Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
باب ٣٠ / ح ٣٨٥٧
أبواب المبعث
٣٠ - باب إسلام أبي بكرِ الصِّدِّيقِ ظـ
٣٨٥٧- حدَّثني عبدُ الله بنُ حَمّادٍ، قال: حدَّثني يحيى بنُ مَعِينٍ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ مُجالدٍ،
عن بيانٍ، عن وَبَرَةَ، عن هَّامِ بنِ الحارثِ قال: قال عَّارُ بنُ ياسِرٍ: رأيتُ رسولَ الله وَّهِ وما
معه إلَّ خمسةُ أَعْبُدٍ، وامرأتانِ وأبو بكرٍ.
قوله: ((باب إسلام أبي بكر الصِّدِّيق ◌ُ)) ذكر فيه حديث عَّار، وقد تقدَّم شرحه
(٣٦٦٠) في ((مناقب أبي بكر ع﴾))، وعبد الله شيخه قال ابن السَّكّن في روايته: ((حدَّثني
عبد الله بن محمد)) فَتَوهَّمَ أبو عليّ الجَيّانيّ أنَّه أراد المسنَديَّ فقال: لم يصنع شيئاً. قلت: وفي
كلامه نظرٌ، فقد وَقَعَ في تفسير التوبة (٤٦٦٥): حدَّثنا عبد الله بن محمد حدَّثنا يحيى بن
مَعِين، لكنَّ عُمدة الجَيّانيّ هنا: أنَّ أبا نصر الكَلَاباذيّ جَزَمَ بأنَّ عبد الله هنا هو ابن حمّاد
الآمُليّ، وكذا وَقَعَ في رواية أبي ذرِّ المَرَويِّ منسوباً، وهو عبد الله بن حَمَّاد، وهو من أقران
البخاريّ، بل هو أصغر منه، فلقد لَقِيَ البخاريُّ يحيى بنَ مَعِين ومَن(١) هو أقدَمُ من ابن
مَعِين، وبيانُ: هو ابن بِشْر، ووَبَرة بفتح الواو والموحّدة.
واكتَفَى بهذا الحديث لأنَّه لم يَجِد شيئاً على شرطه غيره، وفيه دلالة على قِدَم إسلام أبي
بكر إذا لم يكن يَذْكُر عَّار أنَّه رأى مع النبيّ ◌َِّ من الرِّجال غيرَه، وقد اتَّفَقَ الجمهور على
أنَّ أبا بكر أوَّلُ مَن أسلَمَ من الرِّجال، وذكر ابن إسحاق: أنَّه كان يَتَحقَّق أنَّه سيُبعَث، لمَا
كان يَسمَعِه ويَرَى من أدلّة ذلك، فلمَّا دَعاه بادَرَ إلى تصديقه من أوَّل وَهْلَةٍ.
تنبيه: كان حَقّ هذا الباب أن يكون مُتَقدِّماً جدّاً، إمّا في ((باب المبعَث)) أو عَقِبه، لكن
وجهه هنا ما وَقَعَ في حديث عَمْرو بن العاص (٣٨٥٦) الذي قبله أنَّه قامَ بنَصْرِ النبيّ ◌َِلـ
وتلا الآية المذكورة، فدَلَّ ذلك على أنَّ إسلامه مُتَقَدِّم على غيره، بحيثُ إنَّ عَّاراً مع تَقَدُّم
إسلامه لم يَرَ مع النبيِّ وَّهِ غيرَ أبي بكر وبلال، وعَنَى بذلك الرِّجالَ، وبلال إنَّما اشتَراه أبو
بكر ليُنقِذَه من تعذيب المشركين لگونه أسلم.
(١) لفظة ((مَن)) سقطت من (س).

٣٢٢
باب ٣١-٣٢ / ح ٣٨٥٨ -٣٨٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
٣١ - باب إسلام سعد بن أبي وقّاصٍ ◌َُ
٣٨٥٨- حدَّثني إسحاقُ، أخبرنا أبو أسامةَ، حدَّثنا هاشمٌ، قال: سمعتُ سعيدَ بنَ
المسيّبٍ، قال: سمعتُ أبا إسحاقَ سعدَ بنَ أبي وَقّاصٍ يقول: ما أسلَمَ أحدٌ إلا في اليومِ الذي
أسلَمتُ فيه، ولقد مَكُنتُ سَبعةً أيامٍ وإنّ لَثُلُثُ الإسلامِ.
قوله: ((باب إسلام سعد)) ذكر فيه حديثه، وقد تقدَّم شرحه في مناقبه مُستَوفَّى (٣٧٢٦)،
ومُناسبته لما قبله، واجتماعُهما في أنَّ كلّ منهما يقتضى سَبْق مَن ذُكِرَ فيه إلى الإسلام خاصّة،
لكنَّه محمول على ما الطَّلَعَ عليه كلّ منهما (١)، وإلّا فقد أسلَمَ قبلَ إسلام بلال وسعد خديجةٌ
وزيدُ بن حارثة وعليّ بن أبي طالب وغيرُهم.
٣٢- باب ذِكْر الجِنِّ
وقولِ الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِ﴾ [الجن: ١]
٣٨٥٩- حذَّثني عبيدُ الله بن سعيد، حدَّثنا أبو أسامة، حدَّثنا مِسعَرٌ، عن مَعْن بنِ
عبد الرَّحمنِ، قال: سمعتُ أبي قال: سألتُ مَسْروقاً: مَن آذَنَ النبيَّ ◌َّهِ بالجِنِّ ليلةَ استَمَعوا
القرآنَ؟ فقال: حدَّثني أَبوك - يعني عبدَ الله - أنه آذَنَتْ بهم شجرةٌ.
٣٨٦٠- حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا عَمرُو بن يحيى بنِ سعيدٍ قال: أخبرني جدِّي،
عن أبي هُريرةَ : أنه كان يحملُ مع النبيِّ وَّهِ إداوةً لوَضُوئِهِ وحاجتِهِ، فبينما هو يَنْبَعُه بها فقال:
(مَنْ هذا؟)) فقال: أنا أبو هريرةَ، فقال: ((أَبَغِنِي أحجاراً أَسْتَنِفِضُ بها ولا تَأْتِي بعَظم ولا برَوْنَةٍ)»
فأتيتُهُ بأحجارٍ أحملُها في طَرَفِ ثوبي حتى وضعتُها إلى جَنْبه، ثم انصرفتُ حتى إذا فَرِغَ مَشيتُ
فقلت: ما بالُ العَظِم والرَّؤْثَةِ؟ قال: ((هُما من طعامِ الجِنِّ، وإنه أَتَاني وَفِدُ جِنِّ نَصِيِينَ، ونِعْمَ
الجُّ، فسأَلوني الزادَ، فدَعوتُ الله لهم أن لا يمرُّوا بعَظْمِ ولا برَوْثَة إلّا وَجَدوا عليها طعاماً)).
قوله: ((باب ذِكْر الجِنّ)) تقدَّم الكلام على الجنِّ في أوائل بَدْء الخلق(٢) بما يُغني عن إعادته.
١٧١/٧
(١) قوله: ((كلٌّ منهما)) سقط من (س).
(٢) في باب (١٢) ذكر الجن.

