Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ باب ١٣ / ح ٤٠٣٣-٤٠٣٦ كتاب المغازي بَكْرٍ فيه كما تقولان، واللّهُ يَعْلَمُ إِنَّه فيه لَصادِقٌ بارزٌّ راشدٌ تابعٌ للحَقِّ؟ ثمَّ تَوَفَّى الله أبا بَكْرٍ، فقلتُ: أنا ولِيُّ رسولِ اللهِ وَّهِ وأبي بَكْرٍ، فَقَبَضْتُهُ سنتَينِ من إمارَتي، أعمَلُ فيه ما عَمِلَ فيه رسولُ الله ◌َ ل﴿ وأبو بَكْرٍ، واللّهُ يَعْلَمُ أنّي فيه لَصادِقٌ بارِّ راشدٌ تابعٌ للحَقِّ، ثمَّ جِئْتُماني كِلاكُما، وكَلمَتْكُما واحدةٌ، وأمرُكُما جميعٌ، فِتْتَني - يعني: عبَّاساً - فقلتُ لكُما: إنَّ رسولَ الله وَ قال: ((لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقةٌ)) فلمَّا بَدَا لي أن أدْفَعَه إليكُما، قلتُ: إن شئتُمَا دَفَعْتُه إليكما، على أنَّ عليكما عَهْدَ الله ومِيثاقَهِ، لَتَعْمَلانٌ فيه بما عَمِلَ فيه رسولُ اللهِ وَِّ وأبو بكرٍ، وما عَمِلْتُ فيه مُنْذُ وَلِيتُ، وإلّ فلا تُكلِّماني، فقلتُما: ادْفَعْه إلينا بذلكَ، فَدَفَعْتُه إليكما، أفتَلْتَمِسان منّي قَضاءً غيرَ ذلكَ؟ فوالله الَّذِي بإذْنِهِ تقومُ السماءُ والأرضُ لا أَقضي فيه بقَضاءٍ غيرِ ذلكَ، حتَّى تقومَ الساعةُ، فإن عَجَزْتُا عنه فادْفَعَا إليّ، فأنا أکفِيكُماه. ٤٠٣٤- قال: فحَدَّثْتُ هذا الحديثَ عُرْوةَ بنَ الزُّبَيرِ، فقال: صَدَقَ مالكُ بنُ أَوْسٍ، أنا سمعتُ عائشةَ رضي الله عنها زَوْجَ النبيِّ وَّةِ، تقولُ: أرسَلَ أزواجُ النبيِّ وَّلِ عُثْمانَ إلى أبي بَكْرٍ، يَسْألْنَه ثُمُنَّهُنَّ مَّا أفاءَ الله على رسوله، فكنتُ أنا أرُدُّهُنَّ، فقلتُ لهنَّ: ألا تَتَّقِينَ اللهَ! ألم تَعلَمْنَ أنَّ النبيَّ ◌َّهِ كان يقول: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقةٌ - يريدُ بذلكَ نفسَه - إنَّما يأكلُ أَلُ محمَّدٍ في هذا المال))؟! فانتَهَى أزْواجُ النبيِّ وَّةٍ إلى ما أخبَرَتُهُنَّ، قال: فكانت هذه الصَّدَقُ بِيَدِ عليٍّ، مَنَّعَها عليٌّ عَبَّاساً، فغَلَبَه عليها، ثمَّ كان بيَدِ الحَسَن بنِ عليٍّ، ثمَّ بَيَدِ الحُسَين بنِ عليٍّ، ثمَّ بِيَدِ عليٍّ بنِ الحُسَينِ وحَسَنِ بنِ حَسَنٍ، كلاهما كانا يَتَداولانها، ثمَّ بِيَدِ زيدٍ بنِ حَسَنٍ، وهي صَدَقَةُ رسولِ الله وَ لِّ حَقّاً. [طرفاه في: ٦٧٢٧، ٦٧٣٠] ٤٠٣٥- حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، أخبرنا مَعمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن عُرْوةَ، عن عائشةَ: أنَّ فاطمةَ عليها السَّلامُ والعبَّاسَ أتيا أبا بَكْرٍ يَلْتَمِسان مِيراثَهما: أرضه من فَدَك، وسَهْمَه من خَيْرَ. ٤٠٣٦ - فقال أبو بكرٍ: سمعتُ النبيَّ ◌َله يقول: ((لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ، إنَّما يأكلُ أَلُ ١٢٢ باب ١٤ / ح ٤٠٣٧ فتح الباري بشرح البخاري محمَّدٍ في هذا المال))، والله لَقَرابةُ رسولِ اللهِ وَّ أَحَبُّ إِلَيَّ أن أَصِلَ من قَرابَتي. الحديث الخامس: حديث مالك أوس بن الحَدَثان عن عمر، وفيه قِصّة مُخَاصَمة العبّاس وعليّ عنده مُطوَّلة، وقد تقدَّم شرحه في فرض الخُّمُس (٣٠٩٤) مُستَوفَّى، والغرض منه قوله: وهما يَخْتَصِمان فيما أفاء الله على رسوله من بني النَّضير. الحديث السادس: حديث عائشة. قوله: ((قال: فحدَّثت هذا الحديث عُزْوة)» القائل هو الزُّهْريّ، وهو موصول بالإسناد المذكور، وقد ذكرتُ شرحه أيضاً مع حديث مالك بن أوس في فرض الخُمُس. الحديث السابع: حديث أبي بكر الصِّدِّيق. تقدَّم أيضاً في أوَّل فرض الخُمُس (٣٠٩٢ و٣٠٩٣) بزيادةٍ فيه. وزاد هنا قول أبي بكر: والله لَقَرابُ رسول الله وَّهِ أَحَبّ إليَّ أن أصِلَ مِن قَرابَتي. وظاهر سياقه الإدراج، وقد بيَّنْه الإسماعيليّ بلفظ: فَتَشَهَّدَ أبو بكر، فحَمِدَ الله وأثنَى عليه، ثمَّ قال: أمَّا بعد، فوالله لَقَرابة رسول الله وَّهِ أَحَبّ إليَّ أن أصِلَ من قَرابَتي، قال أبو بكر ذلك مُعتَذِراً عن مَنْعه القسمةَ، وأَنَّه لا يَلزَم منها أن لا يَصِلهم بِرِّه من جهةٍ أُخرَى. ومُحصَّل كلامه أنَّ قَرابة الشَّخص مُقدَّمة في بِّه، إلّا إن عارضهم في ذلك مَن هو أرجَحُ منهم، والله أعلم. ١٤ - باب قتل كعب بن الأشرف ٤٠٣٧ - حدَّثنا عليّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال عَمْرٌو: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، يقول: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن لِكَعْبٍ بنِ الأشرَفِ؟ فإنَّه قد آذَى اللهَ ورسولَه)» فقامَ محمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ، فقال: يا رسولَ الله، أتُحِبُّ أن أَقْتُلَه؟ قال: ((نعمْ)) قال: فأُذَن لي أن أقولَ شيئاً، قال: ((قُلْ)) فأتاه محمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ، فقال: إنَّ هذا الرجلَ قد سألَنا صَدَقَةً، وإِنَّه قد عنَّنا، وإنّي قد أتيتُكَ أستَسْلِفُكَ؟ قال: وأيضاً والله لَتَمَلُّنَّهُ، قال: إنّا قد اتَّبَعْناه، فلا نُحِبُّ أن نَدَعَه حتَّى نَنظُرَّ إلى أيِّ شيءٍ يَصِيرُ شأنُه، وقد أرَدْنا أن تُسْلِفَنا وَسْقاً أو وَسْقَينٍ - وحدَّثنا عَمْرُو غيرَ مَرّةٍ، فلم يَذكُرْ: وَسْقاً أو وَسْقَينٍ، فقلتُ له: فيه وَسْقٌ أو وَسْقَانِ؟ فقال: أُرَى فيه ١٢٣ باب ١٤ / ح ٤٠٣٧ كتاب المغازي وَسْقاً أو وَسْقَينٍ - فقال: نعم، ارهَنُوني، قالوا: أيَّ شيءٍ تريد؟ قال: ارهَنُوني نساءَكُمْ، قالوا: ٣٣٧/٧ كيفَ نَرْهَنُكَ نساءَنا، وأنتَ أجملُ العربِ؟! قال: فارهَنُوني أبناءَكُمْ، قالوا: كيفَ نَرْهَنُكَ أبناءَنا، فيُسَبُّ أحدُهُم، فيقال: رُهِنَ بوَسْقٍ أو وَسْقَينٍ؟ هذا عارٌ علينا، ولكنّا نَرْهَنُكَ اللَّأُمّةَ - قال سفيانُ: يعني السِّلاحَ - فواعَدَه أن يأتيَه، فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلةَ، وهو أخو گَعْبٍ مِن الرَّضاعةِ، فَدَعاهم إلى الِحِصْنِ، فنزلَ إلَينا، فقالت له امرأتُه: أينَ تَخْرُجُ هذه الساعةَ؟ فقال: إِنَّا هو محمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ، وأخي أبو نائلةَ - وقال غيرُ عَمرِو: قالت: أسمَعُ صوتاً كأنَّه يَقْطُرُ مِنْه الدَّمُ، قال: إنَّما هو أخي محمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ، وَرَضِيعِي أبو نائلةَ، إنَّ الكَرِيمَ إذا دُعِيَ إلى طَعْنِةٍ بليلٍ لأجابَ - قال: ويَدخُلُ محمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ معه بِرِ جُلين - قيلَ لِسفيانَ: سَمّاهم عَمْرٌو؟ قال: سَمَّى بعضَهم، قال عَمْرٌو: جاء معه برجلينٍ، وقال غيرُ عَمرِو: أبو عَبْسٍ بنُ جَيْرٍ، والحارثُ ابنُ أوْسٍ، وعبّادُ بنُ بِشْرٍ، قال عَمْرٌو: جاء معه برجلينٍ - فقال: إذا ما جاء، فإنّي قائلٌ بشَعَرِهِ فأشَمُّه، فإذا رأيتُموني استَمْكَنْتُ من رأسِه، فدونكم فاضْرِبوه - وقال مَرّةً: ثمَّ أَشِمُّكُم -فنزلَ إليهم مُتَوَشِّحاً، وهو يَنفَعُ منه رِيحُ الطِّيبِ، فقال: ما رأيتُ كاليومِ رِيحاً - أي: أطْيَبَ - وقال غيرُ عَمرِو: قال: عندي أعطَرُ نساءِ العربِ، وأكمَلُ العربِ - قال عَمْرٌو: فقال: أتأذَنُ لي أن أَثُمَّ رأسَكَ؟ قال: نعمْ، فشَمَّه ثمَّ أَشَمَّ أَصْحابَه، ثمَّ قال: أتأذَنُ لي؟ قال: نعمْ، فلمَّا استَمْكَنَ منه، قال: دونكم فقَتَلوه، ثمَّ أتَوا النبيَّ ◌َێ، فأخبروه. قوله: ((باب قتل كعب بنِ الأشرَف)) أي: اليهوديِّ، قال ابن إسحاق وغيره: كان عربيّاً من بني نَبْهان، وهم بطن من طَيِّئ، وكان أبوه أصاب دَماً في الجاهليّة، فأتى المدينة فحالَفَ بني النَّضير فشَرُف فيهم، وتزوَّجَ عَقيلةَ بنتَ أبي الحقيق فَوَلَدَت له كعباً، وكان طَويلاً جَسيماً ذا بَطنٍ وهامة، وهَجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى مكَّة فنزلَ على أبي(١) وَدَاعَة السَّهْمَيّ والد الُطَّلِّب. فهَجاه حسَّان وهَجَا امرأته عاتِكَةَ بنت أَسِيد بن أبي العِيصِ ابن أُميَّةٌ، فطَرَدَته، فَرَجَعَ كعب إلى المدينة وشَبَّبَ(٢) بنساءِ المسلمين حتَّى آذاهم. (١) تحرف في (س) إلى: ابن. (٢) تحرف في (س) إلى: تشبب. ١٢٤ باب ١٤ / ح ٤٠٣٧ فتح الباري بشرح البخاري وروى أبو داود (٣٠٠٠) والتِّرمِذيّ(١)، من طريق الزُّهْريِّ عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن كعب بن مالك عن أبيه: أنَّ كعب بن الأشرف كان شاعراً، وكان يَهجو رسول الله وَله ويُرِّض عليه كفَّار قُرَيش، وكان النبيّ ◌َّهِ قَدِمَ المدينة وأهلها أخلاط. فأراد رسول الله وَيه استصلاحهم، وكان اليهود والمشركونَ يُؤذونَ المسلمين أشدّ الأَذَى، فأمَرَ الله رسوله والمسلمين بالصبرِ. فلمَّا أبى كعب أن يَنزع عن أذاه أمَر رسول الله وَّ سعد بن معاذ أن يَبعَث رَهطاً ليَقتُلُوه، وذكر ابن سعد: أنَّ قتله كان في ربيع الأوَّل من السَّنة الثالثة. قوله: ((قال عَمْرو)) هو ابن دينار، كذا هنا، وفي رواية قُتَيبة عن سفيان في الجهاد (٣٠٣١)، وعند أبي نُعيم من طريق الحميديِّ عن سفيان: حدَّثنا عَمْرو. قوله: ((مَنْ لِكَعب بن الأشرَف؟)) أي: مَن الذي يَنْتَدِبُ إلى قَتْله؟ قوله: ((آذَى اللهَ ورسولَه)» في رواية محمد بن محمود بن محمد بن مَسلَمةَ عن جابر عند الحاكم في ((الإكليل))(٢): ((فقد آذانا بشعره، وقَوَّى المشركين)». وأخرج ابن عائذ من طريق الكَلْبِيّ: أنَّ كعبَ بن الأشرَف قَدِمَ على مُشِرِكِي قُرَيش فحالَفَهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين. ومن طريق أبي الأسوَد عن عُرْوة: أنَّه كان يَهَجو النبِّ وَّهِ والمسلمين ويُحرِّض قُرَيشاً عليهم، وأنَّه لمَّا قَدِمَ على قُريش قالوا له: أدِينُنا ٣٣٨/٧ أهدَى أم / دينُ محمد؟ قال: دينكم، فقال النبيّ وَّ: ((مَن لنا بابنِ الأشرَف، فإنَّه قد استَعلَنَ (١) كذا قال الحافظ رحمه الله، ولم نقف عليه عند الترمذي، ولا نسبه إليه ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (١١٢٢)، ولا المزي في ((تحفة الأشراف)) (١١١٥٢)، وإنما اقتصرا على نسبته لأبي داود. (٢) وأخرجه أيضاً البيهقي في ((الدلائل)) ٣/ ١٩٤ -١٩٥، لكنه جاء فيه: عن إسماعيل بن أبي أُويس، عن إبراهيم ابن جعفر بن محمود بن مسلمة، عن أبيه، عن جابر، کذا جاء فيه: جعفر بن محمود بن مسلمة، وقد أسند البخاري طرفاً من هذه القصة في ((تاريخه الكبير)) ١/ ١١ عن إسماعيل بن أبي أُويس، عن إبراهيم بن جعفر ابن محمود بن محمد بن مسلمة، عن أبيه، عن جابر: أنَّ محمداً وأبا عبس بن جبر وعباد بن بشر قتلوا كعب ابن الأشرف، فقال النبي وَلّ حين نظر إليهم: ((أفلحَتِ الوجوه)). فلعلَّ ما وقع عند الحاكم حصل فيه تحريف للحافظ رحمه الله إذ كرر ذكر اسمه هكذا: محمد بن محمود، وإنما هو جعفر بن محمود كما يظهر من إسناد ((التاريخ الكبير))، و((الدلائل))، وهو المذكور في (تهذيب الكمال)) في الرواة عن جابر بن عبد الله. ١٢٥ باب ١٤ / ح ٤٠٣٧ كتاب المغازي بعَداوَتِنا». ووَجَدتُ في ((فوائد عبد الله بن إسحاق الخُراسانيّ)) من مُرسَلٍ عِكْرمةَ بسندٍ ضعيفٍ إليه لِقتلِ كعب بن الأشرف سبباً آخر: وهو أنَّه صَنَعَ طعاماً وواطاً جماعةً من اليهود أنَّه يَدعُو النبيّ ◌ِّ إلى الوَلیمة، فإذا حَضَرَ فتَكُوا به، ثمَّ دعاه فجاء ومعه بعض أصحابه، فأعلمه چِبْریل بما أضمَروه بعد أن جالَسَه، فقامَ فسَتَرَه جِبْريل بجناحه فخَرَج، فلمَّا فقَدوه تَفرَّقوا، فقال حينئذٍ: ((مَن يَنْتَذِب لِقَتَلِ كعب)(١). ويُمكِن الجمع بتعدُّدِ الأسباب. قوله: ((فقامَ محمد بن مَسلَمَةَ، فقال: يا رسولَ الله، أُحِبُّ أن أقتُلَه؟)) في مُرسَلٍ عِكْرمة: فقال محمد بن مَسلَمةَ: هو خالي. قوله: ((قال: نعم)) في رواية محمد بن محمود: فقال: ((أنتَ له))، وفي رواية ابن