Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
باب ٢٧ / ح ٣٨٤٩
كتاب مناقب الأنصار .
تعلُّقها بالترجمة ولگونها موقوفة، وأمّا أوَّل الحدیث فهو - وإن کان موقوفاً من حديث ابن
عبّاس - إلّا أنَّ الغرض منه حاصل بالنَّسَب لنَقلِ ابن عبّاس ما كان في الجاهليّة ممَّا رآه
النبيّ ◌َ ﴿ فَأَقَرَّه أو أزالَه، فمهما لم يُنكِرِه واستَمَرَّت مشروعيَّته فيكون له حُكم المرفوع،
ومهما أنكَرَه فالشّرع بخلافه.
الحدیث الثامن عشر:
٣٨٤٩- حدَّثْنا نُعَيمُ بنُ حَمَّادٍ، حدَّثنا هُشَيمٌ، عن حُصَين، عن عَمْرو بنِ ميمونٍ قال:
رأيتُ في الجاهليَّةِ قِرْدةً اجتَمَعَ عليها قِرَدةٌ قد زَنَت، فَرَجُوهَا فَرَجَتُها معهم.
قوله: ((حدَّثنا نُعَيم بن حمّاد)) في رواية بعضهم: ((حدَّثنا نُعَيم)) غير منسوب، وهو المروزيُّ ١٦٠/٧
نزيل مصر، وقَلَّ أن يُخرِّج له البخاريّ موصولاً بل عادتُه أن يَذكُر عنه بصيغة التعليق.
ووَقَعَ في رواية القابِسِيّ: ((حدَّثنا أبو نُعَيم))، وصَوَّبَه بعضهم وهو غَلَطُ.
قوله: ((عن حُصَين)) في رواية البخاريِّ في ((التاريخ)) (٣٦٧/٦) في هذا الحديث: حدّثنا
حُصَينٌ(١)، فأُمِنَ بذلك ما يخشى من تدليس هُشَيم الراوي عنه، وقَرَنَ فيه أيضاً مع حُصَين
أبا بلج.
قوله: ((رأيت في الجاهليَّ قِرْدة)) بكسر القاف وسكون الراء: واحدة القُرود.
وقوله: ((اجتمع عليها قِرَدة)) بفتح الراء جمع قِرِد، وقد ساقَ الإسماعيليّ هذه القِصّة من
وجه آخر مُطوَّلة من طريق عيسى بن حِطّان عن عَمْرو بن ميمون قال: كنت في اليمن في
غَنَمْ لأهلي وأنا على شَرَف، فجاء قِرِدٌ مع قِرْدة فَتَوسَّدَ يدَها، فجاء قِرِد أصغر منه فغَمَزَها،
فسَلَّت يدها من تحت رأس القِرد الأوَّل سَلَّا رَفيقاً وتَبعَته، فوَقَعَ عليها وأنا أنظُرُ، ثمَّ
رَجَعَت فجَعَلَت تُدخِل يدها تحت خَدّ الأَوَّل برفقٍ، فاستَيقَظَ فَزِعاً، فشَمَّها فصاح،
فاجتمعت القرود، فجَعَلَ يصيح ويُومِئ إليها بيَدِه، فذهب القُرودِ يَمْنةً ويَسْرةً، فجاؤوا
بذلك القِرد أعرِفه، فحَفَروا لهما حفرة فرجموهما، فلقد رأيت الرَّجمَ في غير بني آدم.
(١) الذي في ((التاريخ الكبير)): عن أبي بلج وحصين، بالعنعنة وليس بصيغة التحديث.

٣٠٢
باب ٢٧ / ح ٣٨٤٩
فتح الباري بشرح البخاري
قال ابن التِّين: لعلَّ هؤلاء كانوا من نَسْل الذين مُسِخوا فبقيَ فيهم ذلك الحُكم. ثمَّ قال:
إنَّ الممسوخ لا يَنْسِلُ. قلت: وهذا هو المعتَمَد، لمَا ثَبَتَ في ((صحيح مسلم)) (٣٢/٢٦٦٣):
((أنَّ الممسوخ لا نَسلَ له)»، وعنده من حديث ابن مسعود (٣٣/٢٦٦٢) مرفوعاً: ((إنَّ الله لم
يُهْلِك قوماً فيَجعَلَ لهم نَسلاً).
وقد ذهب أبو إسحاق الزَّجّاج وأبو بكر بن العربيّ إلى أنَّ الموجود من القِرَدة من نَسْل
الممسوخ، وهو مذهب شاذَّ اعتَمَدَ مَن ذهب إليه ما ثَبَتَ أيضاً في ((صحيح مسلم)) (١٩٤٩):
أنَّ النبيَّ وَِّ لِمَّا أُتَيَ بالضَّبِّ قال: ((لعلَّه من القُرون التي مُسِخَت))، وقال في الفأر: ((فُقِدَتْ
أُمّةٌ من بني إسرائيل، لا أُراها إلّ الفَأْر))(١).
وأجابَ الجمهور عن ذلك بأنّه وَّه قال ذلك قبل أن يُوحَى إليه بحقيقة الأمر في ذلك،
ولذلك لم يأتِ الجزم عنه بشيءٍ من ذلك، بخلاف النَّفي فإنَّه جَزَمَ به كما في حديث ابن مسعود،
ولكن لا يَلزَم أن تكون القُرود المذكورة من النَّسل، فيحتمل أن يكون الذين مُسِخوا لمَّا
صاروا على هَيْئَة القِرَدة مع بقاء أفهامهم عاشَرَتهم القِرَدة الأصليَّة للمُشابهة في الشَّكل،
فَتَقَلُوا عنهم بعض ما شاهَدوه من أفعالهم فحَفِظوها وصارت فيهم، واختُصَّ القِرد بذلك
لما فيه من الفِطْنة الزائدة على غيره من الحيوان وقابليَّة التعليم لكلِّ صِناعة ممّا ليس لأكثر
الحيوان، ومن خِصاله أنَّه يَضحَك ويَطَرَب ويحكي ما يَراه، وفيه من شِدّة الغَيْرة ما يوازي
الآدميّ ولا يَتَعَدَّى أحدُهم إلى غير زوجته، فلا يَدَع في الغالب أن يُحمِّلها ما رُكِّبَ فيها من
غَيْرة على عُقوبة مَن اعتَدَى إلى ما لم يختصّ به من الأُنثَى، ومن خصائصه أنَّ الأُنْثَى تَحمِل
أولادها كهَيْئة الآدميَّة، ورُبَّما مَشَى القِرد على رِجَلَيه لكن لا يَستَمِرّ على ذلك، ويَتَنَاوَل
الشَّيءٌ بَيَدِه ويأكل بَيَدِه، وله أصابع مُفَصَّلة إلى أنامل وأظفار، ولِشَفِرِ عَينيه أهداب.
وقد استَنكَرَ ابن عبد البَرِّ قِصّة عَمْرو بن ميمون هذه وقال: فيها إضافة الزِّنى إلى غير
مُكلّف وإقامة الحدّ على البهائم وهذا مُنكَر عند أهل العلم، قال: فإن كانت الطَّريق
(١) سلف برقم (٣٣٠٥).

