Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤١
باب ٦٣ / ح ٤٣٥٩
كتاب المغازي
وقوله: ((لقد مَّ على أجَله)) جواب الشرطٍ مُقدَّر، أي: إن أخبرتني بهذا أُخبرُك بهذا.
وهذا قاله ذو عَمْرو عن اطِّلاع من الكتب القديمة، لأنَّ اليمن كان أقامَ بها جماعة من
اليهود، فدَخَلَ كثير من/ أهل اليمن في دينهم وتَعلَّموا منهم، وذلك بَيِّن في قوله {آ لمعاذ ٧٧/٨
لمَّا بَعَثَه إلى اليمن: ((إنَّك ستأتي قوماً أهل كتاب))(١)، وقال الكِرْمانيُّ: يحتمل أن يكون سمعَ
من بعض القادِمينَ من المدينة سِرّاً، أو أنَّه كان في الجاهليّة كاهناً، أو أنَّه صارَ بعد إسلامه
مُحدَّثاً، أي: بفتح الدّال، وقد تقدَّم تفسيره بأنّه المُلهَم. قلت: وسياق الحديث يدلّ على ما
قَرَّرته، لأنَّه عَلَّقَ ما ظَهَرَ له من وفاته على ما أخبره به جَرِیر من أحواله، ولو كان ذلك
مُستَقاداً من غير ما ذكرته لمَا احتاجَ إلى بناء ذلك على ذلك، لأنَّ الأوَّلَينِ خَبَر مَحَضٍّ،
والثّالث وقوع شيء في النَّس عن غير قصد، وقد روى الطبرانيُّ(٢) (٢٤٧٩) من طريق
زياد بن علاقة عن جَرِير في هذه القِصّة قال: قال لي حَبر باليمن. وهذا يُؤيِّد ما قلته، فلله
الحمد.
قوله: «فأخبَرْت أبا بَكْر بحديثِهم قال: أفَلا جِئْت بهم)» كأنَّه جَمَعَ باعتبار مَن كان معهما
من الأتباع.
قوله: ((فلمَّا كان بَعْدُ ... )) إلى آخره، لعلَّ ذلك كان لمَّا هاجَرَ ذو عَمْرو في خِلافة عمر،
وذكر يعقوب بن شيبة(٣) بإسنادٍ له: أنَّ ذا الكلاع كان معه اثنا عشر ألف بيت من مَوالیه،
فسألَه عمر بيعهم ليستعينَ بهم على حرب المشركينَ، فقال ذو الكلاعِ: هم أحرار. فأعتَقَهم
في ساعة واحدة. وروى سيف في ((الفُتوح)): أنَّ أبا بكر بَعَثَ أنس بن مالك يَستَنِفِر أهل
اليمن إلى الجهاد فَرَحَلَ ذو الكَلاَعِ ومَن أطاعَه. وذكر ابن الكَلْبيّ في ((النَّسَب)): أنَّ ذا
الكلاع كان جميلاً، فكان إذا دَخَلَ مكَّة يَتَعَمَّم، وشَهِدَ صِفّينَ معَ معاوية وقُتِلَ بها.
(١) سلف برقم (٤٣٤٧).
(٢) الحديث في ((مسند أحمد)) (١٩٢٣٢)، وقد ذهل عنه الحافظُ رحمه الله تعالى.
(٣) تحرف في الأصلين و(س) إلى: شبة. وقد أخرج هذا الخبر من طريق يعقوب بن شيبة الخطيبُ البغداديُّ
في «موضح أوهام الجمع والتفریق)) ١/ ٥٣-٥٤
٦٤٢
باب ٦٤ / ح ٤٣٦٠-٤٣٦١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: (تَآمَرْتُمْ)) بمَدِّ الهمزة وتخفيف الميم، أي: تَشاوَرتُم، أو بالقصرِ وتشديد الميم، أي:
أقَمتُم أميراً منكم عن رِضاً منكم أو عَهدٍ من الأوَّل.
قوله: ((فإذا كانتْ)) أي: الإمارة ((بالسَّيفِ)) أي: بالقَهرِ والغَلَبة ((كانوا ملوكاً)) أي:
الخُلَفاء، وهذا دليل على ما قَرَرته أنَّ ذا عَمْرو كان له اطّلاع على الأخبار من الكتب القديمة.
وإشارَته بهذا الكلام تُطابِق الحديث الذي أخرجه أحمد (٢١٩١٩) وأصحاب السُّنَن وصَحَّحَه
ابن حِبّان(١) وغيره من حديث سَفينة: أنَّ النبيّ وَّرَ قال: ((الخِلافة بعدي ثلاثونَ سنة ثمَّ
تَصير مُلكا)) قال ابن التِّين: ما قاله ذو عَمْرو وذو الكلاع لا يكون إلّا عن كتاب أو كهانة،
وما قاله ذو عَمْرو لا يكون إلّا عن كتاب. قلت: ولا أدري لمَ فَرَّقَ بين المقالتَينِ والاحتمال فيهما
واحد؟! بل المقالة الأخيرة يحتمل أن تكون من جهة التَّجرِبة.
٦٤ - باب غزوة سِيْف البحر، وهم يتلقّون عيراً لقريشٍ
وأميرهم أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه
٤٣٦٠ - حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن وَهْبٍ بنِ كَيْسانَ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله
رضي الله عنهما، أنَّه قال: لما بَعَث رسولُ الله ◌ِّهِ بَعْئاً قِبَلَ الساحلِ، وأمَّرَ عليهم أبا عُبيدةَ بنَ
الجرّاح، وهم ثلاثُ مئةٍ، فخَرَجْنا فكُنَّا ببعضِ الطَّرِيقِ فنيَ الزّادُ، فأمَرَ أبو عُبيدةَ بأزْوادِ الجيشِ
فجُمِعَ، فكان مِزْوَدَي تَمْرٍ، فكان يقوتُنا كلَّ يومٍ قليلاً قليلاً، حتَّى فَنِيَ، فلم يكن يُصِيبُنا إلَّا
تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فقلتُ: ما تُغْني عنكُم تَمْرَةٌ؟ فقال: لقد وَجَدْنا فَقْدَها حينَ فَنِيَتْ، ثمَّ انتَهَينا إلى
البحرِ، فإذا حوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ، فَأَكَلَ منه القومُ ثمانيَ عشرةَ ليلةً، ثمَّ أُمَرَ أبو عُبيدةَ بضِلَعَينٍ من
أضْلاعه فنُصِبا، ثمَّ أمَرَ براحلةٍ فرُخِّلَتْ، ثمَّ مَّت تحتَهما، فلم تُصِبْهُما.
٤٣٦١ - حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال: الذي حَفِظْناه من عَمْرِو بنِ دِينارٍ،
قال: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله يقول: بَعَثَنا رسولُ الله ◌ِ له ثلاثَ مئةِ راكِبٍ وأمِيرُنا أبو عُبيدةً
(١) أخرجه أبو داود (٤٦٤٦)، والترمذي (٢٢٢٦)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٠٩٩)، وابن حبان
(٦٦٥٧)، والحاكم ٧١/٣.
٦٤٣
باب ٦٤ / ح ٤٣٦٠-٤٣٦٢
كتاب المغازي
ابنُ الجَرَّاحِ نَرْصُدُ عِيرَ قُرَيشٍ، / فأَقَمْنا بالساحلِ نِصْفَ شهرٍ، فأصابنا جوعٌ شديدٌ حتَّى أكَلْنا ٧٨/٨
الخَبَطَ، فسُمِّيَ ذلك الجيشُ جيشَ الخَبَطِ، فألقَى لنا البحرُ دابّةً، يقال لها: العَنْبَرُ، فأكَلْنا مِنْه
نِصْفَ شَهْرٍ، وادَّهَّا من وَدَكِهِ حتَّى ثابَتْ إلينا أجْسامُنا، فأخَذَ أبو عُبيدةَ ضِلَعاً من أضْلاعه
فَتَصَبَه، فعَمَدَ إلى أطْوَلِ رجلٍ معه - قال سفيانُ مرَّةً: ضِلَعاً من أعضائه فنَصَبَه، وأخَذَ رجلاً
وبَعِيراً - فمرَّ تحتَه، فقال جابرٌ: وكان رجلٌ مِن القومِ نَحَرَ ثلاثَ جَزائرَ، ثمَّ نَحَرَ ثلاثَ جَزائرَ،
ثمَّ نَحَرَ ثلاثَ جَزائرَ، ثمَّ إِنَّ أبا عبيدةَ نَهاه.
٤٣٦١م- وكان عَمْرٌو يقول: أخبرنا أبو صالح، أنَّ قيسَ بنَ سعدٍ قال لأبيه: كنتُ في
الجيشِ فجاعُوا، قال: انحَرْ، قال: نَحَرْتُ، قال: ثمَّ جاعوا، قال: انحَرْ، قال: نَحَرْتُ، قال: ثمَّ
جاعوا، قال: انحَرْ، قال: نَحَرْتُ، ثمَّ جاعوا، قال: انحَرْ، قال: نُّهِيت.