إسحاق: قال: ((فافعَل إن قَدَرت على ذلك))، وفي رواية عُرْوة: فسَكَتَ رسول الله وَ ◌ّهِ، فقال محمد بنُ مَسلَمَةَ: أَقَرَّ صامتٌ، ومثله عند سَمّويه في ((فوائده)، فإن ثَبَتَ احتملَ أن يكون سَكَتَ أوَّلاً ثمَّ أذِنَ له، فإنَّ في رواية عُرْوة أيضاً: أنَّه قال له: ((إن كنتَ فاعلاً، فلا تَعجَل حتَّى تُشاوِر سعد بن معاذ)) قال: فشاوَرَه، فقال له: تَوَجَّه إليه، واشكُ إليه الحاجة، وسَلْه أن يُسلِفكم طعاماً. قوله: ((فأُذَنْ لي أن أقول شيئاً، قال: قُل)) كأنَّه استأذَنه أن يَفتَعِلَ قولاً تحتال به، ومن ثَمَّ بَوَّبَ عليه المصنّف: ((الكَذِبُ في الحرب))(٢)، وقد ظَهَرَ من سياق ابن سعد (٣٢/٢) للقِصّة أَهم استأذَنوا أن يَشْكُوا منه ويَعِيبوا دينه، ولفظه: فقال له: كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء، حارَبَتنا العرب، ورَمتْنا عن قَوسٍ واحدةٍ، وعند ابن إسحاق(٣) بإسنادٍ حَسَن عن ابن عبّاس: أنَّ النبيَّ ◌َّهِ مَشَى معهم إلى بَقيع الغَرَفَد، ثمَّ وجَّهَهم، فقال: ((انطَلِقوا على اسم الله، اللهمَّ أعِنْهم)». (١) وقد أخرج عبد الرزاق في «تفسيره)) ١٦٥/١ عن عكرمة بسند صحيح إليه ما يوافق قول عروة السابق ذكره. وجاء موصولاً بذکر ابن عباس بنحوه عند النسائي في «الکبری» (١١٦٤٣) بسند لا بأس به. (٢) قبل الحديث (٣٠٣١) من كتاب الجهاد. (٣) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٥٥/٢-٥٦، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أحمد (٢٣٩١). ١٢٦ باب ١٤ / ح ٤٠٣٧ فتح الباري بشرح البخاري عَلىالله وثـ قوله: ((إنَّ هذا الرجلَ» يعني النبيّ قوله: ((قد سألَنَا صَدَقةً)) في رواية الواقديِّ (١٨٨/١): سألَنا الصدقة، ونحنُ لا نَجِدُ ما نأكُل، وفي مُرسَل ◌ِكْرمة: فقالوا: يا أبا سعيد، إنَّ نبيّنا أراد مِنّا الصدقة، وليس لنا مال نُصدِقُه. قوله: ((قد عنَّانا)) بالمهمَلة وتشديد النُّون الأولى، من العَناءِ: وهو التعَب. قوله: ((قال: وأيضاً)) أي: وزيادة على ذلك، وقد فَشَّرَه بعد ذلك. قوله: ((والله لَتَمَلُنَّ)) بفتح المثنّاة والميم وتشديد اللّم والنُّون من الملال، وعندَ الواقديِّ: أنَّ كعباً قال لأبي نائلة: أخبرني ما في نفسك، ما الذي تريدونَ في أمره؟ قال: خِذلانه والتخَلّي عنه، قال: سَرَرتَني. قوله: «وقد أُرَدنا أن تُسْلِفَنا وَسْقاً أو وَسْقَيْنِ، وحدَّثْنا عَمْرو غير مَرّةٍ، فلم يَذكُر: وسقاً أو وسقَينٍ)) قائل ذلك عليّ بن المدينيّ، ولم يقع ذلك في رواية الحميديِّ، ووقعَ في رواية عُروة: وأُحِبُّ أن تُسْلِفَنا طعاماً، قال: أين طعامُكُم؟ قالوا: أنفَقناه على هذا الرجلِ وعلى أصحابه، قال: ألم يأنِ لكم أن تعرِفوا ما أنتم عليه من الباطِلِ؟ تنبيه: وقعَ في هذه الرِّواية الصحيحة أنَّ الذي خاطَبَ كعباً بذلك هو محمد بن مَسلَمة، والذي عند ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي أنَّه أبو نائلة، وأَوْمأ الدِّمياطيّ إلى ترجيحه، ويحتمل أن يكون كلٌّ منهما كَلَّمَه في ذلك، لأنَّ أبا نائلة أخوه من الرَّضاعة، ومحمد بن مَسلَمةَ ابن ◌ُخته. وفي مُرسَل ◌ِكْرمة في الكلّ بصيغة الجمع: قالوا، وفي مُرسَل عِكْرمة: وائذَن لنا أن نُصيب مِنك، فيَطمَئِنّ إلينا، قال: ((قولوا ما شِئْتُم))، وعنده: أمَّا مالي فليس عندي اليوم، ولكن عندي التمر، وذكر ابن عائذ أنَّ سعد بن معاذ بَعَثَ مع(١) محمد ابنَ أخيه الحارث بن أوس بن معاذ. (١) لفظة ((مع)) سقطت من (ع) و(س)، فأوهم ذلك أنَّ اسم المبعوث محمد بن الحارث، وإنما المراد أنَّ سعداً بعث الحارثَ بن أوس ابنَ أخيه أوس مع محمد بن مسلمة. ١٢٧ باب ١٤ / ح ٤٠٣٧ كتاب المغازي قوله: (ارهَنُوني)) أي: ادفَعوا لي شيئاً يكون رَهْناً على التمر الذي تريدونَه. قوله: ((وأنتَ أجمَلُ العرب)) لعلَّهم قالوا له ذلك تَهَكُّماً، وإن كان هو في نفسه كان جميلاً. زاد ابن سعد (٢/ ٣٣ -٣٤) من مُرسَل ◌ِكْرمة: ولا نأمَنك، وأيّ امرأة تَتَنِعِ مِنك لجمالك! وفي المرسَل الآخر الذي أشَرت إليه: وأنتَ رجل حُسّان تُعجِب النِّساء، وحُسّانٌ بضمِّ الحاء وتشديد السّين/ المهمَلَتَينِ. ٣٣٩/٧ قوله: ((ولكنّا (١) نَرْهَنُك اللَُّمة)) بتشديد اللّام وسكون الهمزة. قوله: ((قال سفيان: يعني السِّلاح)) كذا قال، وقال غيره من أهل اللُّغة: اللَّمةُ: الدِّرْع، فعلى هذا إطلاق السِّلاح عليها من إطلاق اسم الكلِّ على البعض. وفي مُرسَل ◌ِكْرمة(٢): ((ولكنّا نَرهَنك سِلاحنا مع عِلمك بحاجتِنا إليه، قال: نعم. وفي رواية الواقديِّ: وإنَّما قالوا ذلك لئَلَا يُنكِرَ مَجيئهم إليه بالسِّلاح. قوله: ((فجاء ليلاً ومعه أبو نائلة)) بنونٍ وبعد الألف تحتانيَّة، واسمه سِلْكان بن سَلامة. قوله: ((وكان أخاه من الرَّضاعة)) يعني: كان أبو نائلة أخا كعب، وذكروا أنَّه كان نَديمَه في الجاهليَّة، فكان يَركَن إليه. وقد ذكر الواقديُّ أنَّ محمد بن مَسلَمةَ أيضاً كان أخاه، زاد الحميديُّ في روايته: وكانوا أربعة، سَمَّى عَمْرٌو منهم اثنين. قلت: وستأتي تسميتُهم قريباً. وعند الخُراسانيّ في مُرسَل عِكْرمة: فلمَّا كان في القائلة أَتوه ومعهم السِّلاح، فقالوا: يا أبا سعيد. فقال: سامعاً دَعَوتَ. قوله: ((فقالت له امرأته)) لم أقف على اسمها(٣). (١) تحرفت في (س) إلى: ولكن. (٢) عند عبد الرزاق في ((تفسيره)) ١٤/ ١٤٣، وابن سعد في ((الطبقات)) ٣٣/٢-٣٤، والطبري في ((تفسيره)) ٢٠١/٤، وابن المنذر في ((تفسيره)) (١٢٤٥). وإسناده صحيح إليه. (٣) وقع في الأصلين عندنا ما نصُّه: تقدم في أول الترجمة أنَّ اسمها عقيلة. وهو خطأ، لأنَّ المذكور في أول الترجمة أنَّ اسم أمه عقيلة، وليس اسم امرأته. فالمثبت من (س) هو الصواب. ١٢٨ باب ١٤ / ح ٤٠٣٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((وقال غير عَمْرو: قالت: أسمَعُ صوتاً كأنَّه يَقطُر منه الدَّم)) في رواية ابن الكَلْبِيّ: فَتَعلَّقَت به امرأته، وقالت: مكانَك، فوالله إنّ لأرَى حُمرة الدَّم مع الصوت، وبيَّن الحميديُّ (١٢٥١) في روايته عن سفيان أنَّ الغير الذي أبهَمَه سفيان في هذه القِصّة هو العَبسيّ، وأنَّه حدَّثه بذلك عن عِكْرمة مُرسَلاً، وعند ابن إسحاق(١): فهَتَفَ به أبو نائلة ــ وكان حديث عَهد بعُرسٍ - فوَثَبَ في مِلْحَفَته، فأخَذَت امرأته بناحِيَّتِها، وقالت له: أنتَ امرُؤٌ مُحاربٌ، لا تَنزِلُ في هذه الساعة. فقال: إنَّه أبو نائلة، لو وجدَني نائماً ما أيقَظَني. فقالت: والله إنّي لَأعرِف من صوته الشّ، وفي مُرسَل عِكْرمة(٢): أخَذَت بثوبه فقالت: أُذكِّرُك اللهَ أن لا تَنزِل إليهم، فوالله إنّي لَأَسمَعُ صوتاً يَقطُر منه الدَّم. قوله: «قال: ويدخل محمد بن مَسلَمةَ معه بِرِجُلَين، قيل لسفيان: سَمّهم عَمْرو؟ قال: سَمَّی بعضهم، قال عمرو: جاء معه برجلینٍ، وقال غیر عَمْرو: أبو عَبس بن جَبْر والحارث بن أوس وعبّادُ بن بشرٍ)) قلت: ووقعَ في رواية الحميديِّ (١٢٥١): قال: فأتاه ومعه أبو نائلة وعبّاد بن بشر وأبو عَبس بن جَبر والحارث بن معاذ إن شاء الله. كذا أدرَجَه: ورواية عليّ ابن المدينيّ مُفَصَّلة، ونَسبَ الحارث بن معاذ إلى جَدّه، ووَقَعَت تسميتُهم كذلك في رواية ابن سعد (٣١/٢-٣٣)، فعلى هذا فكانوا خمسة، ويُؤْيِّده قول عبّاد بن بشر من قصيدة في هذه القِصّة: فشَدَّ بسيفِه صَلْتاً عليه فقَطَّره(٣) أبو عَبسٍ بن جَيْرٍ وكان اللهُ سادِسَنَا فَأَبْنا بأنعَمِ نِعمةٍ وأعَزِّ نصرٍ وهو أَولى ممّا وَقَعَ في رواية محمد بن محمود: كان مع محمد بن مسلمةَ أبو عبس بن جبر وأبو عَتِيك. ولم يَذكُر غيرهما، وكذا في مُرسَل ◌ِكْرمة(٤): ومعه رجلان من الأنصار. ويُمكِنُ (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٥٥/٢-٥٦. (٢) يعني الذي عند الخراساني بسند ضعيف. (٣) في (س): فقطعه. (٤) يعني الذي عند الخراساني بسند ضعيف. ١٢٩ باب ١٤ / ح ٤٠٣٧ كتاب المغازي الجمعُ بأنَّهم كانوا مَرّةَ ثلاثةً وفي الأُخرَى خمسة. قوله: «فإنّ قائلٌ بشَعرِه فأشَمُّه)) وهو من إطلاق القولِ على الفعلِ. قوله: ((وقال مَرّة: فأَشِمُّكُم(١)) أي: أُمكِنكم من الشَّمِّ. وقوله: ((وهو يَنفَحُ» بالفاءِ والمهمَلة. قوله: ((ريحُ الطّيب)) في رواية ابن سعد: وكان حديث عَهدٍ بعُرسٍ، وفي مُرسَل عِكْرمة(٢) فقال: يا أبا سعيد، أدنِ منِّي رأسَك أشَمُّه وأمسَح به عينيَّ ووجهي. قوله: ((عندي أعطَرُ نساء العرب وأكمَل العرب)) وعند الأَصِيلِيّ: أجْمَل، بالجيم بَدَل الكاف، وهي أشبه، وفي مُرسَل ◌ِكْرمة(٣): فقال: هذا عِطر أمّ فلان، يعني امرأته. وفي رواية الواقديِّ (١٨٩/١): وكان كعب يَدَّهِنُ بالِسِكِ الفَتِيت(٤) والعَنبَرَ حتَّى يَتَلَبَّد في صِدغَيه، وفي روايةٍ أُخرَى: وعندي أعطَرَ سَيِّد العرب. وكأنَّ((سَيِّد)) تصحيف من نساء، فإن كانت محفوظةً فالمعنى: أعطر / نساء سَيِّد العرب، على الحذف. ٣٤٠/٧ قوله: ((دونَكم، فقَتَلوه، ثمَّ أتوا النبيّ رَّ فأخبَرَوه)) في رواية عُرْوة: وضَرَبَه محمد بن مَسلَمَةَ فقَتَلَه، وأصاب ذُبابُ السَّيف الحارثَ بن أوس، وأقبَلوا حتَّى إذا كانوا بجُرُفٍ بُعَاثٍ تَّخَلَّفَ الحارث ونَزَف، فلمَّ افتَقَدَه أصحابُه رجعوا فاحتَمَلوه، ثمَّ أقبَلوا سِراعاً حتَّى دخلوا المدينة، وفي رواية الواقديِّ: أنَّ النبيَّ ◌َّ تَفَلَ على جُرح الحارث بن أوسٍ فلم يُؤذِه. وفي مُرسَل ◌ِكْرمة (٥): فَبَزَقَ فيها ثمَّ الصَقَها فالتَّحَمَت. وفي رواية ابن الكَلْبيّ: فضَرَبوه حتَّى بَرَد، وصاحَ عند أوَّل ضربة، واجتمعت اليهود، فأخَذُوا على غير طريق أصحاب رسول الله وَّ ففاتُوهم، وفي رواية ابن سعد: أنَّ محمد (١) كذا في الأصلين و(س): فأشِمّكم، والذي في اليونينية و((إرشاد الساري)) دون خلاف: ثم أُشِمّكم. (٢) یعني الذي عند عبد الله بن إسحاق اخراساني بسند ضعيف. (٣) يعني الذي عند عبد الرزاق وابن سعد والطبري وابن المنذر بسند صحيح إليه. (٤) في (أ) و(س): المفتت، والمثبت من (ع) موافقاً لما جاء في ((مغازي الواقدي)) ١٨٩/١. (٥) الذي عند الخراساني. ١٣٠ باب ١٤ / ح ٤٠٣٧ فتح الباري بشرح البخاري ابن مَسلَمةَ(١) لمَّا أَخَذ بقرونٍ شَعره قال لأصحابه: اقتُلوا عدوَّ الله، فضَرَبوه بأسيافهم، فالتَّقَّت عليه فلم تُغْنِ شيئاً، قال محمد: فذكرتُ مِغْوَلاً(٢) كان في سيفي فوَضَعتُه في سُرَّتِهِ، ثمَّ تَحَامَلتُ عليه فقَطَطْتُه(٣) حتَّى انتَهَى إلى عانته، فصاحَ وصاحَت امرأته: يا أَلَ قُرَيظة والنَّضير، مرَّتَينِ(٤). قوله: ((فأخبَروه)» في رواية عُرْوة: فأخبَروا النبيَّ ◌َِّ، فحَمِدَ الله تعالى، وفي رواية ابن سعد: فلمَّا بَلَغوا بَقيع الغَرَقَدِ كَبَّروا، وقد قامَ رسول اللهَوَ لَتلك اللَّيلة يُصلِّ، فلمَّا سمعَ تكبيرهم كَبََّ، وعَرَفَ أن قد قَتَلوه، ثمَّ انتَهَوا إليه فقال: ((أفلَحَتِ الوجوه)) فقالوا: ووجهك يا رسول الله، ورَمَوا برأسِه بين يَدَيهِ، فحَمِدَ الله على قتلِه. وفي مُرسَل ◌ِكْرمة(٥): فأصبَحَت يهودُ مَذْعُورين، فأَتوا النبيَّ وَّهِ فقالوا: قُتِلَ سَيِّدُنا غِيلةً، فَذَكَّرَهم النبيُّ ◌َله صَنِيعَه، وما كان يُحرِّض عليه ويُؤذي المسلمين. زاد ابن سعد (٣٣/٢): فخافوا فلم يَنطِقوا . قال السُّهَيليُّ: في قِصّة كعب بن الأشرَف قتلُ المعاهَد إذا سَبَّ الشّارع، خِلافاً لأبي حنيفة. قلت: وفيه نظر، وصَنيع المصنِّف في الجهاد يُعطي أنَّ كعباً كان محارباً، حيثُ تَرجَمَ لهذا الحديث: ((الفَتْك بأهلِ الحرب))(٢)، وتَرجَمَ له أيضاً: ((الكذب في الحرب))(٧). وفيه جواز (١) الذي في ((طبقات ابن سعد)) أنه أبو نائلة وليس محمد بن مسلمة. (٢) تصحف في (س) إلى: معولاً، بالعين المهملة، وإنما هو بالغين المعجمة، وهو سيف