Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ سورة النساء / ح ٤٥٨٠ كتاب التفسير والمؤْلَى أيضاً: ابنُ العَمِّ، والمؤْلَى: المنعِمُ المعتِقُ، والمؤْلَى: المعتَقُ، والمؤْلَى: الملِيكُ، والمؤْلَى: مَوْلَّى في الدِّينِ. ٤٥٨٠- حدَّثني الصَّلْتُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن إدْرِيسَ، عن طَلْحَةَ بنِ مُصرِّفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ قال: ورَثَةً ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ كان المهاجِرونَ لمَّا قَدِموا المدينةَ يَرِثُ المهاجِرِيُّ الأنصاريَّ دونَ ذَوي رَحِمِهِ، للأُخوّةِ التي آخَى النبيُّ وَّ بِينَهم، فلمَّا نزلت ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ نُسِخَت ثمَّ قال: ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ منَ النَّصْرِ والرِّفادةِ والنَّصِيحِةِ، وقد ذهب الميراثُ ویوصِي لَه. سمعَ أبو أسامةَ إذْرِيسَ، وسمعَ إِذْرِيسُ طَلْحَةَ. قوله: ((باب ﴿ وَلِكُلّ جَعَلْنَا مَوَلِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾)) ساقَ إلى قوله: ﴿شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣]، وسَقَطَ ذلك لغیر أبي/ ذرٍّ. ٢٤٨/٨ قوله: ((وقال مَعمَر: ﴿مَوَلِىَ ﴾: أولیاءَ وَرَثَةً، (عاقَدَت آیمانُگُم) هو مولی الیمین، وهو الحَليف، والمولَى أيضاً: ابن العَمّ، والمولَى: المنعِم المعتِقِ - أي: بكسرِ المثنّاة - والمولَى: المعتَق - أي: بفتحها - والمولَى: المليك، والمولَى: مولَّى في الدِّين)) انتهى، ومَعمَر هذا بسكونِ المهمَلة، وكنت أظنّه مَعمَر بن راشد إلى أن رأيت الكلام المذكور في ((المجاز)) لأبي عُبيدة، واسمه: مَعمَر بن المثنَّى، ولم أرَه عن مَعمَر بن راشد، وإنَّما أخرج عبد الرَّزّاق (٥٥٢) عنه في قوله: ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ قال: الموالي: الأولياء؛ الأب والأخ والابن وغيرهم من العَصَبة. وكذا أخرجه إسماعيل القاضي في ((الأحكام)) من طريق محمَّد بن ثَور عن مَعمَر، وقال أبو عبيدة: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾: أولياء ورَثة، ((والذينَ عاقَدَت أيمانُكُمْ)) فالمولَى: ابن العَمّ. وساقَ ما ذكره البخاريّ، وأنشَدَ في المولَى ابن العَمّ (١): مَهلاً بني عَمِّنا مَهلاً مَوَالِینا (١) القائل هو الفضل بن عباس بن عُتبة اللَّهَبي كما في ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة ١٢٥/١. ١٨٢ سورة النساء / ح ٤٥٨٠ فتح الباري بشرح البخاري وممّا لم يَذكره وذكره غيرُه من أهل اللَّغة: المولى: المحِبّ، والمولى: الجار، والمولى: الناصر، والمولى: الصِّهر، والمولى: التابع، والمولى: القَرار(١)، والمولى: الوَلِيّ، والمولى: المُوازي. وذَكَروا أيضاً: العَمّ والعبد وابنَ الأخ والشَّريك والنَّديم، ويَلْتَحِق بهم مُعلِّم القرآن جاء فيه حديثٌ مرفوع: ((مَن عَلَّمَ عبداً آيةً من كتاب الله فهو مولاه))، الحديث أخرجه الطبرانيُّ (٧٥٢٨) من حديث أبي أُمامةَ(٢)، ونحوه قول شُعْبة: مَن كَتَبتُ عنه حديثاً فأنا له عبد، وقال أبو إسحاق الزَّجّاج: كلُّ مَن يَلِيك أو والاكَ فهو مَولَّى. قوله: ((حدَّثْنا الصَّلْت بن محمَّد)) تقدَّم هذا الحديث سنداً ومَتناً في الكفالة (٢٢٩٢)، وأُحيلَ بشرحِه على هذا الموضع. قوله: ((عن إذريس)) هو ابن يزيد الأَوْديُّ بفتح الألف وسكون الواو؛ والد عبد الله بن إدريس الفقيه الكوفيّ، وإدريس ثقة عندهم، وما له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث. ووَقَعَ في رواية الطَّبَريِّ (٥٠/٥) عن أبي كُرَيبٍ عن أبي أُسامة: حدّثنا إدريس بن يزيد(٣). قوله: ((عن طَلْحة بن مُصرِّف)) وَقَعَ في الفرائض (٦٧٤٧): عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي أُسامة عن إدريس حدَّثنا طلحة. قوله: ((ولِكلِّ جَعَلْنا مَوالِيَ، قال: ورَثة)) هذا مُتَّفَق عليه بين أهل التَّفسير من السَّلَف، أسنَدَه الطَّبَرِيُّ (٥١،٥٠/٥) عن مجاهد وقَتَادة والسُّدّيِّ وغيرهم، ثمَّ قال: وتأويل الكلام: ولِكلِّكُم أيّها الناس جَعَلنا عَصَبة يَرِثونَه ◌َمَّا تَرَكَ والده وأقرَبوه من ميراثهم لَه. وذكر غيره للآية تقديراً غير ذلك، فقيل: التَّقدير: جَعَلنا لكلِّ مَيِّت ورَثة تَرِث ممَّا تَرَكَ الوالدان والأقرَبونَ، وقيل: التَّقدير: ولِكلِّ مال ممَّا تَرَكَ الوالدان والأقرَبونَ جَعَلنا وَرَثة يَجوزونَه. (١) هكذا وقعت هذه الكلمة في (أ) و(س)، آخرها راء مهملة، وفي (ع) وقع آخرها نون أو باء فهي غير منقوطة، فتحتمل: القران، وتحتمل: القراب، وعلى جميع هذه الأحوال لم نستطع أن نتبين معناها، فلم تذكر كتب اللغة أياً من هذه الألفاظ لمعاني المولى، ولعلها تكون محرَّفة عن لفظ: القريب، والله أعلم. (٢) وفي إسناده عبيد بن رزين اللاذقي، أبو عبيدة الألهاني، قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٢٨/١: ولم أر من ذكره. (٣) في المطبوع: إدريس، غير منسوب، كما هي رواية البخاري. ١٨٣ سورة النساء / ح ٤٥٨٠ كتاب التفسير فعلى هذا ((كلّ)) مُتعلِّقة بجَعَلَ، و((مَا تَرَكَ)) صفة لكلٍّ، و((الوالدان)) فاعل تَرَكَ، ويَلَزَم عليه الفَصْل بين الموصوف وصِفَته، وقد سُمِعَ كثيراً، وفي القرآن: ﴿قُلْ أَغَيْرَ الَّهِأَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرٍ اُلسَمَوَتِ﴾ فإنَّ ((فاطِرٍ)) صفةٌ لله اتِّفاقاً، وقيل: التَّقدير: ولِكلِّ قوم جَعَلناهم مَواليَ(١) - أي: وَرَثة - نصيبٌ مَّا تَرَكَ والداهم وأقرَبوهم، وهذا يقتضي أنَّ (لكلّ)) خَبَرَ مُقدَّم، و((نصيب)) مُبْتَدَأْ مُؤَخَّر، و((جعلناهم)) صفة لقوم، و(مما تَرَك)) صفة للمبتَدَأ الذي حُذِفَ وبَقْيَت(٢) صِفَته، وكذا