٣٢٣
باب ٣٢ / ح ٣٨٥٩ - ٣٨٦٠
أبواب المبعث
قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِ﴾ الآيةَ)) یرید تفسیر هذه
الآية، وقد أنكَرَ ابن عبّاس أنَّهم اجتَمَعوا بالنبيِّ وَِّ كما تقدَّم في الصلاة (١) من طريق أبي بشرٍ
عن سعيد بن جُبَير عن ابن عبّاس قال: ما قرأ النبيُّ وَّهِ على الجِنّ ولا رآهم، الحديث.
وحديثُ أبي هريرة في هذا الباب وإن كان ظاهراً في اجتماع النبيّ وَِّ بالجِنِّ وحديثِه
معهم، لكنَّه ليس فيه أنَّه قرأ عليهم (٢)، ولا أنَّهم الجِنُّ الذين استَمَعوا القرآن، لأنَّ في
حديث أبي هريرة: أنَّه كان مع النبيّ ◌َّه لِيلَئذٍ، وأبو هريرة إِنَّمَا قَدِمَ على النبيّ وَّهِ فِي السَّنة
السابعة المدينةَ، وقِصّة استماع الجِنّ للقرآن كان بمگّة قبل الهجرة، وحديث ابن عبّاس
صريح في ذلك، فيُجمَعُ بين ما نَفاه وما أثبَتَه غيره بتعدُّدٍ وُفود الجِنّ على النبيّ ◌َِّ، فأمَّا ما
وَقَعَ في مَكَّة، فكان لاستماع القرآن، والرُّجوع إلى قومهم مُنذِرين كما وَقَعَ في القرآن، وأمَّا
في المدينة، فللسُّؤال عن الأحكام، وذلك بَيِّنٌّ في الحديثَينِ المذكورَينِ، ويحتمل أن يكون
القدوم الثاني كان أيضاً بمكّة، وهو الذي يدلّ عليه حديث ابن مسعود كما سنذكُرُه، وأمَّا
حديث أبي هريرة، فليس فيه تصريح بأنَّ ذلك وَقَعَ بالمدينة، ويحتمل تعدُّد القدوم بمكّة
مرَّتَينٍ وبالمدينة أيضاً.
قال البيهقيُّ: حديث ابن عبّاس حَكَى ما وَقَعَ في أوَّل الأمر عندَما عَلِمَ الجنُّ بحاله ◌َِّ
وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم، ولم يَرَهم، ثمَّ أتاه داعي الجِنّ مَرّة أُخرى، فذهب معه وقرأ
عليهم القرآن كما حكاه عبد الله بن مسعود. انتَهَى، وأشارَ بذلك إلى ما أخرجه أحمد(٣) والحاكم
(١) برقم (٧٧٣) وليس فيه قول ابن عباس: ما قرأ النبي ◌َّ ... إلى آخره، وهو عند أحمد في ((مسنده)) برقم
(٢٢٧١)، ومسلم (٤٤٩)، والترمذي (٣٣٢٣)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٥٦١) من الطريق
المذكورة عن ابن عباس، وقول ابن عباس هذا عزاه الحافظ عند شرحه للحدیث (٤٩٢١) لأبي نعيم في
((المستخرج)) ولمسلم وقال: وكأن البخاري حذف هذه اللفظة عمداً لأن ابن مسعود أثبت أنَّ النبي ◌َّ
قرأ على الجن، فكان ذلك مقدَّماً على نفي ابن عباس.
(٢) جاء على هامش (أ): لعلّه: عاينهم.
(٣) لم نقف عليه في ((مسنده))، ولم يعزه له الحافظ نفسه في ((أتحاف المهرة)) ولا في ((أطراف المسند))، وأخرجه
البزار في «مسنده» (١٨٤٦)، وأبو نعيم ٢٩٦/١، والبيهقي ٢٢٨/٢ كلاهما في ((الدلائل))، وعندهم
جميعاً أن عدد الجن كان سبعة، لا تسعة كما وقع في الأصلين و(س).

٣٢٤
باب ٣٢ / ح ٣٨٥٩ - ٣٨٦٠
فتح الباري بشرح البخاري
(٢/ ٤٥٦) من طريق زِرّ بن حُبَيشٍ عن عبد الله بن مسعود، قال: هَبَطوا على النبيّ نَّه وهو
يقرأ القرآن ببطنٍ نَخْلةَ، فلمَّا سمعوه قالوا: أنصِتوا، وكانوا تسعةً أحدهم زَوبَعة، قلت: وهذا
یوافق حدیث ابن عبّاس.
وأخرج مسلم (٤٥٠/ ١٥٠) من طريق داود بن أبي هِند، عن الشَّعْبِيِّ، عن عَلقَمة، قال:
١٧٢/٧ قلت لعبدِ الله بن مسعود: هل صَحِبَ أحد منكم رسول الله وَ ل﴿ ليلةَ الجِنّ؟ قال: لا،/ ولكنّا
فَقَدناه ذاتَ ليلةٍ، فقلنا: اغتِيلَ، استُطِيرَ، فِتْنَا شَرَّ ليلة، فلمَّا كان عند السَّحَر، إذا نحنُ به
يجيء من قِبَل حِراء، فذكرنا له، فقال: ((أتاني داعيَ الجِنّ، فأتيتُهم، فقرأتُ عليهم)، فانطَلَقَ
فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.
وقول ابن مسعود في هذا الحديث: إنَّه لم يكن مع النبيّ وَّهِ، أصحّ ممّا رواه الزُّهْريُّ:
أخبرني أبو عثمان بن سَنَّةُ(١) الْخُزَاعِيّ: أنَّه سمعَ ابن مسعود يقول: إنَّ رسول الله وَ لفيه قال
لأصحابه وهو بمكّة: ((مَن أحَبَّ منكم أن يَحِضُرَ اللَّيلة أمرَ الجِنّ، فليَفعَل)) قال: فلم يَضُر
منهم أحد غيري، فلمَّا كنَّا بأعلى مكَّة خَطَّ لي برِجلِه خَطّاً، ثمَّ أمَرَني أن أجلِسَ فیه، ثمَّ
انطَلَق، ثمَّ قرأ القرآن، فغَشيته أسوِدةٌ كثيرةٌ حالَت بيني وبينه حتَّى ما أسمَعَ صوتَه، ثمَّ
انطَلَقوا وفَرَغَ منهم مع الفجر فانطَلَقَ، الحديث(٢)، قال البيهقيُّ: يحتمل أن يكون قوله في
((الصحيح)): ما صَحِبَه منّا أحد: أراد به في حال إقرائه القرآنَ لكن قوله في ((الصحيح)):
إنَّهم فقَدوه، يدلّ على أنَّهم لم يعلموا بخروجِهِ، إلّا أن يُحمَل على أنَّ الذي فقَدَه غير الذي
خرج معه، فالله أعلم.
ولِرواية الزُّهْريِّ مُتابع من طريق موسى بن عُلِيٍّ بن رَبَاح عن أبيه عن ابن مسعود قال:
اسْتَبَعَنِي النبيّ ◌َِّ، فقال: ((إنَّ نَفَراً من الجِنّ خمسةَ عشرَ بني إخوة وبني عَمِّ يأتونَني
اللَّيلَةَ، فأقرأُ عليهم القرآن)) فانطَلَقت معه إلى المكان الذي أراد، فخَطَّ لي خَطّاً؛ فذكر
(١) في (س) و(ع): ((شيبة)) وهو تحريف.
(٢) أخرجه الحاكم ٥٠٣/٢ -٥٠٤، والفاكهي في ((أخبار مكة)) ٢٠/٤، وأبو نعيم ٣٠٣/١، والبيهقي
٢٣٠/٢، كلاهما في ((الدلائل))، من طرق عن ابن شهاب به.

٣٢٥
باب ٣٢ / ح ٣٨٥٩ - ٣٨٦٠
أبواب المبعث
الحديث نحوَه، أخرجه الدّارَقُطنيُّ وابن مَرْدويه، وغيرهما (١)، وأخرج ابن مَرْدويه من
طريق أبي الجَوْزاء عن ابن مسعود نحوَه، مختصراً(٢).
وذكر ابن إسحاق: أنَّ استماع الجِنّ كان بعد رجوع النبيّ وَّر من الطائف لمَّا خرج
إليها يَدعُو ثَقيفاً إلى نَصْره، وذلك بعد موت أبي طالب، وكان ذلك في سنة عشرٍ من
المبعَث، كما جَزَمَ ابن سعد (٢١١/١): بأنَّ خروجه إلى الطائف كان في شوّال، وسوق
عُكاظ التي أشارَ إليها ابن عبّاس كانت تُقَام في ذي القَعْدة.
وقول ابن عبّاس في حديثه (٧٧٣): ((وهو يُصلِّيّ بأصحابه)) لم يَضِط ممَّن كان معه في
تلك السَّفرة غيرَ زيد بن حارثة، فلعلَّ بعض الصحابة تَلَقّاه لمَّا رَجَعَ، والله أعلم.
وقول مَن قال: إنَّ وُفود الجِنّ كان بعد رجوعه وَ لّ من الطائف ليس صريحاً في أوَّلِيَّة
قُدوم بعضهم، والذي يَظهَر من سياق الحديث الذي فيه المبالَغة في رَمي الشُّهب لِراسة
السماء من استراق الجِنِّ السَّمعَ(٣)، دالٌّ على أنَّ ذلك كان قبل المبعَث النَّبويّ وإنزالِ الوحي
إلى الأرض، فكَشَفوا ذلك إلى أن وقَفوا على السَّبَب، ولذلك لم يُقيِّد الترجمة بقدومٍ ولا
وِفادة، ثمَّ لمَّ انتَشَرَت الدَّعوة، وأسلَمَ مَن أسلَم، قَدِموا، فسمعوا فأسلموا، وكان ذلك
بين الهجرتَينِ، ثمَّ تَعَدَّدَ مَيتُهم حتَّى في المدينة.
قوله: ((حدَّثني عُبيد الله بن سعيد)) هو أبو قُدَامةَ السَّرَخْسِيّ، وهو بالتصغير، مشهور
بكُنْيته، وفي طبقته عَبدُ الله بن سعيد مُكبَر، وهو أبو سعيد الأشجّ.
قوله: ((عن مَعْن بن عبد الرحمن)) أي: ابن عبد الله بن مسعود، وهو كوفيّ ثقة، ما له في
البخاريّ إلّا هذا الموضع.
قوله: ((مَن آذَنَ)) بالمدِّ، أي: أعلَمَ.
(١) لم نقف عليه في المطبوع من مصنفات الدارقطني، وأخرجه من الطريق المذكورة الطبراني في ((الأوسط))
(٨٩٩٥)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٢٣١/٢.
(٢) وأخرجه البيهقي في ((الدلائل)) ٢٣١/٢ -٢٣٢.
(٣) سلف برقم (٧٧٣)، وسيأتي برقم (٤٩٢١)، وأخرجه مسلم برقم (٤٤٩).

