Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ سورة النساء كتاب التفسير ٤ - سورة النّساء بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ قال ابنُ عبَّاسٍ: يَسْتَنكِفُ: يَستكْبُ. قِوَاماً: قوامُكُم من مَعاِشِكُم. ﴿لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [١٥]: يعني: الرَّجْمَ للَّيِّبِ، والجَلْدَ للِكْرِ. وقال غيرُه: ﴿مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾ [٣] يعني: اثْنَتَينِ وثلاثاً وأربعاً، ولا تُجَاوِزُ العربُ رُباعَ. قوله: ((سورة النِّساء - بِسْمِ الهِالرَّعْنِ الرَّحِيمِ)) سَقَطَت البسملة لغير أبي ذرٍّ. قوله: ((قال ابن عبّاس: يَستَنكِفُ: يَستَكْبِرُ)) وَقَعَ هذا في رواية المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيِّ حَسْب، وقد وَصَلَه ابن أبي حاتم (١١٢٤/٤) بإسنادٍ صحيح من طريق ابن جُرَيج عن عطاء عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِّهِ﴾ [النساء: ١٧٢] قال: يَستَكبر، وهو عَجيبٌ، فإنَّ في الآية عَطْفَ الاستكبارِ على الاستنكاف، فالظّاهر أنَّه غيرُه، ويُمكِن أن يُحِمَل على التوكيد. وقال الطَّبَريُّ: معنى يَستَنْكِف: يأَنَفُ، وأَسنَدَ (٣٨/٦) عن قَتَادة قال: يَحَتَشِم. وقال الزَّجّاج: هو استفعال من النَّكَف وهو الأَنَفَة، والمراد دَفعُ ذلك عنه، ومنه: نَكَفتُ الدَّمع بالإصبَعِ: إذا مَنَعته من الجَرْي على الخدّ. قوله: ((قواماً: قوامكُم من مَعايشكُم)) هكذا وَصَلَه ابن أبي حاتم (٨٦٤/٣) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، ووَصَلَه الطََّرَيُّ (٢٤٩/٤) من هذا الوجه بلفظ: ﴿ وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِى جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَمًا﴾ [النساء: ٥] يعني: قوامكُم(١) من مَعايشكُم، يقول: لا تَعْمَد إلى مالِكَ الذي جعله الله لك مَعيشةً فتُعطِيه امرأتك ونحوها. وقوله: ﴿قِيَمَا ﴾ القراءة المشهورة بالتَّحتانيَّة بَدَل الواو (٢)، لكِنهما بمعنَى، قال أبو عُبيدة: يقال: قيام أمرِكُم (١) کذا في (أ) و(س)، وفي (ع): قيامكم. (٢) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي من السبعة، وقرأ نافع وابن عامر ((قِيماً)) بغير ألف. انظر ((السبعة في القراءات)) ص٢٢٦. ١٦٢ سورة النساء فتح الباري بشرح البخاري وقِوام أمركُم، والأصل بالواو فأبدَلوها ياءً لكسرة القاف، قال بعض الشُّراح: فأورَدَه المصنّف على الأصل. قلت: ولا حاجة لذلك لأنَّه ناقل لها عن ابن عبّاس، وقد وَرَدَ عنه كِلا الأمرَينِ، وقيل: إنَّها أيضاً قراءة ابن عُمر(١) - أعني بالواو - وقد قُرِئَ في المشهور عن أهل المدينة أيضاً: ٢٣٨/٨ ((قِيَا)) بلا ألفٍ، وفي / الشَّواذْ قراءات أُخرى. وقال أبو ذرِّ الَرَويُّ: قوله: ((قِوامكُم)) إنَّما قاله تفسيراً لقوله: ﴿قِيَمًا﴾ على القراءة الأُخرى. قلت: ومن كلام أبي عُبيدة يَحَصُل جوابه. قوله: (﴿مَثْنَ وَتُلَثَ وَرُبَعَ﴾ يعني: اثنتَينِ وثلاثاً وأربعاً، ولا تُجَاوِز العرب رُباع)) كذا وَقَعَ لأبي ذرِّ، فأوهَمَ أنَّه عن ابن عبَّاس أيضاً كالذي قبله، ووَقَعَ لغيره: وقال غيره: مَثنَى ... إلى آخره، وهو الصَّواب، فإنَّ ذلك لم يُروَ عن ابن عبّاس، وإنَّما هو تفسير أبي عبيدة، قال: لا تنوينَ في ((مَثنَى)) لأنَّه مصروف عن حَدّه، والحَدّ أن يقولوا: اثنَيْنِ وكذلك ثُلاث ورُباع لأنَّه مصروف عن (٢) ثَلاثٍ وأربعٍ، ثمَّ أنشَدَ شواهد لذلك، ثمَّ قال: ولا تُجاوِز العرب رُباع، غير أنَّ الكُمَيت قال: فلم يَسْتَريثوكَ حتَّى رَمَيتَ فوق الرِّجال خِصالاً عُشَارا(٣) انتَهَى، وقيل: بل يجوز إلى سُدَاس، وقيل: إلى عُشار. قال الحَريريّ في ((دُرّة الغَوّاص)): غَلِطَ المتنبي في قوله: أُحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِ (٤) لم يُسمَع في الفصيح إلّا مَثنَى وَثُلَاث ورُبَاع، والِلَاف في ◌ُماس إلى عُشار. ويُحكَى عن (١) تحرفت في (ع) إلى: أبي عمرو، وهي خطأ فقراءة أبي عمرو تقدَّم أنها ((قياماً)) بالياء والألف. (٢) عبارة ((مصروف عن)) سقطت من (أ) و(س)، وأثبتناها من (ع). (٣) قال ابن السِّيد في ((الاقتضاب)) شرح ((أدب الكاتب) كما في ((خزانة الأدب)) ١ / ١٧١: ومعنى يستريثوك: يجدونك رائثاً، أي: بطيئاً. ورميت: زدت، يقال: رمى على الخمسين، وأرمى: إذا زاد. يقول: لمَّا نشأتَ نشأ الرجال، أسرعت في بلوغ الغاية التي يبلغها طلاب المعالي، ولم يقنعك ذلك حتى زدت عليهم بعشر خصال فقت بها السابقين. وأيأست الذي راموا أن يكونوا لك لاحقين. (٤) هو صدر لبيت قاله المتنبي في ((ديوانه)) ١/ ٣٥٣ في قصيدة يمدح فيها علي بن إبراهيم التنوخي، وعجزه: لُيَيلَتْنا المنوطةُ بِالتَّنَادِ ١٦٣ سورة النساء كتاب التفسير خَلَف الأحمر أنَّه أنشَدَ أبياتاً من خُماس إلى عُشار. وقال غيره: في هذه الألفاظ المعدولة هل يُقتَصر فيها على السَّماع أو يُقاسُ عليها؟ قولان، أشهُرهما الاقتِصار، قال ابن الحاجِب: هذا هو الأصحّ، ونَصَّ عليه البخاريّ في ((صحيحه)). كذا قال، قلت: وعلى الثّاني مُحِمَل بيت الگمیت، و کذا قول الآخر: ضَرَبْتُ هُاسَ ضَرْبة عَبْشَميِّ أدارَ(١) سُداسَ أن لا تَستَقيما وهذه المعدولات لا تقع إلّا أحوالاً كهذه الآية، أو أوصافاً كقوله تعالى: ﴿أُوْلِ أَجْنِحَةٍ مَّثْفَ وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾ [فاطر: ١]، أو أخباراً كقوله عليه الصلاة والسَّلام: ((صلاة اللَّيل مَثنَى)) ولا يقال فيها: مَثْناة وثلاثة، بل تَجري مَجَرِّى واحداً، وهل يقال: مَوحَد كما يقال: مَثْنَى؟ الفصيح لا. وقيل: يجوز، وكذا مَثلَث ... إلى آخره، وقول أبي عبيدة أنَّ معنى مَثنَى: اثنتَين، فيه اختصار، وإنَّما معناه: اثنتَينِ اثنتَينِ وثلاثَ ثلاثَ، وكأنَّه تَرَكَ ذلك لشُهرَتِه، أو كان لا يرى الشَّكرار فيه، وسيأتي ما يَتَعلَّق بعَدَدِ ما يُنكَح من النِّساء في أوائل النِّكاح (٢) إن شاء الله تعالى. قوله: ((﴿لَنَّ سَبِيلًا﴾ يعني: الرَّجْم للَِّّب، والجَلْد للبكْرِ)) ثَبَتَ هذا أيضاً في رواية المُستَمْلِي والكُشْمِيهنيِّ حَسْب، وهو من تفسير ابن عبّاس أيضاً، وَصَلَه عبد بن حُميدٍ عنه بإسنادٍ صحيح، وروى مسلم (١٦٩٠) وأصحاب السُّنَن(٣) من حديث عُبادة بن الصّامت: أنَّ النبيّ ◌َِّ قال: ((خُذُوا عَنِّي، قد جَعَلَ الله لهنَّ سبيلاً، البكر بالبكرِ جَلْدُ مئة وتَغْرِيبُ عام، والثَّيِّب بالثَّيِّب جَلْدُ مئة والرَّجم))، والمراد الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ اُلْمَوْثُ أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، وقد روى الطبرانيُّ (١٢٠٣٣) من حديث ابن عبّاس قال: فلمَّا نزلت سورة النِّساء قال رسول الله وَّ: ((لا حَبس بعد سورة النِّساء)). وسيأتي البحث في الجمع بين الجَلْد والرَّجم للثَّيِّب في كتاب الحدود (٦٨١٢) إن شاء الله تعالى. (١) تحرفت في (س) إلى: أراد. (٢) باب (١٩)، قبل الحديث (٥٠٩٨). (٣) أبو داود (٤٤١٥)، والترمذي (١٤٣٤)، وابن ماجه (٢٥٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٧١٠٥). ١٦٤ سورة النساء / ح ٤٥٧٣ فتح الباري بشرح البخاري ١- بابٌ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الْيَ﴾ [النساء: ٣] ٤٥٧٣ - حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ رجلاً كانت له يَتِيمةٌ فنكَحَها، وكان لها عَذْقٌ، وكان يُمْسِكُها عليه، ولم يكن لها من نفسِه شيءٌ، فنزلت فيه: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِى الَْ﴾ ٢٣٩/٨ أحسِبُه قال: كانت شَرِيكَتَه في ذلك العَذْقِ/ وفي ماله. قوله: ((باب ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ الْيَ﴾)) سَقَطَت هذه التَّرجمة لغير أبي ذرٍّ، ومعنى خِفْتُمْ﴾: ظَهُم، ومعنى ﴿نُقْسِطُواْ﴾: تَعدِلوا، وهو من أقسَطَ، يقال: قَسَطَ إذا جارَ، وأقسَطَ إذا عَدَلَ، وقيل: الهمزة فيه للسَّلب، أي: أزالَ القِسط، ورَجَّحَه ابن التِّين بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَفْسَطْ عِندَ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، لأنَّ أفعَل في أبنية المبالَغة لا تكون في المشهور إلّا من الثُّلاثِيّ، نعم حكى السِّيرايُّ جواز التَّعَجُّب بالرُّباعيِّ، وحكى غيره أنَّ أقسَطَ من الأضداد، والله أعلم. قوله: ((أخبَرَنا هشام)) هو ابن يوسف، وهذه التَّرجمة من لَطائف أنواع الإسناد، وهي: ابن جُرَيج عن هشام وعنه هشام، الأعلى: هو ابن عُرْوة، والأدنَى: ابن يوسف. قوله: ((أنَّ رجلاً كانت له يَتِيمَة فنكَحَها)) هكذا قال هشام عن ابن جُرَيج، فأوهَمَ أنَّهَا نزلت في شَخص مُعيَّن، والمعروف عن هشام بن عُرْوة التَّعميم، وكذلك أخرجه الإسماعيليّ من طريق حَجّاج بن محمَّد عن ابن جُرَيج، ولفظه: أُنزِلَت في الرجل يكون عنده اليتيمة ... إلى آخره، وكذا هو عند المصنّف في الرِّواية التي تَلي هذه من طريق ابن شِهاب عن عُرْوة، وفيه شيء آخر نَبَّهَ عليه الإسماعيليّ وهو قوله: ((فكان لها عَذْقٌّ فكان يُمسِكها عليه)، فإنَّ هذا نزلَ في التي يَرغَب عن نِكاحها، وأمَّا التي يَرغَب في نِكاحها فهي التي يُعجِبه مالها وجمالها، فلا يُزوِّجها لغيره، ويريد أن يَتزوَّجها بدونِ صَدَاقِ مثلها، وقد وَقَعَ في رواية ابن شِهاب التي بعد هذه التَّصيصُ على القِصَّتَينِ، ورواية حَجّاج بن محمَّد ١٦٥ سورة النساء / ح ٤٥٧٤ كتاب التفسير سالمٌ من هذا الاعتراض، فإنَّه قال فيها: أُنزِلَت في الرجل يكون عنده اليتيمةُ وهي ذات مال ... إلى آخره، وكذا أخرجه المصنِّف في أواخر هذه السّورة (٤٦٠٠) من طريق أبي أُسامة، وفي النِّكاح (٥١٢٨) من طريق وكيع، كلاهما عن هشام. قوله: ((عَذْق)) بفتح العين المهمَلة وسكون المعجَمة: النَّخلة، وبالكسرِ: الكِياسَة والقِنْو، وهو من النَّخلة كالعُنقودِ من الكَرْمة، والمراد هنا الأوَّل. وأغرَبَ الدّاووديُّ ففَسَّرَ العَذْق في حديث عائشة هذا بالحائطِ. قوله: ((وكان يُمْسِكها عليه)) أي: لأجلِه، وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ: ((فيُمسِك(١) بسببه)). قوله: ((أحْسِبه قال: كانت شَرِيكَتَه في ذلك العَذْق)) هو شَكّ من هشام بن يوسف، ووَقَعَ مُبَيَّناً مجزوماً به في رواية أبي أسامة، ولفظه: هو الرجل يكون/ عنده اليتيمة، هو وليّها، ٢٤٠/٨ وتَشْرَكُه في ماله حتَّى في العَذْقِ، فَيَرغَب أن يَنكِحِها ويَكرَه أن يُزْوِّجها رجلاً فيَشْرَكَه في ماله، فَيَعضِلُها، فنُهوا عن ذلك، ورواية ابن شِهاب شاملة للقِصَّتَينِ، وقد تقدَّمت في الوَصایا (٢٧٥٣) من رواية شُعَیب عنه. ٤٥٧٤- حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحِ بنِ كَيْسانَ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخبرني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ: أنَّه سألَ عائشةَ عن قولِ الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِي الْيَ﴾ فقالت: يا ابنَ أُختي هذه اليَتِيمةُ تكونُ في حَجْرِ ولِيِّها تَشْرَكُه في ماله، ويُعْجِبُهُ مالها وجمالها، فيُرِيدُ ولِيُّها أن يَتزوَّجَها بغيرِ أن يُقِطَ في صَداقها، فيُعْطِيَها مِثلَ ما يُعْطِيها غيرُه، فنُهوا عن ذلك، إلا أن يُقسِطُوا لهنَّ، ويَبْلُغوا بِنَّ أعلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّداق، فأُمِروا أن يَنْكِحوا ما طابَ لهم منَ النِّساءِ سواهُنَّ، قال عُرْوةُ: قالت عائشةُ: وإنَّ الناسَ اسْتَفْتَوْا رسولَ اللهِ وَلِّ بعدَ هذه الآيةِ، فأنزلَ الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧] قالت عائشةُ: وقولُ الله تعالى في آيةٍ أُخرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رَغْبةُ أحدِكُم عن يَتِيمَتِهِ حينَ تكونُ قَلِيلةَ المال والجمال، قالت: فنُهوا أن يَنْكِحِوا عَمَّن رَغِبوا في مالِه (١) في (أ) و(ع): فيمسكه، والمثبت من (س). ١٦٦ سورة النساء / ح ٤٥٧٤ فتح الباري بشرح البخاري وجمالِهِ في يَتَامَى النِّساءِ، إلا بالقِسْطِ من أجْلِ رَغْبَتِهِم عنهنَّ، إذا كُنَّ قَلِيلاتِ المالِ والجمالِ. قوله: ((اليتيمة)) أي: التي ماتَ أبوها. قوله: ((في حَجْر وليِّها)» أي: الذي يلي مالها. قوله: ((بغيرِ أن يُقسِط في صداقها)» في النكاح (٥٠٩٢) من روایة عَقيل عن ابن شهاب: ويريد أن يَنْتَقِص من صَداقها. قوله: ((فيُعْطِيَها مِثْلَ ما يُعطِيها غيرُه)) هو معطوف على معمول ((بغير))، أي: يريد أن يَتزوَّجها بغير أن يُعطِيها مِثل ما يُعطيها غيرُه، أي: مَمَّن يَرغَب في نِكاحها سواه، ويدلّ على هذا قوله بعد ذلك: ((فنُهوا عن ذلك إلّا أن يَبلُغوا بهنَّ أعلى سُنَّتَهنَّ في الصَّداق))، وقد تقدَّم في الشَّركة (٢٤٩٤) من رواية يونس عن ابن شهاب(١) بلفظ: بغير أن يُقسِط في صَداقها، فيُعطيها مِثْلَ ما يُعطيها غیرُه. قوله: ((فأُمِروا أن يَنْكِحوا ما طابَ لهم من النِّساء سواهُنَّ) أي: بأيِّ مَهْر تَوافَقوا عليه، وتأويل عائشة هذا جاء عن ابن عبّاس مثلُه، أخرجه الطَّبَريّ(٢)، وعن مجاهد(٣) مُناسَبة تَرَّب قوله: ﴿فَنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَلِ﴾ على قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اَلَْ﴾ شيءٌ آخر، قال في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُوا فِي الْبَ﴾، أي: إذا كنتُم تَّخافونَ أن لا تَعدِلوا في مال اليَتَامَى فتَحرَّجتُم أن لا تَلوها، فَتَحرَّجوا من الزِّنى، وانكِحوا ما طابَ لكُم من النِّساء، وعلى تأويل عائشة يكون المعنى: وإن خِفتُم أن لا تُقسِطوا في نِكاح اليَنَامَى. قوله: ((قال عُرْوة: قالت عائشة)) هو معطوف على الإسناد المذكور وإن كان بغير أداة عَطْف، وفي رواية عَقيل وشُعَيب المذكورَينِ: قالت عائشة: فاستَفْتَى الناس ... إلى آخره. قوله: ((بَعْد هذه الآية)) أي: بعد نزول هذه الآية بهذه القِصّة، وفي رواية عَقيل: ((بعد ذلك)). (١) رواية يونس، عن ابن شهاب معلقة عنده، وهي مقرونة بطريق صالح بن كيسان، وعن ابن شهاب. (٢) لم نقع على تأويل ابن عباس هذا في ((تفسير الطبري)). (٣) عند الطبري ٤/ ٢٣٥. ١٦٧ سورة النساء / ح ٤٥٧٤ كتاب التفسير قوله: ((فَأَنزَلَ الله: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ﴾ قالت عائشة: وقول الله تعالى في آيةٍ أُخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾)) كذا وَقَعَ في رواية صالح، وليس ذلك في آيةٍ أُخرى، وإنَّما هو في نفس الآية وهي قوله: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ النِّسَاءِ﴾، ووَقَعَ في رواية شُعَيب وعَقيل: ((فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ اُلِنِّسَاءِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾)) ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّه سَقَطَ من رواية البخاريّ شيءٌ اقتَضَى هذا الخطأ، ففي ((صحيح مسلم) (٣٠١٨)، والإسماعيليّ، والنَّسائيِّ (ك١١٠٢٤) واللَّفظ له من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه بهذا الإسناد في هذا الموضع: ((فأَنزَلَ الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ فِ يَتَمَى النِّسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَاكُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَ﴾ فذكر الله أنّه يُتْلَى عليكم في الكتاب الآية الأولى وهي قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اُلْيَى فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ قالت عائشة: وقول الله في الآية الأُخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكُم ... إلى آخره، كذا أخرجه مسلم من طريق يونس عن ابن شِهاب، وتقدَّم للمصنِّفِ أيضاً في الشَّرِكة من طريق يونس عن ابن شهاب مقروناً بطريق صالح بن كَيْسانَ المذكورة هنا، فوَضَح بهذا في رواية صالح أنَّ في الباب اختصاراً، وقد تَكلَّفَ له بعض الشُّاح فقال: معنى قوله: ((في آية أُخرى)) أي: بعد قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾، وما أوردناه أوضَح، والله أعلم. تنبيه: أغفَلَ المِزّيُّ في ((الأطراف)) عَزو هذه الطَّريق، أي: طريق صالح عن ابن شِهاب إلى كتاب التَّفسير، واقتَصَرَ على عَزوها إلى كتاب الشَّرِكة. قوله: ((﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾، رَغْبةُ أحدكُم عن يَتِيمَته)) فيه تعيين أحد الاحتمالَينِ في قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾، لأنَّ رَغِبَ يَتغيَّر معناه بمُتَعلَّقِهِ، يقال: رَغِبَ فيه: إذا أرادَه، ورَغِبَ عنه: إذا لم يُرِدْه، لأنَّه يحتمل أن تُحذَف ((في)) وأن تُحذَف ((عن))، وقد تأوَّلَه سعيد بن جُبَير على المعنَينِ فقال: نزلت في الغَنَّة والمُعدِمة. والمرويّ هنا عن عائشة أوضَحُ في أنَّ الآية الأولى نزلت في الغَنَّة، وهذه الآية نزلت في المُعدِمة. قوله: ((فنُهوا)) أي: ثُهوا/ عن نكاح المرغوب فيها لجمالها ومالها لأجلِ زُهدِهم فيها إذا ٢٤١/٨ ١٦٨ سورة النساء / ح ٤٥٧٥ فتح الباري بشرح البخاري كانت قليلة المال والجمال، فينبغي أن يكون نِكاح اليَتَيمَتَينِ على السَّواء في العَدل. وفي الحديث اعتبار مهر المثل في المحجورات، وأنَّ غیرهنَّ يجوز نكاحها بدونٍ ذلك، وفيه أنَّ للوَلِيِّ أن يَتزوَّج مَن هي تحت حِجْره لكن يكون العاقد غیرُه، وسيأتي البحث فيه في النِّكاح، وفيه جواز تزويج اليَتَامَى قبل البلوغ، لأَنَّهُنَّ بعد البلوغ لا يُقال لهنَّ يَتيمات إلّا أن يكون أُطلِقَ استصحاباً لحالهِنَّ، وسيأتي البحث فيه أيضاً في كتاب النِّكاح (٥١٤٠). ٢- بابٌ ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُّ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَّهِمْ أَمْوَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [النساء: ٦] ﴿وَبِدَارًا﴾ [٦]: مُبادَرةً. ﴿أَعْتَدْنَا﴾ [١٨]: أعدَدْنا أَفعَلْنا منَ العَتادِ. ٤٥٧٥- حدَّثني إسحاقُ، أخبرنا عبدُ الله بنُ نُمَير، حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلّ ◌ِاَلْمَعْرُوفِ ﴾ أنَّها نزلت في مال اليَتِيم إذا كان فقِيراً أنَّه يأكلُ مِنْه مكان قِيامِه عليه بمَعْروفٍ. قوله: ((باب ﴿وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾) ساقَ إلى قوله: ﴿ حَسِبًا ﴾. قوله: ((وبداراً: مُبادَرةً)) هو تفسير أوَّل الآية المترجَم بها، وقال أبو عُبيدة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَيِدَارًا﴾: الإسراف: الإفراط، وبِداراً: مُبادَرة، وكأنَّه فَسَّرَ المصدر بأشهَر منه، يقال: بادَرتُ بِداراً ومُبادَرة. وأخرج الطَّبَريُّ (٢٥٤/٤) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: يعني: یأكل مال الیتیم ویُبادِر إلی أن يبلغ فيحول بينه وبين ماله. قوله: ((أعتَدْنا: أعدَدْنا، أَفَعَلْنا من العَتاد)) كذا للأكثرِ، وهو تفسير أبي عُبيدة، ولأبي ذرِّ عن الكُشْمِيهنيِّ: ((اعتَدَدْنا: افتَعَلنا)) والأوَّل هو الصَّواب، والمراد أنَّ أعتَدنا وأعددنا بمعنَّى واحد، لأنَّ العَتيد هو الشَّيء المُعَدّ. تنبيه: وَقَعَت هذه الكلمة في هذا الموضع سَهواً من بعض نُسّاخ الكتاب، ومَحَلُّها بعد ١٦٩ سورة النساء / ح ٤٥٧٥ كتاب التفسير هذا قبل ((باب ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا ﴾ [النساء: ١٩])). قوله: ((حدَّثني إسحاق)) هو ابن راهويه، وأمَّا أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)) فأخرجه من طريق ابن راهويه، ثمَّ قال: أخرجه البخاريّ عن إسحاق بن منصور. قوله: ((في مال اليتيم)) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((في والي الْيَتَيم)) والمراد بوالي اليتيم: المتصَرِّف في ماله بالوَصيّة ونحوها، والضَّمير في ((كان)) على الرِّواية الأولى يَنصَرِف إلى مَصِرِف المال بقَرِينة المقام، ووَقَعَ في البُيوع (٢٢١٢) من طريق عثمان بن فرْقَد عن هشام بن عُرْوة بلفظ: أُنْزِلَت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويُصلِحِ ماله، إن كان فقيراً أكَلَ منه بالمعروفِ. وفي الباب حديث مرفوع أخرجه أبو داود (٢٨٧٢)، والنَّسائيُّ (ك٦٤٦٢)، وابن ماجه (٢٧١٨)، وابن خُزيمةَ، وابن الجارود (٩٥٢)، وابن أبي حاتم (٤٨٢٤) من طريق حُسَين المكتِب عن عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه قال: جاء رجل إلى النبيّ وَّه فقال: إنَّ عندي يَتِيماً له مال، وليس عندي شيء، أفاكُل من ماله؟ قال: ((بالمعروفِ))، وإسناده قويّ. قوله: ((إذا كان فقيراً)) مَصيرٌ منه إلى أنَّ الذي يُباح له الأُجرة من مال اليتيم مَن اَّصَفَ بالفَقرِ، وقد قَدَّمتُ البحث في ذلك في كتاب الوصايا (٢٧٦٤)، وذكر الطَّبَرِيُّ (٢٥٧/٤) من طريق السُّدّيِّ، أخبرني مَن سمعَ ابن عبّاس يقول في قوله: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: بأطراف أصابعه، ومن طريق عِكْرمة: يأكل ولا يَكتَسي، ومن طريق إبراهيم النَّخَعيِّ: يأكل ما سَدّ الجَوعة ويَلبَس ما وارَى العَورة، وقد مضى بَقيَّة نقل الخِلَاف فيه في الوصايا. وقال الحسن بن حَيّ: يأكل وصُّ الأب بالمعروفِ، وأمَّا قَيِّم الحاكم فله أُجرةٌ فلا يأكل شيئاً، وأغرَبَ ربيعة فقال: / المراد خِطاب الوَليّ بما يصنع باليتيمِ ٢٤٢/٨ إن كان غَنّاً وسَّعَ عليه، وإن كان فقيراً أَنفَقَ عليه بقَدره، وهذا أبعَدُ الأقوال كلّها. تنبيه: وَقَعَ لبعضِ الشُّرّاحِ ما نَصّه: قوله: ((فمَن كان غنيّاً فليَسْتَعِفِفْ)) التِّلاوة: ((ومَن كان)» بالواو. انتهى، وأنا ما رأيته في النُّسَخ التي وقعتُ(١) علیھا إلّا بالواو. (١) كذا في (أ) و(ع)، وفي (س): وقفتُ، وكلاهما بمعنّى. ١٧٠ سورة النساء / ح ٤٥٧٦ فتح الباري بشرح البخاري ٣- بابٌ ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَمَ وَاَلْمَسَكِينُ﴾ الآية ٤٥٧٦- حدَّثنا أحمدُ بنُ مُميدٍ، أخبرنا عُبيدُ الله الأشجَعيُّ، عن سفيانَ، عن الشَّيبانيِّ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَى وَالْمَسَكِينُ﴾ [النساء: ٨] قال: هي مُحكَمةٌ وليست بمنسوخةٍ. تابَعَه سعيدُ بن جُبير، عن ابنِ عبَّاسٍ. قوله: (باب ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَى وَالْمَسَكِينُ﴾ الآية)) سَقَطَ ((باب)) لغیر أبي ذرٍّ. قوله: ((حدَّثنا أحمد بن مُميدٍ)) هو القُرشيّ الکوفيّ، صِهر عُبيد الله بن موسى، يقال له: دارُ أمّ سَلَمَةَ، لُقِّبَ بذلك لجمعِه حديث أمّ سَلَمةَ وتَتُعه لذلك، وقال ابن عَديّ: كان له اتّصال بأُمِّ سَلَمَةَ - يعني زوج السَّفّح الخليفة - فلُقِّبَ بذلك، ووَهمَ الحاكم فقال: يُلقَّب جار أمّ سَلَمَةَ، وثَّقْه مُطَيَّن، وقال: كان يُعَدّ في حُفّاظ أهل الكوفة، وماتَ سنة عشرينَ ومئتَينٍ، ووَهمَ مَن قال خِلاف ذلك، وما له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث الواحد. وشيخُه ◌ُبيد الله الأشجَعيُّ: هو ابن عُبيد الرَّحمن الكوفيّ، وأبوه فرد في الأسماء مشهور في أصحاب سفيان الثَّوريّ، والشَّيبانيُّ: هو أبو إسحاق، والإسناد إلى عِكْرمة كوفيّونَ. قوله: ((هِيَ تُحْكَمة وليست بمنسوخةٍ)) زاد الإسماعيليّ من وجه آخر عن الأشجَعيِّ: وكان ابن عبَّاس إذا وليَ رَضَخَ، وإذا كان في المال قِلّة اعتَذَرَ إليهم، فذلك القول بالمعروفِ. وعند الحاكم (٣٠٢/٢-٣٠٣) من طريق عَمْرو بن أبي قيس عن الشَّيبانيِّ بالإسناد المذكور في هذه الآية قال: يُرضَخُ لهم، وإن كان في المال تقصير اعتُذِرَ إليهم. قوله: ((تابَعَه سعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس)) وَصَلَه في الوصايا (٢٧٥٩) بلفظ: إنَّ ناساً