Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ أبواب المبعث بِي جِبْريلُ حتَّى أَتَى السماءَ الدُّنْيا، فاستَفْتَحَ فِقِيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قال: محمَّدٌ، قيلَ: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيلَ: مَرْحباً به، فنِعْمَ المَجِيءُ جاء، ففَتَحَ، فلمَّا خَلَصْتُ فإذا فيها آدمُ، فقال: هذا أبوكَ آدمُ فسَلِّم عليه، فسَلَّمْتُ عليه فَرَدَّ السَّلامَ، ثمَّ قال: مَرْحباً بالابنِ الصالحِ، والنبيِّ الصالحِ، ثمَّ صَعِدَ حتَّى أتى السماءَ الثّانيةَ، فاستَفْتَحَ قيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبْرِيلُ، قيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قال: محمَّدٌ، قيلَ: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعمْ، قيلَ: مَرْحباً به، فنِعْمَ المَجِيءُ جاء، ففَتَحَ فلمَّا خَلَصْتُ إذا يحيى وعيسى وَهما ابنا الخالةِ، قال: هذا يحيى وعيسى، فسَلِّم عليهما، فسَلَّمْتُ فَرَدّا ثمَّ قالا: مَرْحباً بالأخِ الصالحِ، والنبيِّ الصالحِ، ثمَّ صَعِدَ بي إلى السماءِ الثّالثةِ، فاستَفْتَحَ قيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قال: محمَّدٌ، قيلَ: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعمْ، قيلَ: مَرْحباً به فنِعْمَ المَجِيءُ جاء، ففُتِحَ فلمَّاً خَلَصْتُ إذا يوسُفُ، قال: هذا يوسُفُ، فسَلِّم عليه، فسَلَّمْتُ عليهِ، فَرَدَّ ثمَّ قال: مَرْحباً بالأخِ الصالحِ، والنبيِّ الصالحِ، ثمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتى السماءَ الرّابعةَ، فاستَفْتَحَ، قيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قال: محمَّدٌ، قيلَ: أوَقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعمْ، قيلَ: مَرْحباً به فنِعْمَ المَجِيءُ جاء، فقُتِحَ فلمَّا خَلَصْتُ إلى إذْرِيسَ، قال: هذا إذْرِيسُ فسَلِّم عليه، فسَلَّمْتُ عليه فَرَدَّ، ثمَّ قال: مَرْحباً بالأخِ الصالحِ، والنبيِّ الصالحِ، ثمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتى السماءَ الخامسةَ، فاستَفْتَحَ قيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قال: محمَّدٌ وَِّ، قِيلَ: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعمْ، قيلَ: مَرْحباً به فنِعْمَ المَجِيءُ جاء، فلمَّا خَلَصْتُ فإذا هارونُ، قال: هذا هارونُ، فسَلِّم عليه فسَلَّمْتُ عليه فَرَدَّ، ثمَّ قال: مَرْحباً بالأخِ الصالحِ، والنبيِّ الصالحِ، ثمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتى السماءَ السادسةَ، فاستَفْتَحَ، قيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبْرِيلُ، قيلَ: مَن مَعَكَ؟ قال: محمَّدٌ، قيلَ: وقد أُرسِلَ إليه؟ قال: نعمْ، قال: مَرْحباً به فنِعْمَ المَجِيءُ جاء، فلمَّا خَلَصْتُ فإذا موسى، قال: هذا موسى فسَلِّم عليه، فسَلَّمْتُ عليه فرَدَّ، ثمَّ قال: مَرْحباً بالأخِ الصالحِ، والنبيِّ الصالحِ، فلمَّا تَجَاوَزْتُ بَكَى، قيلَ له: ما يُكِيكَ؟ قال: أبكي لأنَّ غلاماً بُعِثَ بَعْدي يَدخُلُ الجنَّةَ من أمَّتِهِ أكثَرُ مَمَّن يَدخُلُها من أمَّتي، ثمَّ صَعِدَ بي إلى السماءِ السابعةِ، فاستَفْتَحَ جِبْريلُ، قيلَ: مَن هذا؟ قال: جِبْرِيلُ، قيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قال: محمَّدٌ، قيلَ: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نعمْ، ٣٨٢ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ فتح الباري بشرح البخاري قال: مَرْحباً به فنِعْمَ المَجِيءُ جاء، فلمَّا خَلَصْتُ فإذا إبراهيمُ، قال: هذا أبوكَ فسَلِّم عليه، قال: فسَلَّمْتُ عليه فرَدَّ السَّلامَ، قال: مَرْحباً بالابنِ الصالحِ، والنبيِّ الصالحِ. ثُمَّ رُفِعَت لي ◌ِدْرةُ المُتَهَى، فإذا نَبْقُها مِثلُ قِلَالِ هَجَرَ، وإذا وَرَقُها مِثلُ آذان الفِيَلِةِ، قال: هذه ◌ِذْرةُ المُنتَهى، وإذا أربعةُ أنهارٍ: نَهْرانِ باطِنانٍ، وَهْرانِ ظاهرانِ، فقلتُ: ما هذان يا جِبْرِيلُ؟ قال: أمَّ الباطِنان: فتَهْرانِ في الجنَّةِ، وأَمَّا الظّاهران: فالنِّيلُ والفُراتُ، ثمَّ رُفِعَ ليَ البيتُ المعمورُ، ثمَّ أَتِيتُ بإناءٍ من خٍ، وإناءٍ من لَبَنٍ، وإناءٍ من عَسَلٍ، فأخَذْتُ اللَّبَنَ، فقال: هي الفِطْرةُ التي أنتَ عليها وأُمَّتُكَ، ثمَّ فُرِضَت عليَّ الصَّلَواتُ لخمسينَ صلاةً كلَّ يومٍ، فَرَجَعْتُ فمَرَرْتُ على موسى، فقال: بما أُمِرْتَ؟ قال: أُمِرْتُ بخمسينَ صلاةً كلَّ يوم، قال: إنَّ أَمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ خمسينَ صلاةٌ كلَّ يومٍ، وإنّ والله قد جَرَّبتُ الناسَ قبلَكَ، وعالَجْتُ بني إسرائيلَ أشَدَّ المعالَةِ، فارجع إلى رَبِّكَ فاسأله النَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عنِّي عَشْراً، فَرَجَعْتُ إلى موسى، فقال مِثْلَه، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عنِّي عَشْراً، فَرَجَعْتُ إلى موسى فقال مِثْلَه، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عِنِّي عَشْراً، فَرَجَعْتُ إلى موسى فقال مِثْلَه، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بعَثْرِ صَلَواتٍ كلَّ يومٍ، فَرَجَعْتُ فقال مِثْلَه، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بخمسٍ صَلَواتٍ كلَّ يومٍ، فَرَجَعْتُ إلى موسى فقال: بما أُمِرْتَ؟ قلتُ: أُمِرْتُ بخمسٍ صَلَواتٍ كلَّ يومٍ، قال: إنَّ أُمُتَكَ لا تستطيعُ لخمسَ صَلَواتٍ كلَّ يومٍ، وإِّ قد جَرَّبْتُ النّاسَ قَبَلَكَ وعالجتُ بني إسرائيلَ أَشَدَّ المعالَةِ، فارجِعْ إلى رَبِّكَ فاسأله التَّخْفِيفَ لأُمْتِكَ، قال: سألتُ رَبّ حتَّى اسْتَحْيَيتُ، ولكن أرضَى وأُسَلِّمُ، قال: فلمَّا جاوَزْتُ نادَى مُنادٍ: أمضَيتُ فَرِيضَتي، وخَقَّفْتُ عن عِبَادِي». قوله: ((باب المعراج)) كذا للأكثر، وللنَّسَفيِّ: ((قِصّة المِعراج)) وهو بكسر الميم وحُكيَ ٢٠٣/٧ ضَمُّها، من: عَرَجَ، بفتح الراء، يَعْرُج، بضمِّها: إذا صَعِد. وقد اختُلِفَ في وقت المعراج، فقيل: كان قبلَ المبعَث، وهو شاذّ إلّا إن ◌ُلَ على أنَّه وَقَعَ حينئذٍ في المنام كما تقدَّم، وذهب الأكثر إلى أنَّه كان بعد المبعَث. ثمَّ اختَلَفوا فقيل: قبل الهجرة بسنةٍ، قاله ابن سعد (٢١٤/١) وغيره، وبه جَزَمَ النَّوَويّ، وبالَغَ ابن حَزْم فنَقَلَ الإجماع فيه، ٣٨٣ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ أبواب المبعث وهو مردود فإنَّ في ذلك اختلافاً كثيراً يزيد على عشرة أقوال، منها ما حكاه ابن الجوزيّ: أنَّه كان قبلها بثمانية أشهر، وقيل: بستّة أشهر، وحَكَى هذا الثاني أبو الرَّبيع بن سالم، وحَكَى ابن خَزْم مُقْتَضَى الذي قبلَه لأنَّه قال: كان في رَجَب سنة اثنتَي عشرة من النَّبوّة، وقيل: بأحدَ عشرَ شهراً، جَزَمَ به إبراهيم الحَرْبيّ حيثُ قال: كان في ربيع الآخِر قبل الهجرة بسنةٍ، ورَجَّحَه ابن المنيِر في ((شرح السِّيرة)) لابنِ عبد البَرّ، وقيل: قبل الهجرة بسنةٍ وشهرَينٍ، حكاه ابن عبد البَرِّ، وقيل: قبلها بسنةٍ وثلاثة أشهر، حكاه ابن فارس، وقيل: بسنةٍ وخمسة أشهر، قاله السُّدّيّ وأخرجه من طريقه الطَّبَريُّ والبيهقيّ، فعلى هذا كان في شَوّال، أو في رَمَضان على إلغاء الكسرَينِ منه ومن رَبيع الأوَّل، وبه جَزَمَ الواقديّ، وعلى ظاهره يَنطَبق ما ذكره ابن قُتَيبة وحكاه ابن عبد البرِّ: أنَّه كان قبلها بثمانيةَ عشرَ شهراً، وعند ابن سعدٍ (٢١٣/١) عن ابن أبي سَبْرة: أنَّه كان في رَمَضان قبل الهجرة بثمانيةَ عشرَ شهراً، وقيل: كان في رَجَب، حكاه ابن عبد البَرِّ وجَزَمَ به النَّوَويّ في ((الرَّوضة)»، وقيل: قبل الهجرة بثلاثٍ سِنین، حكاه ابن الأثير. وحَكَى عياض وتَبعَه القُرطُبيّ والنَّوَويّ عن الزُّهْرِيِّ: أنَّه كان قبل الهجرة بخمسٍ ◌ِنين، ورَجَّحَه عياض ومَن تَبعَه واحتَجَّ بأنَّه لا خلاف أنَّ خديجة صَلَّت معه بعد فَرض الصلاة، ولا خلاف أنَّهَا تُوُفّيَت قبل الهجرة إمّا بثلاثٍ أو نحوها وإمّا بخمسٍ، ولا خلافَ أنَّ فرض الصلاة كان ليلة الإسراء. قلت: في جميع ما نَفاه من الخلاف نَظَرّ: أمَّا أوَّلاً: فإنَّ العَسكريّ حَكَى أنَّها ماتت قبل الهجرة بسبع سِنين، وقيل: بأربعٍ، وعن ابن الأعرابيّ: أنَّها ماتت عام الهجرة. وأمَّا ثانياً: فإنَّ فرض الصلاة اختُلِفَ فيه، فقيل: كان من أوَّل البِعْثة وكان ركعتَينِ بالغَداة وركعتَينِ بالعَشِيِّ، وإنَّما الذي فُرِضَ ليلة الإسراء فالصَّلَواتُ الخمس. وأمَّا ثالثاً: فقد تقدَّم في ترجمة خديجة(١) في الكلام على حديث عائشة في بَدْء الخلق أنَّ (١) عند ((باب تزويج النبي ◌َّ- خديجة وفضلها رضي الله عنها)) قبل الحديث (٣٨١٥). ٣٨٤ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ فتح الباري بشرح البخاري عائشة جَزَمَت: بأنَّ خديجة ماتت قبل أن تُفرَض الصَّلاةُ المكتوبةُ، فالمعتَمَد أنَّ مُراد مَن قال بعد أن فُرِضَت الصلاة: ما فُرِضَ قبل الصلوات الخمس إن ثَبَتَ ذلك، ومُراد عائشة بقولها: ماتت قبل أن تُفرَض الصلاة(١)؛ أي: الخمس، فيُجمَع بين القولَينِ بذلك، ويَلَزَم منه أنَّها ماتت قبل الإسراء. وأمَّا رابعاً: ففي سنة موت خديجة اختلاف آخر، فحَكَى العَسكَريّ عن الزُّهْريِّ: أنَّها ماتت لسبعٍ مَضَين من البِعْثة، وظاهرُه أنَّ ذلك قبل الهجرة بستٍّ سنين، فَرَّعَه العَسكَرِيّ على قول مَن قال: إنَّ المدّة بين البِعْثة والهجرة كانت عشراً. قوله: ((عن أنس)) تقدَّم في أوَّل بَدْء الخلق (٣٢٠٧) من وجه آخر عن قَتَادة: حدَّثنا أنس. قوله: ((عن مالك بن صَعصَعة)) أي: ابن وَهْب بن عَديّ بن مالك الأنصاريّ من بني النَّجّار، ما له في البخاريّ ولا في غيره سِوَى هذا الحديث، ولا يُعرَف مَن روى عنه إلّا أنس بن مالك. قوله: ((حدَّثه عن ليلةٍ أُسريَ)) كذا للأكثر، وللكُشْمِيهنيِّ: ((أُسريَ به))، وكذا للنَّسَفيِّ، ٢٠٤/٧ وقوله: «أُسري به»/ صِفة لـ«ليلة))، أي: أُسري به فيها. قوله: ((في الحَطِيم ورُبَّما قال: في الحِجْر)) هو شَكٌّ من قَتَادة كما بيَّنه أحمد (١٧٨٣٥) عن عَفّان عن هَمَّام ولفظه: ((بَيْنا أنا نائم في الخَطيم، ورُبَّما قال قَتَادة: في الحِجر))، والمراد بالحَطيِ هنا: الحِجر، وأبعَدَ مَن قال المراد به: ما بين الرُّكن والمقام أو بين زَمزَم والحِجر، وهو وإن كان مُتَلَفاً في الخطيم هل هو الحِجر أم لا، كما تقدَّم قريباً في ((باب بُنيان الكعبة))(٢)، لكن المراد هنا بيان البُقْعة التي وَقَعَ ذلك فيها، ومعلوم أنَّها لم تَتَعَدَّد لأنَّ القِصّة مُتَّحِدة لاتِّادِ تَخَرَجها، وقد تقدَّم في أوَّل بَدْء الخلق (٣٢٠٧) بلفظ: ((بَيْنا أنا عند البيت)) وهو أعَمّ، ووَقَعَ في رواية الزُّهْريِّ عن أنس عن أبي ذرٍّ: ((فُرِّجَ سَقفُ بيتي وأنا بمكَّة))(٣)، وفي رواية (١) سيأتي برقم (٣٨٩٦). (٢) باب رقم (٢٥). (٣) سلف برقم (٣٣٤٢). ٣٨٥ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ أبواب المبعث الواقديّ بأسانيدِه: أنَّه ◌ُسريَ به من شِعب أبي طالب، وفي حديث أمّ هانئ عند الطبرانيِّ (٢٤/ ١٠٥٩): أنَّه باتَ في بيتها قالت: ففَقَدته من اللَّيل فقال: ((إنَّ جِبْريل أتاني)). والجمع بين هذه الأقوال أنَّه نامَ في بيت أمّ هانى، وبيتُها عند شِعب أبي طالب، ففُرِّجَ سقف بیته ۔ وأضاف البیت إلیه لگونه کان یَسگُنه - فنزلَ منه المَلك فأخرجه من البيت إلى المسجد فكان به مُضطَجِعاً وبه أثر النُّعاس، ثمَّ أخرجه المَلك إلى باب المسجد فأركَبه البُراق. وقد وَقَعَ في مُرسَل الحسن عند ابن إسحاق: أنَّ جِبْريل أتاه فأخرجه إلى المسجد فأركَبَه البُراق، وهو يُؤيِّد هذا الجمع. وقيل: الحكمة في نزوله عليه من السَّقف الإشارة إلى المبالَغة في مُفاجأته بذلك، والتّنبيه على أنَّ المراد منه أن يَعرُج به إلى جهة العُلوِّ. قوله: ((مُضطَجِعاً)) زاد في بَدْء الخلق (٣٢٠٧): ((بين النائم واليقظان))، وهو محمول على ابتداء الحال، ثمَّ لمَّا أُخرِجَ به إلى باب المسجد فأركَبه البُراق استَمرَّ في يَقَظَته، وأمَّا ما وَقَعَ في رواية شَرِيك الآتية في التوحيد (٧٥١٧) في آخِرِ الحديث: ((فلمَّا استَقَظت))، فإن قلنا بالتعدُّدِ فلا إشكالَ، وإلّا ◌ُلَ على أنَّ المراد باستَقَظتُ: أفَقتُ، أي: أنَّه أفاقَ ممّا كان فيه من شُغل البال بمُشاهدة المَلَكوت ورَجَعَ إلى العالَمِ الدُّنيَويّ. وقال الشَّيخ أبو محمد بن أبي جَمْرة: لو قال ◌َّهِ إِنَّه كان يقظانَ لَأخبر بالحقِّ، لأنَّ قلبَه في النَّوم واليَقَظة سواءٌ، وعَينُه أيضاً لم يكن النَّوم تمكَّنَ منها، لكنَّه تَحَرَّى وَلَيهِ الصِّدق في الإخبار بالواقع، فيُؤخَذ منه أنَّه لا يُعدَل عن حقيقة اللَّفظ للمَجاز إلّا الضَرُورةٍ. قوله: ((إذ أناني آتٍ)) هو جِبْريل كما تقدَّم، ووَقَعَ في بَدْء الخَلْقِ بلفظ: ((وذكر بين الرجلينِ))(١) وهو مختصر، وقد أوضَحَتْه روايةُ مسلم (١٦٤) من طريق سعيد عن قَتَادة بلفظ: ((إذ سمعتُ قائلاً يقول: أحدُ الثلاثة بين الرّجلينِ، فأُتيتُ فانطُلِقَ بي))، وتقدَّم في أوَّل الصلاة (٢): أنَّ (١) ولفظه هناك (٣٢٠٧): ((وذكر؛ يعني: رجلاً بين الرَّجلين)). (٢) إنما تقدم ذلك في المناقب عند الحديث (٣٥٧٠) وقال فيه هناك: وقد قيل: إنه كان نائماً بين عمه حمزة وابن عمه جعفر بن أبي طالب. ٣٨٦ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ فتح الباري بشرح البخاري المراد بالرجلينِ حمزة وجعفر، وأنَّ النبيّ وَلِّ كان نائماً بينهما، ويُستَفاد منه ما كان فيه وَه من التواضُع وحُسن الخُلُق، وفيه جواز نوم جماعةٍ في موضعٍ واحدٍ، وثَبَتَ من طرق أُخرَى: أنَّه يُشتَرط أن لا يجتمعوا في لِحافٍ واحد (١). قوله: ((فقَدَّ» بالقاف والدّال الثَّقيلة ((قال: وسمعته يقول: فشَقَّ)) القائل قَتَادة، والمقول عنه أنس، ولأحمد (١٧٨٣٥): قال قَتَادة: ورُبَّما سمعت أنساً يقول: فشَقَّ. قوله: ((فقلت للجارود)» لم أرَ مَن نَسَبَه من الزُّواة، ولعلَّه ابن أبي سَبْرَةَ البصريّ صاحب أنس، فقد أخرج ه أبو داود (١٢٢٥) من روايته عن أنسٍ حديثاً غير هذا. قوله: ((من تُغْرة)) بضمِّ المثلَّثة وسكون المعجَمة: وهي الموضع المنخَّفِض الذي بين الثَّقُوَتَينِ. قوله: ((إلى شِعرَته)) بكسر المعجَمة، أي: شَعر العانَة، وفي رواية مسلم (١٦٤): ((إلى أسفَل بَطنه)»، وفي بَدْء الخلق: ((من النَّحر إلى مَراقٌ بَطْنه))، وتقدَّم ضبطه في أوائل الصلاة(٢). قوله: «من قَصِّه» بفتح القاف وتشديد المهملة، أي: رأس صدره. قوله: ((إلى شِعرَته)) ذكر الكِرْمانيُّ أنَّه وَقَعَ: ((إلى نُنَتَه)) بضمِّ المثلَّة وتشديد النُّون: ما بین السُّرّة والعانَة. وقد استنگرَ بعضھم وقوعَ شَقّ الصدر لیلة الإسراء وقال: إنّما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، ولا إنكارَ في ذلك، فقد تَوارَدَت الرّوايات به. وثَبَتَ شَقّ الصدر أيضاً عند ٢٠٥/٧ البِعْثة كما أخرجه أبو/ نُعَيم في «الدَّلائل)) (١٩٢/١) ولكلٍّ منها حكمة، فالأوَّل وَقَعَ فيه من الزّيادة كما عند مسلم (١٦٢) من حديث أنس: «فأخرج عَلَقَةً فقال: هذا حَظّ الشَّيطان مِنك))، وكان هذا في زمن الطَّفوليَّة فنَشَأ على أكمل الأحوال من العِصْمة من الشَّيطان، ثمَّ (١) يشير إلى ما أخرجه مسلم (٣٣٨)، وأبو داود (٤٠١٨) من حديث أبي سعيد الخدري أنه وح لو قال: « ... ولا یُفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد». (٢) لم نقف عليه في الموضع المذكور، إلا أنه تكلم في ذلك عند الحديث (٣٢٠٧). ٣٨٧ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ أبواب المبعث وَقَعَ شَقّ الصَّدْرِ عند البعث زيادةً في إكرامه ليَتَلَقَّى ما يوحى إليه بقلبٍ قويّ في أكمَل الأحوال من التطهير، ثمَّ وَقَعَ شَقّ الصدر عند إرادة العُروج إلى السماء ليَتَأَهَّبَ للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغَسل لتَقَعَ المبالَغة في الإسباغ بحصول المرّة الثالثة كما تَقرَّرَ في شَرعه وَّه ويحتمل أن تكون الحكمة في انفِراج سَقف بيته: الإشارة إلى ما سيقعُ من شَقّ صَدْرِه وأنَّ سَيَلتَئِمُ بغير مُعالَجَة يَتَضَرَّر بها. وجميع ما وَرَدَ من شَقّ الصَّدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة ممّاً يجب التسليم له دون التعرُّض لصَرفِه عن حقيقته لصَلاحيَّة القُدرة فلا يَستَحيل شيءٌ من ذلك. قال القُرطُبيّ في ((المفهم)): لا يُلْتَفَتُ لإنكار الشَّقّ ليلة الإسراء لأنَّ رواته ثقات مَشاهير، ثمَّ ذكر نحو ما تقدَّم. قوله: ((بطَسْتٍ)) بفتح أوَّله وبكسره وبمُثْنَاةٍ وقد تُحذَف وهو الأكثر وإثباتها لُغة طِّي، وأخطأ مَن أنكَرَها. قوله: ((من ذَهَب)) خُصَّ الطَّست لكَونِهِ أَشهَر آلات الغُسل عُرفاً، والذَّهَب لكَونِه أعلى أنواع الأواني الحِسّيَّة وأصفاها، ولأنَّ فيه خَواصَّ ليست لغيره ويَظهَر لها هنا مُناسَبات: منها أنَّه من أواني الجنَّة، ومنها أنَّه لا تأكُله النار ولا التُراب ولا يَلحَقه الصَّدأُ، ومنها أنَّه أثقَل الجواهر فناسَبَ ثِقَل الوحي. وقال السُّهَيليّ وغيره: إن نُظِرَ إلى لفظ الذَّهَب ناسَبَ من جهة إذهاب الرِّجس عنه، ولِگونه وَقَعَ عند الذَّهاب إلى رَبّه، وإن نُظِرَ إلى معناه فِلِوَضاءَتِهِ ونَقائه وصفائه ولِثْقَلِهِ ورُسوبَته، والوحي ثقيل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ سَنُلْفِى عَلَيْكَ قَوْلًا تَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ. فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨]، ولأَنَّه أعَزّ الأشياء في الدُّنيا، والقول: هو الكتاب العزيز، ولعلَّ ذلك كان قبل أن يَجِرُم استعمال الذَّهَب في هذه الشَّريعة، ولا يكفي أن يقال: إنَّ المستَعمَل له كان ثَمَّن لم يَجِرُم عليه ذلك من الملائكة، لأنَّه لو كان قد حَرُم عليه استعماله لَنُزِّهَ أن يَسْتَعمِله غيرُه في أمرٍ يتعلَّق بَدَنِه المكرَّم. ويُمكِن أن يقال: إنَّ تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدُّنيا، ٣٨٨ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ فتح الباري بشرح البخاري وما وَقَعَ في تلك اللَّيلة كان الغالب أنَّه من أحوال الغيب فيَلحَق بأحكام الآخِرة. قوله: ((مملوءةٍ)) كذا بالتأنيث، وتقدَّم في أوَّل الصلاة (٣٤٩) البحث فيه. قوله: ((إيماناً) زاد في بَدْء الخلق (٣٢٠٧): ((وحكمةً))، وهما بالنَّصب على التمییز. قال النَّوَويّ: معناه أنَّ الطَّست کان فيها شيء تحصل به زیادةٌ في کمال الإیمان وکمال الحكمة، وهذا الملءُ يحتمل أن يكون على حقيقته، وتَجسيد المعاني جائز كما جاء أنَّ سورة البقرة تجيء يومَ القيامة كأنَّهَا ظُلّة (١)، والموت في صورة كَبش(٢)، وكذلك وزن الأعمال وغير ذلك من أحوال الغيب. وقال البَيْضاويّ: لعلَّ ذلك من باب التمثيل، إذ تمثيل المعاني قد وَقَعَ كثيراً، كما مُثِّلَت له الجنَّة والنار في عُرض الحائط، وفائدته كَشف المعنويّ بالمحسوسِ. وقال ابن أبي جَمْرةٍ: فيه أنَّ الحكمة ليس بعد الإيمان أجَلُّ منها، ولذلك قُرِنَت معه، ويُؤَيِّده قوله تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرًا ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وأصحّ ما قيل في الحكمة: أنَّها وضع الشَّيء في محلّه، أو الفَهم في كتاب الله، فعلى التفسير الثاني قد توجد الحكمة دون الإيمان وقد لا توجد، وعلى الأوَّل فقد يَتَلازمان، لأنَّ الإيمان يدلّ على الحكمة. قوله: ((فغُسِلَ قلبي)) في رواية مسلم (١٦٤): «فاستُخرج قلبي فغُسِلَ بماءٍ زَمَزَم))، وفيه فضيلة ماء زَمزَم على جميع المياه. قال ابن أبي جَمْرة: وإنَّما لم يُغسَل بماء الجنَّة لمَا اجتُمِعَ في ماء زَمزَم من كَون أصل مائها من الجنَّة ثمَّ استَقَرَّ في الأرض، فأُريدَ بذلك بقاء بَرَكة النبيّ ◌َّه في الأرض. وقال السُّهَيليّ: لمَّا كانت زَمزَم هَزْمةَ جِبْرِيل رُوحِ القُدُس لأُمّ إسماعيل جَدّ النبيّ ◌َ (١) يشير إلى قوله ﴿ عن سورة البقرة وآل عمران: ((فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غیایتان، أو كأنهما فِرقان من طیر ... )) أخرجه أحمد في («المسند» (٢٢١٤٦)، ومسلم (٨٠٤) من حديث أبي أمامة الباهلي. (٢) سيأتي برقم (٤٧٣٠) من حديث أبي سعيد الخدري. ٣٨٩ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ أبواب المبعث ناسَبَ أن يُغسَل بمائها عند دخول حَضرة القُدُس ومُناجاته، ومن / المناسبات المستَبعَدة ٢٠٦/٧ قول بعضهم: إنَّ الطَّست يناسب: ﴿طَسَ تِلْكَ ءَايَتُ اُلْقُرْءَانِ﴾ [النمل: ١]. قوله: (ثُمَّ ◌ُشِيَ ثمّ أُعيدَ) زاد في رواية مسلم مكانه: «ثُمَّ ◌ُشيَ إيماناً وحكمة))، وفي رواية شَرِيك: (٧٥١٧) («فحُشِيَ به صدرُه ولَغاديدُه)) بلامٍ وغَين مُعجَمة، أي: عُروق حَلْقه. وقد اشتَمَلَت هذه القِصّة من خَوارق العادة على ما يُدهِش سامعَه فَضْلاً عَمَّن شاهَدَه، فقد جَرَت العادة بأنَّ مَن شُقَّ بطنُه وأُخرِجَ قلبُه يموت لا محالةَ، ومع ذلك فلم يُؤَثِّر فيه ذلك ضَرَراً ولا وجَعاً فضلاً عن غير ذلك. قال ابن أبي جَمْرة: الحكمة في شَقّ قَلبه - مع القُدرة على أن يَمتَلِئ قلبُه إيماناً وحكمة بغير شَقّ - الزّيادةُ في قوّة اليقين، لأنَّه أُعطيَ برُؤية شَقّ بَطْنِهِ وعَدَم تأثّره بذلك ما أَمِنَ معه من جميع المخاوِف العاديَّة، فلذلك كان أشجَعَ الناس وأعلاهم حالاً ومقالاً، ولذلك وُصِفَ بقوله تعالى: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَفَى﴾ [النجم: ١٧]. واختُلِفَ هل كان شَقّ صدره وغَسلُه مُخْتَصّاً به أو وَقَعَ لغيره من الأنبياء؟ وقد وَقَعَ عند الطَّبريِّ(١) في قِصّة تابوت بني إسرائيل: أنَّه كان فيه الطَّست التي يُغسَل فيها قلوب الأنبياء؛ وهذا مُشعِرٍ بالمشارَكة، وسيأتي نظير هذا البحث في رُكوب البُراق. قوله: ((ُمَّ أَتيت بدابّةٍ)) قيل: الحكمة في الإسراء به راكباً مع القُدرة على طَيّ الأرض له؛ إشارة إلى أنَّ ذلك وَقَعَ تأنيساً له بالعادة في مقام خَرْق العادة، لأنَّ العادة جَرَت بأنَّ المِلِك إذا استَدعَی مَن يختصّ به بَعَثَ إلیه بما یَركَبه. قوله: ((دون البَغل وفَوق الحِمار أبيضَ)) كذا ذُكِّر باعتبار كَونِه مركوباً أو بالنَّظَرِ للفظ البُراق، والحكمة لكَونِه بهذه الصِّفة الإشارةُ إلى أنَّ الرُّکوب کان في سِلْم وأَمنِ لا في حربٍ وخَوف، أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراع الشَّديد بدابّةٍ لا توصَف بذلك في العادة. (١) تحرَّف في (ع) و(س) إلى: الطبراني، وانظر ((تفسير الطبري)) فيما أخرجه عن ابن عباس والسدي في قصة تابوت بني إسرائيل ٢/ ٦١٢. ٣٩٠ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((فقال له الجارود: هو البُراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم)) هذا يوَضِّح أنَّ الذي وَقَعَ في رواية بَدْء الخلق (٣٢٠٧) بلفظ: ((دون البَغل وفَوق الحِمار البُراق)»، أي: هو البُراق وَقَعَ بالمعنى؛ لأنَّ أنساً لم يَتَفَّظ بلفظ البُراق في رواية قَتَادة. قوله: ((يَضَع خَطْوَه)) بفتح المعجَمة أوَّله: المرّة الواحدة، وبضمِّها: الفَعلة. قوله: ((عند أقصَى طَرْفه)) بسكون الراء وبالفاء، أي: نَظرِه، أي: يَضَع رِجلَه عند مُنْتَھَی ما یَری بَصَرُه. وفي حديث ابن مسعود عند أبي يَعْلى (٥٠٣٦) والبزَّار (١٥٦٨): ((إذا أتى على جبل ارتَفَعَت رِجلاه، وإذا هَبَطَ ارتَفَعَت يَداه))، وفي رواية لابنِ سعد (٢١٤/١) عن الواقديّ بأسانيدِه: ((له جناحان)»، ولم أرَها لغيرِهِ، وعند الثَّعلَبيّ بسندٍ ضعيف عن ابن عبّاس في صِفة البُراق: ((لها خَدٌّ كَخَدِّ الإنسان، وعُرْفٌ كالفَرَسِ، وقوائمُ كالإبلِ، وذَنَبٌ كالبقرِ، وكأَنَّ صدرَه ياقوتةٌ حمراءُ)»، قيل: ويُؤخَذ من تَرك تسمية سَيرِ البُراق طَيَراناً: أنَّ الله إذا أكرَمَ عبداً بتسهيل الطَّريق له حتَّى قَطَعَ المسافة الطَّويلة في الَّمَن اليسير، أن لا يَخْرُج بذلك عن اسم السَّفَر وَجري عليه أحكامه. والبُراق بضمِّ الموخَّدة وتخفيف الراء مُشتَقّ من البَريق، فقد جاء في لَونه أنَّه أبيض، أو من البَرَق لأنَّه وصَفَه بسُرعة السّير، أو من قولهم: شاة بَرْقاءُ: إذا كان خِلال صُوفها الأبيض طاقاتٌ سُودٍ، ولا يُنافيه وَصفُه في الحديث بأنَّ البُراق أبيضُ، لأنَّ البَرْقاء من الغنم معدودة في البياض. انتَهَى، ويحتمل أن لا يكون مُشتَقّاً. قال ابن أبي جَمْرة: خُصَّ البُراق بذلك إشارة إلى الاختصاص به لأنَّه لم يُنقَل أنَّ أحداً مَلكَه، بخلاف غير جنسه من الدَّوابّ. قال: والقُدرة كانت صالحة لأنْ يَصعَد بنفسِه من غير بُراق، ولكن رُكوب البُراق كان زيادة له في تشريفه، لأنَّه لو صَعِدَ بنفسِه لكان في صورة ماشٍ، والراكِب أعَزّ من الماشي. قوله: «فحُمِلت عليه)) في رواية لأبي سعيد في ((شَرَف المصطَفى)): فكان الذي أمسَكَ ٣٩١ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ أبواب المبعث برِكابه جِبْريل، وبزِمام البُراق ميكائيل، وفي رواية مَعمَر عن قَتَادة عن أنس: ((أنَّ رسول الله ﴿ ليلةَ أُسْريَ به أُتيَ بالبُراق مُسَرَّجاً مُلَجَّماً فاستصعَبَ علیه، فقال له چِبْریل: ما حَلك على هذا؟ فوالله ما رَكِبَك خلقٌ قطُّ أكرم على الله منه، قال: فارفَضَّ عَرَقاً)) أخرجه التِّرمِذيّ (٣١٣١)/ وقال: حَسَنٌ غريب، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٤٦). ٢٠٧/٧ وذكر ابن إسحاق عن قَتَادة: ((أنَّه لمَّا شَمَسَ وضَعَ جِبْريل يده على مَعرِفَته فقال: أما تَستَحي؟)) فذكر نحوَه مُرسَلاً لم يَذكُر أنساً. وفي رواية وَثِيمة عن ابن إسحاق: ((فارتَعَشتَ حتَّى لَصِقتْ بالأرضِ فاستَوَیتُ عليها)». وللنَّسائيِّ(١) وابن مَرْدويه من طريق يزيد بن أبي مالك عن أنس نحوه موصولاً، وزاد: «وكانت تُسخّر للأنبياءِ قبله»، ونحوه في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق، وفيه دلالة على أنَّ البُراق كان مُعَدّاً لرُكوب الأنبياء، خلافاً لمن نَفَى ذلك كابنِ دِخْية، وأوَّل قولَ جِبْریل: ((فما رَكِبك أكرم على الله منه))؛ أي: ما رَكِبك أحد قَطُّ، فکیف یرکبك أكرم منه! وقد جَزَمَ السُّهَيلِيّ: أنَّ البُراق إنَّما استَصعَبَ عليه لبُعدِ عَهْده برُكوب الأنبياء قبلَه، قال النَّوَويّ. قال الزُّبَيديّ في ((مختصر العين)) وتَبعَه صاحب ((التحرير)): كان الأنبياء يَركَبونَ البُراق، قال: وهذا يحتاج إلى نقل صحيح. قلت: قد ذكرت النَّقل بذلك، ويُؤيِّده ظاهر قوله: ((فَرَبَطتُه بالحلقة التي تَربط بها الأنبياء))، ووَقَعَ في ((المبتَدَأ)) لابن إسحاق من رواية وَثيمة في ذِكْر الإسراء: ((فاستَصعَبَت البُراق، وكانت الأنبياء تَركَبها قبلي، وكانت بعيدة العَهد برُكوبهم لم تكن رُكِبَت في الفتنة))، وفي ((مغازي ابن عائذ)) من طريق الزُّهْريِّ عن سعيد بن المسيّب قال: ((البُراق هي الدّابّة التي كان يزور إبراهيم عليها إسماعيل)). وفي الطبرانيِّ من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه (٢): أنَّ جِبْريل أتى النبيَّ وَليه (١) برقم (٤٥٠) وليس في المطبوع منه الزيادة المذكورة. (٢) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٣٨٧٩)، والحدیث عنده من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى، ليس فيه : = ٣٩٢ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ فتح الباري بشرح البخاري بالبُراق فحَمَلَه بين يَدَيه. وعند أبي يَعْلى (٥٠٣٦) والحاكم (٤ /٦٠٦) من حديث ابن مسعود رَفَعَه: ((أُتيت بالبُراق فَرَكِيت خَلف جِبْرِيل))، وفي حديث حُذَيفة عند التِّرمِذيّ (٣١٤٧) والنَّسائيِّ(١): ((فما زايَلا ظَهرَ البُراق))، وفي ((كتاب مَّة)) للفاكِهيِّ (٩٨٨) والأزرَقيّ (٦٤/١ و٦٦): ((أنَّ إبراهيم كان يَحُجّ على البُراق))، وفي أوائل (الرَّوض) (٢١٤/١) للسُّهَيليِّ: (أنَّ إبراهيم حَمَلَ هاجَرَ على البُراق لمَّا سارَ إلى مَّة بها وبوَلَدِها)). فهذه آثار يَشُدّ بعضها بعضاً، وجاءت آثار أُخرَى تَشْهَد لذلك لم أرَ الإطالة بإيرادِها. ومن الأخبار الواهية في صِفة البُراق ما ذكره الماوَرْديّ عن مُقاتل، وأورَدَه القُرطُبيّ في ((الَّذكِرة)) ومن قبلِه الثَّعَلَبيّ من طريق ابن الكَلْبِيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: الموت والحياة جِسمان، فالموت كَبش لا يَجِد ريحَه شيءٌ إلّا مات، والحياة فرسٌ بَلْقَاءُ أُنثَى، وهي التي كان جِبْرِيل والأنبياء يَركَبونَها لا تَمُرّ بشيءٍ ولا يَجِد ريحَها شيءٌ إلّا حَيِيَ. ومنها أنَّ البُراق لمَّا عاتَبَه جِبْريل قال له مُعتَذِراً: إنَّه مَسََّ الصَّفراء اليومَ، وإنَّ الصَّفراء صَنَم من ذَهَبٍ كان عند الكعبة، وإنَّ النبيّ وَّهِ مرَّ به فقال: ((تبًّ لمن يَعبُدك من دون الله))، وإِنَّهِ لَهَى زيد بن حارثة أن يَمَسَّه بعد ذلك وكَسَرَه يومَ فتح مگّة. قال ابن المنيِر: إنَّما استَصعَبَ البُراقُ تِيْهاً وزهواً بُرُكوب النبيّ ◌َلټ علیه، وأراد چِبْریل استنطاقه فلذلك خَجِلَ وارفَضَّ عَرَقاً من ذلك. وقريبٌ من ذلك رَجْفة الجبل به حتَّى قال له: ((اثبت فإنَّما عليك نبيّ وصِدّيق وشهيد))(٢)، فإنَّهَا هَزّة الطَّرِب لا هَزَّةُ الغَضَب. ووَقَعَ في حديث حُذَيفة عند أحمد (٢٣٣٤٣) قال: أُتَيَ رسول اللهِ وَّهِ بِالْبُراق فلم يُزايِل ظَهرَه هو وجِبْريل حتَّى انتَهَيا إلى بيت المقدسِ فهذا لم يُسنِده حُذَيفة عن النبيّ ◌ََّ، = عن أبيه، وقال الطبراني بإثره: لا يُروى هذا الحديث عن ابن أبي ليلى إلا بهذا الإسناد. قال الهيثمي في ((المجمع)) ١/ ٧٧: رواه الطبراني في ((الأوسط» هكذا مرسلاً، ومع الإرسال فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي لیلی وهو ضعيف. (١) هو في ((الكبرى)) للنسائي برقم (١١٢١٦) مختصراً وليس فيه اللفظ المذكور. (٢) سلف برقم (٣٦٧٥). ٣٩٣ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ أبواب المبعث فيحتَمل أنَّه قال عن اجتهادٍ، ويحتمل أن يكون قوله: ((هو وجِبْريل)) يتعلَّق بمُّرافَقَتِه في السَّير لا في الرُّكوب. قال ابن دِحْية وغيره: معناه: وجِبْريل قائدٌ أو سائقٌ أو دليلٌ، قال: وإنَّما جَزَمنا بذلك لأنَّ قِصّة المِعِراج كانت كرامة للنبيِّ نَّمَ فلا مَدخَل لغيره فيها. قلت: ويَرُدّ التأويلَ المذكور أنَّ في ((صحيح ابن حِبّان)) من حديث ابن مسعود(١): أنَّ جِبْرِيل ◌َلَه على البُراق رَديفاً له، وفي رواية الحارث في ((مُسنَده)) (٢٢): أُتَيَ بالبُراق فَرَكِبَ خلف چېریل فسار بهما، فهذا صریح في رُکوبه معه، فالله أعلم. وأيضاً فإنَّ ظاهره أنَّ المِعِراج وَقَعَ للنبيِّ نَّهِ على ظَهر البُراق إلى أن صَعِدَ السَّماوات كلَّها، ووَصَلَ إلى ما وصَلَ ورَجَعَ وهو على حاله، وفيه نَظَر لمَا سأذكره، ولعلَّ حُذَيفة إنَّما أشارَ إلى ما وَقَعَ في ليلة الإسراء المجَرَّدة التي لم يقع فيها مِعراج/ على ما تقدَّم من تقرير ٢٠٨/٧ وقوع الإسراء مرَّتَيْنِ. قوله: ((فانطَلَقَ بي جِبْرِيل)) في رواية بَدْء الخلق (٣٢٠٧): ((فانطَلَقت مع جِبْيل))، ولا مُغايرةَ بينهما، بخلاف ما نَحا إليه بعضهم من أنَّ رواية بَدْء الخلق تُشعِر بأنَّه ما احتاجَ إلى جِبْريل في العُروج، بل كانا معاً بمَنزِلةٍ واحدة، لكن مُعظَم الرِّوايات جاء باللَّفظ الأوَّل، وفي حديث أبي ذرِّ في أوَّل الصلاة (٣٤٩): ((ثُمَّ أَخَذَ بَيَدي فعَرَجَ بي))، والذي يَظهَر أنَّ جِبْريل في تلك الحالة كان دليلاً له فيما قَصَدَ له، فلذلك جاء سياق الكلام يُشعِرِ بذلك. قوله: ((حتَّى أتى السماء الدُّنيا)) ظاهره أنَّه استَمرَّ على البُراق حتَّى عَرَجَ إلى السماء، وهو مُقْتَضَى كلام ابن أبي جَمْرة المذكور قريباً، وتَسّك به أيضاً مَن زَعَمَ أنَّ المِعراج كان في ليلة غيرِ ليلة الإسراء إلى بيت المقدِسِ، فأمَّا العُروج ففي غير هذه الرّواية من الأخبار: أنَّه لم (١) هذا ذهول من الحافظ رحمه الله، والصحيح أنه من حديث حذيفة، وهو عند ابن حبان في «صحيحه» برقم (٤٥)، وأخرجه أحمد في ((مسنده)) برقم (٢٣٢٨٥)، والترمذي برقم (٣١٤٧) ولم يقع عندهما اللفظ المذکور عند ابن حبان. ٣٩٤ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ فتح الباري بشرح البخاري یکن على البُراق بل رَقِيَ المِعراج، وهو السُّلَّم كما وَقَعَ مُصَّحاً به في حديث أبي سعيد عند ابن إسحاق والبيهقيّ في ((الدَّلائل)) (٣٩٠/٢ -٣٩٦) ولفظُه: «فإذا أنا بدايّةٍ كالبَغْلِ مُضطَرِب الأُذُنَينِ يقال له: البُراق، وكانت الأنبياء ترگبه قبلي، فرکِيتُه))، فذكر الحديث(١)، قال: ((ثُمَّ دَخَلت أنا وجِبْريل بيت المقدسِ فصَلَّیت، ثمَّ أُتیت بالمعراج))، وفي رواية ابن إسحاق: سمعت رسول الله ﴿﴿ يقول: ((لمَّا فَرَغت ممّا كان في بيت المقدسِ أَتيَ بالمعراج فلمْ أَرَ قَطُّ شيئاً كان أحسنَ منه، وهو الذي يَمُدّ إليه الميِّت عينَه إذا احتُضِرَ، فأصعَدني صاحبي فيه حتَّى انتَهَى بي إلى بابٍ من أبواب السماء)) الحديث. وفي رواية كعب: ((فُضِعَت له مرقاة من فِضّة ومرقاة من ذهب حتَّی عَرَجَ هو وچبریل»، وفي رواية لأبي سعيد في (شَرَف المصطَفَى)): أنَّه أُتيَ بالمِعِراج من جَنّة الفِرِدَوس، وأنَّ مُنَصَّد باللُّؤْلُؤِ وعن يمينه ملائکة وعن يساره ملائكة. وأمَّا المحتَجّ بالتعدُّدِ فلا حُجّة له لاحتمال أن يكون التقصير في ذِكر الإسراء من الراوي، وقد حَفِظَه ثابت عن أنس عن النبيّ وَّ قال: ((أُتيت بالبُراق - فَوَصَفَه قال -: فَرَكِبْتُهُ حتَّى أتيتُ بيتَ المقدِسِ، فَرَبَطَتُه بالحلْقة التي تَربط بها الأنبياء، ثمَّ دَخَلت المسجد فصَلَّيت فيه ركعتَينِ، ثمّ خَرَجت فجاءني جِبْيل بإناءَينِ - فذكر القِصّة قال -: ثُمّ عُرِجَ بي إلى السماء))(٢)، وحديث أبي سعيد دالٌّ على الاتّحاد، وقد تقدَّم شيء من هذا البحث في أوَّل الصلاة (٣٤٩). وقوله في رواية ثابت: ((فَرَبَطته بالحلْقة)) أنكَرَه حُذَيفة، فروى أحمد (٢٣٢٨٥) والتِّرمِذيّ (٣١٤٧) من حديث حُذَيفة قال: تُحدِّثونَ أنَّه رَبَطَه، أخافَ أن يَفِرّ منه وقد سَخَّرَه له عالم الغيب والشَّهادة؟! قال البيهقيُّ: المُثبَتُ مُقدَّم على النافي، يعني: مَن أثبَتَ رَبْطَ البُراقِ والصلاةَ في بيت المقدِسِ معه زيادةُ عِلم على نَفْي ذلك، فهو أوْلى بالقَبُول. ووَقَعَ في رواية بُرَيدة عند البزَّار (١) إسناده واهٍ. (٢) أخرجه أحمد (١٢٥٠٥)، ومسلم (١٦٢) (٢٥٩). ٣٩٥ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ أبواب المبعث (٤٣٩٨): لمَّا كان ليلةُ أُسريَ به فأتى جِبْريل الصخرة التي ببيتِ المقدِسِ، فَوَضَعَ إصبَعه فيها فخَرَقَها فشَدَّ بها البُراق، ونحوه للتِّرمِذيِّ (٣١٣٢). وأنكَرَ حُذَيفة أيضاً في هذا الحديث: أنَّه ◌َِّهِ صَلَّى في بيت المقدِسِ، واحتَجَّ بأنَّه لو صَلَّى فيه لكُتِبَ عليكم الصلاة فيه كما كُتِبَ عليكم الصلاة في البيت العتيق، والجواب عنه مَنع التلازُم في الصلاة إن كان أراد بقولِه: ((كُتِبَ عليكُم)): الفَرضَ، وإن أراد التشريع فَلْتَزِمِه، وقد شَرَعَ النبيّ ◌َِّ الصلاة في بيت المقدسِ، فَقَرَنَه بالمسجد الحرام ومسجده في شَدِّ الرِّحال، وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديث، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقيِّ (١): ((حتَّى أتيت بيت المقدسِ فأوثَقت دابَّتي بالخلقة التي كانت الأنبياء تَربط بها - وفيه - فدَخَلت أنا وجِبْريل بيت المقدسِ فصَلَّى كلّ واحد منّا ركعتَينٍ))، وفي رواية أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه(٢) نحوُه وزادَ: ((ثُمَّ دَخَلت المسجد فعَرَفت النبيّين من بين قائم وراكِعٍ وساجد، ثمَّ أُقيمت الصلاة فأَمتُهم))، وفي رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس عند ابن أبي حاتم(٣): ((فَلَم ألْبَثْ إلّا يسيراً حتَّى اجتمع ناس كثير، ثمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّن فأُقيمت الصلاة فقُمنا صُفوفاً نَنْتَظِرِ مَن يَؤُمُّنا، فأخَذَ بيدي جِبْریل فقَدَّمَني فصَلَّیت بهم))، وفي حديث ابن/ مسعود عند مسلم(٤): ((وحانت الصلاة فأتمتُهم))، وفي حديث ابن عبّاس عند ٢٠٩/٧ أحمد (٢٣٢٤): فلمَّا أتى النبيُّ وَّ المسجد الأقصى قامَ يُصلِّ، فإذا النبيّونَ أَجْمَعونَ يُصَلّونَ معه، وفي حديث عمر عند أحمد أيضاً (٢٦١): أنَّه لمَّا دَخَلَ بيت المقدسِ قال: أُصَلّي حيثُ صَلَّى رسول الله وَّةِ، فتقدَّم إلى القبلة فصَلَّ، وقد تقدَّم شيء من ذلك في الباب الذي قبله. قال عياض: يحتمل أن يكون صَلَّى بالأنبياءِ جميعاً في بيت المقدسِ، ثمَّ صَعِدَ منهم إلى (١) في ((الدلائل)) ٣٩٠/٢-٣٩١. (٢) أوردها ابن كثير في («تفسيره)) ٢٨/٥ وعزاها لابن عرفة في ((جزئه)) وقال: إِسناد غريب ولم يخرجوه. (٣) في ((تفسيره))، وإليه عزاه ابن كثير في ((تفسيره)) ١١/٥. (٤) برقم (١٧٢) ولكن من حديث أبي هريرة. ٣٩٦ فتح الباري بشرح البخاري السَّماوات مَن ذكر أنَّه ◌ِي ◌ِّورآه، ويحتمل أن تكون صَلاته بهم بعد أن هَبَطَ من السماء فهَبَطُوا أيضاً. وقال غيره: رُؤيَته إيّاهم في السماء محمولة على رُؤية أرواحهم إلّا عيسى لمَا ثَبَتَ أنَّه رُفِعَ بجسدِه، وقد قيل في إدريس أيضاً ذلك، وأمَّا الذين صَلَّوا معه في بيت المقدسِ فَيَحتمل الأرواح خاصّة، ويحتمل الأجساد بأرواحها، والأظهَر أنَّ صَلاته بهم ببيت المقدِسِ كان قبل العُروج، والله أعلم. قوله: ((السماء الدُّنيا)) في حديث أبي سعيد في ذِكْر الأنبياء عند البيهقيِّ(١): ((إلى باب من أبواب السماء يقال له باب الحَفَظة، وعليه مَلك يقال له إسماعيل، وتحت يده اثنا عشر ألف مَلك)). قوله: ((فاستَفْتَحَ)) تقدَّم القول فيه في أوَّل الصلاة (٣٤٩) وأنَّ قولهم: «أُرسِل إليه))؛ أي: للعُروجِ، وليس المراد أصل البَعث، لأنَّ ذلك كان قد اشتَهرَ في الملَكُوت الأعلى، وقيل: سألوا تَعَجُّباً من نِعمة الله عليه بذلك أو استبشاراً به، وقد عَلموا أنَّ بَشَراً لا يَتَرَقَّى هذا التَرَّي إلّا بإذنِ الله تعالى، وأنَّ جِبْيل لا يَصعَد بمَن لم يُرسَل إليه. وقوله: ((مَن معك)) يُشعِر بأَّهم أحَسّوا معه برَفيقٍ وإلّا لكان السُّؤال بلفظ: أمعَك أحدٌ؟ وذلك الإحساس إمّا بمُشاهدةٍ لكَونِ السماء شفّافة، وإمّا بأمرٍ معنويّ گزیادة أنوارٍ أو نحوها يُشعِرِ بتَجَدُّدِ أمرٍ يَحسُن معه السُّؤال بهذه الصّيغة. وفي قوله: ((محمَّدٌ)) دليل على أنَّ الاسم أوْلى في التعريف من الكُنية، وقيل: الحكمة في سؤال الملائكة: ((وقد بُعِثَ إليه؟)): أنَّ الله أراد إطلاع نبيّه على أنَّه معروف عند الملأ الأعلى لأنَّهم قالوا: ((أوَبُعِثَ إليه؟))، فدَلَّ على أنَّهم كانوا يَعرِفونَ أنَّ ذلك سيقعُ له، وإلّا لكانوا يقولون: ومَن محمد؟ مثلاً. قوله: ((مَرحَباً به)) أي: أصاب رَحَباً وسَعة، وكُنّيَ بذلك عن الانشِراح، واستَنْبَطَ منه ابن المنيِر جواز رَدّ السَّلام بغير لفظ السَّلام، وتُعقِّبَ بأنَّ قول الملَك: ((مَرحَباً به)) ليس رَدّاً للسَّلام فإنَّه كان قبل أن يَفتَح الباب والسّياق يُرشِد إليه، وقد نَبََّ على ذلك ابن أبي جَمْرة، (١) في ((الدلائل)) ٣٩٠/٢-٣٩١ بلفظ: وبين يديه سبعون ألف ملك ... ٣٩٧ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ أبواب المبعث ووَقَعَ هنا أنَّ جِبْريل قال له عند كلّ واحد منهم: ((سَلِّم عليه قال: فسَلَّمت عليه فَرَدَّ عليَّ السَّلام))، وفيه إشارة إلى أنَّه رآهم قبل ذلك. قوله: ((فنِعمَ المجيءُ جاء)) قيل: المخصوص بالمدح محذوف، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: جاء فنِعِمَ المجيءُ مجيتُه. وقال ابن مالك: في هذا الكلام شاهد على الاستغناء بالصِّلة عن الموصول أو الصِّفة عن الموصوف في باب نِعم، لأنَّها تحتاج إلى فاعل هو المجيء، وإلى مخصوص بمعناها وهو مُبْتَدَأْ مُخْبَرٍ عنه بنِعمَ وفاعلِها، فهو في هذا الكلام وشَبَهِه موصول أو موصوف بجاء، والتقدير: نِعمَ المجيءُ الذي جاء، أو: نِعمَ المجيءُ مَجَيءٌ جاءه، وكَونه موصولاً أجوَد لأنَّه مُخبِرٌ عنه، والمخبر عنه إذا كان معرفة أوْلى من كَونِهِ نَكِرة. قوله: ((فإذا فيها آدَم، فقال: هذا أبوك آدَم)) زاد في رواية أنس عن أبي ذرٍّ أوَّل الصلاة (٣٤٩) ذِكْر النَّسَم التي عن يمينه وعن شِماله، وتقدَّم القول فيه، وذكرت هناك احتمالاً أن يكون المراد بالنَّسَمِ: المرئيَّةُ لآدم هي التي لم تَدخُل الأجساد بعدُ. ثمَّ ظَهَرَ لي الآن احتمالٌ آخَر وهو أن يكون المراد بها: مَن خَرَجَت من الأجساد حين خروجها لأنَّهَا مُستَقِرّة، ولا يَلَزَم من رُؤية آدم لها وهو في السماء الدُّنيا أن يُفتَح لها أبواب السماء ولا تَلِجُها، وقد وَقَعَ في حديث أبي سعيد عند البيهقيِّ(١) ما يُؤْيِّده، ولفظه: ((فإذا أنا بآدم تُعرَض عليه أرواح ذُرِّيَّته المؤمِنِين فيقول: روح طيِّة ونفس طيِّة اجعَلوها في عِلِّيّين، ثمَّ تُعرَض عليه أرواح نُريَّته الفُجّار فيقول: روح/ خبيثة ونفس خبيثة، اجعلوها في سِجِین))، وفي حديث أبي ٢١٠/٧ هريرة عند البزار (٩٥١٨): ((فإذا عن یمینه باب يخرج منه ریح طيّة، وعن شماله باب يَخْرُج منه ريح خبيثة)) الحديث. فظَهَرَ من الحديثَيْنِ عَدَم اللُّزوم المذكور، وقولُه هذا أوْلى ممّاً جمع به القُرطُبيّ في ((المفهم)): أنَّ ذلك في حالة مخصوصة. قوله: ((بالابنِ الصالح والنبيّ الصالح)) قيل: اقتَصَرَ الأنبياء على وصفه بهذه الصِّفة وتَوارَدوا (١) في ((الدلائل» ٣٩٠/٢-٣٩٢. ٣٩٨ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ فتح الباري بشرح البخاري عليها، لأنَّ الصلاح صِفة تَشمَل خِلال الخير، ولذلك كرَّرَها كلّ منهم عند كلّ صِفة، والصالح: هو الذي يقوم بما يَلَزَمه من حقوق الله وحقوق العباد، فمِن ثَمَّ كانت كلمة جامعة لمَعاني الخير، وفي قول آدم: ((بالابنِ الصالح)) إشارة إلى افتخاره بأَبوَّة النبيّ ◌َێ، وسيأتي في التوحيد (٧٥١٧) بيان الحكمة في خُصوص منازل الأنبياء من السماء. قوله: ((ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتى السماء الثانية)) وفيه: ((فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة)). قال النَّوَويّ: قال ابن السِّكّيت: يقال ابنا خالة ولا يقال: ابنا عَمّة، ويقال: ابنا عَمّ ولا يقال: ابنا خالٍ. ولم يُبيِّن سبب ذلك، والسَّبَب فيه: أنَّ ابنَي الخالة أمُّ كلّ منهما خالةُ الآخر لُزوماً، بخلاف ابنَي العَمّة، وقد تَوافقت هذه الرِّواية مع رواية ثابت عن أنس عند مسلم (١٦٢/ ٢٥٩): أنَّ في الأَولى آدمَ، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم، وخالَفَ ذلك الزُّهْريُّ في روايته عن أنس عن أبي ذرِّ أنَّه لم يُثبِت أسماءَهم وقال فيه: ((وإبراهيم في السماء السادسة))(١)، ووَقَعَ في رواية شَرِيك(٢) عن أنس: أنَّ إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة، وسياقُه يدلّ على أنَّه لم يَضبط منازلهم أيضاً