٣٢٦
باب ٣٣ / ح ٣٨٦١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((أنَّه آذَنَت بهم شَجَرة)) في رواية إسحاق بن راهويه في ((مُسنَده)) عن أبي أُسامة،
بهذا الإسناد: ((آذَنَت بهم سَمُرة))(١) بفتح المهمَلة وضمّ الميم.
قوله في حديث أبي هريرة: ((أخبَرني جَدّي)) هو سعيد بن عَمْرو بن سعيد بن العاص.
قوله: ((ابغِني)) قال ابن التِّين: هو موصول من الثَّلاثيّ، تقول: بَغَيت الشَّيء: طَلبتُه،
وأبغَيْتُك الشَّيء: أعَنتُك على طلبه.
قوله: ((أحجاراً أستَنِفِض بها)) تقدَّم شرح ذلك في كتاب الطَّهارة (١٥٥).
قوله: ((وإِنَّه أتاني وفد جِنّ نَصِيبينَ)) يحتمل أن يكون خَبَراً عمَّا وَقَعَ في تلك اللَّيلة،
ويحتمل أن يكون خَبَراً عمَّا مَضَى قبل ذلك.
و ((نَصيبين)): بَلدة مشهورة بالجزيرة، ووَقَعَ في كلام ابن التِّين: أنَّها بالشّام وفيه تَجُّز،
فإنَّ الجزيرة بين الشّام والعراق، ويجوز صرف نَصیبین وتَركُه.
قوله: ((فسألوني الزّاد)) أي: ممّا يَفضُل عن الإنس، وقد يتعلَّق به مَن يقول: إنَّ الأشياء
قبلَ الشَّرع على الحظر حتَّى تَرِد الإباحة، ويُجاب عنه بمَنع الدَّلالة على ذلك، بل لا حُكم
قبلَ الشَّرع على الصحيح.
١٧٣/٧
قوله: ((فَدَعَوتُ الله لهم أن لا يَمُرّوا بعَظْمِ، ولا رَوْثة، إلّا وَجَدوا عليها طُعما)) في رواية
السَّرَخْسيّ: ((إلّا وجدوا عليها طعاماً)، قال ابن التِّين: يحتمل أن يَجعَل الله ذلك عليها،
ويحتمل أن يُذِيقَهم منها طعاماً. وفي حديث ابن مسعود عند مسلم (٤٥٠): أنَّ البَعر زادُ
دَوابِهم، ولا يُنافي ذلك حديث الباب، لإمكان حمل الطَّعام فيه على طعام الدَّوابّ.
٣٣- باب إسلام أبي ذرٍ ﴾
٣٨٦١- حدَّثَنِي عَمْرو بنُ عَبَّاسٍ، حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهديٍّ، حدَّثنا المثنَّى، عن أبي جَمْرةَ،
عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: لمَّا بَلَغَ أبا ذرٍّ مَبعَثُ النبيِّ وَّ قال لأخيه: اركَبْ إلى هذا
(١) ورواه عن إسحاق أبو العباس السّرّاج في ((مسنده)) (١٠٦)، وأخرجه بهذا اللفظ أيضاً من رواية أبي
أسامة أبو نعيم في ((المستخرج على صحيح مسلم)) (٩٩٩). والسَّمُرة: شجرة من أشجار الطَّلح.

٣٢٧
باب ٣٣ / ح ٣٨٦١
أبواب المبعث
الوادي، فاعلَمْ لي عِلمَ هذا الرجلِ الذي يَزْعُمُ أَنَّه نبيٌّ يأتيه الخَبرُ مِن السماءِ، واسمَع من قولِه، ثمَّ
ائِي، فانطَلَقَ الأخُ حتَّى قَدِمَه وسمعَ من قولِه، ثمَّ رَجَعَ إلى أبي ذرٍّ، فقال له: رأيتُه يأمرُ بمكارمِ
الأخلاق، وكلاماً ما هو بالشِّعرِ، فقال: ما شَفَيَتَتَي ثمّ أردتُ، فتزوَّدَ وَلَ شَنَّةً له فيها ماءٌ، حتَّى قَدِمَ
مكَّةَ فأتى المسجدَ، فالتَمَسَ النبيَّ وَِّ ولا يَعرِفُه، وكَرِهَ أن يسألَ عنه حتَّى أدرَكَه بعضُ اللَيلِ، فرآه
عليٌّ فِعَرَفَ أَنَّه غريبٌ، فلمَّا رآه تَبِعَه فلم يسأل واحدٌ منهما صاحبه عن شيءٍ، حتَّى أصبَحَ.
ثُمَّ احْتَمَلَ قِرِبَتَه وزادَه إلى المسجدِ، وظَلَّ ذلك اليومَ ولا يراه النبيُّ ◌َّهِ حَتَّى أمسَى، فعادَ إلى
مَضجَعِه، فمَّ به عليٌّ فقال: أما نالَ للرجلِ أن يَعلَمَ مَنزِلَه؟ فأقامَه، فَذَهب به معه لا يسألُ واحدٌ
منهما صاحبه عن شيءٍ، حتَّى إذا كان يومُ الثالثِ، فعادَ عليٌّ على مثلِ ذلكَ، فأقامَ معه ثمَّ قال: ألا
تُحدِّثُني ما الذي أقدَمَكَ؟ قال: إن أعطَيتَني عَهداً وميثاقاً لِتُرْشِدَتَّني فعَلتُ، فَفَعَلَ فَأَخَرُتُّه قال:
فإِنَّه حَقِّ وهو رسولُ اللهِ وَّةِ، فإذا أصبحتَ فاتبَعني، فإِنّي إن رأيتُ شيئاً أخافُ عليكَ قُمتُ كآِّي
أُرِيقُ الماءَ، فإن مَضَيتُ فاتبَعني حتَّى تَدخُلَ مَدَ خَلِي، فَفَعَلَ فانطَلَقَ يَقْفُوه حتَّى دَخَلَ على النبيِّ ◌َِّه
ودَخَلَ معه فسمعَ من قولِه وأسلَمَ مكانه، فقال له النبيُّ ◌ََّ: ((ارجِعْ إلى قومِكَ، فأخبِرْهم حتَّى
يأتيَكَ أمري)) قال: والذي نفسي بيده لأصرُ خَنَّ بها بين ظَهرانَيْهِم، فخَرَجَ حتَّى أتى المسجدَ، فنادَى
بأعلى صوته: أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله، ثمَّ قامَ القومُ فضَرَ بوه حتَّى أَوْجَعُوهُ،
وأتى العبَّاسُ فأكَبَّ عليه قال: وَيلَكم، ألستُمْ تَعلَمونَ أنَّه من غِفارَ؟ وأنَّ طريقَ تِجَارِكُم إلى
الشَّام، فأنقَذَه منهم، ثمَّ عادَ مِن الغَدِ لمثلِها فضَرَبوه وثارُوا إليه، فأكَبَّ العبَّاسُ عليه.
قوله: ((باب إسلام أبي ذرِّ الغِفاريِّ) هو جُندُبٌ - وقيل: بُرَير - بن جُنَادة - بضمِّ الجيم
والنُّون الخفيفة - بن سفيان - وقيل: صُعَير - بن عُبيد بن حَرام - بالمهمَلَتَينِ - بن غِفار،
وغِفار من بنى كِنانة.
قوله: ((حدَّثنا المثنَّى)) هو ابن سعيد الضُّبَعَيّ، له في البخاريّ حديثان: هذا وآخر تقدَّم
في ذِكْر بني إسرائيل(١)، وأبو جَمْرة هو بالجيم، نَصْر بن/ عِمران.
١٧٤/٧
(١) لم نقف عليه في الموضع المذكور، وإنما سلف حديثه في ((باب قصة زمزم)) الحديث (٣٥٢٢).