٣٠٣
باب ٢٧ / ح ٣٨٤٩
كتاب مناقب الأنصار
صحيحة فلعلَّ هؤلاء كانوا من الجِنّ لأنَّهم من جُملة المكَلَّفين، وإنَّما قال ذلك لأنَّه تَكلَّمَ
على الطَّريق التي أخرجها الإسماعيليّ حَسب، وأُجيبَ بأنَّه لا يَلزَم من كَون صورة الواقعة
صورة الزِّنى والرَّجمِ أن يكون ذلك زِنّى حقيقة ولا حَدّاً، وإِنَّا أُطلِقَ ذلك عليه لشَبَهِه به،
فلا يَستَلِزِم ذلك إيقاع التكليف على الحيوان. وأغرَبَ الحُميديّ في ((الجمع بين
الصحيحَينِ)) فَزَعَمَ أنَّ هذا الحديث وَقَعَ في بعض نُسَخ البخاريّ، وأنَّ أبا مسعود وحده
ذكره في ((الأطراف)) قال: وليس هو في نُسَخ البخاريّ أصلاً، فلعلَّه من الأحاديث المقحَمة
في كتاب البخاريّ.
وما قاله مردود، فإنَّ الحديث المذكور في مُعظَم الأُصول التي وَقَفْنا عليها،/ وكَفَی بإيراد ١٦١/٧
أبي ذرِّ الحافظ له عن شيوخه الثلاثة الأئمّة المتقِنين عن الفِرَبريّ حُجّة، وكذا إيراد الإسماعيليّ
وأبي نُعَيم في ((مُستَخرجَيهما)) وأبي مسعود له في ((أطرافه))، نعم سَقَطَ من رواية النَّسَفيّ
وكذا الحديث الذي بعده، ولا يَلَم من ذلك أن لا يكون في رواية الفِرَبريّ، فإنَّ روايته
تزید علی روایة النّسفیّ عِدّة أحادیث قد نبّهت علی کثیر منھا فیما مَضَی وفیما سيأتي إن شاء الله
تعالى، وأمَّا تجويزه أن يُزاد في ((صحيح البخاريّ)) ما ليس منه فهذا يُنافي ما عليه العلماء من
الحُكم بتصحيح جميع ما أورَدَه البخاريّ في كتابه، ومن اتِّفاقهم على أنَّه مقطوع بنِسِبَتِه
إليه، وهذا الذي قاله تَخُيُّل فاسد يَتطَرَّق منه عَدَم الوثوق بجميع ما في ((الصحيح))، لأنَّه
إذا جازَ في واحد لا بعينِهِ جازَ في كلّ فَردٍ فَردٍ، فلا يَبقَى لأحدِ الوُثوق بما في الكتاب
المذكور، واتِّفاق العلماء يُنافي ذلك، والطَّريق التي أخرجها البخاريّ دافعة لتضعيفِ ابن
عبد البَرِّ الطَّريق التي أخرجها الإسماعيليّ، وقد أطنَبت في هذا الموضع لئلّا يَغتَرّ ضعيف
بكلام الحميديّ فيَعتَمِده، وهو ظاهر الفساد، وقد ذكر أبو عبيدة مَعمَر بن المثنَّى في كتاب
((الخيل)) له من طريق الأوزاعيِّ أنَّ مُهراً أُنزيَ على أمّه فامتَنَع، فأُدخِلَت في بيت وجُلِّلت
بكِساءٍ وأُنزيَ عليها فتَزا، فلمَّا شَمَّ ريح أمّه عَمَدَ إلى ذَكَرِه فقطَعَه بأسنانه من أصله، فإذا
كان هذا الفَهْم في الخيل مع كونها أبعَد في الفِطْنة من القرد فجوازها في القِرد أَولَى.

٣٠٤
باب ٢٧ / ح ٣٨٥٠
فتح الباري بشرح البخاري
الحديث التاسع عشر:
٣٨٥٠- حدَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عُبيدِ الله، سمعَ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله
عنهما قال: خِلالٌ من خِلال الجاهليّةِ: الطَّعنُ في الأنساب، والنِّياحةُ، ونَسيَ الثالثةَ.
قال سفيانُ: ويقولون: إنَّها الاستِسقاءُ بالأنواءِ.
قوله: ((عن عُبيد الله)) بالتصغير: وهو ابن أبي يزيد المكّيّ.
قوله: (عن ابن عبّاس)) في نُسْخة: أنس، وهو غَلَط.
قوله: «خلال من خلال الجاهلية» أي: من خِصال.
قوله: (الطَّعن في الأنساب)) أي: القَدْح من بعض الناس في نَسَب بعضٍ بغير علم.
قوله: ((والنِّياحة))، أي: على المِّت، وقد تقدَّم ذِكْر حُكمها في كتاب الجنائز في ((باب ما
يُكرَه من النّياحة على الميّت))(١)، وقد تقدَّم هناكَ الكلام على حديث(٢): ((ليس منّا مَن ضَرَبَ
الحُدود، وشَقَّ الْجُيوب، ودَعَا بدَعوَى الجاهليّة)).
قوله: ((ونَسِيَ الثالثة)) وَقَعَ في رواية ابن أبي عمر عن سفيان: ((ونسيَ عُبيد الله الثالثة))،
فعَيَّنَ الناسي، أخرجه الإسماعيليّ.
قوله: ((ويقولون: إنَّها الاستسقاء بالأنواء)) أي: يقولون: مُطِرنا بنَوء كذا، وقد تقدَّم
شرح ذلك في كتاب الاستسقاء (١٠٣٨)، ووَفَعَ عند أبي نُعَيم من رواية شُرَيح بن يونس
عن سفيان مُدرَجاً ولفظه: ((والأنواء)) ولم يَقُل: ((ونَسِيَ ... )) إلى آخره، ومن رواية عبد الجبّار
ابن العلاء عن سفيان بَدَل قوله: ونَسِيَ الثالثة: ((والتفاخر بالأحساب)» وهو وهمٌّ منهما، لمَا
بيَّتْه رواية ابن أبي عمر، وعليّ شیخ البخاريّ فیه: وهو ابن المدینيّ، وقد جاء من حديث أنس
ذِكْر هذه الثلاثة، وهي الطَّعن والنّياحة والاستسقاء أخرجه أبو يَعْلى (٣٩١١) بإسنادٍ قويّ،
(١) باب رقم (٣٣).
(٢) كذا في (ع) على الصواب، ووقع في (أ) و(س): حديث أنس، وهو خطأ، فالحديث سلف عند البخاري
برقم (١٢٩٤) من حديث ابن مسعود، وليس من حديث أنس.

٣٠٥
باب ٢٧ / ح ٣٨٥٠
كتاب مناقب الأنصار
وجاء عن ابن عبّاس من وجه آخر ذكر فيه الخِصال الأربع أخرجه ابن عَديّ (١٥/٥) من
طريق عمر بن راشد عن يحيى بن أبي كثير عن عِكْرمة عنه، والمحفوظ في هذا ما أخرجه
مسلم (٩٣٤) وابن حِبّان (٣١٤٣) وغيرهما من طريق أبان بن یزید وغيره عن يحيى بن أبي
كثير عن زيد بن سَلام عن أبي سَلام عن أبي مالك الأشعريّ مرفوعاً بلفظ: «أربعٌ في أمَّتي
من أمر الجاهليّة لا يَترُكونَهَنَّ: الفَخْر في الأحساب، والطَّعن في الأنساب، والاستسقاء
بالأنواءِ، والنّیاحة».
خاتمة: اشْتَمَلَت أحاديث المناقب وما اَّصَلَ بها من ذِكْر بعض ما وَقَعَ قبل البعث من
الأحاديث المرفوعة على مئَتَي حديث وثلاثة وثلاثين حديثاً، المعَلَّق منها ثلاثة وثلاثونَ طريقاً
والبقيَّة موصولة، المكرَّر منها فيه وفيما مَضَى / مئةٌ وثمانية وثلاثونَ حديثاً، والخالص خمسة ١٦٢/٧
وتسعونَ حديثاً، وافقه مسلم على تخريجها سِوَى حديث عائشة: ((كان أبو بكر في الغار))،
وحديث ابن عبّاس فيه، وحديث أبي سعيد فيه، وحديث ابن عمر: ((كنَّا نُخيّر))، وحديث ابن
الزُّبَير: ((لو كنت مُتَّخِذاً خليلاً))، وحديث عمّار: ((وما معه إلّا خمسة))، وحديث أبي الدَّرداء:
((قد غامَرَ))، وحديث عائشة في طَرَف من حديث السَّقيفة، وحديث عليٍّ: ((خير الناس))،
وحديث عبد الله بن عمرو: ((أشدّ ما صَنَعَ المشركونَ))، وحديث ابن مسعود: ((ما زِلنا أعِزّة)،
وحديث ابن عمر في شأن عمر، وحدیث عبد الله بن هشام فیه، وحدیث عثمان: «ما بایعت))،
وحديث عليّ: ((اقضوا كما كنتُم تَقضونَ))، وحديث أبي هريرة في جعفر، وحديث ابن عمر فيه،
وحديث أبي بكر: ((ارقُبوا))، وحديثه: ((لَقَرابة رسول الله پلڑ أُحَبُّ إلَّ)، وحديث عثمان في
الزُّبَير، وحديث ابن عبّاس فيه، وحديث الزّبَير في اليرموك، وحديث طلحة وسعد، وحديث
مَسّ يد طلحة، وحديث سعد في إسلامه، وحديث ابن عمر في ابن أُسامة، وحديث أسامة:
«إنّي ◌ُحِبّهما)»، وحديث أنس في الحسین، وحديثه في الحسن، وحديث ابن عمر فيهما، وحديث
عمر في بلال، وحديث حُذيفة في ابن مسعود، وحديث معاوية في الوتر، وحديث ابن عبّاس
في عائشة، وحديث عمَّار فيها، وحديث أنس في الأنصار، وحديث زيد بن أرقَم فيهم،
وحديث سعد في عبد الله بن سَلَام، وحديث ابن سَلَام مع أبي بُرْدة، وحديث ابن عمر،