دقيق له قفا، كهيئة السکین. (٣) تحرف في (أ) و(س) إلى: فغططته. (٤) ذكر صياحها واستغاثتها ليس في ((طبقات ابن سعد)) المطبوع. (٥) الذي عند عبد الرزاق وغيره بسند صحيح. (٦) باب رقم (١٥٩). ويستفاد صحةُ ما جنح إليه البخاري من قول امرأة كعب له حيث أراد أن ينزل: إنك محاربٌ، وإنَّ صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة. كما جاء في رواية ابن عباس عند ابن إسحاق وغيره بسند حسن. (٧) باب رقم (١٥٨). ١٣١ باب ١٥ / ح ٤٠٣٨-٤٠٣٩ كتاب المغازي قتل المشرك بغير دعوة إذا كانت الدَّعوة العامّة قد بَلَغَته. وفيه جواز الكلام الذي يُحتاج إليه في الحرب، ولو لم يَقصِد قائله إلى حقيقته، وقد تقدَّم البحث في ذلك مُستَوفَّى في كتاب الجهاد(١). وفيه دلالة على قوّة فِطنة امرأته المذكورة وصِحّة حَدِيثها، وبَلاغَتها في إطلاقِها أنَّ الصوت يَقطُر منه الدَّم. ١٥ - باب قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحُقَيق ويقال: سَلّامُ بنُ أبي الحُقَيِقِ، كان بخَيْبِرَ، ويقال: في حِصْن له بأرض الحِجازِ. وقال الزُّهْرِيُّ: هو بعدَ كَعْبٍ بنِ الأَشَرَفِ. ٤٠٣٨- حدّثنا إسحاقُ بنُ نَصْرٍ، حدَّثنا يحيى بنُ آدَمَ، حدَّثنا ابنُ أبي زائدةً، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازِبٍ رضي الله عنهما: قال: بَعَثَ رسولُ اللهِ وَِّ رَهْطاً إلى أبي رافعٍ، فَدَخَلَ عليه عبدُ الله بنُ عَتِيكِ بِيتَه ليلاً وهو نائمٌ، فقَتَلَه. ٤٠٣٩- حدّثنا يوسُفُ بنُ موسى، حدَّثنا عُبيدُ الله بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: بَعَثَ رسولُ الله ◌ٍَّ إلى أبي رافع اليهوديِّ رجالاً مِن الأنصار، وأمَّرَ عليهم عبدَ الله بنَ عَتِيكٍ، وكان أبو رافعٍ يُؤْذي رسولَ الله وََّ، ويُعِينُ علیه، وكان في حِصْنِ له بأرضِ الحِجازِ، فلمَّا دَنَوْا مِنه، وقد غَرَبَتِ الشمسُ، وراحَ الناسُ بسَرْحِهِمْ، قال عبدُ الله لأصْحابه: اجْلِسوا مكانَكُم، فإنّ مُنْطَلِقٌ / ومُتَلَطِّفٌ للبوَّاب، لعلِّ أن أدخُلَ، فَأقبَلَ حتَّى دَنَا ٣٤١/٧ مِن الباب، ثمَّ تَقَنَّعَ بثوبِه كأنَّه يَقْضي حاجةً، وقد دَخَلَ الناسُ، فَهَتَفَ به البوَّابُ: يا عبد الله، إن كنتَ تريدُ أن تَدْخُلَ فادْخُلْ، فإنّي أُرِيدُ أن أُغْلِقَ البابَ، فدَخَلْتُ فَكَمَنْتُ، فلمَّا دَخَلَ الناسُ أغلَقَ البابَ، ثمَّ عَلَّقَ الأغاليقَ على وَدِّ، قال: فقُمْتُ إلى الأقاليدِ فأَخَذْتُها، ففتحتُ البابَ، وكان أبو رافعٍ يُسْمَرُ عندَه، وكان في عَلَالِيَّ له، فلمَّا ذهب عنه أهلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إليه، فجَعَلْتُ كلَّما فتحتُ باباً أغلَقْتُ عليَّ من داخلٍ، قلتُ: إن القومُ نَذِروا بي لم يَخلُصوا إليَّ حَتَّى أقتلَه، فانتَهَيتُ إليه، فإذا هو في بيتٍ مُظلِمٍ، وَسْطَ عِياله لا أدري أينَ هو مِن البيتِ، (١) عند شرح الحديث (٣٠٣١). ١٣٢ باب ١٥ / ح ٤٠٣٨ - ٤٠٤٠ فتح الباري بشرح البخاري قلتُ: يا أبا رافع! قال: مَن هذا؟ فأهوَيتُ نحوَ الصَّوتِ، فَأَضْرِبُهُ ضَرْبةً بالسَّيفِ وأنا دَهِشٌ، فما أغنَيتُ شيئاً، وصاحَ فخَرَجْتُ مِن البيتِ، فأمكُثُ غيرَ بَعِيدٍ، ثمَّ دَخَلْتُ إليه، فقلتُ: ما هذا الصَّوْتُ يا أبا رافع؟ فقال: لأُمُّكَ الوَيلُ! إنَّ رجلاً في البيتِ ضَرَبني قبلُ بالسَّيفِ، قال: فأضْرِبُه ضَرْبَةً أَثْخَتَتْه ولم أقتُلْه، ثمَّ وَضَعْتُ ضَبِيبَ السَّيفِ في بَطْنِهِ، حتَّى أخَذَ في ظَهْرِهِ، فعَرَفتُ أنّي قتلتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفتَحُ الأبوابَ باباً باباً، حتَّى انتَهَيتُ إلى دَرَجٍ له، فوَضَعْتُ رِجْلِي وأنا أُرَى أَنّي قد انتَهَيتُ إلى الأرضِ، فَوَقَعْتُ في ليلةٍ مُقْمِرةٍ، فانكَسَرَتْ ساقي، فعَصَبتُها بعِمامةٍ، ثُمَّ انطَلَقْتُ حتَّى جَلَستُ على الباب، فقلتُ: لا أخرُجُ اللَّيلَةَ حتَّى أعلمَ أقَتَلتُه، فلمَّا صاحَ الدِّيكُ قامَ الناعي على السّورِ، فقال: أنْعَى أبا رافعٍ تاجِرَ أهلِ الحِجازِ، فانطَلَقْتُ إلى أصحابي، فقلتُ: النَّجَاءَ، فقد قَتَلَ اللهُ أبا رافع، فانتَهَيتُ إلى النبيِّي ◌َّةِ، فَحَدَّثْتُه، فقال: ((ابْسُطْ رِجْلَكَ)) فَبَسَطْتُ رِجْلٍ، فَمَسَحَها فكأنما لم أشتكِها قَطُّ. ٤٠٤٠- حدَّثنا أحمدُ بنُ عُثْمانَ، حدَّثْنا شُرَيحُ بنُ مَسْلَمَةَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يوسُفَ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ بن عازب ﴾، قال: بَعَثَ رسولُ الله ◌َێ إلى أبي رافعٍ عبدَ الله بنَ عَتِيكٍ وعبد الله بنَ عُتْبةَ، في ناسٍ معهم، فانطَلَقوا حتَّى دَنَوْا مِن الحِصْنِ، فقال لهم عبدُ الله بنُ عَتِيكٍ: امكُثوا أنتم حتَّى أَنْطَلِقَ أنا، فأنظُرَ، قال: فتَلَطَّفْتُ أن أدْخُلَ الِحِصْنَ، ففَقَدوا حماراً لهم، قال: فخَرَجوا بقَبَسٍ يَطْلُبونَه، قال: فخَشِيتُ أن أُعْرَفَ، قال: فِغَطَّيتُ رأسي وجَلَسْتُ كانِّي أقضي حاجةً، ثمَّ نادَى صاحبُ الباب: مَن أرادَ أن يَدخُلَ فلْيَدخُل قبلَ أن أُغْلِقَهِ، فَدَخَلْتُ، ثمَّ اختَبَأْتُ في مَرْبِطِ حِمارٍ عندَ بابِ الحِصْنِ، فَتَعَشَّوْا عندَ أبي رافع، وتَحَدَّثُوا حَتَّى ذهبت ساعةٌ مِن اللَّيلِ، ثمَّ رجعوا إلى بيوتِهِم، فلمَّا هَدَأتِ الأصواتُ ولا أسمَعُ حركةً خَرَجْتُ، قال: ورأيتُ صاحبَ الباب حيثُ وَضَعَ مِفْتَاحَ الحِصْنِ فِي كَوّةٍ، فأخَذْتُه ففَتَحتُ به بابَ الحِصْنِ، قال: قلتُ: إِنْ نَذِرَ بي القومُ انطَلَقْتُ على مَهَلٍ، ثمَّ عَمَدْتُ إلى أبواب بُيوتِهِم، فأغَلقتُها عليهم مِن ظاهرٍ، ثمَّ صَعِدْتُ إلى أبي رافعٍ في سُلَّم، فإذا البيتُ مُظْلِمٌ قد طَفِئَ سِراجُه، فلم أدْرِ أينَ الرجلُ، فقلتُ: يا أبا رافع، قال: مَن هذا؟ فعَمَدْتُ نحوَ ١٣٣ باب ١٥ / ح ٤٠٣٨-٤٠٤٠ كتاب المغازي الصَّوتِ، فأضْرِبُه وصاحَ، فلم تُغْنِ شيئاً، قال: ثمَّ جِئْتُ كأنّ أُغِيتُه، فقلتُ: ما لكَ يا أبا رافعٍ؟ وغَيَّرْتُ صوتي، فقال: ألا أُعْجِبُكَ؟ لأُمَّكَ الوَيلُ! دَخَلَ علىَّ رجلٌ فضَرَبني بالسَّيفِ، قال: فَعَمَدْتُ له أيضاً، فأضْرِبُه أُخرَى، فلم تُغْنِ شيئاً، فصاحَ وقامَ أهلُه، قال: ثمَّ جِئْتُ وغَيَّرْتُ صوتي كهَيْئِةِ المُغِيثِ، فإذا هو مُسْتَلْقٍ على ظَهْرِه، فأضَعُ السَّيفَ في بَطْنِهِ، ثمَّ أنكَفِئُ عليه حتَّى سمعتُ صوتَ العَظْمِ، ثمَّ خَرَجْتُ دَهِشاً، حتَّى أتيتُ السُّلَّمَ أُرِيدُ أن أَنْزِلَ، فأسقُطُ منه، فانخَلَعَت رِجْلي فعَصَبتُها، ثمَّ أتيتُ أصْحابي أحجُلُ، فقلتُ: انطَلِقِوا، فَبَشِّروا رسولَ الله ◌َّهِ، فإنّ لا أبْرَحُ حتَّى أسمَعَ الناعيةَ، فلمَّا كان في وجه الصُّبْحِ صَعِدَ الناعيةُ، فقال: أنْعَى أبا رافع، قال: فقُمْتُ أمشي ما بي قَلَبَةٌ، فَأَدْرَكْتُ أصْحابي قبلَ أن يأتوا النبيَّ ◌ِِّ، فبَشَّرْتُه. قوله: («قتلُ أبي رافع عبدِ الله بن أبي الحُقيق، ويقال: سَلّامُ بن أبي الحقیق، کان بخیبر))، والحُقَيقُ بمُهمَلةٍ وقافٍ: مُصغَّرٌ، والذي سَمّه عبدَ الله هو عبد الله بن أُنيسٍ، وذلك فيما أخرجه الحاكم في ((الإكليل)) من حديثه مُطوَّلاً، وأوَّله: أنَّ الرَّهط الذين بَعَثَهم رسول الله وَلّه إلى عبد الله بن أبي الحُقيق ليَقتُلوه، وهم عبد الله بن عَتِيك وعبد الله بن أنيسٍ وأبو قَتَادة وحَليف لهم، ورجل من الأنصار، وأنَّهم قَدِموا خَيبَرَ ليلاً، فذكر الحديث. وقال ابن إسحاق(١): هو سَلّامٌ، أي: بتشديد اللّام، قال: لمَّا قتلت الأوسُ كعبَ بن الأشرَف استأذَنتِ الخَزْرَج رسولَ الله وَّه في قتل سَلّام بن أبي الحُقَيق، وهو بخَيَبَرَ، فأذِنَ لهم. قال: فحدَّثني الزُّهْريُّ عن عبد الله بن كعب بن مالكِ، قال: كان مَّا صَنَعَ الله لرسولِه أنَّ الأوس والخَزْرَج كانا يَتصاوَلان تصاوُلَ الفَحلَينِ (٢)، لا تَصنَع الأوس شيئاً إلّا قالتِ الخَزْرَج: والله لا تذهبونَ بهذه فضلاً علينا، وكذلك الأوس. فلمَّا أصابتِ الأوسُ كعب (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ٢٧٣/٢ -٢٧٤. (٢) أي: لا يفعل أحدُهما معه شيئاً إلاَّ فعل الآخَر معه شيئاً مثلَه. قاله ابن الأثير في ((النهاية))، في مادة (صول). ١٣٤ باب ١٥ / ح ٤٠٣٨-٤٠٤٠ فتح الباري بشرح البخاري ابن الأشرَف تَذاكَرَتِ الْخَزْرَج، مَن رجلٌ له من العَداوة لرسولِ الله وَّل كما كان لكعبٍ؟ فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخیبَرَ. قوله: ((ويقال: في حِصن له بأرضِ الحِجاز)) وهو قول وقعَ في سياق الحديث الموصول في الباب، ويحتمل أن يكون حِصنه كان قريباً من خَيْبَرَ في طَرَف أرض الحجاز. ووقعَ عند موسى بن عُقْبة (١): فطَرَقوا أبا رافع بن أبي الحقيق بخَيبَرَ، فقَتَلوه في بيته. ولأبي رافع المذكور أخَوان مشهوران من أهلِ خَيْبَرَ: أحدهما: كِنانةُ، وكان زوجَ صَفيَّة بنتِ حُبَيٍّ قبلَ النبِّوَّةَ، وأخوه الرَّبيع بن أبي الحقيقِ، وقَتَلهما النبيُّ ◌َّ جميعاً بعد فتح خیبر. قوله: ((وقال الزُّهْريُّ: هو بعد كعب بن الأشرف» وصله يعقوب بن سفيان في ((تاريخه)» عن حَجّاج بن أبي مَنيع عن جَدِّه عن الزّهْريِّ، وقد ذكرتُ مِن عند ابن إسحاق عن الزُّهْريِّ أنَّه أخَذَ ذلك عن عبد الله بن کعب بن مالك، بزيادةٍ فيه. قال ابن سعد: كانت في رَمَضان سنة ستّ، وقيل: في ذي الحِجّة سنة خمس، وقيل: فيها سنة أربع، وقيل: في رجب سنة ثلاث. ثُمَّ أورَدَ البخاريّ قِصَّته من رواية ثلاثة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب. الأولَى: رواية زكريّا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن البراء: بَعَثَ رسول الله وَل رَهطاً إلى أبي رافع، فدَخَلَ عليه عبد الله بن عَتِيك بيتَه ليلاً وهو نائم فقَتَلَه. هكذا أورَدَه مختصراً. وقوله: (بَيْتَه)) للأكثر بسكونِ التحتانيَّة وبالنَّصب على / المفعولِيَّةِ، وللسَّرَخْسيِّ والمُستَمْلي ٣٤٣/٧ بتشديد التحتانيَّة بلفظ الفعل الماضي من التَّبيت، وقد أخرجه المصنّف في الجهاد (٣٠٢٢) من هذا الوجه مُطوَّلاً نحو رواية إبراهيم بن يوسف الآتية (٤٠٤٠). قوله: ((حدَّثنا يوسف بن موسى)) هو القَطّان، وعُبيد الله بن موسى: هو العَبْسيُّ شيخُ (١) أخرجه من طريقه ابن شبة في ((تاريخ المدينة)) ١٦٥/٢، والبيهقي في ((الدلائل)) ٣٨/٤-٣٩. ١٣٥ باب ١٥ / ح ٤٠٣٨-٤٠٤٠ كتاب المغازي البخاريّ، وقد حدَّث عنه هنا بواسطةٍ. قوله: (بَعَثَ رسول الله ێ إلى أبي رافع اليهوديِّ رجالاً من الأنصار» في روایة یوسف ابن إسحاق بن أبي إسحاق الآتية بعد هذه: بَعَثَ إلى أبي رافع عبدَ الله بن عَتِيك وعبدَ الله ابن عُتبةَ في ناس معهم. وعبد الله بن عَتِيك، بالنَّصب، مفعول ((بَعَثَ))، وهو المبعوث إلى أبي رافع، وليس هو اسم أبي رافع، وعبد الله بن عُتبةَ، لم يُذكَر إلّا في هذا الطَّريق، وزَعَمَ ابن الأثير في ((جامع الأصول)) أنَّه ابن عِنَبةَ، بكسرِ العين وفتح النّونِ، وهو غلطٌ منه، فإنَّه خَوْلانيّ لا أنصاريٌّ، ومُتَأخِرُ الإسلام، وهذه القِصّة مُتقدِّمة، والرِّواية بضمِّ العين وسكون المثنّة، لا بالنّون، والله أعلم. قوله: ((رجالاً من الأنصار)) قد سُمّيَ منهم في هذا الباب عبد الله بن عَتِيك وعبد الله بن عُتبة، وعند ابن إسحاق: عبد الله بن عَتِيك ومسعود بن سِنان وعبد الله بن أنيسٍ وأبو قَتَادة وخُزاعي بن أسوَد، فإن كان عبد الله بن عُتبةَ محفوظاً فقد كانوا ستّة. فأمَّا الأوَّل: فهو ابن عَتِيك، بفتح المهمَلة وكسر المثنّاة، ابن قيس بن الأسوَد، من بني سَلِمَةَ، بكسرِ اللّام. وأمَّا عبد الله بن عُتبة، فقد شَرَحتُ ما فيه. وأمَّا مسعود: فهو ابن سِنان الأسلَميّ، حَليف بني سَلِمة، شَهِدَ أُحُداً