كما صَرَّحَ به الزُّهْريّ، ورواية مَن ضَبَطَ أوْلى ولا سيَّما مع اتّفاق قَتَادة وثابت، وقد وافقهما يزيد بن أبي مالك عن أنس، إلّا أنَّه خالَفَ في إدريس وهارون فقال: هارون في الرابعة، وإدريس في الخامسة، ووافقهم أبو سعيد إلّا أنَّ في روايته: ((يوسف في الثانية، وعيسى ويحبى في الثالثة))، والأوَّل أثبت. وقد استُشكِلَ رُؤية الأنبياء في السَّماوات مع أنَّ أجسادهم مُستَقِرّة في قُبُورهم بالأرضِ، وأُجيبَ بأنَّ أرواحهم تَشَكَّلَت بصُوَرِ أجسادهم أو أُحِضِرَت أجسادُهم لملاقاة النبيّ وَّ تلك اللَّيلة تشريفاً له وتَكريماً، ويُؤيِّده حديث عبد الرحمن بن هاشم عن أنس(٣) ففيه: ((وبُعِثَ له آدم فمَن دونَه من الأنبياء فأمَّهم»، وقد تقدَّمت الإشارة إليه في الباب الذي قبله. (١) رواية الزهري سلفت برقم (٣٣٤٢). (٢) ستأتي برقم (٧٥١٧). (٣) أخرجه البيهقي في ((الدلائل)) ٣٦١/٢-٣٦٢، وقد سلف تخريج هذه الرواية مراراً. ٣٩٩ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ أبواب المبعث قوله: ((فلمَّا خَلَصت إذا يوسُف)) زاد مسلم (١٦٢) في رواية ثابت عن أنس: «فإذا هو قد أُعطيَ شَطْرِ الحُسن))، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقيِّ وأبي هريرة عند ابن عائذ والطبرانيّ(١): ((فإذا أنا برجلٍ أحسنَ ما خَلَقَ الله، قد فضَلَ الناسَ بالْحُسنِ كالقمرِ ليلةَ البَدْر على سائر الكَواكِب)»، وهذا ظاهره أنَّ يوسف عليه السلام كان أحسن من جميع الناس، لكن روى الثِّرمِذيّ(٢) من حديث أنس: «ما بَعَثَ الله نبيّاً إلّا حَسَنَ الوَجْه حَسَنَ الصوت، وكان نبيّكم أحسَنَهم وجهاً وأحسنَهم صوتاً)؛ فعلى هذا فيُحمَل حديث المِعراج على أنَّ المراد غير النبيّ وَّهِ، ويُؤْيِّده قول مَن قال: إنَّ المتكلِّم لا يدخل في عُموم خِطابه، وأمَّا حديث الباب فقد ◌َلَه ابن المنيِّر على أنَّ المراد: أنَّ يوسف أُعطيَ شَطر الحُسن الذي أُوتِيَه نبيّنا وََّ، والله أعلم. وقد اختُلِفَ في الحكمة في اختصاص كلٌّ منهم بالسماءِ التي التَقاه بها، فقيل: لِيُظهِر تَفاضُلهم في الدَّرَجات، وقيل: لمناسبةٍ تتعلَّق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل: أُمِروا بمُلاقاته، فمنهم مَن أدرَكَه في أوَّل وَهْلَة، ومنهم مَن تأخّرَ فَلَحِقَ، ومنهم مَن فاتَه، وهذا زَيَّفَه السُّھیليّ فأصاب. وقيل: الحكمة في الاقتصار على هؤلاء المذكورين للإشارة إلى ما سيقعُ له ◌َّ مع قومه من نَظير ما وَقَعَ لكلِّ منهم، فأمَّا آدم فوَقَعَ التَّنبيه بما وَقَعَ له من الخروج من الجنَّة إلى الأرض بما سيقعُ للنبيِّ ◌َّهِ من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حَصَلَ لكلٍّ منهما من المشَقّة وكراهة فِراق ما أَلِفَه من الوَطَن، / ثمَّ كان مَالُ كلٍّ منهما أن يرجع إلى موطِنه الذي ٢١١/٧ أُخرِجَ منه، وبعيسى ويحيى على ما وَقَعَ له من أوَّل الهجرة من عداوة اليهود وتَادِیهم على البَغي عليه وإرادتهم وُصولَ السّوء إليه، وبيوسفَ على ما وَقَعَ له من إخوَته من قُریش في (١) البيهقي في ((الدلائل)) ٢/ ٣٩٠-٣٩٣، ولم نقف على حديث أبي هريرة في المطبوع من مصنفات الطبراني، وأخرجه البزار (٩٥١٨)، وإليه عزاه الهيثمي في ((المجمع)) ١/ ٧٣ وقال: رجاله موثقون إلا أن الربيع بن أنس قال: عن أبي العالية أو غيره، فتابعُّه مجهول. (٢) في ((الشمائل)) له (٣١٣) من قول قتادة، وليس من قول أنس، لكن أخرجه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) ١٥٦/١ -١٥٧ من طريق أخرى عن قتادة عن أنس، فجعله من قول أنس. وفي كلا الطريقين حسام بن مِصَكٌّ، قال عنه الحافظ: ضعيف يكاد أن يترك. ٤٠٠ باب ٤٢ / ح ٣٨٨٧ فتح الباري بشرح البخاري نَصْبهم الحربَ له وإرادَتهم هلاكَه وكانت العاقبة له، وقد أشارَ إلى ذلك بقولِه لقُرَيشٍ يومَ الفتح: ((أقول كما قال يوسف: لا تَثريب عليكُم)»(١)، وبإدريس على رَفِيع منزلتِه عند الله، وبهارون على أنَّ قومه رجعوا إلى مَحَبَّته بعد أن آذَوه، وبموسى على ما وَقَعَ له من مُعالَة قومه وقد أشارَ إلى ذلك بقوله: ((لقد أوذيَ موسى بأكثرَ من هذا فصَبَرَ))(٢)، وبإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور بها ◌ُخُتِمَ له وَّله في آخِرِ عُمره من إقامة مَنسَك الحجّ وتعظيم البيت. وهذه مُناسَبات لطيفة أبداها السُّهَيليّ فأوردتها مُنَقَّحة مُلخَّصة. وقد زاد ابن المنيِّر في ذلك أشياء أضرَبت عنها إذ أكثرُها في المفاضلة بين الأنبياء، والإشارة في هذا المقام عندي أوْلى من تَطويل العِبارة. وذكر في مُناسَبة لقاء إبراهيم في السماء السابعة مَعنّى لطيفاً زائداً، وهو ما اتُّفِقَ له وَلِهِ من دخول مَّة في السَّنة السابعة وطَوافه بالبيت، ولم يَتَّفَق له الوصول إليها بعد الهجرة قبل هذه، بل قَصَدَها في السّنة السادسة فصَدُّوه عن ذلك كما تقدَّم بسطُه في كتابة الشُّروط (٢٧٣١). قال ابن أبي جَمْرة: الحكمة في كَون آدم في السماء الدُّنيا لأنَّه أوَّل الأنبياء وأوَّل الآباء وهو الأصلُ، فكان أوَّلاً في الأُولَى، ولأجل تأنيس النُّبّة بالأُبوّة، وعيسى في الثانية لأنَّه أقرَب الأنبياء عَهداً من محمَّد ◌َّهِ، ويَليه يوسف لأنَّ أمّة محمَّد تَدخُل الجنَّة على صورته، وإدريسُ في الرابعة لقوله: ﴿وَرَفَعْتَهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، والرابعة من السَّبع وسَط مُعتَدِل، وهارون لقُربه من أخيه موسى، وموسى أرفَع منه لفضلٍ كلام الله، وإبراهيم لأنَّه الأب الأخير، فناسَبَ أن يَتَجَدَّد للنبِّوَلَ بِلُقيّه أُنْسٌ لِتَوَجُّهِه بعده إلى عالَمٍ آخَر، وأيضاً فمَنِزِلة الخليل تَقْتَضي أن تكون أرفَعَ المنازل، ومَنِزِلة الحبيب أرفَعُ من مَنِزِلَته، فلذلك ارتَفَعَ النبيّ وَلَّ عن مَنْزِلة إبراهيم إلى قابَ قَوسَينٍ أو أدنَی. قوله في قِصّة موسى: «فلمَّا تَجَاوَزتُ بَكَى، قيل له: ما يُبكيك؟ قال: أبكي لأنَّ غلاماً بُعِثَ (١) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (١١٢٣٤) من حديث أبي هريرة، وأصله في ((صحيح مسلم)) (١٧٨٠) دون القول المذكور. (٢) سلف برقم (٢١١).