كان يريد إرسالها إلى الموضع الذي تَرعَى فيه إبل الصَّدَقةِ فخَرَجوا صُحْبة النَّعَم. قوله: ((فَذَكَروا وذَكَروا)) أي: القَسامة، وسيأتي ذلك واضحاً في كتاب الدّيات (٦٨٠٢) معَ بَقيَّة شرح الحديث. وقوله: ((واستَصَحّوا)) بفتح الصّاد المهمَلة وتشديد الحاء، أي: حَصَلَت لهم الصِّحّة. وقوله: ((واطَّرَدوا)) بتشديد الطاء، أي: أخرَ جوها طَرداً، أي: سَوقاً. وقوله: ((فما يُسْتَبْطَا)) بضمِّ أوَّله استفعال من البُطء، وفي الرِّواية الأُخرى بالقاف بَدَل الطاء. وقوله: ((حدَّثنا أنس بكذا وكذا)) أي: بحديثِ العُرَنِّينَ. وقوله: ((وقال: يا أهل كذا)) في الرّواية الآتية عن ابن عَوْن المنَبَّه عليها في الدّيات: ((يا أهل الشّام)). قوله: ((ما أُبقيَ مِثلُ هذا فيكم)) كذا للأكثرِ بضمِّ الهمزة من ((أَبقيَ))، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ: («ما أبقَى اللهُ مِثلَ هذا» فأبرَزَ الفاعلَ. ٥- باب قوله: ﴿وَاَلْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] ٤٦١١- حدَّثني محمَّدُ بنُّ سَلامِ، أخبرنا الفَزَاريُّ، عن مُميدٍ، عن أنسٍ ◌َُ قال: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ - وهيَ عَمّةُ أنسِ بنِ مالكٍ - ثَنِيَّةَ جاريةٍ منَ الأنصار، فطَلَبَ القومُ القِصَاصَ، فأتُوا النبيَّ نَّهِ، فَأَمَرَ النبيُّ نَّه بالقِصاص، فقال أنسُ بنُ النَّضْرِ - عَمُّ أنسِ بنِ مالكٍ -: لا والله لا تُكْسَرُ سِتُّها يا رسولَ الله، فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((يا أنسُ، كتابُ الله القِصاصُ)) فَرَضِيَ القومُ وقَبِلوا الأَرْشَ، فقال رسولُ اللهِوَله: ((إنَّ من عِبادِ الله مَن لو أقْسَمَ على الله لَأَبُرَّه)). قوله: ((باب قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾)) كذا للمُستَمْلي، ولغيره: بابٌ ﴿وَالْجُرُوحَ ٢٧٥/٨ قِصَاصُ﴾. ٢٣٤ سورة المائدة / ح ٤٦١٢- ٤٦١٤ فتح الباري بشرح البخاري وأورَدَ فيه حديث أنس: ((أَنَّ الُّبَيِّع)) - أي: بالتَّشديدِ - عَمَّته (كَسَرَت ثَنِيَّة جارية)) الحديث، وسيأتي شرحه مُستَوقّ في الدّيات (٦٨٩٤). تنبيه: الفَزَاريُّ المذكور في هذا الإسناد: هو مروان بن معاوية، ووَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّه أبو إسحاق. ٦- بابٌ ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ٤٦١٢ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، حدَّثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن الشَّعْبِيِّ، عن مَسْروقٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: مَن حدَّثْكَ أنَّ محمَّداً وَلِ كَتَمَ شيئاً ممَّا أَنزَلَ اللهُ عليه، فقد كَذَبَ، واللهُ يقول: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ الآيَةَ. قوله: ((باب ﴿يَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾)) ذكر فيها طرفاً من حديث عائشة: مَن حدَّثك أنَّ محمَّداً كَتَمَ شيئاً ممَّا أَنزَلَ الله علیه فقد كَذَبَ، وسيأتي بتمامه معَ کمال شرحه في كتاب التوحيد (٧٥٣١) إن شاء الله تعالى. ٧- باب قوله: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِ أَيْمَنِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] ٤٦١٣ - حدَّثنا عليّ بنُ عَبدِ الله، حدَّثنا مالكُ بنُ سُعَيرٍ، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةً رَضِيَ الله عنها: أُنْزِلَت هذه الآيةُ ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِّكُمْ ﴾ في قولِ الرجلِ: لا والله، وبَلَى والله. [طرفه في: ٦٦٦٣] ٤٦١٤- حدَّثنا أحمدُ بنُ أبي رَجَاءٍ، حدَّثنا النَّضْرُ، عن هشام، قال: أخبرني أبي، عن عائشةً رضي الله عنها: أنَّ أباها كان لا تَحَنَثُ في يَمِينٍ، حَتَّى أَنزَلَ الله كفَّارةَ اليَمِينِ. قال أبو بَكْرٍ: لا أَرَى بَمِيناً أُرَى غيرَها خيراً منها، إلا قَبِلْتُ رُخْصةَ الله، وفَعَلْتُ الذي هو خيرٌّ. [طرفه في: ٦٦٢١] ٢٣٥ سورة المائدة / ح ٤٦١٢-٤٦١٤ كتاب التفسير قوله: ((باب قوله: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِ أَيْمَنِكُمْ ﴾)) سَقَطَ باب قوله)): لغير أبي ذرٍّ. وفَسَّرَت عائشة لَغو اليمين: بما يجري على لسان المكلّف من غير قصد، وقيل: هو الحَلِفِ على غَلَبة الظَّنّ، وقيل: في الغضب، وقيل: في المعصية، وفيه خلاف آخر سيأتي بيانه في الأيمان والنُّدور (٦٦٦٣) إن شاء الله تعالى. وقولها: ((لا والله، وبَلَى والله)) أي: كلّ واحد منهما إذا قالها لَغوٌ، فلو أنَّ رجلاً قال الكَلمَتَينِ معاً، فالأولى لَغو والثّانية مُنعَقِدة، لأنَّها استدراك مقصود، قاله الماوَرْديّ. قوله: ((حدَّثنا عليّ بن عبد الله)) كذا لأبي ذرِّ عن الكُشْمِيهنيِّ والحَمُّوِيِّ، وله عن المُستَمْلي: ((حدَّثنا عليّ بن سَلَمَةَ)) وهي رواية الباقينَ إلّا النَّسَفيَّ فقال: «حدَّثنا عليٌّ) فلم يَنسُبه، وعليّ بن سَلَمَةَ هذا يقال له: اللَّبَقيُّ بفتح اللّام والموخَّدة الخفيفة بعدها قاف خفيفة، وهو ثقة من صِغار شيوخ البخاريّ، ولم يقع له عنده ذِكْر إلّا في هذا الموضع، كذا قيل، وقد نَبَّهت على موضع آخر في الشُّفعة (٢٢٥٩)، ويأتي آخر في الدَّعَوات (٦٣٢٧). قوله: ((حدَّثنا مالك بن سُعَيرٍ)) بِمُهمَلتَينِ مُصغَّر، ضَعَّفَه أبو داودَ، وقال أبو حاتم وأبو زُرْعة والدّارَ قُطنيُّ: صَدوق، وليس له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث وآخر في الدَّعَوات، وأبوه: / هو ابن الخِمْس، بكسرِ الخاء المعجمة وسكون الميم وآخره مُهمَلة. ٢٧٦/٨ قوله: ((في قول الرجل: لا والله، وبَلَى والله)) سيأتي البحث فيه في الأيمان والنُّدور (٦٦٦٣)، وكذلك الحدیث الذي بعده. وقوله: ((كان أبو بكر ... )) إلى آخره، أخرجه ابن حِبّان (٤٣٥٣) من طريق محمَّد بن عبد الرَّحمن الطُّفاويِّ عن هشام بن عُرْوة عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله وَ ل﴿ إذا حَلَفَ على يمين لم يَحَنَث ... إلى آخره، والمحفوظ ما وَقَعَ في ((الصحيح))(١) أنَّ ذلك فِعلُ أبي بكر وقوله، والله أعلم. وحكى ابن التِّين عن الدّاووديِّ أنَّ الحديث الثّاني يُفسِّرِ الأوَّل، (١) في (س): ((الصحيحين)) وهو خطأ، فلم يُرج مسلم هذا الحديث، والمثبت من الأصلين. ٢٣٦ سورة المائدة / ح ٤٦١٥ فتح الباري بشرح البخاري وتَعقَّبَه، والحقّ أنَّ الأوَّل في تفسير لَغْو اليمين، والثّاني في تفسير عَقْد اليمين. قوله: ((قال أبو بَكْر: لا أرَى يميناً أرَى غيرها خيراً مِنْها)» بفتح الهمزة في الموضعينِ من الرُّؤية بمعنى: الاعتقاد، وفي الثّاني بالضَّمِّ بمعنى: الظَّنّ، وقد أخرجه في أوَّل الأيمان والنُّدور (٦٦٢١) من رواية عبد الله بن المبارك عن هشام بلفظ: لا أحلِف على يمين فرأيتُ غيرها خيراً منها. قوله: ((إلّا قبلْتُ رُخْصة الله)) أي: في كفَّارة اليمين، وفي رواية ابن المبارك: إلّا أتيت الذي هو خير منه. ٨- باب قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] ٤٦١٥- حدَّثنا عَمْرو بنُ عَوْنٍ، حدَّثنا خالدٌ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، عن عبدِ الله ﴾، قال: كنَّا نَغْزو معَ النبيِّ وَّ وليس مَعَنا نساءٌ، فقُلْنا: ألا نَخْتَصِي؟ فنَهانا عن ذلك، فَرَخَّصَ لنا بعدَ ذلك أن تَتزوَّجَ المرأةَ بالثَّوْبِ، ثمَّ قرأ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ﴾ [طرفه في: ٥٠٧١، ٥٠٧٥] قوله: ((باب قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾)) سَقَطَ ((باب قوله)) لغير بي ذرٍّ. قوله: ((خالد)» هو ابن عبد الله الطَّحّان، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم، وعبد الله: هو ابن مسعود. وسيأتي شرح الحديث في كتاب النكاح (٥٠٧٥). وفي التِّرمِذيّ (٣٠٥٤) مُحَسَّناً من حديث ابن عبّاس: ((أنَّ رجلاً أتى النبيّ وَ له فقال: يا رسول الله، إذا أكلتُ من هذا اللَّحم انتَشَرتُ، وإنّي حَرَّمت عليَّ اللَّحم، فنزلت))، وروى ابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٧) من وجه آخر عن ابن عبّاس: أنَّها نزلت في ناس قالوا: نَترُك شَهَوات الدُّنيا ونَسيح في الأرض .. الحديث. وسيأتي ما يَتَعلَّق به أيضاً في كتاب النكاح إن شاء الله تعالی. ٢٣٧ سورة المائدة كتاب التفسير ٩- باب قوله: ﴿إِنََّا الْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾ [المائدة: ٩٠] وقال ابنُ عبَّاسٍ: الأزْلامِ: القِداحُ يَقْتَسِمونَ بها في الأُمورِ، والنُّصُبُ: أنصابٌ يَذْبَحونَ عليها. وقال غيرُه: الزَّلَمُ: القِدْحُ لا رِيشَ له، وهو واحدُ الأزْلامِ، والاستِقْسامُ: أن يُحِيلَ القِداحَ، فإن نَهَتْه انتهى، وإن أمَرَتْه فعَلَ ما تَأْمُرُه. يُحِيل: يُدِير. وقد أعلَمُوا القِداحَ أعلاماً بضُروبٍ يَستَقْسِمونَ بها، وفَعَلْتُ مِنْه قَسَمْتُ، والقُسومُ المصْدَر. قوله: ((باب قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَفِّرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ - ساقَ إلى: ﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ﴾)) وَسَقَطَ ((باب ٢٧٧/٨ قوله)) لغير أبي ذرٍّ، ووَقَعَ بينهم في سياق ما قبل الحديث المرفوع تقديم وتأخير. قوله: ((وقال ابن عبّاس: الأزْلام: القِداح يَقْتَسِمونَ بها في الأُمور)) وصَلَه ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٨) من طريق عطاء عن ابن عبّاس مثله، وقد تقدَّم في حديث الهجرة (٣٩٠٦) قول سُرَاقة بن مالك لمَّا تَتَبَّعَ النبيَّ نَّه وأبا بكر قال: استَقسَمتُ بالأزلام هل أضُرُّهم أم لا؟ فخرج الذي أكره. وقال ابن جَرِير: كانوا في الجاهليَّة يَعمِدونَ إلى ثلاثة سِهام على أحدها مكتوب: ((افعَل))، وعلى الثّاني: ((لا تَفْعَل))، والثّالث: ((غُفْل)) (١). وقال الفَرّاء: كان على الواحد: ((أمَرَني رَبّ))، وعلى الثّاني: (تَهاني رَبّ))، وعلى الثّالث: ((غُفْل))، فإذا أراد أحدُهم الأمر أخرج واحداً، فإن طَلَعَ الآمرُ فَعَلَ، أو الناهي تَرَكَ، أو الغُفْلِ أعادَ. وذكر ابن إسحاق: أنَّ أعظَم أصنام قُريش كان هُبَل وكان في جوف الكعبة، وكانت الأزلام عنده، يَتَحاكَمونَ عنده فيما أشكَلَ عليهم، فما خرج منها رجعوا إليه. قلت: وهذا لا يَدْفَع أن يكون آحادهم يَستَعمِلونَها مُنفَرِدینَ کما في قِصّة سُراقة. وروى الطَّبَرِيُّ (٧٦/٦) من طريق سعيد بن جُبَير قال: الأزلام: حَصَّى بِيضٌ، ومن طريق مجاهد قال: حجارة مكتوب عليها، وعنه: كانوا يَضرِبونَ بها (٢) لكلِّ سَفَرٍ وغَزوٍ وتجارة، وهذا (١) الغُفْل: الذي لا يُرجى خيره ولا شره. انظر ((النهاية)) ٣٧٥/٣. (٢) كذا في (س): ((بها))، وفي (أ): ((عليها))، ولم ترد هذه اللفظة في (ع) ولا في بعض النسخ المخطوطة من (تفسير الطبري))، وفي ((تفسير مجاهد)) ص ٣٠٠: ((يضربونها))، والله أعلم. ٢٣٨ سورة المائدة فتح الباري بشرح البخاري محمولٌ على غير التي كانت في الكعبة. والذي تَحَصَّلَ من كلام أهل النَّقل: أنَّ الأزلام كانت عندهم على ثلاثة أنحاء: أحدها: لكلِّ أحد، وهي ثلاثة كما تقدَّم، وثانيها: للأحكام، وهي التي عند الكعبة، وكان عند كلّ كاهنٍ وحاكمٍ للعَرَب مثل ذلك، وكانت سبعة مكتوب عليها؛ فواحد علیه: ((مِنگم))، وآخر: ((مُلصَق))، وآخر: ((فيه العقول