Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ باب ١٦ كتاب المغازي مَن أعان على رسول الله وَ له بيَدِه أو مالِه أو لِسانِهِ. وجوازُ التجسُّس على أهلِ الحرب وتَطَّلُّبٍ غِرَّتِهِم. والأخذُ بالشِّدّة في مُحارَبة المشركين. وجوازُ إبهام القولِ للمَصلَحة، وتَعرُّضِ القليلِ من المسلمين للكثير من المشركين، والحُكمُ بالدَّليلِ والعلامة لاستدلال ابنِ عَتِيكٍ على أبي رافعٍ بصوتِهِ، واعتمادِه على صوتِ الناعي بموتِه، والله أعلم. ١٦ - باب غَزْوة أُحُدٍ وقولِ الله تعالى: ﴿ وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِىُ اُلْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالُ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمُ [آل عمران: ١٢١] وقوله جلَّ ذِكرُه: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْ مِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٩ -١٤٣] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُونَهُم﴾: تَستأصِلُونَهم قتلاً ﴿بِإِذْنِهِ،﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢] وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا ﴾ الآيةَ [آل عمران: ١٦٩]. قوله: ((باب غزوةٍ أُحُدٍ)) سَقَطَ لفظ ((باب)) من رواية أبي ذرٍّ. وأُحُدٌ، بضمِّ الهمزة والمهمَلة: جبلٌ معروفٌ بينه وبين المدينة أقلُّ من فرسَخٍ. وهو الذي قال فيه ◌َّ: ((جبلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّه)) كما سيأتي (٤٠٨٣) في آخرِ بابٍ من / هذه الغزوة، مع مَزيدٍ فوائدَ فيما يتعلَّقُ به. ٣٤٦/٧ ونَقَلَ السُّهَيليُّ عن الزُّبَير بن بكّارٍ في فضل المدينة: أنَّ قبر هارونَ عليه السلام بأُحُدٍ، وأنَّه قَدِمَ مع موسى في جماعةٍ من بني إسرائيلَ حُجّاجاً فماتَ هناك. قلت: وسندُ الزُّبَير بن بكّارٍ في ذلك ضعيفٌ جدّاً من جهة شيخِه محمد بن الحسن بن زُبالة، ومُنقَطِعٌ أيضاً وليس بمرفوعٍ. وكانت عندَه الوقعة المشهورة في شَوّال سنةَ ثلاثٍ باتِّفاق الجمهورِ، وشَذَّ مَن قال: سنة أربعٍ. قال ابن إسحاق: لإحدى عشرةَ ليلةً خَلَت منه، وقيل: لسبع لَیالٍ، وقيل: لثمانٍ، وقيل: ليتسعِ، وقيل: في نصفِهِ، وقال مالكٌ: كانت بعدَ بدرٍ بسنةٍ، وفيه تَجُّزٌ لأنَّ بدراً كانت في رمضان باتِّفاقٍ، فهي بعدَها بسنةٍ وشهرٍ لم يَكمُّل، ولهذا قال مَرّة أُخرَى: كانت بعدَ ١٤٢ باب ١٦ فتح الباري بشرح البخاري الهجرة بأحدٍ وثلاثين شهراً. وكان السَّبَب فيها ما ذكر ابنُ إسحاق عن شيوخِه، وموسى بنُ عُقْبة عن ابن شِهاب، وأبو الأسوَد عن عُرْوةَ، قالوا - وهذا مُلخَّصُ ما ذكره موسى بن عُقْبةٍ (١) في سياق القِصّة كلِّها، قال -: لمَّا رَجَعَت قُرَيشٌ اسْتَجِلَبوا مَن استَطاعوا من العرب وسارَ بهم أبو سفيان حتَّى نزلوا ببطنِ الوادي من قِبَلِ أُحُدٍ. وكان رجالٌ من المسلمين أسِفوا على ما فاتَهم من مَشهَدٍ بدرٍ وتَّوا لقاءَ العدوِّ، وأُريَ رسولُ اللهِ وَّهِ ليلة الجمعة رُؤيا، فلمَّا أصبَحَ قال: ((رأيت البارحة في منامي بَقَراً تُذبَح، والله خيرٌ وأبقَى، ورأيت سيفي ذا الفَقار انقَصَمَ من عندِ ظُيَتِه - أو قال: به فُلولٌ - فكرهتُه، وهما مُصيبَتان، ورأيت أنّ في دِرعِ حَصينةٍ وأنّ مُردِفٌ كَبشاً) قالوا: وما أوَّلْتَها؟ قال: ((أوَّلتُ البقَرَ بَقْراً يكون فينا، وأوَّلتُ الكَبشَ كَبِشَ الكَتيبة، وأوَّلتُ الدِّرعَ الحصينةَ المدينةَ(٢)، فامكُثوا، فإن دَخَلَ القوم الأزِقّةَ قاتَلناهم، ورُموا من فوقِ البُيوتِ)) فقال أولئكَ القومُ: يا نبيَّ الله، كنَّا نَتَمنَّى هذا اليوم، وأَبى كثيرٌ من الناس إلّا الخروجَ، فلمَّا صَلَّى الجُمعةَ وانصَرَفَ دَعَا باللَّأُمّة فَلَبِسَها، ثمَّ أَذَّنَ في الناس بالخروجِ، فَنَدِمَ ذوو الرَّأي منهم، فقالوا: يا رسول الله، امكُث كما أمَرتَنا، فقال: ((ما ينبغي النبيِّ إذا أخَذَ لَأْمة الحرب أن يَرجِعَ حتَّى يقاتل)). فخرج بهم وهم ألف رجلٍ، وكان المشركونَ ثلاثة آلاف حتَّى نزلَ بأُحُدٍ، ورَجَعَ عنه عبدُ الله بن أُبيّ بن سَلُول في ثلاث مئة، فبقيَ في سبع مئة، فلمَّا رَجَعَ عبد الله سُقِطَ في أيدي طائفتينِ من المؤمِنين(٣) وهما بنو حارثةَ وبنو سَلِمة، وصَفَّ المسلمونَ بأصلِ أُحُدٍ، وصَفَّ المشركونَ بِالسَّبْخَة وتعبَّؤوا للقتال، وعلى خيل المشركين - وهي مئة فرس - خالدُ بن الوليد، وليس مع المسلمين فرسٍ، وصاحب لواء المشركين طلحة بن عثمان، وأمَّرَ (١) ومن طريقه أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) ٢٠٦/٣-٢١٢. (٢) انظر ما سيأتي برقم (٤٠٨١)، وانظر حديث ابن عباس في ((مسند أحمد)) (٢٤٤٥). (٣) أي: زَلُّوا وأخطؤوا، وهمّوا بالفَشَل، أي: الجُبن والضعف والرجوع عن القتال، وهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َأَبِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْسَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾. ١٤٣ باب ١٦ كتاب المغازي رسول الله وَ﴾ عبدَ الله بن جُبَير على الزُّماة، وهم خمسون رجلاً، وعَهِدَ إليهم أن لا يَترُكوا منازلهم، وكان صاحبُ لِواءِ المسلمين مُصعبَ بن عمير، فبارَزَ طلحةَ بن عثمان فقَتَلَه، وحَمَلَ المسلمونَ على المشركين حتَّى أجهَضُوهم عن أثقالهم، وحَمَلَت خيلُ المشركين فَتَضَحَتهم الرُّماةُ بالنَّبْل ثلاث مرات، فدَخَلَ المسلمونَ عسكرَ المشركين فانتهَبُوهم. فرأى ذلك الرُّماة فتَرَكوا مكانهم، ودَخَلُوا العَسكر، فأبصَرَ ذلك خالدُ بنُ الوليد ومَن معه فحَمَلوا على المسلمين في الخيل فمَزَّقوهم، وصَرَخَ صارخٌ: قُتِلَ محمد، أُخراكُم، فعَطَفَ المسلمونَ يَقتُل بعضهم بعضاً وهم لا يَشعُرُون، وانهزَمَ طائفة منهم إلى جهة المدينة، وتَفرَّقَ سائرهم ووقعَ فيهم القَتْل، وثَبَتَ نبيُّ الله حين انكَشَفوا عنه وهو يَدعُوهم في أُخراهم، حتَّى رَجَعَ إليه بعضُهم وهو عندَ المِهراس في الشِّعْب. وتَوَجَّهَ النبيُّ ◌َهِ يَلِتَمِس أصحابه، فاستَقبَلَه المشركونَ فَرَموا وجهَه، فأدمَوه وكَسَروا رَباعيَتَه، فمرَّ مُصعِداً في الشِّعْب ومعه طلحةُ والزُّبَير - وقيل: معه طائفة من الأنصار: منهم سَهل ابن بيضاء(١) والحارث بن الصِّمّة - وشُغِلَ المشركونَ بقتلَى المسلمين يُمثِّلُونَ بهم يَقطَعونَ الآذان والأُنوف والفروجَ ويَبقرونَ البُطون وهم يَظُنّونَ أَّهم أصابوا النبيّ ◌َّلـ وأشرافَ أصحابه، فقال أبو سفيان يَفتَخِرِ بآلهتِهِ: أُعْلُ هُبَل، فناداه عمر: الله أعلى وأجَلّ. ورَجَعَ المشركونَ إلى أثقالهم، / فقال النبيُّ نَّهِ لأصحابه: ((إن رَكِبوا وجَعَلوا الأثقال تَتَبع ٣٤٧/٧ آثار الخيل، فهم يريدونَ البُيوت، وإن رَكِبوا الأثقال وجَنَبُوا(٢) الخيلَ فهم يريدونَ الرُّجوع))، فَتَبِعَهم سعد بن أبي وقّاصٍ، ثمَّ رَجَعَ فقال: رأيت الخيلَ مَجَنوبةً، فطابَت أنفُس المسلمين ورجعوا إلى قتلاهم، فدَفَنوهم في ثيابهم ولم يُغَسِّلوهم ولم يُصَلّوا علیھم، وبگی (١) إنما سهل ابن بيضاء من المهاجرين، وليس من الأنصار. ثم إنَّ المذكور في ((الدلائل)) ٣/ ٢١٢ سهل بن حُنیف، وإن كان سهل ابن بيضاء ممن شهد أحداً كذلك. (٢) في (أ) و(س): وتجنّبوا، والمثبت على الصواب من (ع)، موافقاً لقول سعد قريباً: رأيت الخيل مجنوبة، فهو اسم مفعول للفعل الثلاثي: جنب، وبمثل ما أثبتنا وقع في ((الدلائل)) ٢١٣/٣، ومن قبله («مغازي الواقدي)) ٢٩٨/١. وجَنَبَ الخيلَ: إذا قاد بعضَها إلى جنب بعضٍ. ١٤٤ باب ١٦ فتح الباري بشرح البخاري المسلمونَ على قتلاهم، فسُرَّ المنافقونَ وظَهَرَ غِشَّ اليهودِ، وفارَت المدينة بالنِّفاق، فقالت اليهود: لو كان نبيّاً ما ظَهَروا عليهِ، وقالَ المنافقونَ: لو أطاعونا ما أصابهم هذا. قال العلماءُ: وكان في قِصّة أُحُدٍ وما أُصيب به المسلمونَ فيها من الفوائدِ والحِكَمِ الرَّبّانيَّة أشياءُ عظيمةٌ: منها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشُؤم ارتكاب النَّهي، لمَا وَقَعَ من تَرك الرُّماة مَوقِفَهم الذي أمَرَهم الرَّسول أن لا يَبرَحوا منه. ومنها: أنَّ عادة الرُّسُلِ أن تُبتَلَى وتكون لها العاقبة، كما تقدَّم في قِصّة هِرَقل مع أبي سفيان (٧)، والحكمة في ذلك أنَّهم لو انتَصَروا دائماً دَخَلَ في المؤمِنِين مَن ليس منهم، ولم يَتَمَّزِ الصّادِقِ من غيره، ولو انكَسَروا دائماً لم يَحَصُل المقصود من البِعْثة، فاقتَضَت الحكمة الجمع بين الأمرَينِ لتَمْيِيزِ الصّادِقَ من الكاذِب، وذلك أنَّ نِفاق المنافقين كان تَخَفيّاً عن المسلمين، فلمَّا جَرَت هذه القِصّة وأظهَر أهل النِّفاق ما أظهَروه من الفِعل والقول عادَ التلويح تصريحاً، وعَرَفَ المسلمونَ أنَّ لهم عدوّاً في دُورهم، فاستَعَدّوا لهم وتَحَرَّزوا منهم. ومنها: أنَّ في تأخير النَّصر في بعض المواطِن هَضماً للنَّفْسِ وكَسراً لشَمَاخَتِها، فلمَّا ابتُليَ المؤمِنونَ صَبَروا وجَزِع المنافقون. ومنها: أنَّ الله هَيَّأ لعبادِهِ المؤمِنِين منازلَ في دار كرامَته لا تَبلُغها أعمالهم، فقَيَّضَ لهم أسباب الابتلاء والمِحَن لَيَصِلوا إليها. ومنها: أنَّ الشَّهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقَها إليهم. ومنها: أنَّه أراد إهلاك أعدائه فقَيَّضَ لهم الأسباب التي يَستَوجِبونَ بها ذلك، مِن كفرهم وبَغْيهم وطُغيانهم في أذَى أوليائه، فمَخَّصَ بذلك ذُنوب المؤمنين، ومَحَقَ بذلك الكافرين. ثُمَّ ذكر المصنّف آيات من آلٍ عِمران في هذا الباب وفيما بعده، كلّها تتعلَّق بوَقعة أُحُد، وقد قال ابن إسحاق: أَنزَلَ الله في شأن أُحُد ستّين آية من آلِ عِمران. ١٤٥ باب ١٦ كتاب المغازي وروى ابن أبي حاتم (٧٤٩/٣) من طريق المِسوَر بن مَرَمة، قال: قلت لعبد الرحمن بن عَوْف: أخبرني عن قِصَّتكم يوم أُحُد، قال: اقرأ [بعد](١) العشرين ومئةٍ من آلٍ عِمران تَجِدها: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِىُّ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ إلى قوله: ﴿أَمَنَةً نُّعَاسًا ﴾ [آل عمران: ١٢١ - ١٥٤]. قوله: ((وقول الله تعالى: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُّبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَاَللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمُ ﴾. وَقوله: ﴿غَدَوْتَ﴾)) أي: خَرَجت أوَّلَ النَّهار، والعامل في ((إذ)) مُضمَر، تقديره: واذكُر إذ غَدَوت. وقوله: ﴿ ◌ٌبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾﴾، أي: تُنِلهُم، وأصلُه من المَباءة، وهو المرجع، والمقاعد، جمعُ مَقعَد، والمراد به: مكان القُعود. وروى الطَّبَرِيُّ (٦٩/٤) من طريق سعيد عن قَتَادة قال: غَدا نبيُّ الله من أهله يوم أُحُدٍ يُبَوِّئ المؤمِنِين مقاعد للقتال. و(٦٩/٤ - ٧٠) من طريق مجاهدٍ والسُّدّيِّ وغيرهما نحوه، و(٤ / ٧٠) من طريق الحسن: أنَّ ذلك كان يومَ الأحزاب. ووَهّاه. قوله: ((﴿ وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾)) الأصل: تَوهِنوا فحُذِفَت الواو، والوَهْن: الضَّعف، يقال: وَهَنَ، بالفتح، يَهِن، بالكسرِ في المضارع، وهذا هو الأفصح، ويُستَعمَل (وَهَنَ)) لازماً ومُتَعدِّياً، قال تعالى: ﴿وَهَنَ اُلْعَظْمُ مِنِى﴾ [مريم: ٤]، وفي الحديث: ((وَهَنْهم حُمَّی یَثِب))(٢). و﴿اَلْأَعْلَوْنَ﴾ جمع أعلى، وقوله: ﴿إِن كُتُم ◌ُؤْمِنِينَ﴾، محذوف الجواب، وتقديره: فلا ◌َبِنوا ولا تَحَزَنوا. (١) ما بين المعقوفين ساقط من