Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
باب ١٦ / ح ٤٠٤٨
كتاب المغازي
ثَمَرَتُه، فھو يَهْدِبُها.
قوله: (عن عمرِو» هو ابنُ دینارٍ.
قوله: ((قال رجل)) لم أقِف على اسمه، وزَعَمَ ابن بَشكُوال أنَّه عُميرُ بنُ الحمام، وهو
بضمِّ المهمَلة وتخفيفِ الميمٍ، وسَبَقَه إلى ذلك الخطيبُ، واحتَجَّ بما أخرجه مسلمٌ (١٩٠١)
من حديثٍ أنسٍ: أنَّ عُميرَ بنَ الحمام أخرج تَمراتٍ فجَعَلَ يأكلُ منهنَّ، ثمَّ قال: لَئِن أنا حَبِيت
حتَّى آكُلَ تَمراتي هذه إنَّهَا لَحَياةٌ طَويلةٌ، ثمَّ قاتَلَ حتَّى قُتِلَ.
قلت: لكن وقعَ التصريحُ في حديثِ أنسٍ أنَّ ذلك كان يومَ بدرٍ، والقِصّةُ التي في الباب
وقعَ التصريحُ في حديثٍ جابر أنَّها كانت يومَ أُحُدٍ، فالذي يَظْهَرُ أنَّهما قِصَّتان وقَعَتا لرجلينِ،
والله أعلم(١).
وفيه ما كان الصحابةُ عليه من حُبِّ نَصِرِ الإسلام، والرَّغبة في الشَّهادة ابتغاء مرضات الله.
الحديث السادس: حديث خَبّاب، وقد تقدَّم شرحه في كتاب الجنائز (١٢٧٦)، ويأتي
أيضاً بعد سبعة أبوابٍ (٤٠٨٢)، ويأتي شرحه في كتاب الرِّقاق (٦٤٤٨).
الحديث السابع:
٤٠٤٨- حدَّثنا حسَّانُ بنُ حسَّانَ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ طَلْحَةَ، حدَّثنا مُميدٌ، عن أنسِ عَ﴾: أنَّ
عَمَّه غابَ عن بَدْرٍ، فقال: غِبتُ عن أوَّلِ قتال النبيِّ وَّهِ، لَئِنْ أشهَدَني الله معَ النبيِّ ◌َ لَيَرَيَنَّ اللهُ
ما أُجِدُّ،/ فَلَقِيَ يومَ أُحُدٍ، فَهُزِمَ الناسُ، فقال: اللهمَّ إنّ أعْتَذِرُ إليكَ ممّا صَنَعَ هؤُلاءِ - يعني ٣٥٥/٧
المسلمينَ .- وأبرَأُ إليكَ ممّا جاء به المشركونَ، فَتَقَدَّمَ بسيفِه، فلَقِيَ سَعْدَ بنَ معاذٍ، فقال: أينَ يا
سَعْدُ؟ إنّي أجِدُ رِيحَ الجنَّةِ دونَ أُحُدٍ! فمَضَى فَقُتِلَ، فما عُرِفَ حتَّى عَرَفَتْه أُختُهُ بشامةٍ - أو ببناِه -
وبه بِضْعٌ وثمانونَ: من طَعْنِةٍ وَضَرْبةٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ.
قوله: ((حدَّثْنا حسَّانُ بنُ حسَّان)) هو أبو عليّ البصريّ نَزيل مكَّة، ويقال له أيضاً: حسَّان
(١) وقع في رواية عند الحاكم ٩٣/٢ من حديث أنس بن مالك بسندٍ حسنٍ وصفُ هذا السائل بأنه كان رجلاً
أسود. وهذا يؤيد قول الحافظ أنهما قصتان لرجلين، والله أعلم.

١٦٢
باب ١٦ / ح ٤٠٤٨
فتح الباري بشرح البخاري
ابن أبي عبّاد، ووَهِمَ مَن جعله اثنين، وهو من قُدَماءِ شيوخ البخاريِّ، ماتَ سنةً ثلاث
عشرة ومئتين(١)، وما له عندَه سِوَى هذا الحديث وآخر في أبواب العمرة(٢).
ومحمد بن طلحة، أي: ابن مُصَرِّفٍ، بتشديد الراء المكسورة: كوفيٌّ فيه مقالٌ، إلّا أنَّه لم
يَنفَرِد بهذا عن حُميدٍ، فقد تقدَّم في الجهاد (٢٨٠٥) من رواية عبد الأعلى بأتمّ من هذا
السّياق، وفيه: عن حُميدٍ: سألت أنساً.
قوله: ((لَيَرَيَنَّ اللهُ) بفتح التحتانيَّة والراءِ ثمَّ التحتانيَّة وتشديد النّون، و((اللهُ) بالرَّفعِ،
ومُرادُه أنه يُبالغ في القتال ولو زَهَقَت روحُه. وقال أنس في رواية ثابت: وخَشِيَ أن يقول
غيرها (٣)؛ أي: غيرَ هذه الكلمة، وذلك على سبيل الأدب منه والخوف لئلّا يَعرِضَ له
عارض، فلا يَفِي بما يقول، فيصير كمَن وَعَدَ فأخلَف.
قوله: ((فلقي يوم أحد، فهُزم الناس)) يأتي بيانه قريباً في شرح الحديث السابع (٤٠٦٠)
من الباب الذي بعده.
قوله: ((ما أُجِدّ)) بضمٌّ أوَّلِه وكسرِ الجيم وتشديد الدّال للأكثر، من الرُّباعيِّ، يقال: أجَدَّ
في الشَّيءٍ يُجِدُّ: إذا بالغ فيهِ، وقال ابن التِّين: صوابُه بفتح الهمزة وضمّ الجيم، يقال: جَدَّ(٤)
يَجِدُّ: إذا اجْتَهَدَ في الأمر، أمَّا أُجِدُّ فإنَّما يقال لمن سارَ في أرضٍ مُستَويةٍ، ولا معنى لها هنا.
قال: وضَبَطَه بعضهم بفتح الهمزة وكسرِ الجيم وتخفيفِ الدّال من الوجدان، أي: ما ألتَقي
من الشِّدّة في القتال.
قوله: ((إنّ أجِدُ ريحَ الجنَّةِ دونَ أُحُدٍ)) يحتمل أن يكونَ ذلك على الحقيقة، بأن يكونَ شَمَّ
رائحةً طيِّةً زائدةً عَّا يُعهَدُ، فَعَرَفَ أنَّهَا رِيحُ الجنَّة.
ويحتملُ أن يكونَ أطلقَ ذلك باعتبار ما عندَه من اليقينِ حتَّى كأنَّ الغائبَ عنه صارَ
(١) لفظة ((ومئتين)) من (ع) فقط.
(٢) سلف برقم (١٧٧٨)، وهناك ثالث فات الحافظ رحمه الله، سيأتي برقم (٤٩٦٠).
(٣) طريق ثابت أخرجها أحمد (١٣٠١٥)، ومسلم (١٩٠٣) وغيرهما.
(٤) تحرفت في (س) إلى: أجدّ.