٣٢٨
باب ٣٣ / ح ٣٨٦١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((إنَّ أبا ذرّ قال لأخيه)) هو أُنیس.
قوله: ((اركَب إلى هذا الوادي)) أي: وادي مكَّة، وفي أوَّل رواية أبي قُتَيبة الماضية في
مناقب قُرَيش (٣٥٢٢): قال لنا ابن عبّاس: ألا أُخبركم بإسلام أبي ذرٍّ؟ قال: قلنا: بَلَى.
قال: قال أبو ذَرّ: كنت رجلاً من غِفار، وهذا السّياق يقتضي أنَّ ابن عبّاس تَلَقّاه من أبي
ذرِّ.
وقد أخرج مسلم (٢٤٧٣) قِصّة إسلام أبي ذرٍّ من طريق عبد الله بن الصّامت
عنه، وفيها مُغايرة كثيرة لسياق ابن عبّاس، ولكنَّ الجمع بينهما ◌ُمكِن، وأوَّل حديثه:
خَرَجْنا من قومنا ◌ِفار، وكانوا يُحِلُّونَ الشَّهر الحرام، فخرجت أنا وأخي أُنيس
وأُمُّنا، فنزلنا على خالٍ لنا، فحَسَدَنا قومُه، فقالوا له: إنَّك إذا خرجتَ عن أهلك،
خالَفَ إليهم أُنيس، فذكر لنا ذلك، فقلنا له: أمَّا ما مَضَى من معروفك، فقد كَدَّرتَه،
فاحتَمَلْنا عليها، وجَلَسَ يبكي، فانطَلَقنا نحو مَّة، فنافَرَ أخي أُنيس رجلاً إلى
الكاهن، فخَيَّرَ أُنيساً، فأتانا بصِر مَتِنا ومثلِها معها، قال: وقد صَلَّتُ يا ابنَ أخي قبلَ
أن ألقَى رسولَ الله ◌ِوَ ◌ّهِ بثلاثِ سنين، قلت: لمن؟ قال: لله، قلت: فأين تَوَجَّهُ؟ قال:
حيثُ يوجِّهني ربّ. قال: فقال لي أُنْيس: إنَّ لي حاجةً بمكَّة، فانطَلَق، ثمَّ جاء فقلت:
ما صَنَعتَ؟ قال: لَقِيتُ رجلاً بمكَّة على دينك، يَزعُم أنَّ الله أرسَلَه، قلت: فما يقول
الناس؟ قال: يقولون: شاعرٌ، كاهنٌ، ساحرٌ، وكان أُنيس شاعراً، فقال: لقد سمعت
كلام الكَهَنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعتُ قوله على أقراء الشِّعر، فما يَلتَئِم عليها،
والله إنَّه لَصادِقٌ.
قلت: وهذا الفَصْلُ الظّاهر مُغاير لقولِه في حديث الباب: ((إنَّ أبا ذرِّ قال لأخيه: ما
شَفَيْتَني))، ويُمكِن الجمع بأنَّه كان أراد منه أن يأتيَه بتفاصيلَ من كلامه وأخباره، فلم يأتِه
إلّا بِمُجمَلٍ.
قوله: ((فانطَلَقَ الأخُ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فانطَلَقَ الآخَر)»، أي: أنيس، قال عياض:

٣٢٩
باب ٣٣ / ح ٣٨٦١
أبواب المبعث
وَقَعَ عند بعضهم: ((فانطَلَقَ الأخُ الآخَرُ))، والصواب الاقتصار على أحدهما، لأنَّه لا يُعرَف
لأبي ذرٍّ إلّا أخٌ واحدٌ، وهو أُنيس.
قلت: وعند مسلم (٢٤٧٤) من طريق عبد الرحمن بن مَهديّ - أي: عن المثنَّى -: ((فانطَلَقَ
الآخر)) حَسْبُ.
قوله: ((حتَّى قَدِمَه)) أي: الوادي، وادي مكَّة، وفي رواية ابن مَهديّ: فانطَلَقَ الآخَر حتَّى
قَدِمَ مگَّة.
قوله: ((رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاماً ما هو بالشِّعر)) كذا في هذه الرِّواية، ووافقها
عبد الرحمن بن مَهديّ عند مسلم، وقوله: ((وكلاماً)) منصوب بالعَطف على الضَّمير المنصوب،
وفيه إشكال، لأنَّ الكلام لا يُرَى. وُجاب عنه: بأنَّه من قبيل:
عَلَفتُها تِبْناً وماءً بارداً
وفيه الوجهان: الإضمار؛ أي: وسَقَيتُها، أو ضَمَّنَ العَلَف معنى الإعطاء، وهنا يُمكِن أن
يقال: التقدير رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وسمعتُه يقول كلاماً ما هو بالشِّعر، أو ضَمَّنَ
الرُّؤية معنى الأخذِ عنه.
ووَقَعَ في رواية أبي قُتَيبة (٣٥٢٢): ((رأيته يأمر بالخيرِ، ويَنْهَى عن الشّ))، ولا إشكالَ فيها.
قوله: ((وكَرِهَ أن يسأل عَنه)) لأنَّه عَرَفَ أنَّ قومه يُؤذونَ مَن يَقصِده، أو يُؤذونَه بسبب
قَصْدِ مَن يَقصِدُه، أو لكراهَتِهِم في ظُهور أمره لا يَدُلُّونَ مَن يسأل عنه عليه، أو يَمنَعونَه من
الاجتماع به، أو تَخْدَعونَه حتَّى يُرجِع عنه.
قوله: ((فرآه عليّ بن أبي طالب)) وهذا يدلُّ على أنَّ قصّة أبي ذرٍّ وَقَعَت بعد المبعَث بأكثر
من سنتَينِ، بحيثُ يَتَهَيَّا لعليٍّ أن يَستَقِلَّ بِمُخاطَبة الغريب ويُضَيِّفَه، فإنَّ الأصحّ في سِنّ عليّ
حين المبعَث كان عشر سنين، وقيل: أقلّ من ذلك، وهذا الخبر يقوِّي القول الصحيح في
سِنِّه.
قوله: ((فَعَرَفَ أَنَّه غريب)) في رواية أبي قُتَيبة: فقال: كأنَّ الرجلَ غريبٌ؟ قلت: نعم.

٣٣٠
باب ٣٣ / ح ٣٨٦١
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((فلمَّا رآه تَبِعَه)) في رواية أبي قُتَيبة: قال: فانطَلِقٍ إلى المنزل، فانطلقتُ معه.
قوله: ((أمَا نالَ للرجلِ)) أي: أمَا حانَ، يقال: نالَ له، بمعنى: آنَ له، ويُروَى: ((أما آنَ)(١)
بمَدِّ الهمزة و((أَنَى))(٢) بالقصر ويفتح النُّون، وكلُّها بمَعنّى، وقد تقدَّم في قِصّة الهجرة في
قول أبي بكر الصِّدِّيق: ((أما آنَ للَّحيلِ))(٣) مثله.
وقوله: ((أن يَعلَم مَنزِله)) أي: مَقصِده، ويحتمل أن يكون عليٌّ أشارَ بذلك إلى دَعَوته إلى
١٧٥/٧ بيته لضيافَتِه ثانياً، وتكون/ إضافة المنزِل إليه مَجَازَّة، لكَونِه قد نزلَ به مَرّة، ويُؤْيِّد الأوَّل
قول أبي ذرِّ في جوابه: ((قلت: لا)) كما في رواية أبي قُتَيبة.
قوله: ((يومُ الثالثِ)) كذا فيه، وهو كقولهم: مسجدُ الجامع، وليس من إضافة الشَّيء إلى
نفسِه عند التَّحقيق.
قوله: ((فعادَ عليٍّ على مثل ذلكَ)) في رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فغدا على مثل ذلك))، وفي رواية
أبي قُتَية: فقال: فانطَلِقِ مَعي.
قوله: ((لَتُرْشِدَنَّني)) كذا للأكثر بنونَينِ، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: بواحدةٍ مُدغَمة.
قوله: ((فأخبَرَته)) كذا للأكثر، وفيه التِفات، وفي رواية الكُشْمِيهنيّ: ((فأخبَرَه)) على نَسَق
ما تقدَّم .
قوله: ((قُمت كأنّي أُريق الماء)» في رواية أبي قُتَيبة (٣٥٢٢): كأنِّي أُصلِحِ نَعلي، ويُحمَل
على أنَّه قالهما جميعاً.
قوله: «فانطَلَقَ يَقْفُوه» أي: يَتْبَعه.
قوله: ((ودَخَلَ منه)) قال الدّاووديّ: فيه الدُّخول بدخول المتقدِّم، وكأنَّ هذا قبل آية
الاستئذان، وتَعقَّبَه ابن التِّين، فقال: لا تُؤخَذ الأحكام من مثل هذا.
(١) أخرجها الطبراني في ((الكبير)) (١٢٩٥٩)، والحاكم في ((المستدرك)) ٣٣٨/٣.
(٢) هي عند مسلم برقم (٢٤٧٤) بلفظ: ما أنى للرجل.
(٣) كذا وقع هنا، والذي سلف برقم (٣٦١٥) بلفظ: ((ألم يأنِ للرحيل)) ولم يذكر اليونينيُّ فيه خلافاً بين الرواة.