٤٣٦٢ - حدَّثنا مُسدَّدٌ، حدّثنا يحيى، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني عَمْرٌو، أنَّه سمعَ جابراً ﴾
يقول: غَزَوْنا جيشَ الخَبَطِ، وَأُمْرَ أبو عُبيدةَ، فجُعْنا جوعاً شديداً، فألقَى لنا البحرُ حوتاً ميّاً لم
ذَرَ مِثْلَه، يقال له: العَنْبَرُ، فأكَلْنا مِنْه نِصْفَ شَهْرٍ، فأخَذَ أبو عبيدةَ عَظْماً من عِظامِه، فمرَّ الرّاكِبُ
تحته.
٤٣٦٢م- وأخبرني أبو الزُّبَيرِ: أنَّه سمعَ جابراً يقول: قال أبو عبيدةَ: كُلُوا، فلمَّا قَدِمْنا
المدينةَ ذَكَرْنا ذلك للنبيِّ وَّهِ، فقال: ((كُلوا رِزْقاً أخرَجَه الله، أطْعِمونا إن كان معكمْ)) فآتاه
بعضُهم فأكَلَه.
قوله: ((باب غزوة سيف البحر)) هو بكسرِ المهمَلة وسكون التَّحتانيَّة وآخره فاء، أي:
ساحل البحر.
قوله: ((وهم يَتَلَقَّوْنَ عِيراً لقُرَيشٍ)) هو صريح ما في الرِّواية الثّانية في الباب، حيثُ قال
فيها: نَرصُد عِيرَ قُرَيش. وقد ذكر ابن سعد وغيره: أنَّ النبيّ وَّهِ يَعَثَهم إلى حَيّ من جُهَينة
بالقَبَليَّة، بفتحِ القاف والموخَّدة، ممّا يَلي ساحل البحر، بينهم وبين المدينة خمس لَيَالٍ، وأنَّهم
انصرفوا ولم يلقَوا کَیداً، وأنَّ ذلك کان في شهر رجب سنة ثمانٍ. وهذا لا يُغایر ظاهره ما في
٦٤٤
باب ٦٤ / ح ٤٣٦٠- ٤٣٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
((الصَّحيح))، لأنَّه يُمكِن الجمع بين كَوْنهم يَتَلَقَّونَ عِيراً لقُرَيش ويَقصِدونَ حَيّاً من جُهَينة،
ويُقوِّي هذا الجمع ما عند مسلم (١٩٣٥/ ٢١) من طريق عُبيد الله بن مِقسَم عن جابر،
قال: بَعَثَ رسول الله وَّهِ بَعثاً إلى أرض جُهَينة، فذكر هذه القِصّة. لكنَّ تَلقِّي عِيرِ قُرَيش ما
يُتصوَّر أن يكون في الوقت الذي ذكره ابن سعد في رَجَب سنة ثمانٍ، لأنّهم كانوا حينئذٍ في
الهُدنة، بل مُقْتَضَى ما في ((الصَّحيح)) أن تكون هذه السَّريَّة في سنة ستّ أو قبلها قبل هُدْنة
الحُدَيبية. نعم يحتمل أن يكون تَلَقّيهم العِيرَ ليس لمحارَبَتِهم بل لحِفظِهم من جُهَينة، ولهذا لم
يقع في شيء من طرق الخبر أنَّهم قاتلوا أحداً، بل فيه أنَهم أقاموا نصف شهر أو أكثر في
مكان واحد، فالله أعلم.
قوله: ((عن وَهْب بن کَیْسانَ عن جابر))(١).
قوله: ((قِبَل الساحل)) بكسرِ القاف وفتح الموحَّدة، أي: جِهَته. ووَقَعَ في رواية عُبادة بن
الوليد بن عُبَادة: سِيف البحر. وسأذكُرُ مَن أخرجها.
قوله: ((وأمَّرَ عليهم أبا عُبيدة)) في رواية أبي حمزة الخَولانيِّ عن جابر عند ابن أبي عاصم في
((الأطعمة)): أُمِّر علينا قيس بن سعد بن عُبَادة على عهد رسول الله وَلِّ. والمحفوظ ما اتَّفَقَت
٧٩/٨ عليه روايات ((الصحيحينِ))/ أنَّه أبو عبيدة، وكأنَّ أحد رواته ظنَّ من صنیع قیس ابن سعد
في تلكَ الغزوة ما صَنَعَ من نَحر الإبل الَّتي اشتَراها أنَّه كان أميرَ السَّريَّة، وليس كذلك.
قوله: ((فخَرَجْنا فكَّا ببعضِ الطَّريق فَنِيَ الزّاد، فأمَرَ أبو عُبيدة بأزْوادِ الجيش فجُمِعَ، فكان
مِزْوَدَ(٢) تَمْر)) المِزِوَد، بكسرِ الميم وسكون الزّاي: ما يُعَل فيه الزّاد.
(١) كذا بيَّض له في الأصل، ولعله أراد التنبيه على تصريح وهب بسماعه للخبر من جابر، فقد جاء عند
مسلم (١٩٣٥) مرة بلفظ السماع، ومرة بلفظ الإخبار.
(٢) كذا وقع للحافظ رحمه الله بالإفراد، وإنما هو في روايات ((الصحيح)) هنا كما في ((اليونينية)) دون خلاف
بالتثنية: مِزْوَدَي، وكذلك هي رواية إسماعيل بن أبي أويس، فقد أخرج البيهقي ٩/ ٢٥٢ الحديث من
طريقه بصيغة التثنية. وقد وافق إسماعيلَ بنَ أبي أيوب على التثنية عبد الله بن يوسف فيما سلف برقم
(٢٤٨٣) وغيره، فما وقع للحافظ هنا من نسبة الإفراد لهذه الرواية فوهمٌ. على أنَّ عبد الرحمن بن مهدي
قد رواه عن مالك بصيغة الإفراد، وروايته عند أحمد (١٤٢٨٦)، ومسلم (١٩٣٥).
٦٤٥
باب ٦٤ / ح ٤٣٦٠- ٤٣٦٢
كتاب المغازي
قوله: ((فكان يقوتنا)) بفتح أوَّله والتَّخفيف من الثَّلاثيّ، ويضمِّه والتَّشديد من التَّقويت.
قوله: ((كلّ يوم قليلاً قليلاً حتَّى فَنِيَ فلم يكن يُصيبنا إلّا تَمْرة تَمْرة)) ظاهر هذا السّياق
أنَهم كان لهم زاد بطريق العُموم وأزواد بطريق الخصوص، فلمَّا فنيَ الذي بطريق العُموم
اقتَضَى رأيُ أبي عُبيدة أن يُجمع الذي بطريق الخُصوص لقصدِ المواساة بينهم في ذلك
فَفَعَلَ، فكان جَميعه مِزوَداً واحداً، ووَقَعَ عند مسلم (١٩٣٥ / ١٧) من حديث أبي الزُّبَير عن
جابر: بَعَثَنا رسول الله وَ لَه وأمَّرَ علينا أبا عبيدة، نتلقى عيراً لقُرَيشٍ، وزَوَّدَنا جِراباً من تَر
لم يَجِد لنا غيره، وكان أبو عُبيدة يُعطينا تمرةً تمرةً. وظاهره مخالف لرواية الباب، ويُمكِن
الجمع بأنَّ الزّاد العامّ كان قَدر جِراب، فلمَّا نَفِدَ وَمَعَ أبو عُبيدة الزّاد الخاصّ اتَّفَقَ أنَّه
أيضاً كان قَدْر جِراب، ويكون كلّ من الراويَينِ ذكر ما لم يَذكُرُه الآخر، وأمَّا تَفرِقَةُ ذلك
تمرةً تمرةً فكان في ثاني الحال. وقد تقدَّم في الجهاد (٢٩٨٣) من طريق هشام بن عُرْوة عن
وَهْب بن كَيْسانَ في هذا الحديث: خَرَجْنا ونحنُ ثلاثُ مئة نَحمِل زادَنا على رِقابنا، فَفَنِيَ
زادنا، حتَّى كان الرجل مِنّا يأكل كلّ يوم تمرةً.
وأمَّا قول عياض: يحتمل أنَّه لم يكن في أزوادهم تَمر غير الجِراب المذكور، فمردود، لأنَّ
حديث الباب صريح في أنَّ الذي اجتَمَعَ من أزوادهم كان مِزوَد تَر، ورواية أبي الزُّبَير
صريحة في أنَّ النبيّ وَ زَوَّدَهم ◌ِراباً من تَر، فصَحَّ أنَّ التَّمر كان معهم من غير الجِراب.