٣٠٦
فتح الباري بشرح البخاري
وحديث ابن عمر في زيد بن عَمْرو، وحديث أسماء فيه، وحديث ابن الزُّبَير في بناء المسجد
الحرام، وحديث جَدّ سعيد بن المسيّب، وحديث أبي بكر مع امرأة من أحمَس، وحديث عائشة
في القيام للجنازة، وحديث ابن عبّاس في ((كأساً دهاقاً))، وحديث أبي بكر مع الذي تَكَهَّن،
وحديث ابن عبّاس في القَسامة، وحديثه في السَّعي، وحديثه في الخطیم، وحديث عَمْرو بن
ميمون في القِرَدة، وحديث ابن عبّاس: ((ثلاث من خِلال الجاهليَّة))، فجُملة ذلك اثنان
وخمسونَ حديثاً ما بين مُعلَّق وموصول، فوافقه منها على ثلاثة وأربعين حديثاً فقط، والسَّبَب
في ذلك أنَّ الكثير منها صورته أنَّه موقوف وإن كان قد يُتْمَخَّلُ له حُكم المرفوع، ومسلم في
الغالب يحرص على تخريج الأحاديث الصريحة في الرَّفع.
وفيه من الآثار عن الصحابة فمَن بعدهم سبعة عشرَ أثراً، والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصّواب.

٣٠٧
باب ٢٨ / ح ٣٨٥١
أبواب المبعث
[أبواب المَبْعَث]
٢٨ - باب مَبعَثِ النبيِّ وَلِيه
محمَّدٍ بنِ عبدِ الله بنِ عبدِ المطّلِبِ بنِ هاشمٍ بنِ عبدِ مَنَاف بنِ قُصَيِّ بنِ كِلَابِ بنِ مُرّةَ بنِ
كعبٍ بنِ لؤَيِّ بنِ غالبٍ بنِ فِهْرِ بنِ مالكِ بنِ النَّضِرِ بنِ كِنانةَ بنِ خُزَيمةَ بنِ مُدرِ كةَ بنِ إلياسَ
ابنِ مُضَرَ بنِ نِزار بنِ مَعَدٍّ بنِ عدنانَ.
٣٨٥١- حذَّثنا أحمدُ بنُ أبي رَجَاءٍ، حدَّنا النَّضرُ، عن هشام، عن عِكْرمةً، عن ابنِ عبَّاسٍ
رضي الله عنهما قال: أَنزِلَ على رسولِ اللهِوَّهِ وهو ابنُ أربعين، فمَكَثَ بمكَّةَ ثلاثَ عَشرةَ سَنةً،
ثمَّ أُمِرَ بالهجرةِ، فهاجَرَ إلى المدينةِ، فَمَكَثَ بها عَشَرَ سِنين، ثمَّ تُوقَ وَّهِ.
[أطرافه في: ٣٩٠٢، ٣٩٠٣، ٤٩٧٩،٤٤٦٥]
قوله: ((باب مَبعَث النبيِّ وَّ)) المبعَث من البَعْث، وأصله الإثارة، ويُطلَق على التَّوجيه في ١٦٣/٧
أمرٍ ما، رسالةٍ أو حاجةٍ، ومنه: بَعَنتُ البعير: إذا أثَرتُه من مكانه، وبَعَثتُ العَسكَر: إذا وجَّهتهم
للقتال، وبَعَثتُ النائم من نومه: إذا أيقظته. قد تقدَّم في أوَّل الکتاب في الكلام على حدیث
عائشة كثيرٌ ثما يتعلَّق بهذه الترجمة، وساقَ المصنّف هنا النَّسَب الشَّريف.
قوله: ((محمَّد)) ذكر البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (١١٣/١) بإسنادٍ مُرسَل: أنَّ عبد المطَّلِب لمَّا
وُلِدَ النبيّ ◌َّهِ عَمِلَ له مأدُبة، فلمَّا أكَلوا سألوا: ما سَمَّيته؟ قال: محمداً، قالوا: فما رَغِبت
به عن أسماء أهل بيته؟ قال: أردت أن يَحمَدَه الله في السماء وخَلقُه في الأرض.
قوله: ((ابن عبد الله)) لم يُخْتَلَف في اسمه، واختُلِفَ متى ماتَ، فقيل: ماتَ قبل أن يولد
النبيّ وَّةِ، وقيل: بعد أن وُلِد، والأوَّل أثبَت، واختُلِفَ في مِقدار عُمرِه ◌َّهِ حِينَ ماتَ أبوه،
والراجح أنَّه دون السَّنة.
قوله: ((ابن عبد المطَّلِب)) اسمه شَيْبةُ الحمدِ عند الجمهور، وزَعَمَ ابن قُتَيبة أنَّ اسمَه
عامٌ، وسُمّيَ عبد المطَّلِب واشتَهرَ بها لأنَّ أباه لمَّا ماتَ بغَّة كان خرج إليها تاجراً فَتَرَكَ

٣٠٨
باب ٢٨ / ح ٣٨٥١
فتح الباري بشرح البخاري
أمّ عبد المطَّلِب بالمدينة، فأقامَت عند أهلها من الخَزَرَج فكَبُرَ عبد المطَّلِّب، فجاء عَمّه
المطَّلِّبِ فأخَذَه ودَخَلَ به مكَّة فرآه الناس مُردِفَه فقالوا: هذا عبد المطَّلِّب، فغَلَبَت عليه في
قِصّة طويلة ذكرها ابن إسحاق وغيره.
قوله: ((ابن هاشم)) اسمه عَمْرو، وقيل له هاشم لأنَّه أوَّل مَن هَشَمَ الثَّريد لأهلِ الموسِم
ولِقومِه أوَّلاً في سَنَة المجاعة، وفيه يقول الشّاعر:
عَمْرُو العُلا هَشَمَ الثَّرِيدَ لقومِه ورجالُ مكَّةَ مُسنِتونَ عِجافُ(١)
قوله: ((ابن عبد منافٍ)) اسمه المغيرة، روى السَّراج في ((تاريخه)) من طريق أحمد بن حَنبَل:
سمعت الشّافعيّ يقول: اسم عبد المطَّلِب شَيْبة الحمد، واسم هاشم عَمْرو، واسم عبد منافٍ
المغيرة، واسمُ قُصَيّ زيدٌ.
قوله: ((ابن قُصَيّ)) بصيغة التصغير، تَلَقَّبَ بذلك لأنَّه بَعُدَ عن ديار قومه في بلاد قُضاعة
في قِصّة طويلةٍ ذكرها ابن إسحاق.
قوله: ((ابن كِلاب)) بكسر أوَّله وتخفيف اللّام، قال السُّهَيليّ: هو منقول من المصدَر الذي
في معنى المُكالَبة، تقول: كالَبتُ فلاناً مُكالَبة وكِلاباً، أو هو بلفظ جمع كَلْب كما تَسَمَّت العرب
بسباعٍ وأنمار وغير ذلك. انتَهَى، وذكر ابن سعد أنَّ اسمه المهَذَّب، وزَعَمَ محمد بن سعد:
أنَّ اسمَه حَكيم، وقيل: عُرْوة، وأنَّه لُقِّبَ كِلاباً لمحبَّتِه كلاب الصيد وكان يجمعها، فمَن
مرَّت به فسألَ عنها قيل له: هذه كِلاب ابن مُرّة، فلُقِّبَ كِلاباً.
قوله: ((ابن مُرّة)) قال السُّهَيليّ: منقول من وصف الحَنظَلة، أو الهاء للمُبالَغة والمراد أنَّه
قويّ.
قوله: ((ابن كعب)) قال السُّهَيليّ: قيل بذلك لسَتره على قومه ولِين جانبه لهم، منقول من
كعب القَدَم، وقال ابن دُرَيدٍ: من كعب القَناة، وكذا قال غيره، سُمّيَ بذلك لارتفاعه على
قومه وشَرَفه فيهم فلذلك كانوا يَخْضَعونَ له حتَّى أرَّخوا بموتِه، وهو أوَّل مَن جمع قومه
(١) هذا البيت لعبد الله بن الزِّبعرى، شاعر قريش في الجاهلية، انظر: ((اللسان)) (سنت) و(هشم).