٣٣١
باب ٣٣ / ح ٣٨٦١
أبواب المبعث
قلت: وفي كلام كلٍّ منهما من النَّظَر ما لا يَخْفَى.
قوله: ((فسمِعَ من قوله، وأسلَمَ مكانَه)) كأَنَّه كان يَعرِف علامات النبِّ وَّةِ، فلمَّا تَحَقَّقَها،
لم يتردّد في الإسلام.
هكذا في هذه الرِّواية، ومُقتَضاها: أنَّ التِقاء أبي ذرِّ بالنبيِّ وَّ كان بدلالة عليٍّ، وفي رواية
عبد الله بن الصّامت: أنَّ أبا ذرِّ لَقِيَ النبيَّ نَّه وأبا بكر في الطَّواف باللَّيلِ، قال: فلمَّا فَضَى
صَلاته، قلت: السَّلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبَرَكاته، قال: فكنت أوَّلَ مَن حَيّاه
بالسَّلام، قال: ((من أين أنتَ؟)) قلت: من بني غِفار، قال: فَوَضَعَ يده على جَبهَته، فقلت:
كَرهَ أَنِ انْتَمَيت إلى غِفار؛ فذكر الحديث في شأن زَمَزَم، وأنَّه استَغنى بها عن الطَّعامِ والشَّراب
ثلاثين من بين يوم وليلةٍ، وفيه: ((فقال أبو بكر: ائذن لي يا رسول الله في إطعامه اللَّيلة، وأنَّه
أطعَمَه من زَبيب الطائف)) الحديث(١)، وأكثرُهُ مُغايِرٌ لمَا في حديث ابن عبّاس هذا عن أبي
ذرِّ، ويُمكِن التوفيق بينهما: بأنَّه لَقِيَه أوَّلاً مع عليّ، ثمَّ لَقِيَه في الطَّواف، أو بالعكس، وحَفِظَ
كلّ منهما عنه ما لم يَحَفَظِ الآخَر، كما في رواية عبد الله بن الصّامت من الزّيادة ما ذكرناه، ففي
رواية ابن عبّاس أيضاً من الزّيادة: قِصَّته مع عليّ، وقِصَّته مع العبّاس، وغير ذلك.
وقال القُرطُبيّ: في التَّوفيق بين الرِّوايتَينِ تكلُّف شديد، ولا سيَّما أنَّ في حديث عبد الله
ابن الصّامت: أنَّ أبا ذرِّ أقامَ ثلاثين لا زادَ له، وفي حديث ابن عبّاس: أنَّه كان معه زادٌ
وقِرْبةُ ماءٍ إلى غير ذلك.
قلت: ويحتمل الجمعُ بأنَّ المراد بالزّاد في حديث ابن عبّاس: ما تزوَّدَه لمَّا خرج من قومه،
فَفَرَغَ لمَّا أقامَ بمكَّة، والقِرْبة التي كانت معه كان فيها الماء حالَ السَّفَر، فلمَّا أقام بمكَّة، لم يَحْتَج
إلى مَلِئِها، ولم يَطَرَحها، ويُؤْيِّده أنَّه وَقَعَ في رواية أبي قُتَية المذكورة (٣٥٢٢): فجَعَلت لا
أعرِفه، وأكرَه أن أسأل عنه، وأشرب من ماء زَمزَم، وأكون في المسجد، الحدیث.
قوله: ((ارجع إلى قومك، فأخبرهم حتَّى يأتيَك أمري)) في رواية أبي قُتَيبة: ((اكتُم هذا الأمر،
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٤٧٣) باختلاف يسير في بعض ألفاظه.

٣٣٢
باب ٣٣ / ح ٣٨٦١
فتح الباري بشرح البخاري
وارجع إلى قومك، فأخبرهم، فإذا بَلَغَك ظُهورنا، فأقبلْ))، وفي رواية عبد الله بن الصّامت: ((إنَّه
قد وُجُّهَت لي أرضٌ ذاتُ نَخْل، فهل أنتَ مُبلِّغ عنِّي قومَك، عسى الله أن يَنفَعَهم بك))، فذكر
قِصّة إسلام أخيه أُنيس وأُمِّه، وأنَّهم تَوجَّهوا إلى قومهم غِفار، فأسلَمَ نصفُهم، الحديث.
قوله: (لَأَصرُ خَنَّ بها)) أي: بكلمة التوحيد، والمراد أنَّه يَرفَع صوته چِهاراً بين المشركين،
وكأنَّه فهمَ أنَّ أمر النبيِّ وَّ له بالكِتمان ليس على الإيجاب، بل على سبيل الشَّفَقة عليه،
فأعلمَه أنَّ به قوّةً على ذلك، ولهذا أقَرَّه النبيّ وَّرِ على ذلك، يُؤخَذ منه جواز قول الحقّ
عند مَن يُحْشَى منه الأذيَّة لمن قالَه، وإن كان السُّكوت جائزاً، والتحقيق أنَّ ذلك يختلف
باختلاف الأحوال والمقاصد، وبحَسَب ذلك يَترَبُ وجود الأجر وعدمُه.
قوله: (ثُمَّ قامَ القوم)) في رواية أبي قُتَية: ((فقالوا: قوموا إلى هذا الصّابي)) بالياءِ اللَّيِّنة
١٧٦/٧ ((فقاموا)»/ وكانوا يُسَمُّونَ مَن أسلَمَ صابئاً، لأنَّه من صَبا يَصبو: إذا انتَقَلَ من شيءٍ إلى شيءٍ.
قوله: ((فضَرَبوه حتَّى أو جَعوه)» في رواية أبي قُتَيبة: فضُرِبت لأموتَ؛ أي: ضُرِبت ضرباً
لا يُبالي مَن ضَرَبني أن لو أموت منه.
قوله: ((فأقلَعوا عنِّي))(١) أي: كَقُّوا.
قوله: ((فأكَبَّ العَبَّاس عليه)) في رواية أبي قُتَيبة: فقال مثلَ مَقَالته بالأمسِ.
وفي الحديث ما يدلّ على حُسن تأتِّي العبَّاس، وجَوْدة فِطْنَته، حيثُ تَوَصَّلَ إلى تَخليصه
منهم بتَخويفِهم من قومه أن يُقَاصُّوهم بأن يَقطَعوا طُرق مَتجَرِهم، وكان عَيشُهم من
التِجارة، فلذلك بادروا إلى الکَفّ عنه.
وفي الحديث دلالة على تَقَدُّم إسلام أبي ذرّ، لكنَّ الظّاهر أنَّ ذلك كان بعد المبعَث بمُدّةٍ
طويلة، لما فيه من الحكاية عن عليّ كما قَدَّمناه، ومن قوله أيضاً في رواية عبد الله بن
الصّامت: ((إنّ وُجِّهَت إلى أرضٍ ذاتِ نَخلٍ))، فإنَّ ذلك يُشعِر بأنَّ وقوع ذلك كان قُرب
الهجرة، والله أعلم.
(١) لم تقع هذه الجملة في رواية هذا الباب، وإنما هي في رواية أبي قتيبة المذكورة.

