Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ باب ٦٩ / ح ٤٣٧٢ كتاب المغازي ثمَّ ذكر المصنّف فيه أربعة أحاديث: الحديث الأوَّل: حديث أبي هريرة في قِصّة ثُمامة، وقد صَرَّحَ فيه بسماع سعيد المقبريِّ له من أبي هريرة. وأخرجه ابن إسحاق عن سعيد فقال: عن أبيه (١) عن أبي هريرة. وهو من المزيد في مُتَّصِل الأسانيد، فإنَّ اللَّيث موصوف بأنَّه أتقَنُ الناس لحديثِ سعيد المقبُريِّ، ويُحتمل أن يكون سعيد سمعَه من أبي هريرة، وكان أبوه قد حدَّثه به قبلُ، أو ثَبَّتَه في شيءٍ منه، فحدَّث به على الوجهَينِ. قوله: ((بَعَثَ النبيّ نَّهِ خيلاً قِبَل نَجْد)» أي: بَعَثَ فُرسان خيل إلى جهة نَجد، وزَعَمَ سيف في («كتاب الرِّدة)(٢) أنَّ الذي أخذ ثُمامة وأسَرَه هو العبّاس بن عبد المطَّلِب. وفيه نظر أيضاً، لأنَّ العبّاس إنَّمَا قَدِمَ على رسول اللهِ له في زمان فتح مكَّة، وقِصّة ثُمامة تَقْتَضى أنَّا كانت قبل ذلك بحيثُ اعتَمَرَ ثُمامة، ثمَّ رَجَعَ إلى بلاده، ثمَّ مَنَعَهم أن يَمِيروا أهل مكَّة، ثمَّ شَكا أهل مكَّة إلى النبيّ ◌َّه ذلك، ثمَّ بَعَثَ يَشفَع فيهم عند ثُمَامة. قوله: ((ماذا(٣) عندك)) أي: أيّ شيء عندك؟ ويحتمل أن تكون ((ما)) استفهاميَّة، و((ذا)) موصولة، / و((عندك)) صِلَته، أي: ما الذي استَقرَّ في ظَنّك أن أفعله بك؟ فأجابَ بأنَّه ظنَّ خيراً، ٨٨/٨ فقال: عندي يا محمَّد خير، أي: لأنَّك لست مَمَّن يَظلم، بل ممَّن يَعفو ويُحسِن. قوله: ((إن تَقْتُلني تَقْتُّل ذا دَم)) كذا للأكثَرِ بمُهمَلِةٍ مُخُفَّقة الميم، وللكُثْمِيهنيّ: ذِمّ. بمُعجَمة مُثقَّل الميم، قال النَّوَويّ: معنى رواية الأكثَر: إن تَقتُل تَقتُل ذا دَم، أي: صاحب دَم لَمِهِ مَوقِعٌ (١) قد جاء هذا عن ابن إسحاق في بعض الروايات عنه، كرواية محمد بن سلمة الحرّاني عنه عند ابن المنذر في ((الأوسط)) ٢٣٥/١١، والبيهقي في ((الدلائل)) ٨١/٤، ورواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق فلم يذكر أبا سعيد المقبري، أخرجه من طريقه البيهقي في ((الدلائل)) ٧٩/٤ -٨٠. (٢) في (أ) و(س): كتاب الزهد، وهو تحريف، والمثبت على الصواب من (ع) ومن ((عمدة القاري))، وهو الموافق لما ذكره الحافظ في ((هدى الساري)) في الفصل السابع في تبيين الأسماء المهملة. (٣) كذا وقع للحافظ رحمه الله بزيادة ((ذا))، وكذلك وقع للعيني في ((عمدة القاري)) ٢٢/١٨، وهو خلاف ما في اليونينية و((إرشاد الساري))، حيث وقعت فيهما ((ما)) دون زيادة ((ذا))، ولم يحكيا خلافاً بين رواة البخاري. ٦٦٢ باب ٦٩ / ح ٤٣٧٢ فتح الباري بشرح البخاري يَشْتَفِي قاتلُهُ بقتله، ويدرِك ثَأَرَه لرياسَتِهِ وعَظَمَته. ويحتمل أن يكون المعنى: أنَّه عليه دَم، وهو مطلوب به فلا لَوم عليك في قتله. وأمَّا الرِّواية بالمعجَمة فمعناها: ذا ذِمّة، وثَبَتَ كذلك في رواية أبي داود (٢٦٧٩)، وضَعَّفَها عياض بأنَّه يَقلِب المعنى، لأنَّه إذا كان ذا ذِمّة يَمْتَنِعِ قتله. قال النَّوَويّ: يُمكِن تصحيحها بأن يُحمَل على الوجه الأوَّل، والمراد بالذِّمّة: الحُرمة في قومه، وأوجَه الجميع الوجه الثّاني؛ لأنَّه مُشاكِل لقوله بعد ذلك: وإن تُنْعِم تُنْعِم على شاكِرٍ. وجميع ذلك تفصيل لقوله: عندي خير. وفِعل الشَّرط إذا كُرِّرَ في الجزاء دلَّ على فخامة الأمر. قوله: ((قال: عندي ما قلتُ لك)) أي: إن تُنعِم تُنعِم على شاكِرِ، هكذا اقتَصَرَ في اليوم الثّاني على أحد الشِّقَّينِ، وحَذَفَ الأمرَينِ في اليوم الثّالث، وفيه دليل على حذفه، وذلك أنَّه قَدَّمَ أوَّل يوم أشَقّ الأمرَينِ عليه وأشفَى الأمرَينِ لصَدْرٍ خصومه وهو القتل، فلمَّا لم يقع اقتَصَرَ على ذِكْر الاستعطاف وطلب الإنعام في اليوم الثّاني، فكأنَّه في اليوم الأوَّل رأى أمارات الغضب فقَدَّمَ ذِكْر القتل، فلمَّا لم يَقتُلُه طَمِعَ في العفو فاقتَصَرَ عليه، فلمَّا لم يعمل شيئاً مما قال اقتَصَرَ في اليوم الثّالث على الإجمال تَفويضاً إلى جميل خُلُقْهِ وَّهِ. وقد وافَقَ ثُمامةُ في هذه المخاطَبة قول عيسى عليه السلام: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] لأنَّ المقام يَليق بذلك. قوله: ((فقال: أطْلِقِوا ثُمامة)) في رواية ابن إسحاق: قال: «قد عَفَوت عنك يا تُمامة وأعتَقَتُك))، وزاد ابن إسحاق في روايته: أنَّه لمَّا كان في الأسر جَمَعوا ما كان في أهل النبيّ وَّ من طعام ولَيَن فلم يقع ذلك من ثُمامة مَوقِعاً، فلمَّا أسلَمَ جاؤوه بالطَّعام فلم يُصِب منه إلّا قليلاً، فتَعَجَّبوا فقال النبيّ وَّ: ((إنَّ الكافر يأكل في سبعة أمعاءٍ، وإنَّ المؤمن يأكل في مِعِى واحد))(١). قوله: ((فِبَشَّرَه)) أي: بخيرَي الدُّنيا والآخِرة، أو بَشَرَه بالجنَّة، أو بمَحوِ ذُنوبه وتَبِعاته السابقة. (١) المرفوع من آخره سيأتي برقم (٥٣٩٥). ٦٦٣ باب ٦٩ / ح ٤٣٧٣ كتاب المغازي قوله: ((فلمَّا قَدِمَ مَّة)) زاد ابن هشام قال: بَلَغَني أنَّه خرج مُعتَمِراً حتَّى إذا كان ببطنِ مكَّة لَبَّى، فكان أوَّل مَن دَخَلَ مَّة يُلَبِّي، فأخَذَتِهِ قُرَيش فقالوا: لقد اجتَرأت علينا، وأرادوا قتله، فقال قائل منهم: دَعوه، فإنَّكُم تحتاجونَ إلى الطَّعام من اليمامة، فتَرَكوه. قوله: ((قال: لا ولكن أسلَمْت معَ محمَّد)» كأنَّه قال: لا، ما خَرَجت من الدّين، لأنَّ عبادة الأوثان ليست ديناً، فإذا تَرَكتها لا أكون خَرَجت من دين، بل استَحدَثت دين الإسلام. وقوله: ((مَعَ محمَّد)) أي: وافَقته على دينه، فصِرنا مُتصاحبَينِ في الإسلام أنا بالابتداءِ، وهو بالاستدامة. ووَقَعَ في رواية ابن هشام: ولكن تَبعتُ خيرَ الدّين دين محمَّد. قوله: ((ولا والله)) فيه حذف تقديره: والله لا أرجع إلى دينكُم ولا أرفُق بكُم فأترُكَ المِيرة تأتيگم من اليمامة. قوله: ((لا يَأْتِيكُم من اليَمامة حَبَةُ حِنْطة حتَّى يأذَن فيها النبيّ ◌َ﴿)) زاد ابن هشام: ثمَّ خرج إلى اليَمامة فمَنَعَهم أن يَحمِلوا إلى مكَّة شيئاً، فكَتَبوا إلى النبيّ وَّ: إنَّك تأمُر بصِلة الرَّحِم، فكَتَبَ إلى ثُمامة أن يُخْلِي بينهم وبين الحَمْل إليهم. وفي قِصّة ثُمامة من الفوائد رَبطُ الكافر في المسجد. والمنّ على الأسير الكافر. وتعظيم أمر العفو عن المسيء، لأنَّ ثُمامة أقسَمَ أنَّ بُغضه انقَلَبَ حُبّاً في ساعة واحدة لمَا أسْدَاه النبيّ وَلَه إليه من العفو والمنّ بغير مُقابل. وفيه الاغتسال عند الإسلام. وأنَّ الإحسان يُزيل البُغض ويُثبت الحُبّ. وأنَّ الكافر إذا أراد عَمَل خير ثمَّ أسلَمَ شُرِعَ له أن يَستَمِرّ في عَمَل ذلك الخير. وفيه الملاطفة بمَن يُرجَى إسلامه من الأُسارَى إذا كان في ذلك مَصلَحة للإسلام، ولا سيَّمَا مَن يَتّبِعُه على إسلامه العَدَدُ الكثير / من قومه، وفيه بَعث السَّرايا إلى بلاد الكفَّار، ٨٩/٨ وأسْر مَن وُجِدَ منهم، والتَّخيير بعد ذلك في قتله أو الإبقاء عليه. ٤٣٧٣ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن عبدِ الله بنِ أبي حُسَين، حدَّثنا نافعُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قَدِمَ مُسَيلِمةُ الكَذّابُ على عَهْدِ النبيّ ◌َّهِ، فَجَعَلَ ٦٦٤ باب ٦٩ / ح ٤٣٧٣-٤٣٧٥ فتح الباري بشرح البخاري يقول: إن جَعَلَ لي محمَّدٌ الأمرَ من بَعْدِه تَبِعْتُه، وقَدِمَها في بَشَرِ كثيرٍ من قومِهِ، فأقبَلَ إليه رسولُ اللهَ وَّ ومعه ثابتُ بنُ قيسِ بنِ شَّاسٍ، وفي بدِ رسولِ الله وََّ قِطْعَةُ جَرِيدٍ، حَتَّى وَقَفَ على مُسَيلِمةَ في أصحابِهِ، فقال: ((لو سألتَني هذه القِطْعةَ ما أعطَيْتُكَها، ولن تَعْدوَ أمرَ الله فيكَ، ولَئِن أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللهُ، وإنّي لأُراك الذي أُرِيتُ فيه ما رأيتُ، وهذا ثابتٌ مُجِيبُكَ عِنِّي)) ثمَّ انصَرَفَ عنه. ٤٣٧٤ - قال ابنُ عبَّاسٍ: فسألتُ عن قولِ رسولِ الله وَِّ: ((إنَّكَ أُرَى الذي أُرِيتُ فيه ما رأيتُ)) فأخبرني أبو هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((بَيْنا أنا نائمٌّ، رأيتُ في يَدَيَّ سِوارَينٍ من ذهبٍ، فأهَّني شأنُهما، فأَوحِيَ إليَّ في المنام أنِ انفُخْهما، فَتَفَخْتُهما فطَارَا، فَأوَّلْتُهما كَذّابَينِ يَخْرُ جان بَعْدي: أحدُهما العَنْسيِّ، والآخَرُ مُسَيلِمةُ)). ٤٣٧٥ - حدَّثني إسحاقُ بنُ نَصْرٍ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، عن مَعمَر، عن هَّامِ، أَنَّه سمعَ أبا هريرةَ ◌َُ يقول: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: (بَيْنا أنا نائمٌ فَأَتِيتُ بخزائنِ الأرضِ، فُوُضِعَ في كَفّي سواران من ذهبٍ، فكَبُرا عليَّ، فأوْحي إليَّ أنِ انفُخْهما، فنَفَخْتُهما فذهبا، فأوَّلّتُهما الكَذّابَينِ اللَّذَينِ أنا بينَهما: صاحبَ صَنْعاءَ، وصاحبَ اليَمامةِ». الحديث الثاني: قوله: ((عن عبد الله بن أبي حُسَين)) هو عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي حُسَين بن الحارث النَّوفَليّ، تابعيّ صغير مشهور، نُسِبَ هنا لجدِّه. قوله: ((قَدِمَ مُسَيلِمة الكَذّاب على عَهْد النبيّ ◌َ)) أي: المدينة، ومُسَيلِمة، مُصغَّر، بكسِرِ اللّم: ابن ثُمامة بن كبير، بموخَّدة، ابن حبيب بن الحارث، من بني حنيفة، قال ابن إسحاق: ادَّعَى النُّبوّة سنة عشر، وزَعَمَ وَثِيمة في ((كتاب الرِّدّة) أنَّ مُسَيِمة لَقَب، واسمه: ثُمامة، وفيه نظر، لأنَّ كُنْيته أبو تُمامة، فإن كان محفوظاً فيكون مَمَّن تَوافَقَت كُنْتُهُ واسمُه. وسياق هذه القِصّة يُخالف ما ذكره ابن إسحاق أنَّه قَدِمَ معَ وفد قومه، وأنَّهم تَرَكوه في رِحالهم يَفَظها لهم، وذَكَروه لرسولِ الله وَّةٍ، وأخَذوا منه جائزَته، وأنَّه قال لهم: ((إنَّه ليس ٦٦٥ باب ٦٩ / ح ٤٣٧٣-٤٣٧٥ كتاب المغازي بشَرِّكُم)) وأنَّ مُسَيلمة لمَّ ادَّعَى أنَّه أُشِرِك في النُّبوّة معَ رسول اللهِ وَ لَه احتَجَّ بهذه المقالة، وهذا معَ شُذوذه ضعيف السَّنَد لانقطاعِهِ، وأمرُ مُسَيلمة كان عند قومه أكثر من ذلك، فقد كان يُقال له: رَحمان اليمامة، لِعِظَمٍ قَدره فيهم، وكيف يَلَئِم هذا الخبر الضَّعيف معَ قوله في هذا الحديث الصَّحيح: أنَّ النبيّ وَّهاجتَمَعَ به وخاطَبَه وصَرَّحَ له بحَضرة قومه أنه لو سألَه القِطعة الجَريدة ما أعطاه؟! ويحتمل أن يكون مُسَيلمة قَدِمَ مرَّتَينِ: الأولَى كان تابعاً، وكان رئيسُ بني حنيفة غيرَه ولهذا أقامَ في / حِفظ رِحالهم، ومرَّة مَتبوعاً وفيها خاطَبَه النبيّ وَله. أو القِصّة واحدة ٩٠/٨ وكانت إقامته في رِحالهم باختياره أنَفةً منه واستكباراً أن يَحَضُر مَجَلِس النبيّ ◌َّهِ وعامَلَه النبيّ ◌َِّ مُعامَلة الكَرَم على عادَته في الاستثلاف، فقال لقومه: ((إنَّه ليس بشَرِّكُم)) أي: بمكاٍ، لكَوْنِه كان يَحَفَظ رِحالهم، وأراد استئلافه بالإحسان بالقولِ والفِعل، فلمَّا لم يُقِد في مُسَيلمة تَوَجَّهَ بنفسِه إليه، ليُقيم عليه الحُجّة ويُعذِر إليه بالإنذار، والعلم عند الله تعالى. ويُستَفاد من هذه القِصّة أنَّ الإمام يأتي بنفسِه إلى مَن قَدِمَ يريد لقاءَه من الكفَّار، إذا تَعيَّنَ ذلك طريقاً لمصلحة المسلمينَ. قوله: ((إن جَعَلَ لي محمَّد الأمرَ من بَعْده)) أي: الخلافة. وسَقَطَ لَفظ: الأمر. هُنا عند الأكثر، وهو مُقدَّر، وقد ثبت(١) في رواية ابن السَّكَن(٢)، وثبت أيضاً في الرّواية المتقدِّمة في علامات النُّبوّة (٣٦٢٠). قوله: ((وَقَدِمَها في بَشَرِ كَثير)) ذكر الواقديُّ كما تقدَّم أنَّ عَدَد مَن كان معَ مُسَيلمة من قومه سبعة عشر نفساً، فيُحتمل