الأصلين و(س)، وهو ثابت في ((تفسير ابن أبي حاتم))، وبذكره يرتفع اللبس، فليس عدد الآيات التي أشار إليها عبد الرحمن بن عوف يساوي مئة وعشرين، وإنما عنى الآيات بعد الآية العشرين ومئة. ثم إنَّ المذكور عند ابن أبي حاتم قوله: إلى قوله: ﴿إِذْ هَمَّت طَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْسَلَا﴾ وهي الآية الثانية والعشرون بعد المئة وليس: ﴿أَمَنَةُ تُّغَاسًا ﴾. (٢) سلف برقم (١٦٠٢). ١٤٦ باب ١٦ فتح الباري بشرح البخاري وأخرج الطََّرِيُّ (٤/ ١٠٢) من طريق مُجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُواْ ﴾ أي: لا تَضعُفوا. ومن طريق الزُّهْريِّ، قال: ((كَثُرَ في أصحاب النبيِّ وَّهِ القتلُ والجِراحُ حتَّى خَلَصَ إلى كلِّ امِرِئٍ منهم نَصيب، فاشتَدَّ حُزنُهم، فعَزّاهم الله أحسنَ تَعزية. ومن طريق قَتَادة نحوه، قال: فعَزّاهم اللهُ وحَثَّهم على قتال عدوِّهم وَهاهم عن العَجْزِ. ومن طريق ابن جُرَيج قال في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُواْ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أي: لا تَضعُقوا في ٣٤٨/٧ أمر عدوِّكم / ﴿وَلَا تَحْزَنُواْ﴾ في أمرٍ أنفُسِكم، فإنَّكم أنتم الأعلَونَ. قال: والسَّبَب فيها أنَّهم لمَّا تَفرَّقوا ثمَّ رجعوا إلى الشِّعْب قالوا: ما فعَلَ فلان، ما فعَلَ فلان؟ فَنَعَى بعضُهم بعضاً، وتَحَدَّثوا بينهم أنَّ رسول الله وَ لَقُتِلَ، فكانوا في هَمِّ وحُزنٍ، فبينما هم كذلك إذ عَلا خالدٌ بن الوليد بخَيلِ المشركين فوقَهم، فثابَ نَفَرٌ من المسلمين رُماةٌ، فصَعِدوا، فَرَمَوا خَيل المشركين حتَّى هَزَمَهم الله، وعَلا المسلمونَ الجبل، والتَّقوا بالنبيِّ ◌َّه. ومن طريق العَوْفيّ عن ابن عبّاس، قال: أقبَلَ خالد بن الوليد يريد أن يَعلوَ الجبلَ عليهم، فقال النبيّ وَّ: ((اللهمَّ لا يَعلُون علينا)) فأنزَلَ الله تعالى: ((﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَّحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾. قوله: «وقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم﴾: تَستأصِلونَهم قتلاً ﴿بِإِذْنِهِ،﴾ الآيةَ إلى قوله: ﴿وَاَللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾)) أخرج الطَّبريُّ (١٢٥/٤) من طريق السُّدّيِّ وغيره: أنَّ المراد بالوَعِدِ: قوله وَّهِ للزّماة: ((إنَّكم سَتَظهَرونَ عليهم فلا تَبرَحوا من مكانكم حتَّى آمُرَكُم)». وقد ذكر المصنّف قِصّة الرُّماة في هذا الباب، وسأذكر شرحها إن شاء الله تعالى. ومن طريق قَتَادة ومجاهد في قوله: ﴿إِذْ تَحُشُونَهُم﴾ أي: تَقْتُلونَهم، وقول المصنِّف في تفسير ﴿تَحُسُونَهُم﴾: تَستأصِلونَهم، هو كلامُ أبي عُبيدة. ١٤٧ باب ١٦ كتاب المغازي وأخرج الطََّرَيُّ (٤/ ١٢٥) من طريق السُّدّيِّ، قال: قال النبيّ وَّ للُّماة: ((إنّا لَن نَزَالَ غالبين ما ثَبتُّم مكانَكُمْ)) وكان أوَّل مَن بَرَزَ طلحةُ بنُ عثمان، فقُتِل، ثمَّ حَلَ المسلمونَ على المشركين فهَزَموهم، وحَلَ خالد بن الوليد - وكان في خَيل المشركين - على الرُّماة فَرَمَوه بالنَّبْلِ فانقَمَع، ثمَّ تَرَكَ الرُّماة مكانهم، ودخلوا العَسكَر في طلب الغنيمة، فصاحَ خالدٌّ في خَيلِه، فقَتَلَ مَن بقيَ من الرُّماة، منهم: أمیرهم عبد الله بن جُبیر. ولمَّا رأى المشركونَ خَيلهم ظاهرةً تَراجَعوا فَشَدّوا على المسلمين، فهَزَموهم وأثخَنُوا فيهم في القتل. وقوله: ﴿حَتَّىَ إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ أي: جَبُنْتُم ﴿وَتَنَزَعْتُمْ فِ اُلْأَمْرِ﴾ أي: اختَلَفْتُم، و((حتَّى)) حرف جَرّ، وهي مُتعلِّقة بمحذوفٍ، أي: دام لكم ذلك إلى وقتِ فشَلِكُم، ويجوز أن تكون ابتدائيَّة داخلة على الجملة الشَّرطيّة، وجوابها محذوف، وقوله: ﴿صَرَفَكُمْ ٤ فيه إشارة إلى رُجوع المسلمين عن المشركين بعد أن ظَهَروا عليهم، لمَا وَقَعَ من عَنْ الزُّماة من الرّغبة في الغنيمة، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. قال السُّدّيُّ(١) عن عبدِ خيرٍ قال: قال عبد الله بن مسعود: ما كنت أرى أحداً من أصحاب النبيِّ ◌َّه يريدُ الدُّنيا حتَّى نزلت هذه الآية يومَ أُحُدٍ: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الذُّنْيَا وَمِنكُمْ مَن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾. وقوله: ((﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ﴾ الآيةَ)) أخرج مسلمٌ (١٨٨٧) من طريقِ مَسروقٍ، قال: سألنا عبدَ الله بنَ مسعودٍ عن هؤلاء الآيات، قال: أما إنّا قد سألنا عنها، فقيل لَنا: إنَّه لمَّا أُصيبَ إخوانُكم بأُحُدٍ جَعَلَ الله أرواحَهم في أجواف طَيِرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنهارَ الجنَّة، وتأكُلُ من ثمارها(٢)، الحديث. (١) أخرج هذا الأثر الطبري في «تفسيره)) ٤/ ١٣٠، والطبراني في «الأوسط)) (١٣٩٩)، وغيرهما. (٢) هذا اللفظ المذكور هو لفظ رواية ابن إسحاق للخبر تماماً كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ١٢٠، وأما لفظ مسلم فبنحوه. ١٤٨ باب ١٦ / ح ٤٠٤١- ٤٠٤٢ فتح الباري بشرح البخاري ٣٤٩/٧ (١). ٤٠٤١- ٤٠٤٢- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيمِ، أخبرنا زكريّا بنُ عَدِيٍّ، أخبرنا ابنُ المبارَكِ، عن حَيْوةَ، عن يَزِيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن عُقْبةَ بنِ عامٍ، قال: صَلَّى رسولُ الله ◌َِّ على قَتْلَى أُحُدٍ بعدَ ثمان سنينَ، كالموَدِّع للأحياءِ والأموات، ثمَّ طَلَعَ الِثْبَ، فقال: ((إنّ بينَ أيدِيكم فَرَطٌ، وأنا عليكم شَهِيدٌ، وإنَّ مَوعِدَكُم الحوضُ، وإنّي لَأَنظُرُ إليه من مَقَامي هذا، وإنّ لستُ أخشى عليكم أن تُشرِكوا، ولكنّي أخشَى عليكُمُ الدُّنْيا أن تَنَافَسُوها)). قال: فكانت آخِرَ نَظْرةٍ نظرْتُها إلى رسولِ الله ◌ِله. ثُمَّ ذكر المصنّف ◌ِتِلوَ هذه الآيات أحاديثَ كالمفسِّرة للآيات المذكورة: الأول: حديث عُقْبةَ بن عامر قال: صَلَّى رسول الله مَ لِّ على قتلَى أُحُدٍ، الحديث، وهو مُتعلِّق بقولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. وقوله: ((بعدَ ثمانٍ سِنِينَ)) فيه تَجُوُّزٌ، تقدَّم بيانُه (١٣٤٤) في ((باب الصلاة على الشُّهَداءِ)) من كتاب الجنائز. وقوله: (ثُمَّ طَلَعَ الِبَرَ فقال: إنّ بين أيديكم فرَطُ)) وقد وَقَعَ في مُرسَلِ أيوبَ بن بشيرٍ (٢) من رواية الزُّهْريِّ عنه عندَ ابن أبي شَيْبةٍ (٣): خرج عاصباً رأسَه حتَّى جَلَسَ على المِنَِرِ، ثمَّ كان أوَّلَ ما تَكلَّمَ به أنَّه صَلَّى على أصحاب أُحُدٍ واستَغفَرَ لهم، فأكثر الصلاةَ عليهم. وهذا يُحمَلُ على أنَّ المراد أوَّلُ ما تَكلَّمَ به، أي: عندَ خروجِه قبلَ أن يَصعَدَ المِبَر. قوله: ((كالموَدِّعِ للأحياءِ والأموات)) تابَعَ حَيوةَ بنَ شُرَيحٍ على هذه الزيادة عن يزيد بن أبي حبيب: يحيى بن أيوب عند مسلم (٢٢٩٦) ولفظه: ثُمَّ صَعِدَ المِنْبَرَ كالموَدِّع للأحياءِ والأموات. وتوديعُ الأحياءِ ظاهرٌ، لأنَّ سِياقه يُشعِرُ بأنَّ ذلك كان في آخِرِ حياته ◌ِِِّّ، وأمَّا (١) انظر لزاماً كلام الحافظ في آخر شرحه لأحاديث هذا الباب على حديثٍ وقع هنا لبعض رواة البخاري خطأً. (٢) تحرف في (س) إلى: بشر. (٣) هو أيضاً في ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق، كما في ((سيرة ابن هشام)) ٦٤٩/٢ عن الزهري عن أيوب بن بشير. ومن طريقه أخرجه أبو يعلى (٤٥٧٩). ١٤٩ باب ١٦ / ح ٤٠٤٣ كتاب المغازي تَوديعُ الأموات، فيحتملُ أن يكونَ الصحابيُّ أراد بذلك انقطاع زيارَتِه للأموات بجسدِه، لأنَّه بعدَ موتِه وإن كان حَيّاً فهي حياةٌ أُخرَويَّةٌ لا تُشبه الحياةَ الدُّنيا، والله أعلم. ويحتملُ أن يكونَ المرادُ بتَوديع الأموات ما أشارَ إليه في حديثٍ عائشةً من الاستغفار لأهلِ البَقیعِ (١). وقد سَبَقَ شرحُ هذا الحديث في الجنائز (١٣٤٤)، وفي علامات النُّبوّة (٣٥٩٦)، وتأتي بقيَّتُه في كتاب الرِّقاق (٦٤٢٦ و٦٥٩٠) إن شاء الله تعالى. تنبيه: وَقَعَ في رواية أبي الوَقتِ والأَصِيلِيِّ هنا قبلَ حديث عُقْبة بن عامر حديث ابن عبَّاس: قال النبيّ وَلَه يوم أُحُد: «هذا جِبْرِيل آخِذٌ برأسٍ فرسه)) الحديث، وهو وهمٌّ من وجهَينِ: أحدهما: أنَّ هذا الحديثَ تقدَّم بسنده ومتنِهِ (٣٩٩٥) في ((باب شُهودِ الملائكة بدراً))، ولهذا لم يَذْكُرُه هنا أبو ذَرِّ ولا غيرُه من مُتقِني رواةِ البخاريِّ، ولا استَخرجه الإسماعيليُّ ولا أبو نُعَيم. ثانيهما: أنَّ المعروفَ في هذا المتن ((يوم بدرٍ)) كما تقدَّم، لا ((يوم أُحُدٍ)). والله المستعان. ٤٠٤٣ - حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ ﴾، قال: لَقِينا المشركينَ يومَئذٍ، وأجْلَسَ النبيُّ ◌َّهِ جيشاً مِن الزُّماةِ، وأَمَّرَ عليهم عبدَ الله، وقال: ((لا تَبْرَحوا إن رأيتُمونا ظَهَرْنا عليهم، فلا تَبْرَحوا، وإن رأيتُموهُم ظَهَروا علينا فلا تُعِينُونا)) فلمَّا لَقِينا هَرَبُوا، حتَّى رأيتُ النِّساءَ يَشْتَدِدْنَ في الجبلِ، يَرْفَعْنَ عن سُوقِهِنَّ، قد بَدَت خَلاخِلُهُنَّ، فأخَذوا يقولون: الغَنِيمَةَ الغَنِيمةَ، فقال عبدُ الله: عَهِدَ إليَّ النبيُّ وَّهِ أَن لا تَبْرَحوا، فأبَوْا، فلمَّا أَبُوْا صُرِفَ وجوهُهم، فأُصِيبَ سبعونَ قَتِيلاً، وأشَرَفَ أبو سفيانَ، فقال: أفي القومِ محمَّدٌ؟ فقال: ((لا تُجِيبُوُه)) فقال: أفي القوم ابنُ أبي قُحَافةَ؟ قال: ((لا تُحِبُوه)) فقال: أفي القومِ ابنُ الخطَّب؟ فقال: إنَّ هؤلاءِ قُتِلوا، فلو كانوا أحياءً لأجابوا، فلم يَمْلِك عمرُ نفسَه، فقال: (١) أخرجه مسلم (٩٧٤). ١٥٠ باب ١٦ / ح ٤٠٤٣ فتح الباري بشرح البخاري كَذَبْتَ يا عَدوَّ الله، أبقَى اللهُ لكَ ما يَحْزُنُك (١)، قال أبو سفيانَ: اعْلُ هُبَلُ، فقال النبيُّ ◌َّ: ((أَجِيبُوه)» قالوا: ما نقول؟ قال: ((قولوا: اللهُ أعلى وأجَلُّ)) قال أبو سفيانَ: لنا العُزَّى، ولا عُزَّى ٣٥٠/٧ لكم، فقال النبيُّ ◌َّ: ((أَجِيبوه)) قالوا:/ ما نقول؟ قال: ((قولوا: اللهُ مَوْلانا، ولا مولى لكم)) قال أبو سفيانَ: يومٌّ بيومٍ بَدْرٍ، والحربُ سِجَالٌ، وَجِدونَ مُثْلَةً لم آمُرْ بها، ولم تَسُؤْني. الحديث الثاني: حديث البراء بن عازب في قصة الرّماة. قوله: ((عن البراءِ)) في رواية زُهَيرٍ في الجهاد (٣٠٣٩) عن أبي إسحاقَ: سمعت البراءَ بنَ عازپٍ. قوله: ((لَقينا المشركين يومئذٍ)) في روايةٍ لأبي نُعَيم: لمَّا كان يوم أُحُدٍ لَقينا المشركين. قوله: ((الُّماة)) في رواية زُهَيٍ: وكانوا خمسين رجلاً. وهذا هو المعتَمَد، ووقعَ في (الهدي)) أنَّ الخمسين عددُ الفَرَسان يومَئذٍ(٢)، وهو غَلَطٌ بَيِّنٌ، وقد جَزَمَ موسى بن عُقْبَةً بأنَّه لم يكن معهم في أُحُدٍ شيءٌ من الخيلِ. ووَقَعَ عند الواقديِّ: كان معهم فَرَسُ لرسولِ اللهِوَ ل﴿ وَفَرَسُ لأبي بُرْدة. قوله: «وأمَّرَ عليهم عبدَ الله)» في رواية زُهَيرٍ: عبدَ الله بن جُبَيٍ، وعند ابن إسحاق(٣): أنَّه قال لهم: ((انضَحوا الخيلَ عنَّا بالنَّبْلِ، لا يأتوننا من خَلِفِنا». قوله: ((لا تَبرَحوا» في روایة زُهَیٍ: «حتَّی أُرسِلَ إلیکُم)). قوله: ((وإن رأيتُموهم ظَهَروا علينا)» في رواية زُهَير: ((وإن رأيتُمونا تَخْطَفُنا الطَّيرِ))، وفي حديث ابن عبّاس عند أحمد (٢٦٠٩) والطبرانيِّ (١٠٧٣١) والحاكم (٢٩٦/٢) أنَّ النبيَّ ◌َلُ أقامَهم في موضع ثمَّ قال لهم: «احموا ظُهورَنا، فإن رأيتُمونا نُقتَلُ فلا تَنصُرونا، وإن