٣٣٣
باب ٣٤ / ح ٣٨٦٢
أبواب المبعث
٣٤- باب إسلام سعید بن زيدٍ
٣٨٦٢- حدَّثْنَا قُتَبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن قيسٍ، قال: سمعتُ سعيدَ
ابنَ زيدٍ بنِ عَمْرو بنِ نُفَيَلٍ في مسجدِ الكوفةِ يقول: والله لقد رأيتُني وإنَّ عمرَ لَمُوثقي على الإسلامِ
قبلَ أن يُسلِمَ عمرُ، ولو أنَّ أَحُداً ارفَضَّ للذي صَنَعتُم بعُثمانَ لكان مَحْقُوقاً أن يَرْفَضَّ.
[طرفاه في: ٣٨٦٧، ٦٩٤٢]
قوله: ((باب إسلام سعيد بن زيد)) أي: ابن عَمْرو بن نُفَيلِ، وأبوه تقدَّم ذِكْره (٣٨٢٦)
وأنَّه ابنُ ابنِ عمِّ عمر بن الخطّاب.
قوله: ((حدَّثنا سفيان)) هو ابن عُبَينة، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم.
قوله: (لقد رأيتني)) بضمِّ المثنّة، والمعنى: رأيت نفسي ((وإنَّ عمر لَمُوثقي على الإسلام)) أي:
رَبَطَه بسبب إسلامه إهانةً له وإلزاماً بالرُّجوع عن الإسلام.
وقال الكِرْمانيُّ في معناه: كان يُتْبِِّني على الإسلام ويُسَدِّدني. كذا قال! وكأنَّه ذَهَلَ عن
قوله هنا: ((قبل أن يُسلِم))، فإنَّ وقوع التَّثبيت منه وهو كافر لصَيْرِه(١) على الإسلام بعيدٌ
جدّاً، مع أنَّه خلاف الواقع، وسيأتي (٦٩٤٢) في كتاب الإكراه «باب مَن اختارَ الضَّرب
والقتل والھَوَان على الكفر))، وكأنَّ السَّبَب في ذلك أنَّه كان زوج فاطمة بنت الخطّاب
أُخت عمر، ولهذا ذكر في آخِر باب إسلام عمر (٣٨٦٧): «رأيتُني مُوثِقي عمرُ على الإسلام
أنا وأُخته))، وكان إسلام عمر مُتأخّراً عن إسلام أُخته وزوجها، لأنَّ أوَّل الباعث له على
دخوله في الإسلام ما سمعَ في بيتها من القرآن، في قِصّة طويلة ذكرها الدّارَ قُطْنيُّ(٢) وغيره.
قوله: ((ولو أنَّ أُحُداً ارفَضَّ)) أي: زالَ من مكانه، في الرّواية الآتية (٣٨٦٧): ((انقَضَّر))
بالنّون والقاف بَدَل الراء والفاء، أي: سَقَط، وزَعَمَ ابن التِّين أنَّه أرجَحُ الرِّوايات، وفي رواية
(١) في (س): لضمره.
(٢) في ((سننه)) (٧) من طريق القاسم بن عثمان عن أنس، والقاسم ليس بقوي كما ذكر الدارقطني، وقال
الذهبي في ((ميزان الاعتدال)» ٣٧٥/٣: حدَّث عنه إسحاق الأزرق بمتنٍ محفوظ وبقصة إسلام عمر،
وهي منكرة جدّاً.

٣٣٤
باب ٣٥ / ح ٣٨٦٣ -٣٨٦٤
فتح الباري بشرح البخاري
الكُشْمِيهنيّ بالنّون والفاء وهو بمعنى الأوَّل.
قوله: ((كان)) في الرِّواية الآتية: لَكان مَحقوقاً أن يَنقَضّ، وفي رواية الإسماعيليّ: لَكان حقيقاً؛
أي: واجباً، تقول: حَقّ عليك أن تَفعَل كذا وأنتَ حقيق أن تَفعَله، وإنَّما قال ذلك سعيد لِعِظَمٍ
قَتْل عثمانَ، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ الْأَرْضُ
وَخِرُّ الْجِبَالُ هَدَّا نْ أَنْ دَعَوْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٠-٩١].
قال ابن التِّين: قال سعيد ذلك على سبيل التمثيل، وقال الدّاوُوديّ: معناه لو تَحرَّكَت
القَبائل وطلبَت بثَارٍ عثمان لكان أهلاً لذلك، وهذا بعيدٌ من التأويل.
٣٥- باب إسلام عمرَ بنِ الخطّاب.
٣٨٦٣- حدَّثني محمَّدُ بنُ كَثير، أنبأنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قيسِ بنِ أبي
حازِمٍ، عن عبدِ الله بنِ مَسْعودٍ ﴾ قال: ما زِلْنا أعِزَةً منذُ أسلَمَ عمرُ.
قوله: ((باب إسلام عمر بن الخطّاب)) قد تقدَّم نَسَبه في مناقبه (٣٦٧٩).
١٧٨/٧
قوله: ((أنبأنا سفيان)) هو الثَّوريّ.
قوله: ((ما زِلنا أعِزّةً مُنذُ أسلَمَ عمرُ)) زاد الإسماعيليّ من طريق أبي داود الحَفَريّ عن سفيان
في حديث ذكره؛ أي: من كلام ابن مسعود، وقد تقدَّم في مناقب عمر الإلمامُ بشيءٍ من ذلك.
الحديث الثاني:
٣٨٦٤- حدَّثني يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني عمرُ بنُ محمَّدٍ،
قال: فأخبرني جَدّي زيدُ بنُ عبدِ الله بنِ عمرَ، عن أبيه قال: بَينَما هو في الدّار خائفاً، إذ جاءه
العاصِ بنُ وائلِ السَّهْميُّ أبو عَمٍو عليه حُلَّةُ حِبَرٍ، وقَمِيصٌ مَكْفُوفٌ بحَرِيرٍ، وهو من بني
سَهْمٍ، وهم حُلَفَاؤُنا في الجاهليَّةِ، فقال: ما بالُكَ؟ قال: زَعَمَ قومُكَ أنَّهم سيقتُلوني إن أسلَمْتُ،
قال: لا سبيلَ إليكَ بعدَ أن قالها، أَمِنْتُ، فخَرَجَ العاصِ فَلَقِيَ الناسَ قد سالَ بهمُ الوادي، فقال:
أينَ تريدونَ؟ فقالوا: نرِيدُ هذا ابنَ الخطَّبِ الَّذِي صَبأَ، قال: لا سبيلَ إلیه، فكَرَّ الناسُ.
[طرفه في: ٣٨٦٥]

٣٣٥
باب ٣٥ / ح ٣٨٦٥
أبواب المبعث
قوله: ((فأخبَرَني جَدّي)) ظاهر السِّياق أنَّه مَعطوف على شيء تقدَّم، وقد رواه الإسماعيليّ من
طريق ابن وَهْب هذه فقال فيها عن ابن وَهْب: أخبرني عمر بن محمد.
قوله: ((وعليه حُلّة حِيرٍ)) بكسر المهمَلة وفتح الموحّدة: وهو بُرْد مُخَطَّط بالوَشْي، وفي
روايةٍ: حِبرة، بزيادة هاء.
قوله: ((إن أسلَمت)) بفتح الألفِ وتخفيف النُّون؛ أي: لأجلِ إسلامي.
قوله: ((لا سَبيل عليك بعد أن قالها)) أي: الكلمة المذكورة، وهي قوله: لا سبيل عليك.
قوله: ((أمِنتُ)) بفتح الهمزة وكسر الميم وسكون النُّون وضمّ المثنّة، أي: حَصَلَ الأمان
في نفسي بقوله ذلك، ووَقَعَ في رواية الأَصِيليّ بمَدِّ الهمزة، وهو خطأ فإنَّه كان قد أسلَمَ قبل
ذلك، وذكر عياض أنَّ في رواية الحميديّ بالقصر أيضاً لكنَّه بفتح المثنّة، وهو خطأ أيضاً
لأنَّه يصير من كلام العاص بن وائل، وليس كذلك بل هو من كلام عمر، يريد أنَّه أمِنَ
لمَّا قال له العاص بن وائل تلك المقالة، ويُؤيِّده الحديث الذي بعده.
الحديث الثالث:
٣٨٦٥- حدَّثْنا عَلِيُّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، قال عَمْرو بنُ دِینارٍ: سمعتُه قال: قال
عبدُ الله بنُ عمرَ رضي الله عنهما: لمَّ أسلَمَ عمرُ اجْتَمَعَ الناسُ عندَ دارِهِ، وقالوا: صَبأَ عمرُ،
وأنا غلامٌ فوقَ ظَهْرِ بيتي، فجاء رجلٌ عليه قَباءٌ من دِيباج فقال: قد صَبأَ عمرُ فما ذاكَ، فأنا له
جارٌ قال: فرأيتُ الناسَ تَصَدَّعوا عنه فقلتُ: مَن هذا؟ قالوا: العاص بنُ وائلٍ.
قوله: «اجتمع الناس عند داره)» في رواية الكُشْمِیھنیّ: اجتمع الناس إليه.
قوله: «وأنا غلام)) في روایة أُخرَى: أنَّه کان ابن خمس سنين، وإذا كان كذلك خرج منه
أنَّ إسلام عمر كان بعد المبعَث بستٍّ سِنين أو بسبع، لأنَّ ابن عمر كما سيأتي في المغازي
(٤٠٩٧) كان يوم أُحُد ابن أربعَ عشرةَ سنةً وذلك بعد المبعَث بستَّ عشرةَ سنةً، فيكون
مَولِده بعد المبعَث بسنتينِ.
قوله: ((على ظَهْر بيتي)) قال الدّاووديّ: هو غَلَط والمحفوظ: ((على ظَهْر بيتِنا))، وتَعقَّبَه ابن