٣٠٩
باب ٢٨ / ح ٣٨٥١
أبواب المبعث.
يوم الجمعة، وكانوا يُسَمّونَه يوم العَرُوبة حتَّى جاء الإسلام.
قوله: ((ابن لُؤَيّ)) قال ابن الأنباريّ: هو تصغير لَأَى بوزنِ عَصاً، واللَّي: هو الثَّور،
وقال السُّهَيليّ: هو عندي: لَأَيُّ، بوزنِ عَبْدٍ: وهو البُطء، ويُؤْيِّده قول الشّاعر(١):
فِدُونَكُمُ بني لَأي أخاكُم ودُونَكِ مالِكاً يا أمَّ عَمرٍو
انتَهى، وهذا قد ذكره ابن الأنباريّ أيضاً احتمالاً، وقد قال الأصمَعيّ: هو تصغير لواء
الجیش زِيدَت فيه همزة.
قوله: ((الين غالب)) لا إشكال فيه كما لا إشكال في مالك والنَّضر.
قوله: ((ابن فِهْر)) قيل: هو قُرَيش، نَقَلَ الزُّبَير عن الزُّهْرِيِّ أنَّ أمّه سَمَّته به، وسمَّه أبوه
فِهِراً، وقيل: فِهِر لَقَبه، وقيل: بالعكس، والفِهْر: الحَجَر الصغير.
قوله: ((ابن كِنانة)) هو بلفظ وِعاء السِّهام إذا كانت من جُلود، قاله ابن دُرَیدٍ عن أبي ١٦٤/٧
عامر العَدْوانيّ أنَّه قال: رأيت كِنانة بن خُزيمةَ شيخاً مُسِنّاً عظيم القَدْر تَحُجّ إليه العرب
لعِلمِه وفضله بینھم.
قوله: ((ابن خُزَيمةَ)) تصغير خَزَمة بمُعجَمتَينِ مفتوحتَينٍ: وهي مَرّة واحدة من الخَزْم:
وهو شَدُّ الشَّيء وإصلاحه، وقال الزَّجَّاجيّ: يجوز أن يكون من الخَزْم بفتحِ ثمَّ سكون،
تقول: خَزَمتُه فهو مخزوم: إذا أدخَلتَ في أَنفه الخِزام.
قوله: ((ابن مُدرِ کة)) اسمه عَمْرو عند الجمهور، وقال ابن إسحاق: عامر.
قوله: ((ابن إلياس)) بكسر الهمزة عند ابن الأنباريّ، قال: وهو إفعالٌ من قولهم: أليس
الشُّجاع الذي لا يَفِرّ، قال الشّاعر:
أَلْيَسُ كالنَّشْوانِ وهو صاحي(٢)
وقال غيره: هو بهمزة وَصْل وهو ضِدّ الرَّجاء، واللّام فيه للَمْح الصِّفة، قاله قاسم بن
(١) هو معاوية بن زهير بن قيس، حليف بني مخزوم، انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام ٢/ ٣٤-٣٥.
(٢) أورد هذا الشطر ابن الأنباري في ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) ١٠١/٢ ولم يعزه لقائل معين.

٣١٠
باب ٢٨ / ح ٣٨٥١
فتح الباري بشرح البخاري
ثابت، وأنشَدَ قول قُصَيّ:
أُمَّهَتي خِنْدِفُ وإلياسُ أَبي
قوله: ((ابن مُضَر)) قيل: سُمَّ بذلك لأنَّه كان يُحِبّ شرب اللَّبَن الماضِر: وهو الحامض،
وقيل: سُمّيَ بذلك لبياضِه، وقيل: لأنَّه كان يُمضِّر القلوب لحُسنِه وجماله.
قوله: ((ابن ◌ِزار)) هو من النَّزْر، أي: القليل، قال أبو الفَرَج الأصبهانيُّ: سُمّيَ بذلك
لأنّه کان فرید عصره.
قوله: ((ابن مَعَدّ)) بفتح الميم والمهمَلة وتشديد الدّال، قال ابن الأنباريّ: يحتمل أن يكون
مَفْعَلاً من العَدّ، أو هو مِن: مَعَدَ في الأرض: إذا أفسَدَ، قال الشّاعر(١):
وخارِبَينٍ خَرَباً فمَعَدَا
وقيل غير ذلك.
قوله: ((ابن عدنان)) بوزن فَعْلان من العَدَن، تقول: عَدَنَ: أقام، وقد روى أبو جعفر بن
حبيب في تاريخه ((المحَبَّ)) من حديث ابن عبّاس قال: كان عدنان ومَعَدّ ورَبيعة ومُضَر
وخُزَيمة وأسَد على مِلّة إبراهيم، فلا تَذكُروهم إلّا بخيرٍ. وروى الزُّبَير بن بكّار من وجه
آخرَ مرفوعاً: ((لا تَسُبّوا مُضَرَ ولا رَبیعةً، فإنَّهما کانا مسلمینِ»(٢)، وله شاهد عند ابن حبيب
من مُرسَل سعيد بن المسيّب.
تنبيه: اقتَصَرَ البخاريّ من النَّسَب الشَّريف على عدنان، وقد أخرج في ((التاريخ)) (٥/١)
عن عُبيد بن يعيش عن يونس بن بُكَير عن محمد بن إسحاق مثل هذا النَّسَب، وزاد بعد
عدنان: ابن أُدَد بن المقوِّم بن تارح بن يَشجُب بن یَعرُب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم.
وقد قَدَّمت في أوَّل الترجمة النَّبويَّة الاختلافَ فيمَن بين عدنان وإبراهيم، وفيمَن بين
(١) هو القُلاخُ بن حَزْن المنقريّ، وهو شاعر إسلامي مُقِلّ، عزاه له ابن السُّكّيت في ((الكنز اللغوي)) ٤٦/١.
(٢) أخرجه ابن عساكر في ((معجم الشيوخ)) (٦١٢) من حديث ابن عباس، والحاكم في ((تاريخه)) كما في
(لسان الميزان)) ١٦٨/٥ لابن حجر في ترجمة محمد بن زكريا الغلابي من حديث جابر بن عبد الله،
وإسنادهما واهيان. وأخرجه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (١٥٢٤) دون ذكر ربيعة من طريق عبد الله
ابن خالد - وهو الوابصي -عن عبد الله بن الحارث بن هشام عن النبي ولل مرسلاً، والوابصي مجهول.

٣١١
باب ٢٩
أبواب المبعث
إبراهيم وآدم بما يُغني عن الإعادة. وأخرج ابن سعد (٥٦/١) من حديث ابن عبّاس: أنَّ
النبيَّ ◌َ ﴿ كان إذا انتَسَبَ لم يُجَاوِز في نَسَبه مَعَدَّ بنَ عدنان.
قوله: ((حدَّثنا النَّضر)) هو ابن شُمَيلٍ.
قوله: «عن هشام» هو ابن حسَّان.
قوله: ((عن عِكْرمة)) في رواية رَوْح عن هشام الآتية في الهجرة (٣٩٠٢): حدَّثنا عِكْرمة.
قوله: ((أُنزِلَ على رسول الله وَليل وهو ابن أربعين)) هذا هو المقصود من هذا الحديث في
هذا الباب، وهو مُتَّفَق عليه، وقد مَضَى (٣٥٤٨) في صِفة النبيّ وَلِّ حديث أنس: أنَّه ◌َهل
بُعِثَ على رأس أربعين، وتقدَّم في بَدْء الوحي(١): أنَّه أُنزِلَ عليه في شهر رَمَضان، فعلى
الصحيح المشهور أنَّ مَولِده في شهر رَبيع الأوَّل يكون حين أُنزِلَ عليه ابن أربعين سنةً
وستِّ أشهرٍ، وكلام ابن الكَلْبيّ يُؤْذِن بأنَّه وُلِدَ في رَمَضان فإنَّه قال: ماتَ وله اثْتَتَان وستّونَ
سنة ونصفُ سنةٍ، وقد أجمعوا على أنَّه مات في ربيع الأوَّل، فيَستَلِزِم ذلك أن يكون وُلِدَ في
رَمَضان، وبه جَزَمَ الزُّبَير بن بكّار وهو شابٌّ، وفي مَولِده أقوال أُخرى أشدُّ شُذوذاً من هذا.
قوله: ((بمكَّة ثلاثَ عشرةَ سَنةً)) هذا أصحّ ممَّا رواه مسلم (١٢٣/٢٣٥٣) من طريق عمَّار
ابن أبي عَّر عن ابن عبَّاس: أنَّ النبيَّ وَّهِ أقامَ بمكَّة خمس عشرة سنة، وسيأتي البحث في
ذلك في أبواب الهجرة(٢) إن شاء الله تعالى.
٢٩ - بابُ مَا لَقِيَ النبيُّ ◌َلِّ وأصحابُهُ مِن المشرِ كين بمكّةَ
قوله: ((باب ما لَفيَ النبيّ ◌َليزر وأصحابه من المشركين بمگَّة)» أي: من وجوه الأذى، وذكر
فيه أحاديثَ في المعنى، وقد تقدَّم في ((ذِكْر الملائكة)) (٣٢٣١) من بَدْء الخلق حديث عائشة
أنَّهَا قالت للنبيِّ وَّ: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أُحُد؟ قال: «لقد لَقيت من قومك،
وكان أشدَّ ما لَقيت منهم))، فذكر قِصَّته بالطائف. وروى أحمد (١٢٢١٢) والتِّرمِذيّ (٢٤٧٢)
١٦٦/٧
(١) في سياق شرحه للحديث رقم (٣).
(٢) عند ((باب هجرة النبي وَالر وأصحابه للمدينة))، الحديث رقم (٣٩٠٢).