١٦٣
باب ١٦ / ح ٤٠٤٩
كتاب المغازي
محسوساً عندَه، والمعنى: أنَّ الموضعَ الذي أُقاتلُ فيه يَؤول بصاحبه إلى الجنَّة.
قوله: ((فمَضَى فقُتِلَ)) في رواية عبدِ الأعلى (٢٨٠٥): قال سعد بن معاذ: فما استَطَعتُ يا
رسولَ الله ما صَنَعَ.
قلت: وهذا يُشعِرُ بأنَّ أنسَ بن مالك إنَّما سمعَ هذا الحديث من سعد بن معاذ، لأَنَّه لم يَضُر
قتل أنس بن النَّضرِ، ودَلَّ ذلك على شجاعةٍ مُفرِطةٍ في أنسٍ بن النَّضِرِ، بحيثُ إنَّ سعد بن معاذ
مع ثَبَاتِهِ يوم أُحُدٍ وكمال شجاعته، ما جَسَرَ على ما صَنَعَ أنس بن النَّصِرِ.
قوله: ((فما عُرِفَ حتَّى عَرَفَته أُختُهُ بشامةٍ، أو ببنانِهِ) كذا هنا بالشكِّ، والأوَّلُ: بالمعجَمة
والميمٍ، والثاني: بموخَّدتَينِ ونونَينِ بينهما ألفٌ، والثاني هو المعروف، وبه جَزَمَ عبدُ الأعلى
في روايتِهِ، وكذا وقعَ في رواية ثابتٍ عن أنسٍ عندَ مسلمٍ (١٩٠٣).
قوله: ((وبه بضعٌّ وثمانونَ من طَعنِةٍ وضربةٍ وَرَمیةٍ بسهم)) ووقعَ في رواية عبدِ الأعلى
بلفظ: ضربةٍ بالسَّيفِ أو طَعنةٍ بالرُّمحِ أو رَميةٍ بالسَّهِمِ. ولَيسَت ((أو)) للشكِّ بل هي
للتقسيمِ، وزاد في روايتِهِ: ووَجَدناه قد مَثَلَ به المشركونَ. وعندَه: قال أنس: كنَّا نَرَى أنَّ
هذه الآيةَ نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن
قَضَى﴾ إلى آخِرِ الآية [الأحزاب: ٢٣].
وفي رواية ثابتٍ المذكورة: قال أنس: فنزلت هذه الآيةُ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ
عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] وكانوا يَرَونَ أنَّها نزلت فيه وفي أصحابه. وكذا وَقَعَ الجزمُ بأنَّهَا
نزلت في ذلك عندَ المصنِّف في تفسير الأحزاب (٤٧٨٣) من طريق ثُمامةَ عن أنسٍ، ولفظُه:
هذه الآيةُ نزلت في أنسٍ بن النَّضرِ،/ فذكرها.
٣٥٦/٧
وفي الحديث جوازُ الأخذِ بالشِّدّة في الجهاد، وبَذلُ المرءِ نفسَه في طلب الشَّهادة،
والوَفاءُ بالعَهدِ، وتقدَّمت بقيَّةُ فوائدِه في كتاب الجهاد (٢٨٠٥).
٤٠٤٩- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، حدَّثنا ابن شهاب، أخبرني
خارجةُ بنُ زيدِ بنِ ثابتٍ، أَّه سمعَ زيدَ بنَ ثابتٍ حَ﴾ يقول: فَقَدْتُ آيَةً مِن الأحزاب حينَ نَسَخْنا

١٦٤
باب ١٦ / ح ٤٠٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
المصْحَفَ، كنتُ أسمَعُ رسولَ اللهِ وَ يَقْرأُ بها، فالتَمَسْناها فوَجَدْناها معَ خُزَيمةَ بنِ ثابتٍ
الأنصاريِّ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُم مَّن
يَنْتَظِرُ﴾ فأَقْناها في سورَتِها في المصْحَفِ.
٤٠٥٠- حدَّثنا أبو الوَلِيدِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن عَدِيٍّ بنِ ثابتٍ، سمعتُ عبد الله بنَ یَزِيدَ
يُحدِّثُ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ ﴾، قال: لمَّا خَرَجَ النبيُّ ◌َّهُ إلى أُحُدٍ، رَجَعَ ناسٌّ ◌َمَّنْ خَرَجَ معه،
وكان أصحابُ النبيِّ وَّهِ فِرْ قَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تقولُ: نُقاتِلُهم، وَفِرْقٌ تقولُ: لا نُقاتِلُهم، فنزلت:
﴿فَمَا لَكُمْ فِى الْمُفِقِينَ فِتَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ﴾، وقال: ((إنََّا طَبةُ، تَنْفِي الذَّنوبَ كما تَنْفي
النارُ خَبَثَ الفِضّةِ».
الحديث الثامن: حديث زيد بن ثابت، أورَدَه مختصراً، وسيأتي تامّاً في فضائل القرآن،
مع شرحِه (٤٩٨٦).
الحديث التاسع:
قوله: (عبد الله بن يزيد)) هو الخَطْميُّ، بفتح المعجَمة وسكونِ المهمَلة، صحابيٌّ صغيرٌ.
قوله: ((رَجَعَ ناس مَمَّنْ خرج معه)) يعني: عبد الله بن أبيّ وأصحابه، وقد وَرَدَ ذلك
صريحاً في رواية موسى بن عُقْبة في ((المغازي))، وأنَّ عبد الله بن أُبيّ كان وافق رأيُه رأيَ
النبيّ وَّر على الإقامة بالمدينة، فلمَّا أشارَ غيره بالخروج وأجابَهم النبيّ ◌َّ، فخرج، قال
عبد الله بن أُبيّ لأصحابه: أطاعهم وعَصاني، علامَ نَقْتُلُ أنفُسنا؟ فَرَجَعَ بُثُلُثِ الناس.
قال ابن إسحاق(١) في روايته: فاتَّبَعَهم عبد الله بن عَمْرو بن حَرام، وهو والد جابر،
وكان خَزرَ جيّاً كعبدِ الله بن أُبيّ، فناشَدَهم أن يَرجِعوا فأبُوا، فقال: أبعَدكم الله.
قوله: ((وكان أصحاب رسول الله وَّه فِرِ قَتَينٍ)) أي: في الحُكم فيمن انصَرَفَ مع عبد الله
ابن أُبيّ.
قوله: ((فنزلت)) هذا هو الصحيح في سبب نزولها. وأخرج ابن أبي حاتم (١٠٢٣/٣)
(١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٦٤/٢.

١٦٥
باب ١٧ / ح ٤٠٥١
كتاب المغازي
من طريق زيد ابن أسلَمَ عن ابن سعد(١) بن معاذ، قال: نزلت هذه الآية في الأنصار، خَطَبَ
رسول الله وَ﴿ فقال: ((مَن لي بمَن يُؤذيني؟) فذكر مُنازَعةَ سعد بن معاذ وسعد بن عُبَادة
وأُسَيد بن حُضَير ومحمد بن مَسلَمة، قال: فأنزلَ الله هذه الآية.
وفي سبب نزولها قول آخر أخرجه أحمد (١٦٦٧) من طريق أبي سَلَمة بن عبد الرحمن،
عن أبيه: أنَّ قوماً أتوا المدينةَ فأسلموا، فأصابهم الوَباءُ فرجعوا، واستَقْبَلَهم ناسٌ من
الصحابة فأخبَروهم، فقال بعضُهم: نافَقوا، وقال بعضهم: لا، فنزلت (٢).
وأخرجه ابن أبي حاتم (١٠٢٤/٣) من وجهٍ آخرَ عن أبي سَلَمة مُرسَلاً، فإن كان محفوظاً
احتَمَلَ أن تكونَ نزلت في الأمرَينِ جميعاً.
قوله: ((وقال: إنَّهَا طَيبةُ تنفي الذُّنوبَ)) كذا في هذه الرّواية، وتقدَّم في الحجِّ (١٨٨٤)
(«تنفي الرِّجال))(٣)، ويأتي في التفسير (٤٥٨٩) بلفظ: ((تنفي الخَبَثَ)) وهو المحفوظ، وقد
سَبَقَ الكلامُ عليه في أواخرِ الحجِّ / (١٨٨٤) مُستَوفَّى.
٣٥٧/٧
قوله: ((كما تنفي النارُ ... )) إلى آخره، هو حديثٌ آخرُ، تقدَّم في أواخرِ الحجِّ (١٨٨٤)،
وقد فَرَّقَه مسلمٌ حديثَينِ (٢٧٧٦ و١٣٨٤)، فذكر ما يتعلَّق بهذه القِصّة في باب ذِكْر المنافقين،
وهو في أواخرٍ كتابه، وذكر قوله: ((إنَّهَا طَيبةٌ ... )) إلى آخره، في فضلِ المدينة، من أواخِرٍ كتاب
الحجِّ، وهو من نادِرٍ صَنِيعِهِ، بخلاف البخاريّ، فإنَّه يُقطِّع الحديثَ كثيراً في الأبواب.
١٧ - باب
﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْسَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ الآية [آل عمران: ١٢٢]
٤٠٥١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ يوسُفَ، عن ابنِ عُبَینةَ، عن عمرٍو، عن جابر «﴾، قال: نزلت هذه
الآيةُ فينا: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] بني سَلِمةَ وبني حارثةَ،
(١) تحرف في (أ) و(س) إلى: أبي سعيد، وجاء على الصواب في (ع)، وابن سعد بن معاذ هذا هو: عمرو بن معاذ بن
سعد بن معاذ، وقد ینسب إلى جده، کما حصل هنا. و کنیته أبو محمد. انظر ترجمته في ((تهذيب الكمال) وفروعه.
(٢) إسناده ضعيف.
(٣) تحرف في (س) إلى: ((الدجال)) بالدال المهملة، بدل الراء.