حُذِفَ ما أُضيفَت إليه ((كلّ)) وبَقيَت صِفَته، وكذا حُذِفَ العائد على الموصوف، هذا حاصل ما ذكره المعرِبونَ، وذَكَروا غير ذلك ممَّا ظاهره التكلُّف. وأوضَحُ من ذلك أنَّ الذي يُضاف إليه ((كلّ)) هنا: هو ما تقدَّم في الآية التي قبلها، وهو قوله: ﴿لَّرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا أُكْتَسَبُواْ وَلِلِنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا اكْنَسَبْنَ﴾ ثمَّ قال: ﴿ وَلِكُلِّ﴾، أي: من الرِّجال والنِّساء ﴿جَعَلْنَا﴾، أي: قَدَّرنا (نَصيبا))، أي: ميراثاً ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ، وَالَّذِينَ عاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾، أي: بالحَلِفِ أو الموالاة أو المؤاخاة ﴿فَانُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ خِطاب لمن يَتَوَّى ذلك، أي: مَن وُلَّ على ميراث أحد فليُعطِ لكلِّ مَن يَرِثه نصيبه، وعلى هذا المعنى المتَّضِح ينبغي أن يقع الإعراب ويُترَكِ ما عَداه من التَّعَسُّف. قوله: ((والذينَ عاقَدَت أيمانكم: كان المهاجِرونَ لمَّا قَدِموا المدينة يَرِث المهاجِرِيُّ/ الأنصاريَّ ٢٤٩/٨ دون ذَوي رَحِمه، للأُخوّةِ) هكذا حَمَلَها ابن عبّاس على مَن آَخَى النبيّ وَّ بِينَهم، وحَمَلَها غيره على أعَمّ من ذلك، فأسنَدَ الطََّرِيُّ (٥٢/٥) عنه قال: كان الرجل يُحالف الرجل ليس بينهما نَسَب، فيَرِث أحدهما الآخر، فنُسِخَ ذلك. ومن طريق سعيد بن جُبَير قال: كان الرجل يُعاقِد الرجل فيَرِثُه، وعاقَدَ أبو بكرٍ مَولَی فوَرِئَه. قوله: ((فلمَّا نزلت ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ﴾ نُسِخَت)) هكذا وَقَعَ في هذه الرِّواية أنَّ ناسخ ميراث الحليف هذه الآية، وروى الطَّبَريُّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: كان الرجل يُعاقد الرجل، فإذا ماتَ ورِثَه الآخر، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ ﴿النَّبِىُّ أَوَلَى (١) تحرفت في (س) إلى: مولَّى. (٢) تحرفت في (س) إلى: و﴿نَصِيبٌ﴾. ١٨٤ سورة النساء / ح ٤٥٨١ فتح الباري بشرح البخاري بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمٌ وَأَزْوَجُ أُمَّهَُهُمُّ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِ كِتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَابِكُمْ مَّعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦]، يقول: إلّا أن تُوصُوا لأوليائكُم الذينَ عاقَدتُم. ومن طريق قَتَادَةَ: كان الرجل يُعاقِد الرجل في الجاهليّة فيقول: دَمي دَمُك وتَرِثني وأرِتُك، فلمَّا جاء الإسلام أُمِروا أن يُؤْتُّوهم نصيبَهم من الميراث وهو السُّدُس، ثمَّ نُسِخَ ذلك بالميراثِ فقال: ﴿ وَأُوْلُواْ اْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، ومن طرق شَتَّى عن جماعة من العلماء كذلك، وهذا هو المعتمَد. ويحتمل أن يكون النَّسخ وَقَعَ مرَّتَيْنِ: الأولى حيثُ كان المعاقِد يَرِث وحده دون العَصَبة، فنزلت ﴿وَلِكُلٍ﴾ وهي آية الباب، فصاروا جميعاً يَرِثونَ، وعلى هذا يتَّل حديث ابن عبّاس، ثمَّ نَسَخَ ذلك آيةُ الأحزاب، وخُصَّ الميراث بالعَصَبة وبَقَيَ للمعاقِدِ النَّصر والإرفادُ ونحوهما، وعلى هذا يتنزّل بَقيَّة الآثار، وقد تَعرَّضَ له ابن عبّاس في حديثه أيضاً، لكن لم يَذكُر الناسخ الثّاني، ولا بُدّ منه، والله أعلم. قوله: ((ثُمَّ قال: ﴿وَالَّذِينَ عاقدَت أَيْمَنُكُمْ﴾ من النَّصر والرِّفادة والتَّصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي له)) كذا وَقَعَ فيه، وسَقَطَ منه شيء بيَّنه الطّبريُّ (٥٣/٥) في روايته عن أبي كُرَيبٍ عن أبي أسامة بهذا الإسناد، ولفظه: ثمَّ قال: ﴿وَالَّذِينَ عاقَدَت أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النَّصر ... إلى آخره، فقوله: ((من النَّصر)) يَتَعلَّق بآتوهم لا بعاقَدَتْ ولا بأيمانكم، وهو وجه الكلام، و((الرِّفادة)) بكسرِ الرّاء بعدها فاءٌ خفيفة: الإعانة بالعَطيَّة. قوله: ((سمعَ أبو أُسامة إدريسَ، وسمعَ إدريسُ طَلْحة)) وَقَعَ هذا في رواية المُستَمْلِي وحده، وقد قَدَّمت التَّنبيه على مَن وَقَعَ عنده التَّصريح بالتَّحديثِ لأبي أُسامة عن إدريس، ولإدريس عن طلحة في هذا الحديث بعينِهِ، وإلى ذلك أشارَ المصنِّف، والله أعلم. ٨- باب قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] يعني: زِنَةَ ذَرّةٍ ٤٥٨١ - حَدَثَنِي محمَّدُ بنُ عبدِ العزيزِ، حَدَّثنا أبو عمرَ حفصُ بنُ مَيسَرَةَ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن أبي سعيدِ الخُذْريِّ عَّه: أنَّ أَنَاساً في زَمَنِ النبيِّ وَِّ قالوا: يا رسولَ الله ١٨٥ سورة النساء / ح ٤٥٨١ كتاب التفسير هل نَرَى رَبَّنا يومَ القيامةِ؟ قال النبيُّ وَّةِ: ((نعم، هل تُضارّونَ في رُؤْبةِ الشمس بالظَّهِيرةِ ضَوْءٌ، ليس فيها سَحابٌ؟» قالوا: لا، قال: «وهل تُضارّونَ في رُؤْيةِ القمرِ ليلةَ البَدْرِ ضَوْءٌ، ليس فيها سَحَابٌ؟)) قالوا: لا، قال النبيُّ وَّهِ: ((ما تُضارُّونَ في رُؤْبةِ الله عزَّ وجلَّ يومَ القيامةِ، إلا كما تُضارُّونَ في رُؤْيةِ أحدِهما، إذا كان يومُ القيامةِ أَّنَ مُؤَذِّنٌ: تَنْبَعُ كلُّ أمّةٍ ما كانت تَعبُدُ، فلا يَبْقَى مَن كان يَعبُدُ غيرَ الله منَ الأصنام والأنصاب إلّا يَتَساقَطونَ في النار، حتَّى إذا لم يَبْقَ إلا مَن كان يَعبُّدُ الله بَرٍّ أو فاجِرٌ، وغُبَّراتُ أهلِ الكتاب، فيُدْعَى اليهودُ فيقال لهم: مَن كنتُم / تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كنَّا نَعبُدُ عُزَيَرَ ابنَ الله، فيقال لهم: كَذَبتُم ما اتَّخَذَ الله من صاحبةٍ ولا ولٍ، ٢٥٠/٨ فماذا تَبْغونَ؟ فقالوا: عَطِشْنا رَبَّنا فاسْقِنا، فيُشارُ ألا تَرِدونَ، فيُحْشَرونَ إلى النار كأنَّهَا سَرابٌ يَخْطِمُ بعضُها بعضاً، فيتَساقَطونَ في النار، ثمَّ يُدْعَى النَّصَارَى فيقال لهم: مَن كنتُم تَعْبُدُونَ؟ قالوا: كنّا نَعبُدُ المسيحَ ابنَ الله، فيقال لهم: كَذَبْتُم ما اتَّخَذَ الله من صاحبةٍ ولا ولدٍ، فيقال لهم: ماذا تَبْغونَ؟ فكذلك مِثْلَ الأوَّلِ، حتَّى إذا لم يَبْقَ إلا مَن كان يَعْبُدُ الله من بَرٍّ أو فاجِرٍ أتاهم رَبُّ العالمينَ في أدْنَى صورةٍ مِنِ التي رَأوْه فيها، فيقال: ماذا تَنْتَظِرونَ؟ تَتْبَعُ كلُّ أمّةٍ ما كانت تَعْبُدُ، قالوا: فارَقْنا الناسَ في الدُّنْيا على أفقَرِ ما كنّا إليهم، ولم نُصاحبُهم ونحنُ نَنتَظِرُ رَبَّنا الذي كنّا نَعْبُدُ، فيقول: أنا رَبُّكُم، فيقولون: لا تُشْرِكُ بالله شيئاً، مرَّتَينٍ أو ثلاثاً)). قوله: ((باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني: زِنَة ذَرّة)) هو تفسير أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: زنة ذَرّة. ویقال: هذا مثقال هذا، أي: وزنه، وهو مِفعالٌ من الثِّقَل، والذَّرّة: النَّملة الصَّغيرة، ويقال: واحدة الهَباء، والذَّرّة يقال: زِنَتُها رُبْع وَرَقة نُخالة، ووَرَقة النُّخالة وزن رُبع خَردَلة، وزِنة الخَردَلة رُبع سِمسِمة، ويقال: الذَّرّة لا وزن لها، وإن شَخصاً تَرَكَ رَغيفاً حتَّى عَلَاه الذَّرّ فَوَزَنَه فلم يَزِد شيئاً، حكاه الثَّعلَبيّ. ثم ذكر المصنف حديث أبي سعيد في الشَّفاعة، وسيأتي شرحه مُستَوفَّى في كتاب الرِّقاق (٦٥٧٤) إن شاء الله تعالى معَ حديث أبي هريرة المذكور هناكَ (٦٥٧٣)، وهو بطوله في معناه، وقد وَقَعَ ذِكْرِهما بتمامهما مُتَواليَينِ في كتاب التوحيد (٧٤٣٧ و٧٣٣٩). ١٨٦ سورة النساء / ح ٤٥٨٢ فتح الباري بشرح البخاري وشيخه محمَّد بن عبد العزيز: هو الرَّمليّ، يُعرَف بابنِ الواسطيِّ، وثَّقه العِجلُّ وليّنه أبو زُرْعة وأبو حاتم، وليس له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث وآخر في الاعتصام (٧٣٢٠). ٩- بابٌ ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: ٤١] المُخْتَالُ والخَتّالُ واحدٌ. ﴿َنَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ [٤٧]: نُسوِّيَها حتَّى تعودَ كأقفائهم، طَمَسَ الكتابَ: تَحاه. ﴿يَجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [٥٥]: وُقوداً. ٤٥٨٢- حدَّثنا صَدَقةُ، أخبرنا يحيى، عن سفيانَ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ الله. قال يحيى: بعضُ الحديثِ عن عَمْرٍو بنٍ مُرّةَ قال: قال لي النبيُّ وََّ: ((اقرَأْ عليّ» قلتُ: أَقْرَأُ عليكَ وعليكَ أُنزِلَ؟ قال: ((فإنّي أُحِبُّ أن أسمَعَه من غيري)) فقرأتُ عليه سورةَ النِّساءِ حتَّى بَلَغْتُ ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ قال: ((أمسِكْ)) فإذا عيناه تَذْرِ فان. [أطرافه في: ٥٠٤٩، ٥٠٥٠، ٥٠٥٥، ٥٠٥٦] قوله: ((باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم بِشَهِيٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾)» وَقَعَ في الباب تَفاسير لا تتعلَّق بالآية، وقد قَدَّمت الاعتذار عن ذلك (٤٥٧٩). قوله: ((المُخْتال والخَتّال واحد)) كذا للأكثرِ بمُثّةٍ فوقائيّة ثقيلة، وفي رواية الأَصِيلِيِّ: ((المختال والخال واحد)) وصَوَّبَه ابن مالك، وكذا هو في كلام أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: مُخْتَالًا فَخُورًا﴾: المختال: ذو الخُيَلاء، والخال واحد. قال: ويَجيءُ مصدراً، قال العَجّاج: والخالُ: ثوبٌّ من ثيابِ الجَهَّالْ(١) (١) هو صَدْرٌ لبيت من الرّجز، عجزُه: والدَّهرُ فيه غَفْلةٌ للغُفَّالْ انظر: ((الصحاح)) للجوهري، و((تاج العروس شرح القاموس)) للَّبيدي، مادة (خَيَلَ). ١٨٧ سورة النساء / ح ٤٥٨٢ كتاب التفسير قلت: والخال يُطلَق لمَعانٍ كثيرة نَظَمَها بعضهم في قَصيدة فَبَلَغَ نحواً من العشرينَ، ويقال: إنَّه وُجِدَت قَصيدة تَزيد على ذلك عشرينَ أُخرى، وكلام عِياض يقتضي أنَّ الذي في رواية الأكثر بالمثنّاة التَّحتانيَّة لا الفَوْقانيَّة، / ولهذا قال: كلّه صحيح، لكنَّه أورَدَه في الخاء ٢٥١/٨ والتاء الفَوْقانيَّة، والخَتّال بمُثنّاةٍ فوقانيَّة لا معنى له هنا كما قال ابن مالك، وإنَّما هو فعّال من الخَتْل وهو الغَدْر، ولأنَّ عينه ياء تحتانيَّة لا فوقانيَّة، والاسم الخُيلاء(١)، والمعنى أنَّه يَتَخيَّلُ(٢) في صورة مَن هو أعظم منه على سبيل التكُّر والتَّعاظُم. قوله: ((﴿نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾ نُسوّبها حتَّى تعود كأقفائهم، طَمَسَ الكتاب: تَحاه)) هو مختصر من كلام أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا﴾، أي: نُسوّيها حتَّى تعود كأقفائهم، يقال للرّيحِ: طَمَسَت الآثار، أي: مَحَتَها، وطَمَسَ الكتاب، أي: مَحَاه. وأسنَدَ الطََّرِيُّ عن قَتَادة: المراد أن تعود الأوجُه في الأقْفِية. وقيل: هو تمثيل، وليس المراد حقيقته حِسّاً. قوله: ((﴿يَجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾: وقوداً)) هو قول أبي عبيدة أيضاً، قال في قوله تعالى: ﴿وَكَفَىِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أي: وقوداً. وأخرج ابن أبي حاتم (٥٤٨٩) من طريق السُّدّيِّ عن أبي مالك مثله. تنبيه: هذه التَّفاسير ليست لهذه الآية، وكأنَّه من النُّاخ كما نَبَّهت عليه غير مرَّة. قوله: ((حدَّثْنا صَدَقة)) هو ابن الفضل، ويحيى: هو القَطّان، وسفيان: هو الثَّوريّ، وسُليمان: هو الأعمَش، وإبراهيم: هو النَّخَعَيّ، وعَبيدة - بفتح أوَّله ـ: هو ابن عَمْرو، وعبد الله: هو ابن مسعود، والإسناد كلّه ◌ِوَى شيخ البخاريّ وشيخِه