٣٣٦
باب ٣٥ / ح ٣٨٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
التِّين بأنَّ ابن عمر أراد أنَّه الآن بيتُه، أي: عند مقالته تلك، وكان قبل ذلك لأبيه. ولا يَخْفَى
عَدَم الاحتياج إلى هذا التأويل، وإنَّما نَسَبَ ابن عمر البيتَ إلى نفسه مجازاً، أو مُراده المكان
الذي كان يأوي فيه سواء كان مِلكه أم لا، وأيضاً فإنَّه إن أراد نِسبته إليه حالَ مقالته تلك لم
يَصِحّ، لأنَّ بني عَديّ بن كعب رَهطُ عمرَ لمَّا هاجروا استَولَی غیرُهم على بُیوتهم كما ذكره
ابن إسحاق وغيرُه فلم يَرجِعوا فيها، وأيضاً فإنَّ ابن عمر لم يَنفَرِد بالإرثِ من عمر، فتحتاج
دَعَوَى أن يكون اشتَرَى حِصَص غيره إلى نَقل، فيَتَعيَّن الذي قلتُه.
قوله: ((فما ذاكَ)) أي: فلا بَأس، أو لا قَتْلَ أو لا يُعتَرَض له.
وقوله: ((أنا له جارٌ)) أي: أجرته من أن يَظلمه ظالم.
وقوله: ((تَصَدَّعوا)» أي: تَفرَّقوا عنه.
فقوله: ((قالوا: العاص بن وائل)) زاد ابن أبي عمر في روايته عن سفيان قال: ((فَعَجِبت من
عِزَّته))(١)، و کذا عند الإسماعيليّ من وجهينٍ عن سفيان، وفي رواية عبد الله بن داود عن عمر
ابن محمد عند الإسماعيليّ: فقلت لعمر: مَن الذي رَدَّهم عنك يوم أسلَمت؟ قال: يا بُنيّ، ذاكَ
العاص بن وائل؛ أي: ابن هاشم بن سُعَيد - بالتصغير - بن سَهْم القُرَشِيّ السَّهميّ، مات على
كُفره قبل الهجرة بمُدّةٍ، والعاص بمُهمَلَتَينِ من العَوَص لا من العِصيان، والصّاد مرفوعة
ويجوز كسرها، وقيل: إنَّه من العِصيان فهو بالكسر جَزماً، ويجوز إثبات الياء كالقاضي،
ويُؤيِّده كتاب عمر إلى عَمْرو وهو عامله على مِصر: إلى العاصي ابن العاصي؛ وأُطلِقَ عليه
١٧٩/٧ ذلك لكَونِه خالَفَ شيئاً ممَّا كان أمَرَه به في ولايته على مِصر لمَا ظَهَرَ له/ من المصلحة.
الحديث الرابع:
٣٨٦٦- حدَّثنا يحيى بنُ سليمانَ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني عمرُ: أنَّ سالماً حدَّثه،
عن عبدِ الله بنِ عمرَ قال: ما سمعتُ عمرَ لشيءٍ قَطُّ يقول: إنّي لأظُه كذا، إلَّا كان كما يَظُنُّ،
بَينَما عمرُ جالسٌ إِذ مَّ به رجلٌ جَمِيلٌ فقال عمرُ: لقد أخطأ ظنِّي، أو: إنَّ هذا على دِينِهِ في الجاهليّةِ،
(١) رواية ابن أبي عمر أخرجها أحمد في ((فضائل الصحابة)) (٣٧٣) بلفظ: فتعجبت من عِزّه.

٣٣٧
باب ٣٥ / ح ٣٨٦٦
أبواب المبعث
أو: لقد كان كاهنَهم، عليَّ الرجلَ، فدُعِيَ له، فقال له ذلكَ، فقال: ما رأيتُ كاليوم استُقْبِلَ به رجلٌ
مسلمٌ، قال: فإنّي أعزِمُ عليكَ إلا ما أخبَرْتَني، قال: كنتُ كاهنَهم في الجاهليَّةِ، قال: فما أعجبُ ما
جاءتْكَ به جِنِّيَّئُكَ، قال: بَينَما أنا يوماً في السّوقِ جاءتْني أعرِفُ فيها الفَزَعَ فقالت:
ألم تَرَ الجِنَّ وإبلاسَها
ويأسَها من بَعْدِ إنْكاسِها
ولُوقَها بالقِلَاص وأَحلاسِها
قال عمرُ: صَدَقَ، بَينَما أنا عندَ آلهتِهِم إذ جاء رجلٌ بعِجْلٍ فَذَبَحَه، فصَرَغَ به صارٌ، لم أسمَع
صارخاً قَطُّ أَشَدَّ صوتاً منه يقول: يا جَلِيحْ، أمرٌ نَحِيح، رجلٌ فَصِيحْ، يقول: لا إلهَ إلا أنتَ،
فَوَثَبَ القومُ، قلتُ: لا أبرَحُ حتَّى أعلمَ ما وراءَ هذا، ثمَّ نادَى: يا جَلِيح، أمرٌ نَحِيح، رجلٌ
فَصِيحِ، يقول: لا إلهَ إلا الله، فقُمْتُ، فما نَشِبْنا أن قيلَ: هذا نبيٌّ.
قوله: ((حدَّثني عمر)) هو ابن محمد بن زيد، وهو شيخ ابن وَهْب في الحديث الثاني، ووَهِمَ
مَن زَعَمَ أنَّه عمر بن الحارث كالكَلَاباذيّ، فقد وَقَعَ في رواية الإسماعيليّ: عن عمر بن محمد.
قوله: ((ما سمعتُ عمرَ يقول لشيءٍ: إنّي لَأَظُنّه كذا إلّا كان)) أي: عن شيء، واللّام قد تأتي
بمعنى ((عن)) كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوالِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١].
قوله: ((إلّا كان كما يَظُنّ)) هو موافق لمَا تقدَّم في مناقبه (٣٦٨٩): أنَّه كان مُحدَّثَاً، بفتح
الدّال، وتقدّم شرحه.
قوله: ((إذ مرَّ به رجل جميل)) هو سَوَاد - بفتح المهمَلة وتخفيف الواو وآخره مُهمَلة - ابن
قارِب، بالقاف والموخَّدة، وهو سَدُوسيّ أو دَوْسيّ. وقد أخرج ابن أبي خَيْئمةَ وغيره(١) من
طريق أبي جعفر الباقر قال: دَخَلَ رجل يقال له: سَوَاد بن قارِب السَّدوسيّ على عمر،
فقال: يا سَوادُ، أنشدك الله، هل تُحسِن من كِهانتِك شيئاً ... فذكر القِصّة.
(١) أخرجه مختصراً ابن أبي خيثمة في السفر الثاني من ((التاريخ الكبير)) (١٠٥٠) وأخرجه أبو نعيم في ((معرفة
الصحابة)) برقم (٣٥٥١)، وفي المطبوع من الأخير: عن أبي صخر، بدل: أبي جعفر، وهو تحريف.

