Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
باب ٨ / ح ٣٩٨٣
كتاب المغازي
مرفوعاً: ((لن يدخل النار أحدٌ شَهِدَ بدراً)(١).
وقد استُشكِلَ قوله: ((اعمَلوا ما شِئْتُم))، فإنَّ ظاهره أنَّه للإباحة، وهو خلاف عَقْد
الشَّرع، وأُجيب: بأنَّه إخبار عن الماضي، أي: كلّ عمل كان لكم فهو مَغفور، ويُؤِّده أنَّه لو
كان لمَا يَستَقبلونَه من العمل لم يقع بلفظ الماضي، ولَقال: فسَأغفِرُه لكُم، وتُعقِّبَ: بأنَّه لو
كان للماضي، لمَا حَسُنَ الاستدلال به في قِصّة حاطِب لأنَّه وَلِّ خاطَبَ به عمر مُنكِراً عليه
ما قال في أمر حاطِبٍ، وهذه القِصّة كانت بعد بدر بستٌّ سِنين، فدَلَّ على أنَّ المراد ما سيأتي،
وأورَدَه بلفظ الماضي مُبالَغة في تحقيقه.
وقيل: إنَّ صيغة الأمر في قوله: ((اعمَلوا)) للتشريفِ والتكريم، والمراد عَدَم المؤاخذة
بما يَصدُر منهم بعد ذلك، وأنَهم خُصّوا بذلك لمَا حَصَلَ لهم من الحال العظيمة التي
اقتَضَت مَحْوَ ذُنوبهم / السابقة، وتأهَّلوا لأن يَغْفِر الله لهم الذُّنوب اللّحقة إن وقَعَت، أي: ٣٠٦/٧
كلّ ما عَمِلتموه بعد هذه الواقعة من أيّ عمل كان، فهو مغفور.
وقيل: إنَّ المراد ذُنوبهم تقع إذا وقَعَت مَغفورة. وقيل: هي بشارة بعَدَمِ وقوع الذَّنوب
ءِ
منهم، وفيه نظر ظاهر، لما سيأتي (٤٠١١) في قِصّة قُدَامةَ بن مَظْعون حين شَرِبَ الخمر في
أيام عمر، وحَدَّه عمر، فهاجره (٢) بسبب ذلك، فرأى عمرُ في المنام مَن يأمره بمُصالَحَتِهِ،
وكان قُدَامةُ بدريّاً.
والذي يُفهَم من سياق القِصّة الاحتمالُ الثاني، وهو الذي فهمَه أبو عبد الرحمن
السُّلَمَيّ التابعيّ الكبير، حيثُ قال لِحِبّان بن عَطيَّةُ: قد عَلمتُ الذي جَرَّأ صاحبك على
الدِّماء، وذكر له هذا الحديث، وسيأتي ذلك في ((باب استتابة المرتَدّين)) (٦٩٣٩). واتَّفَقوا
على أنَّ البشارة المذكورة فيما يتعلَّق بأحكام الآخِرة، لا بأحكام الدُّنيا من إقامة الحدود
وغيرها، والله أعلم.
(١) وفي الطريقين زيادة: ((والحديبية)).
(٢) تحرف في (س) إلى: فهاجر.

٦٢
باب ٩ / ح ٣٩٨٤ -٣٩٨٥
فتح الباري بشرح البخاري
٩- بابٌ
٣٩٨٤- حدَّثني عبدُ الله بنُ محمَّدٍ، حدَّثنا أبو أحمدَ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ الغَسِيلِ، عن
حمزةَ بنِ أبي أُسَيدٍ والزُّبَيرِ بنِ المنذِرِ بنِ أبي أُسَيدٍ، عن أبي أُسَيدٍ عُ، قال: قال لنا النبيُّ ◌َ﴿ يومَ
بَدْرٍ : «إذا أكثَبُوكُمْ، فارمُوهم، واستَبْقُوا نَبْلَكُمْ)).
٣٩٨٥- حدَّثني محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحِيمِ، حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيِيُّ، حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ
الغَسِيلِ، عن حمزةَ بنِ أبي أُسَيدِ والمنذِرِ بنِ أبي أُسَيدٍ، عن أبي أُسَيدٍ ﴾، قال: قال لنا النبيُّ وَله
يومَ بَدْرٍ: ((إذا أكثَبُوكم - يعني: أكثروكم - فارمُوهم واستَّقُوا نَبْلَكُم)).
قوله: ((بابٌ)) كذا في الأُصول بغير ترجمة. وهو فيما يتعلَّق ببدرٍ أيضاً، وأبو أحمد: هو
محمد بن عبد الله بن الزُّبَيرِ الزُّبَيرِيّ، كما نَسَبَه في الرّواية التي بعدها.
قوله: ((عن حمزة بن أبي أُسَيد، والزُّبَيرِ بن المنذر بن أبي أُسَيدٍ)) كذا في هذه الرِّواية، ووقعَ
في التي بعدها الزُّبَير (١) بن أبي أُسَيدٍ، فقيل: هو عَمّه، وقيل: هو هو، لكن نُسِبَ إلى جَدّه،
والأَّل أصوَب. وأبعَدَ مَن قال: إنَّ الزُّبَير هو المنذِر نفسه.
قوله: ((عن أبي أُسَيد)) بالتصغير، وهو مالك بن ربيعة الخَزْرَ جيّ الساعديّ.
قوله: ((إذا أكثَبُوكُم)) بمُثلَّئَةٍ ثمّ موخَّدة، أي: إذا قَرُبوا منكم، ووقعَ في الرّواية الثانية:
يعني أكثَروكُم، وهو تفسير لا يَعرِفه أهل اللُّغة، وقد قَدَّمت في الجهاد (٢٩٠٠) أنَّ
الدّاووديّ فَسَّرَه بذلك(٢)، وأنَّه أُنْكِرَ عليه، فعَرَفنا الآن مُستَنَده في ذلك، وهو ما وَقَعَ في
هذه الرِّواية، لكن يَتَّجه الإنكارُ لكَونِه تفسيراً لا يَعرِفِه أهل اللُّغة، وكأنَّه من بعض رواته،
فقد وقعَ في رواية أبي داود (٢٦٦٣) في هذا الموضع: يعني: غَشُوكم، وهو بمُعجَمتَينِ
(١) كذا وقع للحافظ رحمه الله في إسناد الحديث: الزبير بن أبي أُسيد، مع أنَّ الذي في اليونينية: المنذر بن أبي
أُسيد، دون خلاف. وفي ((إرشاد الساري)) أنَّ ما اعتمده الحافظ في نسخة نبَّه عليها صاحب ((الكواكب)).
قلنا: وقد ذكر المزي في ((تهذيب الكمال)) في ترجمة الزبير بن أبي أسيد هذا الحديث ثم قال: روى له
البخاري هذا الحديث الواحد مقروناً. فالله تعالى أعلم.
(٢) وممن فسره بذلك أيضاً ابن المرابط، كما نقله القاضي عياض في ((المشارق))، وابن المرابط أحد شراح البخاري.

