Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ باب ٤ / ح ٣٩٥٢ - ٣٩٥٣ كتاب المغازي ٢٨٧/٧ ٤ - باب قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٩-١٣] ٣٩٥٢- حدَّثنا أبو نُعَيم، حدَّثنا إسرائيلُ، عن تُخَارِقٍ، عن طارقٍ بنِ شِهابٍ، قال: سمعتُ ابنَ مسعودٍ يقول: شَهِدْتُ مِن المِقْدادِ بنِ الأسوَدِ مَشْهَداً، لَأنْ أكونَ صاحبَه، أحَبُّ إليَّ مَمّا عُدِلَ به: أتى النبيَّ وٍَّ وهو يَدْعو على المشركينَ، فقال: لا نقولُ كما قال قومُ موسى: ﴿أَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤] ولكنّا نُقاتلُ عن يَمينِكَ، وعن شِمالِكَ، وبينَ يَدَيكَ وخَلْفَكَ، فرأيتُ النبيَّ نَّهِ أَشَرَقَ وجهُه وسَّه. يعني قولَه. [طرفه في: ٤٦٠٩] ٣٩٥٣- حدَّثني محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ حَوْشَبٍ، حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، حدَّثنا خالدٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال النبيُّ ◌َّهِ يومَ بَدْرٍ: «اللهمَّ إنِّي أَنشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللهمَّ إن شئتَ لم تُعْبَدْ)) فأَخَذَ أبو بَكْرٍ بِيَدِه، فقال: حَسْبُكَ، فَخَرَجَ وهو يقول: ﴿ سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ ﴾ [القمر: ٤٥]. قوله: (باب قوله تعالى ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾)) كذا للأكثر، وساقَ في رواية كَرِيمة الآيات كلّها، وقد تقدَّمت الإشارة إليه في الذي قبله، والجمع أيضاً بين قوله: ﴿بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَبِكَةِ﴾ وبين قوله: ﴿مِثَلَثَةِ ءَالَفٍ﴾. وأورَدَ البخاريُّ فيه حديثَينِ: فِقِصّة المقداد فيها بيان ما وَقَعَ قبل الوَقْعَة، وحديث ابن عبَّاس فيه بيان الاستغاثة. قوله: ((عن ◌ُخارق)) بضمِّ الميم وتخفيف المعجَمة: هو ابن عبد الله بن جابر البَجَليّ الأَحَسُّ، بِمُهمَلتَينِ، ويقال: اسم أبيه عبد الرحمن، ويقال: خليفة، وهو كوفيّ ثقة عند الجميع، يُكنَی أبا سعيد، ولم أرَ له روايةً عن غير طارق، وهو ابن شِهاب، وله رُؤية. قوله: ((شَهِدتُ من المقداد بن الأسود)» تقدَّم أنَّ اسم أبيه عَمْرو، وأنَّ الأسوَد كان تَبَنّه، فصارَ یُنسَب إلیه. ٢٢ باب ٤ / ح ٣٩٥٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: (مَاَ عُدِلَ به)) بضمِّ المهمَلة وكسر الدّال المهمَلة، أي: وُزِنَ، أي: من كلّ شيء يُقابل ذلك من الدُّنيَويّات، وقيل: من الثَّواب، أو المراد الأعَمّ من ذلك، والمراد المبالَغة في عَظَمة ذلك المشهَد، وأنَّه كان لو خُيِّرَ بين أن يكون صاحبَه وبين أن يَحَصُل له ما يقابل ذلك كائناً ما كان، لکان حصوله له أحَبَّ إليه. وقوله: ((لَأَن أكونَ صاحبَه)) هو بالنَّصب، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: «لَأن أكون أنا صاحبُه» ويجوز فيه الرَّفع والنَّصب، قال ابن مالك: النَّصب أجوَد. قوله: ((وهو يَدعُو على المشركين)) زاد النَّسائيُّ في روايته (ك١١٠٧٥): جاء المقداد على فرس يوم بدر فقال. وذكر ابن إسحاق(١): أنَّ هذا الكلام قاله المِقِداد لمَّا وَصَلَ النبيّ وَّل الصفراء، وبَلَغَه أنَّ قُرَيشاً قَصَدَت بدراً، وأنَّ أبا سفيان نَجا بمَن معه، فاستَشارَ الناسَ، فقامَ أبو بكر فقال فأحسنَ، ثمَّ قام عمر كذلك، ثمّ المقداد فذكر نحو ما في حديث الباب، وزادَ فيه: قال: والذي بَعَثَك بالحقِّ، لو سَلَكْتَ بنا بَرْكَ الغِماد لجَاهَدنا معك من دونه، قال: فقال: ((أَشِيروا عليَّ))، قال: فعَرَفوا أنَّه يريد الأنصار، وكان يَتَخَوَّف أن لا يوافقوه؛ لأنَّهم لم يُبايعوه إلّا على نُصرَته ممَّن يَقصِده، لا أن يسير بهم إلى العدوّ، فقال له سعد بن معاذ: امضِ يا رسول الله لمَا أُمِرتَ به، فنحنُ معك، قال: فَسَرَّه قولُه ونَشَطَه، وكذا ذكره موسی بن عُقْبة مبسوطاً، وأخرجه ابن عائذ من طريق أبي الأسوَد عن عُرْوة. ٢٨٨/٧ وعند/ ابن أبي شَيْبة (٣٥٥/١٤-٣٥٦) من مُرسَل عَلقَمة بن وقّاص في نحو قِصّة المقداد: فقال سعد بن معاذ: لَئِن سِرت حتَّى تأتي بَرْك الغِماد من ذي يَمَنِ لَنَسِيرَنَّ معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى، فذكره، وفيه: ولعلَّك خَرَجت لأمرٍ، فأحدَثَ الله غيره، فامضٍ لمَا شئت، وصِلْ حِبالَ مَن شئت، واقطَعْ حِبالَ مَن شئت، وسالِمْ مَن شئت، وعادِ مَن شئت، وخُذْ من أموالنا ما شئت، قال: وإنَّما خرج يريد غَنيمةَ ما معَ أبي سفيان، فأحدَثَ الله له القتال. (١) أخرجه بطوله البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٣١/٣-٣٥ من طريق يونس بن بكير عنه عن شيوخه. ٢٣ باب ٤ / ح ٣٩٥٣ كتاب المغازي وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي أيوب، قال: قال لنا رسول الله ﴿ ﴿ ونحنُ بالمدينة: ((إنّ أُخبرت عن عِير أبي سفيان، فهل لكم أن تَخْرُجوا إليها لعلَّ الله يُغَنِّمُّناها؟)) قلنا: نعم، فخَرَجنا. فلمَّا سِرنا يوماً أو يومينٍ، قال: ((قد أُخبِرِوا خَبَرَنا فاستَعِدّوا للقتال)) فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم، فأعادَ، فقال له المقداد: لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى، ولكن نقول: إنّا معكما مقاتلون. قال: فَتَمنَّينا مَعشَر الأنصار لو أنّا قلنا كما قال المقداد. فأنْزَلَ الله تعالى: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبِّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبِقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ ﴾ [الأنفال: ٥]. وأخرج ابن مَرْدَوَيه من طريق محمد بن عَمْرو بن عَلقَمة بن وقّاص عن أبيه عن جَدّه(١) نحوه، لكن فيه: أنَّ سعد بن معاذ هو الذي قال ما قال المقداد. والمحفوظ أنَّ الكلام المذكور للمِقدادِ كما في حديث الباب، وأنَّ سعد بن معاذ إنَّما قال: لو ◌ِرت بنا حتَّى تَبلُغ بَرْك الغِماد لَسِرنا معك. كذلك ذكره موسى بن عُقْبة، وعند ابن عائذ في حديث عُرْوة: فقال سعد بن معاذ: لو سِرَتَ بنا حتَّى تَبلُغ البَرْك من غِمد ذي يَمَن. ووقعَ في مسلم (١٧٧٩) أنَّ سعد بن عُبادة هو الذي قال ذلك، وكذا أخرجه ابن أبي شَيْبة من مُرسَل ◌ِكْرمة(٢). وفيه نظر، لأنَّ سعد بن عُبَادة لم يَشْهَد بدراً(٣)، وإن كان يُعَدُّ فيهم لكَونِهِ مَمَّنْ ضُرِبَ له بسهمِه كما سأذكره في آخِرِ الغزوة (٣٩٥٦)، ويُمكِن الجمع بأنَّ النبيّ ◌َّ استشارَهم في غزوة بدر مرَّتَينِ: الأولى وهو بالمدينة أوَّل ما بَلَغَه خَبَر العِیر مع أبي سفيان، وذلك بيِّنٌّ في رواية مسلم (١٧٧٩) ولفظه: أنَّ النبيَّ ◌َّ شاوَرَ حين بَلَغَه إقبال أبي سفیان، والثانية كانت بعد أن خرج كما في حديث الباب. ووَقَعَ عند الطبرانيِّ: أنَّ سعد بن عُبَادة قال ذلك بالحُدَيبية، وهذا أولى بالصواب. (١) هي نفسها رواية ابن أبي شيبة المذكورة قبل رواية ابن أبي حاتم. (٢) وهو أيضاً عند عبد الرزاق (٩٧٢٧) وابن سعد ٢/ ٢٤ لكن وقع فيه عند ابن سعد شكٌّ في قائل ذلك للنبي ◌ّ﴾، هل هو سعد بن عبادة أو سعد بن معاذ. (٣) قد ذكر عبد الرزاق (٩٦٣٨) عن معمر عن الزهري عن عروة: أنَّ سعد بن عبادة كان حامل راية رسول الله وَل يوم بدرٍ وغيره، فالظاهر أنه حضر الغزوة، والله أعلم. ٢٤ باب ٤ / ح ٣٩٥٣ فتح الباري بشرح البخاري وقد تقدَّم في ((الهجرة)) (٣٩٠٥) شرح بَرْك الغِماد، ودَلَّت رواية ابن عائذ هذه على أنَّها من جهة اليمن، وذكر السُّهَيليّ أنَّه رأى في بعض الكتب أنَّها أرض الحَبَشة، وكأنَّه أخَذَه من قِصّة أبي بكر مع ابن الدُّغُنَّة، فإنَّ فيها أنَّه لَقِيَه ذاهباً إلى الحَبَشة ببَرَكِ الغِماد، فأجارَه ابن الدُّغُنَّة كما تقدَّم (٢٢٩٧) في هذا الكتاب، وُجمَع بأنّها من جهة اليمن مقابلَ الخَبَشة، وبينهما عُرض البحر. قوله: ((ولكنّا نُقاتل عن يمينك ... )) إلى آخره، وفي رواية سفيان (٤٦٠٩) عن مُخارق: ولكن امضٍ ونحنُ معك، وفي رواية محمد بن عَمْرو المذكورة: ولكن اذهَب أنتَ وَرَبّك فقاتلا، إنّا معكم مُتَّبعونَ، ولأحمد (١٧٦٤١) من حديث عُتبة بن عبدٍ بإسنادٍ حَسَن: قال أصحاب رسول الله ◌َيّ: لا نقول كما قالت بنو إسرائيل، ولكن انطَلِقِ أنتَ ورَبُّك إنّا معكُم. قوله: ((حدَّثنا عبد الوهّاب)) هو ابن عبد المجيد الثَّقَفيّ، وخالد: هو الحَذّاء. قوله: ((عن ابن عبّاس، قال: قال النبيّ ◌َّ)) هذا من مراسيل الصحابة، فإنَّ ابن عبّاس لم يَحِضُر ذلك، ولعلَّه أخَذَه عن عمر أو عن أبي بكر، ففي مسلم (١٧٦٣) من طريق أبي زُميل - بالزّاي مُصغَّر، واسمه سِماك بن الوليد - عن ابن عبّاس قال: حدَّثني عمر قال: لمَّا كان يوم بدر، نظرَ رسول الله وَّلوه إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاث مئةٍ وتسعة عشر، فاستَقبَلَ القِبْلة ثمَّ مَدّ یَدَیهِ، فلم يزل يهتف برَبِّه، حتَّى سَقَطَ رِداؤه عن منكِبیه، الحدیث، وعند سعيد بن منصور (٢٨٧٢) من طريق عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة قال: لمَّا كان يوم بدر نظرَ رسول الله وَلَّ إلى المشركين وتَكاثُّرهم، وإلى المسلمين فاستَقَلَّهم، فَرَكَعَ ركعتَينٍ، وقامَ أبو بكر عن يمينه، فقال رسول الله وَّ وهو في صَلاته: ((اللهمَّ لا تُوَدِّعْ منِّي، اللهمَّ لا تَخْذُلني، اللهمَّ لا تَتِرْني(١)، ٢٨٩/٧ اللهمَّ/ أنشُدك ما وعَدَّتني))، وعند ابن إسحاق(٢) أنَّه ◌ِِّ قال: ((اللهمَّ هذه قُرَيش قد أتت بخُيَلائها وفَخْرِها، تُحادُّك(٣) وتُكذِّب رسولك، اللهمَّ فنَصْرَك الذي وَعَدْتني)). (١) أي: لا تَنقُصني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. (٢) كما في ((سيرة ابن هشام)) ١/ ٦٢١. (٣) تحرف في (س) إلى: تجادل. ٢٥ باب ٤ / ح ٣٩٥٣ كتاب المغازي قوله: ((يوم بدر)) زاد في رواية وُهَيب الآتية في التفسير (٤٨٧٥) عن خالد: وهو في قُبّة. والمراد بها العَريش الذي اتَّخَذَه الصحابة لجلوسِ النبيّ ◌َّ فيه. قوله: ((اللهمَّ إنّي أنشُدك)) بفتح الهمزة وسكون النُّون والمعجَمة وضمّ الدّال، أي: أطلُب مِنك. وعند الطبرانيّ (١٠٢٧٠) بإسنادٍ حَسَن(١) عن ابن مسعود قال: ما سمعنا مُناشداً يَنشُد ضالّةٍ(٢) أشدّ مُناشَدةً من محمد لرَبِّه يوم بدر: ((اللهمَّ إنّ أنشُدك ما وعَدْتني). قال السُّهَيليّ: سبب شِدّة اجتهاد النبيّ وَّهِ ونَصَبه في الدُّعاء لأنَّه رأى الملائكة تَنصَبُ في القِتال، والأنصار يخوضونَ غِمار الموت، والجهادُ تارةً يكون بالسِّلاح، وتارة بالدُّعاءِ، ومن السُّنّة أن يكون الإمام وراء الجيش لأنَّه لا يقاتل معهم، فلم يكن ليُريحَ نفسه، فتَشاغَلَ بأحدِ الأمرَينِ، وهو الدُّعاء. قوله: (اللهمَّ إن شِئتَ لم تُعبَد)) في حديث عمر (٣): ((اللهمَّ إن تَهلِك هذه العِصابةُ من أهل الإسلام، لا تُعبَد في الأرض)). أمَّا (تَهلِك)) فبفتح أوَّله وكسر اللّام، و((العِصابة) بالرَّفعِ، وإِنَّما قال ذلك لأنَّه عَلِمَ أنَّه خاتم النَّبيِّين، فلو هَلَكَ هو ومَن معه حينئذٍ، لم يُبعَث أحد ممَّن يَدعُو إلى الإيمان، ولاستَمرَّ المشركونَ يعبُدونَ غير الله، فالمعنى: لا يُعبَد في الأرض بهذه