٣٣٨
باب ٣٥ / ح ٣٨٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
وأخرج الطبرانيّ (٦٤٧٥) والحاكم (٦٠٨/٣- ٦١٠) وغيرهما من طريق محمد بن كعب
القُرَظيّ قال: بينما عمر قاعد في المسجد، فذكر مثل سياق أبي جعفر وأتمَّ منه، وهما طريقان
مُرسَلان يَعضُد أحدُهما الآخر.
وأخرج البخاريّ في «تاريخه)) (٢٠٢/٤) والطبرانيُّ (٦٤٧٦) من طريق عبّاد بن عبد
الصمَد عن سعيد بن جُبَير قال: أخبرني سواد بن قارب قال: كنت نائماً، فذكر قِصَّته الأولى
دون قِصَّته مع عمر. وهذا، إن ثَبَتَ، دَلَّ ذلك على تأُّر وفاته، لكنَّ عبّاداً ضعيف. ولابنِ
شاهين من طريق أُخرَى ضعيفة عن أنس قال: دَخَلَ رجل من دَوْس يقال له سواد بن
قارب على النبيّ وَّ، فذكر قِصَّته أيضاً، وهذه الطُّرق يَقوَى بعضها ببعضٍ، وله طرق
أُخرَى سأذكر ما فيها من فائدة.
قوله: ((لقد أخطأً ظَنّي)) في رواية ابن عمر عند البيهقيّ(١): لقد كنت ذا فِراسة، وليس لي
الآن رأيٌ إن لم يكن هذا الرجل يَنظُر في الكهانة.
قوله: ((أو)) بسكون الواو ((على دين قومه في الجاهليّة)) أي: مُستمِرٌّ على عبادة ما كانوا
يعبدون.
قوله: ((أو)) بسكون الواو أيضاً ((لقد كان كاهنَهم)) أي: كان كاهنَ قومه. وحاصله أنَّ
عمر ظنَّ شيئاً مُتَرَدِّداً بين شيئينٍ؛ أحدهما يَتَرَدَّد بين شيئينِ كأنَّه قال: هذا الظَّنّ إمّا خطأٌ أو
صواب، فإن كان صواباً فهذا الآن إمّا باقٍ على كُفره وإمّا كان كاهناً، وقد أظهَرَ الحالُ القِسمَ
الأخير، وكأنَّه ظَهَرَت له من صِفة مَشِْه أو غير ذلك قَرِينة أثرت له ذلك الظَّنّ، فالله أعلم.
قوله: ((عليَّ)) بالتشديد («الرجلَ)) بالنَّصب، أي: أحضِروه إليَّ وقرِّبوه منِّي.
قوله: ((فقال له ذلك)) أي: ما قاله في غَيبِهِ مِنَ التردُّد. وفي رواية محمد بن كعب: ((فقال
له: فأنتَ على ما كنت عليه من كِهانتِك، فغَضِب))، وهذا من تَلَطُّف عمر، لأنَّه اقتَصَرَ على
أحسن الأمرَينِ.
(١) في ((الدلائل)) ٢٤٥/٢-٢٤٦.

٣٣٩
باب ٣٥ / ح ٣٨٦٦
أبواب المبعث
قوله: ((ما رأيت كاليوم)) أي: رأيت شيئاً مثل ما رأيت اليومَ.
قوله: ((استُقبلَ)) بضمِّ التاء على البناء للمجهول.
قوله: ((رجل مسلم)) في رواية النَّسَفيّ وأبي ذرٍّ: ((رجلاً مسلماً))، ورأيته مُجُوَّداً بفتح تاء
(استَقبَلَ)) على البناء للفاعلِ وهو محذوف تقديره: أحد، وضَبَطَه الكِرْمانيُّ ((استُقبلَ)) بضمّ
التاء، وأعرَبَ ((رجلاً مسلماً)) على أنَّه مفعول ((رأيتُ))، وعلى هذا فالضَّمير في قوله: ((به)) يعود
على الكلام، ويدلّ عليه السّياق، وبيَّنه البيهقيُّ (١) في رواية مُرسَلة: قد جاء الله بالإسلام،
فما لنا ولِذِكْر الجاهليّة.
قوله: ((فإنّ أعزِم عليك)) أي: أُلزِمُك، وفي رواية محمد بن كعب: ما كنَّا عليه من الشِّرك
أعظم ما كنت علیه من کِهانتك.
قوله: ((ما أخبَرَتني)) أي: ما أطلُبُ منك إلّا الإخبار.
قوله: ((كنت كاهنَهم في الجاهليَّة)) الكاهن: الذي يَتَعاطَى الخَبَرَ من الأُمورِ المِغَيّة،
وكانوا في الجاهليّة كثيراً، فمُعظَمهم كان يَعتَمِد على تابعه من الجِنّ، وبعضهم كان يَدَّعي
مَعرِفة ذلك بمُقدِّماتِ أسبابٍ يَستَدِلّ بها على / مواقعها من كلام مَن يسأله، وهذا الأخير ١٨٠/٧
يُسَمَّى العَرّاف بالمهمَلَتَينِ، وسيأتي حُكم ذلك واضحاً في كتاب الطِّبّ(٢)، وتقدَّم طَرَف منه
في آخِر البيوع (٢٢٣٧). ولقد تَلَطََّ سَوادٌ في الجواب إذ كان سؤال عمرَ له عن حاله في
كِهانته إذ كان من أمر الشِّرك، فلمَّا ألزَمه أخبَره بآخِرِ شيءٍ وَقَعَ له لمَا تَضَمَّنَ من الإعلام
بنبوّة محمد چۇ و كان سبباً لإسلامه.
قوله: ((فما أعجَبُ)) بالضَّمِّ و((ما)) استفهاميَّة.
قوله: ((جِنَّّتك)) بكسر الجيم والنُّون الثَّقيلة، أي: الواحدة من الجِنّ كأنَّه أنَّثَ تحقيراً،
ويحتمل أن يكون عَرَفَ أنَّ تابِعَ سَوادٍ منهم كان أُنثَى، أو هو كما يقال: تابع الذَّكَر يكون
(١) في ((الدلائل)) ٢/ ٢٤٦ من مرسل ابن مسكين الأنصاري.
(٢) في باب (٤٦) الكهانة.

٣٤٠
باب ٣٥ / ح ٣٨٦٦
فتح الباري بشرح البخاري
أُنثَى وبالعكس.
قوله: ((أعرِف فيها الفَزَع)) بفتح الفاء والزّاي؛ أي: الخوف، وفي رواية محمد بن كعب
إنَّ ذلك كان وهو بين النائم واليقظان.
قوله: ((ألم تَرَ الجِنَّ وإبلاسَها)) بالموخَّدة والمهمَلة، والمراد به اليأس ضِدّ الرَّجاء، وفي
رواية أبي جعفر: ((عَجِبت للجِنِّ وإبلاسها))، وهو أشبه بإعراب بقيَّة الشِّعر، ومثله لمحمدٍ
ابن كعب لكن قال: ((وَحساسِها)) بفتح المثنّاة وبمُهمَلاتٍ، أي: أنَّها فقَدَت أمراً فشَرَعَت
تُفِّش علیه.
قوله: ((ويأسَها من بعد إنكاسِها)» اليأس بالتحتانيَّة: ضِدّ الرَّجاء، والإنكاس: الانقلاب،
قال ابن فارس: معناه أنَّهَا يَئْسَت من استراق السَّمع بعد أن كانت قد أَلِفَته، فانقَلَبَت عن
الاستراق قد يَتْسَت من السَّمع، ووَقَعَ في شرح الدّاووديّ بتقديم السّين على الكاف، وفَسَّرَه
بأنَّه المكان الذي ألِفَته، قال: ووَقَعَ في رواية: ((من بعد إيناسها)) أي: أنَّها كانت أنِسَت
بالاستراق، ولم أرَ ما قاله في شيء من الرِّوايات.
وقد شَرَحَ الكِرْمانيُّ على اللَّفظ الأوَّل الذي ذكره الدّاووديّ وقال: الأنساك جمع نُسُك،
والمراد به: العبادة، ولم أرَ هذا القَسيم في غير الطَّريق التي أخرجها البخاريّ. وزاد في رواية
الباقر ومحمد بن كعب، وكذا عند البيهقيِّ (٢٤٨/٢ -٢٥١) موصولاً من حديث البراء بن
عازب بعد قوله: ((وأحلاسها»:
تَهوي إلى مكَّة تَبغي الهدَى ما مُؤمِنوها مثلُ أرجاسِها
فاسْمُ إلى الصَّفوةِ من هاشمٍ واسْمُ بعَينَيَكَ إلى راسِها
وفي روايتهم: أنَّ الجِنِّيَّ عاوَدَه ثلاثَ لَيَالٍ يَنشُده هذه الأبيات مع تُغيِّر قوافيها، فجَعَلَ بدلَ
قوله: ((إبلاسها)): تَطلابها، أوَّله مُثنّاة، وتارةً: ◌َّجارها، بجيمِ وهمزة، وبدلَ قوله:
((أحلاسَها)»: أقتابَها، بقافٍ ومُثّاة جمع قَتَب، وتارةً: أكوارَها، وبدلَ قوله: ((ما مُؤمِنوها
مثل أرجاسها)»: ليس قُدّاماها كأذنابها، وتارةً: ليس ذَوُو الشّ كأخيارها، وبدلَ قوله: