Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ باب ٣٠ / ح ٤١٢٩-٤١٣٣ كتاب المغازي عبدِ الله بنِ عمَرَ، عن أبيه: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ صَلَّى بإحدَى الطّائِفَتَينِ، والطّائفةُ الأُخرَى مواجِهةٌ العَدوِّ، ثمَّ انصَرَفوا فقاموا في مَقامِ أصحابهم أولئكَ، فجاء أولئكَ فصَلَّى بهم رَكْعةً، ثمَّ سَلَّمَ عليهم، ثمَّ قامَ هؤلاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهم، وقامَ هُؤُلاءِ فَقَضَوْا رَكْعَتَهم. قوله: ((عن صالح بن خَوّاتٍ)) بفتح الخاءِ المعجَمة وتشديد الواو وآخره مُثنّاة، أي: ابن جُبَير بن النُّعمان الأنصاريّ، وصالح تابعيّ ثقة ليس له في البخاريّ إلّا هذا الحديث الواحد. وأبوه أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرَد))، وهو صحابيّ جَليل، أوَّل مَشاهده أُحُدٌّ، وماتَ بالمدينة سنة أربعین. قوله: ((عَمَّن شَهِدَ مع رسول الله وَله يوم ذات الرِّقاع صلاةَ الخوف)) قيل: إنَّ اسم هذا المبهم سَهْل بن أبي حَثْمة، لأنَّ القاسم بن محمد روى حديث صلاة الخوف عن صالح بن خَوّاتٍ عن سَهل بن أبي حَثْمة (٤١٣١)، وهذا هو الظّاهرُ من رواية البخاريّ، ولكنَّ الراجح أنَّه أبوه خَوّات بن جُبَير، لأنَّ أبا أُوَيس روى هذا الحديث عن يَزيد بن رُومان شيخ مالك فيه، فقال: عن صالح بن خَوّاتٍ عن أبيه. أخرجه ابن مَندَهْ في ((مَعرِفة الصحابة) من طريقه، وكذلك أخرجه البيهقيُّ (٢٥٣/٣) من طريق عُبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن صالح بن خَوّاتٍ عن أبيه (١). وجَزَمَ النَّوَويّ في ((تهذيبه)) بأنَّه خَوّات ابن جُبَير، وقال: إنَّه مُحقَّق من رواية مسلم وغيره. قلت: وسَبَقَه لذلك الغَزاليّ، فقال: إنَّ صلاة ذات الرِّقاع في رواية خَوّات بن جُبَير. وقال الرافعيّ في ((شرح الوَجيز)) اشتُهِرَ هذا في كتب الفقهِ، والمنقول في كتب الحديث رواية صالح بن خَوّات عن سَهل بن أبي حَثْمة وعَمَّن صَلَّى مع النبيّ وََّ، قال: فلعلَّ المبهَم هو خَوّات والد صالح. (١) أما رواية أبي أويس - إن صح سند ابن منده إليه - ففيها كلام من أجل أبي أُويس نفسه، وأما رواية عبيد الله بن عمر، فالراوي عنه فيها أخوه عبد الله، وهو ضعيف، ثم قد خالفه معتمر بن سليمان - وهو ثقة - عند الطبري ٢٥٣/٥ فرواه عن عبيد الله عن القاسم عن صالح بن خوات، عن رجل من أصحاب النبي ◌َ﴾. وعلى أية حالٍ فهو اختلاف في تعيين الصحابي، وكلهم عدول. ٣٠٢ باب ٣٠ / ح ٤١٢٩ - ٤١٣٣ فتح الباري بشرح البخاري قلت: وكأنَّه لم يَقِف على رواية خَوّات التي ذكرتها، وبالله التوفيق. ويحتمل أنَّ صالحاً سمعَه من أبيه ومن سَهل بن أبي حَثْمة، فلذلك يُبهمه تارة ويُعيِّنُهُ أُخرَى، إلّا أنَّ تعيين كَونها كانت ذات الرِّقاع إنَّما هو في روايتِه عن أبيه، وليس في رواية صالح عن سَهل أنَّه صَلَّها مع النبيِّ وََّ، ويَنفَعُ هذا فيما سنذكُرُه قريباً من استبعاد أن يكونَ سَهل بن أبي خَثْمَة كان في ◌ِنِّ مَن يَخْرُج في تلك الغَزاة، فإنَّه لا يَلزَم من ذلك أن لا يَرويَها، فتكونُ ٤٢٣/٧ روايته إيّاها مُرسَلَ صحابيّ،/ فبهذا يقوَى تفسير الذي صَلَّى مع النبيّ وَّ بِخَوّاتٍ، والله أعلم. قوله: ((أنَّ طائفةً صَفَّت معه وطائفةٌ وِجاهَ العدوِّ» وِجاهَ بكسرِ الواو ويضمِها، أي: مُقابل. قوله: ((فصَلَّى بالتي معه رَكعةٌ، ثُمَّ ثَبَتَ قائماً، وأتمُّوا لأنفُسِهم)) هذه الكيفيَّةَ تُخالف الكيفيَّةَ التي تقدَّمت عن جابر في عددِ الرَّكَعات، وتُوافق الكيفيَّةَ التي تقدَّمت عن ابن عبّاس في ذلك، لكن تُخالفها في كَونِه ◌َِّ ثَبَتَ قائماً حتَّى أتمَّت الطائفة لأنفُسِها ركعة أُخرَى، وفي أنَّ الجميعَ استَمرّوا في الصلاة حتَّى سَلَّموا بسَلام النبيِّ وَّد. قوله: «قال مالك» هو موصول بالإسناد المذكورِ. قوله: ((وذلك أحسنُ ما سمعت في صلاةِ الخوفِ)) يقتضي أنَّه سمعَ في كيفيَّتِها صفاتٍ مُتَعَدِّدةً، وهو كذلك، فقد وَرَدَ عن النبيّ ◌َّه في صِفة صلاة الخوفِ کیفیّات ◌َلَها بعض العلماء على اختلاف الأحوال، وحَمَلَها آخرونَ على التوسُّع والتخييرِ، وقد تقدَّمت الإشارةُ إلى ذلك في ((باب صلاة الخوفِ)) (٩٤٢). وما ذهب إليه مالك من ترجيح هذه الكيفيَّة وافقه الشّافعيُّ وأحمدُ وداودُ على ترجيحِها لسَلامَتِها من كَثْرة المخالَفة، ولكَونِها أحوَطَ لأمر الحرب، مع تَجويزِهم الكيفيَّةَ التي في حديثٍ ابن عمر. ونُقِلَ عن الشّافعيِّ أنَّ الكيفيَّةَ التي في حديثٍ ابن عمر منسوخة، ولم يَثْبُت ذلك عنه، وظاهر كلام المالكيَّة عَدَم إجازة الكيفيَّة التي في حديثِ ابن عمر. ٣٠٣ باب ٣٠ / ح ٤١٢٩-٤١٣٣ كتاب المغازي واختَلَفوا في كيفيَّة رواية سَهل بن أبي حَثْمَةَ في موضعٍ واحدٍ، وهو أنَّ الإمامَ هل يُسَلِّمُ قبلَ أن تأتيَ الطائفةُ الثانيةُ بالرَّكعة الثانية، أو يَنْتَظِرُها في التشَهُّدِ ليُسَلِّموا معه؟ فبالأوَّل قال المالكيَّة، وزَعَمَ ابن حَزْمِ أنَّه لم يَرِد عن أحدٍ من السَّلَفِ القولُ بذلك، والله أعلم. ولم تُفَرِّق المالكيَّةُ والحنفيَّةُ حيثُ أخذوا بالكيفيَّة التي في هذا الحديث بين أن يكونَ العدوُّ في جِهِة القِبْلة أم لا، وفَرَّقَ الشّافعيُّ والجمهورُ، فحَمَلوا حديثَ سَهلٍ على أنَّ العدوَّ كان في غير جهة القِبْلة، فلذلك صَلَّى بكلِّ طائفةٍ وحدَها جميعَ الرَّكعة، وأمَّا إذا كان العدوُّ في جِهِة القِبْلة، فعلى ما تقدَّم في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (٩٤٤): أنَّ الإمامَ يُحِمُ بالجميع، ويَركَعُ بهم، فإذا سَجَدَ سَجَدَ معه صَفُّ وحَرَس صَفٌّ ... إلى آخره، ووَقَعَ عند مسلمٍ (٨٤٠) من حديثٍ جابر: صَفَّنا صَفَّيْنِ والمشركونَ بيننا وبين القِبْلة. وقال السُّهَيلِيُّ: اختَلَفَ الفقهاء في الترجيح، فقالت طائفةٌ: يُعمَلُ منها بما كان أشبَهَ بظاهرٍ القرآن، وقالت طائفةٌ: يَجْتَهِدُ في طلب الأخير منها، فإنَّه الناسخُ لمَا