رأيتُمونا قد غَنِمنا فلا تَشْرَكونا». (١) قال العيني: بالحاء المهملة والزاي والنون، ويروى: ما يخزيك، بضم الياء وسكون الخاء المعجمة وكسر الزاي، من الخزي. (٢) الذي ذكره ابن القيم في ((الزاد)) ٣/ ١٩٤ أنَّ عدد الفرسان خمسون، غير الخمسين الرماة. (٣) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٦٦/٢. ١٥١ باب ١٦ / ح ٤٠٤٣ كتاب المغازي قوله: ((رأيت النِّساءَ يَشْتَدِدنَ)) كذا للأكثر، بفتح أوَّلِه وسكونِ المعجَمة وفتح المثنّاة بعدَها دالٌ مكسورةٌ ثمَّ أُخرَى ساكنة، أي: يُسرِ عنَ المشيَ، يقال: اشتَّ في مَشِهِ: إذا أسرَع. وكذا للكُشْمِيهنيّ في رواية زُهَيرٍ، وله هنا: يُسنِدنَ، بضمِّ أوَّلِه وسكونِ المهمَلة بعدَها نونٌ مكسورةٌ ودالٌ مُهمَلةٌ، أي: يُصَعِّدنَ، يقال: أسنَدَ في الجبل يُسنِدُ: إذا صَعّدَ، وللباقين في رواية زُهَيِرٍ: يَشِدُونَ، بفتح أوَّلِه وسكونِ المعجَمة وضمِّ المهمَلة الأولى وسكونِ الثانية. قال عياضٌ: ووقعَ للقابسيِّ في الجهادِ: يُسنِدنَ(١)، وكذا لابنِ السَّكَنِ فيه وفي الفضائلِ، وعندَ الأصيلي(٢) والنَّسَفيِّ: يشتَدْن(٣) بِمُعجَمةٍ ودالٍ واحدةٍ وللكُشْمِيهنيّ: يَشتِدِدْن(٤)، ولرفيقَيه (٥): يشدُدْن(٦)، وكلُّه بمَعنّى. وقد تقدَّم في أوَّل الباب أنَّ قُرَيشاً خَرَجوا معهم بالنِّساءِ لأجلِ الحَفِيظة والثَّبات، وسَمَّى ابن إسحاق النِّساءَ المذكورات: وهنَّ: هِند بنت عُتبةَ خَرَجَت مع أبي سفيان، وأُمّ حَكيم بنت الحارث بن هشام مع زوجها عِكْرمة بن أبي جهل، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة مع زوجها الحارث بن هشام، وبَرْزة بنت مسعود الثّقَفِيَّة مع زوجها صفوان بن أُميَّة، وهي والدة ابن صَفوان، ورَيطة بنت منبّه (٧) السَّهميَّة مع زوجها عَمْرو بن العاص، وهي والدة ابنه عبد الله، وسُلافة بنت سعد مع زوجها طلحة بن أبي طلحة الحَجَبيِّ، وخُناس بنت مالك والدة مُصعَب بن عمير، وعَمْرة بنت عَلقَمة بن کِنانة. (١) تحرف في (س) إلى: يشتدون. (٢) تحرف في (س) إلى: الإسماعيلي، والمثبت من (ع) موافقاً لما في ((المشارق)) للقاضي ٢٢٤/٢. (٣) تحرف في (س) ومطبوع ((المشارق)) ٢/ ٢٢٤ إلى: يشتدون. والمثبت من (ع) موافقاً لضبط الحافظ بالحروف، وانظر لزاماً كلام ابن الأثير في ((جامع الأصول)) بإثر (٦٠٦٣) حيث وقعت له هذه الرواية. (٤) تحرف في (أ) إلى: يستندن، وفي (ع) إلى: يشدن، وفي (س) إلى: يستندون، والمثبت على الصواب من ((المشارق)) ٢٢٤/٢، كالذي في اليونينية، و «إرشاد الساري)). (٥) تحرف في (س) إلى: ولرفيقه، بالإفراد، والرفيقان هما المستملي والحقُّوي. (٦) تحرف في (س) إلى: يشُدُّون. (٧) تحرف في الأصلين و(س) إلى: شيبة، وجاء على الصواب في ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٧ / ٦٦١، موافقاً لمصادر السيرة والتراجم. ١٥٢ باب ١٦ / ح ٤٠٤٣ فتح الباري بشرح البخاري وقال غيره: كان النِّساء اللّاتي خَرَجنَ مع المشركين يوم أُحُدٍ خمسَ عشرةَ امرأةً. قوله: ((يرفَعْنَ عن سُوقهنَّ) جمع ساقٍ، أي: لِيُعينَهنَّ ذلك على سرعة الهَرَب. وفي حديث الزُّبَير بن العَوّام عند ابن إسحاق(١) قال: والله لقد رأيتني أنظُرُ إلى خَدَمِ هِندِ بنت عُتبةَ وصَواحباتها مُشَمِّراتٍ هَواربَ، ما دون أخْذِهِنّ(٢) قليل ولا كثير، إذ مالَت الزُّماة إلى العَسكَر حين(٣) كُشِفَ القومُ عنه، وخَلَّوا ظَهرنا للجبل، فأُتينا مِن خَلِفِنا، وصَرَخَ صارخ: ألا إنَّ محمداً قد قُتِل، فانكَفَأنا وانكَفَأ علينا القومُ بعدَ أن أصَبنا أصحاب لوائِهم، حتَّى ما يَدنو منه أحدٌ من القومِ. قوله: ((فأخَذوا يقولون: الغَنيمةَ الغَنيمةَ، فقال عبد الله بن جُبَير: عَهِدَ إليَّ النبيّ ◌َّ أن لا تَبَرَحوا، فأبَوا)) في رواية زُهَير: فقال أصحاب عبد الله بن جُبَير: الغنيمةَ أي قَومِ (٤) الغنيمةَ، ظَهَرَ أصحابُكُم، فما تَنَتَظِرِونَ؟ وزادَ: فقال عبدُ الله بن جُبَير: أنسيتُم ما قال لكم رسول الله وَّ؟ قالوا: والله لنأتينَّ الناس فلَنُصيبَنَّ من الغنيمة. ٣٥١/٧ وفي حديث ابن عبّاس: فلمَّا غَنِمَ رسولُ اللهِ وَّةِ، وأباحوا/ عسكرَ المشركين انكَفَت الزُّماةُ جميعاً، فدخلوا في العَسكَر يَنتَهِبون، وقد التَفَّت صُفوفُ أصحاب رسول الله وَه فهم هكذا - وشَبَّكَ بين أصابعِه - فلمَّا أخلَتِ الزُّماةُ تلك الخَلّة التي كانوا فيها دَخَلَت الخيل من ذلك الموضع على الصحابة، فضَرَبَ بعضهم بعضاً والتبسوا، وقُتِلَ من المسلمين ناسٌ كثيرٌّ، وقد كانت لرسولِ الله وَّله وأصحابه أوَّل النَّهار، حتَّى قُتِلَ من أصحاب لواءٍ المشركين تسعةٌ أو سبعةٌ، وجالَ المسلمونَ جَولةً نحوَ الجبلِ، وصاحَ الشَّيطانُ: قُتِلَ محمدٌ. وقد ذكرنا من حديث الزُّبَير نحوَه. (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٧٧. (٢) في (ع) و(س): إحداهن، والمثبت من (أ)، موافقاً لما في ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٧٧. (٣) تحرفت في الأصلين و(س) إلى: حتى. (٤) تحرفت في (أ) و(س) إلى: يوم. ١٥٣ باب ١٦ / ح ٤٠٤٣ كتاب المغازي قوله: ((فلمَّا أَبُوا صُرِفَت(١) وجوههم)) في رواية زُهَيرٍ: فلمَّا أتوهم، بالمثنّة. وقوله: ((صُرِفَت وجوههم)) أي: تَّخيَّروا فلم يَدْرُوا أين يَتَوجَّهون. وزاد زُهَيْرٌ في روايتِهِ: فذلك إذ يَدعوهم الرَّسولُ في أُخراهم، فلم يَبْقَ مع النبيّ ◌َِّ غيرُ اثْنَي عشرَ رجلاً، وجاء في روايةٍ مُرسَلةٍ (٢) أنَّهم من الأنصار، وسأذكرها في الكلام على الحديث السابع (٤٠٦٠) من الباب الذي يَليه. وروى النَّسائيُّ (٣١٤٩) من طريق أبي الزُّبَير عن جابر قال: لمَّا وَلَّى الناسُ يومَ أُحُدٍ كان النبيُّ ◌َّهِ فِي اثنَي عشرَ رجلاً من الأنصار