٦٣
باب ٩ / ح ٣٩٨٦ -٣٩٨٧
كتاب المغازي
والتخفيف، وهو أشبه بالمراد. ويُؤيِّده ما وقعَ عند ابن إسحاق: أنَّ رسول اللهِوَ أَمَرَ
أصحابه أن لا يَحمِلوا على المشركين حتَّى يأمرهم، وقال: ((إذا أكثَبوكم فانضَحوهم عنكم
بِالنَّبْلِ)).
والهمزة في قوله: ((أكثَبوكُم)) للتعدية، من كَثَب بفتحَتَينِ، وهو القُرب، قال ابن فارس:
أكثَبَ الصيدُ: إذا أمكنَ من نفسه. فالمعنى: إذا قَرُبوا منكم فأمكّنُوكم من أنفُسهم،
فارمُوهم.
قوله: ((فارمُوهم واستَبِقُوا نَبْلَكُمْ)) بسكونِ الموحّدة، فِعل أمر بالاستبقاءِ، أي: طلب
الإبقاء. قال الدّاووديّ: معنى قوله: ((ارموهم)) أي: بالحجارة، لأنَّها لا تكاد تُخْطِئ إذا رُميَ
بها في الجماعة، قال: ومعنى قوله: ((استَبقوا نَبلَكُم)) أي: إلى أن تَحصُل المصادمة، كذا قال.
وقال غيره: المعنى: ارموهم ببعض نَبلكم لا بجميعِها.
والذي يَظهَر لي أنَّ معنى قوله: ((واستَبقوا نَبلكُم)) لا يتعلَّق بقولِه: ((ارموهم))، وإنَّما هو
كالبيان للمُرادِ بالأمر بتأخير الرَّمي حتَّى يَقرُبوا منهم، أي: / أنَّهم إذا كانوا بعيداً لا ٣٠٧/٧
تُصيبهم السِّهام غالباً، فالمعنى: استَبقوا نَبْلَكم في الحالة التي إذا رَمَّيْتُم بها لا تُصيب غالباً،
وإذا صاروا إلى الحالة التي يُمكِن فيها الإصابة غالباً فارمُوا.
٣٩٨٦- حدَّثني عَمْرو بنُ خالٍ، حدَّتنا زُهَيْرٌ، حذَّثنا أبو إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ بنَ
عازِبٍ رضي الله عنهما، قال: جَعَلَ النبيُّ ◌َِّ على الزّماةِ يومَ أُحُدٍ عبدَ الله بنَ جُبَيرٍ، فأصابوا منّا
سبعينَ، وكان النبيُّ ◌َّهِ وأصحابُه أصَابَ مِن المشركينَ يومَ بَدْرٍ أربعينَ ومئةً: سبعينَ أسِيراً،
وسَبْعِينَ قَتِيلاً. قال أبو سفيانَ: يومٌّ بيومٍ بَدْرٍ والحربُ سِجالٌ.
٣٩٨٧- حدَّثني محمَّدُ بنُ العلاءِ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن بُرَيدٍ، عن جَدِّه أبي بُرْدَ، عن أبي
موسى - أُراه عن النبيِّ نَّهـ قال: ((وإذا الخيرُ ما جاء الله به مِن الخيرِ بَعْدُ، وثوابُ الصِّدْقِ
الَّذِي آتانا بعدَ يومٍ بَدْرٍ)).
الحديث الثاني: حديث البراء في قِصّة الرُّماه یوم أُحُد، وذکر طَرَفاً منه، وسيأتي بتمامه في

٦٤
باب ٩ / ح ٣٩٨٦ -٣٩٨٧
فتح الباري بشرح البخاري
غزوة أُحُد (٤٠٤٣)، والمراد منه: قوله: ((أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومئة: سَبعين
أسيراً وسَبعين قتيلاً)) هذا هو الحقّ في عدد القتلى، وأطبَقَ أهل السّيَر على أنَّهم خمسونَ قتيلاً
يزيدونَ قليلاً أو يَنقُصون، سَرَدَ ابن إسحاق فبَلَغوا خمسين، وزاد الواقديّ ثلاثةً أو أربعةً،
وأطلقَ كثير من أهل المغازي أنَّهم بضعة وأربعونَ، لكن لا يَلزَم من مَعرِفة أسماء مَن قُتِلَ
منهم على التعيين أن يكونوا جميعَ مَن قُتِل. وقول البراء: إنَّ عِدَّتهم سبعونَ، قد وافقه على
ذلك ابن عبّاس وآخرون، وأخرج ذلك مسلم من حديث ابن عبّاس (١٧٦٣)، وقال الله
تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَبَتّْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيَّهَا﴾ [آل عمران: ١٦٥]، واتَّفَقَ أهل العلم
بالتفسير على أنَّ المخاطَبين بذلك أهل أُحُد، وأنَّ المراد بـ﴿أَصَبْتُ مِثْلَهَا ﴾ يوم بدر، وعلى
أنَّ عِدّة من استُشهِدَ من المسلمين بأُحُدٍ سبعونَ نفساً، وبذلك جَزَمَ ابن هشام، واستَدَلَّ له
بقولٍ كعب بن مالك من قصيدة له:
فأقامَ بالعَطَنِ المُعَطَّن منهمُ(١) سبعون: عُتَبةٌ مِنهمُ والأسوَدُ
يعني: عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وقد تقدَّم اسم مَن قتله. والأسوَد بن عبد الأسَد بن
هلال المخزوميّ قتله حمزة بن عبد المطَّلِب.
ثُمَّ سَرَدَ ابن هشام أسماء آخرين ممَّن قُتِلَ ببدرٍ غير مَن ذكره ابن إسحاق، فزادوا على
السِّين، فقَوَّى ما قلناه، والله أعلم.
الحديث الثالث: ذكر فيه حديث أبي موسى في رُؤيا النبيّ وَلّهِ أَورَدَه مختصراً جدّاً، وقد
تقدَّمت الإشارة إليه في الهجرة(٣)، فإنَّه عَلَّقَ طَرَفاً منه هناك. وأورَدَه في علامات النُّبَّة
(٣٦٢٢) بتمامه، فأحَلتُ شرحه على غزوة أُحُد، ولم يذكر في غزوة أُحُد منه هذه القطعة
التي ذكرها هنا، وسأذكر شرحها في كتاب التعبير (٧٠٣٥)، إن شاء الله تعالى.
(١) تحرف في (ع) و(س) إلى: بالطعن المطعن، والمثبت على الصواب من (أ) موافقاً ما جاء في ((سيرة ابن
هشام)) ١/ ٧١٤.
(٢) قبل الحديث (٣٨٩٧).
جم

٦٥
باب ٩ / ح ٣٩٨٨
كتاب المغازي
٣٩٨٨- حذَّثني يعقوبُ بن إبراهيم، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: ٣٠٨/٧
قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ: إنّي لَفي الصَّفِّ يومَ بَدْرٍ إِذِ التَفَتُّ، فإذا عن يَمِيني وعن يَسَاري
فَتَيَانِ حديثا السِّنِّ، فكأنّي لم آمَن بمكانهما، إذ قال لي أحدُهما سِرّاً من صاحبِهِ: يا عَمِّ أرِني أبا
جَهْلٍ، فقلتُ: يا ابنَ أخي وما تَصْنَعُ به؟ قال: عاهَدْتُ الله إن رأيتُهُ أن أَقْتُلَه، أو أموتَ دونَه،
فقال ليَ الآخَرُ سِرّاً من صاحبِهِ مِثْلَه، قال: فما سَرَّني أنّي بينَ رجلينِ مكانهما، فأشَرْتُ لهما إليه،
فشَدّا عليه مِثلَ الصَّقْرَينِ، حتَّى ضَرَباه، وهما ابنا عَفْراءَ.
الحديث الرابع: حديث عبد الرحمن بن عوف في قصة قتل أبي جهل.
قوله: ((حدَّثني يعقوب بن إبراهيم)) كذا لأبي ذرِّ والأَصِيلِيّ، وللباقين: حدَّثنا يعقوب،
غير مَنسوب، فجَزَمَ الكَلَاباذيّ بأنَّه ابن حُميدٍ بن كاسِب، وبه جَزَمَ الحاكم عن مشائخه، ثمَّ
جَوَّزَ أن يكون يعقوب بن محمد الزُّهْريّ. قلت: وسيأتي ما يُقوِّيه.
قال الحاكم: وقد ناظَرَني شيخُنا أبو أحمد الحاكم في أنَّ البخاريّ روى في ((الصحيح))
عن يعقوب بن حُميدٍ، فقلت له: إنَّما روى عن يعقوب بن محمد، فلم يَرجع عن ذلك.
قلت: وجَزَمَ ابن مَندَهْ وأبو إسحاق الحَبّال وغير واحد بما قال أبو أحمد، وهو مُتَعقَّبٌ بما
وقعَ في روایة الأَصِيلِّ وأبي ذرِّ.
وقال أبو عليّ الجَيّانيّ: وقعَ عند ابن السَّكَن هنا: حدَّثنا يعقوب بن محمد، وعند أبي ذرِّ
والأَصِيلِيّ: حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، وأهمَلَه الباقون.
وجَزَمَ أبو مسعود في ((الأطراف)) بأنَّه ابن إبراهيم، وجُوِّزَ أنَّه يعقوب بن إبراهيم بن
سعد، قال: وهو غَلَط، فإنَّ يعقوب ماتَ قبل أن يَرحَل البخاريّ، وقد روى له الكثيرَ
بواسطةٍ، وبَنَى الكِرْمانيُّ على أنَّه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، فقال: هذا السَّنَد مُسَلسَل
بالرِّواية عن الآباء، ومالَ المِزّيُّ إلى أنَّه يعقوب بن إبراهيم الدَّورَقيّ، انتهى.
وقد تقدَّم في أواخر الصلاة (١١٩١) في ((باب الصلاة في مسجد قُباء))، وفي المناقب
(٣٧٨٦) في باب قول النبيّ ◌َّ للأنصار: ((أنتم أحَبّ الناس إليَّ) التصريح بالرِّواية عن

٦٦
باب ٩ / ح ٣٩٨٩
فتح الباري بشرح البخاري
يعقوب بن إبراهيم الدَّورَقيّ، فقال البَرْقانيّ في ((المصافَحة)): يعقوب بن حُميدٍ ليس من
شرط ((الصحيح))، وقد قيل: إنَّه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ولكن سَقَطَت الواسطة من
النُّسخة لأنَّ البخاريّ لم يَسمَع منه. انتهى، والراجح عَدَم السُّقوط، وأنَّه إمّا الدَّورَقيّ،
وإمّا ابن محمد الزُّهْريّ، والله أعلم.
قوله: ((عن أبيه، عن جَدّه)) أبوه هو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف، وقد
تقدّمت الإشارة في الباب الماضي إلى أنَّ صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف روی
هذا الحديث أيضاً عن أبيه، وأنَّه ساقه في الخُمُس (٣١٤١) بتمامه.
وقوله في هذه الرِّواية: ((فكأني لم آمَنَ بمكانهما)) أي: من العدوّ. وقيل: مكانهما كِناية
عنهما، كأنَّه لم يَثِق بهما، لأنَّه لم يَعرِفهما، فلم يأمَن أن يكونا من العدوّ، ثمَّ وجدت في
((مغازي ابن عائذ)) ما يَرفَع الإشكال، فإنَّه أخرج هذه القِصّة مُطوَّلة بإسنادٍ مُنقَطِعٍ، وقال
فيها: فأشفقتُ أن يُؤْتَى الناس من ناحِيَتَي لكَوني بين غلامَینِ حديثَينٍ(١).
قوله: ((الصَّقَرَينِ)) بالمهمَلة ثمَّ القاف: تثنية صَقْر، وهو من سِباع الطَّير، وأحد الجوارح
الأربعة، وهي: الصقر والبازي والشّاهين والعُقاب، وشَبَّههما به لمَا اشْتَهَرَ عنه من
الشَّجاعة والشَّهامة والإقدام على الصيد، ولأنَّه إذا تَشَبَّثَ بشيءٍ لم يُفارقه حتَّى يأخُذَه،
وأوَّل مَن صادَ به من العرب الحارث بن معاوية بن ثَوْر الكِنْديّ، ثمَّ اشْتَهَرَ الصيد به
بعده.
٣٠٩/٧ ٣٩٨٩- حدَّثْنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا إبراهيمُ، أخبرنا ابنُ شِهابٍ، قال: أخبرني
عَمْرو بنُ أسِيدِ بنِ جاريةَ الثَّقَفِيُّ، حَلِيفُ بني زُهْرةَ، وكان من أصْحاب أبي هريرةَ، عن أبي
هريرةَ ﴾، قال: بَعَثَ رسولُ اللهِّهِ عَشَرَةً عيناً، وأمَّرَ عليهم عاصمَ بنَ ثابتِ الأنصاريَّ، جَدَّ
عاصمٍ بنِ عمرَ بنِ الخطّاب، حتَّى إذا كانوا بالهَدْأة(٢) بينَ عُسْفانَ ومكَّةَ، ذُكِروا لحيٍّ من
(١) وجاء عند الواقدي في ((مغازيه)) ١ / ٨٨ نحو هذه القصة، وقال فيها عبد الرحمن بن عوف: ليته كان إلى
جنبي من هو آيَدُ من هذين الفتيين.
(٢) انظر كلام الحافظ عليها عند شرح الحديث (٤٠٨٦).

٦٧
باب ٩ / ح ٣٩٨٩
كتاب المغازي
هُذَيلٍ، يقال لهم: بنو لِحْيانَ، فَنَفَروا لهم بقريبٍ من مئةِ رجلٍ رامٍ، فاقتَصُّوا آثارَهم حتَّى
وَجَدُوا مأكَلَهم الثَّمَرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلوه، فقال: تَمْرُ يَثْرِبَ، فاتََّعوا آثارهم، فلمَّا حَسَّ بهم عاصمٌ
وأصْحابُه لَؤُوا إلى موضع، فأحاطَ بهمُ القومُ، فقالوا: انزِلوا، فأعطُوا بأيدِيكُمْ، ولَكُمُ العَهْدُ
والميثاقُ أن لا نَقْتُلَ مِنْكم أحداً، فقال عاصمُ بنُ ثابتٍ: أيُّها القومُ أمَّا أنا فلا أَنْزِلُ في ذِمّةٍ كافٍ،
اللهمَّ أخبِرٍ عنَّا نبيَّكَ، فَرَمَوْهم بالنَّبْلِ، فقَتَلُوا عاصماً، ونزلَ إليهم ثلاثةُ نَفَرِ على العَهْدِ والميثاق،
منهمْ: خُبِيبٌ، وزيدُ بنُ الدَّثِنِةِ، ورجلٌ آخَرُ، فلمَّا استَمْكَنوا منهم أطْلَقوا أوْتَارَ قِيِّهم،
فَرَبَطوهم بها، قال الرجلُ الثّالثُ: هذا أوَّلُ الغَدْرِ، والله لا أصْحَبُكم إنَّ لي بهؤُلاءِ إِسْوَةً - يريدُ
القتلَى - فجَرَّرُوه وعالجوه، فأبى أن يَصْحَبَهم، فانطُلِقَ بِخُبِيبٍ وزيدِ بنِ الدَّثِنَةِ، حتَّى باعوهما
بعدَ وقْعَةِ بَدْرٍ، فابتاعَ بنو الحارثِ بنِ عامٍ بنِ نَوفَلٍ خُبِيباً، وكان خُبِيبٌ هو قَتَلَ الحارثَ بنَ
عامٍ يومَ بَدْرٍ، فَلَبِثَ خُبيبٌ عندَهم أسِيراً حتَّى أْمَعوا قَتْلَه، فاستَعارَ من بعضِ بنات الحارثِ
موسى يَسْتَحِدُّ بها، فأعارَتْ، فَدَرَجَ بُنيٌّ لها وهي غافلةٌ، حتَّى أتاه فَوَجَدَتْه مُجْلِسَه على فخِذِهِ
والموسى بيَدِه، قالت: فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَها خُبِيبٌ، فقال: أتخشَينَ أن أقتُلَه؟ ما كنتُ لأَفعَلَ
ذلكَ، قالت: والله ما رأيتُ أسِيراً قَطُّ خيراً من خُبيبٍ، والله لقد وَجَدْتُه يوماً يأكلُ قِطْفاً من
عِنَبٍ في يدِهِ، وإنَّه لَمُوتَقٌّ بالحديدِ، وما بمكََّ من ثَمَرةٍ، وكانت تقولُ: إِنَّه لَرِزْقٌ رَزَقَه الله
خُبِيباً، فلمَّا خَرَجوا به مِن الحَرَمِ ليَقْتُلوه في الحِلِّ، قال لهم خُبِيبٌ: دَعوني أُصَلِّي رَكْعَتَينِ،
فتَرَكوه فَرَكَعَ رَكْعَتَينٍ، فقال: والله لولا أن تَحْسِبوا أنَّ ما بي جَزَعٌ لَزِدْتُ، ثمّ قال: اللهمَّ
أحصِهِم عَدَداً، واقتُلْهم بَدَداً، ولا تُبْقِ منهم أحداً، وقال:
فلستُ أُبالي حينَ أُقتَلُ مسلماً على أيِّ جَنْبٍ كان الله مَصْرَعِي
وذلكَ في ذات الإلهِ وإن يَشَأْ يُبارِكْ على أوْصالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
ثُمَّ قامَ إليه أبو سِرْوَعَةَ عُقْبةُ بنُ الحارثِ فقَتَلَه، وكان خُبِيبٌ هو سَنَّ لكلِّ مسلم قُتِلَ صَبْراً
الصَّلاةَ، وأخبَرَ (١) أصحابَه يومَ أُصِيبوا خَبَرَهم، وبَعَثَ ناسٌ من قُرَيشٍ إلى عاصمِ بنِ ثابتٍ
(١) في رواية ابن عساكر: وأَخبرَ يعني النبي وَلّلأصحابه. وبه يُعرف عَوْد الضمير، وسقط لغير ابن عساكر.