تعدُّد القُدوم كما تقدَّم. قوله: ((ولن تَعْدوَ أمر الله)) كذا للأكثَر، ولِبَعضِهم: ((لن تَعْدُ) بالجزمِ، وهي لغة، أي: الجزم بَنْ، والمراد بأمر الله: حُكْمه. (١) تحرف في (س) إلى: ثبتت، بعود الضمير على مؤنث، في الموضعين. (٢) وهو ثابت أيضاً في رواية الأصيلي، وكذا في رواية أبي ذر عن الكُشْميهني. كما في اليونينية. ٦٦٦ باب ٦٩ / ح ٤٣٧٦ فتح الباري بشرح البخاري وقوله: ((ولَئِن أدَبَرتَ)) أي: خالَفت الحقّ. وقوله: «لَیَعقِرَنَّك» بالقاف، أي: يُهلِكُك. قوله: ((وهذا ثابتٌ)) ابن قيس ((يُجيبك عنِّي)) أي: لأنّه كان خطيب الأنصار، وكان النبيّ ◌َ قد أُعطِيَ جوامع الكَلِم، فاكتَفَى بما قاله لمُسَيلِمة، وأعلمه أنَّه إن کان یرید الإسهاب في الخِطاب فهذا الخطيب يقوم عنِّي في ذلك. ويُؤخَذ منه استعانة الإمام بأهلِ البلاغة في جواب أهل العِناد، ونحو ذلك. قوله: ((أُريت)) بضمٍّ أوَّله وكسر الرّاء، من رُؤيا المنام، وقد فَسَّرَه ابن عبّاس عن أبي هريرة، وهو الحديث الثّالث، وسيأتي شرحه في تَعبير الرُّؤيا (٧٠٣٤ و٧٠٣٧) إن شاء الله تعالى. قوله: ((من ذهب) من لبيان الجِنس، كقوله (١) تعالى: ﴿وَحُلُواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةِ﴾ [الإنسان: ٢١]، ووَهِمَ مَن قال: الأساوِر لا تكون إلّا من ذهب، فإن كانت من فِضّة فهيَ القُلْب. قوله: ((فأهَّني شأنهما)» في رواية همَّام الَّتي بعدها: ((فَكَبُرا عليّ)). قوله: ((أحدهما العَنْسيّ)) بالمهمَلة ثمَّ نون ساكنة ثمَّ سين مُهمَلة، وهو الأسوَد، وهو صاحب صَنعاء، كما في الرّواية الثّانية، وسأذكرُ شأنه في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى. ويُؤخَذ من هذه القِصّة مَنقَبةٌ للصِّدّيق ◌َه، لأنَّ النبيّ وَّهِ تَوَلَّى نَفْخِ السِّوارَينِ بنفسِه حتَّى طارا، فأمَّا الأسوَد فقُتِلَ في زَمَنه، وأمَّا مُسَيلمة فكان القائمَ عليه حتَّى قتله أبو بكر الصِّدّيق، فقامَ مقام النبيّ ◌ََّ في ذلك. ويُؤْخَذ منه أنَّ السِّوار وسائر آلات أنواع الحُلِيّ اللّائقة بالنِّساءِ تُعبَرَ الرِّجال بما يَسُوؤُهم ولا يَسُرّهم، وسيأتي مزيد لذلك في كتاب التّعبير إن شاء الله تعالى. ٤٣٧٦ - حدَّثنَا الصَّلْتُ بنُ محمَّدٍ، قال: سمعتُ مَهْدِيَّ بنَ ميمونٍ، قال: سمعتُ أبا رَجاءٍ العُطاردِيَّ، يقول: كنّا نَعْبُدُ الحجَرَ، فإذا وجَدْنا حجَراً هو أخيَرُ مِنْه ألقَيناه، وأخَذْنا الآخَرَ، (١) تحرف في (س) إلى: لقوله. ٦٦٧ باب ٦٩ / ح ٤٣٧٦-٤٣٧٧ كتاب المغازي فإذا لم نَجِد حَجَراً جَمَعْنا جُثْوةً من ترابٍ، ثمَّ جِئْنا بالشّاةِ فحَلَبناه عليه، ثمَّ طُفْنا به، فإذا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنا: مُنْصِلُ الأَسِنّةِ، فلا نَدَعُ رُنْحاً فيه حَدِيدٌ، ولا سَهْماً فيه حَدِيدةٌ، إلا نَزَعْناه وألقَيْناهُ شَهْرَ رَجَبٍ. ٤٣٧٧ - وسمعتُ أبا رَجاءٍ يقول: كنتُ يوم بُعِثَ النبيُّ وَّرِ غلاماً، أرعَى الإبلَ على أهلي، فلمَّا سمعْنا بخروجِهِ، فَرَرْنا إلى النار إلى مُسَيلِمةَ الكَذّاب. الحديث الرابع: قوله: ((حدَّثْنَا الصَّلْت بن محمَّد)) أي: ابن عبد الرَّحمن الخارَكيّ، بالخاءِ المعجمة، يُكُنى أبا همَّام، / بصريّ ثقة، أكثَر عنه البخاريّ، وهو بفتح المهمَلة وسكون اللّام بعدها مُثنّاة. ٩١/٨ قوله: ((هو أخيَرَ منه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: أحسن، بَدَل: أخيَر. وأخيَرَ لغة في خير (١). والمراد بالخيريَّة: الِحِسّيَّة، من كَوْنه أشدَّ بياضاً أو نُعومةً، أو نَحو ذلك من صفات الحجارة المستَحسَنة. قوله: (جُثْوة من تراب)) بضمِّ الجيم وسكون المثلَّثة: هو القِطعة من التُراب، تُجمَع فتَصير گوْماً، وجمعها الجُئا. قوله: ((ثُمَّ جِئْنَا بالشّاةِ نَحْلُبها عليه (٢)) أي: لِتِصِيرَ نَظِير الحَجَر، وأبعَدَ مَن قال: المراد بحَلْبهم الشّاة على التُراب مَجَازُ ذلك، وهو أنَّهم يَتَقَرَّبونَ إليه بالتَّصَدُّقِ عنه(٣) بذلك اللَّبَنِ. قوله: ((مُنْصِل)) بسكونِ النُّون وكسر الصّاد، وللكُشْمِيهني بفتح النُّون وتشديد الصّاد، وقد فَسَّرَه بنَزَع الحديد من السِّلاح لأجلِ شهر رَجَب، إشارةً إلى تَرْكهم القتال، لَأنَّهم كانوا يَنزِ عونَ الحديد من السِّلاح في الأشهر الحُرُم: ويقال: نَصَلتُ الرُّمح: إذا جَعَلتَ له نَصْلاً، وأنصَلْتُه: إذا نَزَعتَ منه النَّصل. (١) وفي رواية الأصيلي وابن عساكر: خير. بإسقاط الهمزة. (٢) كذا في الأصلين و(س)! وهو خلاف ما في اليونينية و((إرشاد الساري)) دون خلاف بين رواة البخاري أنَّ العبارة: فجلبْناهُ علیه. (٣) أي: عن الحجر. وقد تحرف في (س) إلى: ((عليه))، وهو خطأ لا يخدم المعنى المراد من الكلام. ٦٦٨ باب ٧٠ / ح ٤٣٧٨ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وألقَيناه شَهْر رَجَب)» بالفتح، أي: في شهر رَجَب، ولبَعضِهم: لشهرِ رَجَب، أي: لأجلِ شهر رَجَب. وأخرج عمر بن شَبّة في ((أخبار البَصرة)» في ذِكْر وقعة الجَمَل هذا الخبر من طريق عبد الله بن عَوْن عن أبي رَجَاء: أنَّه ذكر الدِّماء فعَظَّمَها، وقال: كان أهل الجاهليَّة إذا دَخَلَ الشَّهر الحرام نَزَعَ أحدهم سِنانه من رُمحه وجعلها في عُكُوم(١) النِّساء ويقولون: جاء مُنَصِّل الأسِنّة. ثمَّ والله لقد رأيت هَودَج عائشة يوم الجَمَل كأنَّ قُنفُذ، فقيلَ له: قاتَلت يومئذٍ؟ قال: لقد رَمَيت بأسهم، فقال له: كيف ذلك وأنتَ تقول ما تقول؟ فقال: ما كان إلّا أن رأينا أمّ المؤمنينَ، فما تَمالكنا. قوله: ((وسمعت أبا رَجاء يقول)) هو حديث آخر مُتَّصِل بالإسناد المذكور. قوله: «كنت يوم بُعِثَ النبيّ ◌َ﴿ غلاماً أرعى الإبل على أهلي، فلمَّا سمعْنا بخروجِه فرَرْنا إلى النار، إلى مُسَيلِمة الكَذّاب)) الذي يَظهَر أنَّ مُراده بقولهِ: ((بُعِثَ)) أي: اشتَهَر أمره عندهم، ومُراده بخروجِه، أي: ظُهوره على قومه من قُرَيشٍ بفتح مكَّة، وليس المراد مَبدَأ ظُهوره بالتُّبوّة، ولا خروجه من مكَّة إلى المدينة، لطول المدّة بين ذلك وبين خروج مُسَيلِمة. ودَلَّت القِصّة على أنَّ أبا رَجاء كان من ◌ُلة مَن بايعَ مُسَيلِمة من قومه بني عُطارد بن عَوْف بن كعب، بطن من بني تَيم، وكان السَّبَب في ذلك أنَّ سَجَاحِ، بفتح المهمَلة وتخفيف الجيم وآخره حاء مُهمَلة، وهي امرأة من بني تَيم ادَّعَت النُّبُوّة أيضاً، فتابَعَها جماعة من قومها، ثمَّ بَلَغَها أمر مُسَيلمة، فخادَعَها إلى أن تزوَّجَها واجتَمَعَ قومها وقومه على طاعة مُسَيلِمة. ٧٠ - قصّة الأسود العنْسِيّ ٤٣٧٨ - حدَّثنا سعيدُ بنُ محمَّدِ الجَرْمِيُّ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا أبي، عن صالحٍ، عن ابنِ عُبيدةَ بنِ نَشِيطٍ - وكان في موضعٍ آخَرَ اسمُه عبدُ الله - أنَّ عُبيد الله بنَ عبدِ الله (١) تحرف في (أ) و(س) إلى: علوم. والعُكوم: هي الأحمال والأعدال التي فيها الأوعية من صنوف الأطعمة والمتاع. ٦٦٩ باب ٧٠ / ح ٤٣٧٨-٤٣٧٩ كتاب المغازي ابنِ عُثْبَةَ قال: بَلَغَنا أنَّ مُسَيلِمَةَ الكَذّابَ قَدِمَ المدينةَ، فنزلَ في دار بنت الحارثِ، وكان تحتَه ابنَةُ الحارثِ بنِ كُرَيٍ، وهي أمُّ عبدِ الله بنِ عامٍ، فأتاه رسولُ اللهَ وََّ، ومعه ثابتُ بنُ قيسِ بنِ شَّاسٍ، وهو الذي يقال له: خَطِيبُ رسولِ اللهِ وَّه وفي يدِ رسولِ الله وَلَ قَضِيبٌ، فَوَقَفَ عليه، فكَلَّمَه، فقال له مُسَيلِمةُ: إن شئتَ خَلَّيْتَ بينَنَا وبينَ الأمرِ، ثمَّ جَعَلْتَه لنا بعدَكَ؟/ فقال ٩٢/٨ النبيُّ ◌َّ: ((لو سألتَني هذا القَضِيبَ ما أعطَيْتُكَه، وإنّ لأراكَ الذي أُرِيتُ فيه ما رأيتُ، وهذا ثابتُ بنُ قيسٍ، وسَيُجِيبُكَ عنِّي)) فانصَرَفَ النبيُّ ◌ِله. ٤٣٧٩ - قال عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله: سألتُ عبد الله بنَ عبَّاسٍ عن رُؤْيا رسولِ اللهِوَِّ الَّتِي ذكر؟ فقال ابنُ عبَّاسِ: ذُكِرَ لي أنَّ النبيَّ ◌َّهِ قال: ((بَيْنا أنا نائمٌ، أُرِيتُ أنَّه وُضِع في يَدَيّ إِسْوارانِ من ذهبٍ، فَفَظِعْتُهما وكَرِهْتُهما، فَأَذِنَ لي فتَفَخْتُهما فطارا، فأَوَّلْتُهما كَذّابَينِ نَخْرُجان». فقال عُبيدُ الله: أحدُهما العَنْسِيُّ الذي قَتَلَه فيروزُ باليَمَنِ، والآخَرُ مُسَيلِمةُ الكَذّابُ. قوله: ((قِصّة الأسوَد العَنْسيّ)) بسكون النّون، وحَكَى ابن التِّين جواز فتحها، ولم أرَ له في ذلك سَلَفاً. قوله: ((حدَّثنا سعيد بن محمَّد الجَرْميّ)) بفتح الجيم وسكون الرّاء، كوفيّ ثقة مُكثِرِ، ويعقوب بن إبراهيم: هو ابن سعد الزُّهْريّ، وصالح: هو ابن کَیْسانَ. قوله: ((عن ابن عُبيدة بن نَشيط)) بفتح النُّون وكسر الشّين المعجمة بعدها تحتانيَّة ساكنة ثمَّ مُهمَلة. قوله: ((وكان في موضع آخَرَ اسمه عبد الله)) أراد بهذا أن يُنبِّه على أنَّ المبهم هو عبد الله ابن عُبيدة، لا أخوه موسى، وموسى ضعيف جدّاً، وأخوه عبد الله ثقة، وكان عبد الله أكبر من موسى بثمانينَ سنة. وفي هذا الإسناد ثلاثة من التابعينَ في نَسَقِ: صالح بن کَیْسانَ، وعبد الله بن عُبيدة، وعُبيد الله بن عبد الله: وهو ابن عُتبةَ بن مسعود. وساقَ البخاريّ عنه الحديث مُرسَلاً، وقد ذكره في الباب الذي قبله موصولاً لكن من رواية نافع بن جُبَير عن ابن عبّاس. ٦٧٠ باب ٧٠ / ح ٤٣٧٨-٤٣٧٩ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((في دار بنت الحارث، وكان تحته ابنة الحارث بن كُرَیز، وهيَ أمّ عبد الله بن عامر)) ابن كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس. والذي وَقَعَ هُنا أنَّها أمّ عبد الله بن عامر، قيلَ: الصَّواب أمّ أولاد عبد الله بن عامر لأنَّها زوجته لا أمّه، فإنَّ أمّ ابن عامر: ليلى بنت أبي حَئْمة العَدَويَّة. وهو اعتراض مُتَّجِه، ولعلّه كان فيه أمّ عبد الله بن عبد الله بن عامر، فإنَّ لعبد الله بن عامر ولداً اسمه عبد الله كاسم أبيه، وهو من بنت الحارث واسمها: كَيِّسة، بتشديد التَّحتانيَّة بعدها مُهمَلة، وهي بنت عَمِّ (١) عبد الله بن عامر بن كُرَيز، ولَا منه أيضاً عبد الرّحمن وعبد الملك، وكانت كَيِّسةُ قبل عبد الله بن عامر بن كُرَيز تحت مُسَيلِمة الكَذّاب، وإذا ثَبَتَ ذلك ظَهَرَ السِّرّ في نزول مسيلمة وقومِه علیھا، لگوْنِها كانت امرأته. وأمَّا ما وَقَعَ عند ابن إسحاق أنَّهم نزلوا بدار بنت الحَدَث(٢)، وذكر غيره أنَّ اسمها رَملة بنت الحَدَث بن ثَعْلبة بن الحارث بن زيد، وهي من الأنصار، ثمَّ من بني النَّجّار، ولَا صُحْبة، وتُكْنى أمَّ ثابت، وكانت زوج معاذ ابن عَفراء الصَّحابيّ المشهور، فكلام ابن سعد يدلّ على أنَّ دارها كانت مُعَدّة لنزولِ الوُفود، فإنَّه ذُكِرَ في وفد بني محارب وبني كِلاب وبني تَغْلِب وغيرهم، أنَّهم نزلوا في دار بنت الحَدَث، وكذا ذكر ابن إسحاق أنَّ بني قُرَيظة حُبسوا في دار بنت الحَدَث. وتَعقَّبَ السُّهَيلِيُّ ما وَقَعَ عند ابن إسحاق في قِصّة مُسَيلِمة بأنَّ الصَّواب: بنت الحارث، وهو تَعقُّب صحيح، إلّا أنَّه يُمكِن الجمع بأن يكون وفد بني حنيفة نزلوا بدار بنت الحَدَثِ، كسائرِ الوُفود، ومُسَيلِمة وحده نزلَ بدار زوجته بنت الحارث. ثُمَّ ظَهَرَ لي أنَّ الصَّواب ما وَقَعَ عند ابن إسحاق، وأنَّ مُسيلمة والوفد نزلوا في دار بنت الحَدَث، وكانت دارها مُعَدّة للوفودِ، وكان يقال لها أيضاً: بنت الحَدَث، كذا صَرَّحَ به محمَّد (١) قوله: ((عمّ)) سقط من (س). (٢) تحرف اسم ((الحَدَث)) في (أ) و(س) هنا وفي المواضع التالية جميعها إلى: ((الحارث))، وجاء على الصواب في (ع) موافقاً لما ضبطه الحافظ في مقدمة الكتاب في فصل من يُذكر بلقب ونحوه. وعليه يتضح وجه تعقب السهيلي المذكور. ٦٧١ باب ٧٠ / ح ٤٣٧٨-٤٣٧٩ كتاب المغازي ابن سعد في طَبَقات النِّساء، فقال: رَملة بنت الحَدَث ويقال لها: ابنة الحارث بن ثَعْلبة الأنصاريَّة، وساقَ نَسَبَها. وأمَّا زوجة مُسَيلمة وهي: كَيِّسة بنت الحارث/ فلم تكن إذ ذاكَ ٩٣/٨ بالمدينة، وإنَّما كانت عند مُسَيلمة باليَمامة، فلمَّا قُتِلَ تزوَّجَها ابن عمّها عبد الله بن عامر بعد ذلك، والله أعلم. قوله: ((ثُمَّ جَعَلْتَه لنا بَعْدك)) هذا مُغاير لمَا ذكر ابن إسحاق أنَّه ادَّعَى الشَّرِكة، إلّا أن يُحمَل على أنَّه اذَّعَى ذلك بعد أن رَجَعَ. قوله: ((فقال ابن عبّاس: ذُكِرَ لي)) كذا فيه بضمِّ الذّال من ((ذكر)) على البناء للمجهولِ، وقد وضَحَ من حديث الباب قبله أنَّ الذي ذكر له ذلك هو أبو هريرة. قوله: ((إسواران)) بكسرٍ الهمزة وسكون المهمَلة، تَثنية إسوار، وهي لغة في السِّوار، والسِّوار، بالكسرِ ويجوز الضَّمّ، والأسوار أيضاً صفة للكبير من الفرس، وهو بالضَّمِّ والكسر معاً، بخلاف الإسوار من الحُليِّ، فإنَّه بالكسرِ فقط. قوله: ((ففَظِعْتُهما وكَرِهْتهما)) بفاءٍ وظاء مُشالَة مكسورة بعدها عين مُهمَلة، يقال: فَظِعَ الأمرُ فهو فظيع: إذا جاوَزَ الِقدار، قال ابن الأثير: الفَظيع: الأمر الشَّديد، وجاء هُنا مُتَعَدّياً، والمعروف: فَظِعتُ به، وفَظِعتُ منه، فيحتمل التَّعدية على المعنى، أي: خِفتُهما، أو معنى فظِعْتهما: اشتَدَّ عليَّ أمرهما. قلت: يُؤْيِّد الثّاني قوله في الرِّواية الماضية قريباً: ((وكَبُرا عليَّ)). قوله: ((فقال عُبيد الله: أحدهما العَنْسيّ الذي قَتَلَه فَيْروزُ بالْيَمَنِ، والآخَر مُسَيلمة الكَذّاب)» أمَّا مُسَيلِمة فقد ذكرت خبرَه، وأمَّا العَنسيّ وفَيْروز فكان من قِصَّته أنَّ العَنسيّ، وهو الأسوَد واسمه عَبْهَلة بن كعب، وكان يقال له أيضاً: ذو الخِمار بالخاءِ المعجَمة لأنَّه كان يُخَمِّر وجهه، وقيلَ: هو اسم شيطانه، وكان الأسوَد قد خرج بصَنعاء وادَّعَى النُّبوّة، وغَبَ على عامل صَنعاء المهاجِر بن أبي أُميَّة، ويقال: إنَّه مرَّ به، فلمَّا حاذاه عَثَرَ الحِمار فادَّعَى أنَّه سَجَدَ له، ولم يَقُم الِمار حتَّى قال له شيئاً فقامَ. ٦٧٢ باب ٧١ / ح ٤٣٨٠-٤٣٨١ فتح الباري بشرح البخاري وروى يعقوب بن سفيان والبيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٣٣٥/٥-٣٣٦) من طريقه من حديث النُّعمان بن بُزْرُج، بضمِّ الموخَّدة وسكون الزّاي ثمَّ راء مضمومة ثمَّ جيم، قال: خرج الأسوَد الكَذّاب، وهو من بني عَنْس، يَعني: بسكونِ النُّون، وكان معه شيطانان يقال لأحدِهما: سُحَيق، بمُهمَلتَينِ وقاف مُصفَّر، والآخر: شُقَيق بمُعجَمةٍ وقافَينِ مُصغَّر، وكانا يُجبرانه بكلِّ شيء يحدُث من أُمور الناس، وكان باذانُ عامَلَ النبيّ ◌َّ بِصَنْعاء فماتَ، فجاء شيطان الأسوَد فأخبَرَه، فخرج في قومه حتَّى مَلكَ صنعاء وتزوَّجَ المَرْزُبانة زوجة باذان، فذكر القِصّة في مواعَدَتها داذويه وفيروز وغيرهما، حتَّى دخلوا على الأسوَد ليلاً، وقد سَقَتْه المرزُبانة الخَمر صِرفاً حتَّى سَكِرَ، وكان على بابه ألف حارس، فنَقَبَ فيروز ومَن معه الجِدار حتَّى دخلوا، فقَتَلَه فيروز واحتَزَّ رأسه، وأخرجوا المرأة وما أحَبّوا من متاع البيت، وأرسَلوا الخبر إلى المدينة، فوائَى بذلك عند وفاة النبيّ وَّهِ. قال أبو الأسوَد عن عُرْوة: أُصيب الأسوَد قبل وفاة النبيّ ◌ِ لّ بيوم وليلةٍ، فأتاه الوحي فأخبر به أصحابه، ثمَّ جاء الخبر إلى أبي بَكرِ عُه. وقيلَ: وصَلَ الخبر بذلك صبيحة دفن النبيّ وَّ. ٧١ - قصّة أهل نجران ٤٣٨٠- حدَّثني عبَّاسُ بنُ الحسينِ، حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن صِلةَ بنِ زُفَرَ، عن حُذَيفةَ، قال: جاء العاقبُ والسَّيِّدُ صاحبا نَجْرَانَ إلى رسولِ اللهِّهه يريدان أن يُلاعِناه، قال: فقال أحدُهما لِصاحبِه: لا تَفْعَلْ، فوالله لَئِن كان نبيّاً فلاعَّا، لا نُفْلِحُ نحنُ ولا عَقِبُنا مِن بَعْدِنا، قالا: إنّا نُعْطِيكَ ما سألتَنا، وابْعَث مَعَنا رجلاً أمِيناً، ولا تَبْعَث مَعَنا إلَّا أمِيناً، فقال: ((لأبعَثَنَّ معكم رجلاً أمِيناً حَقَّ أمِينٍ))، فاستَشْرَفَ له أصْحابُ رسولِ الله ◌َّه ٩٤/٨ فقال: ((قُم يا أبا عبيدةَ بنَ الجَرَّاح))، فلمَّا قامَ قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((هذا أَمِينُ / هذه الأُمّةِ)). ٤٣٨١- حدَّثني محمَّدُ بنُ بَّارٍ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ جعفرٍ، حذَّثنا شُعْبةُ، قال: سمعتُ أبا إسحاقَ، عن صِلَةَ بنِ زُفَرَ، عن حُذَيفةَ عَه، قال: جاء أهلُ نَجْرانَ إلى النبيِّ ◌َلِّ، فقالوا: ابْعَث لنا رجلاً أمِيناً، فقال: «لأبعَثَنَّ إليكُم رجلاً أمِيناً حَقَّ أمِينٍ))، فاستَشْرَفَ لها الناسُ، فَبَعَثَ أبا عُبيدةَ بنَ الجَّاحِ. ٦٧٣ باب ٧١ / ح ٤٣٨٠-٤٣٨٢ كتاب المغازي ٤٣٨٢- حدَّثنا أبو الوليدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن خالدٍ، عن أبي قِلَابَةَ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ◌َِِّ، قال: ((لِكلِّ أمّةٍ أمِينٌ، وأمِينُ هذه الأُمّةِ أبو عُبيدةَ بنُ الجَّاح)). قوله: ((قِصّة أهل نَجْران)) بفتح النُّون وسكون الجيم: بَلَد كبير على سبع مَراحل من مكَّة إلى جهة اليمن(١)، يَشتَمِل على ثلاثة وسبعينَ قريةٍ مَسيرة يوم للرّاكِب السَّريع، كذا في زيادات يونس بن بُكَير بإسنادٍ له في ((المغازي))، وذكر ابن إسحاق: أنَّهم وفَدوا على رسول الله وَلَهُ بمكَّة، وهم حينئذٍ عِشرونَ رجلاً، لكن أعادَ ذِكْرهم