١٦٦
باب ١٧ / ح ٤٠٥٢ - ٤٠٥٣
فتح الباري بشرح البخاري
وما أُحِبُّ أنَّها لم تَنْزِلْ، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُهُمَا﴾.
[طرفه في: ٤٥٥٨]
٤٠٥٢ - حدَّثْنَا قُتَيبةٌ، حدَّثنا سفيانُ، عن(١) عَمْرٍو، عن جابرٍ، قال: قال لي رسولُ الله ◌َّهُ
((هل نَكَحْتَ يا جابر؟)) قلتُ: نعم، قال: ((ماذا؟ أبِكْراً أم ثَيِّاً؟» قلتُ: لا بل نَّاً، قال: ((فَهَلّا
جاريةً تُلاعبُكَ؟)) قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّ أبي قُتِلَ يومَ أَحُدٍ، وَتَرَكَ تسعَ بناتٍ، كُنَّ لي تسعَ
أَخَواتٍ، فَكَرِهْتُ أن أْمَعَ إليهِنَّ جاريةً خَرْقَاءَ مِثْلَهُنَّ، ولكنِ امرأةٌ تَمْشُطُهُنَّ، وتقومُ عليهنَّ،
قال: ((أصَبْتَ».
٤٠٥٣- حدَّثني أحمدُ بنُ أبي سُرَيج، أخبرنا عُبيدُ الله بنُ موسى، حدَّثْنَا شَيْبَانُ، عن
فيراسٍ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: حذَّثني جابرُ بنُ عبدِ الله رضي الله عنهما: أنَّ أباه استُشْهِدَ يومَ أُحدٍ،
وتَرَكَ عليه دَيناً، وتَرَكَ بِتَّ بناتٍ، فلمَّا حَضَرَ جِزازُ النَّخْلِ، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ﴾
فقلتُ: قد عَلمتَ أنَّ والدي قد استُشْهِدَ يومَ أُحُدٍ، وتَرَكَ دَيناً كثيراً، وإنّ أُحِبُّ أن يَراكَ
الغُرَماءُ، فقال: ((اذهب فَبَيَدِر كلَّ تَمْرِ على ناحيةٍ) ففَعَلْتُ، ثمَّ دَعَوتُه، فلمَّا نظروا إليه، كأنّما
أُغْرُوا بي تلكَ الساعةَ، فلمَّا رَأى ما يَصْنَعونَ أطافَ حَولَ أعظَمِها بَيدَراً ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثمَّ
جَلَسَ عليه، ثمَّ قال: ((ادْعُ لي أصحابَكَ))، فما زالَ يَكِيلُ لهم، حتَّى أدَّى الله عن والدي أمانتَه،
وأنا أرضَى أن يُؤَدِّيَ الله أمانةَ والدي، ولا أرجِعَ إلى أخَواتي بتَمْرةٍ، فسَلَّمَ الله البَيَادِرَ كلَّها،
حتَّى إنّي أَنظُرُّ إلى البَيَدَرِ الَّذِي كان عليه النبيُّ ◌َِّ، كأنَّها لم تَنْقُص تَمْرةً واحدةً.
قوله: ((باب ﴿إِذْ هَمَّت ◌َآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ الآية)) الفَشَلُ، بالفاءِ
والمعجَمة: الجُبنُ، وقيل: الفَشَل في الرَّأي: العجز، وفي البَدَنِ: الإعياءُ، وفي الحرب: الجُبن،
والوَليّ: الناصر.
وذكر المصنّف فيه أحد عشر حديثاً:
الحديث الأول:
قوله: «عن عمرو» هو ابن دینار.
(١) كذا في رواية أبي ذرِّ وحده، وفي رواية غيره: أخبرنا عمرُو.

١٦٧
باب ١٧ / ح ٤٠٥٤
كتاب المغازي
قوله: («نزلت هذه الآية فينا)) أي: في قومِه بني سَلِمةَ، وهم من الخَزرَجِ، وفي أقاربهم
بني حارثةَ، وهم من الأوسِ.
قوله: ((وما أُحِبُّ أنَّها لم تَنزِل والله يقول: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾)) أي: إنّ الآيةَ، وإن كان في
ظاهرها غَضِّ منهم، لكن في آخرها غاية الشَّرَفِ لهم.
قال ابن إسحاق: قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ أي: الدّافع عنهما ما هُمُّوا به من الفَشَلِ، لأنَّ
ذلك كان من وَسوَسة الشَّيطان، من غیر وَهَنٍ منهم في دينهم.
الحديث الثاني والثالث:
قوله: (عن عمرو)) هو ابن دینارٍ.
قوله: ((تِسعَ بناتٍ)) في رواية الشَّعبيِّ: ستَّ بناتٍ. فكأنَّ ثلاثاً منهنَّ كُنَّ مُتزوِّجاتٍ أو ٣٥٨/٧
بالعكس، وقد تقدَّم شرحُ ما تَضَمَّتَتَه الرِّوايةُ الثانيةُ في علامات النُّبوّة (٣٥٨٠)، ويأتي
شرحُ ما تَضَمَّنَتَه الرِّوايةُ الأولى في كتاب النكاح ( ٥٠٧٩ و ٥٠٨٠)، وقد تقدَّم في الجنائز
(١٣٥١) من وجهٍ آخرَ عن جابر. والغرض من إيرادِه هنا أنَّ عبدَ الله والد جابر كان مَّن
استُشهِدَ بأُحُدٍ.
وعندَ التِّرمِذيِّ (٣٠١٠) من طريق طلحةَ بن خِرَاشٍ: سمعت جابراً يقول: لَقِيَني
النبيّ وَّه فقال: ((ما لي أراك مُنكَسِراً؟» قلت: يا رسولَ الله، استُشهِدَ أبي يومَ أُحُدٍ وتَرَكَ
دَيناً وعيالاً، قال: ((أفَلا أُبَشِّرُك؟ إنَّ اللهَ قد لَقِيَ أباك، فقال: ثَنَّ عليّ، قال: تُحيِينِي فَأُقْتَلُ
فيك مرّةً أُخرَى، وأُنزِلَت هذه الآية: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ﴾
الآية [آل عمران: ١٦٩])).
٤٠٥٤- حدَّثْنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن
سَعْدِ بنِ أبي وَقّاصٍ ﴾، قال: رأيتُ رسولَ الله ◌َێ يومَ أُحُدٍ، ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما
ثِيَابٌ بِيضٌ كأشَدِّ القتال، ما رأيتُهما قبلُ ولا بَعْدُ.
[طرفه في: ٥٨٢٦]

١٦٨
باب ١٧ / ح ٤٠٥٥-٤٠٥٩
فتح الباري بشرح البخاري
٤٠٥٥- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حَدَّثْنَا مَرْوانُ بنُ مُعاوِيةَ، حدَّثنا هاشمُ بنُ هاشمِ السَّعْدِيُّ،
قال: سمعتُ سعيدَ بنَ المسيّبِ يقول: سمعتُ سَعْدَ بنَ أبي وَقّاصٍ، يقول: نَثَلَ لَيَ النبيُّ ◌ََّ كِنَانَتَه
يومَ أُحُدٍ، فقال: ((ارمٍ فِدَاكَ أبي وأُمّي)).
٤٠٥٦ - حذَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن يحيى بنِ سعيدٍ، يقولُ: سمعتُ سعيدَ بنَ المسيّبِ
يقولُ: سمعتُ سَعْداً، يقول: جَمَعَ لِيَ النبيُّ ◌َِ أَبُوَيِهِ يومَ أُحُدٍ.
٤٠٥٧ - حدّثنا قُتَيبةٌ، حدَّثنا ليثٌ، عن يحيى، عن ابنِ المسيّبِ، أنَّه قال: قال سَعْدُ بنُ أبي
وَقَّاصٍ ﴾: لقد جَمَعَ لي رسولُ اللهِ وَهِ يومَ أُحُدٍ أَبُوَيِهِ كِلاهُما - يريدُ حينَ قال: ((فِداكَ أبي
وأُمّي» - وهو يقاتل.
٤٠٥٨- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا مِسعَرٌ، عن سعدٍ، عن ابنٍ شَدّادٍ، قال: سمعتُ عليّاً.
يقول: ما سمعتُ النبيَّ ◌َِّ يَجِمَعُ أَبُوَيه لأحدٍ غیرَ سعدٍ.
٤٠٥٩- حدَّثنا يَسَرةُ بنُ صَفْوانَ، حدَّثنا إبراهيمُ، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ شَدّادٍ، عن عليٍّ ◌َـ
قال: ما سمعتُ النبيَّ وَ ◌ّ جَمَعَ أَبُوَيه لأحدٍ إلَّا لِسَعْدِ بنِ مالكٍ، فإنّي سمعتُهُ يقول يومَ أُحُدٍ:
(يا سَعْدُ، ارمِ، فِداكَ أبي وأُمِّي)).
الحديث الرابع:
قوله: (عن أبيه)) هو سعد بن إبراهيم.
قوله: ((ومعه رجلان يقاتلان عَنه)) هما جِبْريلُ وميكائيلُ. كذا وقعَ في مسلمٍ (٢٣٠٦) من
طريقٍ أُخرَى عن مِسعَرٍ (١) وفي آخره: يعني: جِبْرِيلَ وميكائيلَ.
٣٥٩/٧ قوله: ((ما رأيتهما قبلُ/ ولا بعدُ)) في رواية الطَّيالسيِّ (٢٠٣) عن إبراهيمَ بن سعدٍ: لَم
أَرَهُما قبلَ ذلك اليوم ولا بعده.
الحديث الخامس: حديث سعد. أورَدَه من وجهَينِ عن سعيد بن المسيّب عنه، ومن وجهَينِ
عن يحيى بن سعيد الأنصاريِّ عن سعيد بن المسيّب.
(١) عن سعد بن إبراهيم.

١٦٩
باب ١٧ / ح ٤٠٥٩
كتاب المغازي
وقوله في الرِّواية الثانية: ((حدَّثنا يحيى)) هو ابن سعيد القَطّان، وفي الثالثة: ليث: وهو ابن
سعد، عن يحيى: وهو ابن سعيد الأنصاريِّ، ورواية اللَّيثِ أَتمُّ.
وقوله في الرِّواية الأولَى: ((هاشم بن هاشم)) أي: ابن عُتبةَ بن أبي وقّاصٍ، وإنَّما قال في
نِسَبَتَه: السَّعديّ(١)، لأنَّه منسوب إلى عَمّ أبيه سعد، وهو جَدّه من قِبَلِ الأُمِّ.
وقوله: (نَثَلَ)) بفتح النّونِ والمثلَّثة، أي: نَفَضَ، وزناً ومعنَى، والكِنانةُ: جَعْبةُ السِّهام،
وتكونُ غالباً من جُلودٍ.
وقوله في الرِّواية الثالثة: ((كلاهما)) كذا لأبي ذرٍّ وأبي الوَقتِ، ولغيرهما: كِلَيهما. وهما
جائزان.
وقوله: ((ارمِ فِداك أبي وأُمّي)) هو تفسيرٌ لمَا في الرِّوايتَينِ الأُخرَيَينِ من قوله: جمع لي
أبویه.
ورأيت في هذا الحديث زيادة من وجهٍ آخرَ مُرسَل أخرجها ابن عائذ، عن الوليد بن
مسلم عن يحيى بن حمزة قال: قال سعد: رَمَيت بسهمٍ، فَرَدَّ عليَّ النبيّ ◌َّ سهمي، أعرِفُه،
حتَّى والَيتُ بين ثمانيةٍ أو تِسعةٍ، كلَّ ذلك يَرُدُّه عليّ، فقلت: هذا سهمُ دَم(٢)، فجعلته في
كِنانتي لا يُفارقني.
وعند الحاكم (٢٦/٣) لهذه القِصّة بيانُ سببٍ، فأخرج من طريق يونس بن بكير، وهو
في ((المغازي)) روايته، من طريق عائشةَ بنت سعد عن أبيها قال: لما جالَ الناسُ يومَ أُحُدٍ
تلك الجَولة، تَنَخَّيت، فقلت: أذودُ عن نفسي، فإمّا أن أنجوَ وإمّا أن أُسْتَشْهَد، فإذا رجلٌ
مُمٌَّ (٣) وجهه، وقد كادَ المشركونَ أن يَركَبوه، فمَلَأْ يدَه من الحصى فرَمَاهم، وإذا بيني وبينه
(١) يعني: ولم يقل: الزُّهري، فإنَّه من بني زُهْرة.
(٢) يعني سهمٌ مُدَّى، وكان الرجل إذا رمى العدوّ بسهمٍ فأصاب، ثم رماهُ به العدوُّ وعليه دمٌ جعله في
كنانته تبرُّكاً به، وسُمِّي مُدمَّى لأنه أصابه الدمُ فحصل في لونه سوادٌ وحمرةٌ مما رُمي به العدوُّ. انظر ((لسان
العرب» مادة (دمی).
(٣) تصحف في (ع) و(س) إلى: مُحمٌّّ، من الاحمرار. ومخمَّر، أي: مغطّى، وقد كان وجهه ◌َّ مغطَّى بالمغفر.

١٧٠
باب ١٧ / ح ٤٠٦٠- ٤٠٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
المقداد، فأردتُ أن أسألَه عن الرجل، فقال لي: يا سعد هذا رسول الله يَدعُوك، فقمتُ
وكأنَّه لم يُصِبني شيءٌ من الأذَى، وأجلَسَني أمامَه فجَعَلت أرمي، فذكر الحديث(١).
الحدیث السادس: أورده من وجهین.
قوله: ((عن سعد)) هو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف، وابن شَدّادٍ: هو عبد الله
كما في الرِّواية الثانية، وأبوه صحابيٌّ جَليلٌ. ويَسَرةَ، بفتح التحتانيَّة والمهمَلة. وإبراهيم: هو
ابن سعد بن إبراهيم المذکور.
قوله: ((غير سعد)) أي: ابن أبي وقّاصٍ، وهو ابن مالك، كما في الرِّواية الثانية.
وقوله فيها: ((إلّا لسعدِ بن مالكِ)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: غير سعدِ بن مالكِ.
٤٠٦٠، ٤٠٦١- حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، عن مُعتَمِرٍ، عن أبيه، قال: زَعَمَ أبو
عُثْمانَ أنَّه لم يَبْقَ مِعَ النبيِّ وَّهِ في تلكَ الأيامِ الذي يقاتلُ فيهِنَّ غيرُ طَلْحةً وسعدٍ، عن
حدیثھما.
٤٠٦٢- حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي الأسوَدِ، حدَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن محمَّدِ بنِ يوسُفَ،
قال: سمعتُ السائبَ بنَ يَزِيدَ، قال: صَحِبتُ عبد الرَّحمنِ بنَ عَوْفٍ، وطَلْحةَ بنَ عُبيدِ الله،
والمِقْدَادَ، وسَعْداً، رضي الله عنهم، فما سمعتُ أحداً منهم يُحدِّثُ عن النبيِّ وَ، إلا أنّ سمعتُ
طَلْحةَ يُحدِّثُ عن يومٍ أُحُدٍ.
٤٠٦٣ - حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا وكِيعٌ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، قال: رأيتُ
يَدَ طَلْحَةَ شَلَاءَ، وَفَى بِها النبيَّ ◌َِّ يومَ أُحُدٍ.
الحديث السابع:
قوله: «عن مُعتَمٍِ» هو ابن سليمان التيمي.
وقوله: ((زَعَمَ أبو عثمان) يعني: النّهديّ، وفي رواية الإسماعيليّ: سمعت أبا عثمان.
قوله: ((في تلك الأيام» في رواية غير أبي ذرٍّ: في بعض تلك الأيام. وهو / أبيَن، لأنَّ المرادَ
٣٦٠/٧
(١) إسناده تالف جدّاً لأجل عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي.