وأمَّا قول غيره: يُحتمل أن يكون تَفرِقَته عليهم تمرةً تمرةً كان من الجِراب النَّبويّ قصداً
لِبَرَكَتِهِ، وكان يُفرِّق عليهم من الأزواد الَّتي ◌ُمعَت أكثر من ذلك. فبعيد من ظاهر السّياق،
بل في رواية هشام بن عُرْوة عند ابن عبد البَرّ (١٤/٢٣ -١٥): فقلَّت أزوادنا حتَّى ما كان
يُصيب الرجل مِنّا إلّا تمرة.
قوله: ((فقلت: ما تُغْني عنكُمْ تَمْرة؟)) هو صريح في أنَّ السائل عن ذلك وَهْب بن كَيْسانَ
فيُفَسَّر به المبهم في رواية هشام بن عُزْوة الّتي مَضَت في الجهاد، فإنَّ فيها: فقال رجل: يا أبا
عبد الله - وهي كُنية جابر - أين كانت تقع التَّمرة من الرجل؟)). وعند مسلم من رواية أبي
الزُّبَيرِ أنَّه أيضاً سألَ عن ذلك.
٦٤٦
باب ٦٤ / ح ٤٣٦٠- ٤٣٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
فقال: لقد وَجَدْنا فَقْدَها حين فَنِيَت، أي: مُؤَثِّراً. وفي رواية أبي الزُّبَير: فقلت: كيف كنتُم
تَصنَعونَ بها؟ قال: نَمَصّها كما يَمَصّ الصَّبيُّ الثَّديَ، ثمَّ نَشرَب عليها من الماء، فتَكفينا يومَنا
إلى اللّيل.
قوله في الرواية الثانية: ((فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخَبَط)) بفتح المعجمة والموحدة
بعدها مُهملة: هو ورق السَّلَم. في رواية أبي الزبير: وكنّا نضرب بعِصِيِّنا الخَبط ثم نَبْلُّهُ بالماء
فنأكله. وهذا يدلّ على أنه كان يابساً، بخلاف ما جزم به الداوودي: أنه كان أخضر رَطْباً.
ووقع في رواية الخولاني: وأصابتنا تَمَصَة.
قوله: (ثُمَّ انْتَهَينا إلى البحرِ)) أي: إلى ساحل البحرِ، وهو صريح الرِّواية الثّانية. وفي رواية أبي
الزُّبَير: فانطَلَقنا على ساحل البحر.
قوله: ((فإذا حوتٌ مِثْلِ الظَّرِب)» أمَّا الحوت: فهو اسم جِنس لجَميع السَّمَك، وقيل: هو
تَخَصوص بما عَظُمَ منها، والظَّرِب بفتح المعجَمة المشالة - ووَقَعَ في بعض النُّسَخ بالمعجَمة
الساقطة، حكاها ابن التِّين، والأوَّل أصوَب ـ وبكسرِ الرّاء بعدها موخَّدة: الجبل الصَّغير.
وقال القَزّاز: هو بسكونِ الرّاء، إذا كان مُنَبَسِطاً ليس بالعالي. وفي رواية أبي الزُّبَير: فَوَقَعَ لنا
على ساحل البحر كَهَيئة الكَثيب الضَّخم، فأتيناه فإذا هو دابّة تُدعَى العَنْبَرَ. وفي الرِّواية
الثّانية: فألقَى لنا البحر دابّة يقال لها: العَنبَرَ. وفي رواية الخَولانيِّ: فَهَبطنا بساحلِ البحر،
٨٠/٨ فإذا نحنُ بأعظَم حوت. قال أهل اللُّغة: العَنبَرَ: سَمَكة بحريَّة كبيرة يُتَّخَذ من چِلدها/
التِّرَسة. ويقال: إنَّ العَنبَر المشموم رَجيع هذه الدّابّة. وقال ابن سِينا: بل المشموم يَخْرُج من
البحر، وإنَّما يُوجد في أجواف السَّمَك الذي يَبتَلِعه. ونَقَلَ الماوَرْديُّ عن الشّافعيّ قال:
سمعت مَن يقول: رأيت العَنبَر نابتاً في البحر مُلتَوياً مِثل عُنُق الشّاة، وفي البحر دابّة
تأكُلُه وهو سُمٌّ لها فيَقتُلها فيَقذِفها البحرُ، فيَخرُجِ العَنبَرَ من بطنها. وقال الأزهَريّ:
العَنبَر: سمكة تكون بالبحرِ الأعظَم يَبلُغ طولها خمسين ذِراعاً، يقال لها: بالة. وليست بعربيّةٍ،
قال الفَرَزدق:
٦٤٧
باب ٦٤ / ح ٤٣٦٠-٤٣٦٢
كتاب المغازي
فِتْنَا كأنَّ العَنبَ الوَرْدَ بيننا وبالةَ تَجْرِ(١) فارُها (٢) قد تَخَرَّما
أي: قد تَشَقَّقَ. ووَقَعَ في رواية ابن جُرَيج عن عَمْرو بن دينار في أواخر الباب: ((فألقَى لنا
البحر حُوتاً ميِّناً))، واستُدِلَّ به على جواز أكل مَيْتة السَّمَك، وسيأتي البحث فيه في كتاب
الأطعمة (٥٤٩٣) إن شاء الله تعالى.
قوله: ((فأكل منه القوم ثماني عشرة ليلة» في روایة عمرو بن دينار: فأگلْنا منهِنِصْف شَهْر، وفي
رواية أبي الزُّبَير: فأقمنا عليها شهراً (٣). ويُجمَع بين هذا الاختلاف بأنَّ الذي قال: ثماني
عشرة، ضَبَطَ ما لم يَضبطه غيره، وأنَّ مَن قال: نصفَ شهرٍ، ألغَى الكسر الزّائد، وهو ثلاثة أيام،
ومَن قال: شهراً، جَبَرَ الكسر أو ضَمَّ بَقيَّة المدّة الَّتي كانت قبل وجدانهم الحوتَ إليها. ورَجَّحَ
النَّوَويّ رواية أبي الزُّبیر لما فيها من الزّيادة. وقال ابن النِّین: إحدى الرِّوایتینِ وهمٌ. انتھی،
ووَفَعَ في رواية الحاكم: اثنَي عشر يوماً، وهي شاذّة، وأشدّ منها شُذوذاً رواية الخولانيّ: فَأَقَمْنا
قبلها ثلاثاً، ولعلَّ الجمع الذي ذكرتُه أَولى، والله أعلم.
قوله: ((حتَّى ثابَتْ)) بمُثلَّثَةٍ، أي: رَجَعَت، وفيه إشارة إلى أنَهم أصابهم هُزال من الجوع
السابق.
قوله: ((وادَّهَنّا من وَدَكه)) بفتح الواو والمهمَلة، أي: شَحْمه. وفي رواية أبي الزُّبَير: فلقد
رأيتنا نَغتَرِف من وَقْبٍ عينه بالقِلال الدُّهنَ، ونَقْتطِعُ منه الفِدَر كالثَّورِ. والوَقْب، بفتح الواو
وسكون القاف بعدها موحّدة: هي النُّقرة الَّتي تكون فيها الحَدَقة، والفِدَر، بكسرِ الفاء وفتح
الدّال: جمع فِدْرةٍ، بفتح ثمَّ سكون: وهي القطعة من اللَّحم ومن غيره. وفي رواية الخَولانيّ:
فحَمَلْنا ما شِئنا من قَديد ووَدَك في الأسقية والغرائر.
(١) تصحف في (س) إلى: بحر، والتصويب من ((ديوان الفرزدق)) ٢٣٥/٢. ومعنى ((بالة تَجْر)) أي: قارورة
تاجر الطِّيب.
(٢) تحرفت في الأصلين و(س) إلى: فاؤها، والتصويب من ((ديوان الفرزدق)) ٢٣٥/٢، ومعنى ((فارها)) أي:
مِسْکھا.
(٣) يعني عند مسلم (١٩٣٥) (١٧).
٦٤٨
باب ٦٤ / ح ٤٣٦٠-٤٣٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((ثُمَّ أمَرَ أبو عُبيدة بضِلَعينِ من أضْلاعه فنُصِبا)) كذا فيهِ، واستُشكِلَ لأنَّ الصِّلع
مؤنَّئة، ويُجاب بأنَّ تأنيثه غير حقيقيّ، فيجوز فيه التَّذکیر.