في الوُفود بالمدينة، فكأنَّهم قَدِموا مرَّتَينِ. وقال ابن سعد: كان النبيّ وَّ كَتَبَ إليهم، فخرج إليه وفدهم في أربعةَ عشر رجلاً من أشرافهم. وعند ابن إسحاق أيضاً من حديث كُرْز بن عَلقَمة: أنَّهم كانوا أربعة وعشرينَ رجلاً، وسَرَدَ أسماءَهم. قوله: ((حدَّثْني عبَّاس بن الحسين)) هو بغداديّ ثقة، ليس له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث، وآخر تقدَّم في التَّهَجُّد مقروناً (١١٥٢). قوله: ((حدَّثْنا يَخْتَى بن آدَم)) في رواية الحاكم في ((المستدرَك)) (٢٦٧/٣) عن الأصَمّ عن الحسن بن عليّ بن عَفّانَ عن يحيى بن آدَم، بهذا الإسناد عن ابن مسعود، بدل: حُذَيفة، وكذلك أخرجه أحمد (٣٩٣٠)، والنَّسائيُّ (٨١٩٦)، وابن ماجه (١٣٦) من طرق أُخرى عن إسرائيل، وَرَجَّحَ الدّارَ قُطْنِيُّ في ((العِلَل)) (٧٦٠) هذه الرِّواية. وفيه نظر، فإنَّ شُعْبة قد روى أصل الحديث عن أبي إسحاق فقال: عن حُذَيفة، كما في الباب أيضاً، وكأنَّ البخاريّ فهمَ ذلك، فاستَظهَرَ برواية شُعْبة، والذي يَظهَر أنَّ الطَّريقَينِ صحيحان، فقد رواه ابن أبي شَيْبة أيضاً (١٤/ ٥٥١) والإسماعيليّ من رواية زَكَریّا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن صِلة عن حُذَيفة. قوله: ((جاء السَّيِّد والعاقب صاحبا نَجْران)) أمَّا السَّيِّد فكان اسمه: الأيهَم، بتحتانيَّةٍ ساكنة، ويقال: شُرَحبيل، وكان صاحبَ رِحالهم ومُجْتَمَعهم ورئيسهم في ذلك، وأمَّا العاقب: فاسمه عبد المسيح وكان صاحبَ مَشُورَتهم، وكان معهم أيضاً أبو الحارث بن عَلَقَمة وكان (١) هي وادٍ كثير المياه والزرع، يسيل من السَّرَاة شرقاً حتى يصُبَّ في الرَّبع الخالي، وتقع على الطريق بين صَعْدة وأبها، على قرابة (٩١٠) كم جنوب شرق مكة. ٦٧٤ باب ٧١ / ح ٤٣٨٠-٤٣٨٢ فتح الباري بشرح البخاري أُسقُفهم وحَبرهم وصاحب مِدراسهم. قال ابن سعد: دَعاهم النبيّ يَّةٍ إلى الإسلام، وَلا عليهم القرآن فامتَنَعوا، فقال: إن أنكَرتُم ما أقول فهَلُمَّ أُباهلْكُم، فانصَرَ فوا على ذلك. قوله: ((يريدان أن يُلاعِناه)) أي: يُباهلاه، وذكر ابن إسحاق بإسنادٍ مُرسَل: أنَّ ثمانينَ آيَةً من أوَّل سورة آل عمران نزلت في ذلك، يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَ نَا وَأَبْنَآَءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَآءَكُمْ ﴾ الآية [آل عمران: ٦١]. قوله: ((فقال أحدهما لصاحبه)) ذكر أبو نُعَيم في ((الصَّحابة)) بإسنادٍ له: أنَّ القائل ذلك هو السّيِّد، وقال غيره: بل الذي قال ذلك هو العاقب، لأنّه كان صاحب رأيهم، وفي زيادات يونس بن بُكَير في ((المغازي)) بإسنادٍ له: أنَّ الذي قال ذلك شُرَ حبيل أبو مريم. قوله: ((فوالله لَئِن كان نبيّاً فلاعَنّا)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: فلا عَنَنا بإظهار النّون. قوله: ((لا نُفْلِح نحنُ ولا عَقِبنا من بَعْدنا)) زاد في رواية ابن مسعود: أبداً. وفي مُرسَل الشَّعبيّ عند ابن أبي شَيْبة (٥٤٩/١٤) أنَّ النبيّ وَ ◌ّ قال: «لقد أتاني البشير بهَلَكة أهل نَجران لو تَمّوا على الملاعَنة)) ولّا غَدا إليهم أخَذَ بَيَدِ حَسَن وحُسَين وفاطمة تمشي خَلفه للمُلاعَنة. ٩٥/٨ قوله: ((إنّا نُعْطيك ما سألتنا))/ وفي رواية يونس بن بُكَير: أنَّه صالَهم على ألفَي حُلّة: ألف في رَجَب، وألف في صَفَر، ومع كلّ حُلّة أوقيَّة، وساقَ الكتاب الذي كَتبَه بينهم مُطوَّلاً. وذكر ابن سعد أنَّ السَّيِّد والعاقب رَجَعا بعد ذلك فأسلما، زاد في رواية ابن مسعود: فأتياه، فقالا: لا نُلاعِنك، ولكن نُعطيك ما سألتَ. وفي قِصّة أهل نجران من الفوائد: أنَّ إقرار الكافر بالنُبّة لا يُدخِله في الإسلام حتَّى يَلتَزِم أحكام الإسلام. وفيها جواز مُجادَلة أهل الكتاب، وقد تجب إذا تَعيَّنَت مَصلَحَته. وفيها مشروعيّة مُباهَلة المخالِفِ إذا أصَرَّ بعد ظُهور الحُجّة، وقد دَعَا ابن عبّاس إلى ذلك، ثُمَّ الأوزاعيّ، ووَقَعَ ذلك لجماعةٍ من العلماء، وممّا عُرِفَ بالتَّجرِبة أنَّ مَن باهَلَ وكان مُبطِلاً ٦٧٥ باب ٧٢ / ح ٤٣٨٣ كتاب المغازي لا تَضي عليه سنة من يوم المباهلة. ووَقَعَ لي ذلك معَ شَخص كان يَتَعَصَّب لبعضِ الملاحدة، فلم يَقُم بعدها غير شهرَينِ. وفيها مُصالحة أهل الذِّمّة على ما يراه الإمام من أصناف المال، ويَجري ذلك مَجَرَی ضرب الجِزية عليهم، فإنَّ كلّ منهما مالٌ يُؤخَذ من الكفّار على وجه الصَّغار في كلّ عام. وفيها بَعْث الإمامِ الرجلَ العالم الأمين إلى أهل الهُدنة في مَصلَحة الإسلام. وفيها مَنقَبة ظاهرة لأبي عبيدة بن الجرَّاح ◌َ﴾. وقد ذكر ابن إسحاق: أنَّ النبيّ وَّهِ بَعَثَ عليّاً إلى أهل نَجران ليأتيَه بصَدَقاتهم وجِزِيَتهم، وهذه القِصّة غير قِصّة أبي عبيدة، لأنَّ أبا عبيدة تَوَجَّهَ معهم فقَبَضَ مال الصُّلحِ وَرَجَعَ، وعليّ أرسَلَه النبيّ وَِّ بعد ذلك يَقبض منهم ما استَحَقَّ عليهم من الجِزية، ويأخذ ثَمَّن أسلَمَ منهم ما وجَبَ عليه من الصَّدَقة، والله أعلم. ثم أورَدَ المصنِّف حديث أنس: أنَّ أمين هذه الأُمّة أبو عبيدة إشارة إلى أنَّ سببه الحديث الذي قبله، وقد تقدَّم في مناقب أبي عبيدة (٣٧٤٤). ٧٢ - قصّة عُمان والبحرين ٤٣٨٣ - حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، سمعَ ابنُ المُنْكَدِرِ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما يقول: قال لي رسولُ الله وَّ: ((لو قد جاء مالُ البحرَينِ، لقد أعطَيتُكَ هكذا وهكذا)) ثلاثاً، فلم يَقْدَمْ مالُ البحرَينِ حتَّى قُبِضَ رسولُ اللهِ وَّةِ، فلمَّا قَدِمَ على أبي بَكْرِ أمُرَ مُنادِياً فنادَى: مَن كان له عندَ النبيِّ ◌ََّدَينٌّ أو عِدَةٌ فَلْيأْتِنِي، قال جابرٌ: فحِثْتُ أبا بَكْرٍ، فأخبَرَتُه أنَّ النبيَّ ◌َّه قال: (لو جاء مالُ البحرَينِ أعطَيتُكَ هكذا وهكذا)) ثلاثاً، قال: فأعطاني، قال جابرٌ: فَلَقِيتُ أبا بَكْرٍ بعدَ ذلك، فسألتُه فلم يُعْطِنِي، ثمَّ أنيتُهُ فلم يُعْطِنِي، ثمَّ أتيتُهُ الثّالثَ فلم يُعْطِي، فقلتُ له: قد أتيتُكَ فلم تُعْطِنِي، ثمَّ أتيتُكَ فلم تُعْطِنِي، ثمَّ أتيتُكَ فلم تُعْطِنِي! فإمّا أن تُعْطِيَنِي وإمّا أن تَبْخَلَ عنِّي، فقال: أقلتَ: تَبْخَلُ عنِّي؟ وأيُّ داءٍ أدْوأُ مِن البُخْلِ؟ قالها ثلاثاً، ما مَنَعْتُكَ من مرَّةٍ إِلَّا وأنا أُرِيدُ أن أُعْطِيَّكَ. وعن عَمرٍو، عن محمَّدٍ بنِ عليٍّ، سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: جِثْتُهُ، فقال لي أبو بكرٍ: ٦٧٦ باب ٧٢ / ح ٤٢٨٣ فتح الباري بشرح البخاري عُدَّها، فعَدَدْتُها، فَوَجَدْتُها خمسَ مئةٍ، فقال: خُذْ مِثلَها مَرَّتَينِ. قوله: ((قِصّة عُمان والبحرَينِ)) أمَّا البحرَينِ: فَبَلَد عبد القيس، وقد تقدَّم بيانها في كتاب ٩٦/٨ الجمعة (٨٩٢). وأمَّا عُمان، فبضمِّ / المهمَلة وتخفيف الميم، قال عياض: هيَ فُرْضة بلاد اليمن. لم يَزِد في تعريفها على ذلك. وقال الرُّشاطيّ: عُمان في اليمن، سُمّيَت بِعُمان بن سَباً، يُنْسَب إليها الْجُلَنْدَى رئيس أهل عُمان، ذكر وَثِيمة أنَّ عَمْرو بن العاص قَدِمَ عليه من عند النبيّ ◌َّهِ فصدَّق به، وذكر غيره أنَّ الذي آمَنَ على يد عَمْرو بن العاص ولدا الجُلَنْدَى: عَیّاد وجیفَر، وكان ذلك بعد خیبر، ذكره أبو عُمر(١)، انتهى. وروى الطبرانيُّ (١٢/٢٠) من حديث المِسوَر بن غَرَمةَ قال: بَعَثَ رسول الله وَل رُسُله إلى الملوك، فذكر الحديث. وفيه: وبَعَثَ عَمْرو بن العاص إلى جَيفَر وعيّاذ ابنَي الجُلَنْدَى مَلِك عُمان. وفيه: فرجعوا جَميعاً قبل وفاة رسول الله وَّهِ إلّا عَمْراً، فإنَّه توفّي وعَمْرو بالبحرَينِ. وفي هذا إشعار بقُرب عُمان من البحرَينِ، وبقُرب البَعث إلى الملوك من وفاته وَل﴿، فلعلَّها كانت بعد حُنَيْنٍ فَتَصَحَّفَت، ولعلَّ المصنِّف أشارَ بالتَّرجمة إلى هذا الحديث، لقوله في حديث الباب: فلم يَقدَم مال البحرَينِ حتَّى قُبضَ رسول الله آلهو. وروى أحمد (٣٠٨) من طريق أبي لَبيدٍ قال: خرج رجل مِنّا، يقال له: بَيرَح بن أسَد، فرآه عمر فقال: مَّن أنتَ؟ قال: من أهل عُمان، فأدخَلَه على أبي بكر فقال: هذا من أهل الأرض الَّتي سمعتُ رسول الله وَ لفهو يقول: ((إنّ لأعلم أرضاً، يقال لها: عُمان، يَنضَح بناحيَّتِّها البحرُ، لو أتاهم رسولي ما رَمَوه بسهم ولا حجر)). وعند مسلم (٢٥٤٤) من حديث أبي بَرْزة قال: بَعَثَ رسول الله وَ لهرجلاً إلى قوم، فسَبُّوه وضَرَبوه، فجاء إلى رسول الله وَل فقال: ((لو أهلَ عُمان أتيتَ ما سَبُّك ولا ضَرَبوك)). (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: أبو عمرو، وإنما هو أبو عمر بن عبد البر، وكلامه هذا في (الاستيعاب)) في ترجمة جَيْفَر بن الجُلَندی (٣٧٤). ٦٧٧ باب ٧٣ كتاب المغازي تنبيهان: بعَمَلِ الشّام بلدة يقال لها: عَّان، لكنَّها بفتح العين وتشديد الميم، وهي الَّتي أرادَها الشّاعِر(١) بقوله: في وجهه خالانِ لولاهما مابِتُّ مفتوناً بَعَمّانِ وليست مُرادة هُنا قطعاً، إنَّما وَقَعَ اختلافٌ للزُّواة فيما وَقَعَ في صفة الحوض النَّبويّ، كما سيأتي في مکانه (٦٥٧٧)، حیثُ جاء في بعض طرقه ذِكْر عمّان. وجَيفَر: مِثل جعفر، إلّا أنَّ بَدَل العين تحتانيَّة، وعيّاذ: بفتح المهمَلة وتشديد التَّحتانيَّة وآخره مُعجَمة، والْجُلَنْدَى: بضمِّ الجيم وفتح اللّم وسكون النُّون والقصر، وبَيرَح: بموخَّدةٍ ثمَّ تحتانيَّة ثمَّ مُهمَلة، بوزنِ دَیلَم. ثم ذكر المصنف حديث جابر: قوله: ((حدَّثنا سُفْيان)) هو ابن عُيَينة. قوله: ((سَمِعَ ابن المنكَدِر جابر بن عبد الله)) بنصب جابر على أنَّه مفعول سَمِعَ، وفي رواية الحميديِّ في «مُسنَده)) (١٢٣٣): حدَّثنا سفيان قال: سمعت ابن المنكَدِر قال: سمعت جابراً. وقد تقدَّم شرح الحديث مُستَوقّ في الكَفالة (٢٢٩٦)، وفي الشَّهادات (٢٦٨٣)، وفي فرض الحُمُس (٣١٣٧). قوله: ((وعن عَمْرو)) هو معطوف على الإسناد الأوَّل، وعَمْرو: هو ابن دينار، ومحمَّد بن عليّ: هو المعروف بالباقِرِ، وأبوه: هو زَيْن العابدينَ بن الحسين بن عليّ، وَهِمَ مَن زَعَمَ أنَّ محمَّد بن عليّ هو ابن الحنفيّة، ووقع في رواية الحميديِّ: حدّثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار أخبرني محمَّد بن عليٍّ، فذكره. ٧٣ - باب قدوم الأشعريّين وأهل اليمن وقال أبو موسى، عن النبيِّ يَّ: ((هم منّي وأنا منهم)). (١) هو الشيخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصاري. نقله عنه الملك المؤيد أبو الفداء في ((تاريخه)» ٥٦/٣. ٦٧٨ باب ٧٣ / ح ٤٣٨٤ فتح الباري بشرح البخاري ٤٣٨٤ - حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ وإسحاقُ بنُ نَصْرٍ، قالا: حدّثنا يحيى بنُ آدَمَ، حدَّثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن الأسوَدِ بنِ يَزِيدَ، عن أبي موسى عظُه، قال: قَدِمْتُ أنا وأخي مِن الْيَمَنِ، فمَكَثْنا حِيناً ما نُرَى ابنَ مسعودٍ وأُمَّه إلَّا من أهلِ البيتِ، من كَثْرةِ دُخولِهِم ولُزومهم له. ٩٧/٨ قوله: ((باب قُدوم الأشعَريّينَ وأهل اليَمَن)» هو من عَطف العامّ على الخاصّ، لأنَّ الأشعَرِيِّينَ من أهل اليمن، ومع ذلك ظَهَرَ لي أنَّ في المراد بأهلِ اليمن خصوصاً آخر، وهو ما سأذكرُه من قِصّة نافع بن زيد الحِميَريّ أنَّه قَدِمَ وافداً في نَفَر من حِمیر، وبالله التوفيق. قوله: ((وقال أبو موسى: عن النبيّ وَليّ: هم منِّي وأنا منهمْ)) هو طَرَف من حديث أوَّله: ((إِنَّ الأشعَرِيّينَ إذا أرْمَلوا في الغَزو، ◌َعوا ثمَّ اقتَسَموا بينهم، فهم منِّي وأنا منهم)) الحديث، وقد وَصَلَه المؤلِّف في الشَّرِكة (٢٤٨٦) وشُرِحَ هناكَ، والمراد بقوله: ((هم منِّي)) المبالَغة في اتّصال طريقهما، واتِّفاقهما على الطاعة. ثم ذكر المصنف في الباب سبعة أحاديث: الحديث الأول: قوله: ((حدَّثنا ابن أبي زائدة)) هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، والإسناد كلّه كوفيّونَ سِوَى شيخَي البخاريّ. قوله: ((عن الأسوَد)) في المناقب (٣٧٦٣) من طريق يوسف بن أبي إسحاق: عن أبي إسحاق(١) حدّثني الأسوَد، سمعت أبا موسى. قوله: ((قَدِمْت أنا وأخي من اليَمَن)) تقدَّم بيان اسم أخيه في غزوة خَیبَرَ. قوله: ((ما نُرَى)) بضمِّ النّون. قوله: ((ابن مسعود وأُمّه)) اسم أمّه: أمّ عبدٍ بنت عبدٍ وُدّ بن سواء، ولها صُحْبة. وقوله: ((من أهل البيت)) أي: بيت النبيّ وَّهِ، وتقدَّم الحديث في المناقب بلفظ: من أهل (١) قوله: ((عن أبي إسحاق)) سقط من (س). ٦٧٩ باب ٧٣ / ح ٤٣٨٤ كتاب المغازي بیت النبيّ آچ. تنبيه: سَقَطَ شيخا البخاريّ من أوَّل هذا الإسناد من رواية أبي زيد المروزيِّ، وابتدأ الإسناد: حدَّثنا يحيى بن آدَم. وثَبَتا عند غيره، وهو الصَّواب، ولم يُدرِك البخاريّ يحيى بنَ آدَم لأنَّه ماتَ في ربيع الأوَّل سنة ثلاث ومئتَينٍ بالكوفة، والبخاريّ يومئذٍ ببخارَی لم یَرحَل منها، وعمره يومئذٍ تسع سنينَ، وإِنَّمَا رَحَلَ بعد ذلك بمُدّةٍ كما بيَّنته في ترجمته في المقدَّمة. تنبيه آخَرُ: كان قُدوم أبي موسى على النبيّ وَِّ عند فتح خَيبَ، لمَّا قَدِمَ جعفر بن أبي طالب، وقيلَ: إِنَّه قَدِمَ عليه بمكَّة قبل الهجرة، ثمَّ كان ممَّن هاجَرَ إلى الحَبَشة الهجرةَ الأولَى، ثُمَّ قَدِمَ الثّانية صُحْبةَ جعفر. والصَّحيح أنَّه خرج طالباً المدينةَ في سَفينة فألقَتْهم الرّيحُ إلى الحَبَشة، فاجتَمَعوا هناكَ بجعفرٍ، ثمَّ قَدِموا صُحبَتَه. وعلى هذا فإنَّما ذكره البخاريّ هُنا ليجمع ما وَقَعَ له على شرطه من البُعوث والسَّرايا والوفود، ولو تَبَايِنَت تَوارِيُهم، ومِن ثَمَّ ذكر غزوة سِيْف البحر معَ أبي عُبيدة بن الجرّاح، وكانت قبل فتح مكَّة بمُدّةٍ(١). وكنت أظنّ أنَّ قوله: وأهل اليمن، بعد الأشعَريّينَ، من عَطف العامّ على الخاصّ، ثمَّ ظَهَرَ لي أنَّ لهذا العامّ خُصوصاً أيضاً، وأنَّ المراد بهم بعض أهل اليمن، وهم وفدُ حِيَرَ، فَوَجَدت في ((كتاب الصَّحابة)) لابنِ شاهين من طريق إياس بن عمرو (٢) الحِميَريّ: ((أنَّ نافع بن زيد الحميري(٣) قَدِمَ وافداً على رسول الله وَّه فِي نَفَر من حِمِيَرَ، فقالوا: أتيناك لنَتَفَقَّه في الدّين، الحديث، وقد ذكرت فوائده في أوَّل بَدْء الخلق (٣١٩١)، وحاصله: أنّ التَّرجمة مُشتَمِلة على طائفتَينٍ، وليس المراد اجتماعهما في الوِفادة، فإنَّ قُدوم الأشعَرِيِّنَ كان معَ أبي موسى في سنة سبع عند فتح خَيبَرَ، وقُدوم وفد حِيَر في سنة تسع، وهي سنة الوُفود، ولأجلٍ هذا اجتَمَعوا معَ بني تَمیم. (١) انظر ((باب غزوة سيف البحر)) (٤٣٦٠- ٤٣٦٢). (٢) تحرف في (س) إلى: عمير. (٣) قوله: ((أنَّ نافع بن زيد الحِميَري)) سقط من الأصلين و(س)، وقد أراد الحافظُ رحمه الله ذكره، إذ نبَّه على اسمه في شرح الباب وفي آخر شرح الحدیث، ولکنه ذهل عنه. ٦٨٠ باب ٧٣ / ح ٤٣٨٥ فتح الباري بشرح البخاري وقد عَقَدَ محمَّد بن سعد في التَّرجمة النَّبويّة من ((الطَّبَقات)) للوُفودِ باباً، وذكر فيه القبائل من مُضَر ثمَّ من ربيعة ثمَّ من اليمن، وكادَ يَستَوعِب ذلك بتلخيصٍ حَسَن. وكلامه أجمَعُ ما يُوجَد في ذلك، ومع أنَّه ذکر وفد حمیر لم تقع له قِصّة نافع بن زید الّتي ذکرتها. ٤٣٨٥- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا عبدُ السَّلامِ، عن أيوبَ، عن أبي قلابةَ، عن زَهْدَمِ، قال: لمَّا قَدِمَ أبو موسى أكرَمَ هذا الحيَّ من جَرْمٍ، وإنّا لَجُلوسُ عندَه، وهو يَتَغَدَّى دَجاجاً، وفي القوم رجلٌ جالسٌ، فَدَعَاه إلى الغَداءِ، فقال: إنّي رأيتُهُ بأكلُ شيئاً فقَذِرْتُه، فقال: هَلُمَّ، فإنّي ٩٨/٨ رأيتُ النبيَّ وَّهِ يأكلُه، فقال: إنّي حَلَفتُ / لا آكُلُه، فقال: هَلُمَّ أُخبِرْكَ عن يَمِينِكَ، إِنّا أتينا النبيَّ وَّ نَفَرٌ مِن الأشعَرِيِّينَ، فاستَحْمَلْناه، فأبى أن يَحْمِلَنا، فاستَحْمَلْنَاه فحَلَفَ أن لا يَحْمِلَنا، ثمَّ لم يَلْبَثِ النبيُّ وَ﴿ أَنْ أَنِيَ بنَهْبٍ إبلٍ، فأمَرَ لنا بخمسٍ ذَوْدٍ، فلمَّا قَبَضْناها قُلْنا: تَغَفَّلْنا النبيّ ◌َه يَمِينَه، لا نُفْلِحُ بعدَها أبداً، فأتيتُه فقلتُ: يا رسولَ الله، إِنَّكَ حَلَفْتَ أن لا تَحمِلَنا، وقد حَلْتَنَا؟ قال: ((أجَلْ، ولكن لا أحلِفُ على يَمِينٍ فأَرَى غيرَها خيراً منها إلَّ أتيتُ الذي هو خيرٌ مِنْها)). الحديث الثاني: قوله: ((حدَّثنا عبد السَّلام)» هو ابن خَرْب. قوله: ((عن زَهْدَمِ» بزايٍ، وزن جعفر: وهو ابن مُضرِّبٍ، بالضّادِ المعجَمة وكسر الرّاء. قوله: ((لمَّا قَدِمَ أبو موسى)) أي: إلى الكوفة أميراً عليها في زمن عثمان، ووَهِمَ مَن قال: أراد: قَدِمَ اليمن، لأنَّ زَهدَماً لم يكن من أهل اليمن. قوله: ((أكرم هذا الحيّ من جَزْم)) بفتح الجيم وسكون الرّاء: قبيلة شَهِیرة يُنسبونَ إلى جَرْم بن رَبّانَ - براءٍ ثمَّ موخَّدة ثقيلة - بن ثَعْلبة بن حُلوان بن عِمران بن الحافِ بن قُضَاعة. قوله: ((فقَذِرْتُه)) بفتح القاف وكسر الذّال المعجمة، وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب الأطعمة (٥٥١٧ و٥٥١٨)، وعلى باقي الحديث في كتاب الأيمان والنَّذور (٦٧٢١) إن شاء الله تعالى. وكان الوقت الذي طلبَ فيه الأشعَريّونَ الحُمْلان من النبيّ بَله عند إرادة غزوة تَبُوك.