يَزْعُمونَ أنَّ هذه الآية نُسِخَت، ولا والله ما نُسِخَت، ولكنَّها ممَّا تَهاوَنَ الناس بها، هما واليان: والٍ يَرِث وذلك الذي يُرزَق، ووالٍ لا يَرِث وذلك الذي يقال له بالمعروفِ، يقول: ١٧١ سورة النساء / ح ٤٥٧٦ كتاب التفسير لا أملك لك أن أُعطيك، وهذان الإسنادان الصَّحيحان عن ابن عبّاس هما المعتمَدان، وجاءت عنه روايات من أوجُهٍ ضعيفة عند ابن أبي حاتم وابن مَرْدويه أنَّها منسوخة، نَسَخَتها آية الميراث، وصَحَّ ذلك عن سعيد بن المسيّب، وهو قول القاسم بن محمَّد وِكْرمة وغير واحد، وبه قال الأئمّة الأربعة وأصحابهم، وجاء عن ابن عبّاس قولٌ آخر أخرجه عبد الرَّزّاق(١) بإسنادٍ صحيحٍ عن القاسم بن محمَّد: أنَّ عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي بكر قَسَمَ ميراث أبيه عبد الرَّحمن في حياة عائشة، فلم يَدَع في الدّار ذا قَرابة ولا مِسْكيناً إلّا أعطاه من ميراث أبيه، وتلا الآية، قال القاسم: فذكرته لابنِ عبَّاس فقال: ما أصاب، ليس ذلك له، إنَّما ذلك إلى الوَصِيّ، وإنَّما ذلك في الوصيّة (٢)، أي: نُدِبَ المَيِّتُ أن يوصِيَ لهم. قلت: وهذا لا يُنافي حديث الباب، وهو أنَّ الآيةَ مُحكَمةٌ وليست بمنسوخةٍ. وقيل: معنى الآية: وإذا حَضَرَ قِسمةَ الميراث قَرابة الميّت ممّن لا يَرِث، والْيَتَامَى والمساكينُ فإنَّ نفوسَهم تَتَشَوَّف إلى أخذ شيء منه، ولاسيّما إن كان جَزِيلاً، فأمَرَ الله سبحانه أن يُرِضَخَ لهم بشيءٍ على سبيل البرّ والإحسان. واختَلَفَ مَن قال بذلك هل الأمر فيه على النَّدب أو الوجوب؟ فقال مجاهد وطائفة: هي على الوجوب، وهو قول ابن حَزْم؛ أنَّ على الوارث أن يُعطي هذه الأصناف ما طابَت به نفسُه. ونَقَلَ ابن الجَوْزيّ عن أكثر أهل العلم، أنَّ المراد / بأولي القَرابة: مَن لا يَرِث، وأنَّ ٢٤٣/٨ معنى ﴿فَارْزُقُوهُم ﴾: أعطوهم من المال. وقال آخرونَ: أطعِموهم، وأنَّ ذلك على سبيل الاستحباب، وهو المعتمَد، لأنَّه لو كان على الوجوب لاقتَضَى استحقاقاً في التَّرِكة ومُشاركة في الميراث بجهةٍ مجهولة فيُفضي إلى التَّنازُع والتَّقاطُع، وعلى القول بالنَّدب فقد قيلَ: يَفعَل ذلك وليّ المحجور، وقيل: لا بل يقول: ليس المال لي وإنَّما هو لليتيم، وأنَّ هذا هو المراد بقوله: ﴿وَقُولُواْ لَمْ قَوْلًا مَّغُرُوفًا﴾، وعلى هذا فتكون (١) في ((التفسير)) ١٤٩/١. (٢) تحرف في (س) إلى: العصبة. ١٧٢ سورة النساء / ح ٤٥٧٧ فتح الباري بشرح البخاري الواو في قوله: ﴿وَقُولُواْ﴾ للتَّقسيم. وعن ابن سِيرِين وطائفة: المراد بقوله: ﴿فَرْزُقُوهُم مِنْهُ﴾: اصنَعوا لهم طعاماً يأكلونَه، وأنَّها على العموم في مال المحجور وغيره، والله أعلم. ٤- بابٌ ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمْ﴾ [النساء: ١١] ٤٥٧٧ - حدّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، أخبَرَنا هشامٌ، أنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرهم، قال: أخبرني ابنُ المُنْكَدِرِ، عن جابرٍ عَّه قال: عادَني النبيُّ وَّهِ وأبو بَكْرٍ في بني سَلِمَةً ماشيَينٍ، فَوَجَدَني النبيُّ ونَ﴿ لا أعقِلُ، فَدَعَا بماءٍ فَتَوضَّأ منه، ثمَّ رَشَّ عليَّ فأفَقْتُ فقلتُ: ما تَأمُرُني أن أصنَعَ في مالي يا رسولَ الله؟ فنزلت ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَدِكُمْ﴾. قوله: ((باب ﴿ يُوصِیگهالله فى آولدِكُمْ ﴾)) سَقَطَ لغیر أبي ذرِ ((باب)» و «في أولادكُم»، والمراد بالوَصيَّة هنا: بيانُ قِسْمة الميراث. قوله: ((أخبَرَنا هشام)) هو ابن يوسف، وابن المنكَدِر: هو محمَّد. قوله: ((عن جابر)) في رواية شُعْبة عن ابن المنكَدِر: ((سمعت جابراً)، وتقدَّمت في الطَّهارة (١٩٤). قوله: ((عادَني النبيُّ ◌َلَ)) سيأتي ما يَتَعلَّق بذلك في كتاب المرضَى قُبَيل كتاب الطِّبّ (٥٦٥١). قوله: ((في بني سَلِمة)) بفتح المهمَلة وكسر اللّام: هم قوم جابر، وهم بطنٌ من الخَزْرَج. قوله: ((لا أعقِل)) زاد الكُشْمِيهنيُّ: ((شيئاً». قوله: ((ثمَّ رَشَّ عليّ) بيَنتُ في الطَّهارة الردّ على مَن زَعَمَ أَنَّه رَشَ عليه من الذي فضَلَ، وسيأتي في الاعتصام (٧٣٠٩) التَّصريح بأنَّه صَبَّ عليه نفس الماء الذي تَوضَّأ به. قوله: ((فقلت: ما تَأمُرني أن أصنَع في مالي)) في رواية شُعْبة المذكورة: ((فقلت: يا رسول الله لمن الميراث؟ إنَّما يَرِثني كلالة))، وسيأتي بيانُ ذلك في الفرائض (٦٧٢٣). ١٧٣ سورة النساء / ح ٤٥٧٧ كتاب التفسير قوله: (فنزلت ﴿ يُوصِيكُمُاللّهُ فِى أَوْلَدِكُمْ ﴾)) هكذا وَقَعَ في رواية ابن جُرَیج، وقيل: إنَّه وهِمَ في ذلك، وأنَّ الصَّواب أنَّ الآية التي نزلت في قِصّة جابر هذه الآية الأخيرة من النِّساء وهي ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ ﴾ [النساء: ١٧٦] لأنَّ جابراً يومَئذٍ لم يكن له وَلدٌ ولا والد، والكَلالة مَن لا وَلَد له ولا والد، وقد أخرجه مسلم (٥/١٦١٦) عن عَمْرو الناقد، والنَّسائيُّ (ك١١٠٦٩) عن محمَّد بن منصور، كلاهما عن ابن عُيَينَةَ عن ابن المنكَدِر، فقال في هذا الحديث: حتَّى نزلت عليه آية الميراث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِ الْكَلَلَةِ﴾، ولمسلم أيضاً (٨/١٦١٦) من طريق شُعْبة عن ابن المنكَدِر قال في آخر هذا الحديث: فنزلت آية الميراث، فقلت لمحمَّدٍ بن المنكَدِر: يَستَفتونَك قل الله يُفْتِيكُم في الكلالة؟ قال: هكذا أُنزِلَت، وقد تَفَطَّنَ البخاريّ بذلك فَتَرجَمَ في أوَّل الفرائض ((قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِ كُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾)) ثمَّ ساقَ حديث جابر المذكور عن قُتَيبة عن ابن عُيَينةَ، وفي آخره: حتَّى نزلت آية الميراث، ولم يَذكُر ما زادَه الناقد، فأشعَرَ بأنَّ الزّيادة عنده مُدرَجة من كلام ابن عُيَينةَ، وقد أخرجه أحمد (١٤٢٩٨) عن ابن عُيَينَةَ مِثل رواية الناقد، وزاد في آخره: كان ليس له ولدٌ وله أخَوات(١)، وهذا من كلام ابن عُيَينةَ أيضاً، وقد اضطَرَبَ فيه؛ فأخرجه / ابن خُزَيمةَ (١٠٦) عن عبد الجبّار بن ٢٤٤/٨ العلاء عنه بلفظ: حتَّى نزلت آية الميراث: إن امرُؤٌ هَلَكَ ليس له ولدٌ، وقال مرَّة: حتَّى نزلت آية الكلالة، وأخرجه عبد بن حُميدٍ، والتِّرمِذيّ (٣٠١٥) عنه عن يحيى بن آدم عن ابن عُيَينَةَ بلفظ: حتَّى نزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وأخرجه الإسماعيليّ من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عنه، فقال في آخره: حتَّى نزلت آية الميراث: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِىّ أَوْلَدِكُمْ﴾. فمُراد البخاريّ بقوله في التَّرجمة: ((إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيٌ﴾)) الإشارة إلى أنَّ مُراد جابر من آية الميراث قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةً﴾، وأمَّا الآية الأُخرى وهي قوله: (١) لفظه عند أحمد: فقلت: يا رسول الله، كيف أصنع في مالي، ولي أخوات؟ ١٧٤ سورة النساء / ح ٤٥٧٧ فتح الباري بشرح البخاري ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾ فسيأتي في آخر تفسير هذه السّورة (٤٦٠٥) أنَّهَا من آخر ما نزلَ، فكأنَّ الكلالة لمَّا كانت مُجُمَلة(١) في آية المواريث استَفتَوا عنها فنزلت الآية الأخيرة. ولم يَنْفَرِد ابن جُرَيج بتعيينِ الآية المذكورة، فقد ذَكَرها ابن عُيَينةَ أيضاً على الاختلاف عنه، وكذا أخرجه التِّرمِذيّ (٢٠٩٦)، والحاكم (٢/ ٣٠٣) من طريق عَمْرو بن أبي قيس عن ابن المنكَدِر، وفيه نزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اَللّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ ﴾، وقد أخرجه البخاريّ أيضاً عن ابن المَدِينيّ (٧٣٠٩) وعن الجُعْفيِّ (٥٦٥١) مِثل رواية قُتَيِية بدونِ الزّيادة، وهو المحفوظ، كذا أخرجه مسلم (٧/١٦١٦) من طريق سفيان الثَّوريّ عن ابن المنكَدِر بلفظ: حتَّى نزلت آية الميراث، فالحاصل أنَّ المحفوظ عن ابن المنكَدِر أنَّه قال: آية الميراث أو آية الفرائض، والظّاهر أنَّها ﴿يُوصِيكُ اللَّهُ﴾ كما صَرَّحَ به في رواية ابن جُرَیج ومَن تَابَعَه. وأمَّا مَن قال: إنَّهَا ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ فعُمدَته أنَّ جابراً لم يكن له حينئذٍ ولد، وإنَّما يورَث كَلالة، فكان المناسب لقِصَّتِهِ نزول الآية الأخيرة، لكن ليس ذلك بلازِم، لأنَّ الكَلالة مُخْتَلَفٌّ في تفسيرها، فقيلَ: هي اسم المال الموروث، وقيل: اسم المَيِّت، وقيل: اسم الإرث، وقيل ما تقدَّم. فلمَّا لم يُعيّن تفسيرها بمَن لا ولد له ولا والد لم يَصِحّ الاستدلال، لمَا قَدَّمتُه أنَّها نزلت في آخر الأمر، وآية المواريث نزلت قبل ذلك بمدة، كما أخرج أحمد وأصحاب ((السُّنَن)) وصَحَّحَه الحاكم(٢) من طريق عبد الله بن محمَّد بن عَقيل عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الرَّبيع فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنَتًا سعد بن الرَّبيع قُتِلَ أبو هما مَعَك في أُحُد، وإِنَّ عَمّهما أخَذَ مالَما. قال: فقال: ((يقضي الله في ذلك)) فنزلت آية المواريث. فأرسَلَ إلى عَمِّهما (٣) فقال: ((أعطِ ابنتَي سعد الثُّلثَينِ وأُمّهما الثُّمُن، فما بقيَ فهو لك))، وهذا ظاهر في تَقَدُّم نزولها، نعم وبه احتَجَّ مَن قال: إنَّها لم تَنزِل في قِصّة جابر، إنَّما نزلت في قِصّة ابنتي (١) في (ع): محتملة، والمثبت من (أ) و(س). (٢) أخرجه أحمد (١٤٧٩٨)، وأبو داود (٢٨٩١) و(٢٨٩٢)، وابن ماجه (٢٧٢٠)، والترمذي (٢٠٩٢)، والحاکم ٣٣٣/٤ -٣٣٤. (٣) تحرفت في (س) إلى: عمها. ١٧٥ سورة النساء / ح ٤٥٧٨ كتاب التفسير سعد بن الرَّبيع، وليس ذلك بلازِمٍ إذ لا مانع أن تَنزِل في الأمرَينِ معاً، ويحتمل أن يكون نزول أوَّلها في قِصّة البنتَينِ، وآخرها وهي قوله: ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةًّ ﴾ في قِصّة جابر، ويكون مُراد جابر فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِ كُمْ﴾ أي: ذِكر الكَلالَة المتَّصِل بهذه الآية، والله أعلم. وإذا تَقرَّرَ جميع ذلك ظَهَرَ أنَّ ابن جُرَيج لم يَهِم كما جَزَمَ به الدِّمياطيّ ومَن تَبعَه، وأنَّ مَن وََّه هو الواهم ، والله أعلم. وسيأتي بَقيَّة ما يَتَعلَّق بشرح هذا الحديث في الفرائض إن شاء الله تعالى. ٥- باب قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] ٤٥٧٨- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ يوسفَ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجِيح، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كان المالُ للولِدِ، وكانتِ الوَصِيَّةُ للوالدَينِ، فَنَسَخَ الله من ذلك ما أحَبَّ، فَجَعَلَ الذَّكَرِ مِثلَ حَظِّ الأَنْشَيْنِ، وجَعَلَ للأبوينِ لكلِّ واحدٍ منهما السُّدُسَ والثُّلثَ، وجَعَلَ للمرأةِ الثُّمُنَ والُّبُعَ، وللزَّوْجِ الشَّطْرَ والرُّبُعَ. قوله: ((باب قوله: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَجُكُمْ﴾)) سَقَطَ قوله: ((باب)) ٢٤٥/٨ لغير أبي ذرٍّ، وثَبَتَ قوله: ((قوله)) للمستَمْلي فقط. قوله: ((كان المال للولدِ)) يشير إلى ما كانوا عليه قبلُ، وقد روى الطَّبَريُّ (٢٧٥/٤) من وجه آخر عن ابن عبّاس: أنَّها لمَّ نزلت قالوا: يا رسول الله، أنُعطي الجارية الصَّغيرة نصفَ الميراث وهي لا تَركَب الفرس ولا تَدفَعُ (١) العدوّ؟ قال: وكانوا في الجاهليَّة لا يُعطُونَ الميراث إلّا لمن قاتَلَ القوم. قوله: ((فَنَسَخَ الله من ذلك ما أحَبَّ)) هذا يدلُّ على أنَّ الأمر الأوَّل استَمرَّ إلى نزول الآية، وفيه رَدّ على مَن أنكَرَ النَّسخ، ولم يُنقَل ذلك عن أحد من المسلمينَ إلّا عن أبي مسلم الأصبهانيّ صاحب ((النَّفْسير)) فإنَّه أنكَرَ النَّسخ مُطلَقاً، ورُدَّ عليه بالإجماع على أنَّ شَريعة (١) كذا في (أ) و(ع)، وفي (س): تدافع، وفي الطبري: تقاتل. ١٧٦ سورة النساء / ح ٤٥٧٩ فتح الباري بشرح البخاري الإسلام ناسخة لجميع الشَّرائع، أُجيبَ عنه بأنَّه يرى أنَّ الشَّرائع الماضية مُستَقِرّة الحُكم إلى ظُهور هذه الشَّريعة، قال: فيُسَمَّى ذلك تخصيصاً لا نَسخاً، ولهذا قال ابن السَّمعانيِّ: إن كان أبو مسلم لا يَعتَرِف بوقوع الأشياء التي نُسِخَت في هذه الشَّريعة فهو مُكابر، وإن قال: لا أُسَمّيه نَسخاً كان الخِلاف لفظياً، والله أعلم. قوله: ((وجَعَلَ للأبوينِ لكلِّ واحد منهما السُّدُسَ والثُّلثَ)) قال الدِّمياطيّ: قوله: ((والثُّلث)) زيادة هنا، وقد أخرج المصنّف هذا الحديث بهذا الإسناد في كتاب الفرائض (٦٧٣٩) فلم يَذْكُرها. قلت: اختَصَرَها هناكَ، ولكنَّها ثابتة في ((تفسير)) محمَّد بن يوسف الفِرْيابيِّ شيخه فيه، والمعنى: أنَّ لكلِّ واحد منهما السُّدُسَ في حال، وللأُمِّ الثَّلث في حال، ووِزَانُ ذلك ما ذكره في بَقيَّة الحديث ((وللّوج النِّصف والُّبُع» أي: کلّ منهما في حال. ٦- باب قولهِ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهَاً وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ ﴾ الآية [النساء: ١٩] وَيُذكَرُ عن ابنِ عبَّاسٍ ((لا تَعضُلُوهُنَّ): لا تَقْهَروهُنَّ. ﴿حُوبًا﴾ [٢]: إِثْماً. ﴿تَعُولُواْ﴾ [٣]: تَمِيلوا. ﴿نِلَةٌ﴾ [٤]: فالنِّحْلةُ: المَهْر. ٤٥٧٩ - حدَّثنا محمَّدُ بنُ مُقاتلٍ، حدَّثنا أَسْباطُ بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا الشَّیبانُّ، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ. قال الشَّيبانُّ: وذكره أبو الحسنِ السُّوائيُّ، ولا أظنُّه ذكره إلا عن ابنِ عبّاسٍ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَا تَيْتُمُوهُنَّ﴾ قال: كانوا إذا ماتَ الرجلُ كان أوْلِياؤُه أحقَّ بامرأتِه؛ إن شاءَ بعضُهم تزوَّجَها، وإن شاؤوا زَوَّجوها، وإن شاؤوا لم يُزوِّجوها، وهم أحقُّ بها من أهلِها، فنزلت هذه الآيةُ في ذلك. [طرفه في: ٦٩٤٨] ١٧٧ سورة النساء / ح ٤٥٧٩ كتاب التفسير قوله: ((باب قوله: ﴿لَا يَحِلُ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الآية)) سَقَطَ ((باب)) وما بعد ((كَرْهاً)) لغير أبي ذرٍّ، وقوله: ((كَرها)) مصدر في موضع الحال، قرأها حمزة والكسائيّ بالضَّمِّ والباقونَ بالفتح. قوله: ((ويُذكَر عن ابن عبّاس: لا تَعْضُلوهُنَّ: لا تَقْهَروهُنَّ) في رواية الكُشْمِيهنيِّ: ((تنتهِروهُنَّ)) بنونٍ بعدها مُثنّة من الانتِهار، وهي رواية القابِسِيّ أيضاً، وهذه الرِّواية وهمٌّ، والصَّواب ما عند الجماعة. وهذا الأثر وَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٣٠٧/٤) وابن أبي حاتم (٩٠٣/٣) من طريق عليّ ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: ﴿لَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: لا تَقْهَروهُنَّ ﴿لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يعني: الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصُحبَتِها، ولهما عليه مَهرٌ، فَيَضُرّها لتَفْتَديَ، وأسنَدَ عن السُّدّيِّ والضَّحّاك نحوه. وعن مجاهد: أنَّ المخاطَب بذلك أولياء المرأة، كالعَضْلِ المذكور / في سورة البقرة، ثمَّ ضَعَّفَ ذلك وَرَجَّحَ الأوَّل. ٢٤٦/٨ قوله: (﴿ حُوبًا ﴾: إِنْ)) وَصَلَه ابن أبي حاتم (٨٥٦/٣) بإسناد صحيح عن داود بن أبي هِند عن عِكْرمة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا﴾ قال: إثماً عظيماً. ووَصَلَه الطَّبَرِيُّ (٢٣١/٤) من طريق مجاهد والسُّدّيِّ والحسن وقَتَادة مثله. والجمهور على ضَمّ الحاء، وعن الحسن أنه قرأ(١) بفتحها. قوله: (﴿تَعُولُواْ﴾: تَميلوا)) وَصَلَه سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْفَ أَلَّا تَعُولُواْ﴾ قال: أن لا تَميلوا. ورُوِّيناه في ((فوائد أبي بكر الآجُرّيِّ)) بإسنادٍ آخر صحيح إلى الشَّعبيّ عن ابن عبَّاس، ووَصَلَه الطََّرِيُّ (٢٣٩/٤، ٢٤٠) من طريق الحسن ومجاهد وعِكْرمة والنَّخَعيِّ والسُّدّيِّ وقَتَادة وغيرهم مثله، وأنشَدَ في رواية عكرمة لأبي طالب من أبيات: بمِیزانِ صِدْقٍ وَزنُه غيرُ عائلٍ (١) قوله: ((أنه قرأ)) سقط من (أ) و(س). ١٧٨ سورة النساء / ح ٤٥٧٩ فتح الباري بشرح البخاري وجاء مثله مرفوعاً صَحَّحه ابن حبان (٤٠٢٩) من حديث عائشة(١)، وروى ابن المنذر عن الشافعيّ: ((أن لا تعولوا)): أن لا يَكثُر عيالكُم، وأنكَرَه المبَرّد وابن داود والثَّعَبيّ وغيرهم، لكن قد جاء عن زيد بن أسلَمَ نحو ما قال الشافعيّ، أسنَدَه الدّارَقُطنيّ (٣٨٥١)، وإن كان الأوَّل أشهَر، واحتَجَّ مَن رَدَّه أيضاً من حيثُ المعنى بأنَّه أُحِلَّ من مِلْك اليمين ما شاءَ الرجل بلا عَدَد، ومِن لازِم ذلك كَثْرة العيال، وإنَّما ذكر النِّساء وما يَحِلّ منهنَّ، فالجَوْر والعَدْل يَتَعلَّق بهنَّ. وأيضاً فإنَّه لو كان المراد كَثْرة العِيال لكان أعالَ يُعيل من الرُّباعيّ، وأمَّا تَعُولوا فمن الثُّلاثِيّ، لكن نَقَلَ الثَّعلَبيّ عن أبي عَمْرو الدُّوريّ - قال: وكان من أئمّة اللُّغة - أنّه قال: هي لغة حِمْيَر. ونُقِلَ عن طلحة بن مُصرِّف أنَّه قرأ: ((أن لا تُعيلوا)). قوله: ((نِحْلة، فالنِّحْلة: المَهْر)) كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره بغير فاءٍ. قال الإسماعيليّ: إن كان ذلك من تفسير البخاريّ ففيه نظر، فقد قيل فيه غير ذلك، وأقرَب الوجوه أنَّ النِّحلة: ما يُعطونَه من غير عِوَض، وقيل: المراد نِحلة يَنْتَحِلونَها، أي: يَتَدَيَّنِونَ بها ويَعتَقِدونَ ذلك. قلت: والتَّفسير الذي ذكره البخاريّ قد وَصَلَه ابن أبي حاتم (٨٦١/٣) والطَّبَرِيُّ (٤/ ٢٤١) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ أَلِسَآءَ صَدُقَتِهِنَّ نِلَةٌ﴾ قال: النِّحلة: المهر. وروى الطََّرِيُّ عن قَتَادة قال: نِحلة، أي: فريضة. ومن طريق عبد الرَّحمن بن زيد بن أسلَمَ قال: النِّحلة في كلام العرب: الواجب، قال: ليس ينبغي لأحدٍ أن يَنكِحَ إلّا بصَداقٍ. كذا قال، والنِّحلة في كلام العرب: العَطيَّة، لا كما قال ابن زيد، ثمَّ قال الطَّبَريُّ: وقيل: إنَّ المخاطَب بذلك أولياء النِّساء، كان الرجل إذا زَوَّجَ امرأةً(٢) أخَذَ صَداقها دونها، فنُهوا عن ذلك، ثمَّ أسنَدَه إلى سَيّار عن أبي صالح بذلك، واختارَ الطَّبَرِيُّ القول الأوَّل، واستَدَلَّ لَه. تنبيه: تَحَلّ هذه التَّفاسير من قوله: ﴿حُوبًا﴾ إلى آخرها في أوَّل السّورة، وكأنّه من بعض نُسّاخ الكتاب كما قَدَّمناه غير مرَّة، وليس هذا خاصّاً بهذا الموضع، ففي التَّفسير في غالب (١) عن النبي ◌َّ في قوله: ﴿أَدْفَ أَن لَا تَعُولُواْ﴾ قال: ((أن لا تجوروا!)). (٢) في (ع): آيمة. ١٧٩ سورة النساء / ح ٤٥٧٩ كتاب التفسير السُّوَر أشباه هذا. قوله: ((حدَّثْنَا أَسْباط بن محمَّد)) هو بفتح الهمزة وسكون المهمَلة بعدها موحَّدة، كوفيّ ثقة، ليس له في ((البخاريّ)) سِوَى هذا الحديث. وأورَدَه في كتاب الإكراه (٦٩٤٨) عن حُسَين بن منصور عنه أيضاً، وقد قال الدّوريّ عن ابن مَعِين: كان يُخْطِئ عن سفيان، فذكره لأجلِ ذلك ابن البَرْقِي(١) في ((الضُّعَفاء))، لكن قال: كان ثَبتاً فيما يَروي عن الشَّيبانيِّ ومُطَرِّف. وذكره العُقَيلُّ وقال: ((رُبَّما وهِمَ في الشَّيء))، وقد أدرَكَه البخاريّ بالسِّنِّ لأَنَّه ماتَ في أوَّل سنة متَينٍ. قوله: «قال الشَّیباني» سمّاه في کتاب الإكراه: سلیمان بن فيروز. قوله: ((وذكره أبو الحسن السُّوائيُّ، ولا أظنّه ذكره إلّا عن ابن عبّاس)) حاصله أنَّ للشَّيبانيِّ فيه طريقَينِ: إحداهما موصولة، وهي عِكْرمة عن ابن عبّاس، والأُخرى مَشكوك في وصلها، وهي أبو الحسن السُّوائيُّ عن ابن عبّاس. والشَّيبانيُّ: هو أبو إسحاق، والسُّوائيُّ بضمِّ المهمَلة وتخفيف الواو ثمَّ ألف ثمَّ همزة، واسمه عطاء، ولم أقِفْ له على ذِكْر إلّا في هذا الحديث. قوله: ((كانوا إذا ماتَ الرجل)) في رواية السُّدّيِّ تقييد/ ذلك بالجاهليَّة، وفي رواية ٢٤٧/٨ الضَّحّاك تخصيص ذلك بأهلِ المدينة، وكذلك أورَدَه الطَّبَرِيُّ (٣٠٧/٤) من طريق العَوْفِيِّ عن ابن عبّاس، لكن لا يَلزَم من كَوْنه في الجاهليَّة أن لا يكون استَمرَّ في أوَّل الإسلام إلى أن نزلت الآية، فقد (٢) روى الطَّبَريُّ (٣٠٦/٤) من طريق ابن جُرَيج عن عِكْرمة أنَّها نزلت في قِصّة خاصّة قال: نزلت في كُبَيشة بنت مَعْن بن عاصم من الأوس، وكانت تحت أبي قيس بن الأسلَت، فتُؤُنَّ عنها، فجَنَحَ عليها ابنه، فجاءت النبيّ ◌َّ فقالت: يا نبيّ الله، لا (١) في (س): ((ابن الجوزي))، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا كما في (أ) و(ع)، وابن البرقي هذا هو محمد بن عبد الله ابن عبد الرحيم الزهري مولاهم، توفي سنة ٢٤٩هـ، صاحب كتاب ((الضعفاء))، وقد نقل قوله هذا في أسباط بن محمد ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) وغير واحد من الأئمة، والله أعلم. (٢) زاد بعد هذا في (س): ((جَزَمَ الواحديّ أنَّ ذلك كان في الجاهليَّة وفي أوَّل الإسلام، وساقَ القِصّة مُطوَّلة، وكأنَّه نَقَلَه من ((تفسير الشَّعبيّ)) ونَقَلَ عن ((تفسير مُقاتل)) نحوه، إلّا أنَّه خالَفَ في اسم ابن أبي قيس، فالأوَّل قال: قيس، ومُقاتل قال: حُصَينٌ))، ولم يرد هذا النص في الأصلين عندنا، وسياق الكلام تامٌّ بدونها. ١٨٠ سورة النساء / ح ٤٥٧٩ فتح الباري بشرح البخاري أنا ورِثت زوجي، ولا تُرِكت فأَنْكَح، فنزلت هذه الآية. وبإسنادٍ حسن (٣٠٥/٤) عن أبي أُمامةَ بن سَهل بن حُنَيفٍ عن أبيه قال: لمَّا تُؤُلِّ أبو قيس بن الأسلَت أراد ابنه أن يَتزوَّج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهليّة، فأنزَلَ الله هذه الآية. قوله: ((كان أوْلياؤُه أحقٌ بامرأتِهِ)) في رواية أبي معاوية(١) عن الشَّيبانيِّ عن عِكْرمة وحده عن ابن عبّاس في هذا الحديث تخصيص ذلك بمن ماتَ زوجها قبل أن يَدخُل بها. قوله: ((إن شاءَ بعضهم تزوَّجَها، وإن شاؤوا زَوَّجوها، وإن شاؤوا لم يُزوِّجوها، وهم أحقّ بها من أهلها)) في رواية أبي معاوية المذكورة: حَبَسَها عَصَبَتُه أن تَنكِح أحداً حتَّى تَموت فيرثونها، قال الإسماعيليّ: هذا مخالف لرواية أسباط. قلت: ويُمكِن رَدُّها إليها بأن يكون المراد: أن تَنكِح أحداً (٢) إلّا منهم أو بإذنهم، نعم هي مخالفة لها في التَّخصيص السابق، وقد روى الطََّيُّ (٤ / ٣٠٧) من طريق عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: كان الرجل إذا ماتَ وتَرَكَ امرأة ألقَى عليها حَيمُه ثوباً، فمَنَعَها من الناس، فإن كانت جميلة تزوَّجَها، وإن كانت دَميمةً حَبَسَها حتَّى تَموت ويَرِثها، وروى الطََّرَيُّ (٣٠٥/٤) أيضاً من طريق الحسن والسُّدّيِّ وغيرهما: كان الرجل يَرِث امرأة ذي قَرابَته، فَيَعضُلها حتَّى تَموت أو تَرُدّ إليه الصَّداق، وزاد السُّدّيُّ: إن سَبَقَ الوارث فألقَى عليها ثوبه كان أحقّ بها، وإن سَبَقَت هي إلى أهلها فهي أحقّ بنفسِها. ٧- بابٌ ﴿ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ(٣) أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوُهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾ وقال مَعمَرُ: ﴿مَوَالِىَ﴾: أولِيَاءَ ورَثَةً، ((عاقَدَت أيمانكم)): هو مولى اليَمِينِ، وهو الحَلِيفُ، (١) لم يَخْرِ ذكرٌ لرواية أبي معاوية هذه قبل هذا، ويُفهم من كلام الحافظ ابن حجر اللاحق أنها عند الإسماعيلي في ((المستخرج))، والله أعلم. (٢) لفظة ((أحداً)) سقطت من (س). (٣) ((عاقَدَتْ)) بالألف، وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر، من السبعة، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ((عَقَدَت)) بغير ألف. ((السبعة في القراءات)) ص ٢٣٣.