كوفيّونَ، فيه ثلاثة من التابعينَ في نَسَق، أوَّلهم الأعمش. قوله: (قال یحیی» هو القطّان، وهو موصول بالإسناد المذكور. قوله: ((بعض الحديث عن عَمْرو بن مُرّةٍ)) أي: من رواية الأعمَش عن عَمْرو بن مُرّة (١) تحرفت في (س) إلى: ((الخلاء))، والمثبت من (أ) و(ع). (٢) تحرفت في (س) إلى: ((يختل))، والمثبت من (أ) و(ع)، وهو الصواب، لأن معنى يتخيل: يتكبر، كما في (القاموس))، ولا تدل لفظة ((يختل)) على هذا المعنى. ١٨٨ سورة النساء / ح ٤٥٨٣ فتح الباري بشرح البخاري عن إبراهيم، وقد وَرَدَ ذلك واضحاً في فضائل القرآن (٥٠٥٥) حيثُ أخرجه المصنّف عن مُسدَّد عن يحيى القَطّان بالإسناد المذكور، وقال بعده: قال الأعمَشُ: وبعضَ الحديث حدَّثني عَمْرو بنُ مُرّة عن إبراهيم. يعني: بإسناده، ويأتي شرح الحديث هناكَ إن شاء الله تعالى. وقال الكِرْمانيُّ: إسناد عَمْرو مقطوع، وبعض الحديث مجهول. قلت: عَبَّرَ عن المنقَطِع بالمقطوع لقِلّة اكتراثه بمراعاة الاصطلاح، وأمَّا قوله: ((مجهول) فُرید ما حدَّثه به عَمْرو بن مُرّة، فكأنَّه ظنَّ أنَّه أراد أنَّ البعض عن هذا والبعض عن هذا، وليس كذلك، وإنَّما هو عنده كلّه في الرِّواية الآتية، وبعضه في أثنائه أيضاً. ١٠ - باب قولهِ: ﴿ وَإِن كُنُم ◌َّرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَابِطِ﴾ [النساء: ٤٣] ﴿صَعِيدًا﴾: وجْهُ الأرضِ. وقال جابرٌ: كانتِ الطَّواغِيتُ التي يَتَحاكَمُونَ إليها: في جُهَينةَ واحدٌ، وفي أسلَمَ واحدٌ، وفي كلِّ حَيٍّ واحدٌ، كُهَانٌ يَنِزِلُ عليهمُ الشَّيطان. وقال عمرُ: الجِبْت: السِّخْرُ، والطَّاغُوتُ [النساء: ٥١]: الشَّيطان. وقال عِكْرمةُ: الجِبتُ بلِسان الحَبَشةِ: شيطانٌ، والطّاغوتُ: الكاهن. ٤٥٨٣- حدَّثني محمَّدٌ، أخبرنا عَبْدةُ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: هَلَكَتْ قِلادٌ لأسماءَ، فبَعَثَ النبيُّ وَّهِ فِي طَلَبها رجالاً، فحَضَرَتِ الصلاةُ وليسوا على وُضوءِ، ولم يَجِدوا ماءً، فصَلَّوْا وهم على غيرِ وُضوءٍ، فَأَنزَلَ اللهُ - يعني - آيَةَ التيمُمِ. قوله: ((باب قوله: ﴿وَ إِن كُنُمْ قَرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَابِطِ ﴾)» هذا القَدر مُشتَرَك في آيَتَي النِّساء والمائدة، وإيراد المصنّف له في تفسير سورة النِّساء يُشعِر بأنَّ آية النِّساء نزلت في قِصّة عائشة، وقد سَبَقَ ما فيه في كتاب التيمُّم (٣٣٤). قوله: ((صَعيداً: وجْهُ الأرض)) قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾: ٢٥٢/٨ تَيمَّموا، أي: / تَعَمَّدوا. قال: والصَّعيد: وجه الأرض. قال الزَّجّاج: لا أعلم خلافاً بين أهل ١٨٩ سورة النساء / ح ٤٥٨٣ كتاب التفسير اللُّغة أنَّ الصَّعيد وجه الأرض، سواء كان عليها تراب أم لا، ومنه قوله تعالى: ﴿صَعِيدًا جُزًا﴾ [الكهف: ٨] و﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، وإنَّما سُمّيَ صعيداً، لأنَّه نهايةُ ما يُصعَد إليه(١) من الأرض. وقال الطَّبَريُّ - بعد أن روى من طريق قَتَادة قال: الصَّعيد: الأرض التي ليس فيها شَجَر ولا نَبات، ومن طريق عَمْرو بن قيس قال: الصَّعيد: التُّراب، ومَن طريق ابن زيد قال: الصَّعيد: الأرض المستوية -: الصَّواب أنَّ الصَّعيد: وجهُ الأرض المستَوية الخالية من الغَرْس والنَّبات والبناء. وأمَّ الطَّيِّب فهو الذي تَمَسَّكَ به مَن اشتَرَطَ في التيمُّم التُراب، لأنَّ الطيِّب هو التُّراب المُنبِت، قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠]. وروى عبد الرَّزاق (٨١٤) من طريق ابن عبَّاس: الصَّعيد الطيِّب: الحَرْث. قوله: ((وقال جابر: كانت الطَّواغيت التي يَتَحاكَمونَ إليها: في مُجُهَينة واحدٌ، وفي أسلَمَ واحدٌ، وفي كلّ حَيٍّ واحدٌ، كُهّان يَنزِل عليهم الشَّيطان) وَصَلَه ابن أبي حاتم(٢) من طريق وَهْب بن مُنبِّه قال: سألت جابر بن عبد الله عن الطَّواغيت، فذكر مثله، وزاد: وفي هلالٍ واحدٌ. وقد تقدَّم نَسَب جُهَينة وأسلَمَ في غزوة الفتح، وأمَّا هلال: فقبيلة يَنْتَسِبونَ إلى هلال بن عامر بن صَعصَعة، منهم: ميمونة بنت الحارث أمّ المؤمنينَ وجماعة من الصَّحابة وغيرهم. قوله: ((الجِبتُ: السِّحْرِ، والطّاغُوتُ: الشَّيطان)) وَصَلَه عبد بن حُميدٍ في ((تفسيره)) ومُسدَّد في ((مُسنَده)) وعبد الرَّحمن رُسْته(٣) في كتاب ((الإيمان))، كلّهم من طريق أبي إسحاق عن حسّان ابن فائد عن عمر مثله، وإسناده قويّ، وقد وَقَعَ التَّصریح بسماع أبي إسحاق له من حسَّان وسماع حسَّان من عمر في (٤) رواية رُسته، وحسَّان بن فائد - بالفاءِ - عَبْسِيٌّ (١) لفظة ((إليه)) سقطت من (س). (٢) لم نقع عليه في المطبوع من ((تفسير ابن أبي حاتم))، ولكن وصله الحافظ نفسه من طريقه في ((تغليق التعليق)) ٤ /١٩٥. (٣) في الأصلين و(س): عبد الرحمن بن رُسْتَه، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا كما في كتب التراجم، فاسمه: عبد الرحمن بن عمر بن يزيد الزهري، ولقبه: رُسْتَه. (٤) في (س): ((وفي)) وهو خطأ، والتصويب من الأصلين. ١٩٠ سورة النساء / ح ٤٥٨٣ فتح الباري بشرح البخاري - بالموحّدة - قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حِبّان في ((الثِّقات)). وروى الطَّبَرِيُّ (١٣١/٥) عن مجاهد مثل قول عمر، وزاد: والطاغوت: الشَّيطان في صورة إنسان يَتَحاكَمونَ إليه، ومن طريق سعيد بن جُبَير وأبي العاليَة قال: الجِبت: الساحر، والطاغوت: الكاهن، وهذا يُمكِّن رَدّه بالتَّأويلِ إلى الذي قبله. قوله: ((وقال عِكْرمة: الجِبْت بلِسان الحَبَشة: شيطان، والطّاغوت: الكاهن)) وَصَلَه عبد ابن حُميدٍ بإسنادٍ صحيح عنه، وروى الطَّبَريُّ من طريق قَتَادة مثله بغيرِ ذِكْرِ الحَبَشة قال: كنَّا نَتَحَدَّث أنَّ الجِبت: الشَّيطان، والطاغوت: الكاهن. ومن طريق العَوْفيِّ عن ابن عبّاس قال: الجِبت: الأصنام، والطَّواغيت: الذينَ كانوا يُعبِّرُونَ عن الأصنام بالكَذِب. قال: وزَعَمَ رجال أنَّ الِحِبْت: الكاهن، والطاغوت: رجل من اليهود يُدعَى كعب بن الأشرَف، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: الجِبت: حُبَيُّ بن أخطَب، والطاغوت: كعب بن الأَشَرَف، واختارَ الطَّبَرَيُّ أنَّ المراد بالجِبتِ والطاغوت: چِنس من كان يُعبَد من دون الله، سواء كان صَنَماً أو شيطاناً، جِنّيّاً أو آدَميّاً، فيَدخُل فيه الساحر والكاهن، والله أعلم. وأمَّا قول ◌ِكْرمة: إنَّ الجِبت بلسان الحَبَشة: الشَّيطان، فقد وافَقَه سعيد بن جُبَير على ذلك، لكن عَبَّرَ عنه بالساحرِ، أخرجه الطَّبَريُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن سعيد بن جُبَير قال: الجِبت: الساحر بلسان الحَبَشة، والطاغوت: الكاهن. وهذا مَصير منهما إلى وقوع المعَرَّب في القرآن، وهي مسألة اختُلِفَ فيها، فبالَغَ الشافعيّ وأبو عُبيدة اللُّغَويّ وغيرهما في إنكار ذلك، فحَمَلوا ما وَرَدَ من ذلك على تَوارُد اللُّغَتَيْنِ، وأجازَ ذلك جماعة، واختارَه ابن الحاجِب، واحتَجَّ له بوقوع أسماء الأعلام فيه كإبراهيم، فلا مانع من وقوع أسماء الأجناس، وقد وَقَعَ في ((صحيح البخاريّ) جُملة من هذا، وتَتَبَّعَ القاضي تاج الدّين السُّبكيُّ ما وَقَعَ في القرآن من ذلك ونَظَمَه في أبيات ذكرها في شرحه على ((المختصر))، وعَبَّرَ بقوله: يجمعها هذه الأبيات فذَكَرها، وقد تَتَبَّعتُ بعده زيادةً كثيرةً على ذلك تَقُرُب من عِدّة ما أورده، ونَظَمتها أيضاً، وليس جميع ما أورَدَه هو مُتَّفَقاً على أنَّه من ذلك، لكن اكتَفَى بإيرادِ ما نُقِلَ ١٩١ سورة النساء / ح ٤٥٨٣ كتاب التفسير في الجملة، فتَبعتُه في ذلك، وقد رأيت إيرادَ الجميع للفائدة، فأوَّل بيت منها من نَظْمي، والخمسة التي تَليه له، وباقيها لي أيضاً، فقلت: ٢٥٣/٨ من المعَرَّبِ عَدَّ التَّاجُ ((كز)) وقد أَلحقتُ ((كد)) وضمَّتها الأساطيرُ رُومٌ وطُوبَى وسِجِيلٌ وكافورُ السَّلسبیلُ وطَە کُوِّرَتْ بِيَعٌ والَّنجَبِيلُ ومِشكاةٌ سُرادِقُ مَع إستَبِرَقِ صَلَواتٌ سُندُسُ طُورُ كذا قَراطيسُ رَبّانِيِّهم وغَسّا قٌ ثُمَّ دينارٌ الْقِسْطاسُ مشهورُ ويُؤْتَ كِفلَينِ مذکورٌ ومسطورُ فيما حكى ابن دُرَيدٍ منه تَنّورُ السَّرِيُّ والأبُّ ثمَّ الْجِبْتُ مذكورُ كذاك قَسْوَرَةٌ واليَمُّ ناشِئَةٌ له مَقَالیدُ فِردَوسُ يُعَدُّكذا وزِدتُ حَرَمَ ومُهْلَ والسِّجِلَّ كذا وقِطَّنا وإِنَاهُ ثمَّ مُتَّكاً دارَسْتَ يُصَرُ منه فهو مصهورُ وأوِّبي مَعَهُ والطاغوتُ منظورُ وهَيْتَ والسَّكَر الأوّاه مَعْ خَصَب صُرْهُنَّ إِصرِي وغِيضَ الماءُ مَعَ وِزْر ثمَّ الرَّقيمُ مَناصِ والسَّنا النّورُ والمراد بقولي: ((كز)) أنَّ عِدّة ما ذكره التاج سبعة وعشرونَ، وبقولي: ((كد)) أنَّ عِدّة ما ذكرته أربعة وعشرونَ(١)، وأنا مُعتَرِف أنَّني لم أستَوعِب ما يُستَدرَك عليه، فقد ظَفِرت بعد نَظمي هذا بأشياء تقدَّم منها في هذا الشَّرح: الرَّحمن، وراعِنا، وقد عَزَمتُ أنّي إذا أتيت على آخر شرح هذا التَّفسير إن شاء الله تعالى، أُلحِقُ ما وقفتُ عليه من زيادة في ذلك منظوماً إن شاء الله تعالى. ثمَّ أورَدَ المصنِّف طَرَفاً من حديث عائشة في سُقوط ◌ِقدها ونزول آية التيمُّم، وقد مضى شرحه مُستَوفَّى في كتاب التيمُّم. (١) وذلك على حساب الجُمّل. ١٩٢ سورة النساء / ح ٤٥٨٤ فتح الباري بشرح البخاري ١١- بابٌ ﴿أَطِعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]: ذوي الأمر ٤٥٨٤- حدَّثْنَا صَدَقَةُ بنُّ الفَضْلِ، أخبرنا حَجّاجُ بنُّ محمَّدٍ، عن ابنِ جُرَيج، عن يَعْلَى بنِ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. قال: نزلت في عبدِ الله بنِ حُذافةَ بنِ قيسٍ بِنِ عَدِيٍّ، إذ بَعَثَه النبيُّ ◌َ له في سَرِيَّةٍ. قوله: ((باب ﴿أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمِّ مِنْكُمْ﴾: ذوي الأمر))، كذا لأبي ذرّ، ولغيره: ((أولي الأمر منكم: ذَوي الأمر)) وهو تفسير أبي عبيدة، قال ذلك في هذه الآية وزادَ: ((والدَّليل على ذلك أنَّ واحدها ذو))، أي: واحد أولي، لأنَّها لا واحد لها من لفظها. قوله: ((حدَّثْنَا صَدَقة بن الفَضْلِ)) كذا للأكثرِ، وفي رواية ابن السَّكَن وحده عن الفِرَبْريِّ عن البخاريّ: ((حدَّثنا سُنَيدٌ)) وهو ابن داود المِصّيصيُّ، واسمه: الحسين، وسُنَيَدٌ لَقَب، وهو من حُفّاظ الحديث، وله تفسير مشهور، لكن ضَعَّفَه أبو حاتم والنَّسائيّ، وليس له في البخاريّ ذِكْر إلّا في هذا الموضع إن كان ابن السَّكَن حَفِظَه، ويحتمل أن يكون البخاريّ أخرج الحديث عنهما جميعاً، واقتَصَرَ الأكثر على صَدَقة لإتقانه، واقتَصَرَ ابن السَّكَّن على سُنَيْدٍ بِقَرِينة التَّفسير، وقد ذكر أحمد أنَّ سُنَيداً لزم(١) حَجّاجاً - يعني: حَجّاجَ بن محمَّدٍ ٢٥٤/٨ شيخَه في / هذا الحديث - إلّا أنَّه كان يَحِمِله على تَدليس التَّسوية، وعابَه بذلك، وكأنَّ هذا هو السَّبَب في تضعيف مَن ضَعَّفَه، والله أعلم. قوله: ((عن يَعْلَى بن مسلم)) في رواية الإسماعيليّ من طرق عن حَجّاج (٢) عن ابن جُرَيج: أخبرني يَعْلی بن مسلم. قوله: ((نزلت في عبد الله بن حُذافة)) كذا ذكره مختصراً، والمعنى: نزلت في قِصّة عبد الله ابن حُذافة، أي: المقصود منها في قِصَّته قوله: ﴿فَإِن تَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ الآية، وقد (١) تحرفت في (س) إلى: ألزم. (٢) وقعت العبارة في (س): من طريق حجاج. ١٩٣ سورة النساء / ح ٤٥٨٤ كتاب التفسير غَفَلَ الدّاووديُّ عن هذا المراد فقال: هذا وهمٌّ على ابن عبّاس، فإنَّ عبد الله بن حُذافة خرج على جيشٍ فَغَضِبَ، فأوقَدوا ناراً وقال: اقتَحِموها، فامتَنَعَ بعضٌ، وهَمّ بعضٌ أن يَفْعَل. قال: فإن كانت الآية نزلت قبلُ، فكيفَ يُخَصّ عبد الله بن حُذافة بالطاعة دون غيره؟ وإن كانت نزلت بعدُ، فإنَّما قيل لهم: إنَّما الطاعة في المعروف، وما قيل لهم: لِمَ لم تُطيعوا؟ انتهى، وبالحَمْلِ الذي قَدَّمته يَظهَر المراد، ويَنتَفي الإشكال الذي أبداه، لأنَّهم تَنازَعوا في امتِثال ما أمَرَهم به، وسببه أنَّ الذينَ هُمُّوا أن يُطيعوه وَقَفوا عند امتثال الأمر بالطاعة، والذينَ امتَنَعوا عارَضَه عندهم الفِرار من النار، فناسَبَ أن يَنزِل في ذلك ما يُرشِدهم إلى ما يَفعَلونَه عند التَّنَازُع وهو الردّ إلى الله وإلى رسوله، أي: إن تَنازَعتُم في جواز الشَّيءُ وعَدَم جوازه فارجِعوا إلى الكتاب والسُّنّة، والله أعلم. وقد روى الطََّرِيُّ (١٤٨/٥) أنَّ هذه الآية في قِصّة جَرَت لعَّار بن ياسر معَ خالد بن الوليد، وكان خالد أميراً، فأجارَ عَّار رجلاً بغير أمرِهِ، فَتَخاصَما فنزلت، فالله أعلم. وقد تقدَّم شرح حال هذه السَّريّة(١) والاختلاف في اسم أميرها في المغازي بعد غزوة حُنَينٍ بقليلِ (٤٣٤٠). واختُلِفَ في المراد بأولي الأمر في الآية؛ فعن أبي هريرة قال: هم الأَمَراء، أخرجه الطَّبَرِيُّ بإسنادٍ صحيح، وأخرج عن ميمون بن مهرانَ وغيره نحوه، وعن جابر بن عبد الله قال: هم أهل العلم والخير، وعن مجاهد وعطاء والحسن وأبي العالية: هم العلماء، ومن وجه آخر أصحّ منه عن مجاهد قال: هم الصَّحابة، وهذا أخَصّ. وعن عِكْرمة قال: أبو بكر وعمر، وهذا أخَصّ من الذي قبله، ورَجَّحَ الشافعيّ الأوَّل، واحتَجَّ له بأنَّ قُرَيشاً كانوا لا يَعرِفُونَ الإمارة ولا يَنقادونَ إلى أمير، فأُمِروا بالطاعة لمن وليَ الأمر، ولذلك قال وَلَّ: (مَن أطاعَ أميري فقد أطاعَني)) مُتَّفَق عليه(٢)، واختارَ الطَّبَرِيُّ حَمْلها على العموم وإن نزلت في سبب خاصّ، والله أعلم. (١) يعني سرية عبد الله بن حذافة. (٢) سلف برقم (٢٩٥٧)، وهو عند مسلم (١٨٣٥). ١٩٤ سورة النساء / ح ٤٥٨٥ - ٤٥٨٦ فتح الباري بشرح البخاري ١٢ - بابٌ ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] ٤٥٨٥ - حدّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزّهْريِّ، عن عُرْوةً قال: خاصَّمَ الزُّبَيرُ رجلاً منَ الأنصار في شَرِيجِ منَ الحَرّةِ، فقال النبيُّبِّهَ: ((اسِقِ يا زُبَيْرُ، ثمَّ أرسِلٍ الماءَ إلى جاركَ)) فقال الأنصاريُّ: يا رسولَ الله أن كان ابنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وجهُه، ثمّ قال: ((اسقِ یا زُبَيرُ، ثمَّ احبِسِ الماءَ حتَّى يَرجِعَ إلى الجَدْرِ، ثمَّ أرسِلِ الماءَ إلى جاركَ)) واستَوْعَى النبيُّ ◌َّ للزُّبَيرِ حَقَّه في صَرِيحِ الحُكْمِ حينَ أحفَظَه الأنصاريُّ، وكان أشارَ عليهما بأمرٍ لهما فيه سَعةٌ. قال الزُّبَيرُ: فما أحسِبُ هذه الآيات، إلا نزلت في ذلك ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَلْنَهُمْ﴾. قوله: ((باب ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾)) سَقَطَ ((باب)) لغير أبي ذرٍّ، وذكر فيه قِصّة الزُّبَير معَ الأنصاريّ الذي خاصَمَه في شِراج الحَرّة، وقد ٢٥٥/٨ تقدَّم شرحُه مُستَوفَّى في كتاب الشُّرب (٢٣٥٩-٢٣٦٢)، بَيَّنت هناكَ الاختلاف على / عُرْوة في وصله وإرساله بحمد الله تعالی. وقوله هنا: ((أن كان ابنَ عمَّتك)) بفتح ((أن)) للجميع، أي: من أجل، ووَقَعَ عند أبي ذرٍّ : ((وأن)) بزيادة واو، وفي روايته عن الكُشْمِيهنيٍّ: ((آن)) بزيادة همزة ممدودة، وهي الاستفهام، ولم يُنبِّه عِياض ومن تبعه على هذه الرواية(١). ١٣- بابٌ فَأُؤْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ ﴾ [النساء: ٦٩] ٤٥٨٦- حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَوْشَبٍ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ لَ يقول: ((ما من نبيِّ يَمْرَضُ، إِلَّا خُيّرَ بينَ الدُّنْيا والآخِرةِ». (١) قوله: ((ولم ينبه عياض ... إلخ)) سقط من (أ) و(س)، وأثبتناه من (ع). ١٩٥ سورة النساء / ح ٤٥٨٧ - ٤٥٨٨ كتاب التفسير وكان في شَكْواه الذي قُبِضَ فيه أخَذَتْه بُحّةٌ شديدةٌ، فسمعتُهُ يقول: (﴿ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَِّحِينَ﴾)) فعَلمْتُ أَنَّهِ خُيَِّ. قوله: ((باب ﴿فَأَوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَهِم مِّنَ النَّبِئِنَ ))) ذكر فيه حديث عائشة، وقد تقدَّم شرحه في الوفاة النبويَّة (٤٤٣٥) ولله الحمد. وقوله: ((في شَكواه الذي قُبضَ فيهِ) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((التي قُبضَ فيها)). ١٤ - باب قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا نُقَدِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾ إلى: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا ﴾ [النساء: ٧٥] ٤٥٨٧ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عُبيدِ الله، قال: سمعتُ ابنَ عبَّاسٍ قال: كنتُ أنا وأُمّي منَ المستَضْعَفِينَ. ٤٥٨٨ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا حَمّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن ابنٍ أبي مُلَيكةً: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ ثَلا: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ قال: كنتُ أنا وأُمَّي ممّنْ عَذَرَ الله. وَيُذكَرُ عن ابنِ عبَّاسٍ ﴿حَصِرَتْ﴾ [٩٠]: ضاقَتْ. ﴿تَلْوُرأْ﴾ [١٣٥]: ألسِنتَكُم بالشَّهادةِ. وقال غيرُه: المراغَمُ: المهاجَرُ، راغَمْتُ: هاجَرْتُ قومِي. ﴿َّوْقُوتًا﴾ [١٠٣]: مُوَقَّناً، وَقَّتَه عليهم. قوله: ((باب قولِهِ: ﴿ وَمَا لَكُمْلَا نُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا ﴾)) ولأبي ذرٍّ: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِسَآءِ﴾ الآية، والأظهَر أنَّ المستَضعَفينَ مَجَرور بالعَطْفِ على اسم الله، أي: وفي سبيل المستَضعَفينَ، أو على ((سبيل الله))، أي: وفي خَلاص المستَضعَفينَ، وجَوَّزَ الَّتَشَرِيُّ أن يكون منصوباً على الاختصاص. قوله: ((عن عُبيد الله)) هو ابن أبي يزيد، وفي ((مُسنَد أحمد)) (١٩٣٩) عن سفيان: حدَّثني ◌ُبيد الله بن أبي یزید. قوله: ((كنت أنا وأُمّي من المستَضْعَفينَ)) كذا للأكثرِ، زاد أبو ذرٍّ: ((من المستَضعَفينَ من ١٩٦ سورة النساء / ح ٤٥٨٧ -٤٥٨٨ فتح الباري بشرح البخاري الرِّجال والنِّساء والولدان))، وأراد حكاية الآية، وإلّا فهو من الوِلْدان، وأُمّه من المستَضعَفينَ(١)، ولم يَذكُر في هذا الحديث من الرِّجال أحداً، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق إسحاق بن موسى عن ابن عُبَينَةَ بلفظ: كنتُ أنا وأُمّي من المستَضعَفينَ: أنا من الولدان، وأُتّي من النِّساء. قوله في الطَّريق الأُخرَى: ((أنَّ ابن عبّاس تَلا) في رواية المُستَمْلي: ((عن ابن عبّاس أنَّه تَلا)). قوله: ((كنت أنا وأُمّي مَمَّنْ عَذَرَ الله)) أي: في الآية المذكورة، وفي رواية لأبي نُعَيم في (المستَخرَج)) من طريق محمَّد بن عُبيد عن حَمَّاد بن زيد: ((كنت أنا وأُمّي من المستَضعَفينَ))، ٢٥٦/٨ قلت: واسم أمّه: لُبابة بنت الحارث الهِلاليّة، أمّ الفَضْل، أُختُ مَيمونةَ زوج النبيّ وَّ./ قال الدّاووديُّ: فيه دليل لمن قال: إنَّ الولد يَتَبَع المسلم من أبَوَيه. قوله: ((ويُذكَر عن ابن عبّاس: ﴿حَصِرَتْ﴾: ضاقَت)) وَصَلَه ابن أبي حاتم من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ قال: ضاقَت، وعن الحسن أنَّه قرأ: ((حَصِرَةٌ(٢) صُدُورُهم)) بالرَّفع حكاه الفَرّاء، وهو على هذا خَبَرَ بعد خَبَرَ. وقال المبرّد: هو على الدُّعاء، أي: أحصَرَ الله صُدورهم، کذا قال، والأوَّل أولى. وقد روى ابن أبي حاتم (١٠٢٨/٣) من طريق مجاهد: أنَّها نزلت في هلال بن عُوَيمِرِ الأسلَميِّ، وكان بينه وبين المسلمينَ عَهد، وقَصَدَه ناس من قومه فكَرهَ أن يقاتل المسلمينَ، وكَره أن يقاتل قومه. قوله: ((تَلْوُوا ألِنَتَكُم بالشَّهادةِ) وَصَلَه الطََّرَيُّ (٣٢٣/٥) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَلْوُاْ أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ قال: تَلووا ألسِنَتَكُم بشهادةٍ (١) كذا في الأصلين و(س)، ولعله سبق قلم قديم، وإلا فالأظهر أن يقول: ((وأمه من النساء)). (٢) تحرفت في (ع) و(س) إلى: حصرت، بالتاء المفتوحة، وهو خطأ، والمثبت من (أ). أما قول الحافظ رحمه الله إن قراءة الحسن ((حصرةٌ)) بالرفع، فليس كذلك، فما نُقل عن الحسن: أنه قرأ ((حصرةً)) بالنصب على الحال، ذكر ذلك الطبري في («تفسيره)) ١٩٩/٥، والنحاس في ((إعراب القرآن)) ٢٣١/١، وابن الجوزي في ((زاد المسير)) ١٥٩/٢، والسمين في ((الدر المصون)) ٦٧/٤-٦٨، والبناء في ((إتحاف فضلاء البشر)) ص١٩٣. أما نسبة الرفع للفراء، فقد ذكر الفراء قراءة الحسن في ((معاني القرآن)) ٢٨٢/١ بالهاء المربوطة، ولم يذكر فيها رفعاً ولا نصباً. أما قراءة الرفع فذكرها السمين في ((الدر المصون)) ولم ينسبها لأحد، قال: وقرئ ((حصرةٌ)) بالرفع على أنه خبر مقدم و((صدورهم)) مبتدأ، والجملة حال. ١٩٧ سورة النساء / ح ٤٥٨٧ - ٤٥٨٨ كتاب التفسير أو تُعرِضوا عنها. وروى عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر عن قَتَادة قال: أن تُدْخِل في شهادتك ما يُبطِلها أو تُعرِض عنها فلا تَشْهَدها، وقرأ حمزة وابن عامر: ((وَإِنْ تَلُوا)) بواوٍ واحدة ساكنة، وصَوَّبَ أبو عُبيدٍ قراءة الباقينَ، واحتَجَّ بتفسير ابن عبّاس المذكور وقال: ليس للولاية هنا معنًى. وأجابَ الفَرّاء بأنَّها بمعنى اللَّيِّ، كقراءة الجماعة، إلّا أنَّ الواو المضمومة قُلِبَت همزة ثمَّ سُهِّلَت. وأجابَ الفارسيّ بأنَّها على بابها من الولاية، والمراد: إن تَوَلَّيتُم إقامة الشَّهادة. قوله: ((وقال غيره: المراغَم: المهاجر، راغمتُ: هاجَرْتُ قومي)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُّهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِىِ الْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]: والمراغَم والمُهاجَر واحدٌ، تقول: هاجَرت قومي وراغَمتُ قومي، قال الجَعْديّ: عَزِيزِ المُراغَم والمَهرَبِ وروى عبد الرَّزّاق(٢) عن مَعمَر عن الحسن في قوله: ﴿مُرَغَمًا﴾ قال: مُتَحوَّلاً، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٤٩/٣) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس. قوله: (﴿مَوْقُوتًا﴾: موَقَّناً، وَقَّتَه عليهم)) لم يقع هذا في رواية أبي ذرٍّ، وهو قول أبو عُبيدة أيضاً، قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِسَبًا قَّوْقُوتًا﴾، أي: مَوَقَّتاً، وقَّتَه الله عليهم، وروى ابن أبي حاتم (٤/ ١٠٥٧) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿ مَّوْقُوتًا﴾ قال: مفروضاً. ١٥ - بابٌ [النساء:٨٨] ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنْفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم قال ابنُ عبَّاسٍ: بَدَّدَهم. (فِتَةٌ): جماعةٌ. (١) في ((التفسير)) ١/ ١٧٦. (٢) في ((التفسير)) ١٦٩/١ - ١٧٠. ١٩٨ سورة النساء / ح ٤٥٨٩ فتح الباري بشرح البخاري ٤٥٨٩- حدَّثني محمَّدُ بنُ بِشَّارٍ، حَدَّنا غُندَرٌ وعبدُ الرَّحمنِ، قالا: حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَدِيٌّ، عن عبدِ الله بنِ يَزِيدَ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ ◌ّ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُفِقِينَ فِئَنَيْنِ ﴾: رَجَعَ ناس من أصحاب النبيِّ وَِّ مِن أَحَدٍ، وكان الناسُ فيهم فِرْقَتَيْنِ، فِرِيقٌ يقول: اقْتُلْهم، وفَرِيقٌ يقول: لا، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ وقال: ((إنَّهَا طَيبةٌ تَنْفِي الخَبَثَ كما تَنْفِي النارُ خَبَثَ الفِضّةِ)). قوله: ((باب ﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُنَفِقِينَ فِئَتَبْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾، قال ابن عبّاس: بَدَّدَهم)) وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (١٩٤/٥) من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾ قال: بَدَّدَهم(١)، ومن طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: أوقَعَهم، ومن طريق قَتَادة قال: أهلكَهم، وهو تفسير باللّازِمِ، لأنَّ الرَّكس: الرُّجوع، ٢٥٧/٨ فكأنَّه/ رَذَّهم إلى حُكمهم الأوَّل. قوله: ((فِئة: جماعة)) روى الطََّرَيُّ (١٩٣/٣) من طريق سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس في قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىْ كَافِرَةٌ ﴾ [آل عمران: ١٣] قال: الأُخرى كفَّار قُرَيش. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٤٩] قال: الفئة: الجماعة. قوله: ((حدَّثنا غُندَر)) هو محمَّد بن جعفر. قوله: ((وعبد الرَّحمن)) هو ابن مهديّ. قوله: «عن عَديّ)» هو ابن ثابت. قوله: ((عن عبد الله بن يزيد)» هو الخَطْميُّ بفتح المعجَمة ثمَّ سكون المهمَلة، وهو صحابيّ صغیر. قوله: ((رَجَعَ ناس من أُحُد)) هم عبد الله بن أُبيِّ ابنُ سَلُولَ ومَن تَبِعَه، وقد تقدَّم بيان ذلك في غزوة أُحُد من كتاب المغازي مُستَوفَّى (٤٠٥٠). وقوله في آخره: ((خَبَث الفِضّة)) في رواية الحَمُّوِيِّ: ((خَبَث الحديد))، وقد تقدَّم بیان الاختلاف في قوله: ((تنفي الخَبَث)) في فضل المدينة (١٨٧١). (١) كذا وقع هنا في الأصلين و(س)، ووقع في النسخ المطبوعة من ((تفسير الطبري): رَدَّهم. ١٩٩ سورة النساء كتاب التفسير ١٦ - بابٌ وَإِذَا جَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّ،﴾ [النساء: ٨٣] أي: أفْشَوهُ. ﴿يَسْتَنْبِطُوْنَهُ﴾ [٨٣]: يَستَخْرِ جونَه. ﴿حَسِيبًا﴾ [٨٦]: كافياً. إِلَّ إِنَاثًا﴾ [١١٧]: يعني: المَواتَ حجراً أو مَدَراً، أو ما أشبهَه. قَرِيدًا﴾ [١١٧]: مُتَمَرِّداً. فَلَيُبَتِكُنَّ﴾ [١١٩]: بَتَّكَه: قَطَّعَه. ﴿قِيلًا﴾ [١٢٢] وقولاً واحدٌ. ﴿طَبَعَ﴾ [١٥٥]: خَتَمَ. قوله: ((باب ﴿ وَإِذَا جَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ،﴾، أي: أفشَوْه)) وَصَلَه ابن المنذِر عن ابن عبّاس في قوله: ﴿أَذَاعُواْ بِهِ ﴾ أي: أفشَوه. قوله: ((﴿يَسْتَنَّبِطُونَهُ﴾: يَسْتَخْرِجونَه)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنَِّطُونَهُ مِنْهُمْ﴾: أي: يَستَخرِ جونَه، يقال للرَّكِيَّة إذا استُخرِجَ ماؤُها: هي نَبَطٌ، إذا أَمْهاها(١). قوله: (﴿حَسِيبًا﴾: كافياً) وَقَعَ هنا لغير أبي ذرٍّ وقد تقدَّم في الوصايا(٢). قوله: ((﴿إِلَّ إِنَثًا﴾: يعني: المَوَاتِ حَجَراً أو مَدَراً أو ما أشبهَه)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ إِنَاثًا﴾ إلّا الموات حجراً أو مَدَراً أو ما أشبهَ ذلك، والمراد بالموات: ضِدّ الحيوان. وقال غيره: قيل لها: إناث؛ لأنَّهم سَمَّها مَناةَ واللّات والعُزَّى (١) هكذا في الأصلين و(س) و((مجاز القرآن)) ١/ ١٣٤: «أمهاها)) أي: استخرج ماءها بكثرة، وهو من المقلوب، والأصل: أمَاهَها، كما في كتب اللغة. (٢) في باب قول الله تعالى: ﴿وَثَلُواْالْيَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ بعد الحديث رقم (٢٧٦٣). ٢٠٠ سورة النساء فتح الباري بشرح البخاري وإسافَ ونائلة ونحو ذلك. وعن الحسن البصريّ: لم يكن حَيّ من أحياء العرب إلّا ولهم صَنَمِ يَعْبُدُونَه يُسَمَّى أُنثَى بني فلان، وسيأتي في الصّافّات (٤٨٠٤) حكايةً عنهم: أنَّهم كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك. وفي رواية عبد الله بن أحمد في ((مُسنَد)) أبيه (٢١٢٣١) عن أُبيِّ بن كعب في هذه الآية قال: مَعَ كلّ صَنَم جِنّيَّة، ورواته ثقات، ومن هذا الوجه أخرجه ابن أبي حاتم (٤ / ١٠٦٧). قوله: ((﴿قَرِيدًا﴾: مُتَمرِّداً)) وَقَعَ هذا للمستَمْلي وحده، وهو تفسير أبي عبيدة بلفظه، وقد تقدَّم في بَدْء الخلق (٣٢٦٨)، ومعناه: الخروج عن الطاعة. وروى ابن أبي حاتم من طريق قَتَادة في قوله: ﴿مَرِيدًا﴾ قال: مُتَمرِّداً على معصية الله. قوله: (﴿فَيُبَيْكُنَّ﴾، بَّكَه: قَطَّعَه)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿فَلَيُبَتْكُنَّ ءَاذَانَ الْأَنْعَمِ ﴾ يقال: بَّكَه: قَطَّعَه. وقال عبد الرَّزّاق(١) عن مَعمَر عن قَتَادة: كانوا يُبَتِّكونَ آذانها لطَواغیتِهم. قوله: ((﴿قِيلًا﴾ وقولاً واحد)) قال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾: وقیلاً وقولاً واحد. قوله: (﴿طَبَعَ﴾: خَتَمَ)) قال أبو عُبيدة في قوله: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، أي: خَتَمَ. تنبيه: ذکر في هذا الباب آثاراً ولم یذکر فیه حديثاً، وقد وَقَعَ عند مسلم (١٤٧٩) من حديث عُمَر في سبب نزولها: أنَّ النبيّ وَّهِ لمَّا هَجَرَ نساءَه وشاعَ أنَّه طَلَّقَهنَّ، وأنَّ عمر جاءه فقال: أطَلَّقتَ نساءَك؟ قال: ((لا)) قال: فقُمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يُطَلِّق نساءَه، فنزلت هذه الآية، فكنت أنا استنبَطتُّ ذلك الأمر. وأصل هذه القِصّة عند البخاريّ أيضاً (٢٤٦٨)، لكن بدونِ هذه الزّيادة، فليست على شرطِهِ، فكأنَّه أشارَ إليها بهذه التَّرجمة. (١) في ((التفسير)) ١/ ١٧٣.