٦٨
باب ٩ / ح ٣٩٩٠ -٣٩٩١
فتح الباري بشرح البخاري
حِينَ حُدِّثوا أنَّه قُتِلَ أن يُؤْتَوْا بشيءٍ مِنْه يُعْرَفُ، وكان قَتَلَ رجلاً من عُظَمائهم، فَبَعَثَ الله
لِعاصمِ مِثلَ الظَّةِ مِن الذَّبْرِ، فحَمَتْه من رُسُلِهِم، فلم يَقدِروا أن يَقْطَعوا منه شيئاً.
وقال كَعْبُ بنُ مالكٍ: ذَكَروا مُرارةَ بنَ الرَّبِيعِ العَمْرِيَّ، وهلالَ بنَ أَميَّةَ الواقِيَّ، رجلینِ
صالحينٍ، قد شَهِدا بَدْراً.
٣٩٩٠- حدَّثْنَا قُتَيةُ بن سَعيد، حدَّثنا ليثٌ، عن يحيى، عن نافعٍ: أنَّ ابنَ عمرَ رضي الله
عنهما ذُكِرَ له أنَّ سعيدَ بنَ زيدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيَلٍ، وكان بَدْرِيّاً، مَرِضَ في يومٍ مُعةٍ، فَرَكِبَ إليه
بعدَ أن تعالى النَّهارُ، واقتَرَبَتِ الجُمُعةُ، وتَرَكَ الجُمُعَةَ.
٣٩٩١- وقال اللَّيثُ: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: حدَّثني عُبيدُ الله بنُ عبدِ الله
ابن عُثْبةَ: أَنَّ أباه كَتَبَ إلى عمرَ بنِ عبدِ الله بنِ الأرقَمِ الزُّهْريِّ، يأمُرُه أن يَدخُلَ على سُبيعةً بنت
الحارثِ الأسلَمِيّةِ، فَيَسْألها عن حديثها، وعمّا قال لها رسولُ الله ◌ِهِ حِينَ اسْتَفْتَتْه، فَكَتَبَ عمرُ
ابنُ عبدِ الله بنِ الأرقَمِ إلى عبدِ الله بنِ عُتْبةَ يُخْبِرُ، أنَّ سُبيعةَ بنتَ الحارثِ أخبَرَتْه: أنَّها كانت
تحتَ سَعْدٍ بِنِ خَوْلَةَ، وهو من بني عامرِ بنِ لُؤَيٍّ، وكان ◌َمَّنْ شَهِدَ بَدْراً، فتوفِّيَ عنها في حَجّةِ
الوَداع وهي حامِلٌ، فلم تَنْشَب أن وضَعَت حَمْلَها بعدَ وفاته، فلمَّا تَعلَّت من نِفاسِها تَجَمَّلَت
للخُطّب، فدَخَلَ عليها أبو السَّنابِلِ بنُ بَعْكَكِ - رجلٌ من بني عبدِ الدّار - فقال لها: ما لي أراكِ
تَجَمَّلْتِ للخُطّابِ تُرَجِّينَ النكاحَ؟ فَإِنَّكِ والله ما أنتِ بناكِحٍ، حتَّى تَمُرَّ عليكِ أربعةُ أشهُرِ
وعَشْرٌ، قالت سُبيعةُ: فلمَّا قال لي ذلكَ، جَمَعْتُ عليَّ ثِيابي حينَ أمسَيتُ، وأتيتُ رسولَ الله ◌ِ،
فسألتُه عن ذلكَ، فأفتاني بأنّ قد حَلَلْتُ حينَ وضَعْتُ مْلي، وأُمَرَني بالتزوُّجِ إِن بَدالي.
تَابَعَه ◌ُصْبَغُ، عن ابنِ وَهْب، عن یونُسَ.
وقال اللَّيثُ: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ، وسألْناه فقال: حدَّثَّهُ محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ
ابنِ ثَوبانَ، مولى بني عامرِ بنِ لُؤَيٍّ: أنَّ محمَّدَ بنَ إياسِ بنِ البُكَيرِ، وكان أبوه شَهِدَ بَدْراً، أخبَرَه.
[طرفه في: ٥٣١٩]
الحديث الخامس: حديث أبي هريرة في قِصّة أصحاب بئر معونة، وسيأتي شرحه بتمامه

٦٩
باب ٩ / ح ٣٩٩١
كتاب المغازي
في غزوة الرَّجيع (٤٠٨٦)، والغرض منه هنا قوله فيه: وكان قد قتل عظيماً من عُظَمائهم،
فإنَّه سيأتي في الطَّريق الأُخرَى التصريح بأنَّ ذلك كان يوم بدر، والذي قتله عاصم المذكور
يوم بدر من المشركين في قول ابن إسحاق ومَن تَبعَه: عُقْبة بن أبي مُعَيط بن أبي عَمْرو بن
أُميَّة، قتله صَبراً بأمر النبيّ وَلَّ(١).
قوله: ((أخبَرَني عَمْرو بن جارية)) بالجيم، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: عَمْرو بن أَسيدِ بن
جارية، وكذا للأَصِيلِيِّ، وهو هو (٢)، نُسِبَ إلى جَدّه، بل هو جَدّ أبيه، لأنَّه ابن أَسيدِ بنِ
العلاء بن جارية. ووقعَ في غزوة الرَّجيع، كما سيأتي: عَمْرو بن أبي سفيان، وهي كُنية أبيه
أسيدٍ، والله أعلم. وأَسيد بفتح الهمزة للجميع. وأكثر أصحاب الزُّهْريِّ قالوا فيه: عَمْرو،
بفتح العين، وقال بعضهم: عُمر، بضمِّ العين، ورَجَّحَ البخاريّ أنَّه عَمْرو، وكذا وقعَ في
الجهاد (٣٠٤٥) في ((باب هل يَستأسِرُ الرجلُ)) للأكثر عَمْرو، وأمَّا النَّسَفيّ وأبو زيد
المروَزيُّ فلم يُسَمّياه، قالا: أخبرنا ابن أَسيدٍ، وقال ابن السَّكَن في روايته: عُمير، بالتصغيرِ،
والراجح عَمْرو، بفتح العين، وسيأتي مزيد لذلك في غزوة الرَّجيع.
قوله: ((عَشَرةً عيناً)) سيأتي بيانهم في غزوة الرَّجيع.
قوله: (وأمَّرَ عليهم عاصم بن ثابت جَدّ عاصم بن عمر بن الخطّاب)) يعني: لأُمِّه، قالوا(٣):
وهو وهمٌّ من بعض رواته، فإنَّ عاصم بن ثابت خال عاصم بن عمر لا جَدّه، لأنَّ والدة
عاصم هي جميلة بنت ثابت أُخت عاصم، وكان اسمها عاصية، فغَيَّرَها النبيّ وَِّ، قال
عياض: إذا قُرِئَ (جَدِّ) بالكسرِ على أنَّه صِفة لثابت (٤)، استَقَامَ الكلام وارتَفَعَ الوهمُ.
(١) والغرض منه أيضاً قوله: وكان خُبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدرٍ، وخبيب هو ابن عدي فلا
ندري لم اقتصر الحافظ على ذكر عاصم ولم يعرّج على ذكر حَبيب! وقصة قتل عقبة بن أبي معيط أخرجها
أبو داود (٢٦٨٦) من حديث ابن مسعود بإسناد صحيح.
(٢) لفظة: ((هو)) الثانية سقطت من (ع) و(س)، وأثبتناها من (أ)، وبها يتم المعنى. وقد وقع للحافظ هكذا
منسوباً لجده، والذي في اليونينية: ابن أسيد بن جارية!
(٣) تحرفت في (س) إلى: قال.
(٤) يعني صفة لثابت لا لعاصم، فيكون ثابتٌ هو جدَّه، وهو صواب.