قبلَه، وقالت طائفة: يُؤْخَذ بأصحِّها نَقلاً وأعلاها رواةً، وقالت طائفة: يُؤخَذ بجميعِها على حساب اختلاف أحوال الخوفِ، فإذا اشتَدّ الخوفُ أُخِذَ بأيسَرها مُؤنةً، والله أعلم. قوله: ((وقال معاذ: حدَّثنا هشام)) كذا للأكثر، وعند النَّسَفيّ: وقال معاذ بن هشام: حذَّثنا هشام. وفيه رَدُّ على أبي نُعَيم ومَن تَبعَه في الجزم بأنَّ معاذاً هذا: هو ابن فَضالة شيخ البخاريّ، ومعاذ بن هشام ثقة، صاحب غرائب، وقد تابَعَه ابن عُليَّةً عن أبيه هشام - وهو الدَّستوائيّ - أخرجه الطَّبَرِيُّ في «تفسيره) (٢٥٧/٥)، وكذلك أخرجه أبو داود الطَّيالسيُّ في ((مُسنَدِه)) (١٨٤٤) عن هشام عن أبي الزُّبَير. ولمعاذ بن هشام عن أبيه فيه إسناد آخر، أخرجه الطَّريُّ (٢٤٦/٥) عن بُندار عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن سليمان الیشگريّ عن جابر، وسأذكر ما في رواياتهم من الاختلاف قريباً إن شاء الله تعالى. قوله: ((كنَّا مع النبيِّ وَّهِ بنَخلِ، فذكر صلاةَ الخوفِ)) أورَدَه مختصراً مُعلَّقاً، لأنَّ غَرَضَه الإشارةُ إلى أنَّ روايات جابر مُتَّفِقة على أنَّ الغزوة التي وقَعَت فيها صلاة الخوف هي غزوة ٣٠٤ باب ٣٠ / ح ٤١٢٩- ٤١٣٣ فتح الباري بشرح البخاري ذات الرِّقاع، لكن فيه نظر، لأنَّ سياق رواية هشام عن أبي الزُّبَير هذه تَدُلّ على أنَّه حديث آخر في غزوةٍ أُخرَى، وبيان ذلك: أنَّ في هذا الحديث عند الطَّيالسيِّ وغيره: أنَّ المشركين قالوا: دَعوهم، فإنَّ لهم صلاةً هي أحَبّ إليهم من أبنائهم، قال: فنزلَ جِبْريل فأخبَرَه، فصَلَّى بأصحابه العصر، وصَفَّهم صَفَّيْنٍ، فذكر صِفة صلاة الخوفِ، وهذه القِصّة إنَّما هي في غزوة عُسْفان. وقد أخرج مسلم (٣٠٨/٨٤٠) هذا الحديثَ من طريق زُهَير بن معاوية عن أبي الزُّبَير بلفظٍ يدلّ على مُغايرة هذه القِصّة لغزوة محاربٍ في ذات الرِّقاع، ولفظه: عن جابر قال: غَزَونا مع النبيِّ ◌َِّ قوماً من جُهَينة، فقاتَلونا قتالاً شديداً، فلمَّا أن صَلَّينا الظُّهرَ قال المشركونَ: لو مِلْنا عليهم مَيلةً واحدةً لَاقتطعناهُم(١)، فأخبر جِبْرِيلُ النبيَّ ◌َله بذلك، قال: وقالوا: ستأتيهم صلاة هي أحَبّ إليهم من الأولادِ، فذكر الحديث. وروى أحمد (١٠٧٦٥)، والتِّرمِذيّ (٣٠٣٥) وصَخَّحَه، والنَّسائيُّ(٢) (١٥٤٤) من طريق عبد الله بن شَقِيق عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله وَُّ نزلَ بين ضجنان(٣) وعُسفان، فقال المشركونَ: إنَّ لهؤلاء صلاة هي أحَبّ إليهم من أبنائهم، فذكر الحديث في نزول جبريل لصلاة الخوف وروى أحمد (١٦٥٨٠)، وأصحابُ السُّنَنِ(٤) وصَحَّحَه ابن حِبّان (٢٨٧٦) من حديث أبي عيّاش الزُّرَقيّ قال: كنَّا مع النبيِّ ◌َّهِ بِعُسفان فصَلَّى بنا الظُّهرَ، وعلى المشركين يومَئذٍ خالد بن الوليد، فقالوا: لقد أصَبنا منهم غَفلةً، ثمَّ قالوا: إنَّ لهم صلاة بعد هذه، هي أحَبّ إليهم من أموالهم وأبنائهم، فنزلت صلاة الخوف بين الظّهرِ والعصرِ، فصَلَّى بنا العصرَ، ففَرَّقَنا فِرِقَتَيْنِ، الحديث. وسياقُه نحوُ رواية زُهَير عن أبي الزُّبَير عن جابر. وهو ظاهر في اتّحاد القِصّة. (١) في (س): لأفظعناهم، والمثبت من أصولنا الخطية، موافقاً لما جاء في المطبوع من ((صحيح مسلم)). (٢) في (س): وصححه النسائي، بإسقاط الواو، فأوهم أنَّ التصحيح للنسائي، وهو خطأ، إذ التصحيح للترمذي، لا للنسائي . (٣) تحرف في (س) إلى: ضبحان، وضجنان: حَرَّة مستطيلة من الشرق إلى الغرب، ويمر بها الطريق من مكة إلى المدينة بنصفها الغربي، على مسافة أربعة وخمسين كيلو متراً من مكة. (٤) أبو داود (١٢٣٦)، والنسائي (١٥٥٠). ٣٠٥ باب ٣٠ / ح ٤١٢٩-٤١٣٣ كتاب المغازي وقد روى الواقديُّ (٧٤٥/٢ -٧٤٦) من حديثٍ خالد بن الوليد قال: لمَّ خرج النبيُّ ◌َله إلى الحُدَيبية لَقيته بعُسفان، فَوَقَفت بإزائه وتَعرَّضت له، فصَلَّى بأصحابه الظُّهر، فهَمَمنا أن نُغيرَ عليهم، فلم يَعِزِم لَنا، فأطلَعَ الله نبيَّه على ذلك فصَلَّى بأصحابه العصرَ صلاةَ الخوفِ، الحديث، وهو ظاهرٌ فيما قَرَّرتُه أنَّ صلاة الخوف بعُسفان غير صلاة الخوفِ بذات الرِّقاع، وأنَّ جابراً روى القِصَّتَينِ معاً. فأمَّا رواية أبي الزُّبَير عنه ففي قِصّة عُسفان، وأمَّا رواية أبي سَلَمة ووَهب بن كَيسان وأبي موسى المِصريّ عنه، ففي غزوة ذات الرِّقاع، وهي غزوة مُحَارَب وثَعْلبة. وإذا تَقرَّرَ أنَّ أوَّل ما صُلِّيَت صلاة الخوف في عُسفان، وكانت في عمرة الحديبية، وهي بعدَ الخندقِ وقُرَيظةَ، وقد صُلِّيَت صلاة الخوفِ في غزوة ذات الرِّقاع، وهي بعدَ عُسفان، فَتَعيَّنَ تأثُرُها / عن الخندقِ وعن قُرَيظةَ، وعن الحُدَيسية أيضاً، فيقوَى القولُ بأنّها بعدَ خَيبَرَ، ٤٢٤/٧ لأنَّ غزوةَ خَيْبَرَ كانت عَقِبَ الرُّجوع من الحُدَيبية. وأمَّا قولُ الغَزالِيّ: إنَّ غزوةَ ذات الرِّقاع آخِرُ الغَزَوات، فهو غَلَطٌ واضحٌ، وقد بالَغَ ابنُ الصلاح في إنكارهِ. وقال بعضُ مَن انتَصَرَ للغزاليِّ: لعلَّه أراد آخِرَ غزوةٍ صُلَّت فيها صلاةُ الخوفِ، وهذا انتِصارٌ مردودٌ أيضاً، لمَا أخرجه أبو داود (١٢٤٨)، والنَّسائيُّ (٨٣٦)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٢٨٨١) من حديث أبي بكرةَ: أَنَّه صَلَّى مع النبيّوَّ صلاةَ الخوفِ. وإنَّما أسلَمَ أبو بكرةَ في غزوة الطائفِ باتِّفاقٍ، وذلك بعد غزوة ذات الرِّقاع قطعاً. وإنَّما ذكرت هذا استطراداً لتَكمُلَ الفائدة. قوله: «تابَعَه اللَّيث، عن هشام، عن زيد بن أسلَمَ، أنَّ القاسم بن محمد حدَّثه، قال: صَلَّى النبيّ نَّه في غزوة بني أنمار)) قلت: لم يَظهَر لي مُراد البخاريّ بهذه المتابعة، لأنَّه إن أراد المتابعةَ في المتنِ لم يَصِحّ، لأنَّ الذي قبلَه غزوة مُحارب وثَعْلبة بنَخْلِ، وهذه غزوةُ أنمار، ولكن يُحتمل الاتّحاد، لأنَّ ديار بني أنمار تَقْرُب من ديار بني ثَعْلبة، وسيأتي بعد باب(١) أنَّ (١) هو الباب رقم (٣٢). ٣٠٦ باب ٣٠ / ح ٤١٢٩- ٤١٣٣ فتح الباري