Indexed OCR Text
Pages 1-20
◌ُ النَّارِى قَتْ بشرّح صِيُّح البُخَارِيّ تأليفٌ الإِكَّامِ الْحَافِظِّ شَكَابِ الِّينِ أحَ بِنْ عَلِيِّ بَنِ حَرِالعَسِّقَلَا فِيّ ٧٧٣ - ٨٥٢ هــ أشرفَ على تحقيق الكتَّابُ ورَاجَعه شُغَيْبٌ الأهتُوُوَطْ عَادكٌ مِّشْد شارك في تخريج نصوصه حقّقَ هَذَا الْجِزِءِ وضّهَهُ وعَلْ عَلَيْ رْعيةُ التحية مَليم عَامِرْ الجزُعُ الْحَادِيُّ عَشرُ الرسالة العالمية 3 فَتََُ النَّارِي بشرح صحيح البخاريّ ١١ عـ نِـ جميع الحقوق محفوظَة للنّاشِةْ الطبعة الأولىُ ١٤٣٤ ھ -٢٠١٣م دار الرسالة العالمية جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل الموني والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بإذن خطي من: شركة الرسالة العالمية م.م. Publishers الإدارة العامة Head Office دمشق - الحجاز شارع مسلم البارودي بناء خولي وصلاحى 2625 (963)11-2212773 (963) 11-2234305 الجمهورية العربية السورية Syrian Arab Republic info@resalahonline.com http://www.resalahonline.com فرع بيروت BEIRUT/LEBANON TELEFAX: 815112-319039- 818615 P.O. BOX:117460 ٥ باب ١ / ح ٣٦٤٩ كتاب فضائل الصحابة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [كتاب فضائل الصّحابة] ٣/٧ ١ - باب فضائل أصحاب النبيِّ وَلّ ومَن صَحِبَ النبيَّ وَّ أو رآهُ مِن المسلمين، فهو من أصحابِهِ. ٣٦٤٩- حذَّثنا عليٌّ بنُ عبدِ الله، حدَّثنا سفيانُ، عن عَمرِو، قال: سمعتُ جابَرَ بنَ عبدِ الله رضي الله عنهما، يقول: حدَّثنا أبو سعيدِ الخُدْريُّ، قال: قال رسولُ الله ◌َلّ: ((يأتي على الناسِ زمانٌ فَيَغزُو فِئامٌ مِن الناسِ، فيقولون: فيكم مَن صاحَبَ رسولَ الله ◌َّهِ؟ فيقولون لهم: نعم، فيُقْتَحُ لهم، ثَّ يأتي على الناسِ زمانٌ، فَغزُو فِئامٌ مِن الناسِ، فيقال: هل فيكم مَن صاحَبَ أصحابَ رسولِ الله وَيٌ؟ فيقولون: نعم، فيُفتَحُ لهم، ثمَّ يأتي على الناسِ زمانٌ، فَيَغزُو فِئامٌ مِن الناسِ، فيقال: هل فيكم مَن صاحَبَ مَن صاحَبَ أصحابَ رسولِ الله وَّ؟ فيقولون: نعم، فيُفتَحُ لهم)). قوله: ((باب فضائل أصحاب رسول الله وَليت)) أي: بطريق الإجمال ثمَّ التفصيل. أمَّا الإجمال فَيَشْمَل جميعَهم، لكنَّ اقتَصَرَ فيه على شيءٍ ممَّا يوافق شرطَه. وأمَّا التفصيل فلمَن وَرَدَ فيه شيءٌ بخُصوصِه على شرطه. وسَقَطَ لفظ ((باب)) من رواية أبي ذرٍ وحدَه. قوله: ((ومَن صَحِبَ النبيَّ وَليل أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه)) يعني: أنَّ اسم صُحْبة النبيِّ وَّ﴿ مُستَحِقٌّ لمن صَحِبَه أقلّ ما يُطلَق عليه اسم صُحْبة لغةً، وإن كان العُرف يَخُصّ ذلك ببعض الملازمة. ويُطلَق أيضاً على مَن رآه رُؤْيةً ولو على بُعدٍ. وهذا الذي ذكره البخاري هو الراجح، إلّا أنَّه هل يُشتَرط في الرائي أن يكون بحيثُ يُميِّز ما رآه، أو يُكتَفى بمُجرَّدٍ حصول الرُّؤْية؟ محلّ نَظَرِ، وعَمَلُ مَن صَنَّفَ في الصحابة يدلّ على الثاني، فإنَّهم ذكروا مثل محمَّدٍ بن أبي بكر الصِّدِّيق، وإنَّما وُلِدَ قبل وفاة النبيِ رَّ بثلاثة أشهر وأيام، كما ثَبَتَ في ((الصحيح)): أنَّ/ أمّه أسماءَ بنتَ عُمَيسٍ ولدته في حَجَّة ٤/٧ ٦ باب ١ / ح ٣٦٤٩ فتح الباري بشرح البخاري الوَدَاع قبل أن يدخلوا مكَّة (١)، وذلك في أواخر ذي القَعْدة سنة عشر من الهجرة، ومع ذلك فأحاديث هذا الضَّرب مراسيل، والخلاف الجاري بين الجمهور وبين أبي إسحاق الإسفراييني ومَن وافقه على ردِّ المراسيل مُطلَقاً حتَّى مراسيلِ الصحابة، لا يجري في أحاديث هؤلاء، لأنَّ أحاديثهم من قَبِيل مراسيل كبار التابعين لا من قَبِيل مراسيل الصحابة (٢) الذين سمعوا من النبي ◌َّ، وهذا ممَّا يُلغَز به فيُقال: صحابيُّ حديثه مُرسَل لا يَقبله مَن يَقبل مراسيل الصحابة. ومنهم مَن بالَغَ فكان لا يَعُدّ في الصحابة إلّا مَن صَحِبَ الصُّحبة العُرْفية، كما جاء عن عاصم الأحوَل قال: رأى عبدُ الله بن سَرجِسَ رسولَ الله وََّ، غير أنَّه لم يكن له صُحْبة. أخرجه أحمد (٢٠٧٧٩)، هذا مع كَون عاصم قد روى عن عبد الله بن سَرجِس هذا عِدَّة أحاديث، وهي عند مسلم وأصحاب ((السُّنَن))، وأكثرها من رواية عاصم عنه، ومن ◌ُملَتها قوله: إنَّ النبي ◌َّ اسْتَغْفَرَ له(٣). فهذا رأيُ عاصم أنَّ الصحابي مَن يكون صَحِبَ الصُّحبةَ العُرفية، وكذا رُويَ عن سعيد بن المسيّب أنَّه كان لا يَعُدّ في الصحابة إلّا مَن أقامَ مع النبي ◌ََّسنةً فصاعداً أو غزا غزوة فصاعداً، والعملُ على خلاف هذا القول، لأنَّهم اتَّفَقوا على عَدّ جمْعٍ جَمٍّ في الصحابة لم يجتمعوا بالنبي وَّهَ إلّا في حَجَّة الوداع، ومَن اشتَرَطَ الصُّحبة العُرفية أخرج مَن له رُؤية أو مَن اجتَمع به لكن فارَقَه عن قُرب، كما جاء عن أنس أنَّه قيل له: هل بقيَ من أصحاب النبيِّ ◌َّ﴿ غيرُك؟ قال: لا(٤)، مع أنَّه كان في ذلك الوقت عدد كثير ممَّن لَقِيَه من الأعراب. (١) أخرجه مسلم (١٢١٨) من حديث جابر بن عبد الله. (٢) في (س): ((لا من قبيل مراسيل كبار التابعين ولا من قبيل ... )) إلخ، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا من الأصلين، وهو الموافق لما جاء في ((فتح المغيث)) للسخاوي ٣/ ٩٥ فيما نقله عن شيخه الحافظ. (٣) أخرجه مسلم (٢٣٤٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠١٧١). (٤) أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٣٧٩/٩ من طريق ابن سعد بسنده إلى أنس، وقال ابن الصلاح في (مقدمته)) ص ٢٩٤: إسناده جيد، حدَّث به مسلمٌ بحضرة أبي زرعة. ٧ باب ١ / ح ٣٦٤٩ كتاب فضائل الصحابة ومنهم مَن اشتَرَطَ في ذلك أن يكون حين اجتماعِه به بالغاً، وهو مردودٌ أيضاً لأنَّه يُخِرِج مثلَ الحسن بن عليّ ونحوه من أحداث الصحابة، والذي جَزَمَ به البخاريُّ هو قول أحمد والجمهور من المحدِّثين. وقول البخاريِّ: ((من المسلمين)) قيدٌ يَخْرُج به مَن صَحِبَه أو مَن رآه من الكفَّار، فأمَّا مَن أسلَمَ بعد موته منهم، فإن كان قوله: ((من المسلمين)) حالاً، خرج مَن هذه صفتُه وهو المعتَمَد. ويَرِدُ على التعريف مَن صَحِبَه أو رآه مُؤمِناً به ثمَّ ارتَدَّ بعد ذلك ولم يَعُد إلى الإسلام فإنَّه ليس صحابيّاً اتِّفاقاً، فينبغي أن يُزاد فيه: ((وماتَ على ذلك)). وقد وَقَعَ في ((مسند أحمد))(١) حديث ربيعة بن أُميَّة بن خَلَف الجُمَحي، وهو ثمَّن أسلَمَ في الفتح وشَهِدَ مع رسول الله وََّ حَجَّة الوداع وحدَّث عنه بعد موته، ثمَّ لَحِقَه الخِذْلانُ فَلَحِقَ في خلافة عمر بالرُّومِ وتَنصَّرَ بسبب شيء أغضَبَه، وإخراجُ حديثٍ مثل هذا مُشكِل، ولعلَّ مَن أخرجه لم يَقِف على قصَّة ارتداده، والله أعلم. فلو ارتَدَّ ثَمَّ عادَ إلى الإسلام لكن لم يَرَه ثانياً بعد عَوْده، فالصحيح أنَّه معدود في الصحابة لإطباق المحدِّثين على عَدّ الأشعَث بن قيس ونحوِه مَّن وَقَعَ له ذلك، وإخراجهم أحاديثهم في المسانيد. وهل يختصُّ جميع ذلك ببني آدم، أو يَعُمّ غيرهم من العُقَلاء؟ محلّ نظر، أمَّا الجِنّ فالراجح دخولهم، لأنَّ النبيَّ وَلِّ بُعِثَ إليهم قَطْعاً، وهم مُكلَّفون، فيهم العُصاة والطائعون، فمَن عُرِفَ اسمه منهم لا ينبغي التردُّد في ذِكْره في الصحابة وإن كان ابن الأثير عابَ ذلك على أبي موسى فلم يَستَنِد في ذلك إلى حُجَّة. وأمَّا الملائكة فيَتَوقَّف عَدُّهم فيهم على ثبوت بِعْثِه إليهم، فإنَّ فيه خلافاً بين الأُصولِيِّين، حتَّى نَقَلَ بعضهم الإجماع على ثبوته، وعَكَسَ بعضهم، وهذا كلَّه فيمن رآه وهو في قَید الحياة الدُّنيَوية، أمَّا مَن رآه بعد موته وقبلَ دفنِه فالراجح أنَّه ليس بصحابي وإلّا لَعُدَّ مَن اتَّفَقَ أن يرى جسدَه المكرّم وهو في قبره المعظّم ولو في هذه الأعصار، وكذلك مَن كُشِفَ (١) هذا ذهولٌ من الحافظ رحمه الله، فليس له في «مسند أحمد» أيُّ حدیث، حتى هو نفسه لم یذکره في كتابه (أطراف المسند))، وترجم له في ((الإصابة)) (٢٧٥٤) فلم يذكر أن أحمد روى له. ٨ باب ١ / ح ٣٦٤٩ فتح الباري بشرح البخاري له عنه من الأولياء فرآه كذلك على طريق الكرامة، إذ حُجَّة مَن أثبَتَ الصُّحْبة لمن رآه قبلَ دفنِهِ أنَّه مُستمِرُّ الحياة، وهذه الحياة ليست دُنيَوية وإنَّما هي أُخرَوية لا تتعلَّق بها أحكام الدُّنيا، فإنَّ الشُّهَداء أحياءٌ ومع ذلك فإنَّ الأحكام المتعلّقة بهم بعد القتل جاريةٌ على أحكام غيرهم من الموتى، والله أعلم. ٥/٧ وكذلك المراد بهذه الرُّؤية مَن اتَّفَقَت له مَمَّن تقدَّم/ شرحُه وهو يقظانُ، أمَّا مَن رآه في المنام وإن كان قد رآه حقّاً فذلك ممّا يَرجِعُ إلى الأُمور المعنوية لا الأحكام الدُّنيَوية، فلذلك لا يُعَدُّ صحابيّاً ولا يجب عليه أن يعمل بما أمَرَه به في تلك الحالة، والله أعلم. وقد وجدتُ ما جَزَمَ به البخاري من تعريف الصحابي في كلام شيخه عليّ بن المَدِينيِّ، فقرأت في ((المستخرَج)) لأبي القاسم بن مَندَه بسنده إلى أحمد بن سَيّار الحافظ المروزي قال: سمعت أحمد بن عَتِيك يقول: قال عليّ بن المديني: مَن صَحِبَ النبيَّ وَّيه أو رآه ولو ساعةً من نهار، فهو من أصحاب النبي ◌ِِّ، وقد بسطتُ هذه المسألة فيما جمعتُه من علوم الحديث، وهذا القَدْر في هذا المكان كافٍ. ثمَّ ذَكَر المصنِّفُ في الباب ثلاثةَ أحاديث: أحدها: حديث جابر بن عبد الله عن أبي سعيد، وهو من رواية صحابي عن صحابي. قوله: ((يأتي على الناس زمان فيَغزُو فِئام)) بكسر الفاء ثمَّ تحتانية بهمزةٍ، وحُكيَ فيه تَرك الهمزة، أي: جماعة، وقد تقدَّم ضبطُه في ((باب مَن استَعان بالضُّعَفاء)) في أوائل الجهاد (٢٨٩٧). ويُستَفاد منه بُطْلان قول مَن ادَّعى في هذه الأعصار المتأخِّرة الصُّحبة، لأنَّ الخَبَرَ يَتَضَمَّن استمرار الجهاد والبُعوثَ إلى بلاد الكفَّار وأنَّهم يُسألونَ: هل فيكم أحدٌ من أصحابه؟ فيقولون: لا، وكذلك في التابعين وفي أتباع التابعين، وقد وَقَعَ كلّ ذلك فيما مضى وانقَطَعَت البعوث عن بلاد الكفَّار في هذه الأعصار، بل انعَكَسَ الحالُ في ذلك على ما هو معلوم مُشاهَد من مُدَّة مُتَطاولة ولا سيَّما في بلاد الأندَلُس. وضَبَطَ أهل الحديث آخِر مَن ماتَ من الصحابة، وهو على الإطلاق: أبو الطُّفَيل عامر ٩ باب ١ / ح ٣٦٥٠ كتاب فضائل الصحابة ابن واثِلة اللَّيئي، كما جَزَمَ بن مسلم في «صحيحه» (٢٣٤٠)، وکان موته سنةَ مئة، وقيل: سنة سبع ومئة، وقيل: سنة عشر ومئة، وهو مُطابق لقوله ◌َ ل قبل وفاته بشهرٍ: ((على رأس مئة سنةٍ لا يبقى على وجه الأرض ممَّن هو عليها اليومَ أحدٌ))(١). ووَقَعَ في رواية أبي الزُّبَير عن جابر عند مسلم (٢٠٩/٢٥٣٢) ذِكْر طبقة رابعة ولفظُه: (يأتي على الناس زمان يُبعَث منهم البَعْث فيقولون: انظُرُوا هل تَّجِدونَ فيكم أحداً من أصحاب النبيِّ ◌َِّ؟ فيُوجد الرَّجل فيُفتَح لهم، ثمَّ يُبعَث البَعتُ الثاني(٢) - إلى أن قال - ثمَّ يكون البَعْث الرابع)) وهذه الرِّواية شاذَّة، وأكثر الرِّوايات مُقتَصِرةٌ على الثلاثة كما سأوضحُ ذلك في الحديث الذي بعده. ومثله حديث واثِلَةَ رَفَعَه: «لا تزالونَ بخيرٍ ما دامَ فيكم مَن رآني وصاحَبني، والله لا تزالونَ بخيرٍ ما دامَ فيكم مَن رأى مَن رآني، وصاحَبَ من صاحَبني)) الحديث، أخرجه ابن أبي شَيْبة (١٢/ ١٧٨) وإسناده حسنٌ. الحديث الثاني: ٣٦٥٠- حدَّثني إسحاقُ، حدَّثنا النَّضرُ، أخبرنا شُعْبةُ، عن أبي جَمْرةَ، سمعتُ زَهدَمَ بنَ مُضْرِّبٍ، قال: سمعتُ عِمرانَ بنَ حُصَين رضي الله عنهما، يقول: قال رسولُ اللهِوَالَ: ((خيرُ أمَّتِي قَرْني، ثمَّ الذين يَلُونَهم، ثمَّ الذين يَلُونَهم - قال عِمرانُ: فلا أدري أَذكَرَ بعدَ قَرْنِهِ قَرْنَینِ أو ثَلاثَةً - ثمَّ إنَّ بعدَكم قوماً يَشهَدونَ ولا يُستَشهَدونَ، ويَخونونَ ولا يُؤْتَمنونَ، ويَنِذِرونَ ولا يَقُونَ، ويَظهَرُ فيهم السِّمَنُ)». قوله: ((حدَّثنا إسحاق)) هو ابن راهويه، وبذلك جَزَمَ ابن السَّكَن وأبو نُعَيم في ((المستخرَج))، والنَّضر: هو ابن شُمَيلٍ، وأبو جَمْرة - بالجيم والراء - صاحب ابن عبّاس، وحدَّث هنا عن تابعيٍّ مثلِه. (١) أخرجه مسلم (٢۵٣٧) من حديث ابن عمر، و(٢۵٣٨) من حديث جابر. (٢) زاد بعده في (س): ((فيقولون: انظروا)) وليست في الأصلين ولا في ((الصحيح)). ١٠ باب ١ / ح ٣٦٥٠ فتح الباري بشرح البخاري قوله: ((خير أمَّتِي قَرْني)) أي: أهلُ قَرْني، والقَرْن: أهل زمان واحِدٍ مُتَقارب اشتَرَكوا في أمر من الأُمور المقصودة، ويقال: إنَّ ذلك مخصوص بما إذا اجتَمَعوا في زمن نبيٍّ أو رئيس يجمعهم على مِنَّة أو مذهب أو عمل. ويُطلَق القَرْنُ على مُدَّةٍ من الزَّمان، واختَلَفوا في تحديدها من عشرة أعوام إلى مئة وعشرين، لكن لم أرَ مَن صَرَّحَ بالسَّبعين ولا بمئةٍ وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائلٌ. وذكر الجَوْهري بين الثلاثين والثَّانين، وقد وَقَعَ في حديث عبد الله بن بُسْر عند مسلم(١) ما يدلّ على أنَّ القرنَ مئةٌ وهو المشهور. وقال ((صاحب المطالع)): القَرْن أمَّة هَلَكَت فلم يَبقَ منهم أحد، وثَبَتَت المئة في حديث عبد الله بن بُسر وهي ما عند أكثر أهل العُرْفِ(٢)، ولم يَذكُر صاحب ((المحكم)) الخمسين وذكر من عشر إلى سبعين، ثمّ قال: هذا هو القَدْر المتوسّط من أعمار أهل كلّ زَمَن، وهذا أعدَلُ الأقوال، وبه صَرَّحَ ابن الأعرابي وقال: إنَّه مأخوذ من الأقران، ويُمكِن أن يُحمَل عليه المختلَف من الأقوال المتقدِّمة ثمّن قال: إنَّ القرن أربعونَ فصاعداً، أمَّا مَن قال: إنَّه دون ذلك، فلا يَلَئِم على هذا القول، والله أعلم. ٦/٧ والمراد بقَرْنِ النّبِّ وَّهِ في هذا الحديث: / الصحابةُ، وقد سَبَقَ في صِفة النبي (٣٥٥٧) قوله: ((وبُعِثت في خير قُرون بني آدم))، وفي رواية بُرَيدة عند أحمد (٢٣٠٢٤): ((خير هذه الأُمَّة القَرْنُ الذين بُعِثت فيهم))، وقد ظَهَرَ أنَّ الذي بين البِعْثة وآخِر مَن ماتَ من الصحابة مئةُ سنةٍ وعشرونَ سنةً أو دُونها أو فَوقها بقليلٍ على الاختلاف في وفاة أبي الحُّفَيل، وإن اعتُبرَ ذلك من بعد وفاته ◌ِّهِ فيكون مئةَ سنةٍ أو تسعين أو سبعاً وتسعين. (١) إنما وقع هذا عند أحمد (١٧٦٨٩)، والحاكم ٤/ ٥٠٠، ولفظه عند الحاكم: أن النبي ◌َّ قال: ((يعيش هذا الغلام قرناً» قال: فعاش مئة سنة، وأما حديثه عند مسلم (٢٠٤٢) ففيه قوله: نزل رسول الله ◌َلقول على أبي فقرَّبنا إليه طعاماً ... ، وفي آخره قال ◌َليِ: ((اللهم بارك لهم في ما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم))، وليس فيه ذكر القرن. (٢) تحرف في (س) إلى: العراق. ١١ باب ١ / ح ٣٦٥٠ كتاب فضائل الصحابة وأمَّا قَرْن التابعين فإن اعتُبرَ من سنة مئة كان نحوَ سبعين أو ثمانين، وأمَّا الذين بعدهم فإن اعتُبِرَ منها كان نحواً من خمسين، فظَهَرَ بذلك أنَّ مُدَّة القَرْن تَخْتَلِف باختلاف أعمار أهل كلّ زمان، والله أعلم. واتَّفَقوا أنَّ آخِر مَن كان من أتباع التابعين ممَّن يُقبَل قولُه مَن عاشَ إلى حُدود العشرين ومثَتَينٍ، وفي هذا الوقت ظَهَرَت البِدَعِ ظُهوراً فاشياً، وأَطلقَت المعتَزِلة أَلْسِنَتَها، ورَفَعَت الفَلاسفةُ رُؤوسَها، وامتُحِنَ أهلُ العلم ليقولوا بخَلْقِ القُرآن، وتَغيَّرَت الأحوال تَغْيُّراً شديداً، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن، والله المستعانُ. وظَهَرَ قوله نَّهِ: ((ثمَّ يَفشُو الكذِب))(١) ظُهوراً بيِّناً حتَّى يَشمَل الأقوال والأفعال والمعتقدات، والله المستعان. قوله: (ثمَّ الذين يَلُونَهم)) أي: القَرْن الذي بَعدهم: وهم التابعونَ ((ثمَّ الذين يَلُونَهم) وهم أتباع التابعين. واقتَضى هذا الحديث أن تكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعونَ أفضل من أتباع التابعين، لكن هل هذه الأفضلية بالنّسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محلّ بَحث، وإلى الثاني نَحَا الجمهور، والأوَّل قول ابن عبد البَرِّ، والذي يَظهَر أنَّ مَن قاتَلَ مع النبي ◌َليل أو في زمانه بأَمره أو أنفَقَ شيئاً من ماله بسَبَبه، لا يَعِدِلُه في الفضل أحد بَعده كائناً من كان، وأمَّا مَن لم يقع له ذلك فهو محلّ البحث، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ ﴾ الآية [الحديد: ١٠]. واحتَجَّ ابن عبد البَرِّ بحديثِ: ((مَثَل أمَّتِي مَثَل المطَر لا يُدرى أوَّلُه خيرٌ أم آخرُه)) وهو حديث حَسَن له طرق قد يَرتَقي بها إلى الصِّحَّة. وأغرَبَ النَّوَوي فعَزَاه في ((فتاويه)) إلى ((مُسنَد أبي يَعْلى)) (٣٤٧٥) من حديث أنس بإسنادٍ ضعيف، مع أنَّه عند التِّرمِذي (٢٨٦٩) بإسنادٍ أقوى منه من حديث أنس، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٧٢٢٦) من حديث عَّار، وأجابَ (١) أخرجه أحمد (١١٤)، وابن ماجه (٢٣٦٣)، والترمذي (٢١٦٥)، والنسائي في ((الكبرى)) (٩١٧٥) من حديث عمر. ١٢ باب ١ / ح ٣٦٥٠ فتح الباري بشرح البخاري عنه النَّوَوي بما حاصلُه: أنَّ المراد مَن يَشْتَبِه عليه الحالُ في ذلك من أهل الزّمان الذين يُدرِكونَ عيسى ابن مريم عليه السلام ويَرَونَ في زمانه من الخير والبَرَكة وانتِظام كلمة الإسلام ودَخْض كلمة الكفر، فيَشتَبِهِ الحال على مَن شاهَدَ ذلك: أيُّ الَّمانينِ خير، وهذا الاشتباه مُندَفِعٌ بصريح قوله بَّهِ: ((خيرُ القُرون قَرْني))، والله أعلم. وقد روى ابن أبي شَيْبة (٥١٧/١٤) من حديث عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير - أحد التابعين - بإسنادٍ حَسَن قال: قال رسول الله وَّهِ: ((ليُدرِكَنَّ المسيحَ أقوامٌ إِنَّهم لمثلُكم أو خيرٌ - ثلاثاً - ولن يُجْزِيَ الله أمَّة أنا أوَّلُها والمسيحُ آخرُها))، وروى أبو داود (٤٣٤١) والتِّرمِذي (٣٠٥٨) من حديث أبي ثَعْلبة، رَفَعَه: ((تأتي أيام للعاملِ فيهِنَّ أَجرُ خمسين)) قيل: منهم أو منّا يا رسولَ الله؟ قال: ((بل منكم))، وهو شاهد لحديثِ: ((مَثَل أمَّتي مَثَل المطَر))، واحتَجَّ ابن عبد البَرِّ أيضاً بحديثٍ عمرَ رَفَعَه: ((أفضلُ الخَلْق إيماناً قومٌ في أَصلاب الرِّجال يُؤْمِنونَ بي ولم يَرَوْني)) الحديث، أخرجه الطَّيالسُّ وغيرُه(١)، لكن إسناده ضعيف فلا حُجَّة فيه. وروى أحمد (١٦٩٧٦) والدَّارِمي (٢٧٤٤) والطبراني (٣٥٣٧) من حديث أبي جُمعة قال: قال أبو عُبيدة: يا رسول الله، أَحدٌ خيرٌ مِنّا؟ أَسلَمْنا معك، وجاهَدْنا معك، قال: ((قوم يكونونَ من بَعدِكم يُؤْمِنونَ بي ولم يَرَوني» وإسناده حَسَن، وقد صَحَّحَه الحاكم (٨٥/٤). واحتَجَّ بأنَّ السَّبَب في كون القَرْن الأوَّل خيرَ القُرون أنَّهم كانوا غُرَباء في إيمانهم لكَثْرة الكفَّار حينئذٍ وصَبْرهم على أذاهم وتَمسُّكهم بدينهم، قال: فكذلك أواخِرُهم إذا أقاموا الدِّين وتَسَّكوا به / وصَبَروا على الطاعة حين ظُهور المعاصي والفتن كانوا أيضاً عند ذلك ٧/٧ غُرَباءَ، وزَكَت أعمالهم في ذلك الزّمان كما زَكَت أعمال أولئك، ويَشهَد له ما رواه مسلم (١٤٥) عن أبي هريرة رَفَعَه: ((بَدَأ الإسلامُ غريباً وسيعودُ غريباً كما بَدَأْ، فطُوبى للغُرَباءِ)). وقد تُعقِّبَ كلام ابن عبد البَرِّ بأنَّ مُقتَضى كلامه أن يكون فيمَن يأتي بعد الصحابة مَن (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((مسند الطيالسي))، وأخرجه البزار في «مسنده)) (٢٨٩)، وأبو يعلى (١٦٠)، والحاكم ٤/ ٨٥-٨٦. ١٣ باب ١ / ح ٣٦٥٠ كتاب فضائل الصحابة يكون أفضلَ من بعض الصحابة، وبذلك صَرَّحَ القُرطُبي، لكنَّ كلام ابن عبد البَرِّ ليس على الإطلاق في حَقّ جميع الصحابة، فإنَّه صَرَّحَ في كلامه باستثناءِ أهل بدر والحُدَيبيّة. نعم، والذي ذهب إليه الجمهور أنَّ فضيلة الصُّحبة لا يَعدِلها عملٌ لمشاهدة