٣١٢
باب ٢٩ / ح ٣٨٥٢
فتح الباري بشرح البخاري
وابن حِبّان (٦٥٦٠) من طريق حَمَّاد بن سَلَمة عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله وَله
((لقد أُوذيت في الله وما يُؤْذَى أحدٌ، وأُخِفت في الله وما يُخاف أحدٌ)) الحديث.
وأخرج ابن عَديّ (٧/ ١٥٥) من حديث جابر رَفَعَه: ((ما أُوذيَ أحد ما أُوذيتُ)) ذكره
في ترجمة يوسف بن محمد بن المنكَدِر عن أبيه عن جابر، ويوسف ضعيف، وقد استُشكِلَ
بما جاء من صفات ما أُوذيَ به الصحابة كما سيأتي، وهو محمولٌ - لو ثَبتَ - على معنى
حديث أنس، وقيل: معناه أنَّه أُوحِيَ إليه ما أُوذيَ به مَن قبلَه فتأذَّى بذلك زيادةً على ما
آذاه قومه به، وروى ابن إسحاق من حديث ابن عبّاس، وذَكَر الصحابة، فقال: والله كانوا
لَيَضرِبونَ أحدَهم ويُجيعونَه ويُعَطِّشونَه حتَّى ما يَقدِر أن يستويَ جالساً من شِدّة الضَّرّ،
حتَّى يقولوا له: اللّات والعُزَّى إلهُك من دون الله؟ فيقول: نعم.
وروى ابن ماجه (١٥٠) وابن حِبّان (٧٠٨٣) من طريق زِرّ عن ابن مسعود قال: أوَّل
مَن أظهَرَ إسلامه سبعةٌ: رسول الله وَهِ، وأبو بكر، وعمّار، وأُمّه سُميَّة، وصُھَيب، وبلال،
والمِقِداد، فأمَّا رسول الله وَّه فمَنَعَه الله بعَمِّه، وأمَّا أبو بكر فمَنَعَه الله بقومِه، وأمَّا سائرهم
فأخَذَهم المشركون فألبَسوهم أدراع الحديد وأوقَفوهم في الشمس(١)، الحديث. وأُجيب
بأنَّ جميع ما أوذيَ به أصحابه كان يتأذَّی هو به لگَونِه بسببه، واستُشكِلَ أيضاً بما أوذي به
الأنبياء من القتل كما في قِصّة زكريّا ووَلَده يحيى، ويُجاب بأنَّ المراد هنا غير إزهاق الرّوح.
ثمَّ ذَكَر المصنّف في الباب أحاديث:
الحديث الأوّل:
٣٨٥٢- حدَّثنا الحُمَيديُّ، حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا بيانٌ وإسماعيلُ، قالا: سَمعنا قَيساً، يقول:
سمعتُ خَبّاباً يقول: أتيتُ النبيَّ نَّهِ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وهو في ظِلِّ الكعبةِ، وقد لَقِينا مِن المشركين
شِدّةً، فقلتُ: يا رسولَ الله، ألا تَدعو الله لنا؟ فقَعَدَ وهو مُحمَرٌّ وجهُه فقال: ((لقد كان مَن قبلَكم
(١) قوله: ((وأوقفوهم في الشمس)) وقع هذا عند الحاكم ٢٨٤/٣، والبيهقي في ((الكبرى)) ٢٠٩/٨، ووقع
عند ابن ماجه وابن حبان بلفظ: ((وصهروهم في الشمس)).

٣١٣
باب ٢٩ / ح ٣٨٥٢
أبواب المبعث
لَيُمشَطُ بِمِشاطِ الحديدِ ما دونَ عِظامِه من لحم أو عَصَبٍ، ما يَصِرِفُه ذلك عن دينه، ويُوضَعُ
المِيشارُ على مَفرِقٍ رأسِه، فيُشَقُّ باثنين ما يَصِرِفُه ذلك عن دينِهِ، ولَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمرَ، حتَّى
يسيرَ الرّاكِبُ من صَنْعاءَ إلى حَضَرَ موتَ، ما يَخافُ إلَّ الله - زادَ بيانٌ: والذِّئبَ على غَنَمِه)).
قوله: ((حدّثنا بيان)) هو ابن بشر، وإسماعيل: هو ابن أبي خالد، وقيس: هو ابن أبي حازم،
وخَبّاب بالمعجَمة والموخَّدتَينِ الأولى ثقيلة.
قوله: ((بُرْدة)) كذا للأكثر بالتنوين، وللكُشْمِيهنيِّ بالهاء، والأوَّل أرجَح، فقد تقدَّم في
((علامات النُّبوّة)) (٣٦١٢) من وجه آخر بلفظ: بُرْدة له.
قوله: ((ألا تَدعُو الله لنا)) زاد في الرِّواية التي في المبعَث(١): ألا تَستَنِصِر لنا؟
قوله: ((فقَعَدَ وهو مُحمَرٌّ وجهُه)) أي: من أثر النَّوم، ويحتمل أن يكون من الغضب، وبه
جَزَمَ ابن النِّين.
قوله: (لَقد كان مَن قبلَكمْ لَيُمشَط بمِشاطِ الحديد)) كذا للأكثر بكسر الميم، وللكُشْمِيهنيِّ:
((أمشاط)) هو جمع مِشط بكسر الميم وبضمِّها، يقال: مِشاط وأمشاط كَرِماح وأرماح، وأنكَرَ
ابن دُرَيدِ الكسر في المفرَد، والأشھَر في الجمع مِشاط ورِماح.
قوله: ((ما دون عِظامه من لحم أو عَصَب)) في الرِّواية الماضية (٣٦١٢): ما دون حَمِه من
عَظم أو عَصَب.
قوله: ((ويُوضَع الميشار) بكسر الميم وسكون التحتانيَّة بهمزٍ وبغير همز، تقول: وَشَرتُ
الخشبة وأشَرتُها، ويقال فيه بالنّون وهي أشهر في الاستعمال،/ ووَقَعَ في الرِّواية الماضية ١٦٧/٧
(٣٦١٢): ((يُحْفَر له في الأرض، فيُجعَل فيها فيُجاء بالمِنشار)).
قال ابن التِّين: كان هؤلاء الذين فُعِلَ بهم ذلك أنبياء أو أتباعَهم، قال: وكان في الصحابة
مَن لو فُعِلَ به ذلك لَصَبَرَ، إلى أن قال: وما زالَ خَلقٌ من الصحابة وأتباعهم فمَن بعدَهم
يُؤْذَونَ في الله، ولو أخَذوا بالرُّخصة لساغَ لهم.
(١) بل في ((باب علامات النبوة)) برقم (٣٦١٢)، و((باب المبعث)) هو الباب السابق لهذا الباب.