بشرح البخاري أنمارَ في قبائل منهم بطنٌ من غَطَفان (١). وإن أراد المتابعة في الإسناد فليس كذلك، بل الرِّوايتان مُتَخالفَتان من كلِّ وجهٍ: الأولى مُتَّصِلة بذِكْر الصحابيّ وهذه مُرسَلة، ورجال الأولى غير رجال الثانية، ولعلَّ بعض مَن لا بَصَر له بالرِّجال يَظُنّ أنَّ هشاماً المذكور قَبلُ هو هشام المذكور ثانياً، وليس كذلك، فإنَّ هشاماً الراوي عن أبي الزُّبَير هو الدَّستُوائيّ كما بيَّنْتُه قبلُ، وهو بصريّ، وهشام شيخ اللَّيث فيه: هو ابن سعد، وهو مَدَنيّ، والدَّستوائيُّ لا روایة له عن زید ابن أسلمَ، ولا روایة للیثِ بن سعد عنه. وقد وصَلَ البخاريّ في ((تاريخه)) (٢٧٦/٤) هذا المعَلَّق قال: قال لي يحيى بن عبد الله ابن بُكَير: حدَّثنا اللَّث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلَمَ (٢) سمعَ القاسم بن محمد: أنَّ النبيَّ وَ لّهِ صَلَّى في غزوة بني أنمار، نحوه؛ يعني: نحو حديث صالح بن خَوّات عن سهل ٤٢٥/٧ ابن أبي حَثْمة في / صلاة الخوف. قلت: فَظَهَرَ لي من هذا وجه المتابعة، وهو أنَّ حديثَ سَهل بن أبي حَثْمةَ في غزوة ذات الرِّقاع مُتَّحِدٌ مع حديث جابر. لكن لا يَلزَم من اتّحاد كيفيَّ الصلاة في هذه وفي هذه أن تَتَّحِدَ الغزوة. وقد أفرَدَ البخاريّ غزوة بني أنمار بالذِّكرِ كما سيأتي بعد باب(٣). نعم ذكر الواقديُّ (٣٩٥/١) أنَّ سبب غزوة ذات الرِّقاع: أنَّ أعرابيّاً قَدِمَ بجَلَبٍ إلى المدينة، فقال: إنّ رأيت ناساً من بني ثَعْلبةَ ومَن بني أنمار قد ◌َعوا لكم ◌ُموعاً وأنتم في غَفلةٍ عنهم، فخرج النبيّ وَّر في أربع مئة، ويقال: سبع مئة. فعلى هذا فغزوة بني أنمار مُتَّحِدة مع غزوة بني مُحارب وتَعْلبة، وهي غزوة ذات الرِّقاع، والله أعلم. ويحتملُ أن يكون موضع هذه المتابعة بعد حديث القاسم بن محمدٍ عن صالحٍ بن خَوّاتٍ، فيكون مُتأخِّراً عنه، ويكون تقديمُه من بعض النَّقَلة عن البخاريّ، ويُؤْيِّدُ ذلك ما ذكرته عن ((تاريخِ البخاريّ)) فإنَّه بيِّنٌّ في ذلك، والله أعلم. (١) لم يبيِّن الحافظُ شيئاً من ذلك هناك، وقد بيَّن ذلك الحازميُّ في ((عجالة المبتدي)) في نسبة ((الأنماري)). (٢) زيد بن أسلم في مطبوع ((التاريخ الكبير)). (٣) هو الباب برقم (٣٢). ٣٠٧ باب ٣٠ / ح ٤١٢٩-٤١٣٣ كتاب المغازي قوله: ((حدَّثنا يحيى، عن يحيى)) الأوَّل: هو ابن سعيد القَطّانُ، وشيخه: هو ابن سعيد الأنصاريّ، والقاسم بن محمد، أي: ابن أبي بكر الصِّدِّيق، وصالح بن خَوّاتٍ، تقدَّم التعريف به. ففي الإسناد ثلاثة من التابعين المدنيّين في نَسَقِ: يحيى الأنصاريّ فمَن فوقه. وسهل بن أبي حَثْمَةَ، بفتح المهمَلة وسكونِ المثلثة(١) واسمُه عبد الله، وقيل: عامر، وقيل: اسم أبيه عبد الله، وأبو حَئمة جَدُّه، واسمه عامر بن ساعدة، وهو أنصاريّ من بني الحارثِ بن الخَزْرَجِ، اَتَّفَقَ أهلُ العلمِ بالأخبار على أنَّه كان صغيراً في زَمَنِ النبيِّ وََّ، إلّا ما ذكر ابن أبي حاتم عن رجل من ولدِ سَهلٍ، أنَّه حدَّثه: أنَّه بايعَ تحتَ الشَّجَرة، وشَهِدَ المشاهدَ إلّا بدراً، وكان الدَّليلَ ليلةَ أُحُدٍ. وقد تَعقَّبَ هذا جماعةٌ من أهلِ المعرفة وقالوا: إنَّ هذه الصِّفةَ لأبيه، وأمَّا هو فماتَ النبيُّ ◌َّهِ وهو ابن ثمان سِنِين، ومَمَّن جَزَمَ بذلك الطَّبَرِيُّ وابن حِبّان وابن السَّكَن وغير واحد، وعلى هذا فتكون روايته لقِصّة صلاة الخوفِ مُرسَلة، ويَتَعيَّن أن يكون مُراد صالح بن خَوّاتٍ عمّن شَهِدَ مع النبيّ ◌َِّ صلاة الخوف، غيرَه، والذي يَظهَر أنَّه أبوه كما تقدَّم، والله أعلم. قوله: ((يقومُ الإمام)) هذا ذكره موقوفاً، وقد أخرجه المصنِّف بعد حديث من طريق ابن أبي حازم(٢)، واسمه عبد العزيز، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ. وأورَدَه من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، مرفوعاً. قوله: ((عن سَهلِ بنِ أبي حَثْمة، عن النبيّ وَّر مثله)) أي: مثل المتن الموقوف من رواية يحيى عن يحيى. وقد أورَدَه مسلم (٨٤١)، وأبو داود (١٢٣٧) من هذا الوجه، بلفظ: أنَّ رسول الله وَلّ صَلَّى بأصحابه في الخوفِ فصَفَّهم خلفَه صَفَّيْنٍ، فذكر الحديث، وهو ممّاً يُقوِّي ما قَدَّمتُهُ أنَّ سهل بن أبي حَثْمة لم يَشْهَد ذلك، وأنَّ المرادَ بقولِ صالحٍ بن خَوّاتٍ عمَّن شَهِدَ، أبوه لا سهل، والله أعلم. (١) تحرفت في الأصول الثلاثة و(س) إلى: المثناة، وهو سبق قلم من الحافظ رحمه الله، وقد جاء على الصواب في هامش (ع)، فلعله من تصحيح الناسخ، وسيضبطه الحافظ نفسُه على الصواب عند شرح الحديث (٦٨٩٨). (٢) تحرف في (س) إلى: حاتم. ٣٠٨ باب ٣٠ / ح ٤١٣٤ -٤١٣٥ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما قال: غَزَوت مع رسول الله وَّ قِبَلَ نَجِدٍ فوازَينا)) بالزّائِ، أي: قاتَلْنا ((العدوَّ فصافَفْنا لهم)) وقد تقدَّم في ((باب صلاة الخوفِ)) (٩٤٢) أنَّ في روايةَ الكُشْمِيهنيّ: ((فصاففناهم))، وكذا أخرجه أحمد (٦٣٧٨) عن أبي اليَمَان شيخِ البخاريِّ فيه. وهكذا أورَدَه البخاريّ من طريق شُعَيب هنا مُقتَصِراً منها على هذا القَدْر، وعَقّبَها بطريق مَعمَر فلم يَتعرَّض لصَدرِ الحديث، بل أوَّله: أنَّ رسولَ الله وَّهِ صَلَّى بإحدَى الطائفتَينِ، والطائفةُ الأُخرَى مواجهةُ العدوّ، الحديث. فأمَّا رواية شُعَيب فتقدَّمت في ((باب صلاة الخوف)) (٩٤٢) تامّةً، وأمَّا رواية مَعمَر فأخرجها أبو داود(١) (١٢٤٣) عن مُسدَّد شيخ البخاريّ فيه كذلك، ووَقَعَ في آخرها: ثُمَّ قامَ هؤلاء فقَضَوا ركعتَهم، وقامَ هؤلاء فَقَضَوا ركعتَهم. ولفظ القضاء فيها على معنى الأداءِ، لا على معنى القضاء الاصطلاحيّ، وقد وَقَعَ في رواية شُعَيب: فقامَ كلّ واحدٍ منهم فرَكَعَ لنفسِه ركعةً وسَجَدَ سجدتَينِ. وهي تُبَيِّ المراد في رواية ابن جُرَيج عن الزُّهْريِّ عند أحمد (٦٣٧٧) نحوه. وقد تقدَّم الكلام على بقيَّة هذا الحديث في ((باب صلاة الخوف)) (٩٤٢). ٤٢٦/٧ ٤١٣٤ - حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْريِّ، قال: حدَّثني سِنانٌ وأبو سَلَمَةَ، أنَّ جابراً أخبرنا أنَّه غَزَا معَ رسولِ الله ◌َّ قِبَلَ نَجْدٍ. ٤١٣٥- حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثني أخي، عن سليمانَ، عن محمَّدِ بنِ أبي عَتِيقٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن ◌ِنان بنِ أبي سِنانِ الدُّؤَلِّ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله رضي الله عنهما، أخبره: أنَّه غَزَا معَ رسولِ اللهِ لَ قِبَلَ نَجْدٍ، فلمَّا قَفَلَ رسولُ اللهِوَِّ قَفَلَ معه، فأدْرَ كَتْهُمُ القائلةُ في وادٍ کثیرِ العِضاه، فنزلَ رسولُ الله ◌َّةِ، وَتَفَرَّقَ الناسُ في العِضاه يَسْتَظِلّونَ بالشَّجَرِ، ونزلَ رسولُ اللهِ وَه تحتَ سَمُرٍ، فعَلَّقَ بها سيفَه، قال جابرٌ: فنِمْنا نَوْمةً، ثمَّ إذا رسولُ الله ◌َّرِ يَدْعونا، فجِئْناه فإذا عندَه أعرابيٌّ جالسٌ، فقال رسولُ الله وَّةِ: ((إنَّ هذا اختَرَطَ سيفي وأنا نائمٌ، فاستَيقَظْتُ وهو في يدِهِ صَلْتاً، فقال لي: مَن يَمْنَعُكَ منّي؟ قلتُ: الله، فها هو ذا جالسٌ)) ثمَّ لم يُعاقبْه رسولُ الله ◌ِ﴾. (١) وهو أيضاً عند مسلم (٨٣٩) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، بنحوه. ٣٠٩ باب ٣٠ / ح ٤١٣٤-٤١٣٧ كتاب المغازي ـَى اللّه ٤١٣٦ - وقال أبانُ: حدّثنا يحيى بنُ أبي كثير، عن أبي سَلَمَةَ، عن جابرٍ، قال: كنَّا معَ النبيِّ بذات الرِّقاع، فإذا أتينا على شَجَرةٍ ظَلِيلةٍ تَرَكْناها للنبِّ وَّةِ، فجاء رجلٌ مِن المشركينَ وسيفُ النبيِّ وَِّ مُعلَّقٌ بِالشَّجَرةِ، فاخترَ طَه، فقال: تَخافُني؟ قال: ((لا)) قال: فَمَن يَمْنَعُكَ منّي؟ قال: ((الله)) فَتَهَذَّدَه أصحابُ النبيِّ وَّةِ، وَأَقِيمَتِ الصَّلاةُ، فصَلَّى بطائفةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأْخَّروا وصَلَّى بالطّائفةِ الأُخرَى رَكْعتَينٍ، وكان للنبيِّ وَّل أربعٌ، وللقومِ رَكْعتانِ. وقال مُسدَّدٌ، عن أبي عَوَانَةَ، عن أبي بِشْرِ: اسمُ الرجلِ غَوْرَثُ بنُ الحارثِ، وقاتَلَ فيها مُحارِبَ خَصَفةَ. ٤١٣٧ - وقال أبو الزُّبَيرِ: عن جابرٍ: كَّ معَ النبيِّ وَلاَ بِنَخْلِ، فصَلَّى الخوفَ. وقال أبو هريرةَ: صَلَّيْتُ معَ النبيِّ وَِّ غَزْوَ نَجْدٍ صلاةَ الخوفِ. وإنَّما جاء أبو هريرةَ إلى النبيِّ وَِّ أَيامَ خَيْبِرَ. قوله: ((حدَّثني سِنان وأبو سَلَمَةَ)) أمَّا سِنان: فهو ابن أبي سِنان الدُّؤَليّ، كما في الرِّواية الثانية، والدُّؤَليّ: بضمِّ المهمَلة وفتح الهمزة، وهو مَدَنيّ اسم أبيه يزيد بن أُميَّة، وثَّقه العِجليُّ وغيرُه، وما له في البخاريّ سِوَى هذا الحديث، وآخرَ من روايته عن أبي هريرة في الطِّبِّ (٥٧٧٥)، وأمَّا أبو سَلَمة: فهو ابن عبد الرحمن بن عَوْف. كذا رواه شُعَيب عنهما، ورواه إبراهيم بن سعد كما تقدَّم في الجهاد (٢٩١٣) فلم يَذْكُر فيه أبا سَلَمة، وكذا رواه مسلم (١٣/٢٢٨١) عن محمد بن جعفر الوَرْكانيّ عن إبراهيم بن سعد. ورواه الحارث بن أبي أُسامةَ عن محمد الوَرْكانيّ هذا فأثبَتَ فيه أبا سَلَمة، ورواه ابن أبي عَتيق (٤١٣٥) عن الزُّهْرِيِّ فلم يَذكُر أبا سَلَمة، ورواه مَعمَر عن الزُّهْريِّ، كما سيأتي (٤١٣٩) بعد أحاديث قليلة، فلم يَذكُر ◌ِناناً. فكأنَّ الُّهْريَّ كان تارة يجمعُهما وتارةً يُفرِد أحدهما. وإسماعيل في الرِّواية الثانية: هو ابن أبي أويس،/ وأخوه: هو عبد الحميد، وسليمان شيخه: ٤٢٧/٧ هو ابن بلال، ومحمد بن أبي عَتيق نُسِبَ إلى جَدِّه، فإنَّ أبا عَتيق: هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي بکر الصِّدِّیق، ومحمد هذا الراوي: هو ابن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن. ٣١٠ باب ٣٠ / ح ٤١٣٤-٤١٣٧ فتح الباري بشرح البخاري وقد ساقَ البخاريّ الحديث على لفظ ابن أبي عَتيق، وليس فيه ذِكْر أبي سَلَمة. وذكر من طريق شُعَيب - وهي عن سِنان وأبي سَلَمة معاً - قطعة يسيرة: أنَّ(١) جابراً أخبر أنَّه غزا مع رسول الله وَ﴿ قِبَلَ نَجدٍ. وتقدَّم في الجهاد (٢٩١٠) عن أبي اليَمَان وحدَه بتمامه، وروايته موافقة لرواية ابن أبي عَتيق، إلّا في آخره، كما سأُبيِّنُه، وأمَّا رواية إبراهيم بن سعد ففيها اختصار. وقد رواه عن جابر أيضاً سليمان بن قيس، كما في رواية مُسدَّد التي بعد هذه بحديثٍ. ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمة كما في الرّواية المعَلَّقة بعده، فذكر بعض ما في حديث الزُّهْريِّ، وزاد قِصّة صلاة الخوف. قوله: ((أنَّه غزا مع رسول الله وَ لَ قِبَلَ نَجد)) في رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سَلَمة: كنّا مع رسول الله ◌َّ# بذات الرِّقاع. قوله: ((فأدرَكَتهم القائلة)) أي: وسَط النَّهار وشِدّةُ الحُرِّ. قوله: ((كثير العِضَاه)) بكسرِ المهمَلة وتخفيف الضاد المعجمة: كلّ شَجَر يَعظُم، له شَوك، وقيل: هو العظيم من السَّمُر مُطلَقاً، وقد تقدَّم غيرَ مَرّة. قوله: ((ونَزَلَ رسول الله وَّهِ تحت سَمُرةٍ)) أي: شَجَرةٍ كثيرة الوَرَقِ. وفي رواية مَعمَر (٤١٣٩): فاستَظَلَّ بها. ويُفسِّره ما في رواية يحيى: فإذا أتينا على شَجَرة ظَليلة تَرَكناها للنبيِّ ◌َلّد. قوله: ((قال جابر)) هو موصول بالإسناد المذكور، وسَقَطَ ذلك من رواية مَعمَر. قوله: ((فإذا رسول الله وَل﴿ يَدْعونا، فجِئناه، فإذا عندَه أعرابيّ)» هذا السّياق يُفسِّر روايةً يحيى، فإنَّ فيها: فجاء رجل من المشركين ... إلى آخره. فبَّنَتْ هذه الرِّوايةُ أنَّ هذا القَدر لم يَحِضُره الصحابة، وإنَّما سمعوه من النبيّ وَلهبعد أن دَعاهم واستَيقَظوا. قوله: ((أعرابيٌّ جالس)) في رواية مَعمَر: فإذا أعرابيّ قاعد بين يديه. وسيأتي ذِكرُ اسمِه قريباً. (١) تحرف في (س) إلى: فإن. ٣١١ باب ٣٠ / ح ٤١٣٤-٤١٣٧ كتاب المغازي قوله: ((وهو في يدِه صَلْتاً)) بفتح المهمَلة وسكونِ اللّام بعدَها مُثنّاة، أي: مُجرَّداً عن غِمْدِهِ. قوله: ((فقال لي: مَن يَمنَعك منِّي؟)) في رواية يحيى: فقال: تَخافُني؟ قال: ((لا)). قال: فَمَن يَمنَعك مِنِّي؟ وكرَّرَ ذلك في رواية أبي اليمان في الجهاد (٢٩١٠) ثلاث مرات، وهو استفهام إنكار، أي: لا يَمنَعك منِّي أحد، لأنَّ الأعرابيّ كان قائماً والسَّيفُ في يده والنبيّ ◌َِّ جالس لا سيف معه. ويُؤخَذ من مُراجَعة الأعرابيّ له في الكلام أنَّ الله سبحانه وتعالى مَنَعَ نبَّهِوَ لَ منه، وإلّ فما الذي أحوَجَه إلى مُراجَعَتِه مع احتياجه إلى الحَظْوة عندَ قومِه بقتلِهِ. وفي قولِ النبيِّ ◌َّ في جوابه: ((الله)) أي: يَمنَعُني مِنك، إشارة إلى ذلك، ولذلك أعادَها الأعرابيّ فلم يَزِده على ذلك الجواب، وفي ذلك غاية التهَكَّم به وعَدَمُ المبالاة به أصلاً. قوله: ((فها هو ذا جالس، ثمَّ لم يُعاقبه رسول الله وَّ) في رواية يحيى بن أبي كثير: فَتَهَدَّدَه أصحاب رسول الله وَ له. وظاهرها يُشعِر بأنَّهم حَضَروا القِصّةَ، وأنَّه إنَّما رَجَعَ عمَّا كان عَزَمَ عليه بالتّهديدِ، وليس كذلك، بل وَقَعَ في رواية إبراهيم بن سعد في الجهاد (٢٩١٣) بعد قوله: ((قلت: الله)): فشامَ السَّيفَ، وفي رواية مَعمَر: فشامَه، والمراد: أغمَدَه، وهذه الكلمة من الأضداد، يقال: شامَه: إذا استَلَّه، وشامَه: إذا أغمَدَه. قاله الخطَّبيُّ وغيره، وكأنَّ الأعرابيّ لمَّا شاهَدَ ذلك الثَّبات العظيم وعَرَفَ أنَّه حيلَ بينه وبينه، تَحَقَّقَ صِدقَه، وعَلمَ أنَّه لا يَصِل إليه، فألقَى السِّلاح وأمكَنَ من نفسِهِ. ووَقَعَ في رواية ابن إسحاق بعد قوله: (قال: الله): فدَفَعَ جِبْرِيل في صَدره، فوَقَعَ السَّيفُ من يدِه، فأخَذَه النبيُّ وَّه، وقال: ((مَن يَمنَعُك أنتَ منِّي؟)) قال: لا أحد. قال: ((قُم فاذهَب لشأنِك)) فلمَّا وَلَّى قال(١): أنتَ خير منِّي(٢). وأمَّا قوله في الرّواية: ((فها هو جالس)) ثمَّ لم يُعاقبه. فيُجمَع مع رواية ابنٍ إسحاقَ بأنَّ (١) الضمير يعود على الأعرابي. (٢) هذا اللفظ المذكور لفظ الواقدي في ((المغازي)) ١ / ١٩٥، ولم نقف عليه لابن إسحاق في شيء من مصادر التخريج! ٣١٢ باب ٣٠ / ح ٤١٣٤-٤١٣٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فاذهَب)) كان بعد أن أخبر الصحابةَ بقِصَّتِهِ، فمَنَّ عليه لشِدّة رَغبة النبيِّ وَّ في ٤٢٨/٧ استئلاف الكفّار ليدخلوا في / الإسلام، ولم يُؤاخذه بما صَنَع، بل عَفا عنه. وقد ذكر الواقديُّ في نحو هذه القِصّة: أنَّه أسلَمَ، وأنَّه رَجَعَ إلى قومِه فاهتَدَى به خلق كثير. ووَقَعَ في رواية ابن إسحاق التي أشرت إليها: ثُمَّ أسلَمَ بعدُ. قوله: ((وقال أبان)) هو ابن يزيد العَطّار، وروايته هذه وصلَها مسلم (٨٤٣) عن أبي بكر ابن أبي شيبة عن عَفان، عنه، بتمامهِ. قوله: ((وأُقيمت الصلاة فصَلَّى بطائفةٍ رَكعَتَينِ ... )) إلى آخره، هذه الكيفيَّة مخالفة للكيفيَّة التي في طريق أبي الزُّبَير عن جابر، وهو ممّا يُقوِّي أنَّهما واقعَتان. قوله: «وقال مُسدّد، عن أبي عَوَانة، عن أبي بشر: اسم الرجل غَورَث بن الحارث، وقاتَلَ فيها مُحاربَ خَصَفَةَ)) هكذا أورَدَه مختصراً من الإسناد ومن المتنٍ، فأمَّا الإسناد، فأبو عَوَانة: هو الوَضّاح البصريّ، وأمَّا أبو بشر: فهو جعفر بن أبي وحشيَّة، وبقيَّة الإسناد ظاهر فيما أخرجه مُسدّد في ((مُسنَده)) رواية معاذ بن المثنّى عنه، وكذلك أخرجها إبراهيم الحَرْبيّ في كتاب ((غريب الحديث)) له، عن مُسدّد عن أبي عَوَانة عن أبي بشر عن سليمان بن قيس عن جابر. وأمَّا المتن فتمامه عن جابر قال: غزا رسولُ الله وَّل محارب خَصَفة بنَخلِ، فرأوا من المسلمين غِرّةً، فجاء رجل منهم يقال له: غَورَث بن الحارث، حتَّى قامَ على رسول الله وَ له بالسَّيفِ، فذكره، وفيه: فقال الأعرابيّ: غير أنّي أُعاهدك أن لا أُقاتلَك ولا أكونَ مع قوم يقاتلونَك، فخَلَّى سبيله. فجاء إلى أصحابه فقال: جِئْتُكم من عندِ خير الناس. فلمَّا حَضَرَت الصلاة صَلَّى رسول الله ◌َل﴿ بالناس، الحديث. وغَورَتٌ: وزن جعفر، وقيل: بضمٍّ أوَّله، وهو بغَينٍ مُعجَمةٍ وراءٍ ومُثلَّثة، مأخوذ من الغَرَثِ: وهو الجوع. ووَقَعَ عندَ الخطيب بالكاف بَدَل المثلَّثة، وحَكَى الخطَّبيُّ فيه غُوَيرِث بالتصغيرِ، وحَكَى عياض أنَّ بعض المغاربة قاله في البخاريِّ بالعين المهملة، قال: وصوابُه بالمعجَمة. ومحارِبُ خَصَفة تقدَّم بيانه في أوَّل الباب. ٣١٣ باب ٣١ كتاب المغازي ووَقَعَ عند الواقديِّ في شَبيهٍ(١) بهذه القِصّة أنَّ اسمَ الأعرابيّ: دُعثورُ بن الحارث، وأنَّه أسلَم. لكنَّ ظاهرَ كلامه أنَّهما قِصَّتان في غَزْوَتَينِ، فالله أعلم. وفي الحديث فرطُ شجاعة النبيِّ وَّةِ، وقوّةُ يقينِهِ، وصَبرُه على الأذَى، وحِلمُه عن الجُهّال. وفيه جوازُ تَفُّقِ العَسكَرِ في النُّزولِ ونَومِهم، وهذا محلّه إذا لم يكن هناكَ ما يخافونَ منه. قوله: ((وقال أبو الزُّبَيرِ عن جابر: كنّا مع رسول الله وَّل بِنَخْلِ، فصَلَّى الخوفَ)) تقدَّمت الإشارة إلى ذِكْر مَن وَصَلَه قبلُ، مع التنبيه على ما فيه من المغايرة. قوله: ((وقال أبو هريرة: صَلَّيت مع النبيّ وَّل في غزوة نَجد صلاة الخوف)) وَصَلَه أبو داود (١٢٤٠)، وابن حِبّان (٢٨٧٨)، والطَّحاويّ (٣١٤/١)(٢) من طريق أبي الأسودِ، أنَّه سمعَ عُرْوةَ يُحدِّثُ عن مروان بن الحَكَم، أنَّه سألَ أبا هريرة: هل صَلَّيت مع النبيّ ◌َلـ صلاة الخوف؟ قال أبو هريرة: نعم، قال مروان: متى؟ قال: عامَ غزوة نَجد. قوله: (وإنّما جاء أبو هريرة إلى النبيّ پڑ أیامَ خَیبر)» یرید بذلك تأکید ما ذهب إليه من أنَّ غزوة ذات الرِّقاع كانت بعد خَيْبَر. لكن لا يلزم من كون الغزوة كانت من جهة نجد أن لا تَتَعَذَّد، فإنَّ نَجداً وَقَعَ القصد إلى چِهَتِها في عِدّة غزوات، وقد تقدَّم تقریر گون جابر روى قِصَّتَينِ في صلاة الخوف بما يُغني عن إعادَتِهِ، فيُحتمل أن يكون أبو هريرة حَضَرَ التي بعد خَيْبَرَ لا التي قبلَ خَیبَرَ. ٣١ - غزوة بني المصطلق من خزاعة وهي غزوة المُريسِيع قال ابنُّ إسحاقَ: وذلكَ سَنَّ سِتُّ. وقال موسى بنُ عُقْبةَ: سَنةَ أربعٍ. وقال التُّعْمَانُ بنُ راشدٍ، عن الزُّهْريِّ: كان حديثُ الإِفْكِ في غَزْوةِ المُرَيسِيعِ. (١) كذا في (أ)، وفي (د): شَبَه، وهما بمعنى، وتحرف في (ع) و(س) إلى: سبب هذه. (٢) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من النسائي (١٥٤٣). ٣١٤ باب ٣٢ / ح ٤١٣٨ - ٤١٤٠ فتح الباري بشرح البخاري ٤١٣٨ - حدَّثنا قُتَيَبةُ بنُ سعيدٍ، أخبرنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن رَبِيعةَ بنِ أبي عبدِ الرّحمنِ، ٤٢٩/٧ عن محمَّدٍ بنِ يحيى/ بنِ حَبّانَ، عن ابنِ مُحَيرِيٍ، أنَّه قال: دخلتُ المسجدَ، فرأيتُ أبا سعيدٍ الخُذْريَّ، فجَلَستُ إليه فسألتُه عن العَزْلِ، قال أبو سعيدٍ: خَرَجْنا معَ رسولِ اللهِوَّهِ فِي غَزْوة بني المُصْطَلِقِ، فأصَبْنَا سَبْياً من سَبْي العربِ، فاشتَهَينا النِّساءَ، واشتَدَّت علينا العُزْبةُ، وأحيَبنا العَزْلَ، فَأرَدْنا أن نَعْزِلَ، وقلنا: نَعْزِلُ ورسولُ اللهِوَ بِينَ أَظْهُرِنا قبلَ أن نَسأَلَه؟ فسألناه عن ذلكَ، فقال: ((ما عليكم أن لا تَفْعَلوا، ما من نَسَمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامةِ إلَّا وهي كائنٌ)). ٤١٣٩ - حدَّثني محمودٌ، حدَّثنا عبدُ الرَّزّاق، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمَةَ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله، قال: غَزَوْنا معَ رسولِ اللهِ وَّ غَزْوةَ نَجْدٍ، فلمَّا أدْرَكَتْه القائلةُ، وهو في وادٍ كَثِيرِ العِضاه، فنزلَ تحتَ شَجَرةٍ وَاسْتَظَلَّ بها، وعَلَّقَ سيفَه، فتَفَرَّقَ الناسُ في الشَّجَرِ يَسْتَظِلّونَ، وبَينا نحنُ كذلكَ إذْ دَعانا رسولُ اللهِ وَّةِ، فِثْنا، فإذا أعرابٌّ قاعدٌ بينَ يَدَيهِ، فقال: ((إنَّ هذا أتاني وأنا نائمٌ، فاخترَطَ سيفي، فاستَبقَظْتُ وهو قائمٌ على رأسي مُخْتَرِطُّ صَلْتاً، قال: مَن يَمْنَعُكَ منّي؟ قلتُ: الله، فشامَه ثمَّ قَعَدَ، فهو هذا)) قال: ولم يُعاقبه رسولُ الله ◌ِآل﴾. ٣٢- غزوة أنمارٍ ٤١٤٠ - حدَّثنا آدمُ، حدَّثنا ابنُ أبي ذِئْبٍ، حدَّثنا عُثْمانُ بنُ عبدِ الله بنِ سُرَاقَةَ، عن جابرِ بنِ عبدِ الله الأنصاريِّ، قال: رأيتُ النبيَّ نَّه في غَزْوةٍ أنْمارٍ يُصلِّي على راحلَتِهِ، مُتَوَجِّهاً قِبَلَ المشرقِ مُتَطَوِّعاً. ٤٣٠/٧ قوله: ((غزوة بني المُصطَلِقِ))(١) هكذا وَقَعَ هنا، وذكر ما يتعلّق بها، ثمَّ أورد حديث أبي سعيد في العَزل ثمَّ قال بعد ذلك: حدَّثني محمود - يعني: ابن غَيْلان - حدَّثنا عبد الرَّزّاق، فذكر حديث جابر في غزوة نَجْد، وفيه قِصّة الأعرابيّ، وهذا محلّه في غزوة ذات الرِّقاع. وقد وَقَعَ في رواية أبي ذرِّ عن المُستَمْلي في غزوة ذات الرِّقاع، وهو أنسَب. ثم ذكر بعده ترجمةً، وهي ((غزوة أنمار)) وذكر فيه حديث جابر: رأيت النبيّ وَّ في (١) وقع في (س) بدله: ((قوله باب)) وهو خطأ. ٣١٥ باب ٣٢ / ح ٤١٣٨- ٤١٤٠ كتاب المغازي غزوة أنمار يُصلِّ على راحلَتِه. وهذا الحديث قد تقدَّم في ((باب قصر الصلاة))(١). وكأن محلّ هذا قبل غزوة بني المصطَلِقِ، لأنَّه عَقَّبَه بترجمة حديث الإفك، والإفك كان في غزوة بني المصطَلِقِ، فلا معنى لإدخال غزوة أنمار بينهما، بل غزوة أنمار يُشبه أن تكون هي غزوة مُحارب وبني ثَعْلبة، لمَا تقدَّم من قول أبي عُبيد: إنَّ الماء لبني أشجَع وأنْمار وغيرهما من قيس. والذي يَظهَر أنَّ التقديمَ والتأخير في ذلك من النُّسّاخ، والله أعلم. ولم يَذْكُر أهل المغازي غزوة أنمار، وذكر مُغَلْطاي أنَّها غزوة أَمِرَ، بفتح الهمزة وكسر الميم، فقد ذكر ابن إسحاق أنَّها كانت في صَفَر، وعند ابن سعد (٢/ ٦١): قَدِمَ قادمٌ بجَلَبٍ، فأخبرَ أنَّ أنمارَ وثَعْلبة قد جَمَعوا لهم، فخرج لعشرٍ خَلَونَ من المحرَّم، فأتى تَحَلّهم بذات الرِّقاع. وقيل: إن غزوة أنمار وَقَعَت في أثناء غزوة بني المصطَلِقِ، لمَا روى أبو الزُّبَير عن جابر: أرسَلَني رسول الله وَ له وهو مُنطَلِقٍ إلى بني المصطَلِقِ، فأتيته وهو يُصلِّ على بعير، الحديث(٢). ويُؤيِّده رواية اللَّيث عن القاسم بن محمد: أنَّ النبيّ ◌َ لِّ صَلَّى في غزوة بني أنمار صلاة الخوف (٣). ويحتمل أنَّ رواية جابر لصَلاتِهِ وَ لْتَعَدَّدَت. قوله: ((غزوة بني المصطَلِقِ من خُزاعة وهي غزوة المريسيع)) أمَّا المُصطَلِقِ، فهو بضمِّ الميمٍ وسكونِ المهمَلة وفتح الطاءِ المهمَلة وكسرِ اللّام بعدَها قاف: وهو لَقَب، واسمه جَذِيمة ابن سعد بن عَمْرو بن ربيعة بن حارثة، بطن من بني خُزاعة. وقد تقدَّم بيان نَسَب خُزاعة في أوائلِ السِّيرة النّبويّة(٤). وأمَّا المُرَيسيعُ(٥)، فبضمِّ الميم وفتح الراءِ وسكونِ التحتانيَّتينِ بينهما مُهمَلةٌ مكسورةٌ (١) بل في كتاب قصر الصلاة في ((باب صلاة التطوع على الدواب وحيثما توجهت)) برقم (١٠٩٤)، وفي (باب ينزل للمكتوبة)) برقم (١٠٩٩)، وتقدم قبل ذلك في كتاب الصلاة في ((باب التوجه نحو القبلة)) برقم (٤٠٠). (٢) أخرجه أحمد (١٤٣٤٥)، ومسلم (٥٤٠) (٣٧)، وأبو داود (٩٢٦)، وغيرهم. (٣) سلف برقم (٤١٣٠). (٤) قبل الحديث (٣٥٢٠). (٥) هو أحد روافد سِتارة، بينه وبين ساحل البحر الأحمر (٨٠) كيلومتراً، بين جبال تهامة، وأهله اليوم سلیم، لا خزاعة. ٣١٦ باب ٣٢ / ح ٤١٣٨ - ٤١٤٠ فتح الباري بشرح البخاري وآخِرُه عين مُهمَلة: هو ماء لبني خُزاعة بينه وبين الفُرْعِ مَسيرة يوم. وقد روى الطبرانيُّ(١) من حديث سنان بن وَبَرةَ، قال: كنَّا مع النبيِّوَّه في غزوة المُرَيسيع غزوة بني المصطَلِقِ. قوله: ((قال ابن إسحاق: وذلك سَنة ◌ِتّ)) كذا هو في ((مغازي ابن إسحاقَ)) رواية يونس بن بُكَير وغيره عنه، وقال: في شعبان، وبه جَزَمَ خليفة والطَّبَريّ، وروى البيهقيُّ(٢) من رواية قَتَادة وعُرْوة وغيرهما: أنَّها كانت في شعبان سنة خمس. وكذا ذكرها أبو مَعشَر قبلَ الخندق. قوله: ((وقال موسى بن عُقبة: سَنة أربع)) كذا