١٧١
باب ١٧ / ح ٤٠٦٣
كتاب المغازي
بالبعض یوم أُحُد.
وقوله: ((الذي يقاتل فيهِنَّ)) في رواية أبي ذرِّ(١): التي.
وقوله: ((غير طلحةَ)) ابن عُبيد الله ((وسعد)) ابن أبي وقّاصٍ.
وقوله: ((عن حديثهما)» یریدُ أنَّهما حَدَّثا أبا عثمان بذلك.
ووقعَ عندَ أبي نُعَيم في ((المستخرَجِ)) من طريق عُبيد الله (٢) بن معاذ عن مُعتَمِرٍ في هذا
الحدیث: قال سلیمان: فقلت لأبي عثمان: وما علمك بذلك؟ قال: عن حديثهما. وهذا قد
يُعكِّرُ عليه ما تقدَّم قريباً في الحديث الخامسِ (٤٠٥٥) أنَّ المِقِدادَ كان ثَمَّن بَقيَ معه(٣)، لكن
يحتملُ أنَّ الِقِدادَ إنَّما حَضَرَ بعد تلك الجَولة، ويحتملُ أن يكونَ انِفِرادُهما معه (٤) في بعض
المقامات، فقد روى مسلمٌ (١٧٨٩) من طريق ثابتٍ عن أنسٍ قال: أُفرِدَ رسولُ الله وَلا يومَ
أُحُدٍ في سبعةٍ من الأنصار ورجلينٍ من قُرَيشٍ. وكأنَّ المرادَ بالرجلينِ طلحةُ وسعدٌ، وكأنَّ
المرادَ بالحَصِرِ المذكورِ في حديثِ الباب تخصيصُه بالمهاجرين، فكأنَّه قال: لم يَبقَ معه من
المهاجرين غيرُ هذَينٍ، وتَعيَّنَ حَملُه على ما أوَّلته، وأنَّ ذلك باعتبار اختلاف الأحوال، وأنَّهم
تَفرَّقوا في القتال، فلمَّا وقَعَت الهزيمةُ فيمن انهزمَ وصاحَ الشَّيطانُ: قُتِلَ محمدٌ، اشتَغَلَ كُلُّ
واحدٍ منهم بِهَمِّ والذَّبِّ عن نفسِه كما في حديثِ سعد(٥)، ثمَّ عَرَفوا عن قُربٍ ببقائه، فَتَراجَعوا
إليه أوّلاً فأوَّلاً، ثمَّ بعدَ ذلك كان يَندُبُهم إلى القتال فيَشتَغِلونَ به.
وروى ابن إسحاق (٦) بإسنادٍ حَسَنٍ عن الزُّبَير بن العَوّام قال: مالَ الرُّماةُ يومَ أُحُدٍ يريدونَ
النَّهب، فأُتينا من ورائنا، وصَرَخَ صارخٌ: ألا إنَّ محمداً قد قُتِل، فانكَفَأنا راجعين، وانكَفَأ
(١) الذي في اليونينية و ((إرشاد الساري)) أنَّ هذه رواية الكشميهني فقط من بين شيوخ أبي ذر الثلاثة.
(٢) تحرف في (س) إلى: عبد الله. بالتكبير. وإنما هو عُبيد الله بن معاذ العنبري.
(٣) بل لا يعكر عليه، فالحديث المذكور هناك أخرجه الحاكم ٢٦/٣ بإسناد تالف، فتنبه!
(٤) تحرف في (س) إلى: عنه.
(٥) الذي أخرجه الحاكم ٢٩/٣، وغيره، بسند واوٍ كما تقدم.
(٦) كما في («سيرة ابن هشام)) ٢/ ٧٧ -٧٨.

١٧٢
باب ١٧ / ح ٤٠٦٣
فتح الباري بشرح البخاري
القومُ علينا.
وسَمَّى ابن إسحاق في ((المغازي))(١) بإسنادٍ له: أنَّ جُملةَ مَن استُشهِدَ من الأنصار الذين
بَقُوا مع النبيِّ وَّهِ يومَئذٍ زيادُ بنُ السَّكَنِ - قال: وبعضُهم يقول: عمارةُ بنُ زياد بن السَّكَنِ -
في خمسةٍ من الأنصار. وعندَ ابنِ عائذٍ(٢) من مُرسَلِ المطَّلِب بن عبد الله بن حَنطَبِ: أنَّ
الصحابةَ تَفرَّقوا عن النبيِّ وَّهِ يومَ أُحُدٍ حتَّى بَقيَ في اثني عشرَ رجلاً من الأنصار.
وللنَّسائيِّ (٣١٤٩) والبيهقيّ في ((الدَّلائلِ)) (٢٣٦/٣) من طريق عمارةَ بن غَزِيَّة عن أبي
الزُّبَير عن جابر قال: تَفرَّقَ الناس عن النبيّ وَّهِ يومَ أُحُدٍ، وبقيَ معه أحدَ عشرَ رجلاً من
الأنصار وطلحة. وإسناده جيِّد(٣)، وهو كحديثٍ أنسٍ(٤)، إلّا أنَّ فيه زيادة أربعة، فلعلَّهم
جاؤوا بعد ذلك.
وعند محمد بن سعد (٤٢/٢) أنَّ ثَبَتَ معه أربعةَ عشرَ رجلاً: سبعة من المهاجرين،
منهم أبو بكر، وسبعة من الأنصار. ويُجمَعُ بينه وبين حديث الباب بأنَّ سعداً جاءهم بعد
ذلك كما في حديثه الذي قَدَّمته في الحديث الخامسِ(٥) (٤٠٥٥)، وأنَّ المذكورين من الأنصار
استُشهِدوا كما في حديث أنسٍ، فإنَّ فيه عند مسلم (١٧٨٩): فقال النبيّ وَّ: «مَن يَرُدُّهم عنَّاً
وهو رَفيقي في الجنَّة؟)) فقامَ رجل من الأنصار، فذكر أنَّ المذكورين من الأنصار استُشهِدوا
كلَّهم. فلم يَبَقَ غيرُ طلحة وسعد (٦)، ثمَّ جاء بعدهم مَن جاء. وأمَّا الِقِدادُ فيحتمل أن يكون
استَمرَّ مُشْتَغِلاً بالقتال، وسيأتي بيانُ ما جَرَى لَطِلِحةَ بعدَ هذا.
وذكر الواقديُّ في ((المغازي)) (١/ ٢٤٠) أنَّه ثَبَتَ يومَ أُحُدٍ من المهاجرين سبعة: أبو
بكر وعليّ وعبد الرحمن بن عَوْف وسعد وطلحة والزُّبَير وأبو عبيدة، ومن الأنصار: أبو
(١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٨١.
(٢) سبق أنه أيضاً عند أبي إسحاق الفزاري في ((السير)) (٣٠٦). لكنه زاد: وحليف لقريش.
(٣) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو كذلك لولا عنعنة أبي الزبير محمد بن مسلم المكي.
(٤) الذي عند مسلم (١٧٨٩)، وقد ذكره الحافظ قريباً.
(٥) قدَّمنا أنه رُويَ بسند واهٍ، فلا يصلح حُجَّة للجمع بين الروايات.
(٦) لم يُسمِّهما مسلم، لكن جاءت تسميتهما في حديث أبي عثمان النهدي عنهما. وهو في هذا الباب.

١٧٣
باب ١٧ / ح ٤٠٦٣
كتاب المغازي
دُجَانَةَ والحُبَاب بن المنذر وعاصم بن ثابت والحارث بن الصِّمّة وسَهل بن حُنَيفٍ وسعد
ابن معاذ وأُسَيد بن حُضَير، وقيل: إنَّ سعد بن عُبَادة ومحمد بن مَسلَمةَ بَدَل الأخيرَينِ.
وإِن ثَبَتَ ◌ُِلَ على أَّهم ثَبَتوا في الجملة، وما تقدَّم فيمن حَضَرَ عندَه ◌َّهِ أَوَّلاَ فأوَّلاً، والله
أعلم.
الحديث الثامن:
قوله: ((عن محمد بن يوسُف)) هو الكنْديّ، والسائب بن يزيد صحابيُّ صغيرٌ.
قوله: ((إلّا أنّ سمعت طلحةَ)) يعني: ابن عُبيد الله ((يُحدِّثُ عن يومٍ أُحُدٍ)). وقد تقدَّم
شرحُ هذا الحديث في الجهاد (٢٨٢٤).
ووقعَ عند أبي يَعْلى من وجهٍ آخرَ عن السائب بن يزيد: أنَّ طلحة ظاهرَ يومَ أُحُدٍ بين
دِرعَينِ(١). وذكر ابن إسحاق(٢) أنَّ طلحةَ جَلَسَ تحت النبيّ وَلَ حتَّى صَعِدَ الجبل، قال:
فحدَّثني يحيى بن عبّادِ بن عبد الله بن الزُّبَير عن أبيه عن جَدّه(٣)/ عبد الله بن الزُّبَير، قال: ٣٦١/٧
سمعت النبيَّ وَِّ يومَئذٍ يقول: ((أوجَبَ طلحة))(٤).
الحديث التاسع:
قوله: ((عن إسماعيل)) هو ابن أبي خالد، و((قيس)) هو ابن أبي حازم.
وقوله: ((رأيت يَدَ طلحةَ)) أي: ابن عُبيدِ الله.
وقوله: ((شَلّاءَ)) بفتح المعجَمة وتشديد اللّام مع المدِّ، أي: أصابها الشَّلَل، وهو ما يُبطِلُ
(١) كذا قال الحافظ رحمه الله، وهو خطأ، لأنَّ الذي رواه السائب أنَّ النبي ◌َّ هو الذي ظاهر بين درعين يوم
أحد، وليس طلحة. وكذلك جاء في ((مسند أبي يعلى)) (٦٥٩)، وهو أيضاً عند أحمد (١٥٧٢١)، والنسائي في
(الکبری» (٨٥٢٩)، وغيرهما.
(٢) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٨٦/٢.
(٣) في (س): عن جده عن عبد الله بن الزبير. ولفظة ((عن)) الثانية مقحمة.
(٤) أخرجه من طريق ابن إسحاق أحمد (١٤١٧)، والترمذي (١٦٩٢)، وغيرهما.