قوله: ((ثُمَّ أَمَرَ براحلةٍ فُرُخِّلَت، ثمَّ مَرَّت تحتهما، فلم تُصِبْهما)) وفي الرِّواية الثّانية: فعَمَدَ
إلى أطوَل رجل معه فمرَّ تحته. وفي حديث عُبَادة بن الصّامت عند ابن إسحاق(١): ثمَّ أمر
بأجسَم بعيرٍ مَعَنا، فحَمَلَ عليه أجسَم رجل مِنّا فخرج من تحتهما وما مَسَّت رأسَه. وهذا
الرجل لم أقِفْ على اسمه، وأظنّه قيس بن سعد بن عُبَادة، فإنَّ له ذِكْراً في هذه الغزوة، كما
سَتَراه بعدُ، وكان مشهوراً بالطُّولِ، وقِصَّته في ذلك معَ معاوية لمَّا أرسَلَ إليه ملكُ الرّوم
بالسَّراويلِ معروفةٌ، فذكرها المعافى الجريريّ في ((الجليس)) وأبو الفرج الأصبهاني وغيرهما،
ومُحُصِّلها أنَّ أطول رجل من الرّومِ نَزَعَ له قيس بن سعد سَراويله، فكانت طولَ قامة
الرّوميّ، بحيثُ كان طَرَفها على أنفه وطَرَفها بالأرضِ، وعوتِبَ قيس في نَزع سَراويله في
المجلِس، فأنشدَ:
سَراويلُ قيسٍ والوُفود شُهودٌ
أردتُ لِكَيما يعلمَ الناسُ أنَّها
سَراويل عاديٍّ نَمَتْه ثَمُودُ
وأن لا يقولوا غابَ قیس وهذه
وزاد مسلم في رواية أبي الزُّبَير: فأخَذَ أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعَدَهم في وَقْب
عينه. والوَقْب تقدَّم ضبطه، وهو حُفرة العين في عَظم الوجه، وأصله نُقرة في الصَّخرة
٨١/٨ يَجْتَمِع فيها الماء، والجمع: وِقاب، بكسرٍ أوَّله، ووَقَعَ في آخِر / ((صحيح مسلم)) (٣٠١٤) من
طريق عُبَادة بن الوليد: أنَّ عُبَادة بن الصّامت قال: خَرَجت أنا وأبي نَطلُب العلم، فذَكَر
حديثاً طويلاً، وفي آخره: وشَكا الناس إلى رسول الله بَّه الجوع فقال: ((عَسَى الله أن
يُطعِمَكُم))، فأتينا سِيفَ البحر، فَخَرَ البحر زَخْرَةً، فألقَى دابّةٍ فأورَينا على شِقّها النار،
فاطَّبَخْنا واشتَوَينا وأكَلنا وشَبعنا. قال جابر: فدَخَلت أنا وفلان وفلان حتَّى عَدَّ خمسةً في
حَجَاج عينِها وما يَرانا أحد، حتَّى خَرَجنا وأخَذنا ضِلَعاً من أضلاعها فقَوَّسناه، ثمَّ دَعَونا
(١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٦٣٢.
٦٤٩
باب ٦٤ / ح ٤٣٦٠ - ٤٣٦٢
كتاب المغازي
بأعظم رجل في الرَّكب وأعظَم جمل في الرَّكب وأعظَم كِفْل في الرَّكب، فدَخَلَ تحته ما
يُطاطِئُ رأسَه.
وظاهر سياقه أنَّ ذلك وَقَعَ لهم في غزوة مع النبيّ ◌َّهَ، لكن يُمكِن حَمَل قوله: فأتينا
سِيفَ البحر. على أنَّه مَعطوف على شيء محذوف تقديره: فبَعَثَنَا النبيّ وَّهُ فِي سَفَر فأتينا ...
إلى آخره، فيَتَّحد معَ القِصّة الّتي في حديث الباب.
قوله في الرواية الثانية: ((فأخَذَ أبو عبيدة ضِلَعاً من أضْلاعِه)) كذا للأكثَرِ، وللمُستَمْلِي: من
أعضائه. والأوَّل أصوّب، لأنَّ في السّياق: قال سفيان مرَّةً: ضِلَعاً من أعضائه. فدَلَّ على أنَّ
الرّواية الأولى: من أضلاعه.
قوله في الرواية الثانية: ((وكان رجل من القوم نَحَرَ ثلاث جَزائر)) أي: عندما جاعوا،
ووقع في رواية الخولانيّ: سبعَ جزائر.
قوله: ((وكان عَمْرو)) هو ابن دينار، وأبو صالح: هو ذَكْوانُ السَّمان.
قوله: ((أنَّ قيس بن سعد قال لأبيهِ: كنتُ في الجيش فجاعوا، قال: انحَرْ)) وهذا صورته
مُرسَل، لأنَّ عَمْرو بن دينار(١) لم يُدرِك زمان تحديث قيسٍ لأبيه، لكنَّه في ((مُسنَد الحميديّ))
(١٢٤٤) موصول أخرجه أبو نُعَيم في ((المستَخرَج)) من طريقه ولفظه: عن أبي صالح عن
قيس بن سعد بن عُبَادةُ قال: قلت لأبي: وكنت في ذلك الجيش جيش الخَبَط، فأصاب
الناسَ جوعٌ، قال لي: انحَر، قلت: نَحَرت، فذكره، وفي آخره: قلت: نُهيت. وذكر "
الواقديُّ(٢) بإسنادٍ له: أنَّ قيس بن سعد لمَّا رأى ما بالناس قال: مَن يَشتَري مِنِّي تَمَراً
بالمدينة بجَزورٍ هنا؟ فقال له رجل من جُهَينة: مَن أنتَ؟ فانتَسَبَ له، فقال: عرفتُ نَسَبَك،
فابتاعَ منه خمس جَزائر بخمسة أوسُقٍ وأشهَدَ له نَفَراً من الصَّحابة، فامتَنَعَ عمر لكَوْنِ قيسٍ
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو سبق قلم منه، أراد أن يقول: إنَّ أبا صالح لم يُدرك زمان تحديث قیس
لأبيه، فذكر عمرو بن دينار، بدل: أبي صالح.
(٢) في ((المغازي)) ٧٧٤/٢ -٧٧٥.
٦٥٠
باب ٦٤ / ح ٤٣٦٠- ٤٣٦٢
فتح الباري بشرح البخاري
لا مال له، فقال الأعرابيّ: ما كان سعدٌ لِيُخْنِيَ(١) بابنِهِ في أوسق من تمر، فبَلَغَ ذلك سعداً،
فَغَضِبَ ووَهَبَ لقيسٍ أربع حوائط أقلّها يَجُذّ خمسين وَسْقاً. وزاد ابن خُزَيمةَ من طريق
عَمْرو بن الحارث عن عَمْرو بن دينار(٢): قال في حديثه: لمَّا قَدِموا ذكروا شأن قیس، فقال
النبيّ وَّ: ((إنَّ الجود من شيمة أهل ذلك البيت))، وفي حديث الواقديٍّ: أنَّ أهل المدينة
بَلَغَهم الجَهْد الذي قد أصاب القومَ، فقال سعد بن عُبَادة: إن يَكُ قيسُ كما أعرِف،
فسيَنحَرُ للقومِ.
قوله في الرواية الثالثة: ((وأَمِّرَ أبو عُبيدة)) كذا لهم، بضمِّ الهمزة وتشديد الميم على البناء
للمجهولِ، وفي رواية ابن عُبَينة عند مسلم (١٨/١٩٣٥): وأميرنا أبو عبيدة.
قوله: ((وأخبَرَني أبو الزُّبَير)) القائل هو ابن جُرَيج، وهو موصول بالإسناد المذكور.
قوله: («أطْعِمونا إن كان معكم منه (٣)، فآتاه بعضهم)) بالمدِّ، أي: فأعطاهُ ((فأكَلَه)) ووَقَعَ في
رواية ابن السَّكَن: فأتاه بعضهم بعُضوٍ منه فأكَلَه. قال عياض: وهو الوجه. قلت: في رواية
أحمد (١٤٣٣٦) من طريق ابن جُرَيج الَّتي أخرجها منه البخاريّ: فكان مَعَنا منه شيء،
فأرسل به إليه بعض القوم فأگَلَ منه. ووقع في رواية أبي حمزة عن جابر عند ابن أبي عاصم
في ((كتاب الأطعمة)): فلمَّا قَدِموا ذَكَروا لرسولِ الله وَ لَه فقال: «لو نَعلم أنّا نُدرِ کہ لم يُروخ
لَأَحَيَينا لو كان عندنا منه)). وهذا لا يُخالف رواية أبي الزُّبَير لأنَّه يُحمَل على أنَّه قال ذلك
ازدياداً منه بعد أن أحضَروا له منه ما ذُكِرَ، أو قال ذلك قبل أن يُحِضِروا له منه، وكان الذي
أحضَروه معهم لم يُروِحِ، فأكَلَ منه، والله أعلم.
وفي الحديث من الفوائد أيضاً: مشروعيَّة المواساة بين الجيش عند وقوع المجاعة. وأنَّ
(١) تصحفت في (س) إلى: ليجني. قال ابن الأثير: لِيُخْنِيَ بابنه، أي: يُسلِمه.
(٢) كذا جعل الحافظ هذه الزيادة من رواية عمرو بن الحارث عن عمرو بن دينار! وإنما رواه عمرو بن
الحارث عن بكر بن سَوَادة عن أبي حمزة الخولاني عن جابر بن عبد الله. كما توضحه رواية ابن عساكر
٤١٠/٤٩ حیث أخرجه من طریق ابن خزيمة.
(٣) لفظة ((منه)) ليست في شيء من روايات البخاري هنا، حَسَب ما في اليونينية، و((إرشاد الساري)).
٦٥١
باب ٦٥ / ح ٤٣٦٣ -٤٣٦٤
كتاب المغازي
الاجتماع على الطّعام يستدعي البَرَكة فيهِ، وقد اختلفوا في سبب نَهي أبي عبيدة قَيْساً أن
يَستَمِّ على إطعام/ الجيش، فقيلَ: لَخَشْية أن تَفْنَى حَمولَتهم. وفيه نظر، لأنَّ القِصّة أنَّه ٨٢/٨
اشتَرَى من غير العَسكَرِ، وقيلَ: لأنَّه كان يَستَدین علی ذِمَّته، وليس له مال فأُريد الرِّفقُ به،
وهذا أظهَر، والله أعلم.
٦٥- حجّ أبي بكرٍ بالناس في سنة تسعٍ
٤٣٦٣- حدَّثْني سليمانُ بنُ داودَ أبو الرَّبِيعِ، حدَّثنا فُلَيحٌ، عن الزُّهْريِّ، عن مُميدِ بنِ
عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ أبا بَكْرٍ ﴾ بَعَثَه في الحَجّةِ الَّتِي أَمَّرَه النبيُّ ◌َ ◌َّ عليها، قبلَ
حَجّةِ الوَداع يومَ النَّحْرِ، في رَهْطٍ يُؤَذِّنُ في الناسِ: أن لا يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَنَّ
بالبيتِ عُرْيانٌ.
٤٣٦٤- حدَّثني عبدُ الله بنُ رَجاءٍ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ ظُه، قال:
آخِرُ سورةٍ نزلت کامِلةً براءةٌ، وآخِرُ سورةٍ نزلتْ خاتمةُ سورةِ النِّساءِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ
يُفْتِيكُمْ فِ اَلْكَلَلَةِ ﴾
[أطرافه في: ٤٦٠٥، ٤٦٥٤، ٦٧٤٤]
قوله: ((حَجّ أبي بَكْر بالناسِ في سَنة تسع)) كذا جَزَمَ به، ونَقَلَ المحِبِّ الطَّبَريُّ عن
((صحيح ابن حِبّان)) (٣٧٠٧): أنَّ فيه عن أبي هريرة: لمَّا قَفَلَ النبيّ ◌َّهِ مِن حُنَينِ اعتَمَرَ
من الجِعرانة، وأمَّرَ أبا بكر في تلكَ الحجّة. قال المحِبّ: إنَّما حَجَّ أبو بكر سنة تسع،
والجِعرانة كانت سنة ثمان، قال: وإنَّما حَجَّ فيها عَتّاب بن أَسيدٍ. كذا قال، وكأنَّه تَبعَ
الماوَرْديّ، فإنَّه قال: إنَّ النبيّ وَّهِ أَمَرَ عَتّاباً أن يَحُجّ بالناس عام الفتح، والذي جَزَمَ به
الأزرقيّ في ((أخبار مكَّة)) خلافه، فقال: لم يَبلُغنا أنَّه استعملَ في تلك السَّنة على الحجّ أحداً،
وإنَّما وَى عَّاباً إمرةَ مَّة، فحَجَّ المسلمونَ والمشركونَ جَميعاً، وكان المسلمونَ معَ عَّاب
لكَوْنِه الأميرَ. قلت: والحقّ أنَّه لم يُخْتَلَف في ذلك، وإنَّما وَقَعَ الاختلاف في أي شهرٍ حجَّ
أبوبكر: فذكر ابن سعد (١٨٦/٢) وغيره بإسنادٍ صحيح عن مجاهد: أنَّ حَجّة أبي بكر وَقَعَت
٦٥٢
باب ٦٥ / ح ٤٣٦٣ - ٤٣٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
في ذي القَعدة، ووافَقَه عِكْرمة بن خالد فيما أخرجه الحاكم في ((الإكليل))، ومَن عَدَا هذَینِ
إمّا مُصرِّح بأنَّ حَجّة أبي بكر كانت في ذي الحجّة، كالدّاووديّ، وبه جَزَمَ من المفسِّرِينَ
الزُّمّانيّ والثَّعَلَبيّ والماوَرْديّ، وتَبِعَهم جماعة، وإمّا ساكِتٌ، والمعتمَد ما قاله مجاهد، وبه
جَزَمَ الأزْرَقِيّ، ويُؤيِّده أنَّ ابن إسحاق صَرَّحَ بأنَّ النبيّ نَّهِ أَقامَ بعد أن رَجَعَ من تَبُوك
رمضانَ وشوّالاً وذا القَعدة، ثمَّ بَعَثَ أبا بكر أميراً على الحجّ، فهو ظاهر في أنَّ بَعث أبي بكر
كان بعد انسِلاخ ذي القَعدة، فيكون حَجّه في ذي الحجّة على هذا، والله أعلم.
واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ فرض الحجّ كان قبل حَجّة الوداع، والأحاديث في ذلك
كثيرةٌ شَهيرة (١). وذهب جماعة إلى أنَّ حَجّ أبي بكر هذا لم يُسقِط عنه الفَرض بل كان تَطَوُّعاً
قبل فرض الحجّ، ولا يَخْفَى ضعفه. ولِبَسطٍ تقرير ذلك موضع غير هذا.
وقال ابن القَيِّم في ((الهدي)): ويُستَفاد أيضاً من قول أبي هريرة في حديث الباب قبل
حَجّة الوَدَاعِ، أنَّها كانت سنة تسع، لأنَّ حَجّة الوداع كانت سنة عشر اتِّفاقاً، وذكر ابن
إسحاق أنَّ خروج أبي بكر كان في ذي القَعدة، وذكر الواقديُّ أنَّه خرج في تلكَ الحجّة معَ
أبي بَكر ثلاث مئةٍ من الصَّحابة، وبَعَثَ معه رسولُ اللهِّهِ عشرِينَ بَدَنةً.
ثم ذكر المصنف في الباب حديثين:
أحدهما: حديث أبي هريرة: أنَّ النبيّ ◌َلّهِ بَعَثَه في رَهط يُؤَذِّن في الناس: أن لا يَحُجّ بعد
العام مُشرِك. هكذا أورَدَه مختصراً، وسيأتي في تفسير سورة براءة تمامُ السّياق (٤٦٥٥)،
ويأتي تمام شرحه هناكَ.
٨٣/٨
ثانيهما: حديث البراء: آخر سورة نزلت كاملة براءة، الحديث،/ وسيأتي شرحه في التَّفسير
أيضاً (٤٦٥٤)، وبيان ما وَقَعَ فيه من الإشكال من قوله: كاملة. والغرض منه الإشارة إلى
أنَّ نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾
الآية [التوبة: ٢٨] كان في هذه القِصّة، أشارَ إلى ذلك الإسماعيليّ ودَقَّقَ في ذلك على خِلاف
(١) انظر شرحه على حديث أنس السالف برقم (٦٣).
٦٥٣
باب ٦٦ / ح ٤٣٦٥
كتاب المغازي
عادَته من الاعتراض على مِثل ذلك. وقد ذكر ابن إسحاق بإسنادٍ مُرسَل قال: نزلت براءة،
وقد بَعَثَ النبيّ وَّ عليّاً على الحجّ، فقيلَ: لو بَعَثتَ بها إلى أبي بكر، فقال: ((لا يُؤَدّي عنِّي
إلّا رجل من أهل بيتي)) ثمَّ دَعَا عليّاً فقال: ((اخرُجْ بصَدرٍ براءة، وأذِّن في الناس يوم النَّحر
بِمِنَّى إذا اجتمعوا)) فذكر الحديث.
وروى أحمد (٧٩٧٧) من طريق مُحرَّر بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت معَ عليّ بن أبي
طالب، فكنت أُنادي حتَّى صَحِلَ صوتي، الحديث. ومن طريق زيد بن يُثَيع (٥٩٤) قال:
سألت عليّاً: بأيِّ شيء بُعِثتَ في الحجّة؟ قال: بأربع: لا يَدخُل الجنَّة إلّا نفس مُؤمِنة، ولا يَطوف
بالبيت عُريانٌ، ولا يَحُجّ بعد العام مُشِرِك، ومَن كان بينه وبين رسول الله بَّ عَهد فعَهْده إلى
مُدَّته. وأخرجه التِّرمِذيّ (٨٧١ و٨٧٢ و٣٠٩٢) من هذا الوجه، وصَحَّحَه.