رسول الله وَلَه، وأمَّا مَنِ اتَّفَقَ له الذَّبُّ عنه والسَّبْقُ إليه بالهجرةِ أو النُّصرةِ، وضَبْطُ الشَرع المتلقّى عنه وتبليغُه لمن بعده، فإنَّه لا يَعدِله أحد ممَّن يأتي بعده، لأنَّه ما من خَصْلة من الخِصال المذكورة إلّا وللذي سَبَقَ بها مثلُ أجرٍ مَن عَمِلَ بها من بعده، فظَهَرَ فضلُهم. ومُحصَّل النِّزاعِ يَتَمَخَّضُ فيمن لم يَحَصُل له إلّا مُجرَّد المشاهدة كما تقدَّم، فإن جُمِعَ بين مُخْتَلِفِ الأحاديث المذكورة كان مُتَّجِهاً، على أنَّ حديث: ((للعاملِ منهم أجرُ خمسين منكم))(١) لا يدلّ على أفضلية غير الصحابة على الصحابة، لأنَّ مُجرَّد زيادة الأجر لا يَستَلِزِم ثُبُوتَ الأفضلية المطلقة، وأيضاً فالأجر إنَّما يقع تَفاضُله بالنّسبة إلى ما يُمثِله في ذلك العمل، فأمَّا ما فازَ به مَن شاهَدَ النبيَّ وَّر من زيادة فضيلة المشاهدة فلا يَعدِلُه فيها أحد، فبهذه الطَّريق يُمكِن تأويل الأحاديث المتقدِّمة، وأمَّا حديث أبي جُمعة فلم تَتَّفِقِ الزُّواة على لفظه، فقد رواه بعضهم بلفظ الخيريَّة كما تقدَّم، ورواه بعضهم بلفظ: قلنا: يا رسولَ الله، هل من قوم أعظَمُ منّا أجراً؟)) الحديث، أخرجه الطبراني (٣٥٤٠)، وإسناد هذه الرِّواية أقوى من إسناد الرِّواية المتقدِّمة، وهي توافق حديث أبي ثَعْلبة، وقد تقدَّم الجواب عنه، والله أعلم. قوله: ((فلا أدري أَذكرَ بعد قَرْنه قَرْنَينِ أو ثلاثةً)) وَقَعَ مثل هذا الشكّ في حديث ابن مسعود (٢٥٣٣) وأبي هريرة (٢٥٣٤) عند مسلم، وفي حديث بُرَيدة عند أحمد (٢٣٠٢٤)، وجاء في أكثر الطّرق بغير شكِّ، منها عن التُّعمان بن بشير عند أحمد (١٨٣٤٩)، وعند مسلم (٢٥٣٦) عن عائشة: قال رجل: يا رسولَ الله، أيُّ الناس خيرٌ؟ قال: ((القَرْنُ الذي أنا فيه، ثمَّ الثاني، ثمَّ الثالث)، ووَقَعَ في رواية الطبراني (٥٤٦٠) وسَمّويه ما يُفَسِّر به هذا السُّؤال، وهو ما أخرَجاه من طريق بلال بن سعد بن تميم عن أبيه قال: قلت: يا رسولَ الله، أيُّ الناس خيرٌ؟ (١) أخرجه من حديث أبي ثعلبة: أبو داود (٤٣٤١)، وابن ماجه (٤٠١٤)، والترمذي (٣٠٥٨) وحسّنه. ١٤ باب ١ / ح ٣٦٥١ فتح الباري بشرح البخاري فقال: ((أنا وقَرْني))(١)، فذكر مثلَه. وللطَّالسي (٣٢) من حديث عمر رَفَعَه: «خير أمَّتي القَرْن الذي أنا منهم، ثمَّ الثاني، ثمَّ الثالث))، ووَقَعَ في حديث جَعْدة بن هُبَيرة عند ابن أبي شَيْبة (١٧٦/١٢) والطبراني (٢١٨٧) إثبات القَرْن الرابع، ولفظُه: ((خيرُ الناس قَرْني، ثمَّ الذينَ يَلُونَهم، ثمَّ الذينَ يَلُونَهم، ثمَّ الذينَ يَلُونَهم، ثمَّ الآخرونَ أَردً، ورجاله ثقات، إلّا أنَّ جَعْدة مُختَلَف في صُحبَته، والله أعلم. قوله: ((ثُمَّ إنَّ بعدهم (٢) قوماً)) كذا للأكثر، ولبعضهم: ((قوم))، فيحتمل أن يكون من الناسخ على طريقة مَن لا يَكتُب الألف في المنصوب، ويحتمل أن تكون ((إنَّ)) تَقريريَّة بمعنى: ((نعم)) وفيه بُعْدٌ وتكلُّفٌ. واستُدِلَّ بهذا الحديث على تعديل أهل القرون الثلاثة وإن تَفاوَتَت منازلهم في الفضل، وهذا محمولٌ على الغالب والأكثرية، فقد وُجِدَ فيمَن بعد الصحابة من القَرنَينِ مَن وُجِدَت فيه الصِّفات المذكورة المذمومة لكن بقِلَّةٍ، بخلاف مَن بَعد القرون الثلاثة، فإنَّ ذلك كَثُرَ فيهم واشتَهَر، وفيه بيان مَن تُرَدُّ شهادتُهم وهم مَن اتَّصَفَ بالصِّفات المذكورة، وإلى ذلك الإشارة بقوله: (ثمَّ يَفْشُو الكذِبُ)) أي: يَكثُر. واستُدِلَّ به على جواز المفاضلة بين الصحابة، قاله المازَرِيّ، وقد تقدَّم باقي شرحه في الشَّهادات (٢٦٥١). ٣٦٥١- حدَّثنا محمَّدُ بنُ كَثيرٍ، أخبرنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَبيدةَ، عن عبدِ الله عُ، أنَّ النبيَّ ◌َّه قال: ((خيرُ الناسِ قَرْني، ثمَّ الذين يَلُونَهم، ثمَّ الذين يَلُونَهم، ثمَّ يَجِيءُ قومٌ تَسِقُ شهادةُ أحدِهم يَمِينَه، ويَمِينُهُ شهادته)). قال إبراهيمُ: وكانوا يَضرِبونَنا على الشَّهادةِ والعَهدِ ونحنُ صِغارٌ. الحديث الثالث: حديث ابن مسعود في المعنى. وقد تقدَّم في الشَّهادات سنداً ومتناً، وتقدَّم من شرحه هناكَ ما يتعلَّق بالشَّهادات (٢٦٥٢)، والله أعلم. (١) وفي المطبوع منه بلفظ: ((أنا وأقراني)). (٢) كذا وقع في أصول ((الفتح))، والذي في روايات اليونينية بلا خلاف: (بعدكم)) وعليه شرح القسطلاني ٦/ ٨١ وقال: بالكاف. ١٥ باب ٢ كتاب فضائل الصحابة ٢- باب مناقب المهاجرين وفضلهم ٨/٧ منهم أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ أبي قُحَافَةَ التَّيْمِيُّ ﴾. وقولِ لله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللّهِ وَرِضْوَنًا وَيَصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. قالت عائشةُ، وأبو سعيدٍ، وابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهم: وكان أبو بكرٍ مع النبيِّ ◌َّ في الغار. قوله: ((باب مناقب