٣١٤
باب ٢٩ / ح ٣٨٥٣ -٣٨٥٤
فتح الباري بشرح البخاري
قوله: ((وَلَيُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمرَ)) بالنَّصب، وفي الرِّواية الماضية (٣٦١٢): ((والله لَيَتِمَّنَّ هذا
الأمرُ)) بالرَّفع، والمراد بالأمر: الإسلامُ.
قوله: ((زادَ بيانٌ: والذُّئب على غَتَمه)) هذا يُشعِرِ بأنَّ في الرِّواية الماضية (٣٦١٢) إدراجاً،
فإنَّه أخرجها من طريق يحيى القَطّان عن إسماعيل وحده وقال في آخرها: ((ما يخاف إلّا الله
والذّئبَ على غَنَمه))، وقد أخرجه الإسماعيليّ من طريق محمد بن الصبّاح وخَلّادِ بن أسلَمَ
وعَبدة بن عبد الرحيم كلّهم عن ابن عُيَينةَ به مُدرَجاً، وطريق الحميديّ أصحّ، وقد وافقه
ابن أبي عمر، أخرجه الإسماعيليّ من طريقه مُفَصَّلاً أيضاً.
تنبيه: قوله: ((والذّئبَ)) هو بالنَّصب عَطفاً على المستثنَى منه لا المستَنَى، كذا جَزَمَ به الکِرْمانيّ،
ولا يَمْتَنِعِ أن يكون عَطفاً على المستَئِنَى، والتقدير: ولا يَخاف على غَنَمه إلّ الذِّئبَ، لأنَّ مَساق
الحديث إنَّما هو للأمنِ من عُدوان بعض الناس على بعض كما كانوا في الجاهليَّة، لا للأمنِ
من عُدوان الذّئب، فإنَّ ذلك إنّما يكون في آخِرِ الَّمان عند نزول عيسى.
٣٨٥٣- حدَّثنا سليمانُ بنُ حَربِ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن الأسوَدِ، عن عبدِ الله ◌ِ﴾
قال: قرأ النبيُّ وَ ﴿ِالنَّجْمَ، فسَجَدَ فما بقيَ أحدٌ إلا سَجَدَ، إلا رجلٌ رأيتُه أخَذَ كَفّاً من حَصاً،
فَرَفَعَه فسَجَدَ عليه، وقال: هذا يَكفيني، فلقد رأيتُه بعدُ قُتِلَ كافراً بالله.
الحديث الثاني: حديث ابن مسعود: ((قرأ النبيّ وَّهِ النَّجم فسَجَدَ)) سَبَقَ الكلام عليه في
سُجود القرآن من كتاب الصلاة (١٠٦٧)، ويأتي بقيَّته في تفسير سورة النَّجم (٤٨٦٣)،
وقد تقدَّم هناكَ تسمية الذي لم يَسجُد، وزَعَمَ الواقديّ أنَّ ذلك كان في رَمَضان سنةً خمسٍ
من المبعث.
تنبيه: كان حَقّ هذا الحديث أن يُذكَر في ((باب الهجرة إلى الحبشة)) المذكور بعد قليل،
فسيأتي فيها أنَّ سُجود المشرِكين المذكور فيه كان سببَ رُجوع مَن هاجَرَ الهجرة الأولى إلى
الحَبَشة لظنّهم أنَّ المشركين كلَّهم أسلموا، فلمَّا ظَهَرَ لهم خلافُ ذلك هاجروا الهجرة الثانية.
٣٨٥٤- حدَّثنا محمَّدُ بنُ بَشّارٍ، حدَّثنا غُندَرٌ، حدَّثنا شُعْبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن عَمْرو بنِ

٣١٥
باب ٢٩ / ح ٣٨٥٤
أبواب المبعث
ميمونٍ، عن عبدِ الله يه قال: بينا النبيُّ وََّ ساجدٌ وحولَه ناسٌ من قُرَيشِ، جاء عُقبةُ بنُ أبي مُعَيطٍ
بسَلَى جَزورٍ، فَقَذَّفَه على ظَهرِ النبيِّ وَِّ، فلم يَرفَعْ رأسَه، فجاءت فاطمةُ عليها السّلام فأخَذَته من
ظَهرِهِ ودَعَت على مَن صَنَعَ، فقال النبيُّ ◌َّ: «اللهمَّ عليكَ الملاَّ من قُرَيشٍ: أبا جهلٍ بِنَ هشامٍ،
وعُتبةَ بنَ رَبِيعَةَ، وَشَيْئَةَ بنَ رَبِيعَةَ، وَأُميَّةَ بنَ خَلَفٍ، أو أُبيَّ بِنَ خَلَفٍ)) - شُعْبةُ الشّافُّ - فرأيتُهم
قُتِلوا يومَ بدرٍ، فأُلقوا في بئرٍ غيرَ أُميَّ بنِ خَلَفٍ، أو أُبِّ، تَقَطَّعَت أوصالُهُ، فلم يُلقَ في البئرِ.
الحديث الثالث: حديث ابن مسعود في قِصّة عُقْبة بن أبي مُعَيط وإلقائه سَلَا الجَزُور على
ظَهْرِ النبيّ وَّ وهو ساجد. وقد سَبَقَ الكلام عليه مُستَوفَّى في أواخر كتاب الوضوء (٢٤٠).
تنبيه: كانت هذه القِصّة بعد الهجرة الثانية إلى الحَبَشة، لأنَّ من جملة مَن دُعِيَ عليه فيها
عُمارة بن الوليد أخو أبي جهل، وقد ذكر ابن إسحاق وغيره: أنَّ قُرَيشاً بَعَثوه مع عَمْرو بن
العاص إلى النَّجاشيّ ليَرُدَّ إليهم مَن هاجَرَ إليه فلم يفعل، واستَمرَّ عُمارة بالحَبَشة إلى أن مات.
تنبيةٌ آخر: أغرَبَ الشَّيخ عِماد الدّين بن كثير فَزَعَمَ أنَّ الحديث الوارد عن خَبّاب عند
مسلم (٦١٩) وأصحاب (السُّنَن))(١): شَكَوْنا إلى رسول الله وَّهَ حَرَّ الرَّمضاء فلم يُشكِنا،
طَرَف من حديث الباب، وأنَّ المراد أنَّهم شَكَوا ما يَلقَونَه من المشركين من تعذيبهم بحَرِّ
الرَّمضاء وغيره، فسألوه أن يَدعُوَ على المشركين فلم يُشكِهم؛ أي: لم يُزِل شَكْواهم، وعَدَلَ
إلى تَسلِيَتَهم بمَن مَضَى مَمَّن قبلَهم، ولكن وَعَدَهم بالنَّصر. انتَهَى، ويُبعِدُ هذا الحملَ أنَّ في
بعض طرق حديث مسلم (١٨٩/٦١٩) وابن ماجَهْ: ((الصلاة في الرَّمضاء))(٢)، وعند أحمد(٣).
يعني: الظُّهر، وقال: ((إذا زالَت الشمس فصَلُّوا))، وبهذا تَمَسَّكَ مَن قال: إنَّه وَرَدَ في تعجيل
الظُّهر، وذلك قبل مشروعيّة الإبراد، وهو المعتَمَد، والله أعلم.
تنبيةٌ آخر: عبد الله المذكور هو ابن مسعود جَزماً، وذكر ابن التِّين أنَّ الدّاووديّ قال: الظّاهر
(١) ابن ماجه (٦٧٥)، والنسائي (٤٩٧).
(٢) لم يقع عند ابن ماجه إلا من طريق واحدة باللفظ والموضع المذكورين قبل قليل.
(٣) في ((مسنده)) برقم (٢١٠٥٢) من قول شعبة. وأما قوله: إذا زالت الشمس فصلَّوا، فأخرجه ابن المنذر في
(الأوسط)) ٣٥٨/٢، والطبراني في «الكبير)) (٣٧٠١) و(٣٧٠٣).