الشّريعة. ووقعَ عند مسلم (١٧٤٣) من حديث أنس أنَّ النبيّ وَّ قال هذا الكلام أيضاً يوم أُحد. (١) كذا حسنه الحافظ هنا مع أنه من رواية أبي عبيدة بن عبدِ الله بن مسعود عن أبيه، وقد رجح في ((التقريب)) أنه لم يسمع منه، وهو الصحيح، وقد فات الحافظ رحمه الله أن يخرّج الحديث من النسائي وهو في «الكبرى)) (٨٥٧٤). (٢) كذا وقع في الأصلين: ينشد ضالّة. والذي في مطبوع الطبراني، وكذا عند النسائي: ينشد حقّاً له! فلعلَّ ما وقع هنا تحريف، والله أعلم. (٣) عند مسلم (١٧٦٣). ٢٦ باب ٤ / ح ٣٩٥٣ فتح الباري بشرح البخاري وروى النَّسائيُّ (ك١٠٣٧٢) والحاكم (١/ ٢٢٢) من حديث عليٍّ قال: قاتَلتُ يوم بدر شيئاً من قتال، ثمَّ جِئت فإذا رسول الله وَ له يقول في سجوده: ((يا حَيُّ يا قَيّوم)) فرجعت فقاتَلتُ، ثمَّ چِئت، فوَ جَدتُه كذلك. قوله: «فأخَذَ أبو بكر بیدِه، فقال: حَسْبُك) زاد في روایة وُهَیب عن خالد كما سيأتي في التفسير (٤٨٧٥): قد ألحَحت على رَبّك، وكذا أخرجه الطبرانيُّ (١) (١١٩٧٦) عن عثمان ابن(٢) عبد الوهّاب الثّقَفيّ عن أبيه (٣)، زاد في رواية مسلم (١٧٦٣) المذكورة: فأتاه أبو بكر، فأخَذَ رِداءَه فألقاه على مَنْكِيَيهِ، ثمَّ التَزَمَه من ورائه، فقال: يا نبيَّ الله، كذاكَ مُنَاشَدَتك رَبَّك، فإنَّه سيُنجِزُ لك ما وَعَدَك، فأنزلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٩]، فأمَدَّه الله بالملائكة. انتهى، وعُرِفَ بهذه الزّيادة مُناسَبة الحديث للترجمة. وقوله في رواية مسلم: ((كذاك)) وهو بالذّال المعجَمة، وهو بمعنى: كَفَاكَ، قال قاسم ابن ثابت: كذاكَ يُراد بها الإغراء والأمر بالكَفِّ عن الفِعل، وهو المراد هنا، ومنه قول الشّاعر(٤): كذاكَ القولُ إِنَّ عليكِ عَيْنا(٥) أي: حَسبُك من القول فاترُكه. انتهى، وقد أخطَأْ مَن زَعَمَ أنَّه تصحيف، وأنَّ الأصل: گَفَاك. (١) تحرف في الأصلين إلى: الطبري، وجاء على الصواب في (س): وهو عند الطبري في ((تاريخه)) ٤٤٧/٢ - ٤٤٨ غير أنه عن سفيان بن وكيع عن عبد الوهاب الثقفي. (٢) تحرف في (س) إلى: عن. (٣) هو أيضاً عند البخاري (٢٩١٥) عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب الثقفي. وقد ذهل عنه الحافظ رحمه الله. (٤) هو جرير بن عطية الكلبي الشاعر المشهور. انظر ((العين)) ١٩٥/٨، والشطر المذكور عجز بيتٍ صدره: أقول وقد تلاحقت المطایا (٥) تصحفت في (س) إلى: عيباً. ٢٧ باب ٤ / ح ٣٩٥٣ كتاب المغازي قال الخطَّبيُّ: لا يجوز أن يَتَوهَّم أحد أنَّ أبا بكر كان أوثَقَ بَرَبِّه من النبيّ ◌َّ في تلك الحال، بل الحامل للنبيِّ وَّه على ذلك شَفَقَته على أصحابه وتَقوية قلوبهم، لأنَّه كان أوَّلَ مَشْهَد شَهِدَه، فبالَغَ في التوَجُّه والدُّعاء والابتهال لتَسكُنَ نفوسهم عند ذلك، لأنَّهم كانوا يعلمونَ أنَّ وسيلَتَه مُستَجابة، فلمَّا قال له أبو بكر ما قال، كَفّ عن ذلك، وعَلمَ أنَّه استُجِيبَ له لما وجدَ أبو بكر في نفسه من القوّة والطُّمأنينة، فلهذا عَقَّبَ بقولِهِ: ﴿ سَيُهْزَمُ اْجَمْعُ﴾. انتَهَى مُلخَّصاً. وقال غيره: وكان النبيّ وَّر في تلك الحالة في مقام الخوف، وهو أكمَل حالات الصلاة، وجازَ عنده أن لا يقع النَّصر يومئذٍ لأنَّ وعده بالنَّصرِ لم يكن مُعيَّناً لتلك الواقعة، وإنَّما كان مُجُمَلاً. هذا الذي يَظهَر، وزَلَّ مَن لا عِلمَ عنده ممَّن يُنسَب إلى الصّوفيَّة في هذا الموضع زَلَلاً شديداً، فلا يُلتَفَت إليه، ولعلَّ الخطَّبيَّ أشارَ إليه. قوله: ((فخَرَجَ وهو يقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَبُوَلُّونَ اُلُبُرَ ﴾)» وفي رواية أيوب عن عكرمة عن ابن عبّاس(١): لمَّا نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبْرَ﴾ [القمر: ٤٥] قال عمر: أيُّ جمع / ٢٩٠/٧ ◌ُهُزَم؟ قال: فلمَّا كان يومُ بدر، رأيت رسول الله وَّل ◌َئِب في الدَّرْعِ(٢)، ويقول: ﴿سَيُهْزَمُ اْجَمْعُ﴾ أخرجه الطََّرِيُّ (١٠٨/٢٧) وابن مردَوَيهِ. وله(٣) من حديث أبي هريرة عن عمر: لمَّا نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله، أيُّ جمع مُهزَم؟ فذكر نحوه. وهذا يمَّا يُؤيِّد ما قَدَّمته أنَّ ابن عبّاس حَمَلَ هذا الحديث عن عمر، وسيأتي في التفسير (٤٨٧٦) عن عائشة: نزلت بمكَّة وأنا جارية ألعَب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ الآية [القمر: ٤٦]. (١) لم يرد ذكر ابن عباس في هذه الرواية، وإنما هو عن عكرمة مرسلاً، وقد ذكره الحافظ على الصواب عند شرح الحديث (٤٨٧٥) بعد أن عزاه لعبد الرزاق (٢٥٩/٢)، وذكره عن أيوب عن عكرمة: أنَّ عمر قال .... قال الحافظ: كأنَّ عكرمة حمله عن ابن عباس عن عمر. (٢) المثبت من (ع)، وفي (أ) و(س): الدروع، وسيأتي ذكر الوثوب في الدرع عند قراءته ويسير للآية عند البخاري أيضاً برقم (٤٨٧٥). (٣) وهو أيضاً عند الطبراني في «الأوسط)) (٩١٢١)، لكن في إسناد الحديث راوٍ متروك. ٢٨ باب ٥-٦ / ح ٣٩٥٤ -٣٩٥٦ فتح الباري بشرح البخاري ٥- بابٌ ٣٩٥٤- حدَّثني إبراهيمُ بنُ موسى، أخبرنا هشامٌ، أنَّ ابنَ جُرَيج أخبَرَهُم، قال: أخبرني عبدُ الكَرِيمِ، أنَّه سمعَ مِقْسَاً مولى عبدِ الله بنِ الحارثِ يُحدِّثُ عن ابنِ عبَّاسٍ: أنَّه سمعَه يقول: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] عن بَدْرٍ، والخارجونَ إلى بَدْرٍ. [طرفه في: ٤٥٩٥] قوله: ((باب)) كذا للجميع بغير ترجمة، ووَقَعَ في شرح شيخنا ابن الملَقِّن: ((باب فضل مَن شَهِدَ بدراً))، وتَبعَ في ذلك بعض النُّسَخ، وهو خطأ من جهة أنَّ هذه