تنبيه: وَقَعَ هُنا ذِكْرِ حَجّة أبي بَكر قبل الوُفود، والواقع أنَّ ابتداء الوُفود كان بعد
رُجوع النبيّ وَّ من الجِعرانة في أواخر سنة ثمان وما بعدها، بل ذكر ابن إسحاق أنَّ الوُفود
كانوا بعد غزوة تَبُوك. نعم اتَّفَقوا على أنَّ ذلك كلّه كان في سنة تسع، قال ابن هشام:
حدَّثني أبو عُبيدة قال: كانت سنةُ تسع تُسَمَّى سنةَ الوُفود. وقد تقدَّم في غزوة الفتح (٤٣٠٢)
في حديث عَمْرو بن سَلِمةَ: كانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامها الفتحَ ... الحديث، فلمَّا كان
الفتح بادَرَ كلّ قوم بإسلامهم، ولعلَّ ذلك من تَصَرُّف الرُّواة كما قَدَّمته غير مرَّة، وسيأتي
نَظِير هذا في تقديم حَجّة الوداع على غزوة تَبُوك.
وقد سَرَدَ محمَّد بن سعد في ((الطَّبَقات)) الوُفود، وتَبعَه الدِّمياطِيّ في ((السِّيرة)) الَّتي
جمعها، وتَبعَه ابن سَيِّد الناس، ومُغَلْطاي، وشيخنا في (نَظْم السِّيرة)) ومجموع ما ذَكَروه
يزيد على السِّتّينَ.
٦٦ - وفد بني تميم
٤٣٦٥ - حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا سفيانُ، عن أبي صَخْرةَ، عن صَفْوانَ بنِ مُحِرِزِ المازِيِّ، عن
عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ رضي الله عنهما، قال: أتى نَفَرٌّ من بني تَمِيم النبيَّ وََّ، فقال: ((اقبَلُوا المُشْرَى يا
٦٥٤
باب ٦٧ / ح ٤٣٦٦- ٤٣٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
بني تَمِيمٍ)) قالوا: يا رسولَ الله، قد بَشَّرْتَنا فأعطِنا، فُرُئِيَ ذلك في وجهِه، فجاء نَفَرٌ مِن اليَمَنِ،
فقال: ((اقِبَلُوا الْبُشْرَى، إذ لم يَقبَلْها بنو تَمِيمٍ)) قالوا: قد قَبِلْنا يا رسولَ الله.
قوله: ((وَفْد بني تميم)) أي: ابن مُرّ، بضمِّ الميم وتشديد الرّاء، ابن أَدٌّ، بضمِّ الهمزة وتشديد
الدّال المهملة، ابن طابخة، بموخَّدة مكسورة ثمَّ مُعجَمة، ابن الیاس بن مُضَر بن نِزار.
وذكر ابن إسحاق أنَّ أشراف بني تميم قَدِموا على النبيّ ◌َِّ منهم: عُطارد بن حاجِب
الدَّارِميُّ، والأقرَع بن حابس الدَّارِمِيُّ، والزِّبرِقان بن بدر السَّعديّ، وعَمْرو بن الأهتَم
المِنْقَرِيُّ، والحُتَات(١) بن يزيد المجاشعيّ، ونُعَيم بن يزيد بن قيس بن الحارث، وقيس بن
عاصم المِنْقَرِيّ، قال ابن إسحاق: ومعهم عُبَينَةُ بن حِصْن. وكان الأقرَع وعُبَينَةُ شَهِدا
الفتح، ثمَّ كانا معَ بني تميم، فلمَّا دخلوا المسجد نادَوْا رسول الله وََّ من وراء حُجرَته،
فذكر القِصّة. وسيأتي بيان ذلك في تفسير سورة الحُجُرات (٤٨٤٧) إن شاء الله تعالى.
ثم ذكر المصنف في الباب حديث عمران بن حُصَينٍ في قوله {َّهِ: ((اقبَلُوا الْبُشرَى يا
٨٤/٨ بني تميم)) الحديث، وقد تقدَّم شرحه في / أوَّل بَدْء الخلق (٣١٩٠).
٦٧ - بابٌ
قال ابنُ إسحاقَ: غزوةُ عُبَينَةَ بنِ حِصْنِ بنِ حُذَيفةَ بنِ بَدْرٍ بني العَنْرِ من بني تَمِيمٍ، بَعَثَه
النبيُّ وَّةٍ إليهم، فأغارَ وأصاب منهم ناساً، وسَبَى منهم نساءً.
٤٣٦٦ - حدَّثني زُهَيرُ بنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا جَرِيرٌ، عن عمارةَ بنِ القَعْقاع، عن أبي زُرْعةَ، عن
أبي هريرةَ عُ، قال: لا أزالُ أُحِبُّ بني تَمِيم بعدَ ثلاثٍ سمعتُه من رسولِ اللهِ وَلَ يقولها فيهمْ:
((هم أشَدُّ أَمَّتي على الدَّجّال))، وكانت فيهم سَبِيَّةٌ عندَ عائشةَ، فقال: ((أعتِقِيها، فإنّها من ولدِ
إسماعيلَ))، وجاءت صَدَقاتُهم، فقال: ((هذه صَدَقاتُ قومٍ - أو قَومِي -)).
٤٣٦٧ - حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، حدَّثنا هشامُ بنُ يوسفَ، أنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرهم، عن
ابنِ أبي مُلَيكةَ، أنَّ عبدَ الله بنَ الزُّبَيرِ أخبَرَهم: أنَّ قَدِمَ رَكْبٌ من بني تَمِيمٍ على النبيِّ ◌َّ، فقال
(١) تصحف في (س) إلى: الحباب. وضبطه الحافظ في ((الإصابة)) ٢٩/٢.
٦٥٥
باب ٦٧ / ح ٤٣٦٦-٤٣٦٧
كتاب المغازي
أبو بَكْرٍ: أمِّرِ القَعْقَاعَ بنَ مَعْبَدِ بنِ زُرَارةَ، قال عمرُ: بل أمِّرِ الأَقْرَعَ بنَ حابسٍٍ، قال أبو بَكْرٍ: ما
أرَدْتَ إلا خِلافي؟ قال عمرُ: ما أرَدْتُ خِلافَكَ! فتَمَارَيا حتَّى ارتَفَعَت أصواتُهما، فنزلَ في ذلك:
﴿َّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَاتُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] حتَّى انقَضَتْ.
[أطرافه في: ٤٨٤٥، ٤٨٤٧، ٧٣٠٢]
ثم قال: ((بابٌ. قال ابن إسحاق: غزوة عُبَينَةَ بن حِصْن بن حُذيفة بن بَدْر)) يعني: الفَزَاريَّ
((بني العَنْبَرَ من بني تَميم، بَعَثَه النبيّ وََّ إليهم فأغارَ، وأصاب منهم ناساً، وسَبَى منهم
نِساءً(١)) انتهى، وذكر الواقديُّ أنَّ سبب بَعث عُبَينَةَ أنَّ بني تميم أغاروا على ناس من خُزاعة،
فَبَعَثَ النبيّ وَّه إليهم عُيَينَةَ بن حِصن في خمسين، ليس فيهم أنصاريّ ولا مُهاجِريّ، فَأَسَرَ
منهم أحد عشر رجلاً، وإحدى عشرة امرأةً، وثلاثينَ صبيّاً. فقَدِمَ رُؤَساؤُهم بسَبَب ذلك. قال
ابن سعد: كان ذلك في المحرَّم سنة تسعٍ.
ثم ذكر المصنف حديث أبي هريرة: لا أزال أحبُّ بني تميم.
قوله: (و کانت فیھم» في رواية الگُشْمِیھنيِّ: منهم.
قوله: ((سَبيَّة)) بفتح المهمَلة وكسر الموحّدة وتشديد التَّحتانيَّة أو تخفيفها ثمَّ هَمزة، أي:
جارية مَسبيَّة، فَعيلة بمعنى مفعولة، وقد تقدَّم الكلام على اسمها وتسمية بعض من أُسِرَ
معها، وشرح هذه القِصّة من هذا الحديث في كتاب العِتق (٢٥٤٣).
قوله: ((وجاءت صَدَقاتهم فقال: هذه صَدَقاتُ قومٍ، أو قومي)) كذا وَقَعَ بالشكِّ، وقوم
بالكسرِ بغير تنوين، وفي رواية أبي يَعْلى (٢) عن زُهَير بن حَرْب شيخ البخاريّ فيه: ((صَدَقات
قومي» بغیر تَرَُّدٍ.
(١) وقع في الأصلين: فأغار وسبى وأصاب منهم سبياً. والمثبت من (س) هو الموافق لما في النسخة اليونينية
دون حكاية خلاف في روايات البخاري سوى في قوله: ((نساء)»، حيث أشار إلى أنها عند الكشميهني:
سِباءً، بدل: نساءً.
(٢) الحديث في ((مسند أبي يعلى)) برواية ابن حمدان (٦١٠٨) عن أبي معمر، وليس عن زهير بن حرب، ويلفظ:
«هذه صدقات قومنا)).
٦٥٦
باب ٦٨ / ح ٤٣٦٨ -٤٣٦٩
فتح الباري بشرح البخاري
قوله في حديث عبد الله بن الزُّبَير: ((قَدِمَ رَكْب من بني تَميم فقال أبو بَكْر: أمِّر القَعْقاع))
سيأتي شرح هذا الحديث مُستَوفَّى في أوَّل تفسير سورة الحُجُرات (٤٨٤٥) إن شاء الله
تعالی.