٣١٦
باب ٢٩ / ح ٣٨٥٥
فتح الباري بشرح البخاري
أنَّه عبد الله بن مسعود، لأنَّهم في الأكثر إنَّما يُطلِقونَ عبد الله غير منسوب عليه. قلت: وليس
ذلك مُطَّرِداً، وإنَّما يُعرَف ذلك من جهة الرُّواة، وبَسطُ ذلك مُقرَّر في علوم الحديث، وقد صَنَّفَ
فيه الخطيب كتاباً حافلاً سَمّه ((المجمَل لبيان المهمَل))، ووَقَعَ في شرح شيخنا ابن الملَقِّن أنَّ
الدّاووديّ قال: لعلَّه عبد الله بن عَمْرو لا ابن عمر، ثمَّ تَعقَّبَه بأنَّ البخاريّ صَرَّحَ في كتاب
١٦٨/٧ الصلاة (٢٤٠) بأنَّه ابن مسعود،/ قلت: ولم أرَ ما نَسَبَه إلى الدّاووديّ في كلام غيره، فالله أعلم.
٣٨٥٥ - حدّثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ، حدَّثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، حدَّثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ - أو
قال: حدَّثني الحَكَمُ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ - قال: أُمَرَني عبدُ الرحمنِ بنُ أَبْزَى قال: سَلِ ابنَ
عبَّاسٍ عن هاتَينِ الآيتَينِ ما أمرُهما: ((ولا تَقْتُلُوا النَّسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلا بالحقِّ)) ﴿وَمَن
يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٧٠]، فسألتُ ابنَ عبَّاسٍ، فقال: لمَّا أَنْزِلَتِ التي في
الفُرقان [٢٨]، قال مُشرِ كو أهلِ مَّةَ: فقد قَتَلْنا النَّفسَ التي حَرَّمَ الله، ودَعَونا مع الله إلهاً آخَرَ،
وقد أَتينا الفواحشَ، فأنزلَ الله: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٧٠]، فهذِه لأولئكَ، وأمَّا
التي في النِّساءِ [٩٣]: الرجلُ إذا عَرَفَ الإسلامَ وشَرائعَه، ثمَّ قَتَلَ، فجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ.
فذكرتُه لمُجاهدٍ فقال: إلّا مَن نَدِمَ.
[أطرافه في: ٤٥٩٠، ٤٧٦٢، ٤٧٦٣، ٤٧٦٤، ٤٧٦٥، ٤٧٦٦]
الحديث الرابع: حديث ابن عبّاس في توبة القاتل: وسيأتي شرحه في تفسير سورة النِّساء
(٤٥٩٠) إن شاء الله تعالى، والغرض منه الإشارة إلى أنَّ صُنعَ المشركين بالمسلمين من قتلٍ
وتعذيبٍ وغير ذلك سَقَطَ عنهم بالإسلام.
تنبيه: قوله هنا: ((ولا تَقتُّلُوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إلا بالحقِّ)»، كذا وَقَعَ في الرّواية،
والذي في التِّلاوة: ﴿ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]، هكذا في
سورة الفرقان وهي التي ذُكِرَت في بقيَّة الحديث، فتَعيَّنَ أنَّها المراد في أوَّله، ويُمكِن الجواب
عن ذلك، والله أعلم.
الحديث الخامس والسادس: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وابیه عَمْرو بن العاص
على الاختلاف في ذلك.

٣١٧
باب ٢٩ / ح ٣٨٥٦
أبواب المبعث
٣٨٥٦- حدَّثنا عيّاشُ بنُ الوليدِ، حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، حدَّثني الأوزاعيُّ، حدَّثني يحيى
ابنُ أبي كثير، عن محمَّدِ بنِ إبراهيمَ التَّيْمِيِّ، قال: حدَّثني عُرْوةُ بنُ الزُّبَيِ قال: سألتُ ابنَ عَمْرو
ابن العاص: أخبرني بأشدِّ شيءٍ صَنَعَه المشر كونَ بالنبيِّ پے؟ قال: بينا النبيُّ ٹڑ يُصلي في حِجٍ
الكعبةِ، إذ أقبَلَ عُقبةُ بنُ أبي مُعَيطٍ، فَوَضَعَ ثَوبَه في عُنُقِهِ فخَنَقَه خَنقاً شديداً، فأقبَلَ أبو بكرٍ حتَّى
أَخَذَ بمَنكِهِ ودَفَعَه عن النبيِّ وَّةِ، قال: ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًّا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ ﴾ الآية [غافر: ٢٨].
تابَعَه ابنُ إسحاقَ، حدَّثني يحيى بنُ عُرْوةَ، عن عُرْوةَ قلتُ لعبدِ الله بنِ عَمٍو.
وقال عَبْدةُ: عن هشامٍ، عن أبيه قيلَ: لِعَمْرو بنِ العاص.
وقال محمَّدُ بنُ عَمِرٍو، عن أبي سَلَمةَ: حدَّثنِي عَمْرو بنُ العاص.
قوله: ((حدَّثنا عيّاش بن الوليد، حدَّثنا الوليد بن مسلم)) عيّاتٌ شيخُه بالتحتانيّة والمعجَمة:
هو الرَّقّام، وله شيخ آخر لا يَنسُبه في غالب ما يُرِّج عنه، قال الْجَيّانِيّ: وَقَعَ هنا عند
الأَصِيليّ غير مُقيَّد، وزَعَمَ بعضهم أنَّه العبّاس بن الوليد بن مَزْيَد وهو بالموخَّدة والمهمَلة،
ثمَّ نَقَلَ عن أبي ذَرِّ (١): أنَّ البخاريّ ومسلماً ما أخرَجا لابنٍ مَزْيَد شيئاً، قال: ولا أعلم له
روایة عن الوليد بن مسلم.
قوله: ((حدَّثني يحيى بن أبي كثير عن محمَّد بن إبراهيم)) في رواية عليّ بن المدينيّ الآتية في
تفسیر غافر (٤٨١٥): حدَّثني محمد بن إبراهيم.
قوله: ((حدَّثني عُرْوة)) كذا قال الوليد بن مسلم، وخالَفَه أيوب بن خالد الحرانيّ فقال:
عن الأوزاعيِّ عن يحيى بن أبي كثير، حدَّثني أبو سَلَمة قال: قلت لعبدِ الله بن عَمْرو،
أخرجه الإسماعيليّ، وقول الوليد أرجَح.
قوله: ((سألت ابن عَمْرو)) في رواية عليّ المذكورة: قلت لعبدِ الله بن عَمْرو.
قوله: ((بأشَدِّ شيء صَنَعَه ... )) إلى آخره، هذا الذي أجاب به عبد الله بن عَمْرو، ويُخالف
(١) كذا في (أ) على الصواب، وهو الموافق لما في ((تقييد المهمل)) للجيّاني ٥٣٤/٢، وتحرف في (س) إلى: أبي
زفر، وفي (ع) إلى: أبي ذفر، وأبو ذر هذا: هو الحافظ عبد بن أحمد الهرويّ، راوي ((الصحيح)) عن المشايخ
الثلاثة: المستملي والحقُّويّ والكُشميهني.

٣١٨
باب ٢٩ / ح ٣٨٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
ما تقدَّم (٣٢٣١) في ذِكْر الملائكة من حديث عائشة أنَّه ◌ِّ قال لها: ((وكان أشدَّ ما لَقيت
من قومك)) فذكر قِصَّته بالطائفِ مع ثَقيف. والجمع بينهما أنَّ عبد الله بن عَمْرو استَنَدَ إلى
ما رآه، ولم يكن حاضراً للقِصّة التي وَقَعَت بالطائف. وقد روى الزُّبَير بن بكّار والدّارَ قُطنيّ
في ((الأفراد))(١) من طريق عبد الله بن عُرْوة عن عُرْوة: حدَّثني عَمْرو بن عثمان عن أبيه
عثمان قال: أكثرُ ما نالت قريشٌ من رسول الله وَ﴿ أَنّي رأيته يوماً، قال: وذَرَفَت عَيْنا عثمان؛
فذكر قِصّةً يُخالف سياقُها حديثَ عبد الله بن عَمْرو هذا، فهذا الاختلاف ثابت على عُرْوة
في السَّنَد، لكنَّ سنده ضعيف، فإن كان محفوظاً حُلَ على التعدُّد، وليس ببعيدٍ لمَا سأُبيِّنُه.
قوله: ((يُصلِّ في حِجر الكعبة إذ أقبَلَ عُقْبةُ بن أبي مُعَيطِ، فَوَضَعَ ثوبَه فِي عُنُقُه فخَنَقَه)» في
حديث عثمان المذكور: كان رسول الله و * يطوف بالبيت ويده في يد أبي بكر، وفي الحِجر
عُقْبة بن أبي مُعَيط وأبو جهل وأُميَّة بن خَلَف، فمرَّ رسول الله ێ فأسمعوه بعض ما يَكرَه
ثلاث مرات، فلمَّا كان في الشَّوط الرابع ناهَضوه، وأراد أبو جهل أن يأخُذ بمَجامع ثوبِه
فدَفَعتُه، ودَفَعَ أبو بكر أُميَّةَ بن خَلَف، ودَفَعَ رسول الله وَّهِ عُقْبَةَ؛ فهذا السِّياق مُغايِر
لحديث عبد الله بن عَمْرو، وفي حديث عبد الله قول أبي بكر: أتقتُلُونَ رجلاً أن يقول: رَبَِّ الله؟
وفي حديث عثمان أنَّ النبيّ وَِّ قال لهم: ((أما والله لا تَنتهونَ حتَّى تَحِلَّ بكم العِقاب
عاجلاً)) فأخَذَتهم الرِّعدة ... الحديث، وهذا يُقوِّي التعدُّد.
قوله: ((تابَعَه ابن إسحاق قال: حدَّثني يحيى بن عُرْوة ... )) إلى آخره، وَصَلَه أحمد (٧٠٣٦)
من طريق إبراهيم بن سعد، والبزَّار (٢٤٩٧) من طريق بكر بن سليمان كلاهما عن ابن
إسحاق بهذا السَّنَد، وفي أوَّل سياقه من الزّيادة قال: حَضَرتُهم وقد اجتَمع أشرافهم في
الحِجر، فذكروا رسول الله بَّه فقالوا: ما رأينا مثل صَبرنا عليه، سَفَّهَ أحلامَنا، وشَتَمَ
١٦٩/٧ آباءنا، وغَيَّرَ / دينَنا، وفَرَّقَ جماعتَنا. فبينما هم في ذلك إذ أقبَل، فاستَلَمَ الرُّكن، فلمَّا مرَّ بهم
غَمَزوه، وذكر أنَّه قال لهم في الثالثة: ((لقد جئتُكم بالذّبح))، وأنَّهم قالوا له: يا أبا القاسم،
(١) كما في ((الأحاديث المختارة)) للضياء المقدسي ٢١٨/١، وضعَّفه ونقل عن الدار قطني قوله: تفرد به عبد الله بن
عروة عن أبيه ولم يروه عنه غير ابنه سلمة، تفرد به عنه ابنه عبد الله.