٧٠
باب ٩ / ح ٣٩٩١
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث السادس:
قوله: ((وقال كعب بن مالك: ذكروا مُرارة بن الرَّبيع العَمْرِيَّ وهلال بن أُميَّة الواقفيَّ
رجلينِ صالحينِ قد شَهِدا بدراً) هذا طَرَف من حديث كعب الطَّويل في قِصّة تَوبَته،
٣١١/٧ وسيأتي/ موصولاً في غزوة تَبُوك (٤٤١٨) مُطوَّلاً، وكأنَّ المصنِّف عَرَفَ أنَّ بعض الناس
يُنكِرِ أن يكون مُرارة وهِلال شَهِدا بدراً، ويَنسُبُ الوَهم في ذلك إلى الزُّهْرِيِّ، فَرَدَّ ذلك
بنسبة ذلك إلى كعب بن مالك، وهو الظّاهر من السّياق، فإنَّ الحديث عنه قد أُخِذَ، وهو
أعرَف بمَن شَهِدَ بدراً مَّن لم يَشهَدها مَمَّن جاء بعده، والأصل عَدَم الإدراج، فلا يَتْبُت إلّا
بدليلٍ صريح، ويُؤيِّ كَون وَصِفِهما بذلك من كلام كعب أنَّ كعباً ساقَه في مقام التأسّي بهما
فَوَصَفَهما بالصلاحِ وبشُهودِ بدر التي هي أعظَم المشاهد، فلمَّا وَقَعَ لهما نَظير ما وقعَ له من
القُعود عن غزوة تَبُوك، ومن الأمر بهَجرهما كما وقعَ له، تأسَّی بهما.
وأمَّا قول بعض المتأخّرين كالدِّمياطيٍّ: لم يَذكُر أحدٌ مُرارة وهلالاً فيمن شَهِدَ بدراً،
فمردُود عليهِ، فقد جَزَمَ به البخاريّ هنا وتَبعَه جماعة، وأمَّا قوله: وإنَّما ذكروهما في الطَّقة
الثانية مَمَّن شَهِدَ أُحُداً، فحَصرٌ مردودٌ، فإنَّ الذي ذكرهما كذلك هو محمد بن سَعْد، وليس
ما يقتضيه صَنيعه بحُجّةٍ على مثل هذا الحديث الصحيح المُثْبِتِ لشُهودِهما.
وقد ذكر هشام بن الكَلْبِيّ وهو من شيوخ محمد بن سعد أنَّ مُرارة شَهِدَ بدراً، فإنَّه
ساقَ نَسَبه إلى الأوس، ثمَّ قال: شَهِدَ بدراً، وهو أحد الثلاثة الذين تِيبَ عليهم.
وقد استَقَرَيت أوَّل مَن أنكَرَ شُهودهما بدراً فَوَجَدته الأثرَمَ صاحب الإمام أحمد،
واسمه أحمد بن محمد بن هانئ، قال ابن الجوزيّ: لم أزَل مُتَعَجِّباً من هذا الحديث وحَريصاً
على كَشف هذا الموضع وتحقيقه حتَّى رأيت الأثرَم ذكر الزُّهْرِيَّ وفَضْلَه، وقال: لا يكاد
يُحِفَظ عنه غَلَط إلّا في هذا الموضع، فإِنَّه ذكر أنَّ مُرارة وهلالاً شَهِدا بدراً، وهذا لم يَقُله
أحد، والغَلَط لا يُعصم منه إنسان.
قلت: وهذا ينبني على أنَّ قوله: شَهِدا بدراً، مُدرَج في الخَبَرَ من كلام الزُّهْريِّ، وفي

٧١
باب ٩ / ح ٣٩٩١
كتاب المغازي
ثبوت ذلك نظر لا يَخْفَى كما قَدَّمتُه، واحتَجَّ ابن القَيِّم في ((الهَدْي)) بأنَّهما لو شَهِدا بدراً ما
عوقِيا بالهَجرِ الذي وقعَ لهما، بل كانا يُسامَحَان بذلك كما سُومِحَ حاطِب بن أبي بَلتَعة، كما
وقعَ في قِصَّته المشهورة، قلت: وهو قياس مع وُجود النَّصّ، ويُمكِن الفَرق، وبالله التوفيق،
والله أعلم.
قوله: ((عن يحيى)) هو ابن سعيد الأنصاريّ.
قوله: ((ذُكِرَ لَه)) بضمٍّ أوَّله، ولم أقف على اسم ذاکِر ذلك، والغرض منه.
قوله: ((وكان بدريّاً)) وإنَّما نُسِبَ إلى بدر، وإن كان لم يَحَضُر القتال، لأنَّه كان ممَّن ضَرَبَ له
النبيّ وَّ بِسْمِ، كما تقدَّم قريباً(١)، وكان النبيّ ◌َّهِ بَعَثَه هو وطلحة يَتَحَسَّسان الأخبار، فوقعَ
القتال قبل أن يَرجِعا، فألحَقهما النبيّ وَّ بِمَن شَهِدَها، وضَرَبَ لهما بسهمَيهما وأجرهما.
الحديث الثامن:
قوله: ((وقال اللَّيث: حدَّثني يونس ... )) إلى آخره، يأتي شرحه مُستَوفَّى في العِدَد من
كتاب النكاح (٥٣١٩)، والغرض منه ذِكْر سعد بن خَولة، وأنَّه شَهِدَ بدراً، وقد وصَلَ
طريق اللَّيث هذه قاسمُ بن أصبَغْ في ((مُصنََّه))(٢)، فأخرجه عن مُطَّلِب بن شُعيب عن
عبد الله بن صالح عن اللَّيث، بتمامهِ.
قوله: ((تابَعَه أصبَغ، عن ابن وَهْب)) وصلَه الإسماعيليّ من طريق محمد بن عبد الملك بن
زَنجوَيه عن أصبَغ بن الفَرَج(٣).
الحديث التاسع:
قوله: ((وقال اللَّيث)) وصلَه المصنّف في ((التاريخ الكبير)) (٢٠/١-٢١) قال: قال لنا
(١) عند شرح الحديث (٣٩٥٦).
(٢) ومن طريقه ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٣٦/٢٠.
(٣) ووصله أيضاً مسلم (١٤٨٤)، وأبو داود (٢٣٠٦) من طرق عن ابن وهب. على أنَّ أصبغ من شيوخ
البخاري.

٧٢
باب ١٠ / ح ٣٩٩٢ -٣٩٩٤
فتح الباري بشرح البخاري
عبد الله بن صالح: أخبرنا (١) اللَّيث، فذكره بتمامِهِ.
قوله: ((وسألْناه فقال: حدَّثه)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: حدّثني.
قوله: ((الْبُكَير)) بالتصغير، وضُبطَ أيضاً بكسرِ الموحّدة وبتشديد الكاف.
قوله: ((وكان أبوه شَهِدَ بدراً)) زاد في ((التاريخ)): أنَّه سألَ أبا هريرة وابن عبّاس
وعبد الله بن عمرو(٢)، مثله، يعني: مثل حديثٍ قبلَه: إذا طَلَّقَ ثلاثاً لم تَصلُح له - أي: المرأة -
فاقتَصَرَ المصنِّف من الحديث على موضع حاجته منه، وهي قوله: وكان أبوه شَهِدَ بدراً،
وقد روى هذا الحديثَ قُتَيبة عن اللَّيث عن ابن شِهاب، بغير واسطة، وساقَه مُطوَّلاً(٣)،
والله أعلم.
٣١٢/٧
١٠ - باب شهود الملائكة بدراً
٣٩٩٢- حَدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، أخبرنا جَرِيرٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن معاذٍ بنِ
رِفاعةَ بنِ رافعِ الزُّرَقِيِّ، عن أبيه، وكان أبوه من أهلِ بَدْرٍ، قال: جاء جِبْرِيلُ إلى النبيِّ ◌ِل
فقال: ما تَعُدّونَ أهلَ بَدْرٍ فيكم؟ قال: ((مِن أفضلِ المسلمينَ)) - أو كلمةً نحوَها - قال: وكذلكَ
مَن شَهِدَ بَدْراً مِن الملائكةِ.
[طرفه في: ٣٩٩٤]
٣٩٩٣- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَرْبٍ، حدَّثنا خَّدٌ، عن يحيى، عن معاذِ بنِ رِفاعةَ بنِ رافعٍ،
وكان رِفاعةُ من أهلِ بَدْرٍ، وكان رافعٌ من أهلِ العَقَبَةِ، فكان يقول لابنِهِ: ما يَسُرُّني أنّ شَهِدْتُ
بَدْراً بالعَقَبَةِ، قال: سألَ جِبْرِيلُ النبيَّ ◌َّه بهذا.
٣٩٩٤ - حدَّثْني إسحاقُ بنُ منصورٍ، أخبرنا يَزِيدُ، حَدَّثنا يحيى، سمعَ معاذَ بنَ رِفاعةً: أنَّ
مَلَكاً سألَ النبيَّ ◌َِّ، نحوه.
(١) في ((التاريخ الكبير)) المطبوع: عن، وهو كذلك في ((تغليق التعليق)) ١٠٣/٤!
(٢) تحرف في (س) إلى: وعبد الله بن عمر، ومثله.
(٣) أخرجه الحافظ بإسناده في ((تغليق التعليق)) ٤/ ١٠٤.