١٧٤
باب ١٧ / ح ٤٠٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
عملَ الأصابع أو بعضِها.
قوله: (وَفَى بها النبيَّ ◌َّهِ يومَ أَحُدٍ)) وَقَعَ بيان ذلك عند الحاكم في ((الإكليلِ) (١) من طريق
موسى بن طلحةً: أنَّ طلحة جُرِحَ يومَ أُحُدٍ تِسعاً وثلاثين أو خمساً وثلاثين، وشُلَّت إصبعه
أي: السَّابة والتي تَليها.
وللطَّيالسيِّ (٦) من طريق عيسى بن طلحةً عن عائشةَ، قالت: كان أبو بكر إذا ذكر
یوم ◌ُحُدٍ، قال: كان ذلك اليوم كلُّه لطلحة. قال: كنت أوَّل مَن فاء فرأيت رجلاً يقاتل عن
رسولِ الله وَّ، قال: فقلت: كُن طلحة، قلت: حيثُ فاتَني يكون رجل من قومي، وبيني
وبين المشرق رجلٌ (٢) فإذا هو أبو عُبيدة، فانتَهَينا إلى رسولِ الله وَلَه فقال: ((دونَكُما صاحبَكُم)»
يريدُ طلحةَ، فإذا هو قد قُطِعَت إصبَعُه، فأصلحنا(٣) من شأنِه.
وفي حديثٍ جابر عند النَّسائيِّ (٣١٤٩) قال: ((فأدرَكَ المشركونَ رسولَ اللهِ وَلّه فقال:
((مَن للقومِ؟)) فقال طلحةُ: أنا، فذكر قتلَ الذين كانوا معهما من الأنصار، قال: ثُمَّ قاتَلَ
طلحةُ قتالَ الأحدَ عشرَ حتَّى ضُرِبَت يَدُه فقُطِعَت أصابعُه، فقال: حَسِّ(٤)، فقال النبيّ
وَّ: (لو قلتَ: باسم الله، لَرَ فَعَتك الملائكةُ والناسُ يَنظُرُون)) قال: ثمَّ رَذَّ الله المشركين.
٤٠٦٤ - حدَّثنا أبو مَعمَرٍ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا عبدُ العزيزِ، عن أنسٍ ﴾، قال: لمَّا
كان يومَ أُحُدٍ، انهَزَمَ الناسُ عن النبيِّ وَّهِ، وأبو طَلْحَةَ بينَ يَدَيِ النبيِّ ◌َّهُ مُجُوِّبٌ عليه بحَجَفةٍ
(١) وهو أيضاً عند ابن المبارك في ((الجهاد)) (٩٢)، وابن سعد ٢١٨/٣، لكن جاء عندهما أنَّ طلحة رجع
يومئذ بخمس وسبعين أو سبع وثلاثين ضربة، رُبِعَ فيها جبينُهُ، وقُطِعَ عرقُ نَسَائِه، وشَلّت إصبَعُه التي
تلي الإبهام.
(٢) المثبت من النسختين المحققتين من ((مسند الطيالسي))، وهو كذلك عند البيهقي في ((الدلائل)) ٢٦٣/٣
من طريق الطيالسي. وفي الأصلين و(س): وبيني وبينه رجل من المشركين فإذا هو أبو عبيدة. وهو
تحريف قبيح، وجاء على الصواب في ((المطالب العالية)) (٤٢٧١).
(٣) في (س): فلما أصلحنا، وهو خطأ.
(٤) تحرفت في (أ) و(س) إلى: حسن. وجاءت على الصواب في (ع). وقال ابن الأثير في ((النهاية)) هي بكسر
السين والتشديد: كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مَضَّهُ وأحرقه غفلة، كالجمرة والضربة ونحوهما.

١٧٥
باب ١٧ / ح ٤٠٦٥
كتاب المغازي
له، وكان أبو طَلْحةَ رجلاً رامِياً شديدَ النَّزْعِ، كَسَرَ يومَئذٍ قَوسَينٍ أو ثلاثاً، وكان الرجلُ يَمُُّ
معه بجَعْبةٍ مِن النَّبْلِ، فيقول: ((انثُرُها لأبي طَلْحَةَ)) قال: ويُشْرِفُ النبيُّ وَلِهِ يَنظُرُ إلى القومِ،
فيقول أبو طَلحةَ: بأبي أنتَ وأُمّي! لا تُشِفْ، يُصِبْكَ سَهْمٌ من ◌ِهامِ القومِ، نَحري دونَ
نَحْرِكَ، ولقد رأيتُ عائشةَ بنتَ أبي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيم، وإِنَّمَا لَمُشَمِّرنانِ أَرَى خَدَمَ سُوقِهما، تُنْقِزان
القِرَبَ على مُتوضِهما، تُفْرِغانِه في أفواه القومِ، ثمَّ تَرْجِعان فَتَمْلآتِها، ثمَّ تَجِيئان فتُفْرِغانه في أفواه
القومِ، ولقد وَقَعَ السَّيفُ من يَدِ أبِي طَلْحةَ، إمّا مَرَّتَينِ وإمّا ثلاثاً.
٤٠٦٥ - حدَّثني عُبيدُ الله بنُ سعيدٍ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، عن
عائشةَ رضي الله عنها: قالت: لمَّا كان يومَ أُحُدٍ هُزِمَ المشْرِكونَ، فصَرَخَ إِيلِيسُ لَعْنَةُ الله عليه:
أيْ عبادَ الله، أُخْرَاكُمْ! فَرَجَعَت أُولَاهم، فاجْتَلَدَت هي وأُخْراهم، فبَصُرَ حُذَيفةُ، فإذا هو بأبيه
اليَمَان، فقال: أيْ عبادَ الله، أبي أبي! قال: قالت: فوالله ما احتَجَزوا حتَّى قَتَلوه، فقال حُذَيفةُ:
يَغْفِرُ الله لكُم. قال عُرْوةُ: فوالله ما زالَت في حُذَيفةَ بَقِيَّةُ خيرٍ حَتَّى لَحِقَ بالله عزَّ وجلَّ.
٣٦٢/٧
الحديث العاشر:
قوله: «عبد العزیز)) هو ابن صُهَیبٍ.
قوله: ((انهَزَمَ الناس)) أي: بعضُهم، أو أطلقَ ذلك باعتبار تَفُّقِهم كما تقدَّم بيانُه.
والواقع أنَّهم صاروا ثلاث فِرَقِ: فِرِقَةٌ استَمرّوا في الهزيمة إلى قُرب المدينة فما رجعوا حتَّى
انقضى القتالُ، وهم قليلٌ، وهم الذين نزلَ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَ
اَلْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وفِرقةٌ صاروا حَيارَى لمَّا سمعوا أنَّ النبيَّ وَِّ قُتِلَ، فصارَ
غايةُ الواحدِ منهم أن يَذُبَّ عن نفسِه أو يَستَمِّرَّ على بَصيرَتِه في القتال إلى أن يُقْتَل، وهم
أكثرُ الصحابة، وفِرقةٌ ثَبَتَت مع النبيِّ ◌ََّ، ثُمَّ تَراجَعَ إليه القسمُ الثاني شيئاً فشيئاً لمَّا
عَرَفوا أنَّه حَيٍّ، كما بيَّتُه في الحديث السابع (٤٠٦٠)، وبهذا يُجمَعُ بين مُخْتَلِفِ الأخبار في
عِدّة مَن بَقِيَ مع النبيِّ وَّةِ، فعندَ محمدٍ بن عائذٍ من مُرسَلِ المطّلِب بن حَنطَبٍ: لم يَبَقَ معه
سِوى اثنَي عشرَ رجلاً، وعند ابن سعد (٢/ ٤٢): ثَبَتَ معه سبعةٌ من الأنصار وسبعةٌ من

١٧٦
باب ١٧ / ح ٤٠٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
قُرَيشٍ، وفي مسلمٍ (١٧٨٩) من حديث أنسٍ: أَفْرِدَ في سبعةٍ من الأنصار ورجلينٍ من
قُرَيشٍ: طلحة وسعد(١)، وقد سَرَدَ أسماءَهم الواقديّ، واقتَصَرَ أبو عثمان النَّهْدِيُّ على ذِكْر
طلحةَ وسعد وهو في الصحیح(٢).
وأخرج الطَّبَرُّ (١١١/٤-١١٢) من طريق السُّدّيّ: أنَّ ابنَ قَمِئَة لمَّا رَمَى النبيَّ ◌ِ له
وكَسَرَ رَباعيَتْه وشَجَّه في وجهه، وتَفرَّقَ الصحابةُ مُنهَزِمين، وجَعَلَ يدعوهم، فاجتمع إليه
منهم ثلاثونَ رجلاً، فذكر بقيَّةَ القِصّة.
قوله: ((وأبو طلحة)) هو زيد بن سَهل الأنصاريّ، وهو زوج والدة أنس، وكأن أَنساً(٣)
حَلَ هذا الحديث عنه.
قوله: ((مُجُوِّبٌ)) بضمٍّ أوَّلِه وفتح الجيم وتشديد الواو المكسورة بعدَها موحَّدة، أي:
مُتَرِّسٌ، ويقال للتُّرسِ: جَوْبةٌ، والحَجَفةُ، بفتح المهمَلة والجيم والفاءِ: هي التُّرس.
قوله: ((شديد النَّرع)) بفتح النّونِ والزّاي الساكنة ثمَّ المهمَلة، أي: رَمي السَّهم، وتقدَّم
في الجهاد (٢٩٠٢) من وجهٍ آخرَ بلفظ: كان أبو طلحة حَسَنَ الَّمي، وكان يَتَتَرَّسُ مع
النبيِّ بُِّ بُرْسٍ واحدٍ.
قوله: ((كَسَرَ يومَئذٍ قَوسَينٍ أو ثلاثاً) أي: من شِدّة الرَّمي.
قوله: ((بجعبةٍ)) بضمِّ الجيم(٤) وسكونِ العين المهمَلة بعدَها موخَّدة: هي الآلة التي تُوضَعُ
فيها السِّهام.
قوله: ((لا تُشْرِف)) بضمِّ أوَّلِه وسكونِ المعجَمة، من الإشراف، ولأبي الوقتِ: بفتح أوَّلِه
(١) ليس عنده تسميتهما، لكن حمل الحافظ حديث أنس هذا على حديث أبي عثمان النهدي الذي عند البخاري
(٤٠٦٠) فسماهما، والله أعلم.
(٢) تقدم قريباً برقم (٤٠٦٠).
(٣) في (س): وكان أنسٌ. على الجزم، والمثبت من الأصلين.
(٤) كذا ضبطها الحافظ رحمه الله بضم الجيم، ولم نجد أحداً ضبطها كذلك، ولكنهم ضبطوها بالفتح، ولذلك
قال العيني في ((عمدة القاري)) ١٧ /١٥١: ضبطها بعضهم بضم الجيم، وما أراه إلّ غلطاً.

١٧٧
باب ١٧ / ح ٤٠٦٥
كتاب المغازي
وفتح(١) الشّينِ أيضاً وتشديد الراءِ، وأصلُه: تَتَشَرَّف، أي: لا تَطلُب الإشرافَ عليهم.
قوله: ((يُصِبْك)) بسكونِ الموحّدة، على أنَّه جوابُ النَّهي. ولغير أبي ذرٍّ: يُصيبك، بالرَّفع،
وهو جائز على تقديرٍ، كأنَّه قال مثلاً: لا تُشِرِف، فإنَّه يُصيبك.
قوله: ((نَحْري دون نَحرِك)) أي: أفديك بنفسي.
قوله: ((ولقد رأيت عائشةَ بنتَ أبي بكر)) أي: أمَّ المؤمِنِين ((وأُمَّ سُلَيم)) أي: والدة أنسٍ.
قوله: ((أَرَى خَدَمَ سُوقِهما)) بفتح المعجَمة والمهمَلة، جمعُ خَدَمةٍ: وهي الخلاخيل، وقيل:
الخَدَمةُ: أصلُ الساق، والسُّوقُ جمعُ ساقٍ، وقد تقدَّم في الجهاد (٢٨٨٠)، وكذا شرحُ قولِه:
تُنقِزان القِرَب. والاختلافُ في لفظه.
قوله: ((ولقد وَقَعَ السَّيفُ من يدِ أبي طلحةَ)) في رواية الأَصِيلِيِّ: من يَدَي، بالتثنية.
قوله: ((إمّا مَرَّتَينِ وإمّا ثلاثاً)) زاد مسلمٌ (١٨١١) عن الدَّارِمِيِّ عن أبي مَعمَر شيخٍ
البخاريِّ فيه، بهذا الإسناد: من النُّعاس. فأفادَ سببَ وقوعِ السَّيفِ من يدِهِ، وسيأتي
(٤٠٦٨) بعدَ بابٍ من وجهٍ آخرَ عن أنس عن أبي طلحة: كنت فيمن تَغَشّاهُ النُّعاسُ يومَ
أُحُدٍ حتَّى سَقَطَ سيفي من يَدِي مِراراً. ولأحمد(٢) والحاكم (٢/ ٢٩٧) من طريق ثابتٍ عن
أنسٍ (٣): رَفَعتُ رأسي يومَ أُحُدٍ، فجَعَلتُ أَنظُرُ وما منهم من أحدٍ إلّا وهو يومئذٍ يَميلُ
تحتَ حَجَفَتِهِ من النُّعاس؛ وهو قوله تعالى: ((إِذْ يَغْشاكُم النُّعاسُ(٤) أَمَنَةً منه))(٥).
(١) في (س): وسكون، وهو خطأ.
(٢) لم نقف عليه في ((مسند أحمد))، فلعله في بعض كتبه الأخرى، وهو في ((المسند)) (١٦٣٥٧) بنحوه، لكن من طريق
قتادة عن أنس عن أبي طلحة. ثم إنه عند الترمذي (٣٠٠٧)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١١٣٤) من طريق
ثابت. وقد فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه منهما.
(٣) يعني عن أبي طلحة.
(٤) هذه قراءة ابن كثير المكي وأبي عمرو بن العلاء البصري، وقرأ نافع وأبو جعفر المدنيان: ((يُغْشِيكم
النعاسَ))، وقرأ الباقون: ﴿يُغَشِّيَكُمُ النُّعَاسَ﴾. انظر ((النشر في القراءات العشر)) ٢٧٦/٢.
(٥) هذه الآية إنما نزلت في يوم بدرٍ، وأما الآية التي نزلت في يوم أحد فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ =

١٧٨
باب ١٧ / ح ٤٠٦٥
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث الحادي عشر:
قوله: ((لمَّا كان يوم أُحُدٍ هُزِمَ المشركون، فصَرَخَ إبليسُ: أيْ عبادَ الله، أُخْراكُم)) أي:
احتَرِزوا من جِهة أُخراكُم، وهي كلمةٌ تُقالُ لمن يَخْشَى أن يُؤتَى عندَ القتال من ورائه، وكان
ذلك لمَّا تَرَكَ الرُّماةُ مكانَهم، ودخلوا يَنتَهِبونَ عَسكَرَ المشركين كما سَبَقَ بیانُه.
قوله: ((فَرَجَعَت أُولاهم، فاجتَلَدَت هي وأُخراهم)) أي: وهم يَظُنّونَ أنَهم من العدوِّ،
٣٦٣/٧ وقد / تقدَّم بيانُ ذلك من حديثِ ابن عبّاسِ الذي أخرجه أحمدُ (٢٦٠٩) والحاکمُ (٢/
٢٩٦-٢٩٧)، وأنَّهم لمَّ رجعوا اختَلَطُوا بالمشركين والتَبسَ العسكران، فلم يَتَميَّزوا، فَوَقَعَ
القتلُ في المسلمین، بعضهم من بعضٍ.
قوله: ((فبَصُرَ حُذَيفةُ فإذا هو بأبيه اليَمَان، فقال: أيْ عبادَ الله، أبي أبي)) هو بفتح الهمزة
وتخفيفِ الموحّدة وأعادَها تأكيداً، وإنَّما ضبطتُه لئلّا يُصَحَّفَ بأَبيّ، بضمِّ الهمزة وفتح
الموحّدة مع التشديد.
وأفادَ ابن سعدٍ أنَّ الذي قَتَل اليَمَان خطأً عُتبةُ بن مسعود أخو عبد الله بن مسعود،
وهو في ((تفسير عبدٍ بن حُيدٍ)) من وجهٍ آخرَ عن ابن عبّاسٍ، وذكر ابن إسحاق(١) قال:
حدَّثني عاصم بن عمر عن محمود بن لَبيد، قال: كان اليَمَان والد حُذَيفة وثابت بن وَقْشٍ
شيخَينِ كبيرَينٍ، فَتَرَكَهما رسولُ اللهِّالِ مع النِّساءِ والصِّبيان، فتَذاكرا بينهما ورَغِبا في الشَّهادة،
فأخَذا سيفَيهما ولَقا بالمسلمين بعدَ الهزيمة، فلم يَعرِفوا بهما، فأمَّا ثابت فقَتَلَه المشركون،
وأمَّا اليَمَان فاختلفت عليه أسيافُ المسلمين فقَتَلوه ولا يَعرِفونَه.
قوله: ((قال عُرْوة ... )) إلى آخره، تقدَّم بيانه في المناقب (٣٨٢٤). وفي رواية ابنٍ إسحاق:
فقال حُذَيفة: قَتَلتُم أبي، قالوا: والله ما عَرَفناه، وصَدَقوا، فقال حُذَيفة: يَغْفِرُ الله لكُم، فأراد
رسولُ اللهِ وَّ﴿ِ أن يَدِيَه، فَتَصَدَّقَ حُذَيفةُ بِدِيَتِه على المسلمين، فزادَه ذلك عندَ رسولِ الله
= الْغَمِّ أَمَنَّةُ نُّعَاسًا يَغْشَىْ طَآئِفَةٌ مِّنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. انظر ((تفسير ابن كثير)) ١٢٤/٢-١٢٥.
(١) كما في ((سيرة ابن هشام)» ٢/ ٨٧.