المهاجرين وفَضْلهم)) سَقَطَ لفظ: ((باب)) من رواية أبي ذرِّ، والمراد ٩/٧ بالمهاجرين: مَن عَدا الأنصار ومَن أسلَمَ يوم الفتح وهَلُمَّ جَرّاً، فالصحابة من هذه الحَيثيّةِ ثلاثةُ أصناف، والأنصار: هم الأَوس والخَزْرَج وحُلَفَاؤُهم ومَواليهم. قوله: ((منهم أبو بكر عبد الله بن أبي قُحافَة التَّيْمي)) هكذا جَزَمَ بأنَّ اسم أبي بكر عبدُ الله وهو المشهور، ويقال: كان اسمُه قَبل الإسلام عبدَ الكعبة، وكان يُسَمّى أيضاً عَتيقاً، واختُلِفَ هل هو اسمٌ له أصليٍّ أو قيل له ذلك، لأنَّه ليس في نَسَبه ما يُعاب به، أو لِقِدَمِه في الخير وسَبْقه إلى الإسلام، أو قيل له ذلك لِحُسْنِهِ، أو لأنَّ أمّه كان لا يعيش لها ولد فلمَّا وُلِدَ استَقَبَلَت به البيت فقالت: اللهمَّ هذا عَتيقك من الموت، أو لأنَّ النبيَّ وَّهِ بَشَرَه بأنَّ الله أعتَقَه من النار، وقد وَرَدَ في هذا الأخير حديث عن عائشة عند التِّرمِذي (٣٦٧٩)، وآخَر عن عبد الله بن الزُّبَير عند البزَّار (٢٢١٣)، وصَحَّحَه ابن حِبّان (٦٨٦٤) وزاد فيه: ((وكان اسمه قبل ذلك عبد الله بن عثمان))، وعثمان اسم أبي قُحَافة لم يُخْتَلَف في ذلك كما لم يُخْتَلَف في كُنية الصِّدِّيق، ولُقِّبَ الصِّدِّيق لِسَبْقِه إلى تصديق النبيِّ وََّ، وقيل: كان ابتداء تسميته بذلك صَبِيحة الإسراء. وروى الطبراني (١٤) من حديث عليّ: ((أنَّه كان يَحِلِفُ أنَّ الله أنزَلَ اسم أبي بكر من السماء: الصِّدِّيقُ)) رجاله ثقات. وأمَّا نَسَبُه فهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عَمْرو بن كعب بن سعد بن تَيْم بن مُرَّة ابن كعب بن لُؤَيّ بن غالب، يجتمع مع النبي ◌ِِّ فِي مُرَّة بن كعب، وعَددُ آبائهما إلى مُرَّة ١٦ باب ٢ فتح الباري بشرح البخاري سواءٌ، وأُمّ أبي بكر سَلْمى وتُكْنى أمَّ الخير بنت صخر بن مالك بن عامر بن عَمْرو المذكور، أسلَمَت وهاجَرَت، وذلك معدود من مناقبه، لأنَّه انتَظَمَ إسلامُ أبَوَيه وجميعُ أولاده. قوله: ((وقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ﴾ الآية)) ساقَها الأَصِيلي وكَرِيمة إلى قوله: ﴿هُمُ الصَّدِقُونَ﴾، وأشارَ المصنِّف بهذه الآية إلى ثبوت فضل المهاجرين لمَا اشتَمَلَت عليه من أوصافهم الجميلة وشهادة الله تعالى لهم بالصّدقِ. قوله: ((وقال الله تعالى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ﴾ الآية)) ساقَ في رواية الأَصِيلِي وكَرِيمة إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، وأشارَ المصنّف بها إلى ثبوت فضل الأنصار، فإنَّهم امتثلوا الأمر في نَصْره، وكان نَصْر الله له في حال التوَجُّه إلى المدينة بحفظِه من أذى المشركين الذين اتَّبَعوه ليُرُدُّوه عن مَقصِده. وفي الآية أيضاً فضل أبي بكر الصِّدِّيق لأنَّه انفَرَدَ بهذه المَنقَبة، حيثُ صاحَبَ رسولَ الله وَ لَ في تلك السَّفرة ووَقَاه بنفسِه كما سيأتي، وشَهِدَ الله له فيها بأنَّه صاحبُ نبِّه. قوله: ((وقالت عائشة وأبو سعيد وابن عبّاس: كان أبو بكر مع النبي (وَلّ في الغار)) أي: لمَّا خَرَجا من مكَّة إلى المدينة، وحديث عائشة سيأتي مُطوَّلاً في ((باب الهجرة إلى المدينة)) (٣٩٠٥)، وفيه: ((ثُمَّ لَحِقَ رسول اللهِوَ ◌ّهِ وأبو بكر بغارٍ في جبل ثَوْر)) الحديثَ. وحديثُ أبي سعيد أخرجه ابن حِبّان (٦٦٤٤) من طريق أبي عَوَانة عن الأعمش عن أبي صالح عنه في قصَّة بَعْث أبي بكر إلى الحجّ، وفيه: فقال له رسول الله وَ لي: ((أنتَ أخي وصاحبي في الغار)) الحديث. وحديثُ ابنِ عبَّاس (٤٦٦٥) في تفسير براءة في قصّة ابن عبّاس مع ابن الزُّبَير، وفيها قول ابن عبّاس: ((وأمَّا جَدُّه فصاحبُ الغار)) يريد: أبا بكر، ولابن عبَّاس حديث آخر لعلّه أمَسُّ بالمراد، أخرجه أحمد (٣٠٦١) والحاكم (١٣٢/٣ -١٣٤) من طريق عَمْرو بن ميمون عنه قال: كان المشرِكونَ يَرِمُونَ عليّاً وهم يَظُنّونَ أنَّه النبي ◌َّلێ، فجاء أبو بكر فقال: يا رسول الله، فقال له عليّ: إِنَّه انطَلَقَ نحو بئر ميمونٍ فأَدرِكْه، قال: فانطَلَقَ أبو بكر فدَخَلَ معه الغار ... الحديثَ. وأصلُه في التِّرمِذي (٣٧٣٢) والنَّسائي (ك ٨٤٠٩) دون المقصود منه هنا. وروى ١٧ باب ٢ / ح ٣٦٥٢ كتاب فضائل الصحابة الحاكم(١) من طريق سعيد بن جُبير عن ابن / عبَّاس في قوله تعالى: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ, ١٠/٧ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠]، قال: على أبي بكر، وروى عبدُ الله بن أحمدَ في ((زيادات المسنَد)) من وجه آخر عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله وَّ: ((أبو بكر صاحبي ومُؤْنِسي في الغار)) الحديث(٢)، ورجاله ثقات. ٣٦٥٢ - حدَّثنا عبدُ الله بنُّ رَجاءٍ، حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: اشتَرَى أبو بكرٍ ﴾ من عازبٍ رَحْلاً بثلاثةَ عشرَ دِرِهَماً، فقال أبو بكرٍ لِعازبٍ: مُرِ البراءَ فليَحمِل إليَّ رَحْلي، فقال عازبٌ: لا، حتَّى تُحدِّثَنَا كيفَ صَنَّعتَ أنتَ ورسولُ الله ◌َِّ حِينَ خَرَجتُما من مكَّةَ، والمشرِكونَ يَطْلُبُونَكُم؟ قال: ارتَحَلْنا من مكَّةً فَأَحْيَينا أو سَرَيْنا ليلتنا ويومَنا حتَّى أَظهَرْنا، وقامَ قائمُ الظَّهيرةِ، فَرَمَيتُ بِبَصَري هل أرَى من ظِلِّ فَآويَ إليه، فإذا صخرةٌ أتيتُها، فنظرتُ بقيَّةَ ظِلِّ لها فسَوَّيْتُهُ، ثمَّ فَرَشتُ للنبِّ ◌َّهِ فِيه، ثمَّ قلتُ له: اضطَجِعْ يا نبيَّ الله، فاضطَجَعَ النبيُّوَِّ، ثمَّ انطَلَقتُ أَنْظُرُ ما حَوْلي هل أَرَى مِن الطََّبِ أحداً، فإذا أنا براعي غَنَمِ يَسوقُ غَنَمَه إلى الصخرةِ، يريدُ منها الذي أرَدْنا، فسألتُه: فقلتُ له: لمَن أنتَ يا غلامُ؟ فقال: لِرجلٍ من قُرَيشٍ، سَمّاء فَعَرَفَتُه، فقلتُ: هل في غَنَمِكَ من لَبَنٍ؟ قال: نعم، قلتُ: فهل أنتَ حالبٌ لنا ◌َبناً؟ قال: نعم، فأمَرتُه فاعتَقَلَ شاةً من غَنَمِه، ثمّ أُمَرتُه أن يَنفُضَ ضَرْعَها مِن الغُبار، ثمّ أمَرتُه أن يَنْفُضَ كَفَّيِهِ، فقال هكذا: ضَرَبَ إحدَى كَفَّيه بالأُخرَى، فحَلَبَ لِ كُثْبةً من لَبَنٍ، وقد جَعَلتُ لِرسولِ الله وَله إِدَاوَةً على فَمِها خِرقةٌ، فصَبَبتُ على اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أسْفَلُه، فانطَلَقتُ به إلى النبيِّ وَِّ، فوافَقتُه قدِ اسْتَقَظَ، فقلتُ: اشرَبْ يا رسولَ الله، فشَرِبَ حتَّى رضيتُ، ثمَّ قلتُ: قد آنَ الرَّحیلُ یا رسولَ الله، قال: (بَلَى)) فارَلْنا والقومُ يَطلُبُونَنا، فلم يُدرِكْنا أحدٌ منهم غيرُ سُرَاقَةَ بنِ مالكِ بنِ مُعِثُمٍ على فرسٍ له، فقلتُ: هذا الطََّبُ قد لَحِقَنا يا رسولَ الله، فقال: ((لا تَحَزَنْ، إنَّ الله مَعَنا)). (١) لم نقف عليه في المطبوع من ((المستدرك))، وأخرجه من هذه الطريق البيهقي في ((الدلائل)) ٢/ ٤٨٢. (٢) كذا نسبه الحافظ إلى عبد الله بن أحمد في الزيادات، وهو في ذلك متابع للهيثمي في ((مجمع الزوائد» ٤٢/٩، وهو وهمٌ، والحديث أخرجه أبو بكر القَطيعي في زياداته على ((فضائل الصحابة)) لأحمد (٦٠٣) وأبو نعيم في («الحلية)) ٣٠٣/٤ و٢٥/٥، وإسناده ضعيف لضعف محمد بن يونس الكُدَيمي شيخ القطيعي، وهو من بضعة أحاديث انفردت بها إحدى نسخ الظاهرية لـ((المسند))، انظر ((المسند)) ١٣٠/٥. ١٨ باب ٢ / ح ٣٦٥٢ فتح الباري بشرح البخاري ﴿تُرِيِحُونَ﴾ [النحل: ٦]: بالعَشِيِّ، ﴿تَسْرَحُونَ﴾: بالغَداةِ. قوله: ((حدَّثنا عبد الله بن رَجَاء)) هو الغُدَاني - بضمِّ المعجَمة وتخفيف الدّال المهمَلة وبعد الألف نونٌ ۔ بصري ثقة، و كذا بقية رجال الإسناد. قوله: ((فقال عازب: لا، حتَّی تُحدِّثنا)) کذا وقع في رواية إسرائيل عن أبي إسحاق، وقد تقدَّم في «علامات النُّبَوَّة)) (٣٦١٥) من رواية زُهَير عن أبي إسحاق بلفظ: ((فقال لِعازبٍ: ابعَث ابنك تَحِمِله مَعي، قال: فحَمَلتُه معه وخرج أبي يَنتَقِد ثَمنَه، فقال له أبي: يا أبا بكر، حَدِّثني))، وظاهر هما التخالُف، فإنَّ مُقتَضى رواية إسرائيل: أنَّ عازباً امتَنَعَ من إرسال ولده مع أبي بكر حتَّى يُحدِّثَهم، ومُقتَضى رواية زُهَير: أنَّه لم يُعلِّق التَّحديثَ على شرطٍ، ويُمكِن الجمعُ بين الرِّوايتَينِ: بأنَّ عازباً اشتَرَطَ أوَّلاً، وأجابَه أبو بكر إلى سؤاله، فلمَّا شَرَعوا في التوَتُّه استَنَجَزَ عازبٌ منه ما وَعَدَه به من التحديث ففَعَل. قال الخطَّابي: تَسَّكَ بهذا الحديث مَن استَجازَ أَخْذَ الأُجرة على التَّحديث، وهو تَسُّك باطِل، لأنَّ هؤلاء الَّخذوا التحديث بضاعة، وأمَّا الذي وَقَعَ بين عازب وأبي بكر فإِنَّما هو على مُقتَضى العادة الجارية بين التُّجار: بأنَّ أتباعهم يَحمِلونَ السّلعة مع المشتَري، سواءٌ أعطاهم أجرة أم لا. كذا قال، ولا ريبَ أنَّ في الاستدلال للجواز بذلك بُعداً، لتَوقُّفِه على أنَّ عازباً لو استَمرَّ على الامتناع من إرسال ابنه لاستَمرَّ أبو بكر على الامتناع من التَّحديث، والله أعلم. قوله: ((فإذا أنا براعٍ)) لم أقِفْ على تسميته ولا على تسمية صاحب الغنم، إلّا أنَّه جاء في حديث عبد الله بن مسعود شيء تَسَّكَ به مَن زَعمَ أنَّه الراعي، وذلك فيما أخرجه أحمد (٣٥٩٨) وابن حِبّان (٧٠٦١) من طريق عاصم عن زِرّ عن ابن مسعود قال: كنت أرعى غَنَاً لِعُقْبَةَ بن أبي مُعَيط، فمرَّ بي رسول الله وَّهِ وأبو بكر فقال: يا غلامُ، هل من لَبَن؟ قلت: نعم، ولكنّي مُؤْتَمَن ... الحديثَ، وهذا لا يَصلُح أن يُفَسَّر به الراعي في حديث البراء بنِ عازبٍ، لأنَّ ذاكَ قيل له: ((هل أنتَ حالبٌ؟ فقال: نعم)) وهذا أشارَ بأنَّه غير حالب، وذاكَ حَلَبَ من شاةٍ حافلٍ (١)، وهذا من شاة لم تُطَرَقْ ولم تَحمِل، ثمَّ إِنَّ في بقية هذا الحديث ما يدلّ (١) الشاة الحافل: هي الكثيرة اللبن، العظيمة الضرع. انظر ((اللسان)) (حفل). ١٩ باب ٢ / ح ٣٦٥٢ كتاب فضائل الصحابة على أنَّ قِصَّته كانت قبل الهجرة لقوله فيه: ((ثُمَّ أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله، عَلِّمني من هذا القول)) فإنَّ هذا يُشعِر بأنَّها كانت قبل إسلام ابن مسعود، وإسلامُ ابن مسعود كان قديماً قبل الهجرة بزمانٍ، فبَطَلَ أن يكون هو صاحبَ القصَّة في الهجرة، والله أعلم. قوله: ((فَشَرِبَ حتَّى رضيت)) وَقَعَ في رواية لُوَين عن حُدَيج (١)، عن أبي إسحاق: ((قال أبو إسحاق: فَتَكلَّمَ بكلمةٍ والله ما سمعتُها من غيره)) كأنَّه يعني قوله: ((حتَّى رضيتُ)) فإنَّهَا مُشعِرة بأنَّه أَمعَنَ في الشُّرب، وعادتُه المألوفة كانت عَدَم الإمعان. قوله: ((قد آنَ الَّحيل يا رسول الله)) أي: دَخَلَ وقتُه، وتقدَّم في علامات النُّبَوَّة (٣٦١٥): فقال رسول الله وَسيه: ((أَلمْ يَأْنِ الرَّحيلِ؟)) قلت: بلى، فيُجمَع بينهما بأن يكون النبيُّ وَ ◌ّهِ بَدَأْ فسأل، فقال له أبو بكر: بلى، ثمَّ أعادَ عليه بقوله: قد آنَ الرَّحیل. قال المهلَّب بن أبي صُفرة: إِنَّمَا شَرِبَ النبيِ وَ ﴿ من لَبَن تلك الغنم، لأنَّه كان حينئذٍ في زمن المُكارَمة، ولا يعارضه حديثه: ((لا يَحِلُبَنَّ أحد ماشية أحد إلّا بإذنِهِ))(٢)، لأنَّ ذلك وَقَعَ في زمن التَّشاحٌ، أو الثاني محمول على التسوُر والاختلاس، والأوَّلُ لم يقع فيه ذلك بل قَدَّمَ أبو بكر سؤال الراعي: هل أنتَ حالبٌ؟ فقال: نعم، كأنَّه سألَه: هل أذِنَ لك صاحب الغنم في حَلْبها لمن يَرِدُ عليك؟ فقال: نعم، أو جَرَى على العادة المألوفة للعَرَبِ في إباحة ذلك والإذن في الحَلْب على المارِّ ولابن السَّبيل، فكان كلَّ راع مأذوناً له في ذلك. وقال الدّاوودي: إنَّما شَرِبَ من ذلك على أنَّه ابن سبيل وله شُرب ذلك إذا احتاج، ولا سيَّما النبيُّ ◌َّهِ، وأبعَدَ مَن قال: إنَّما استَجازَه لأنَّه مالُ الحَرْبِي، لأنَّ/ القتال لم يكن فُرِضَ ١١/٧ بعدُ ولا أُبيحَت الغنائم. وقد تقدَّم شيءٌ من هذه المباحث في هذه المسألة في آخِرِ اللُّقَطة (٢٤٣٩)، وفيها الكلام على إباحة ذلك للمُسافِرِ مُطلَقاً. (١) تحرف في (س) إلى: في رواية أوس عن خديج. ولُوين هذا: هو محمد بن سليمان المصّيصي، محدِّث مشهور، وروايته هذه في ((جزئه)) (١)، وعنه البغوي في «الجعديات)) (٢٦٦٨) عن حُدَيج بن معاوية. (٢) سلف برقم (٢٤٣٥)، وأخرجه مسلم برقم (١٧٢٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ٢٠ باب ٢ / ح ٣٦٥٣ فتح الباري بشرح البخاري وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم: خِدمة التابع الحُرِّ للمتبوع في يَقَظَته والذَّبُّ عنه عند نومه، وشِدَّةُ مَحَبَّة أبي بكر للنبي وَّهِ وأدبُه معه وإيثارُه له على نفسه، وفيه أدَب الأكل والشُّرب واستحبابُ التَّنظيفِ لمَا يُؤْكَل ويُشرَب، وفيه استصحاب آلة السَّفَر كالإدَاوَة والسُّفْرة ولا يَقدَحُ ذلك في التوَكُّل، وستأتي قصَّة سُرَاقة في الهجرة (٣٩٠٦) مُستَوفاة إن شاء الله تعالى، وأورَدَها هنا مختصرة جدّاً وفي علامات النُّبُوَّة (٣٦١٥) أتمَّ منه. تنبيه: أورَدَ الإسماعيلي هذا الحديث عن أبي خليفة عن عبد الله بن رجاء شيخ البخاري فيه فزاد في آخره: ((ومضى رسول الله وَ له وأنا معه حتَّى أتينا المدينة ليلاً، فَتَنَازَعَه القوم أيُّهم يَنزِل عليه)»، فذكر القصَّة مُطوَّلة، وسأذكر ما فيها من الفوائد في ((باب الهجرة)) (٣٩٠٥) إن شاء الله تعالى. قوله: (﴿تُرِيُحُونَ﴾ بالعَشي، و﴿َتَسْرَحُونَ﴾ بالغَدَاة)) هو تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ تُرِبِحُونَ وَحِينَ تَتْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، وهو تفسير أبي عبيدة في ((المجاز))، وثَبَتَ هذا في رواية الكُشْمِيهني وحده، والصواب أن يَثْبُت في حديث عائشة في قصَّة الهجرة (٣٩٠٥) فإنَّ فيه: ((ويَرعَى عليهما عامرُ بن فُهَيرة ويُريحُها(١) عليهما)) فهذا هو محلٌّ شرح هذه اللَّفظة بخلاف حديث البراء، فلم يجرِ فيه لهذه اللَّفظة ذِكْر، والله تعالى أعلم. ٣٦٥٣- حدَّثْنا محمَّدُ بنُ سِنانٍ، حدَّثنا همَّامٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، عن أبي بكرٍ ﴾﴾، قال: قلتُ للنبيِّ وَِّ وأنا في الغار: لو أنَّ أحدَهم نَظَرَ تحتَ قَدَمَيهِ لأبصَرَنا، فقال: «ما ظنُّكَ يا أبا یکرِ باثنین اللهُ ثالثُهم)». [طرفاه في: ٣٩٢٢، ٤٦٦٣] قوله: ((عن ثابت)) في رواية حِبّان بن هلال في التفسير (٤٦٦٣) عن همَّام: حدَّثنا ثابت. قوله: ((عن أنس عن أبي بكر)) في رواية حِبّان المذكورة: حدَّثنا أنس حدَّثني أبو بكر. قوله: ((قلت للنبيِّ ◌َ﴿ وأنا في الغار)) زاد في رواية حِبّان المذكورة: فرأيت آثار المشركين، وفي رواية موسى بن إسماعيل عن همَّام في الهجرة (٣٩٢٢): فَرَفَعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم. (١) في (س): ((ويرعى عليها)) بالإفراد، و((يريحهما)) بالتثنية، وكلاهما تصحيف.