ذكره البخاريّ، وكأنَّه سَبْقُ قلم، أراد أن يَكتُب سنة خمس فكَتَبَ سنة أربع. والذي في («مغازي موسى بن عُقْبة)) من عِدّة طرق أخرجها الحاكم، وأبو سَعْد(٣) النَّيسابوريّ، والبيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٤٥/٤) وغيرهم: سنة خمس، ولفظه: عن موسى بن عُقْبة عن ابن شِهاب: ثمَّ قاتَلَ رسول الله وَ له بني المصطَلِقِ وبني لحيان في شعبان سنة خمس. ويُؤيِّده ما أخرجه البخاريّ في الجهاد(٤): عن ابن عمر أنَّه غزا مع النبيّ وَ ﴿ بني المصطَلِقِ. وابن عُمر في شعبان سنة أربع لم يُؤْذَن له في القتال(٥)، لأنَّه إِنَّما أُذِنَ له فيه في الخندق، كما تقدَّم (٤٠٩٧)، وهي بعد شعبان، سواء قلنا: إنَّها كانت في سنة خمس أو سنة أربع، وقال الحاكم في ((الإكليل)): قول عُرْوة وغيره: إنَّها كانت في سنة خمس، أشبهُ من قول ابن إسحاق. قلت: ويُؤيِّده ما ثَبَتَ في حديث الإفك أنَّ سعد بن معاذ تَنازَعَ هو وسعد بن عُبَادة في أصحاب الإفك، كما سيأتي (٤١٤١)، فلو كان المُرَيسيعُ في شعبان سنة ستّ مع كَوْن الإفك كان فيها لكان ما وَقَعَ في (الصحيح)) من ذِكْر سعد بن معاذ غَلَطاً، لأنَّ سعد بن (١) في ((الأوسط)) برقم (٦٠١٥). (٢) في ((دلائل النبوة)) ٤٤/٤ و ٤٥. (٣) تحرف في (ع) و(س) إلى: أبوسعيد: بكسر العين بعدها تحتانية. (٤) بل في العتق برقم (٢٥٤١). (٥) وقع في (س) هنا سقط وإقحام شَوَّشَ الكلامَ، حيث جاء فيها ما نصه: عن ابن عمر أنه غزا مع النبي وَّله بني المصطلق في شعبان سنة أربع، ولم يؤذن له في القتال. ٣١٧ باب ٣٢ / ح ٤١٣٨ - ٤١٤٠ كتاب المغازي معاذ ماتَ أيام قُرَيظة، وكانت سنة خمس على الصحيح، كما تقدَّم تقريره(١)، وإن كانت كما قيل سنة أربع فهي أشدّ، فيَظهَر أنَّ المَرَيسيع كانت سنة خمس في شعبان لتكونَ قد وقَعَت قبل الخندق، لأنَّ الخندق كانت في شَوّال من سنة خمس أيضاً فتكون بعدها، فيكون سعد ابن معاذ موجوداً في المَرَيسيع، ورُميَ بعد ذلك بسهم في الخندق وماتَ من جِراحَتِه في قُرَيظة. وسأذكر ما وَقَعَ لِعياض من ذلك في أثناء الكلام على حديث الإفك (٤٧٥٠) إن شاء الله تعالى. وَيُؤْيِّدُ أيضاً أنَّ حديث الإفك كان سنة خمس أنَّ الحديث فيه التصريح بأنَّ القِصّة وقَعَت بعد نزول الحجاب، والحِجاب كان في ذي القَعدة سنة أربع عند جماعة، فيكون المریسیعُ بعد ذلك فیترجّح أنَّها سنة خمس. أمَّا قول الواقديِّ: إنَّ الحجاب كان في ذي القَعدة سنة خمس فمردود، وقد جَزَمَ خليفة وأبو عبيدة وغير واحد بأنَّه كان سنة ثلاث، فحَصَّلْنا في الحِجاب على ثلاثة أقوال: أَشهرُها سنة أربع، والله أعلم. قوله: ((وقال النُّعمان بن راشد، عن الزُّهْريِّ: كان حديث الإفك في غزوة المُرَیسیع)) وَصَلَه الْجَوْزَقيّ والبيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٦٣/٤ -٦٤) من طريق حمَّد بن زيد عن التُّعمان ابن راشد ومَعمَر عن الزُّهْريِّ عن عروة(٢) عن عائشة، فذكر قِصّة الإفك في غزوة المَرَيسيع، وبهذا قال ابن إسحاق وغير واحد من أهل المغازي: أنَّ قِصّة الإفك كانت في رجوعهم من غزوة المريسيع. وذكر ابن إسحاق(٣) عن مشايخه عاصم بن عمر بن قَتَادة وغيره: أنَّه وَّهِ بَلَغَه أنَّ بني المصطَلِقِ يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضِرار، فخرج إليهم حتَّى لَقِيَهم على ماء من (١) انظر شرح الباب (٢٨)، وهو باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، حيث كانت قريظة منصرف رسول الله وَ له من الخندق مباشرة. (٢) قوله: ((عن عروة)) سقط من (س). (٣) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢٩٠/٢. ٣١٨ باب ٣٢ / ح ٤١٣٨ - ٤١٤٠ فتح الباري بشرح البخاري مياههم، يقال له: المُرَيسيع قريباً من الساحل، فتزاحَفَ الناس واقتَتَلوا، فهَزَمَهم الله، وقُتِل منهم، ونَفَّلَ رسول الله وَّ نساءَهم وأبناءَهم وأموالهم. كذا ذكر ابن إسحاق بأسانيد مُرسَلة، والذي في ((الصحيح)) كما تقدَّم في كتاب العِتق (٢٥٤١) من حديث ابن ٤٣١/٧ عمر يدلّ على أنَّه أغارَ عليهم / على حين غَفْلة منهم، فأوقَعَ بهم، ولفظه: أنَّ النبيَّ ◌َّ أغارَ على بني المصطَلِقِ وهم غارُّونَ وأنعامُهم تُسْقَى (١) على الماء، فقَتَلَ مُقاتِلتَهم وسَبَى ذَرَاريَّهم، الحديث، فيحتمل أن يكون حين الإيقاع بهم ثَبَتوا قليلاً، فلمَّا كَثُرَ فيهم القتل انهزموا، بأن يكون لمَّا دَهَمَهم وهم على الماء ثَبَتوا وتصافُوا، ووَقَعَ القتال بين الطائفتَينِ، ثمَّ بعد ذلك وَقَعَتِ الغَلَبةُ عليهم. وقد ذكر هذه القِصّةَ ابن سعد (٦٣/٢ -٦٤) نحو ما ذكر ابن إسحاق، وأنَّ الحارث كان جمع ◌ُوعاً وأرسَلَ عَيْناً تأتيه بخَيَرِ المسلمين، فظَفِروا به فقَتَلُوه، فلمَّا بَلَغَه ذلك هَلِعَ وتَفرَّقَ الجمع، وانتَهَى النبيّ ◌َِّ إلى الماء وهو المَرَيسيعُ فصَفَّ أصحابَه للقتال، ورَمَوْهم بالنَّبْلِ، ثمَّ حَمَلوا عليهم حملةً واحدة، فما أفلَتَ منهم إنسان، بل قُتِلَ منهم عشرة، وأُسِرَ الباقونَ رجالاً ونساء. وساقَ ذلك اليَعمَريُّ في ((عُيون الأثر)) ثمَّ ذكر حديث ابن عمر، ثمَّ قال: أشارَ ابن سعد إلى حديث ابن عمر، ثمَّ قال: الأوَّل أثبَتُ. قلت: أقرَّ(٢) كلام ابن سعد. والحُكم بكّونِ الذي في السّيَرَ أثبَتُ مَّا في ((الصحيح)) مردود، ولا سيّما مع إمكان الجمع، والله أعلم. ثمَّ ذكر المصنِّف حديث ابن مُحَيريزِ واسمه عبد الله، ومُحَريز بمُهمَلٍ وراء ثمَّ زاي، بصيغة التصغير، عن أبي سعيد في قِصّة العَزل، وسيأتي شرحه في كتاب النكاح (٥٢١٠) إن شاءَ الله تعالى، والغرض منه هنا ذِكْر غزوة بني المصطَلِقِ في الجملة، وقد أشرتُ إلى قِصَّتها ◌ُجُمَلاً، ولله الحمد. (١) كذا في (ع)، وفي (أ) و(د) و(س): تستقي، والمثبت من (ع) هو الموافق لما في اليونينية دون حكاية خلاف بین رواه البخاري. (٢) تحرف في (أ) و(د) و(س) إلى: أخر، ولا معنى لها هنا، والمثبت من (ع) هو الصواب، والمعنى: أنَّ ابن سيد الناس اليعمري ذكر