الترجمة بعينِها ستأتي فيما بعد(١)، فلا معنى لتَكُّرها. قوله: ((أخبرني عبد الكريم)) هو الجَزَريّ، بيَّنْه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)) من طريق يحيى ابن سعید الأُمويّ عن ابن ◌ُریج قال: حدثني عبد الكريم الجزريّ، انتھی. وفي طَبَقَته ثمّن يروي عن مِقسَم، ويَروي عنه ابن جُرَيج: عبد الكريم بن أبي المُخارِق أحد الضُّعَفاء، ولم يُخُرِّج له البخاريّ شيئاً مُستَداً. ومِقسَم بكسر الميم: هو أبو القاسم مَولَى ابن عبّاس، وهو في الأصل مَولَى عبد الله بن الحارث الهاشميّ، وإنَّما قيل له: مَولَى ابن عبّاس لشِدّة لُزومه له، وما له في البخاريّ إلّا هذا الحديث الواحد، وسيأتي شرحه في تفسير سورة النِّساء (٤٥٩٥) إن شاء الله تعالى. ٦ - باب عِدّة أصحاب بدٍ ٢٩١/٧ ٣٩٥٥- حدَّثْنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ قال: استُصْغِرْتُ أنا وابنُ عمرَ. [طرفه في: ٣٩٥٦] ٣٩٥٦- وحذَّثني محمودٌ، حدَّثنا وَهْبٌ، عن شُعْبةَ، عن أبي إسحاق، عن البراءِ، قال: (١) في الباب رقم (٩). ٢٩ باب ٦ / ح ٣٩٥٧ -٣٩٥٩ كتاب المغازي استُصْغِرْتُ أنا وابنُ عمرَ يومَ بَدْرٍ، وكان المهاجِرونَ يومَ بَدْرٍ نَيِّفاً على سِتِّينَ، والأنصارُ نَيِّفٌ وأربَعُون ومئتان. ٣٩٥٧- حدَّثْنا عَمْرو بنُ خالدٍ، حدَّثنا زُهَيْرٌ، حدَّثنا أبو إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ ظُه يقول: حدَّثني أصْحابُ محمَّدٍ وَلِّ ◌َمَّن شَهِدَ بَدْراً: أنَّهم كانوا عِدّةَ أصْحاب طالُوتَ الَّذِينَ اجَازُوا معه النَّهَرَ: بضْعةَ عشرَ وثلاثَ مئةٍ، قال البراءُ: لا والله ما جاوَزَ معه النَّهَرَ إِلَّا مُؤْمِنٌ. [طرفاه في: ٣٩٥٩،٣٩٥٨] ٣٩٥٨- حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَجاءٍ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ قال: كنَّا أصْحابَ محمَّدٍ وَِّ نَتَحَدَّثُ: أَنَّ عِدّةَ أصْحاب بَدْرٍ على عِدّةِ أصْحاب طالُوتَ الَّذينَ جاوَزُوا معه النَّهَرَ، ولم يُجَاوِز معه إلَّا مُؤْمِنٌ: بضْعَةَ عشرَ وثلاثَ مئةٍ. ٣٩٥٩- حدَّثني عبدُ الله بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ. وحدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثير، أخبرنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ ﴾ قال: كنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَصْحابَ بَدْرٍ ثلاثُ مثّةٍ وبِضْعَةَ عشرَ بعِدّةٍ أصْحاب طالُوتَ الَّذِينَ جاوَزوا معه النَّهَرَ، وما جاوَزَ معه إلَّا مُؤْمِنٌ. قوله: ((باب عِدّة أصحاب بدر)) أي: الذين شَهِدوا الوَقعة مع النبيّ ◌َّهِ، ومَن أُلِقَ بهم. قوله: ((استُصغِرتُ)) بضمِّ أوَّله، ومُراد البراء: أنَّ ذلك وَقَعَ عند حضور القتال، فعُرِضَ مَن يقاتل، فُرُدَّ مَن لم يَبلُغ، وكانت تلك عادةَ النبيّ ◌َّ في المواطِن. قوله: «أنا وابنُ عمر)) قال عياض: هذا يَرُدّه قول ابن عمر: استُصغِرت يومٍ أُحُد، وكذا اعترَضَ به ابن التِّین، وزاد: بأنَّ إخبار ابن عمر عن نفسه أولی من إخبار البراء عنه. انتھی، وهو اعتراض مَردود، إذ لا تَنافي بين الإخبارَينِ، فيُحمَّل على أنَّه استُصغِرَ ببدرٍ، ثمَّ استُصِغِرَ بأُحُدٍ، بل جاء ذلك صريحاً عن ابن عمر نفسه، وأنَّه عُرِضَ يوم بدر وهو ابن ثلاث عشرة سنة ٣٠ باب ٦ / ح ٣٩٥٩ فتح الباري بشرح البخاري فاستُصغِرَ، وعُرِضَ يوم أُحُد وهو ابن أربع عشرة سنة فاستُصغِر، وسيأتي بيان ذلك في غزوة الخندق (٤٠٩٧) إن شاء الله تعالى. ثمَّ وجدتُ في ابن أبي شَيْبة (١٢ / ٥٤٠) من طريق مُطَرِّف عن أبي إسحاق عن البراء مثل حديث الباب، وزاد آخره: وشَهِدنا أُحُداً(١)، فهذه الزّيادة إن مُمِلَت على أنَّ المراد بقولِه: وشَهِدنا أُحُداً، نفسُه وحده دون ابن عمر، وإلّا فما في ((الصحيح)) أصحّ. قوله: ((وحدَّثني محمود)) هو ابن غَيْلان، ووهب: هو ابن جَرِیر بن حازم، ووَقَعَ في نسخة: وَهْب بن جَرِیر. قوله: ((عن البراء)» في رواية إسحاق بن راهويه في ((مُسنَده)) عن وَهْب بن جَرِير بسنِه: سمعت البراء. قوله: ((وكان المهاجرونَ يوم بدر نَيِّفاً على سِتّين)) كذا في هذه الرِّواية، وسيأتي في آخِر الكلام على هذه الغزوة (٤٠٢٧): أنَّهم كانوا ثمانين أو زيادة، ويأتي وجه التوفيق بينهما هناك إن شاء الله تعالى. وأمَّا ما وَقَعَ عند يعقوب بن سفيان(٢) من مُرسَل عَبِيدَةَ السَّلمانيّ: أنَّ الأنصار كانوا سبعین ومئینِ، فلیس بثابتٍ. وقد وقعَ عند الحاكم (٢١/٣) من طريق عبد الملك بن إبراهيم الجُّدِّي(٣) عن شُعْبة في هذا الحديث: أنَّ المهاجرين كانوا نيِّفاً وثمانين، وهو خطأ في هذه الرِّواية لإطباق أصحاب شُعْبة على ما وَقَعَ في البخاريّ. (١) وهذه الزيادة أخرجها أيضاً الحاكم ٥٥٨/٣، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (١١٦٣) من طريق عمار ابن رُزيق، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن عَوْسجة، عن البراء. فزاد في الإسناد عبد الرحمن بن عوسجة، ووافق رواية مطرف في إثبات شهود أُحُد. قال ابن الأثير في ((أسد الغابة)): تفرد عمار بذكر عبد الرحمن بن عوسجة. قلنا: ورواية تصريح أبي إسحاق بسماعه من البراء تؤيد ذلك، وقد وقع التصريح بسماع أبي إسحاق من البراء عند ابن راهويه، كما ذكر الحافظ، وعند الطيالسي (٧٥٤) أيضاً. (٢) وهو أيضاً عند ابن سعد ٢/ ٢٠. (٣) تحرف في (س) إلى: الجسري، وإنما هو الجُدّي نسبة إلى جُدَّة، البلدة المعروفة بساحل البحر الأحمر. ٣١ باب ٦ / ح ٣٩٥٩ كتاب المغازي قوله: ((والأنصار نِيِّف وأربعون ومئتان)) النَّيِّف بفتح النُّون وتشديد التحتانيَّة، وقد تُخُفَّف، وهو ما بين العَقدَينِ. وقال في الأوَّل: نَيِّقاً، بنصبه على أنَّه خَبَر كان، وقال في الثاني: نيِّف، برفعِه على أنَّه خبر لمبتَدَأ محذوف، وقد وَقَعَ عند البيهقيِّ(١) بالنَّصب فيهما، وهو واضح. وهذا الذي وقعَ في رواية شُعْبة من تفصيل عَددِ المهاجرين والأنصار يوافق ◌ُلَتُه ما وقعَ في رواية زُهَير وإسرائيل وسفيان: أنَّهم كانوا ثلاث مئة وبضعة عشر، لكنَّ الزّيادة على العَشْر مُبِهَمة، وقد سَبَقَ في الباب قبله أنَّ في حديث عمر عند مسلم (١٧٦٣): أنَّها تسعة عشر، لكن أخرجه أبو عَوَانة (٣٠٣٥) وابن حِبّان (٤٧٩٣)(٢) بإسنادِ مسلم بلفظ: بضعة عشر. وللبزَّار (٣٠٣٥) من حديث أبي موسى: ثلاث مئة وسبعة عشر. ولأحمد (٢٢٣٢)، والبزَّار (٣)، والطبرانيِّ (١٢٠٦٣) من حديث ابن عبّاس: كان أهل بدر ثلاث مئة وثلاثة عشر. وكذلك أخرجه ابن أبي شَيْبة (٣٨٣/١٤)، والبيهقيُّ (٤) من رواية عَبِيدة بن عمرو السَّلمانيّ أحد كبار التابعين، ومنهم مَن وَصَلَه بذِكْر عليّ. وهذا هو المشهور عند ابن إسحاق وجماعة من أهل المغازي، ويقال عن ابن إسحاق: وأربعة عشر. وروى سعيد بن منصور (٢٨٧٤) من مُرسَل أبي اليَمَان عامر الَوزَنيّ، ووَصَلَه الطبرانيُّ (٤٠٥٦)، والبيهقيُّ (٥) من وجه آخر عن أبي أيوب الأنصاريّ قال: خرج رسول الله وَله إلى بدر، فقال لأصحابه: ((تَعادُّوا))، فوجَدَهم ثلاث مئة وأربعة عشر رجلاً، (١) في ((دلائل النبوة)) ٣٧/٣. (٢) فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من الترمذي، وهو فيه بإسناد مسلم أيضاً (٣٠١٨) بلفظ: ((بضعة عشر)). لکن وافق مسلماً علی روایته عبد بن حميد (٣١) ويعقوب بن شيبة في «مسند عمر» ص٦٠، وابن أبي حاتم في «تفسيره) ١٦٦٢/٥، وابن المنذر في («الأوسط)) ٢٠٩/١١، والبيهقي في ((الدلائل)) ٥١/٣. (٣) كما في ((كشف الأستار)) (١٧٨٣)، ولكنه بلفظ: ((وبضعة عشر)). وقد نبّه على ذلك الهيثمي. (٤) في ((دلائل النبوة)) ٤٠/٣. (٥) في ((دلائل النبوة)) ٣/ ٧٣، لكن الحديث عنده وعند الطبراني بلفظ: ثلاث مئة وثلاثة عشر! ٣٢ باب ٦ / ح ٣٩٥٩ فتح الباري بشرح البخاري ثمَّ قال لهم: تَعادّوا، فَتَعادَّوا مَرَّتَينِ، فأقبَلَ رجل على بَكْرٍ له ضعيف وهم يَتَعادّونَ، فَتَمَّت ٢٩٢/٧ العِدّة / ثلاث مئة وخمسة عشر، وروى البيهقيُّ أيضاً (١) بإسنادٍ حَسَن عن عبد الله بن عَمْرو ابن العاص قال: خرج رسول الله ◌ُآل# يوم بدر ومعه ثلاث مئة وخمسة عشر. وهذه الرِّواية لا تُنافي التي قبلها لاحتمال أن تكون الأولى لم تَعُدَّ النبيُّ وٍَّ ولا الرجل الذي أتى آخِراً. وأمَّ الرِّواية التي فيها: وتسعة عشر، فيُحتمل أنَّه ضُمَّ إليهم مَن استُصِغِرَ ولم يُؤْذَن له في القتال يومَئذٍ كالبراءِ وابن عمر، وكذلك أنس، فقد روى أحمد(٢) بسندٍ صحيح (٣) عنه: أنَّه سُئِلَ: هل شَهِدت بدراً؟ فقال: وأين أغيب عن بدر. انتهى، وكأنّه كان حينئذٍ في خِدمة النبيّ وََّ كما ثَبَتَ عنه أنه خَدَمَه عشر سِنين، وذلك يقتضى أنَّ ابتداء خِدمَته له حين قدومه المدينة، فكأنَّه خرج معه إلى بدر، أو خرج مع عَمّه زوج أمّه أبي طلحة. وحَكَى السُّهَيلِيّ أنَّه حَضَرَ مع المسلمين سبعونَ نفساً من الجِنّ، وكان المشركونَ ألفاً، وقيل: تسع مئة وخمسون، وكان معهم سبع مئة بعیر، ومئة فرس. ومن هذا القبيل جابر بن عبد الله، فقد روى أبو داود (٢٧٣١) بإسنادٍ صحيح عنه قال: كنت أَمِيعُ(٤) الماءَ لأصحابي يوم بدر. وإذا تَحَرَّرَ هذا الجمع، فليُعلَم أنَّ الجميع لم يشهدوا القتال، وإنَّما شَهِدَه منهم ثلاث مئة وخمسة، أو ستّة كما أخرجه ابن جَرِیر، وسيأتي (٣٩٨٢) من حديث أنس: أنَّ ابن عمَّته حارثة بن سُرَاقة خرج نَظّاراً، وهو غلام يوم بدر، (١) في ((السنن الكبرى)) ٣٠٥/٦، وفي ((الدلائل) ٣٨/٣، وقد فات الحافظ رحمه الله أن يخرجه من ((سنن أبي داود»، وهو فیه برقم (٢٧٤٧). (٢) لم نقف عليه في ((مسند أحمد))، وقد ذكر هذا الخبر الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) ٣/ ٣٩٧ والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٦٧/٣-٣٦٨ وابن كثير في «البداية والنهاية)» ٣١٥/٣، فلم ينسبوه لأحمد، وإنما نسبوه لابن سعد وعمر بن شبة. وقال الذهبي وكذا المزي نحوه: لم يعدّه أصحاب المغازي في البدريين. (٣) كذا قال الحافظ هنا مع أنه مالَ في ((تهذيب التهذيب)) إلى تضعيفه في ترجمة أنس بن مالك. (٤) قال الخطابي: المايح: هو الذي ينزل إلى أسفل البئر فيملأ الدلو، ويرفعها إلى الماتح، وهو الذي ينزع الدلو. ٣٣ باب ٦ / ح ٣٩٥٩ كتاب المغازي فأصابه سهم فقُتِل، وعند ابن جَرِير من حديث ابن عبّاس: أنَّ أهل بدر كانوا ثلاث مئةٍ وستّة رجال. وقد بيَّن ذلك ابن سعد (٢/ ١٢) فقال: إنَّهم كانوا ثلاث مئة وخمسة، وكأنَّه لم يَعُدَّ فيهم رسول الله وَّه، وبيَّن وجه الجمع بأنَّ ثمانية أنفُس عُدّوا في أهل بدر ولم يَشْهَدوها، وإنَّما ضَرَبَ لهم رسولُ اللهِ وَّه معهم بسِهامهم لكَونِهِم تَخْلَّفوا لضَروراتٍ لهم، وهم عثمان بن عَفّان نَخلَّفَ على زوجته رُقيّة بنت رسول الله ټګ بإذنِهِ، وكانت في مرض الموت(١). وطَلْحة وسعيد بن زيد بَعَثَهما يَتَحَسَّسان عِيرِ قُرَيش(٢)، فهؤلاء من المهاجرين. وأبو لُبابة رَدَّه مِن الرَّوحاء، واستَخلَفَه على المدينة(٣)، وعاصم بن عَديّ استَخلَفَه على أهل العاليَةِ(٤)، والحارث بن حاطِب على بني عَمْرو بن عَوْف، والحارث بن الصِّمّة وَقَعَ فكُسِرَ بالرَّوحاءِ فَرَدَّه إلى المدينة، وخَوّات بن جُبَير كذلك، هؤلاء الذين ذكرهم ابن سعد(٥)، وذكر غيره(٦): سعد بن مالك الساعديُّ والد سَهل ماتَ في الطَّريق، وممّن اختُلِفَ فيه هل شَهِدَها، أو رُدَّ لحاجةٍ؟ سعد بن عُبَادة، وقعَ ذِكْره في مسلم (١٧٧٩)، وصُبَيح مَولَى أُحَيحة رَجَعَ لمرضِه فيما قيل(٧)، وقيل: إنَّ جعفر بن أبي طالب مَّن ضُرِبَ له بسهمِ، نَقَّلَه الحاكم(٨). (١) سلفت قصته برقم (٣٦٩٨) من حديث ابن عمر. (٢) ذكره ابن سعد عن الواقدي عن رجاله، كما قال الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) ١٣٦/١، قلنا: انظر ((الطبقات الکبری» لابن سعد ٢/ ١١. أما موسى بن عقبة فذکر في «مغازیه)) کما رواه عنه البيهقي ٦/ ٢٩٢ أنهما كانا بالشام فقدما بعد مقدمه ◌َ ل﴿ من بدرٍ، فَكلَّما رسول الله وَّ في سهمَيهما، فأسهم لهما. (٣) أخرجه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (١٢٠٣) عن ابن شهاب الزهري و(١٢٠٤) و(٢٠٤٤) عن محمد بن إسحاق. فذكرا قصة إرجاعه من الروحاء وتأميره على المدينة. (٤) ذكره الواقدي في ((مغازيه)) بسنده، وأخرجه عنه ابن سعد في ((الطبقات)) ٤٦٦/٣. (٥) ذكرهم جميعاً كذلك موسى بن عقبة فيما رواه عنه البيهقي ٦/ ٢٩٢. (٦) ذكره ابن سعد أيضاً في «الطبقات)) ٦٢٥/٣ عن الواقدي بسنده إلى سهل بن سعد. (٧) ذكره ابن سعد في ((الطبقات)) ١١٨/٤ عن الواقدي، وذكره أيضاً ابن إسحاق كما في ((الإصابة) ٤٠٦/٣. (٨) لم نقف عليه في مطبوع الحاكم، مع أنَّ الذهبي أشار إليه في تلخيص ((المستدرك)) ٢١٢/٣. وقد عزاه الحافظ للحاکم في «إتحاف المهرة)) (٣١٤٠) وساقه بسنده. ٣٤ باب ٧ / ح ٣٩٦٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((عِدّة أصحاب طالوت)) هو طالوت بن قيس من ذُرِّيَّة بنيامين بن يعقوب شَقِيق يوسف عليه السلام، يقال: إنَّه كان سَقّاءً، ويقال: إنَّه كان دَبّاغاً. قوله: ((أجازوا)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: جازوا، بغير ألف، وفي رواية إسرائيل التي بعدها: جاوزوا. قوله: ((لا والله)) هو جواب كلام محذوف، تقديره: إمّا دَعوَى، وإمّا استفهام: هل كان بعضهم غير مُؤمِن؟ ويحتمل أن تكون ((لا)) زائدة، وإنَّما حَلَفَ تأكيداً للخَبَر. وقد ذكر الله قِصّة طالوت وجالوت في القرآن في سورة البقرة، وذكر أهل العلم في الأخبار: أنَّ المرادِ بالنَّهرِ شَهر الأُردُنّ، وأنَّ جالوت كان رأس الجَّارين، وأنَّ طالوت وَعَدَ مَن قتل جالوتَ أن يُزْوِّجَه ابنتَه، ويقاسمه المُلْك، فقَتَلَه داود، فوَفَ له طالوت، وعَظُمْ قَدرُ داود في بني إسرائيل حتَّى استَقَلَّ بالمملكة بعد أن كانت نِيَّةُ طالوت تَغيَّرَت لداود، وهَمَّ بقتلِهِ فلم يَقْدِرْ عليه، فتابَ وانخَلَعَ من المُلْك، وخرج مجاهداً هو ومَن معه من ولده حتَّى ماتوا كلّهم شُهَداء. وقد ذكر محمد بن إسحاق في (المبتَدَأ)) قصَّتَه مُطوَّلة. ٢٩٣/٧ ٧- باب دعاء النبيّ ◌َّ ه على كفّار قريش: شيبة وعتبة والوليد وأبي جهل بن هشام، ومَلاكُهم ٣٩٦٠ - حدَّثني عَمْرو بنُ خالٍ، حدَّثنا زُهَيرٌ، حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن عَمْرِو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ ﴾ قال: اسْتَقْبَلَ النبيُّ ◌َِّ الكَعْبةَ، فَدَعا على نَفَرِ من قُرَيشٍ: على شَيْبةَ ابنِ رَبِيعةَ، وعُتْبَةَ بنِ رَبِيعةَ، والوَلِيدِ بنِ عُتْبةَ، وأبي جَهْلِ بنِ هشامٍ، فأَشهَدُ بالله لقد رأيتُهم صَرْعَى، قد غَيَّرَتْهمُ الشمسُ، وكان يوماً حارّاً. قوله: ((باب دعاء النبيّ ◌َ ﴿ على كفَّار قُرَيش)) قوله: ((شَيْبة بن ربيعة)) مَجَرور بالفتح على البَدَل، وكذا ((عُتبة)). قوله: ((وأبي جهل بن هشام، وهلاكُهم)) المراد دُعاؤُه وَلِّ السابق وهو بمكّة، وقد مَضَی ٣٥ باب ٧ / ح ٣٩٦١ - ٣٩٦٢ كتاب المغازي بيانه في كتاب الطَّهارة (٢٤٠) حيثُ أورَدَ المصنّف حديث ابن مسعود المذكور في هذا الباب بأتمّ منه سياقاً، وأورَدَه في الطَّهارة لِقِصّة سَلَى الجَزور ووَضْعه على ظَهر المصَلّي فلم تَفْسُد صَلاته، وفي الصلاة (٥٢٠) مُستَدِلًا به على أنَّ مُلاصَقة المرأة في الصلاة لا تُفسِدها، وفي الجهاد (٢٩٣٤) في ((باب الدُّعاء على المشركين))، وفي الجِزية (٣١٨٥) مُستَدِلًّا به على أنَّ جِيَف المشركين لا يُفادَى بها، وفي المبعَث (٣٨٥٤) في ((باب ما لَفيَ المسلمونَ من المشركين بمگّة)). وقوله في هذه الرِّواية: ((فأشهَدُ بالله)) أي: أُقْسِم، وإنَّما حَلَفَ على ذلك مُبالَغة في تأكيد خَبَرَه. قوله: ((قد غَيَّرَتهم الشمس)) أي: غَيَّرَت ألوانهم إلى السَّواد، أو غَيَّرَت أجسادهم بالانتفاخ، وقد بيَّن سبب ذلك بقوله: وكان يوماً حارّاً. تنبيه: ثَبَتَت هذه الترجمة للأكثر، وسَقَطَت لأبي ذرٍّ عن المُستَمْلي والگُشْمِیھنيّ، ٢٩٤/٧ وثبوتها أوجَهُ، إذ لا تَعلَّقَ لحديثِها بباب عِدّة أهل بدر، وثَبَتَ لغير أبي ذرٍّ عَقِب حديثها: ((باب قتل أبي جهل بن هشام))، وسَقَطَ لأبي ذرٍّ، وهو أوجهُ، لأنَّ فیه ذِكْر هلاك غیر أبي جهل، فهو لائق بالترجمة المذكورة، والله أعلم. وعلى هذا فقد اشتَمَلَت الترجمة على ثلاثة عشر حديثاً: الثاني والثالث: حديث ابن مسعود وأنس في قَتْل أبي جهل. ٣٩٦١- حدَّثنا ابنُ نُمَير، حدَّثنا أبو أُسامةَ، حدَّثنا إسماعيلُ، أخبرنا قيسٌ، عن عبدِ الله أَنَّه أتى أبا جَهْلٍ وبِهِ رَمَقٌ يومَ بَدْرٍ، فقال أبو جَهْلٍ: هل أعمَدُ من رجلٍ قَتَلْتُمُوه؟ ٣٩٦٢- حدَّثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، حدَّثنا زُهَيرٌ، حدَّثنا سليمانُ: أنَّ أنساً حدَّثهم قال: قال النبيُّ آلّ. وحدَّثني عَمْرو بنُ خالدٍ، حدَّثنا زُهَيْرٌ، عن سليمانَ التَّيْمِيِّ، أنَّ أنساً حَدَّثهم ﴾ قال: قال النبيُّ ◌َّهِ: ((مَن يَنظُرُ ما صَنَعَ أبو جَهْلٍ؟)) فانطَلَقَ ابنُ مسعودٍ، فَوَجَدَه قد ضَرَبَه ابنا عَفْراءَ ٣٦ باب ٧ / ح ٣٩٦١ - ٣٩٦٣ فتح الباري بشرح البخاري حتَّى بَرَدَ، قال: أَأنتَ أبا جَهْلٍ؟ قال: فَأَخَذَ بلِحْيَتِه، قال: وهَل فوقَ رجلٍ قَتَلْتُموه - أو رجلٍ قَتَلَه قومُه ◌ِ؟(١) [طرفاه في: ٣٩٦٣، ٤٠٢٠] ٣٩٦٣ - حدَّثني محمَّدُ بنُ المثنَّى، حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن أنسٍ قال: قال النبيُّ ◌َ له يومَ بَدْرٍ: «مَن يَنظُرُ ما فَعَلَ أبو جَهْلٍ؟)) فانطَلَقَ ابنُ مسعودٍ، فَوَجَدَه قد ضَرَبَه ابنا عَفْراءَ حتَّى بَرَدَ، فَأَخَذَ بلِحْيَتِه فقال: أنتَ أبا جَهْلٍ؟ قال: وهل فوقَ رجلٍ قَتَلَه قومُه - أو قال: قَتَلْتُموه-؟ ٣٩٦٣م- حدَّثني ابنُ المثنَّى، أخبرنا مُعاذُ بنُ مُعاذٍ، حدَّثنا سليمانُ، أخبرنا أنسُ بنُ مالكِ، نحوه. قوله: ((حذَّثنا ابن نُمير)) هو محمد بن عبد الله بن نُمير، ولم يُدرِك البخاريُّ أباه، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم، والإسناد كلّه كوفيّون. قوله: ((عن عبد الله)) هو ابن مسعود. قوله: ((أَنَّه أتى أبا جهل وبه رَمَق)) كان أبو جهل قد ضُرِبَ في المعركة بالسُّيوفِ حتَّی خَرَ صَریعاً، کما سيأتي بيانه. قوله: ((فقال أبو جهل: هل أعمَد)) في الكلام حذف، تقديره: فكَلَّمَه، أي: بكلام تَشَفَّى منه، فأجابَه بذلك، ووقعَ بيان ذلك في رواية عَمْرو بن ميمون عند الطبرانيِّ (٨٤٧٤)، عن ابن مسعود قال: أدرَكتُ أبا جهل يوم بدر صريعاً، فقلت، أي عدوّ الله، قد أخزاك الله، قال: وبما أخزاني من رجل قتله قومه؟ الحديث، وهذا تفسير المراد بقوله: هل أعمَد من (١) جاء بعد هذا في غير رواية أبي ذر الهروي: قال أحمد بن يونس: أنت أبو جهل؟ قال القسطلاني ٢٤٩/٦: يعني بالواو على الأصل، فخالف عامة الرواة، قلنا: بل خالف أنساً نفسه راوي الحديث، فسيأتي عند الحديث (٤٠٢٠) تصريح سليمان التيمي راويه عن أنس أنَّ أنساً قالها كذلك. يعني بنصب ((أبا))، وسيأتي بيان الحافظ وجه ذلك. ٣٧ باب ٧ / ح ٣٩٦١ - ٣٩٦٣ كتاب المغازي رجل قَتَله قومُه؟ وأعمَد، بالمهمَلة: أفعَل تفضيل من عَمِد، أي: أَهلَكُ(١)، يقال: عَمِدَ البعير يَعمَد عَمداً، بالتحريكِ: إذا ورِمَ سَنامه من عَضّ القَتَب، فهو عَميد، ويُكنى بذلك عن الهلاك، وقيل: هو أن يكون سَنامه وارماً، فيُحمَل عليه الشَّيء الثَّقيل فيَكِره فيموت فيه شَحمُه، وقيل: معنى أعمَد: أعجب، وقيل: بمعنى أغضَب، وقيل: معناه: هل زاد على سَيٍِّ قتله قومُه؟ قاله أبو عُبيد. قال: وكان أبو عُبيدة يحكي عن العرب: أعَمَدَ من كَيلٍ مُحِقَ، أي: هل زاد على مِكيالٍ نُقِصَ كَيلُه؟ وأنشَدَ في ذلك(٢): وأعمَدُ مِن قومٍ كَفاهُم أخوهُمُ صِدَامَ الأعادي حين فُلَّت نُيُوبُها(٣) أي: لا زيادة على فِعلنا، فإنَّنا كَفَينا إخواننا أعاديهم. وفي ((مغازي أحمد بن محمد بن أيوب)): قلت لابن إسحاق: ما ((أعمَدُ من رجل))؟ قال: يقول: هل هو إلّا رجل قَتَلتُموه؟ ورَجَّحَ السُّهَيليّ الأوَّل. ويُؤْيِّد تفسير أبي عبيدة ما وَقَعَ في حديث أنس بعده بلفظ: وهل فوق رجل قَتلتُموه؟! ووَقَعَ في رواية الكُشْمِيهنيّ في حديث ابن مسعود: أعذَر(٤)، بَدَل: أعمَد، فإن ثَبَتَ فلا إشكال فيه. قوله: ((أنَّ أنساً حدَّثهم، قال: قال النبيّ وَّر)) وقعَ في رواية الإسماعيليّ من طريق يحيى القَطّان عن سليمان التيميِّ: أنَّ أنساً سمعَه من ابن مسعود، ولفظه عن أنس: قال النبيّ ◌َ يوم بدر: ((مَن يأتينا بخَيَرِ أبي جهل؟)) قال - يعني ابن مسعود -: فانطَلَقت، فإذا ابنا عَفْراءَ قد اكتنفاه فضَرباه، فأخذتُ بلحیته، الحديث. (١) المثبت من (أ)، وقد تحرف في (ع) و(س) إلى: هلك، وإنما أراد الحافظ اسمَ التفضيل ((أهلك)). وقد أخذ الحافظُ ذلك عن السُّهيلي في ((الروض)» ٧٧/٣. (٢) هو لابن میاده. انظر ((غريب الحديث)) لأبي عُبيد ٤/ ٥٥. (٣) تصحفت في (س) إلی: قلّت بيوتها. (٤) تحرف في (س) إلى: أغدر، ومعنى ((أعذر)) من المبالغة في الإبلاء والجدّ، أي: أشدّ رجلٍ بلاء في أمره قتله قومه. قاله القاضي في ((المشارق)) ٧١/٢، وقال ابن فارس في ((معجم مقاييس اللغة)) ٢٥٤/٤: أعذَرَ فلانٌ: إذا أبلى عُذراً فلم يُلَم. ٣٨ باب ٧ / ح ٣٩٦١ - ٣٩٦٣ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فانطَلَقَ ابن مسعود)» وفي رواية ابن خُزيمةَ، ومن طريقه أبو نُعَيم في ((المستخرَج)): فقال ابن مسعود: أنا، فانطَلَقَ. قوله: ((ابنا عَفْراء)) هما معاذ ومُعَوِّد، كما سيأتي بيانه. قوله: ((حَتَّى بَرَدَ) بفتح الموخَّدة والراء، أي: مات، هكذا فَسَّروه، ووقعَ في رواية السَّمَر قَندي في مسلم (١٨٠٠): حتَّى بَرَكَ، بكافٍ بَدَل الدّال، أي: سَقَط، وكذا هو عند أحمد (١٣٤٧٧) عن الأنصاريّ عن التيميِّ (١)، قال عِياض: وهذه الرّواية أولَى، لأنَّه قد كَلَّمَ ابن مسعود، فلو كان ماتَ كيف كان يُكلِّمه؟ انتھی. ويحتمل أن يكون المراد بقولِه: حتَّى بَرَدَ، أي: صارَ في حالة مَن مات، ولم يَبَقَ فيه سِوَى حركة المذبوح، فأُطلِقَ عليه باعتبار ما سيؤولُ إليه، ومنه قولهم للسُّيوفِ: بَوارد، ٢٩٥/٧ أي: قواتل، وقيل لمن قُتِلَ / بالسَّيفِ: بَرَدَ، أي: أصابه مَثْنُ الحديد، لأنَّ طَبْعَ الحديد البُرُودة، وقيل: معنى قوله: بَرَدَ، أي: فَتَرَ وسَكَن، يقال: جَدّ في الأمر حتَّى بَرَدَ، أي: فتَر، وبَرَدَ النبيذ، أي: سَكَنَ غَلَيانه. قوله: ((قَتَلتُموه، أو رجل قَتَلَه قومه)» شَكٌّ من الراوي، بيَّنه ابن عُليَّة عن سليمان التيميِّ، وأنَّ الشكّ من التّيمي كما سيأتي في أواخر الغزوة (٤٠٢٠). وفيه من الزّيادة: قال سليمان، أي التيميُّ - قال أبو مِجْلَز، هو التابعيّ المشهور: قال أبو جهل: فلو غير أكّارٍ قتلني. هذا مُرسَل، والأكّار بتشديد الكاف: الَّرّاعِ، وعَنَى بذلك أنَّ الأنصار أصحاب زَرع، فأشارَ إلى تنقيص مَن قتله منهم بذلك. ووقعَ في رواية مسلم(٢): لو غيرك كان قتلني، وهو تصحيف. قوله: ((أنتَ أبا جهل؟)) كذا للأكثر، وللمُستَمْلي وحده: أنتَ أبو جهل؟ والأوَّل هو المعتَمَد في حديث أنس هذا، فقد صَرَّحَ إسماعيل بن عُليَّة عن سليمان التيميِّ بأنَّه هكذا (١) قلنا: وهو أيضاً في رواية ابن أبي عدي عن التيمي عند أحمد (١٢٣٠٤). (٢) هذا في بعض روايات القلانسي عن مسلم، وهي من طريق أبي عمر بن الحذاء، كما نبه عليه القاضي عياض في ((المشارق)) ٣١/١، وجزم بأنها تصحيف وخطأ. قلنا: وقد جاء عند باقي الرواة على الصواب، وكذلك هو في مطبوع ((مسلم)) (١٨٠٠). ٣٩ باب ٧ / ح ٣٩٦١ - ٣٩٦٣ كتاب المغازي نَطَقَ بها أنس، وسيأتي ذلك في أواخر غزوة بدر (٤٠٢٠)، ولفظه: فقال: أنتَ أبا جهل؟ قال ابن عُليَّة: قال سليمان: هكذا قالها أنس، قال: أنتَ أبا جهل؟ انتهى. وقد أخرجه ابن خُزَيمةَ - ومن طريقه أبو نُعَيم - عن محمد بن المثنَّى شيخ البخاريّ فيه، فقال فيه: ((أنتَ أبو جهل؟))، وكأنَّه من إصلاح بعض الرُّواة. وكذلك نَطَقَ بها يحيى القَطّنُ. أخرجه الإسماعيليّ من طريق المُقُدَّمَيّ عن يحيى القَطّن عن التيميِّ، فذكر الحديث، وفيه: قال: أنتَ أبا جهل؟ قال المُقدَّميّ: هكذا قالها يحيى القطّان. وقد وُجِّهَتِ الرّواية المذكورة بالحَملِ على لُغة مَن يُثبت الألف في الأسماء السِّة في كلِّ حالة، كقوله: إنَّ أباها وأبا أباها، وقيل: هو منصوب بإضمار ((أعني)). وتَعقَّبَه ابن التِّين: بأنَّ شرط هذا الإضمار أن تَكثُر النُّعوت. وقال الدّاووديّ: كأنَّ ابن مسعود تَعَمَّدَ اللَّحن ليَغيظَ أبا جهل كالمصَغِّرِ له. وما أبعد ما قال! وقيل: إنَّ قوله: ((أنتَ)) مُبتَدَأ محذوف الخَبَرَ، وقوله: ((أبا جهل)) مُنادَى محذوف الأداة، والتقدير: أنتَ المقتول يا أبا جهل، وخاطَبَه بذلك مُقَرِّعاً له ومُتَشَفّياً منه، لأنَّه كان يُؤذيه بمكّة أشدّ الأَذَى. وفي حديث ابن عبّاس عند ابن إسحاق(١) والحاكم(٢): قال ابن مسعود: فوَجَدته بآخِرِ رَمَقْ، فَوَضَعت رِجلي على عُنُقُه، فقلت: أخزاك الله يا عدوّ الله، قال: وبما أخزاني؟ هل عدا (٣) رجلٍ قَتَلتُموه؟ قال: وزَعَمَ رجال من بني مخزوم أنَّه قال له: لقد ارتَقَيت يا رُوَيعِيَ(٤) الغَنَم مُرْتَقَى صَعباً، قال: ثُمَّ احتَزَزتُ رأسَه، فجِئت به رسولَ الله ◌َّ فقلت: هذا رأس عدوّ الله أبي جهل، فقال: ((والله الذي لا إله إلّا هو؟)) فحَلَفَ له. (١) كما في ((سيرة ابن هشام)) ١/ ٦٣٥. (٢) لم نقف عليه عند الحاكم، ولا نسبه إليه الحافظ في («إتحاف المهرة)). (٣) كذا في الأصلين، وهو موافق لرواية البيهقي في «دلائل النبوة)» ٨٥/٣، لكن دون ذكر حرف الاستفهام، وفي (س): ((أعمد))، وهو موافق لما في ((سيرة ابن هشام)) ١/ ٦٣٥ وغيرها. (٤) تحرف في (س) إلى: رويع. ٤٠ باب ٧ / ح ٣٩٦٤ فتح الباري بشرح البخاري وفي زيادات ((المغازي)) رواية يونس بن بُكَير، من طريق الشَّعبيّ عن عبد الرحمن بن عَوْف، نحو الحديث الذي بعده، وفيه: فحَلَفَ له، فأخَذَ رسول الله وَ ◌ّه بِيَدِه، ثمَّ انطَلَقَ حتَّى أتاه، فقامَ عنده فقال: ((الحمد لله الذي أعَزَّ الإسلام وأهله)) ثلاث مرات. قوله: ((حدَّثْنا سليمان)) هو التيميُّ المذكور قبلُ. قوله: ((أخبَرَنا أنس بن مالك نحوه)) قد ساقَ ابن خُزيمةَ - ومن طريقه أبو نُعَيم - لفظَه، فأخرجه عن محمد من المُثَنَّى شيخ البخاريّ فيه، بلفظ: فقال ابن مسعود: أنا يا نبيّ الله، وقال فيه: قال: فأخَذتُ بلحيتِه، والباقي مثله. وقوله: قال: فأخَذت بلحيتِهِ، يُؤْيِّد الرِّواية الماضية للإسماعيليِّ من طريق يحيى القَطّان، وأنَّ أنساً أخَذَه عن ابن مسعود. الحديث الرابع: ٣٩٦٤- حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله، قال: كَتَبتُ عن يوسُفَ بنِ الماجِشُون، عن صالحِ بنِ إبراهيمَ، عن أبيه، عن جَدِّه، في بَدْرٍ، يعني حديثَ ابنَي عَفْراءَ. قوله: ((حدَّثنا عليّ بن عبد الله)) هو ابن المدينيّ. قوله: ((كَتَبت عن يوسف بن الماجِشُونِ)) ظاهره أنَّه كَتبه عنه، ولم يَسمَعه منه، وقد تقدَّم في الخُمُس (٣١٤١) مُطوَّلاً، عن مُسدَّد عن يوسف موصولاً. قوله: ((عن صالح بن إبراهيم عن أبيه)) هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف. قوله: ((عن جَدّه في بدر)) أي: في قِصّة غزوة بدر. قوله: ((يعني حديث ابنَي عَفْراءَ)) أي: الحديث المقدَّم ذِكْره في الخُمُس عن مُسدّد عن يوسف بن الماحِشُونِ، بهذا الإسناد مُطوَّلاً، وسيأتي (٣٩٨٨) في بابٍ قبلَ («باب شُهود الملائكة بدراً)) من وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عَوْف مُلخَّصاً، وحاصله: أنَّ ٢٩٦/٧ كلَّا من ابنَي عَفراء سألَ عبد الرحمن بن عَوْف، فدَهَّما عليه، فشَدّا عليه فضَرَباه/ حتَّى قَتَلاه، وفي آخر حديث مُسدَّد: وهما معاذ بن عَمْرو بن الجَمُوح، ومعاذ ابن عَفراء، وأنَّ النبيّ وَّهِ نظرَ في سيفَيهما، وقال: ((كِلاكُما قتله)) وأنَّ قَضَى بسَلَبه لمعاذ بن عَمْرو بن