٦٨ - باب وفد عبد القیس
٤٣٦٨ - حدَّثني إسحاقُ، أخبرنا أبو عامرِ العَقَدِيُّ، حدَّثْنَا قُرَّةُ، عن أبي جَمْرةَ، قلتُ لابنٍ
٨٥/٨ عبَّاسٍ / رضي الله عنهما: إنَّ لِي جَرّةٌ يُْبَدُ لِي نَبِيذٌ، فأشرَبُه حُلْواً في جَرٍّ، إن أكثَرْتُ مِنْه فجالَسْتُ
القومَ، فأطَلْتُ الجلوسَ خَشِيتُ أن أفْتَضِحَ؟ فقال: قَدِمَ وَفْدُ عبدِ القيسِ على رسولِ الله ◌ِّه
فقال: ((مَرْحباً بالقوم، غيرَ خَزَايا ولا النَّدَامَى)) فقالوا: يا رسولَ الله، إنَّ بيننا وبينَكَ المشركينَ
من مُضَرَ، وإنّا لا نَصِلُ إليكَ إلا في أشهُرِ الحُرُمِ، حَدِّثْنَا بجُمَلٍ مِن الأمرِ إن عَمِلْنا به دَخَلْنا
الجنَّةَ، ونَدْعو به مَن وراءَنا، قال: ((آمرُكُم بأربعٍ وأنهاُم عن أربعٍ: الإيمان بالله، هل تَدْرونَ ما
الإيمانُ بالله؟ شهادةُ أن لا إلهَ إلّا الله، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزكاةِ، وصومُ رمضانَ، وأن تُعْطوا
مِن المغانِمِ الْخُمُسَ، وأنهاكُم عن أربعٍ: ما انتُبِذَ فِي الدُّبَاءِ، والنَّقِيرِ، والخَنْتَمِ، والمزَقَّتِ».
٤٣٦٩ - حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أبي جَمْرةَ، قال: سمعتُ ابنَ
عَبَّاسٍ يقول: قَدِمَ وَفْدُ عبدِ القيسِ على النبيِّ وَّةَ، فقالوا: يا رسولَ الله، إنّا هذا الحيَّ من
رَبِيعةَ، وقد حالَت بيننا وبينَكَ كَفَّارُ مُضَرَ، فلسنا نَخْلُصُ إليكَ إلَّا في شَهْرِ حَرامِ، فمُرْنا بأشياءَ
نأخُذُ بها، ونَدْعو إليها مَن وراءَنا، قال: «آمُرُكُم بأربعٍ، وأنهاكُم عن أربعٍ: الإيمانِ بالله، شهادةِ
أن لا إلهَ إلّا الله، وعَقَدَ واحدةً، وإقام الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وأن تُؤَدُّوا لله ◌ُمْسَ مَا غَيِمْتُمْ،
وأنهاكُم عن الدُّبَاءِ، والنَّقِيرِ، والحَنْتَمِ، والمزَفَّتِ)).
قوله: (باب وَفْد عبد القيس)) هي قبيلة كبيرة يَسكُنونَ البحرَينِ، يُنسَبونَ إلى عبد
القيس بن أفْصَى، بسكونِ الفاء بعدها مُهمَلة بوزنِ أعمَى، ابن دُعْمِيّ، بضمٌّ ثمَّ سكون
المهمَلة وكسر الميم بعدها تحتانيَّة ثقيلة، ابن جَدِيلة، بالجيم وزن كبيرة، ابن أسد بن ربيعة
ابن نِزار.
٦٥٧
باب ٦٨ / خ ٤٣٦٨-٤٣٦٩
كتاب المغازي
والذي تَبَّن لنا أنَّه كان لعبد القیس وفادتان:
إحداهما قبل الفَتْح، ولهذا قالوا للنبيِّ وَّ: بيننا وبينك كفَّار مُضَر، وكان ذلك قديماً،
إمّا في سنة خمس أو قبلها. وكانت قريتهم بالبحرَينِ أوَّلَ قرية أُقيمت فيها الجمعة بعد
المدينة، كما ثَبَتَ في آخِر حديث في الباب.
وكان عَدَد الوفد الأوَّل ثلاثة عشر رجلاً، وفيها سألوا عن الإيمان وعن الأشربة.
وكان فيهم الأشَجّ، وقال له النبيّ ◌َّهِ: ((إنَّ فيك خَصْلتَينِ يُحِبّهما الله: الحِلم والأناة))
کما أخرج ذلك مسلم (١٨) من حديث أبي سعيد(١)، وروى أبو داود (٥٢٢٥) من طريق
أمّ أبانَ بنت الوازع بن الزّارع عن جَدّها زارع، وكان في وفد عبد القيس، قال: فجَعَلْنا
نَتَادَر من رواحلنا - يعني: لمَّا قَدِموا المدينة - فتُقُبِّل يد النبيّ ◌َّهِ وانتَظَرَ الأشَجّ، واسمه:
المنذِر، حتَّى لَبسَ ثوبَيه، فأتى النبيَّ ◌ََّ، فقال له: ((إنَّ فيك لَخَلَّتَين(٢)) الحديث.
وفي حديث هُود بن عبد الله بن سعد العَصَريّ أنَّه سمعَ جَدّه مَزيدة العَصَريّ قال:
بينَمَا النبيّ وَّه يُحدِّث أصحابه، إذ قال لهم: «سيَطَلُعُ عليكم من هاهنا رَكْبٌ هم خير أهل
المشرق)) فقامَ عمر فَتَوَجَّهَ نحوهم فَلَقِيَ ثلاثة عشر راكباً، فَبَشَّرَهم بقولِ النبيّ وَِّ، ثمَّ
مَشَى معهم حتَّى أتوا النبيّ وَّةَ، فَرَمَوا بأنفُسِهم عن رَكائبهم، فأخذوا يده فقَبَلوها،
وتَخَلَّف الأشَجّ في الرِّكاب حتَّى أناخَها وجَمَعَ مَتَاعَهم ثمَّ جاء يمشي، قال النبيّ وَّ: ((إنّ
فيك خَصْلتَينِ)) الحديث، أخرجه البيهقيُّ(٣).
وأخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرَد)) (١١٩٨) مُطوَّلاً من وجهٍ آخر عن رجل من وفد
عبد القيس، لم يُسمِّه.
ثانیتھما کانت في سنة الُفود، وكان عَدَدهم حينئذٍ أربعینَ رجلاً، کما في حديث أبي
(١) وهو عنده أيضاً من حديث ابن عباس برقم (١٧) (٢٥).
(٢) في (س) لخصلتين، والمثبت من الأصلين هو الموافق لما في طبعتنا المحققة من ((سنن أبي داود)) وسائر
الطبعات الأخرى.
(٣) في ((دلائل النبوة)) ٣٢٦/٥-٣٢٧.
٦٥٨
باب ٦٨ / ح ٤٣٧٠
فتح الباري بشرح البخاري
٨٦/٨ خَيْرة الصُّبَاحي(١) الذي أخرجه ابن مَندَه، وكان فيهم / الجارود العبديّ، وقد ذكر ابن
إسحاق قِصَّته، وأنَّه كان نَصرانيّاً فأسلَمَ وحَسُنَ إسلامه. ويُؤيِّد التعدُّد ما أخرجه ابن
حِبّان (٧٢٠٣) من وجه آخر أنَّ النبيّ وَّ قال لهم: ((ما لي أرَى ألوانكُمْ تَغَيَّرَت؟!)) ففيه
إشعار بأنّه کان رآهم قبل التغيُّر.
ثم ذکر البخاري في الباب أحاديث:
أحدها: حديث ابن عباس.
قوله: ((قلت لابنِ عبَّاس: إنَّ لي جَرّةً تَنْتَبِذُ لي نبيذا)(٢) أسنَدَ الفعل إلى الجّة حَجَازاً.
وقوله: ((في جَرِ)) يَتَعلَّق بجرّةٍ، وتقديره: إنَّ لي جرّة كائنة في ◌ُملة چِرار.
وقوله: ((خَشِيت أن أفتَضِح)) أي: لأنّي أصير في مثل حال السُّكارَى، وسيأتي الكلام على
ذلك في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالى في الكلام على ((باب ترخيص النبيّ وَّه في الأوعية)»
(٥٥٩٢-٥٥٩٦) وتقدَّمَ حديث الباب في أواخر كتاب الإيمان (٥٣).