٧٣
باب ١٠ / ح ٣٩٩٥
كتاب المغازي
وعن يحيى أنَّ يَزِيدَ بنَ الهادِ أخبره: أنَّه كان معه يومَ حدَّثه معاذٌ هذا الحديثَ، فقال يَزِيدُ:
قال معاذٌ: إنَّ السائلَ هو جِبريلُ عليه السلام.
٣٩٩٥- حذَّثني إبراهيمُ بنُّ موسى، أخبرنا عبدُ الوهّاب، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةَ، عن
ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ وَّ قال يومَ بَدْرٍ: «هَذا جِبْرِيلُ آخِذٌ برأسٍ فَرَسِه عليه أداةُ
الحرب)).
[طرفه في: ٤٠٤١]
قوله: «باب شُهود الملائكة بدراً) تقدَّم القول في ذلك قبل بابینٍ، وأخرج يونس بن بُگیر
في زيادات ((المغازي))، والبيهقيُّ(١) من طريق الرَّبيع بن أنس قال: كان الناس يوم بدر
يَعرِفونَ قتَلَى الملائكة من قتلَى الناس بضربٍ فوق الأعناق وعلى البنان مثل وَسْم النار. وفي
(مُسنَد إسحاق)): عن جُبَير بن مُطعِم، قال: رأيتُ قَبَلَ هَزيمة القوم ببدرٍ مثل البِجاد(٢)
الأسوَد أقبَلَ من السماء كالنَّملِ، فلم أشُكّ أنَّها الملائكة، فلم يكن إلّا هَزيمة القوم(٣).
وعند مسلم (١٧٦٣) من حديث ابن عبّاس: بينما رجل مسلم يَشتَدّ في أَثر رجلٍ مُشِرِك إذ
سمعَ ضربةً بالسَّوطِ فوقه وصوتَ الفارس، الحديث. وفيه: فقال النبيّ وَّ: ((ذلك مَدَدٌ
من السماء الثالثة)).
قوله: ((يحيى بن سعيد)) هو الأنصاريّ.
(١) في ((دلائل النبوة)) ٥٦/٣.
(٢) تصحفت في (س) إلى: النجاد، بالنون بدل الباء، قال ابن الأثير: البجاد: الكساء. أراد الملائكة.
(٣) ومن طريق إسحاق بن راهويه أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) ٣/ ٦١ عن وهب بن جرير بن حازم عن
أبيه قال: سمعت ابن إسحاق، يقول: حدثني أبي، عن جبير بن مطعم. وقد روي نظير هذه القصة في
غزوة حنين من طريق ابن إسحاق عن أبيه عمن حدَّثه عن جبير بن مطعم، وهو الأشبهُ، وعليه يكون
قد حصل وهم في الإسناد والمتن جميعاً، ويؤيد ذلك أنَّ جبيراً لم يكن قد أسلم في بدر، بل ولا في أحدٍ،
كما يدل عليه حديث وحشي الذي سيأتي عند البخاري برقم (٤٠٧٢)، والذي فيه أنَّ وحشياً كان مولّی
لجبير بن مطعم، وأنه حرَّضه على قتل حمزة بأحدٍ، فكيف يقول هنا: فلم أشك أنها الملائكة، فالصحيح
أنَّ ذلك کان بحنین، و کان جبیر قد أسلم بعد فتح مكة.

٧٤
باب ١٠ / ح ٣٩٩٥
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((عن معاذ بن رِفاعة)) أورَدَه عنه من ثلاثة طرق(١)، ففي رواية جَرِير: معاذ عن
أبيه وهذه موصولة، وفي رواية حمّاد - وهو ابن زيد ـ: معاذ بن رِفاعة بن رافع، وكان
رِفاعة من أهل بدر ... إلى آخره. وهذا صورته مُرسَل، ولكن عند التأمُّل يَظهَر أنَّ فيه
رواية لمعاذ بن رِفاعة بن رافع عن أبيه عن جَدّه، ورواية يزيد - وهو ابن هارون، وهي
الثالثة - قال فيها معاذ: إنَّ مَلكاً سألَ. وهذا ظاهر(٢) الإرسال، لكن أفادَ التصريح بسماع
يحيى بن سعيد للحديثِ من معاذ، ولهذا قال الإسماعيليّ: هذا الحديث وصلَه عن يحيى بن
سعيد جَرِير (٣) بن عبد الحميد، وتابَعَه يحيى بن أيوب، وأرسلَه(٤) عنه(٥) حمّاد بن زيد ويزيد
ابن هارون.
وقوله في آخره: ((وعن يحيى أنَّ يزيد بن الهاد حدَّثه)) يُستَفاد منه أنَّ تسمية الملكِ السائلِ
جِبْرِيلَ إِنَّما تَلَقّاها يحيى بن سعيد من يزيد بن الهاد عن معاذ، فيقتضي ذلك أنَّ في رواية
جَرِير في (٦) الجزم بتسميَتِه في رواية يحيى بن سعيد إدراجاً.
قوله: ((بدراً بالعَقَبةِ)) أي: بَدَل العَقَبة، يريد أنَّ شُهود العَقَبة عنده أفضل من شُهود
بدر (٧).
(١) وقد روى هذا الحديث سفيان الثوري، لكنه جعله عن يحيى بن سعيد التيمي عن عباية بن رفاعة عن جده
رافع بن خديج، وقد أعلَّ أحمد بن حنبل هذه الرواية كما في ((المنتخب من العلل)) للخلال (١٢٦)، لأنَّ
سفيان انفرد بها وخالف فيها غيره، وكأنَّ البخاري هنا أراد بتعديده الطرق عن يحيى بن سعيد الأنصاري
بيان وَهْم سفيان الثوري فيه، والله أعلم، وطريق سفيان المذكورة عند أحمد (١٥٨٢٠) وغيره.
(٢) تحرف في (س) إلى: ظاهره.
(٣) في (س): وجرير، بإقحام الواو قبل جرير، وهو خطأ ظاهر.
(٤) تحرف في (س) إلى: فأرسله.
(٥) الضمير يعود على يحيى بن سعيد وليس على يحيى بن أيوب، كما هو ظاهر في الأسانيد التي ساقها
البخاري.
(٦) لفظة ((في)) سقطت من (س).
(٧) في هذه العبارة التي قالها رافع بن مالك ما يؤيِّد وهمَ سفيان الثوري كما بينّاه قريباً، إذ جعل الحديث عن
رافع بن خديج، ولم يشهد رافع بن خديج العقبة، إنما الذي شهدها رافع بن مالك.

٧٥
باب ١٠ / ح ٣٩٩٥
كتاب المغازي
وقوله في آخِر رواية حمّاد: / ((بهذا)) يريد ما تقدَّم في رواية جَرِير، وقد أخرجه البيهقيُّ(١) ٣١٣/٧
من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حَرْب شيخ البخاريّ فيه بلفظ: عن
معاذ بن رِفاعة بن رافع، وكان رِفاعة بدريّاً وكان رافع عَقبيّاً، وكان يقول لابنه: ما أُحِبّ
أنّ شَهِدت بدراً ولم أشهَد العَقَبة، قال: سألَ جِبْرِيلُ النبيّ ◌َّ: كيف أهل بدر فيكم؟ قال:
((خيارنا))، قال: وكذلك مَن شَهِدَ بدراً من الملائكة هم خيار الملائكة.
وقوله في رواية يزيد: ((نحوه)) ساقَ الإسماعيليّ لفظ يزيد: من طريق محمد بن شُجاع
عنه، بلفظ: إنَّ مَلكاً من الملائكة أتى رسول الله وَ له، فقال: ما تَعُدّونَ أهل بدر فيكم؟ قال
يحيى بن سعيد: حدَّثني يزيد بن الهاد: أنَّ السائل هو چِبْريل.
والذي يَظهَر أنَّ رافع بن مالك لم يَسمَع من النبيّ ◌َّ التصريح بتفضيلِ أهل بدر على
غيرهم، فقال ما قال باجتهادٍ منه، وشُبهَته أنَّ العَقَبة كانت مَنشَأ نُصرة الإسلام، وسبب
الهجرة التي نَشَأ منها الاستعداد للغَزَوات كلّها، لكنَّ الفضل بيدِ الله يُؤتيه مَن يَشاء، والله
أعلم.
قوله في حديث ابن عبَّاس: ((أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال يوم بدر: هذا جِبْريل)) الحديث هو من
مراسيل الصحابة، ولعلَّ ابن عبَّاس ◌َلَه عن أبي بكر، فقد ذكر ابن إسحاق(٢) أنَّ النبيّ ◌َل
في يوم بدر خَفَقَ خَفقة، ثمَّ انتَبَهَ فقال: ((أبشِرْ يا أبا بكر، أتاك نَصر الله، هذا جِبْريل آخِذٌ
بعِنان فَرَسه يقوده، على ثناياه الغُبار)».
ووَقَعَت في بعض المراسيل تَتِمّة لهذا الحديث مُفِيدة، وهي ما أخرج سعيد بن منصور
(٢٨٧٣) من مُرسَل عَطيَّة بن قيس: أنَّ جِبْرِيل أتى النبيّ وَلِلّه بعدَما فَرَغَ من بدر على فرس
حمراء معقودة الناصية، قد عَصَبَ الغُبارُ ثَنِيَّتَه(٣)، عليه دِرعُه، وقال: يا محمد إنَّ الله بَعَثَني
إليك، وأمَرَني أن لا أُفارقَك حتَّى ترضى، أفَرضيت؟ قال: ((نعم)).
(١) في ((الدلائل)) ١٥١/٣.
(٢) أخرجه من طريقه البيهقي في ((الدلائل)) ٣/ ٨٠-٨١.
(٣) تحرفت العبارة في (س) إلى: تخضب الغبار بثنيته، وعَصَبَ، أي: رَكِبَ وعَلِقَ.

٧٦
باب ١٠ / ح ٣٩٩٥
فتح الباري بشرح البخاري
ووقعَ عند ابن إسحاق من حديث أبي واقد اللَّيثيّ(١) قال: إنّي لَأَتْبع يوم بدر رجلاً من
المشركين لأضرِبِه، فوقعَ رأسه قبل أن يَصِل إليه سيفي.
ووقعَ عند البيهقيِّ(٢) من طريق محمد بن جُبَير بن مُطعِم أنَّه سمعَ عليّاً يقول: هَبَّت
ريح شديدة لم أرَ مثلها، ثمَّ هَبَّت ريح شديدة، وأظنّه ذكر ثالثة، فكانت الأولى چِبْریل،
والثانية ميكائيل، والثالثة إسرافيل، وكان ميكائيل عن يمين النبيّ وَّ﴾، وفيها أبو بكر،
وإسرافيل عن يساره، وأنا فيها (٣)، ومن طريق أبي صالح عن عليّ(٤) قال: قيل لي ولأبي بكر
يوم بدر: مع أحدِكُما جِبْريل، ومع الآخر ميكائيل، وإسرافيلُ مَلَك عظيم يَحَضُر الصفّ
ويَشهَد القتال. وأخرجه أحمد (١٢٥٧) وأبو يَعْلى (٣٤٠) وصَحَّحَه الحاكم (١٣٤/٣) (٥)،
والجمع بينه وبين الذي قبله ثُمکِن.
قال الشَّيخ تَقيّ الدّين السُّبكيّ: سُئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبيّ وَّ مع
أنَّ جِبْريل قادر على أن يَدِفَع الكفَّار بريشةٍ من جناحه، فقلت: وقعَ ذلك لإرادة أن يكون الفِعل
للنبيِّ وَّهِ وأصحابه، وتكون الملائكة مَدَداً على عادة مَدَد الجيوش، رِعايةً لصورة الأسباب
وسُنَّتِها التي أجراها الله تعالى في عبادِه، والله تعالى هو فاعل الجميع، والله أعلم.
(١) كذا وقع في رواية يونس بن بكير وحده عن ابن إسحاق، كما أخرجه من طريقه ابن أبي حاتم في ((العلل)).
(٢٦٨٥)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٣/ ٥٦، وقد خالف يونس جميع أصحاب ابن إسحاق، حيث جعلوه من
حديث أبي داود المازني، فقد أخرجه ابن هشام في ((السيرة النبوية)) ٦٣٣/١ عن زياد بن عبد الله البكائي،
وأحمد (٢٣٧٧٨) عن يزيد بن هارون، وابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢٦٨٥) من طريق عبد الله بن إدريس
ومن طريق سعيد بن بزيع، والطبري في تفسيره)) ٤ / ٧٧ عن طريق سلمة بن الفضل، وأبو نعيم في ((معرفة
الصحابة)) (٥٠٦١) من طريق محمد بن سلمة الحراني، وفي ((دلائل النبوة)) (٤٠٤) من طريق إبراهيم بن
سعد، جميعهم عن محمد بن إسحاق، فقالوا: عن أبي داود المازني، وقد خطّاً أبو زرعة رواية يونس بن بكير فيما
حكاه عنه ابن أبي حاتم في ((العلل)). وانظر ((الإصابة)) للحافظ ٧/ ٤٥٦.
(٢) في ((الدلائل)) ٥٤/٣-٥٥.
(٣) وأخرجه أيضاً أبو يعلى (٤٨٩)، والحاكم ٦٨/٣-٦٩، وإسناده ضعيف، واللفظ المذكور فيه اختصار.
(٤) في ((الدلائل)) ٥٥/٣.
(٥) عند أبي يعلى والحاكم: قال لي رسول الله وَ ثل.

٧٧
باب ١١ / ح ٣٩٩٦-٤٠٠٠
كتاب المغازي
٣١٤/٧
١١ - بابٌ
٣٩٩٦- حدَّثني خَلِيفةُ، حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله الأنصاريُّ، حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتَادةَ، عن
أنسٍ ◌ُ، قال: ماتَ أبو زيدٍ، ولم يَتْرُكُ عَقِباً، وكان بَدْرِيّاً.
٣٩٩٧- حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسُفَ، حدَّثنا اللَّيثُ، قال: حدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ، عن
القاسمِ بنِ محمَّدٍ، عن ابنِ خَبّابٍ: أنَّ أبا سعيدٍ بنَ مالكِ الخُدْريَّ ﴾ قَدِمَ من سَفَرِ فقَدَّمَ إليه
أهلُه لَحَماً من لُوم الأضاحِيّ، فقال: ما أنا بآكِلِه حتَّى أسألَ، فانطَلَقَ إلى أخِيه لأُّه، وكان
بَدْرِيّاً، قَتَادَةَ بنِ النُّعمان، فسألَه فقال: إنَّه حَدَثَ بعدَكَ أمرٌ نَقْضٌ لما كانوا يُنْهَونَ عنه من أكلِ
لُومِ الأضحَى بعدَ ثلاثةِ أيام.
[طرفه في: ٥٥٦٨]
٣٩٩٨- حذَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشام بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، قال:
قال الزُّبَيرُ: لَقِيتُ يومَ بَدْرٍ عُبيدةَ بنَ سعيدِ بنِ العاص، وهو مُدَجَّجٌ لا يُرَى مِنْه إلّ عَيناهُ، وهو
يُكْنَى أبا ذاتِ الكَرِشِ، فقال: أنا أبو ذاتِ الكَرِشِ، فَحَمَلْتُ عليه بالعَنَزَةِ فِطَعَنْتُه في عينِهِ،
فماتَ. قال هشامٌ: فأُخبِرِتُ أنَّ الزُّبَيرَ قال: لقد وَضَعْتُ رِجْلِي عليه، ثمَّ تَطَأْتُ، فكان الجَهْدُ
أنْ نَزَعْتُها، وقدِ انثَنِى طَرَفاها، قال عُرْوةُ: فسألَه إيّاها رسولُ الله ◌َِّ فأعطاهُ، فلمَّا قُبِضَ
رسولُ اللهِ وَِّ أَخَذَها، ثمَّ طَلَبَها أبو بَكْرٍ فأعطاه، فلمَّا قُبِضَ أبو بَكْرٍ سألَا إِّه عمرُ، فأعطاه
إيّاها، فلمَّا قُبِضَ عمرُ أخَذَها، ثمَّ طَلَبَها عُثْمانُ منه فأعطاه إيّاها، فلمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَقَعَت عندَ
آلٍ عليٍّ، فطَلَبَها عبدُ الله بنُ الزُّبَيرِ، فكانت عندَه حتّى قُتِلَ.
٣٩٩٩- حدَّثنا أبو اليَمَان، أخبرنا شُعَيبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني أبو إذْرِيسَ عائذُ الله
ابنُ عبدِ الله: أنَّ عُبَادَةَ بنَ الصّامتِ، وكان شَهِدَ بَدْراً، أنَّ رسولَ اللهِوَ ◌ّل قال: ((باِيِعُوني)).
٤٠٠٠- حدَّثنا يحيى بنُ بُكَير، حدَّثنا اللَّيثُ، عن عُقَيل، عن ابنِ شِهابٍ، أخبرني عُرْوةُ بنُ
الزُّبَيرِ، عن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ أبا حُذَيفةَ، وكان مَمَّن شَهِدَ بَدْراً معَ رسولِ الله ◌ِ، تَبَنَّى
سالماً، وأنكَحَه بنتَ أخِيه هِنْدَ بنتَ الوَلِيدِ بنِ عُتْبَةَ - وهو مَولَّى لامرأةٍ مِن الأنصار - كما تَبَنَّی