والدّيات)) إلى غير ذلك من الأُمور التي يَكثُر وقوعها، وثالثها: قِداح الميسِر وهي عشرة: سبعة مُخُطَّطة وثلاثة غُفْل، وكانوا يَضِرِبونَ بها مُقَامَرة، وفي معناها كلّ ما يُتَقَامَر به كالنَّردِ والكِعَاب وغيرها. قوله: «والنُّصُب: أنصاب(١) يَذْبَحونَ عليها)) وَصَلَه ابن أبي حاتم أيضاً من طريق عطاء ٢٧٨/٨ عن ابن عبّاس، وقال أبو عبيدة: النُّصب واحد / الأنصاب. وقال ابن قُتَيبة: هي حجارة كانوا يَنْصِبونَهَا ويَذْبَحونَ عندها فيَنصَبّ عليها دِماء الذَّبائح. والأنصاب أيضاً: جمع نَصْب بفتح أوَّله ثمَّ سكون: وهي الأصنام. قوله: ((وقال غيره: الزَّلَم: القِدْح لا رِيش له، وهو واحد الأزْلام)) قال أبو عُبيدة: واحد الأزلام زَلَم بفتحَتَينٍ، وزُلَم بضمٍّ أوَّله وفتح ثانيه لُغَتان وهو القِدْحِ، أي: بكسرِ القاف وسكون الدّال. قوله: ((والاستِقْسام: أن يُحيل القِداح، فإن نَهَتْه انتهى، وإن أُمَرَتْه فعَلَ ما تَأْمُره)) قال أبو عُبيدة: الاستقسام من: قَسَمتُ أمري بأن أُجيلَ القِداح لتَقْسِمَ لي أمري أأُسافرُ أم أُقيم، وأغزو أم لا أغزو، أو نحو ذلك فتكون هي التي تأمُرني وتَنهاني، ولِكلِّ ذلك قِدح معروف، قال الشّاعر: ولم أَقْسِم فتَحِسَني(٢) القُسُومُ (١) في (ع): ((والنصيب: واحد أنصاب ... ))، بزيادة لفظة ((واحد))، وهذه اللفظة لم ترد في (أ) و(س) و((تغليق التعليق)» ٢٠٤/٤ حيث وصل المصنف هناك أثر ابن أبي حاتم عن ابن عباس. (٢) تحرفت في (س) إلى: فتحسبني، والمثبت من الأصلين. وقد ذكر الحافظ رحمه الله هذه الكلمة بالمعنى، وإلا فهي في البيت: «فترُتني))، وهي بمعنی: تحبِسُني، قال في «مختار الصحاح)): رَبئه عن حاجته: حَبَسه . = ٢٣٩ سورة المائدة / ح ٤٦١٦-٤٦١٧ كتاب التفسير والحاصل أنَّ الاستقسام استفعال من القِسم بكسرِ القاف، أي: استدعاء ظُهور القسم، كما أنَّ الاستسقاء طلب وقوع السَّقي، قال الفَرّاء: الأزلام سِهام كانت في الكعبة يَستَقْسِمون(١) بها في أُمورهم. قوله: ((يُجيل: يُدير)) ثَبَتَ هذا لأبي ذرِّ وحده، وهو شرح لقوله: يحيل القِداح. قوله: ((وقد أعلموا القِداحَ أعلاماً بضُروبٍ يَستَقْسِمونَ بها)) بيَّن ذلك ابن إسحاق كما تقدَّم قريباً. قوله: ((وفَعَلْتُ منه قَسَمْت، والقُسوم المصْدَر)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْبِالْأَزْلَمِ﴾ هو استَفعَلت من قَسَمت أمري. ٤٦١٦- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ بِشْرٍ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثني نافعٌ، عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قال: نزلَ تَحِرِيمُ الخمرِ، وإنَّ في المدينةِ يومَئذٍ لَخمسةَ أشرِيةٍ ما فيها شرابُ العِنَبِ. [طرفه في: ٥٥٧٩] ٤٦١٧ - حدَّثْنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيبٍ قال: قال أنسُ بنُ مالكِ ﴾: ما كان لنا خمرٌ غيرُ فضِيخِكُم هذا الذي تُسمّونَه الفَضِيخَ، فإنّي لَقائمٌ أسقي أبا طَلْحةَ وفلاناً وفلاناً، إذ جاء رجلٌ فقال: وهل بَلَفَكُمُ الخبرُ؟ فقالوا: وما ذاكَ؟ قال: = وهذا الشعر هو عجز لبيت هو: أممتُ بها الطريقَ فُويق نعلٍ ولم أَقِمْ فَتَرْبُتَني القُسُومُ وقائله هو حاجز بن عوف بن الحارث بن الأخثم بن عبد الله بن ذهل بن مالك بن سلامان بن مفرج، في قصيدة مطلعها: سألتُ فلم تكلِّمْني الرُّسومُ فظَلْتُ كأنني فيها سَقیمُ انظر: ((منتهى الطلب من أشعار العرب)) لمحمد بن المبارك البغدادي، والبيت ذكره أيضاً أبو عُبيدة في ((مجاز القرآن)» ١٥٢/١، والطبري في «تفسيره)) ٧٦/٦ ولم ينسباه إلى أحد. (١) تحرفت في (س) إلى: يقسمون، وفي (ع) إلى: يقتسمون، والمثبت من (أ) وهو الصواب. ٢٤٠ سورة المائدة / ح ٤٦١٨ -٤٦١٩ فتح الباري بشرح البخاري حُرِّمَتِ الخمرُ، قالوا: أهرِقْ هذه القِلالَ يا أنسُ، قال: فما سألوا عنها، ولا راجَعُوها بعدَ خَبَرِ الرجلِ. ٤٦١٨ - حدَّثنا صَدَقةُ بنُ الفَضْلِ، أخبرنا ابنُ عُيَينَةَ، عن عَمرٍو، عن جابرٍ قال: صَبَّحَ أُناسٌ غَدَاةَ أُحُدٍ الخمرَ، فقُتِلوا من يومِهم جميعاً شُهَداءَ، وذلك قبلَ تَحِيمِها. ٤٦١٩- حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، أخبرنا عيسى وابنُ إذْرِيسَ، عن أبي حَيّانَ، عن الشَّعْبِيِّ، عن ابنِ عمرَ قال: سمعتُ عمرَ ﴾ على مِنْيِ النبيِّوََّ يقول: أمَّا بَعْدُ، أيُّها الناسُ إنَّه نزلَ تحرِيمُ الخمرِ، وهيَ من خمسةٍ: منَ العِنَبِ، والتَّمْرِ، والعَسَلِ، والخِنْطِةِ، والشَّعِيرِ، والخمرُ ما خامَرَ العَقْلَ. [أطرافه في: ٥٥٨١، ٥٥٨٨، ٥٥٨٩، ٧٣٣٧] قوله: «حدّثنا إسحاقُ بن إبراهيم» هو ابن راهویه. قوله: ((نزلَ تحريمُ الخمر وإنَّ في المدينة يومئذٍ لَخمسةَ أشرِبة، ما فيها شراب العِنَب)) يريد بذلك أنَّ الخمر لا يَخْتَصّ بماءِ العِنَب، ثم أَيَّد ذلك بقول أنس: ما كان لنا خمرٌ غير فَضِيخكم. ثم ذكر حديث جابر في الذينَ صَبَّحوا الخمر ثمَّ قُتِلوا بأُحُدٍ وذلك قبل تحريمها، ويُستَفاد منه أنَّها كانت مُباحَة قبل التَّحريم. ثم ذكر حديث عمر أنَّه نزلَ تحريم الخمر وهي من خمسة، وذكر منها العِنَب، وظاهره يعارض حديث ابن عمر المذكور أوَّل الباب، وسنذكر وجه الجمع بينهما في كتاب الأشربة (٥٥٧٩ - ٥٥٨٤) معَ شرح أحاديث الباب إن شاء الله تعالى(١). وقوله في هذه الرِّواية(٢): (أُهريقَت)) أنكَرَه ابن التِّين وقال: الصَّواب ((هُريقَت)) بالهاءِ بَدَل الهمزة ولا يُجمَع بينهما، وأثبَتَ غيره من أئمّة اللُّغة ما أنكَرَه. (١) حديث جابر سلف الكلام عليه في الجهاد (٢٨١٥) والمغازي (٤٠٤٤)، ولم يروَ في الأشربة. (٢) يعني الآتية في الباب التالي.