واستُشهِدَ باليمامة. وأمَّا عبد الله بن أنيسِ: فهو الجُهَنيّ، حَليف الأنصار، وقد فرَّقَ المنذِريُّ بين عبدِ الله ابن أنيسِ الْجُّهَنيّ وعبدِ الله بن أُنيسِ الأنصاريّ، وجَزَمَ بأنَّ الأنصاريّ هو الذي كان في قتل ابن أبي الحقيق، وتَبعَ في ذلك ابنَ المدينيّ، وجَزَمَ غیر واحد بأنَّهما واحد، وهو جُھَنيّ حالَفَ الأنصار، وأمَّا أبو قتادة فمشهور. وأمَّا خُزاعيّ بن أسود فقد قَلَبَه بعضهم، فقال: أسود بن خُزاعيّ، وفي حديث عبد الله ابن أُنيسٍ في ((الإكليل)) أسوَد بن حَرام، وكذا ذكره موسى بن عُقْبة في ((المغازي))، فإن كان غیرَ مَن ذُكِرَ وإلّا فهو تصحیف، ثمّ وجدته في «دلائل البيهقيِّ)) (٣٩/٤) من طريق موسى ١٣٦ باب ١٥ / ح ٤٠٣٨ - ٤٠٤٠ فتح الباري بشرح البخاري ابن عُقْبة على الشكّ: هل هو أسوَد بن خُزاعيّ، أو أسود بن حَرام(١). قوله: ((وكان أبو رافع يُؤذي رسول الله وَّرُ ويُعينُ عليهِ)) ذكر ابن عائذ من طريق أبي الأسوَد عن عُرْوة: أنَّه كان ممَّن أعان غَطَفان وغيرَهم من مُشرِكي العرب بالمال الكثير على رسول الله گچ قوله: ((وقد دَخَلَ الناس)) ذكر في رواية يوسف سبباً لتأخير غَلْق الباب، فقال: ففَقَدوا حماراً لهم، فخَرَجوا بقَبَسٍ - أي: شُعلةٍ من نار - يَطلُبُونَه، قال: فخَشيت أن أُعرَف فغَطَّيت رأسي. قوله: ((وراحَ الناس بسَرْحِهم)) أي: رجعوا بمَواشيهم التي تَرعَى، وسَرْح، بفتح المهمَلة وسكون الراء بعدها مُهمَلة: هي السائمة من إبلٍ وبَقَرٍ وغَنَمٍ. قوله: ((يا عبد الله)) لم يُرِدِ اسمَه العَلمَ، لأنه لو كان كذلك، لكان قد عرفه، والواقع أنه كان مستخفياً منه، فالذي يظهر أنه أراد معناه الحقيقي، لأن الجميع عَبيدُ الله. قوله: ((تَقَنَّعَ بثوبه)) أي: تَغَطَّى به ليُخفيَ شَخصَه لئلا يُعرَف. قوله: ((فَهَتَفَ به)) أي: ناداه، وفي رواية يوسف: ثُمَّ نادَى صاحبُ الباب، أي: البَوَّاب، ولم أقِف على اسمِهِ. قوله: ((فَكَمَنْتُ)) أي: اختَبأت، وفي رواية يوسف: ثُمَّ اختبأت في مَربِطِ حِمارٍ عند باب الحِصنِ. (١) كذا قال الحافظ رحمه الله جازماً بأنَّ موسى بن عقبة شكَّ، وظاهر عبارة ((الدلائل)) تفيد غير ذلك، حيث قال البيهقي: في غير هذا الكتاب: وأسعد بن حرام، وهو أحد البَرك (يعني: من ولد البَرْك بن وَبَرة من قُضاعة) حليف لبني سواد. قلنا: فأراد البيهقي من قوله هذا أنَّ موسى بن عقبة زاد في بعض رواياته رجلاً سادساً، وهو أسعد بن حرام، ويؤيد أنه قال: أسعد، أنَّ السهيلي قال في ((الروض الأنف)) ٤٨١/٣: وذكر فيهم ابن عقبة أسعد بن حرام، ولا يُعرف أحد ذكره غيره. قلنا: ومما يؤيد أنها زيادةٌ لا شكٌّ ما جاء في ((أسد الغابة)) في ترجمة الأسود بن أبيض من رواية ابن منده أنه روى القصة من طريق موسى بن عقبة عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ورجال من أهله، قالوا: فذكر القصة، وذكر أسود بن حرام - لا أسعد - معطوفاً على أسود بن خزاعي. والظاهر أنه كان يقع مرة أسود، ومرة أسعد، والله أعلم. ١٣٧ باب ١٥ / ح ٤٠٣٨ - ٤٠٤٠ كتاب المغازي قوله: (ثُمَّ عَلَّقَ الأغاليقَ على وَدِّ)) بفتح الواو وتشديد الدّال: هو الوَتِد، وفي رواية يوسف: وضَعَ مِفتاحَ الحِصنِ في كوّةٍ. والأغاليق، بالمعجَمة، جمع غَلَقٍ، بفتح أوَّله: ما يُغلَق به البابُ، والمراد بها المفاتیح، کأنَّه کان یُغلِقُ بها ویَفتَحُ بها، كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره: بالعين المهمَلة: وهو المفتاحُ بلا إشكال، والكَوّةُ: بالفتح وقد تُضَمُّ، وقيل: بالفتح: غيرُ النافذة، وبالضَّمِّ: النافذة. قوله: ((فُمت إلى الأقاليد)» هي جمع إقليد: وهو المفتاح، وفي رواية يوسف: ففتحت بابَ الحِصنِ. قوله: (يُسمَرُ عندَه) أي: يَتَحَدَّثونَ ليلاً، وفي رواية يوسف: فتَعَشَّوا عندَ أبي رافع وَحدَّثوا، ٣٤٤/٧ حتَّى ذهبت ساعةٌ من اللَّیل، ثمَّ رجعوا إلى بيوتهم. قوله: ((في عَلَالِيَّ لَه)) بالمهمَلة، جمع عِلّيَّةٍ، بتشديد التحتانيَّة: وهي الغُرفة، وفي رواية ابن إسحاق: وكان في عِلِّيَّةٍ له إليها عَجَلٌ. والعَجَلة، بفتح المهمَلة والجيم: السُّلَّمُ من الخشب، وقَيَّدَه ابن قُتَيبة بخَشَب النَّخل. قوله: (فجَعَلتُ كلَّما فتحتُ باباً أغلقتُ عليّ من داخلٍ» في حديث عبد الله بن أُنیسِ عند الحاكم: فلم يَدَعُوا باباً إلّا أغلَقوه. قوله: (نَذِروا بي)) بكسرِ الذّال المعجَمة، أي: عَلِموا، وأصلُه من الإنذار وهو الإعلامُ بالشّيءِ الذي يُحِذَرُ منه، وذكر ابن سعد (٢/ ٩١) أنَّ عبد الله بن عَتِيك كان يَرطُن باليهوديَّةِ، فاستَفْتَح، فقالت له امرأةُ أبي رافعٍ: مَن أنتَ؟ قال: جِئْتُ أبا رافع بهَديَّةٍ، فَتَحَت له. وفي رواية يوسف: فلمَّا هَدَأت الأصوات، أي: سَكَنَت، وعندَه: ثُمَّ عَمَدت إلى أبواب بُيوتِهِم فأغلَقتُها عليهم من ظاهرٍ. ثُمَّ صَعِدت إلى أبي رافعٍ في سُلَّم. قوله: «فأهوَيتُ نحوَ الصوت)» أي: قَصَدتُ نحوَ صاحب الصوت، وفي رواية يوسف: فعَمَدتُ نحوَ الصوت. قوله: ((وأنا دَهِشٌ)) بكسرِ الهاءِ بعدَها مُعجَمةٌ. ١٣٨ باب ١٥ / ح ٤٠٣٨ - ٤٠٤٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فما أغنَيتُ شيئاً)) أي: لم أقتُله. قوله: ((فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟)) في حديث عبد الله بن أنيسٍ: فقالت امرأته: يا أبا رافع هذا صوت عبد الله بن عَتِيك. فقال: ثَكِلَتك أمُّك، وأين عبد الله بن عَتِيك؟! قوله: ((هَدَأْت الأصوات)) بهمزةٍ، أي: سَكَنَت، وزَعَمَ ابن التِّين أنَّه وَقَعَ عندَه: هَدَت، بغير هَمٍ، وأنَّ الصواب بالهمزِ. قوله: ((فأضرِبُه)) ذكره بلفظ المضارع مُبالَغةً، لاستحضار صورة الحال، وإن كان ذلك قد مَضَى. قوله: ((فَلَم تُغنِ)) أي: لم تَنفَع. قوله: ((ثُمَّ دَخَلت إليه)) في رواية يوسف: ثُمَّ جِئت كأنِّي أُغيثه، فقلت: ما لك؟ وغَيَّرت صوتي. قوله: ((الأُمَّك الوَيل)) زاد يوسف: ألا أُعجِبُك))(١)، وزاد في روايةٍ(٢): قال: فَعَمَدت له أيضاً، فأضرِبُهُ أُخرَى، فلم تُغنِ شيئاً، فصاحَ وقامَ أهلُه، ثمَّ جِئت وغَيَّرت صوتي كَهَيئة المغيث، فإذا هو مُستَلِقٍ على ظهره، وفي رواية ابن إسحاق: فصاحَت امرأتُه فَنَوَّهَت بنا، فجَعَلنا نَرفَعُ السَّيفَ عليها، ثمَّ نذكر ◌َهيَ رسول الله ◌َ ◌ّهِ عن قتلِ النِّساءِ، فنكفُّ عنها. قوله: ((ضَبِيبَ السَّيفِ)) بضادٍ مُعجَمةٍ مفتوحةٍ وموخَّدتَينِ وزن رغيف. قال الخطّابُّ: هكذا يُروَى، وما أُراه محفوظاً، وإنَّما هو ظُبَةُ السَّيفِ: وهو حرفُ حَدِّ السَّيف، ويُجمَع على ظُبات، قال: والضَّبيب لا معنى له هنا لأنَّه سَيَلانُ الدَّمِ من الفَمِ. قال عياضٌ: هو في رواية أبي ذرِّ بالصّادِ المهمَلة، وكذا ذكره الحَرْبيُّ، وقال: أظنُّه طَرَفَه. وفي رواية غير أبي ذرِّ بالمعجَمة، وهو طَرَفُ السَّيفِ، وفي رواية يوسف: فأضَعُ السَّيفَ في (١) في (أ) و(س): أعجلتك، والمثبت من (ع) موافقاً لما جاء في اليونينية و((إرشاد الساري)) دون خلاف فیھما. (٢) هي رواية يوسف نفسها. ١٣٩ باب ١٥ / ح ٤٠٣٨ - ٤٠٤٠ كتاب المغازي بطنِهِ، ثمَّ أَتَّكِئُ(١) عليه حتَّى سمعت صوتَ العَظمِ. قوله: ((فَوَضَعتُ رِجلي وأنا أُرَى)) بضمِّ الهمزة، أي: أظنّ، وذكر ابنُ إسحاق في روايته أنَّه كان سَيِّئَ البَصَرِ. قوله: ((فانكَسَرَت ساقي فَعَصَبتُها)) في رواية يوسف: ثُمَّ خَرَجت دَهِشاً، حتَّى أتيت السُّلَّمَ أُريدُ أن أَنزِلَ، فأسقط (٢) منه فانخَلَعَت رِجلي فعَصَبتها؛ ويُجمَعُ بينهما بأنَّها انخَلَعَت من المَفْصِل وانكَسَرَت الساق، وقال الدّاووديُّ: هذا اختلافٌ، وقد يُتَجوَّزُ في التعبير بأحدِهما عن الآخرِ، لأنَّ الخَلعَ هو زَوالُ المَفْصِلِ من غير بينونةٍ، أي: بخلاف الكسرِ. قلت: والجمعُ بينهما بالحَملِ على وقوعِهما معاً أَولى، ووَقَعَ في رواية ابن إسحاق: فوُثِنَت(٣) يَدُه، وهو وهمٌّ، والصوابُ: رِجُه، وإن كان محفوظاً فوَقَعَ جميعُ ذلك، وزاد أنَّهم: كمَنوا في نَهَرِ، وأنَّ قومَه أو قَدوا النّيران وذهبوا في كلِّ وجهٍ يَطلُبُونَ، حتَّى يئسوا (٤) رجعوا إليه، وهو يقضي(٥). قوله: ((قامَ الناعي)) في رواية يوسف: صَعِدَ الناعية. قوله: ((أنعَى أبا رافعٍ)) كذا ثَبَتَ في الرِّوايات: بفتح العينِ، قال ابنُ التِّين: هي لُغَيّة، والمعروف: انعُوا(٢)، والنَّعيُّ: خبرُ الموت، والاسمُ: الناعي. وذكر الأصمَعيُّ أنَّ العربَ كانوا (١) كذا وقع للحافظ رحمه الله: أتكئ، والذي في اليونينية و((إرشاد الساري)): أنكفئ، دون خلاف فيهما. وأما ما وقع للحافظ فموافق لرواية البيهقي في ((الدلائل)) ٣٥/٤ -٣٦ من رواية يوسف أيضاً. (٢) في (أ): فأسقطت، وفي (س): فسقطت، والمثبت من (ع)، موافقاً لما جاء في اليونينية و((إرشاد الساري)) دون خلاف فيهما. (٣) تصحفت في (س) إلى: فوثبت. وهو تصحيف قبيح، والوثءُ: وَهْنٌ دون الخلع والكسر، وقد يترك الهمز. انظر ((النهاية)) لابن الأثير، مادة (وثأ). (٤) في (س): أيسُوا. (٥) أي: يموت. (٦) كذا قال ابن التين وأقرّه عليه الحافظ، فإن كان قَصَد أنه لا يُستعمل هذا الفعل إلاّ أمراً، فقد استعمله العرب أيضاً خبراً، فيقولون: انعه، ويقولون أيضاً: أنا أنعاه، وإن كان قصد أنه من باب فعل يفعل، کرمی يرمي، بکسر عينه في المضارع، فقد نصَّ أهل اللغة على أنه من نعاه ينعاه نعياً، بفتح عينه في المضارع. ١٤٠ باب ١٥ / ح ٤٠٣٨-٤٠٤٠ فتح الباري بشرح البخاري إذا ماتَ فيهم الكبير رَكِبَ راكِبٌ فَرَساً وسارَ، فقال: نَعَاءِ فلاناً(١). قوله: ((فقلت: النَّجاء)» بالنَّصب،/ أي: أسرعوا، في رواية یوسف: ثُمَّ أتيت أصحابي ٣٤٥/٧ أحجُلُ، فقلت: انطَلِقُوا فَبَشِّرُوا رسولَ الله وَله. وقوله: ((أحجُل)) هو بمُهمَلةٍ ثمَّ جيم، الحَجْل: هو أن يَرفَعَ رِجلاً ويَقِفَ على أُخرَى من العَرَجِ، وقد يكون بالرِّجلَينِ معاً، إلّا أنَّه حينئذٍ يُسَمَّى قَفْزاً لا مَشياً، ويقال: حَجَلَ في مَشِهِ: إذا مَشَى مثل المقَيَّد، أي: قارَبَ خَطَوَه. وفي حديث عبد الله بن أُنْيسِ: قال: وتَوَجَّهنا من خَيبَرَ، فكنَّا نَكُمُنُ النَّهارَ ونَسيرُ اللَّيل، وإذا كَمَنّا بالنَّهارِ أَفْعَدْنا منّا واحداً يَحِرُسنا، فإذا رأى شيئاً يَخافُه أشارَ إلينا، فلمَّا قَرُبنا من المدينة كانت نَوبَتي، فأشرت إليهم، فخَرَجوا سِراعاً، ثمَّ لَحِقتُهم فدَخَلنا المدينة، فقالوا: ماذا رأيت؟ قلت: ما رأيت شيئاً، ولكن خَشيت أن تكونوا أَغْيِيتُم فأحببت أن يَحمِلكم الفَزَع. قوله: ((فمَسَحَها فكأنّما لم أشتكِها قَطّ)) ووقعَ في رواية يوسف أنَّه لمَّا سمعَ الناعي قال: فقُمت أمشي ما بي قَلَبةٌ، وهو بفتح القاف واللّام والموخَّدة، أي: عِّةٌ أَنقَلِبُ بها، وقال الفَرّاءُ: أصلُ القِلاب بكسرِ القاف: داءٌ يُصيبُ البعيرَ فيموتُ من يومه، فقيل لكلِّ مَن سَلِمَ من عِلّةٍ: ما به قَلَبَة، أي: ليست به عِلّةٌ مُهلِكُه. وقوله: «فأدرَكت أصحابي قبلَ أن يأتوا النبيَّ ◌َِّ فَبَشَّرته)) مُحمَلُ على أنَّه لمَّا سَقَطَ من الدَّرَجة وقعَ له جميعُ ما تقدَّم، لكنَّه من شِدّة ما كان فيه من الاهتمام بالأمر ما أحَسَّ بالألَ، وأُعينَ على المشي أوَّلاً، وعليه يدلُّ قولُه: ما بي قَلَبَةٌ. ثمَّ لمَّ تَمَادَى عليه المشيُّ أحَسَّ بالألَمِ، فحَمَلَه أصحابُه كما وَقَعَ في رواية ابن إسحاق، ثمَّ لمَّ أتى النبيَّ ◌َّ مَسَحَ عليه فزالَ عنه جميعُ الألم ببَرَكَتِهِ وَلِهِ. وفي هذا الحديث من الفوائد: جوازُ اغتيال المشركِ الذي بَلَغَته الدَّعوةُ وأصَرّ، وقتلُ (١) تحرف في الأصلين و(س) إلى: نعي فلان، والتصويب من ((صحاح الجوهري)) ٧/ ٣٦٢ نقلاً عن الأصمعي أيضاً، وقال الجوهري بعده: أي: انعَهُ وأظهر خبرَ وفاتِه.