وفيهم طلحة ... الحديث. ووَقَعَ عندَ الطَّبَرِيِّ(٣) من طريق السُّدّيِّ قال: تَفرَّقَ الصحابةُ: فدَخَلَ بعضُهم المدينة، وانطَلَقَ بعضُهم فوقَ الجبلِ، وثَبَتَ رسولُ الله وَّهِ يَدعُو الناسَ إلى الله، فَرَماه ابنُ قَمِئَة بحجرٍ، فَكَسَرَ أنفَه ورَباعِيَتَه، وشَجَّه في وجهه فأثقَلَه، فتَراجَعَ إلى النبيِّ ◌َّ ثلاثونَ رجلاً فجَعَلُوا يَذُبُّونَ عنه، فحماءُ(٤) منهم طلحة وسهل بن حُنَيَفٍ، فُرُميَ طلحة بسهمٍ، ويَبِسَت يدُه، وقال بعضُ مَن فَرَّ إلى الجبلِ: لَيتَ لنا رسولاً إلى عبدِ الله بن أبيّ يَستأمن لنا من أبي سفيان، فقال أنسُ بنُ النَّضِرِ: يا قوم، إن كان محمد قُتِلَ، فَرَبُّ محمدٍ لم يُقتَل، فقاتِلوا على ما قاتَلَ عليه، ثمَّ ذكر قِصّةَ قتلِه كما سيأتي قريباً. وقَصَدَ رسولُ الله وَِّ الجبلَ فأراد رجلٌ من أصحابه أن يرميَه بسهم، فقال له: أنا رسولُ الله، فلمَّا سمعوا ذلك فَرِحوا به واجتَمَعوا حولَه وتَراجَعَ الناس. وسيأتي في باب مُفرَد(٥) ما يتعلَّقُ بمَن شَجَّ وجهَه عليه الصلاةُ والسَّلام. (١) كذا قال الحافظ، مع أنَّ الذي في اليونينية: صُرِفَ، دون إشارة إلى أيّ خلاف بين روايات البخاري. (٢) خرّجها الحافظ عند شرح الحديث (٤٠٦٠) من عند ابن عائذ من مرسل المطّلب بن عبد الله بن حنطب، وهي أيضاً عند أبي إسحاق الفزاري في ((السير)) (٣٠٦) لكنه زاد: وحليف لقريش. (٣) في ((تفسيره)) ١١٢/٤ -١١٣. (٤) تحرف في الأصلين و(س) إلى: فحمله، والمثبت على الصواب من النسخ المحققة من ((تفسير الطبري))، ومن «تاريخ الطبري)). ولا يُعلم أنَّ رسول الله پ﴾( هُملَ یوم أحد، بل فيه أنه ێے مضى يلتمس أصحابه، وأنه أصعَدَ في الشِّعْب. (٥) باب (٢١) ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾. ١٥٤ باب ١٦ / ح ٤٠٤٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فَأُصيبَ سَبعونَ قتيلاً) في رواية زُهَيرٍ: فأصابوا منها، أي: من طائفة المسلمين، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: فأصابوا مِنّ، وهي أوجَه. وزاد زُهَيرٌ: كان النبيّ ◌َّ وأصحابه أصابوا من المشركين يومَ بدرٍ أربعين ومئة. وقد تقدَّم بسطُ القولِ في ذلك. وروى سعيد بن منصور (٢٨٩٤) من مُرسَل أبي الضُّحَى قال: قُتِلَ يومَئذٍ - يعني يومَ أُحُدٍ - سبعونَ: أربعةٌ من المهاجرين: حمزةُ ومُصعَبُ بن عُمير وعبد الله بن جحش وشَّاسُ بن عثمان، وسائرهم من الأنصار. قلت: وبهذا جَزَمَ ابن إسحاق(١) والواقديّ. وفي كلام ابن سعدٍ ما يُخالفُ ذلك. ويُمكِنُ الجمعُ كما تقدَّم. وأخرج ابن حِبّان (٤٨٧) والحاكمُ (٣٥٨/٢) في ((صحيحَيهما))(٢) عن أبيّ بن كعب قال: أُصيبَ يوم أُحُدٍ من الأنصار أربعة وستّونَ، ومن المهاجرين ستّةٌ. وكان الخامس سعد مَولَى حاطِب بن أبي بَلتَعة. والسادس ثَقْفُ(٣) بن عَمْرو الأسلَميّ حَليف بني عبد شَمسٍ. وذكر المُحِبُّ الطََّرَيُّ عن الشّافعيِّ: أنَّ شُهَداءَ أُحُدٍ اثنان وسبعون. وعن مالكِ: خمسةٌ وسبعونَ، من الأنصار خاصّةً أحدٌ وسبعون، وسَرَدَ أبو الفتح اليَعمَرِيُّ أسماءَهم فَبَلَغوا ستّةً وتسعين، من المهاجرين أحدَ عشرَ، وسائرهم من الأنصار، منهم مَن ذكره ابن إسحاق، والزّيادة من عندِ موسى بن عُقْبة أو محمد بن سعد أو هشام بن الكَلْبِيّ، ثمَّ ذَكر عن ابن عبد البَرِّ وعن الدِّمياطيّ أربعة أو خمسة، قال: فزادوا على المئة. قال اليَعمَريُّ: قد وَرَدَ في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّآ أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُ مِثْلَهَا﴾ [آل عمران:١٦٥] أنَّها نزلت تَسلِيةً للمؤمنين عَمَّن أُصيبَ منهم يومَ أُحُدٍ، فإنَّهم أصابوا من (١) اقتصر في (أ) على ذكر ابن إسحاق، وفي (س) على ذكر الواقدي، والمثبت بذكرهما من (ع)، وهو الصواب. (٢) فات الحافظ رحمه الله تعالى أن يخرجه من الترمذي (٣١٢٩)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٢١٥)، وليس في رواية هذا الحديث تسمية الخامس والسادس من المهاجرين، فهو من قول الحافظ رحمه الله. (٣) تحرف في الأصلين و(س) إلى: يوسف، وسيتكرر نقل الحافظ هذا في شرح الحديث (٤٠٧٨) وجاء على الصواب في (ع) هناك، موافقاً لما في كتب الصحابة والتراجم، وانظر ((الإصابة)) للحافظ ٤١٠/١. ١٥٥ باب ١٦ / ح ٤٠٤٣ كتاب المغازي المشركين يومَ بدرٍ سبعين قتيلاً، وسبعين أسيراً في عددٍ مَن قُتِل. قال الْيَعمَريُّ: إن ثَبَتَ فهذه الزّيادةُ ناشئةٌ عن الخلاف في التفصيلِ. قلت: وهو الذي يُعوَّلُ عليه. والحديث الذي أشارَ إليه أخرجه الثِّرمِذيُّ (١٥٦٧) والنَّسائيُّ (ك٨٦٠٨) من طريق الثَّوريِّ عن هشام بن حسَّان عن ابن سِيرِين عن عَبِيدة بن عَمْرو عن عليٍّ: أنَّ جِبْرِيلَ هَبَطَ فقال: خَيِّرْهم في أُسارَى بدرٍ: / القتل، أو الفِداء على أن يُقتَلَ مِن قابلِ مِثْلُهم، قالوا: الفِداءُ ويُقتَلُ مِنّا. قال ٣٥٢/٧ التِّرمِذيُّ: حَسَنٌّ، ورواه ابن عَوْن عن ابن سِيرِين عن عَبِيدة مُرسَلاً. قلت: ورواية ابن عَوْن عند الطَّريِّ(١)، ووَصَلَها من وجهٍ آخرَ عنه(٢)، وله شاهد من حديث عمر عند أحمد (٢٠٨) وغيره. قال اليَعمَريُّ: ومن الناس مَن يقول: السَّبعين من الأنصار خاصّة، وبذلك جَزَمَ ابن سعد. قلت: وكأنَّ الخِطابَ بقولِه: ﴿أَوَلَمَآ أَصَبَتَّكُمْ ﴾ للأنصار خاصّة، ويُؤيِّده قول أنس: أُصيب منّا يوم أُحُد سبعونَ. وهو في ((الصحيح)) بمعناه (٣). قوله: ((وأشرَفَ أبو سفيان)) أي: ابن حَرْب، وكان رئيسَ المشركين يومئذٍ. قوله: ((فقال: أفي القوم محمدٌ؟)) زاد زُهَير (٣٠٣٩)، ثلاث مرات، في المواضع الثلاثِ. قوله: ((فقال: لا تُجيبوه)) وقعَ في حديث ابن عبّاس: أين ابن أبي كَبْشة، أين ابن أبي قُحَافة، أين ابن الخطّاب؟ فقال عمر: ألا أُجيبه؟ قال: (بَلَى))، وكأنَّه نَهَى عن إجابَتِه في الأولى وأذِنَ فيها في الثالثة. قوله: ((فقال: إنَّ هؤلاء قُتِلوا)) في رواية زُهَيرٍ: ثُمَّ رَجَعَ إلى أصحابه فقال: أمَّا هؤلاء فقد قُتِلوا. قوله: ((أبقَى الله عليك ما يَحْزُنُكَ)) زاد زُهَير: إِنَّ الذين(٤) عَدَدتَ لَأحياءٌ كلّهم. (١) في ((تفسيره)) ١٦٦/٤. (٢) يعني عن ابن سيرين ١٦٦/٤ (٣) في البخاري (٤٠٧٨). (٤) تحرف في (س) إلى: الذي. ١٥٦ باب ١٦ / ح ٤٠٤٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((اعْلُ هُبَل)) في رواية زُهَيرِ: ثُمَّ أَخَذَ يَرَّجُ: أُعْلُ هُبَلْ(١) أُعِلُ هُبَلْ. قال ابن إسحاق: معنى قوله: اعْلُ هَبَل، أي: ظَهَرَ دينُك. وقال السُّهَيليّ: معناه: زاد عُلوّاً. وقال الكِرْمانيُّ: فإن قلت: ما معنى ((اعلُ))، ولا عُلوَّ في هُبَل؟ فالجواب: هو بمعنى العُلَى، أو المراد: أعلى من كلِّ شيءٍ. انتهى، وزاد زُهَير: قال أبو سفيان: يومٌ بيومٍ بدر، والحرب سِجَال، بكسرِ المهمَلة وتخفيف الجيم، وفي حديث ابن عبّاس: الأيام دُوَلٌ والحربُ سِجال، وفي رواية ابن إسحاق، أَنَّه قال: أنعَمَتْ فَعَالِ إنَّ الحرب سِجال. انتهى، وفَعَال، بفتح الفاء وتخفيف المهمَلة(٢)، قالوا: معناه: أنعَمَت الأزلام، وكان استَقْسَمَ بها حين خرج إلى أُحُدٍ. ووقعَ في خَيَرِ السُّدّيِّ عند الطبري(٣) (٤/ ١٣٦): اعلُ هُبَل، حَنظَلة بحَنظَلة، ويوم أُحُد بیوم بدر. وقد استَمرَّ أبو سفيان على اعتقاد ذلك حتَّى قال ◌ِرَقل لمَّا سألَه: کیف کان خَربُکم معه؟ أي: النبيّ وَلّه، كما تقدَّم بسطُه في بَدْءِ الوحي (٧)، وقد أقَرَّ النبيّ ◌َّ أبا سفيان على ذلك، بل نَطَقَ النبيّ وَّه بهذه اللَّفظة، كما في حديث أوس بن أبي أوس عند ابنِ ماجَه (١٣٤٥)، وأصله عند أبي داود (١٣٩٣): ((الحرب سِجال))، ويُؤيِّد ذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِ لُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ بعدَ قولِهِ: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ فَرْجٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ فَرْعُ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] فإنَّهَا نزلت في قِصّة أُحُدٍ بالاتِّفاق. والقَرُ: الجراح. وأخرج ابن أبي حاتم (٣/ ٧٧١) من مُرسَلٍ عِكْرمةَ قال: لمَّا صَعِدَ النبيُّ وَّرِ الجبلَ جاء أبو سفيان فقال: الحربُ سِجال، فذكر القِصّة، قال: فأنزلَ الله تعالى: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرٌْ فَقَدْ مَسَّ اُلْقَوْمَ قَرٌْ مِّثْلُ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. وزاد في حديثِ ابن عبّاسٍ: قال (١) سقط الشطر الثاني من الرجز من (س). (٢) قال السهيلي: فَعَالِ: أمرٌ، أي: عَالِ عنها وأقصر عن لومها، تقول العرب: اعْلُ عني وعالٍ عني، بمعنَى، أي: ارتفع عني ودَعْني. (٣) تحرف في الأصلين و(س) إلى: الطبراني. وقد روي هذا الخبر من حديث ابن مسعود عند أحمد (٤٤١٤) وغيره، باللفظ المذکور. ١٥٧ : باب ١٦ / ح ٤٠٤٣ كتاب المغازي عمرُ: لا سواء، قتلانا في الجنَّة وقتلاكم في النار. قال: إنَّكم لَتَزْعُمونَ ذلك، لقد خِبْنا إذاً وخَسِرنا. قوله: ((وتَجِدُونَ)» في رواية الكُشْمِيهنيّ: وستَجِدونَ. قوله: ((مُثْلَةً)) بضمِّ الميم وسكون المثلَّثة، ويجوز فتح أوَّله. وقال ابن التِّن: بفتح الميمِ وضمِّ المثلَّثة، قال ابن فارس: مَثَلَ بالقتيلِ: إذا جَدَعَه. قال ابن إسحاق(١): حدَّثني صالح بن كَيسان قال: خَرَجَتِ هِندُ والنِّسوةُ معها يُمثِّلِنَ بالقتلَى، يَجِدَعنَ الآذان والأُنُف، حتَّى اَّخَذَت هِندُ من ذلكَ خدَماً (٢) وقَلائد، وأعطَت خدمها وقَلائدَها - أي: اللّائي كُنَّ عليها - لوَ حشيٍّ جزاءً له على قتلِ حمزة، وبَقَرَت عن كَبدِ حمزةَ فلاكَتها، فلم تَستَطِع أن تُسيغَها فَلَفَظَتها. قوله: «لم آمُر بها، ولم تَسُؤني» أي: لم أکرهها، وإن کان وقوعُها بغير أمري. وفي حديث ابن عَبَّاس: ولم يكن ذلك عن رأي سَرَاتِنا، ثم(٣) أدرَكته حَميَّةُ الجاهليَّة، فقال: أمَّا إنَّه إذا(٤) كان لم نَكرَهه(٥). وفي رواية ابن إسحاق: والله ما رضِيتُ وما سَخِطتُ، وما تَيَتُ وما أمَرتُ. وفي هذا الحديث من الفوائد: مَنزِلة أبي بكر وعمر من النبيّ وَّهِ وخُصوصيَّتُهما به بحيثُ كان أعداؤُه لا يَعرِفونَ بذلك غيرَهما، إذ لم يسأل أبو سفيان عن/ غيرهما. وأنَّه ٣٥٣/٧ ينبغي للمَرءِ أن يَتَذَكَّرِ نِعَمَ(٦) الله ويَعتَرِفَ بالتقصير عن أداءِ شُكرها. وفيه شُؤْمُ ارتكاب النَّهي، وأَنَّه يَعُمّ ضَرَرُه مَن لم يقع منه، كما قال تعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْ فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وأنَّ مَن آثَرَ دُنياه أضَرَّ بأمر (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢/ ٩١. (٢) قال ابن فارس: الخَدَم: الخلاخيل. (٣) لفظة ((ثم)) سقطت من (س). (٤) لفظة (إذا)) سقطت من (س). (٥) تصحفت في (س) إلى: يكرهه. بصيغة الغائب. (٦) في (س): نعمة. بالإفراد، ويجوز لإرادة جنس النعمة. ١٥٨ باب ١٦ / ح ٤٠٤٤-٤٠٤٥ فتح الباري بشرح البخاري آخِرَتِه، ولم تَحصُل له دُنياه. واستُفيدَ من هذه الكائنة أخذُ الصحابة الحَذَرَ من العَودِ إلى مثلِها، والمبالَغة في الطاعة، والتحَرُّز من العدوِّ الذين كانوا يُظهِرونَ أنَّهم منهم وليسوا منهم، وإلى ذلك أشارَ سبحانه وتعالى بقوله في سورة آلِ عِمران أيضاً: ﴿ وَرِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِ لُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠-١٤١]، وقال: ﴿ مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبٍ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. ٤٠٤٤- حدثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرو، عن جابرٍ، قال: اصْطَبَحَ الخمرَ يومَ أُحُدٍ ناسٌ، ثمَّ قُتِلُوا شُهَداءَ. ٤٠٤٥- حدَّثنا عَبْدانُ، أخبرنا عبدُ الله، أخبرنا شُعْبةُ، عن سَعْدِ بنِ إبراهيمَ، عن أبيه إبراهيمَ: أَتِيَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ بطعامٍ، وكان صائماً، فقال: قُتِلَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيرٍ، وهو خيرٌ منّي، كُفِّنَ في بُرْدةٍ إن غُطِّيَ رأسُه بَدَتْ رِجْلاه، وإن غُطِّيَ رِجْلاه بَدَا رأسُه، وأُراه قال: وقُتِلَ حمزةٌ وهو خيرٌ منّي، ثمَّبُسِطَ لنا مِن الذُّنْيا ما بُسِطَ - أو قال: أُعْطينا مِن الدُّنْيا ما أُعْطينا - وقد خَشِينا أن تكونَ حَسَناتُنا عُجِّلَت لنا، ثمَّ جَعَلَ يبكي حتَّى تَرَكَ الطَّعامَ. الحديث الثالث: قوله: (عن عمرو» هو ابن دینارٍ. قوله: ((اصطَبَحَ الخمرَ يومَ أُحُدٍ ناسٌ ثمَّ قُتِلوا شُهَداءً)) سمّى جابر منهم فيما رواه وَهْب ابن كَيْسان عنه: أباه عبد الله بن عَمْرو، أخرجه الحاكم في ((الإكليل))، ودَلَّ ذلك على أنَّ تحريمَ الخَمرِ كان بعدَ أُحُدٍ، وصَرَّحَ صَدَقةُ بن الفضل عن ابن عُيَينَةَ كما سيأتي في تفسير المائدة (٤٦١٨) بذلك، فقال في آخِرِ الحديث: وذلك قبلَ تحريمها. وقد تقدَّم التنبيه على شيءٍ من فوائدِه في أوَّل الجهاد (٢٨١٥). الحديث الرابع: قوله: ((أخبرنا عبد الله)) هو ابن المباركِ. ١٥٩ باب ١٦ / ح ٤٠٤٥ كتاب المغازي قوله: ((عن سعد بن إبراهيم)) أي: ابن عبد الرحمن بن عَوْف. قوله: ((أُنيَ عبد الرحمن بن عَوْف بطعام)) في رواية نَوفَل بن إياس: أنَّ الطَّعامَ كان خُبزاً ئے ولحماً. أخرجه التِّرمِذيُّ في ((الشَّمائلِ)) (١٣٩). قوله: ((وهو صائم)) ذكر ابن عبد البَرِّ أنَّ ذلك کان في مرضٍ موتِه. قوله: ((قُتِلَ مُصعَبُ بن عُميرٍ)) تقدَّم نَسَبُه وذِكرُه في أوَّل الهجرة (٣٩٢٤)، وأنَّه كان من السابقين إلى الإسلام وإلى الهجرة(١)، وكان يُقرِئ الناسَ بالمدينة قبلَ أن يَقْدَمَ النبيُّ وَلَّه وكان قتلُهُ يومَ أُحُدٍ، وذكر ذلك ابن إسحاق وغيرُه، وقال ابن إسحاق: وكان الذي قَتل مُصعَبَ بن عُمير عَمْرو بن قَمِئَةَ اللَّيْثِيّ، فظَنَّ أنَّه رسول الله ◌َّهِ، فَرَجَعَ إلى قُرَيشٍ، فقال لهم: قتلتُ محمداً. وفي (الجهاد)) لابنِ المنذِرِ (٢) من مُرسَلٍ عُبيد بن عُمير قال: وقَفَ رسول الله وَّل على مُصعَب بن عُمير وهو مُنْجَعِفٌ(٣) على وجههِ، وكان صاحبَ لواءِ رسولِ اللهِ وََّ، الحدیث. قوله: ((وهو خيرٌ مِنِّي)) لعلَّه قال ذلك تَواضُعاً. ويحتمل أن يكونَ ما استَقرَّ عليه الأمر من تفضيل العشرة على غيرهم بالنَّظَرِ إلى مَن لم يُقتَل في زمن النبيِّ وَِّ، وقد وَقَعَ من أبي بكر الصِّدِّيق نَظيرُ ذلك. فذكر ابن هشام: أنَّ رجلاً دَخَلَ على أبي بكر / الصِّدِّيق، وعنده ٣٥٤/٧ بنت سعد بن الرَّبيع وهي صغيرة، فقال: مَن هذه؟ قال: هذه بنت رجلٍ خير منِّي سعد بن الرَّبيع، كان من نُقَباءِ العَقَبة، شَهِدَ بدراً، واستُشهِدَ يومَ أُحُدٍ. قوله: «كُفِّنَ في بُرْدٍ)» تقدَّم شرحه في كتاب الجنائز (١٢٧٤ و ١٢٧٥). قوله: ((وقُتِلَ حمزة)) أي: ابن عبد المطَّلِب، ستأتي كيفيَّةُ قتلِه في هذا الباب (٤٠٧٢). (١) سلف الكلام على إسلامه عند شرح الحديث (٦٤٤٨). (٢) وهو أيضاً في ((الجهاد)) لابن المبارك (٩٥). (٣) أي: مصروع. ١٦٠ باب ١٦ / ح ٤٠٤٦-٤٠٤٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (ثُمَّبُسِطَ لنا من الدُّنيا ما بُسِطَ)) يشيرُ إلى ما فُتِحَ لهم من الفُتوحِ والغنائمِ، وحَصَلَ لهم من الأموال، وكان لعبد الرحمن من ذلك الحَظُّ الوافر. قوله: ((وقد خَشِينا أن تكونَ حَسَناتُنا)» في رواية الجنائز: طيِّاتُنا، وفي رواية نَوفَلِ بن إياسٍ: ولا أُرانا أُخِّرنا لما هو خيرٌ لَنا. قوله: (ثُمَّ جَعَلَ يبكي حتَّى تَرَكَ الطَّعامَ)) في رواية أحمد(١) عن غُندَر عن شُعبةَ: وأحسَبُه لم یأکله. وفي الحديث فضلُ الزُّهِدِ، وأنَّ الفاضلَ في الدّينِ ينبغي له أن يخشى من التوسُّع في الدُّنيا لثَّا تَنقُص حَسَناتُه، وإلى ذلك أشارَ عبدُ الرحمنِ بقولِه: خَشينا أن تكونَ حَسَناتُنا قد عُجِّلَت. وسيأتي مَزيدٌ لذلك في كتاب الرِّقاق إن شاء الله تعالى (٦٤٤٨). قال ابنُ بَطّالٍ: وفيه أنَّه ينبغي ذِكرُ سيَرِ الصالحين وتَقَلُّلِهِم في الدُّنيا، لتَقِلَّ رغبتُه فيها، قال: وكان بكاءُ عبد الرحمن شَفَقاً أن لا يَلحَقَ بمَن تقدَّمه. الحديث الخامس: ٤٠٤٦- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو، سمعَ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، قال: قال رجلٌ للنبيِّ وَّهِ يومَ أُحُدٍ: أرأيتَ إن قُتِلْتُ فأينَ أنا؟ قال: ((في الجنَّةِ» فألقَى تَمراتٍ في يدِه، ثمَّ قائَلَ حتَّى قُتِلَ. ٤٠٤٧- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا زُهَيرٌ، حدَّثنا الأعمَشُ، عن شَقِيقٍ، عن خَبّاب ◌َثُه، قال: هاجَرْنا معَ رسولِ اللهِ وَّ نَبْتَغِي وجهَ الله، فوَجَبَ أجْرُنا على الله، ومِنّا مَن مَضَى - أو ذهبَ - لم يأكل من أجْرِه شيئاً، كان منهم مُصْعَبُ بنُ عُمَيرٍ، قُتِلَ يومَ أُحُدٍ، لم يَتْرُك إلَّا نَمِرةً، كنّا إذا غَطَّينا بها رأسَه خَرَجَتْ رِجْلاه، وإذا غُطِّيَ بها رِجْلاه خَرَجَ رأسُه، فقال لنا النبيُّ ◌َةِ: ((غَطُّوا بها رأسَه، واجْعَلوا - أو قال: أَلْقُوا - على رِجْلَيه ◌ِمِن الإذْخِرِ)) ومِنّا مَن أينَعَت له (١) لم نقف عليه في ((مسند أحمد))، فلعله في بعض كتبه الأخرى. وقد أخرجه من طريقه أبو نعيم في ((الحلية)) ١ / ١٠٠.