٤٣٧٠- حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، حدَّثنا ابنُ وَهْب، أخبرني عَمْرٌو. وقال بَكْرُ بنُ مُضَرَ:
عن عَمْرِو بنِ الحارثِ، عن بُكَير، أنَّ كُرَيباً مولى ابنِ عبَّاسٍ حدَّثه: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ وعبد الرَّحمنِ
ابنَ أزْهَرَ والِسْوَرَ بنَ تَخْرَمةَ أرسَلوا إلى عائشةَ رضي الله عنها، فقالوا: اقرَأْ عليها السَّلامَ مِنّا
جميعاً، وسَلْها عن الرَّكْعتَينِ بعدَ العَصْرِ، فإنّا أُخبِرْنا أنَّكِ تُصَلِّيهِما، وقد بَلَغَنا أنَّ النبيَّ وَّ نَهَى
عنها، قال ابنُ عبّاسٍ: وكنتُ أضْرِبُ معَ عمرَ الناسَ عنهما. قال كُرَيبٌ: فَدَخَلْتُ عليها
وبَلَّغتُها ما أرسَلوني، فقالت: سَلْ أَمَّ سَلَمَةَ، فأخبَرَتُهُم، فَرَدُّوني إلى أمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ ما أرسَلُوني
(١) في (س): أبي حيوة الصنابحي، والمثبت من الأصلين هو الصواب، وما وقع في (س) تحريف قديم، كما أشار
إليه أبو موسى الأصفهاني في ((الذيل على معرفة الصحابة)) لابن منده، فيما نقله عنه ابن الأثير في ((أسد الغابة))
في ترجمة أبي حيوة الصنابحي. وقد ضبط اسمَه الحافظُ في ((الإصابة)) ٧/ ١٠٠.
(٢) كذا ضبط الحافظ رحمه الله هذه الجملة بإسناد الفعل إلى الجرة ونصب لفظة ((نبيذاً)! وهذا يخالف ما
ضبط في اليونينية و ((إرشاد الساري))، حيث ضبط الفعل مبنياً للمجهول، ورفع ((نبيذ)) على أنه نائب عن
الفاعل.
٦٥٩
باب ٦٨ / ح ٤٣٧٠-٤٣٧١
كتاب المغازي
إلى عائشةَ، فقالت أمُّ سَلَمَةَ: سمعتُ النبيَّ ◌َّهِيَنْهَى عنهما، وإنَّه صَلَّى العصرَ، ثمَّ دَخَلَ عليَّ
وعندي نِسْوةٌ من بني حَرَامٍ مِن الأنصار، فصَلّهما، فأرسَلْتُ إليه الخادِمَ، فقلتُ: قومي إلى
جَنْبِهِ، فقولي: تقولُ أمُّ سَلَمَةَ: يا رسولَ الله، ألم أسمَعْكَ تَنْهَى عن هاتَينِ الرَّكْعَتَينِ؟ فأراكَ
تُصَلِّيهما! فإن أشارَ بِيَدِهِ فاستَأْخِرِي، ففَعَلَتِ الجاريةُ، فأشارَ بَيَدِه فاستَأخَرَت عنه، فلمَّا
انصَرَفَ قال: ((يا بنتَ أبي أُميَّ، سألتِ عن الرَّكْعَتَينِ بعدَ العَصْرِ، إِنَّه أتاني أناسٌ من عبدِ القيسِ
بالإِسلامِ من قومِهم، فشَغَلوني عن الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بعدَ الظَّهْرِ، فهما هاتان)».
٤٣٧١- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ الجُعْفيُّ، حدَّثنا أبو عامٍ عبدُ الملِكِ، حدَّثنا إبراهيمُ
- هو ابنُ طَهْمَانَ - عن أبي جَمْرةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: أوَّلُ مُعةٍ مُّعَت، بعدَ
مُعةٍ مُمَّعَت في مسجدٍ رسولِ اللهِ وَّةِ، في مسجدِ عبدِ القيسِ بجُواَى. يعني: قَرْيةً مِن
البحرینِ.
الحديث الثاني: حديث أم سلمة.
قوله: «أخبرني عَمْرو)) هو ابن الحارث.
قوله: ((وقال بَكْر بن مُضَر)) إلى آخره، وَصَلَه الطَّحاويُّ (٣٠٢/١-٣٠٣) من طريق
عبد الله بن صالح عن بَكر بن مُضَر بإسنادهِ، وساقَه هُنا على لَفظ بَكر بن مُضَر، وتقدَّم في
سُجود السَّهو في الصَّلاة من الوجهَينِ(١) (١٢٣٣)، وساقَه على لَفظ عبد الله بن وَهْب،
وتقدَّم شرحه هناك. والغرض منه ما فيه من ذِكْر وفد عبد القيس.
الحديث الثالث:
قوله: ((حدَّثنا أبو عامر عبد الملِك)) هو ابن عَمْرو العَقَديّ.
قوله: ((بجُواثَى)) بضمِّ الجيم وتخفيف المثلَّثة. وقد تقدَّم ذلك معَ شرح الحديث في کتاب
الجمعة (٨٩٢).
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو واهم في ذلك، لأنه هناك من رواية يحيى بن سليمان عن ابن وهب فقط. واللفظان
یکادان أن يتفقا، فلا ندري ما وجه تمییز الحافظ بينهما!
٦٦٠
باب ٦٩ / ح ٤٣٧٢
فتح الباري بشرح البخاري
٨٧/٨
٦٩ - باب وفد بني حنيفة وحدیث ثُمامة بن أُثالِ
٤٣٧٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ، حدَّثنا اللَّيْثُ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ، أنَّه
سمعَ أبا هريرةَ لَّه قال: بَعَثَ النبيُّ ◌ََّ خِيلاً قِبَلَ نَجْدٍ، فجاءت برجلٍ من بني حَنِيفةً، يقال
له: ثُمَامةُ بنُ أَثَالٍ، فَرَبَطوه بساريةٍ من سواري المسجدِ، فخرج إليه النبيُّ ◌َلِّ، فقال: ((ما عندَكَ
يا ثُمامة؟» فقال: عندي خيرٌ، يا محمَّدُ، إن تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذا دَم، وإن تُنْعِم تُنْعِم على شاكِرٍ، وإن
كنتَ تريدُ المالَ فَسَلْ مِنْه ما شئتَ، فتُرِكَ حتَّى كان الغَدُ، ثمَّ قال له: ((ما عندَكَ يا ثُمَامة؟)) قال:
ما قلتُ لكَ: إن تُنْعِم تُنْعِم على شاكِرٍ، فتَرَكَه حتَّى كان بعدَ الغَدِ، فقال: ((ما عندَكَ يا ثُمَامة؟»
فقال: عندي ما قلتُ لكَ، فقال: ((أطْلِقُوا ثُمامةَ)). فانطَلَق إلى نَجْلِ قريبٍ مِن المسجدِ،
فاغتَسَلَ، ثمَّ دَخَلَ المسجدَ، فقال: أشهَدُ أن لا إلهَ إلَّ الله، وأشهَدُ أنَّ محمَّداً رسولُ الله، يا
محمَّدُ، والله ما كان على الأرضِ وجهٌ أبغَضَ إليَّ من وجهِكَ، فقد أصْبَحَ وجهُكَ أحَبَّ الوجوه
إليَّ، والله ما كان مِن دِينٍ أبغَضَ إليَّ من دِينِكَ، فأصْبَحَ دِینُكَ أحَبَّ الدِّينِ إليّ، والله ما كان من
بَلَدٍ أبغَضَ إليَّ من بَلَدِكَ، فأصْبَحَ بَلَدُكَ أحَبَّ البلادِ إليَّ، وإنَّ خيلَكَ أخَذَتْني وأنا أُرِيدُ العُمْرةَ،
فإذا تَرَى؟ فَبَشَّرَه النبيُّ نَّهِ وَأُمَرَه أن يَعْتَمِرَ، فلمَّا قَدِمَ مكَّةَ قال له قائلٌ: صَبَوْتَ! قال: لا،
ولكن أسلَمْتُ معَ محمَّدٍ رسولِ اللهِ وَّه، ولا والله لا يأتيكُم مِن اليَمَامَةِ حَبَةُ حِنْطَةٍ، حتَّى يَأْذَنَ
فيها النبيُّ ◌َلتر.
قوله: ((باب وَفْد بني حنيفة وحديث تُمامة بن أُثال)) أمَّا حَنيفة: فهو ابن ◌ُيم - بجيم -
ابن صَعْب بن عليّ بن بكر بن وائل، وهي قبيلة كبيرة شَهيرة، يَنْزِلونَ اليمامة بين مكَّة
واليمن، وكان وفد بني حنيفة كما ذكره ابن إسحاق وغيره في سنة تسع، وذكر الواقديُّ
أنهم كانوا سبعة عشر رجلاً فيهم مُسَيلِمة.
وأمَّا ثُمامة بن أُثال، فأبوه بضمِّ الهمزة ويمثلثة خفيفة، ابن النُّعمان بن مسلمة الحنفيّ،
وهو من فُضَلاء الصَّحابة، وكانت قِصَّته قبل وفد بني حنيفة بزمانٍ، فإنَّ قِصَّته صريحةٌ في
أنَّها كانت قبل فتح مكَّة كما سَنُبَيِّنُه، وكأن البخاريّ ذكرها هُنا استطراداً.