٧٨
باب ١١ / ح ٣٩٩٦ - ٤٠٠٠
فتح الباري بشرح البخاري
رسولُ اللهِوَ ﴿ زيداً، وكان مَن تَبَنَّى رجلاً في الجاهلِيَّةِ دَعاه الناسُ إليه ووَرِثَ من مِیراثِهِ، حتَّى
أَنزَلَ الله تعالى: ﴿ أَدْعُوهُمْ لَِّبَآئِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فجاءت سَهْلَةُ النبيَّ وَّةٍ ... فذكر
الحديثَ.
[طرفه في: ٥٠٨٨]
قوله: ((باب)) كذا للجميع بغير ترجمة، وهو فيما يتعلَّق ببيان مَن شَهِدَ بدراً.
قوله: ((حدَّثني خليفة)) هو ابن خَيّاط، بالمعجَمة ثمَّ التحتانيَّة الشَّديدة، قال: ((حدَّثنا
محمد بن عبد الله الأنصاريّ)) هو من كبار شيوخ البخاريّ، ورُبَّما حدَّث عنه بواسطةٍ كما في
هذا الموضع، وسعيد: هو ابن أبي عَرُوبة.
قوله: ((ماتَ أبو زيد: ولم يَترُكُ عَقِباً، وكان بدريّاً) كذا أورَدَه مختصراً، وقد مَضَى في
مناقب الأنصار (٣٨١٠) بأتمّ من هذا أنَّه سألَ أنساً عن أبي زيد الذي جمع القرآن، فقال:
هو قيس بن السَّكَن، رجل من بني عَديّ بن النَّجّار، ماتَ فلم يَترُك عَقِباً، نحنُ وَرِثْناه(١).
وقد تقدَّم نقل الخلاف في اسمه هناك.
الحديث الثاني:
قوله: ((عن ابن خَبّاب)) بالمعجَمة وموخَّدتَينِ الأولى ثقيلة، واسمه عبد الله، وفي الإسناد
ثلاثة من التابعين في نَسَق، وسيأتي شرح الحديث في كتاب الأضاحي (٥٥٦٨)، والغرض
منه هنا وصف قَتَادة بن النُّعمان بكَونِهِ شَهِدَ بدراً.
الحديث الثالث:
قوله: ((قال الزُّبَير)) هو ابن العَوّامّ.
قوله: ((عُبيدة)) بالضَّمِّ، أي: ابن سعيد بن العاص بن أُميَّة، وكان لسعيد بن العاص عِدّة
إخوة، أسلَمَ منهم عَمْرو وخالد وأبان، وقُتِلَ العاص كافراً.
(١) لم يورده البخاري بهذا السياق، وسيعزوه الحافظ عند شرح الحديث (٥٠٠٤) لابن أبي داود، وقال فيه: إسناده
على شرط البخاري، فالظاهر أن ما وقع هنا سقط من النساخ، والله أعلم.

٧٩
باب ١١ / ح ٣٩٩٦-٤٠٠٠
كتاب المغازي
قوله: ((مُدَجَّج)) بجيمَينِ الأولى ثقيلة ومفتوحة، وقد تُكسَر، أي: مُغَطّ بالسِّلاح ولا
يَظهَر منه شيء.
٣١٥/٧
قوله:/ ((قال هشام)) هو ابن عُرْوة، وهو موصول بالإسناد المذكور.
وقوله: ((فأُخبرت)) بضمِّ الهمزة على البناء للمجهول، ولم أقِفْ على تعيين المخبِر
بذلك.
قوله: ((ثُمَّ تَطَّأْتُ)) قيل: الصواب: تَطَّيت، بالتحتانيَّة غير مهموزٍ.
قوله: ((فكان الجَهْد) بفتح الجيم وبضمِّها ((أن)) بفتح الهمزة ((نَزَعتها)).
قوله: «قال عُزْوة» هو موصول بالإسناد المذكور.
وقوله: ((أَخَذَها)) يعني: الزُّبَيرِ ((ثُمَّ طلبها أبو بكر)) أي: من الزُّبَير.
وقوله: ((وقَعَت عند آلٍ عليّ)) أي: عند عليّ نفسه ثمَّ عند أولاده.
قوله: ((فطَلَبَها عبد الله بن الزُّبَير)) أي: من آلٍ عليّ.
الحديث الرابع: ذكر فيه طرفاً من حديث عُبَادة بن الصّامت في البيعة لقوله فيه: وكان
شهد بدراً، وقد تقدَّم بتمامه في الإيمان (١٨).
الحديث الخامس:
قوله: ((أنَّ أبا حُذَيفة)) هو ابن عُتبة بن ربيعة الذي تقدَّم صِفة قَتْل والده قريباً (١).
وقوله: ((تَبَنَّى سالماً)) أي: ادَّعَى أَنَّه ابنُه، وكان ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿ آدْعُوهُمْ
لَّبَآئِهِمْ﴾ فإنّها لمَّا نزلت صارَ يُدعَى مَولَى أبي حُذَيفة، وقد شَهِدَ سالمٌ بدراً مع مولاه
المذكور، والوليد بن عتبة والد هِند قُتِلَ مع أبيه كما تقدَّم، وسُمّيَت هِند هذه باسم عَمَّتها
هِند بنت عُتبة.
قال الدِّمياطيّ: رواه يونس ويحيى بن سعيد وشُّعَيب وغيرهم عن الزُّهْريِّ، فقالوا:
(١) عند شرح الحديث (٣٩٦٥) و(٣٩٦٦).

٨٠
باب ١١ / ح ٤٠٠١- ٤٠٠٢
فتح الباري بشرح البخاري
هِند. ورواه مالك(١) عنه فقال: فاطمة: واقتَصَرَ أبو عمر في ((الصحابة)) على فاطمة بنت
الوليد، فلم يُتَرجِم لهندٍ بنت الوليد، ولا ذكرها محمد بن سعد في الصحابة. ووَقَعَ عنده فاطمة
بنت عُتبة، فإمّا نَسَبَها لجدِّها، وإمّا كانت لهندٍ(٢) أُخت اسمها فاطمة.
وحَكَى أبو عمر عن غيره أنَّ اسم جَدّ فاطمة بنت الوليد: المغيرة، فإن ثَبَتَ، فَلَيسَت
هي بنت أخي أبي حُذَيفة، ويُمكِن الجمع بأنَّ بنت أبي حُذَيفة كان لها اسمان، والله أعلم.
قوله: ((مَولَّى لامرأةٍ من الأنصار)) هي ثُبَيْتَة - بمثلَّئَةٍ ثمَّ موخَّدة ثمَّ مُثنّاة مُصفَّر - بنت
يَعار - بفتح التحتانيَّة ثمَّ مُهمَلة خفيفة - وقد تقدَّم في مناقب الأنصار (٣٧٥٨): أنَّ سالماً
مَولَى أبي حُذَيفة، وهي نسبة مَجَازِيَّة باعتبار مُلازَمَته له، وهو في الحقيقة مَولَى الأنصاريَّة
المذكورة، والمراد بزيدِ الذي مَثَّلَ به: زيد بن حارثة الصحابيّ المشهور، وسَهلة: هي بنت
سُهَيل بن عَمْرو زوج أبي حُذَيفة.
وقوله: ((فذكر الحديث) سيأتي بيان ذلك في كتاب النكاح (٥٠٨٨) إن شاء الله تعالى.
٣١٦/٧
٤٠٠١- حدَّثنا عليٌّ، حدَّثنا بِشرُ بنُ المفَضَّلِ، حدَّثنا خالدُ بنُ ذَكْوانَ، عن الرُّبَيِّعِ بنت مُعَوِّدٍ،
قالت: دَخَلَ عليَّ النبيُّ وَِّ غَدَاةَ بُنِيَ عليَّ، فَجَلَسَ على فِراشِي كَمَجْلِكَ مِنّي، وجوَيِیَاتٌ
يَضْرِ بِنَ بِالدُّفِّ يَنْدُبنَ مَن قُتِلَ من آبائي يومَ بَدْرٍ، حتَّى قالت جاريةٌ: وفينا نبيٌّ يَعْلَمُ ما فِي غَدٍ،
فقال النبيُّ ◌َّ: ((لا تقولي هكذا، وقولي ما كنتِ تقولِینَ)).
[طرفه في: ٥١٤٧]
٤٠٠٢ - حَدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، عن مَعمَرٍ، عن الزُّهْريِّ (ح) وحدّثنا
إسماعيلُ، قال: حدَّثني أخي، عن سليمانَ، عن محمَّدٍ بنِ أبي عَنِيقٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن
عُبيدِ الله بنِ عبدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ، أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: أخبرني أبو طَلْحَةَ رَ﴾له
صاحبُ رسولِ الله وَّه، وكان قد شَهِدَ بَدْراً معَ رسولِ الله وَّةِ، أَنَّه قال: ((لا تَدْخُلُ الملائكةُ
(١) رواه مالك في ((الموطأ)) ٢/ ٦٠٥، لكنه أرسله عن عروة.
(٢) يعني لهند بنت عتبة زوج أبي سفيان.