١٧٩
باب ١٨ / ح ٤٠٦٦
كتاب المغازي
وَ خيراً. وفيه تَعقُّبٌ على ابنِ التّينِ حيثُ قال: إنَّ الراويَ سَكَتَ في قتلِ اليَمَان عمَّا يجبُ
فيه من الدِّية والكفَّارة، فإمّا أن تكونَ لم تُفرَض يومَئذٍ، أو اكتَفَى بعِلْمِ السامعِ.
١٨ - ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾ [آل عمران: ١٥٥]
٤٠٦٦- حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا أبو حمزةَ، عن عُثْمَانَ بنِ مَوْهَبٍ، قال: جاء رجلٌ حَجَّ
البيتَ، فَرَأى قوماً جُلوساً، فقال: مَن هؤُلاءِ القُعود؟ قالوا: هؤلاءِ قُرَيشٌ، قال: مَنِ الشيخُ؟
قال: ابنُ عمَرَ، فأتاه فقال: إنّ سائلُكَ عن شيءٍ، أَتُحدِّثُني؟ قال: أَنْشُدُكَ بخُرْمةِ هذا البيتِ
أَتَعْلَمُ أنَّ عُثْمانَ فَّ يومَ أُحُدٍ؟ قال: نعمْ، قال: فَتَعْلمُه تَغْيَّبَ عن بَدْرٍ، فلم يَشْهَدْها؟ قال: نعمْ،
قال: فتعلمُ أنَّه تَخَلَّفَ عن بيعةِ الرِّضْوان، فلم يَشهَدْها؟ قال: نعم، قال: فكَبَّرَ، فقال ابنُ عمَرَ:
تَعالَ لِأُخْبِرَكَ، ولأُبيِّنَ لكَ عَّا سألتَني عنه: أمَّا فِرَارُه يومَ أُحُدٍ، فَأَشهَدُ أنَّ الله عَفَا عنه، وأمَّا
تَغْيُِّه عن بَدْرٍ، فإِنَّه كان تحتَه بنتُ النبيّ ◌َِّ، وكانت مَرِيضةً، فقال له النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّ لكَ أَجْرَ
رجلٍ ممَّن شَهِدَ بَدْراً وسَهْمَه)) وأمَّا تَغْيِّبُه عن بيعةِ الرِّضْوان، فإِنَّه لو كان أحدٌ أعَزَّ بَبَطْنِ مَكَّةَ
من عُثْمَانَ لَبَعَثَه مكانَه، فَبَعَثَ عُثْمَانَ، وكان بيعةُ الرِّضْوان بعدَما ذهب عُثْمانُ إلى مكَّةَ، فقال
النبيُّ ◌َ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: ((هذِهِ يَدُ عُثْمَانَ)) فضَرَبَ بها على يدِه، فقال: ((هذِهِ لِعُثْمَانَ)) اذهب بها الآنَ
مَعَكَ.
قوله: ((﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾) أَتَّفَقَ أهلُ العلم بالنَّقْلِ على أنَّ المرادَ
به هنا: يومٍ أُحُد. وغَفَلَ مَن قال: يوم بدرٍ، لأنَّه لم يُوَلِّ فيها أحدٌ من المسلمين. نعم، المراد بقوله
تعالى: ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَّقَى الْجَمْعَانِ﴾ وهي في سورة الأنفال [٤١]:
يوم بدرٍ، ولا يَلزَمُ منه أن يكونَ حيثُ جاء: ﴿الْنَقَى الْجَمْعَانِ﴾ المرادُ به يوم بدرٍ.
قوله: ((﴿أَسْتَزَلَّهُمُ﴾))، أي: زَيَّنَ لهم أن يَزِلّوا. وقوله: ﴿يِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ قال ابن
التِّين: يقال: إنَّ الشَّيطان / ذَكَّرَهم خَطاياهم، فكَرهوا القتالَ قبلَ التوبة، ولم يَكرَهوه مُعاندة ٣٦٤/٧
ولا نِفاقاً، فعَفا الله عنهم. قلت: ولم يَتَعيَّن ما قال، فيحتملُ أن يكونوا فرّوا جُبناً وتَحَبّةً في الحياة،
لا عِناداً ولا نِفاقاً، فتابوا فعَفا الله عنهم.

١٨٠
باب ١٩ / ح ٤٠٦٧
فتح الباري بشرح البخاري
ثمَّ ذكر حديثَ ابن عمرَ في قِصّة عثمان، وقد تقدَّم شرحُه في مناقب عثمان (٣٦٩٨)،
وقَدَّمت أنّي لم أقِف على اسمِه صريحاً(١)، إلّا أنَّه يحتملُ أن يكونَ هو العلاءَ بنَ عَرارٍ. ثُمَّ
رأيت لبعضهم أنَّ اسمَه حَكِيمٌ، فليُحرَّر. وفي الرِّواية المتقدِّمة أنَّه من أهلِ مِصر، ثمَّ وجدت
الجزمَ بالعلاءِ بن عَرارٍ، وهما بالمهمَلات، وذلك في مناقب عثمان(٢)، ويأتي بأبسط من ذلك
في تفسيرِ: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ﴾[١٣٩] من سورة البقرة (٤٥١٤).
وقوله في هذه الرِّوايةِ: ((أنشُدُك بحُرمة هذا البيت)) فيه جواز مِثل هذا القَسَم عند ابن
عمر (٣)، لكَونِه لم يُنكِرِ عليهِ، وسيأتي البحث في شيءٍ من هذا في كتاب الأيمان والنُّدُورِ إن
شاء الله تعالى(٤).
قوله: ((إنّ سائلُك عن شيءٍ، أُحدِّثُني؟)) زاد في رواية أبي نُعَيم المذكورة(٥): قال: نعم.
١٩ - بابٌ ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَى أَحَدٍ﴾
إلى قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣]
﴿تُصْعِدُونَ﴾: تَذْهَبونَ، أصْعَدَ، وصَعِدَ فوقَ البيتِ.
٤٠٦٧ - حدَّثني عَمْرو بنُ خالدٍ، حدَّثنا زُهَيرٌ، حذَّثنا أبو إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ بنَ
عازِبٍ رضي الله عنهما قال: جَعَلَ النبيُّ نَّهِ على الرَّجَالِ يومَ أُحُدٍ عبدَ الله بنَ جُبَيٍ، وأقبَلوا
مُنْهَزِمِينَ، فذاكَ إذ يَدْعُوهمُ الرَّسولُ في أُخْراهم.
(١) يعني اسم الذي سأل ابن عمر.
(٢) ذكر الحافظ في مقدمته في فصل من يُذكر بلقبٍ ونحوه، أنه وقف على اسمه عند النسائي في الخصائص،
ثم أعاد ذكره في فضائل الصحابة: باب قول النبي ◌ِّ: ((سدُّو الأبواب إلّا باب أبي بكر))، عند شرح
الحديث (٣٦٥٤). قلنا: هو عند النسائي في ((الكبرى)) (٨٤٣٧) في ((باب خصائص علي بن أبي طالب))،
وقال فيه: سأله ابن عمر ... فذكر بعض حديث الباب.
(٣) تحرف في (س) إلى: عند أثر عبد الله بن عمر.
(٤) انظر البابين (١٢) و(١٣) من كتاب الأيمان والنذور.
(٥) لم يتقدم لرواية أبي نعيم ذكر، ولعلها رواية ((المستخرج))، والله أعلم.