٣١٩
باب ٢٩ / ح ٣٨٥٦
أبواب المبعث
ما كنت جاهلاً، فانصَرِف راشداً، فانصَرَف. فلمَّا كان من الغَد اجتَمَعوا فقالوا: ذكرتُم ما
بَلَغَ منكم حتَّى إذا أتاكم بما تَكرَهونَ تَرَكتُموه، فبينما هم كذلك إذ طَلَعَ فقالوا: قوموا إليه
وَثْبةَ رجلٍ واحدٍ، قال: فلقد رأيت رجلاً منهم أخذَ بمجامع ثيابه، وقام أبو بكر دُونه وهو
يبكي فقال: أتقتُلُونَ رجلاً أن يقول: رَبَِّ الله؟ ثمَّ انصَرَ فوا عنه.
قوله: ((وقال عَبْدة عن هشام)) أي: ابن عُرْوة ((عن أبيه: قيل لعَمْرو بن العاص)) هكذا
خالَفَ هشام بن عُرْوة أخاه يحيى بن عُرْوة في الصحابيّ، فقال يحيى: عبد الله بن عَمْرو،
وقال هشام: عَمْرو بن العاص، ويُرجِّح رواية يحيى موافقة محمد بن إبراهيم التيميِّ عن
عُزوة، على أنَّ قول هشام غير مدفوع، لأنَّ له أصلاً من حديث عمرو بن العاص، بدلیل
رواية أبي سَلَمة عن عَمْرو الآتية عَقِب هذا، فيحتمل أن يكون عُرْوة سألَه مَرّة وسألَ أباه
أُخرى، ويُؤيِّده اختلاف السّياقینِ، وقد ذكرت أنَّ عبد الله بن عُزْوة رواه عن أبيه بإسنادٍ
آخر عن عثمان فلا مانع من التعدُّد، نعم لم تَتَّفِقِ الرُّواة عن هشام على قوله: ((عَمْرو بن
العاص)»، فإنَّ سليمان بن بلال وافق عَبدة على ذلك، وخالَفَهما محمد بن فُلَيح فقال: عن
هشام عن أبيه عن عبد الله بن عَمْرو، ذكره البيهقيُّ(١).
قوله: ((وقال محمَّد بن عَمْرو عن أبي سَلَمَةَ: حدَّثني عَمْرو بن العاص)) وَصَلَه البخاريّ في
((خلق أفعال العباد)) (١٥٩) من طريقه، وأخرجه أبو يَعْلى (٧٣٣٩) وابن حِبّان (٦٥٦٩)
عنه من وجه آخر عن محمد بن عَمْرو، ولفظه: ((ما رأيت قُرَيشاً أرادوا قتل رسول الله وَل
إلّا يومَ أُغْرُوا به وهم في ظِلّ الكعبة جُلوس وهو يُصلِّ عند المقام، فقامَ إليه عُقْبة فجَعَلَ
رِداءَه في عُنُقُه ثمَّ جَذَبَه حتى وَجَبَ لِرُكَبَتَه، وتصايَحَ الناس، وأقبَلَ أبو بكر يَشتَدّ حتَّى
أَخَذَ بضَبْع رسول اللهِ وَّهِ من ورائه وهو يقول: أتقتُلُونَ رجلاً أن يقول رَبَِّ الله؟ ثمَّ
انصَرَفوا عنه، فلمَّا قَضَى صلاته مرَّ بهم فقال: ((والذي نفسي بيده، ما أُرسِلت إليكم إلّا
بالذَّبح))، فقال له أبو جهل: يا محمدُ، ما كنت جَهُولاً، فقال: ((أنتَ منهم)).
(١) في ((دلائل النبوة)) ٢٧٧/٢.

٣٢٠
باب ٢٩ / ح ٣٨٥٦
فتح الباري بشرح البخاري
ويدلّ على التعدُّد أيضاً ما أخرجه البيهقيُّ في ((الدَّلائل)) (٢/ ٢٧٧) من حديث ابن عبّاس
عن فاطمة عليها السَّلام قالت: اجتَمع المشرِكونَ في الحِجْر فقالوا: إذا مرَّ محمد ضَرَبَه كلّ
رجل منّا ضربة، فسمعت ذلك فأخبَرته فقال: ((اسكُتِي يا بُنِيَّة)) ثمَّ خرج فدَخل عليهم،
فَرَفَعوا رؤوسهم ثمَّ نَكَسوا، قالت: فأخَذَ قَبضة من تراب فرَمَى بها نحوَهم ثمَّ قال:
((شاهَتِ الوجوهُ))، فما أصاب رجلاً منهم إلّا قُتِلَ يوم بدر كافراً.
وقد أخرج أبو يَعْلى (٣٦٩١) والبزَّار (٧٥٠٧) بإسنادٍ صحيح عن أنس قال: لقد ضَرَبوا
١٧٠/٧ رسول الله وَ ل﴿ مرّةً حتَّى غُشيَ عليه، فقامَ أبو بكر فجَعَلَ ينادي: وَيلَكم! أتقتُلُونَ/ رجلاً
أن يقول: رَبِّيَ الله؟ فتَرَكوه وأقبلوا على أبي بكر؛ وهذا من مراسيل الصحابة.
وقد أخرجه أبو يَعْلى (٥٢) بإسنادٍ حَسَن مُطوَّلاً من حديث أسماء بنت أبي بكر أنَّهم:
قالوا لها: ما أشدّ ما رأيت المشركين بَلَغوا من رسول الله وَّ ر؟ فذكر نحو سياق ابن
إسحاق المتقدِّم قريباً، وفيه: فأتى الصَّريخُ إلى أبي بكر فقال: أدرِك صاحبَك، قالت: فخرج
من عندنا وله غَدائرُ أربعٌ وهو يقول: وَيلكُم! أتقتُلُونَ رجلاً أن يقول: رَبَّ الله؟ فلَهَوْا عنه،
وأقبَلوا إلى أبي بكر، فَرَجَعَ إلينا أبو بكر فجَعَلَ لا يَمَسّ شيئاً من غَدائره إلّا رَجَعَ معه.
ولِقِصّة أبي بكر هذه شاهد من حديث عليّ أخرجه البزَّار (٢٤٨١) من رواية محمد بن
عليّ عن أبيه: أنَّه خَطَبَ فقال: مَن أشجَع الناس؟ فقالوا: أنتَ، قال: أما إنّ ما بارَزَني أحد
إلّا أنصَفتُ منه، ولكنَّه أبو بكر، لقد رأيت رسول الله وَ﴿ أَخَذَته قُرَيش فهذا يَجَؤُه، وهذا
يُتَلْتِلُهُ(١) ويقولون له: أنتَ تجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ فوالله ما دَنا منّ أحد إلّا أبو بكر يَضرِب
هذا ويَدفَع هذا ويقول: وَيلكُم أتقتُلُونَ رجلاً أن يقول: رَبّيَ الله؟ ثمَّ بكَى عليّ ثمَّ قال:
أُنْشِدكم الله أمُؤْمن آلٍ فِرِعَون أفضلُ أم أبو بكر؟ فسَكَتَ القوم، فقال عليّ: والله لَساعةٌ
من أبي بکر خیر منه، ذاك رجل یکثُم إيمانه، وهذا يُعلِن إِيمانَه.
(١) يعني: يشدُّه شدّاً عنيفاً، وتحرفت في (س) إلى: يتلقاه، ووقع في (ع): يليِّيه، ومعناه: يجرُّ ثوبه من ناحية
عنقه.