كلام ابن سعد، فوافقه عليه، ولم يتعقّبْه. ٣١٩ باب ٣٣ / ح ٤١٤١ كتاب المغازي ٣٣- حديث الإفك والأفَكِ، بِمَنْزِلةِ النِّجْسِ والنَّجَس، يقال: ﴿إِفْكُهُمْ﴾ و((أَفَكَهُم))، فمن قال: أَفَكّهم، يقول: صَرَفهم عن الإِيمان وكَذَّبَهم، كما قال: ﴿يُؤْفَثُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴾ [الذاريات:٩] یُصرَف عنهمن ◌ُرِف. ٤١٤١- حدّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن صالحٍ، عن ابنٍ شِهابٍ، قال: حدَّثني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيرِ وسعيدُ بنُ المسيّبٍ وعَلْقمةُ بنُ وَقَّاصٍ وعُبِيدُ الله بنُ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ، عن عائشةَ رضي الله عنها زوج النبيِّ وَّةِ، حينَ قال لها أهلُ الإِفْكِ ما قالوا، وكلُّهم حدَّثني طائفةً من حديثها، وبعضُهم كان أَوْعَى لحديثِها من بعضِ، وأثبَتَ له اقتِصاصاً، وقد وَعَيتُ عن كلِّ رجلٍ منهمُ الحديثَ الَّذي حدَّثني عن عائشةَ، وبعضُ حديثهم يُصدِّقُ بعضاً، وإن كان بعضُهم أوْعَى له من بعضٍ، قالوا: قالت عائشةُ: كان رسولُ اللهِ وَله إذا أرادَ سَفَراً أقرَعَ بينَ أزواجِه، فأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بها رسولُ الله ◌ِآ معه. قالت عائشةُ: فأقرَعَ بينَنَا في غَزْوةٍ غزاها، فخرج فيها سَهْمي، فخَرَجْتُ معَ رسولِ الله ◌ِّيه بعدَما أُنْزِلَ الحِجَابُ، فكنتُ أُحَلُ فِي هَودَجي، وأُنْزَلُ فيه، فسِرْنا حتَّى إذا فَرَغَ رسولُ الله ◌َيّ من غَزْوَتِهِ تلكَ، وقَفَلَ ودَنَوْنا مِن المدينةِ قافِلِينَ، آذَنَ ليلةً بالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حينَ آذَنُوا بالرَّحِيلِ، فمَشَيتُ حتَّى جاوَزْتُ الجيشَ، فلمَّا قَضَيتُ شأني أقبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَسْتُ صَدْري فإذا عِقْدٌ لي من جَزْعِ ظَفَار قد انقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فالتَمَسْتُ عِقْدِي، فَبَسَنِ ابْتِغَاؤُه، قالت: وأقبَلَ الرَّهْطُ الَّذينَ كانوا يُرّخِّلُون بي، فاحتَمَلوا هَوْدَجي، فَرَحَلُوه على بَعِيري الَّذِي كنتُ أركَبُ عليه، وهم يَحِسَبونَ أنّي فيه، وكان النِّساءُ إذ ذاكَ خِفافاً لم يَهْبُلْنَ، ولم يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّما يأكلْنَ العُلْقَةَ مِنَ الطَّعامِ، فلم يَسْتَنكِرِ القومُ/ خِفَةَ الهَوْدَجِ حينَ رَفَعُوهُ وَمَلُوه، ٤٣٢/٧ وكنتُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ، فبَعَثوا الجملَ فسارُوا، ووَجَدْتُ عِقْدِي بعدَما استَمَرَّ الجيشُ، فَجِئْتُ منازِلَم وليس بها منهم داعٍ ولا يُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كنتُ به، وظَنَنتُ أنَّهم سَيَفْقِدونني فيَرَجِعونَ إلَيَّ، فَبَينا أنا جالسةٌ في مَنْزِلِي غَلَبَتْني عيني، فنِمْتُ، وكان صَفْوانُ بنُ المعَطَّلِ السُّلَميُّ ثمَّ الذَّكْوانُّ من وراءِ الجيشِ، فأصْبَحَ عندَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إنسانٍ نائم، ٣٢٠ باب ٣٣ / ح ٤١٤١ فتح الباري بشرح البخاري فَعَرَفَني حينَ رآني، وكان رآني قبلَ الحِجاب، فاستَيقَظْتُ باستِرْجاعه حينَ عَرَفَنِي، فخَمَّرْتُ وجهي بحِلْبابي، ووالله ما تَكلَّمْنا بكلمةٍ، ولا سمعتُ مِنْه كلمةً غيرَ استِرْجاعه، وهَوَی حتَّى أناخَ راحلتَه، فَوَطِئَ على يدِها، فقُمْتُ إليها فَرَكِيتُها، فانطَلَقَ يقودُ بي الراحلةَ، حتَّى أتينا الجيشَ مُوغِرِينَ في نَحْرِ الظَّهِيرةِ، وهم نُزولٌ. قالت: فَهَلَكَ مَن هَلَكَ، وكان الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ الإِفْكِ عبدُ الله بنُ أُبيِّ ابنُ سَلُولَ. قال عُرْوةُ: أُخْبِرْتُ أَنَّه كان يُشاعُ ويُتَحَدَّثُ به عندَه، فيُقِرُّه ويَسْتَمِعُه ويَسْتَوْشِيهِ. وقال عُرْوةُ أيضاً: لم يُسَمَّ من أهلِ الإفْكِ أيضاً إِلَّا حسَّانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطَحُ بنُ أُثاثةَ، وَمْنَةُ بنتُ جَخْشٍ، في ناسٍ آخَرِينَ لا عِلْمَ لي بهم، غيرَ أنَّهم عُصْبةٌ - كما قال الله تعالى - وإنَّ كِبْرَ ذلكَ يقال لَهُ: عبدُ الله بنُ أُبيِّ ابنُ سَلولَ. قال عُرْوةُ: كانت عائشةُ تَكْرَه أن يُسَبَّ عندَها حسَّانُ، وتقولُ: إنَّه الَّذي قال: فإنَّ أَبي ووالدَه وعِرْضِي لعِرْضٍ محمَّدٍ منكم وِقَاءُ قالت عائشةُ: فقَدِمْنا المدينةَ فاشتَكَيتُ حينَ قَدِمْتُ شهراً، والناسُ يُفِيضونَ في قولٍ أصْحاب الإفْكِ، لا أشعُرُ بشيءٍ من ذلكَ، وهو يَرِيبُي في وجَعي أنّي لا أعرِفُ من رسولِ اله ◌َله اللُّطْفَ الَّذِي كنتُ أَرَى مِنْه حينَ أشتكي، إنَّما يَدخُلُ عليَّ رسولُ اللهِ وَّةٍ فِيُسلِّمُ، ثمَّ يقول: ((كيفَ تِيكُمْ؟)) ثمَّ يَنصَرِفُ، فذلكَ يَرِيبُني، ولا أشعُرُ بالشرِّ حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ، فخَرجْتُ معي أمُّ مِسْطَحِ قِبَلَ المناصعِ - وكان مُتْبَرَّزَنا - وكثَّا لا نَخْرُجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلكَ قبلَ أن نَتَّخِذَ الكُنُفَ قريباً من بُيوتِنا، قالت: وأمرُنا أمرُ العربِ الأُوَلِ فِي البَرِّيَّةِ قِبَلَ الغائطِ، وكنَّا نَتْأَذَّى بالكُنُفِ أن ◌َتَّخِذَها عندَ بُيُوتِنا، قالت: فانطَلَقْتُ أنا وأُمُّ مِسْطَحِ، وهي ابنةُ أبي رُهْمِ ابنِ المطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وأُّها بنتُ صَخْرٍ بنٍ عامٍ خالةُ أبي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسْطَحُ ابنُّ أَثاثَةَ بنِ عبّادِ بنِ المطَِّبِ، فأقبَلْتُ أنا وأُمُّ مِسْطَحِ قِبَلَ بيتي حينَ فَرَغْنا من شأنِنا، فعَثَرَت أمّ مِسْطَحِ في مِرْطِها، فقالت: تَعِسَ مِسْطَحٌ! فقلتُ لها: بئْسَ ما قلتِ! أتسُبِينَ رجلاً شَهِدَ بَدْراً؟ فقالت: أَيْ هَنْتَاهْ، ولم تَسْمَعي ما قال؟ قالت: وقلتُ: وما قال؟ فأخبَرَتْني بقولِ أهلِ الإِفْكِ،